الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة النهضة الاصلاحية
بقلم
مصطفى الوسيف الحمامي
أحد العلماء وخطيب الحرم الزينبي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
للعلامة الكبير قليل المثل في هذا العصر حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد زاهد الكوثري، وكيل مشيخة الإسلام بالدولة العثمانية سابقاً، قال أطال الله حياته:
كلمة في «النهضة الإصلاحية»
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فجر ينابيع الحكمة من قلوب العلماء المخلصين المخلصين، وأجرى على ألسنتهم من الحكمة والموعظة الحسنة ما يَهْدي المستهدين، وأطلق أقلامهم بما يبين مواطن العلل من المجتمع وطُرُقَ مداواتها أتم تبيين، والصلاة والسلام على سيدنا ومنقذنا محمد سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الهادين المهديين وأتباعهم الغُر الميامين، صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن من منن الله جل جلاله في هذا العصر الذي ادهمتْ فيه الأجواء بشرور الطوائف الهالكة، أن أقام علماء أجلاء لحراسة المجتمع الإسلامي من عللهم الفاتكة، ليحيا مَنْ حَيَّ عن بيِّنة، ويهلك من هلك بدون عذر.
وممن أقامهم الله سبحانه في عداد حُراس دين الله العلامة اللوذعي، والتحرير الألمعي، قرة عيون الأصفياء، فخر العلماء الأتقياء، أخطب العلماء،
الجزء 1 · صفحة 7
وأعلم الخطباء، مالك أزمة البيان، فارس ميدان الدعوة إلى الإيمان، سيف الله المسلول على أهل البدع، وآية الله في الإرشاد إلى سبيل التقى والورع، ذلك الحبر البحر الطامي، الشيخ مصطفى بن أبي سيف الحمامي، خطيب الجامع الزينبي بالقاهرة، أطال الله بقاءه، وأعلى منزلته في الدنيا والآخرة.
فإنك تراه لا يُجاريه في هذا المضمار، عالم من العلماء الكبار، وقد وقف حياته من صغره لإرشاد المنحرفين إلى طريق الاستقامة باذلاً في هذا السبيل كل نفيس بدون كسل ولا سآمة، فبينما تراه يخطب على ألوف مؤلفة من المسلمين يرشدهم إلى ما فيه نَجاتهم إذ هو يُنشىء مقالات - وأي مقالات - في مداواة أمراض الأمة، فتنشر في الصحف والمجلات، ويؤلف مؤلفات ضخاماً في هذا السبيل فيتخاطفُها الناس في مشارق الأرض ومغاربها، عرفاناً منهم بجميل نفعها في الإنقاذ من المهالك، والإرشاد إلى أقوم المسالك فكم له من مقالات جاد بها يراعه الفياض في صيانة الأسرة الإسلامية، من الأمراض الاجتماعية، والموبقات العصرية وكم له من مؤلفات ممتعة في هذا الصدد! وقد نشرت مقالاته مبعثرةً في الصحف والمجلات، وقد تفضل اليوم بجمع بعض تلك المقالات القيمة في صعيد واحد ونَشَرها في كتاب واحد ضخم، مع زيادات وأي زيادات باسم النهضة الإصلاحية للأسرة الإسلامية.
والقارىء الكريم يتنقل فيها من روضة غناء، ذات أزهار فيحاء، إلى مثلها في ربيع دائم، يجد فيها رَوْحاً وريحاناً، وما يوصله إلى دار النعيم، جزى الله سبحانه مؤلفها عن الدين خيراً، ولا أراه شرّاً ولا ضيراً، فإنه قام بواجب عظيم حق القيام، في زمن طَغَتْ وبَغَتْ فيه الموبقات حتى استغوت كثيراً من الصالحين والصالحات.
الجزء 1 · صفحة 8
ولم يَدَعْ ذلك المؤلفُ العظيم في «نهضته الميمونة مما يهم المجتمع الإسلامي أفراداً وجماعات في العبادات والمعاملات والأخلاق وجميع ما يمس هذه الحياة وحياة الدار الآخرة من المسائل - إلا وقد بين ما لها وما عليها بيان من قتل هذه المهمة الشاقة بحثاً من كل نواحيها. فيخيل إلى أن مؤلَّفَها الفاضل ليس هو ذلك الشخص الكريم الذي يخطب ويَعِظُ ويدرِّسُ في الجامع الزينبي فقط، بل هو في وعظ دائم، وخطبة متواصلة، في أقطار الأرض، يتنقل لحظةً فلحظةً في مشارق الأرض ومغاربها، يخطُبُ ويَعِظُ في كلِّ مسجد، وكل ناد، وكل مجلس على توالي الآنات وتعاقب الساعات، ليل نهار، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويهتدي الناسُ زُرَافاتٍ ووحداناً إلى الحق بكلماته الحكيمة، حيثُ تتداول الأيدي كتبه ولا سيما هذا الكتاب مطالعةً ومدارسةً وإلقاء في جميع البلاد على تعاقب الساعات.
وهو بهذا العمل أصبح أمةً لا شخصاً واحداً يخطب في القاهرة فقط (وكان إبراهيم أمة)، وكم له من أبحاث وتحقيقات في الكتاب لا تُوجد في غيره من الكتب كتحقيقه في مسألة التصوير ومسألة أبوي النبي صلى الله عليه وسلَّم -. وكلُّ ذلك بأسلوب يَسْتَلب الألباب، وبيان يلقى كل إعجاب، وها هو الكتاب بين يديك وهو أصدق برهان على ما قلنا.
أطال الله بقاء مؤلفه العظيم، وأدام النفع بعلومه، ووفقه في صحة وعافية لكثير وكثير من أمثال أمثاله بمنه وكرمه.
وصلى الله على سيدنا ومنقذنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.