الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة النبذ في أصول الفقه الظاهري
تأليف
الإمام الحافظ علي بن أحمد بن حزم
الأندلسي القرطبي الظاهري
المتوفى سنة 458هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة في المذهب الظاهري و «النبذ» لابن حزم
مَضَتْ فقهاء الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم على الأخذ بالكتاب والسنة، وبما جرت عليه جماعة الفقهاء، وبرد الشيء الذي لم يرد فيه نص إلى نظيره الذي ورد فيه نص، وإن اختلفوا في وجوه دَلالة تلك الأدلة، وشروط الأخذ بها. وبعد انعقاد الإجماع على تلك الأصول حاول محاولون التشكيك في كل منها. فقال قائل: إن دلالة الأدلة النقلية ظنيةٌ مطلقاً، وسَرَدَ في ذلك ما شاء من الوساوس، واشترط شارط في قبول السنة شروطاً تُسْقِط جُلَّها من مقام الاحتجاج، وأتى إبراهيم بن سَيَّارِ النَّظامُ فأبدى وجوه تشغيب في حجية الإجماع والقياس الشرعي، ولم يتحاش في ذلك النيل من الصحابة.
ثم وثم إلى أن جاء داود بن علي الأصْبَهاني - ولد بالكوفة وكان أبوه علي بن خَلَف يتولى كتابة عبد الله خالد الكوفي قاضي أصفهان أيام المأمون ـ فتفقه على إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، ثم انتحل القولَ بالظاهر، ونفى القياس في الأحكام قولاً، واضطر إليه فعلا، فسماه دليلاً ـ كما يقول أحمد بن كامل الشَّجَري القاضي - وقد نُسب إليه أنه كان يقول في القرآن: «أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق»، وهذا مما لا يقوله عالم! وفيه يقول أبو العباس عبد الله بن محمد الناشيء:
الجزء 1 · صفحة 7
جهلت ولم تَعْلَمُ بأنك جاهل ... فمن لي بأنْ تَدْرِي بأنك لا تَدْري؟!
ولم يكن الإمام أحمد يرضى دخوله عليه لسوء معتقده في نظره، حتى إن الحنابلة يروون عن أحمد كلمةً شديدة في حقه، ضربنا عن ذكرها صفحاً. أشد وكان من الناس على داود: إسماعيل القاضي المالكي، وقد جرَّاً داود العامة على ما لا قبل لهم به، من أخذ الأحكام مباشرةً من الكتاب والسنة، حيثُ حرم عليهم التقليد، وكان يقعد للمناظرة وقد دخل عليه أبو سعيد البَرْدَعي شيخ أبي الحسن الكَرْخي، فسأله أمهات الأولاد فقال: يجوز لأنا أجمعنا على جواز بيعهنَّ قبل العلوق، فلا نزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله.
فقال له البَرْدَعيُّ: أجمعنا على أن بيعها بعد العُلوق قبل وضع الحمل لا يجوز، فيجب أن نتمسك بهذا الإجماع، ولا نزول عنه إلا بإجماع مثله! فانقطع داود. ومن المتشددين في داود وأتباعه: إسماعيل القاضي، وأبو بكر الرازي الجَصَّاص، وأبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين حتى إنهم لا يَعْتَدُّون بخلافهم. وحمل الجلالُ المَحَلِّي كلامَ إمام الحرمين على ابن حزم، وهذا ليس بجيد، لأن مذهب ابن حزم ما كان اشتهر في زمن إمام الحرمين في الشرق، وقوله في «النهاية» صريح في أن كلامه في داود، وأتباعه كما أن كلام أبي بكر الباقلاني وابن أبي هريرة صريح في ذلك.
وألف داود كتباً كثيرةً في مذهبه وخَلَفه ابنه أبو بكر محمد بن داود ونشر علم والده، فانتشر القول بالظاهر في الشرق، حتى كان المذهب الظاهري رابع المذاهب الأربعة في القرن الرابع كما في أحسن التقاسيم»، ثم حل محله المذهب الحنبلي في البلاد الشرقية منذ زمن القاضي أبي يعلى الحنبلي.
الجزء 1 · صفحة 8
وكان من أفذاذ العلماء في المذهب الظاهري في الشرق: إبراهيم بن جابر البغدادي، وعبد الله، وعبد الله بن أحمد بن محمد بن المُغَلّس، وأبو الحسين محمد بن الحسين البصري الظاهري، ورُويم بن أحمد الصوفي وأبو القاسم عبيد الله بن علي الكوفي صاحب الطحاوي، وأبو بكر محمد بن موسى بن المثنى النهرواني، وعلي بن محمد البغدادي، وبشر بن الحسن القاضي، ومحمد بن إسحاق القاشاني، وأحمد بن محمد بن صالح المنصوري والحسن بن عُبيد والحسين بن عبد الله السمرقندي، وعبد العزيز بن أحمد الخَزَري، وأبو بكر محمد بن الأخضر، وأبو الفرج الفامي، وأبو نصر يوسف بن عمر، وأبو سعيد الرقّي، وأبو الطيب بن الخلال، وإبراهيم بن أحمد الرباعي، ومحمد بن سعيد صاحب أصول الفتوى، وأبو الحسن حيدرة بن الزَّنْدَرُوذي، ويوسف بن يعقوب بن مهران، ومحمد بن عمر الداودي.
وقد ولي جماعة منهم القضاء، وكانوا يَرْعَوْن الخلاف في مسائل القضاء، فخ شذوذهم وغلوهم، فاعتد بهم بعض الفقهاء. ثم انطوت صحيفتهم بالشرق في القرن الخامس، فجد بالأندلس بعد أن مهدَ السبيل إليه بَقِي بن مخلد، وابن وضاح، وقاسم بن أَصْبَغ.
حيث قام ابن حزم بعد أن اكتهل يتفقه إلى أن أصبح يناهض فقهاء الملة، فأخذ يدعو إلى الأخذ بالظاهر ونبذ التمذهب، وعلى سَعَة علمه كان كثير التهجم والاستطالة، حتى عُدَّ لسانه كسيف الحجاج، وقد امتحن مراتٍ في فتن، إلى أن انطوت حياته في غاية من البؤس، مع أنه كان مُنَشَّاً في الحلية، ربيب نعمة، لأنه من بيت وزارة. سامحه الله.
الجزء 1 · صفحة 9
ثم تفرق أصحابه في بلاد الله فَقُبر مذهبه هناك، وكان الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين من أصحابه الذين هَرَبوا إلى الشرق، فذاعت كُتب ابن حزم في الشرق بواسطته، ومنه أخذ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي القول بالظاهر، وكانت ظاهرية الأندلس أكثَرَ غُلُواً حتى إن الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن لما تولى الحكم أحرق تحزباً لأهل الظاهر «مدونة» سحنون، و «نوادر» ابن أبي زيد و واضحة ابن حبيب وما جانس تلك الكتب، ولم يقع مثل ذلك في الشرق.
وكان ابن حزم شديد الانحراف عن الأشاعرة وكان أشدَّ حَملاته على المالكية، ثم الحنفية، ثم الشافعية، وحيثُ كانت نشأته في بيت عزّ واعتزاز كان يطمح إلى التفرد بمذهب ليكون متبوعاً لا تابعاً ففعل بين ضوضاء الأخذ والرد، ولم يؤده قوله بالظاهر إلى مذهب الحشوية في المعتقد، بل كان شديداً عليهم أيضاً، وكان يرى التنزية البالغ هو مقتضى الأخذ بظاهر الكتاب والسنة.
ومما يُحكى أنه كان يَتَسَايَر هو وابن عبد البر فاستقبلهما غلام وضيء الوجه، فأبدى ابن حزم استحسانه، فقال له ابن عبد البر: لعل ما تحت الثياب ليس هناك فارتَجَلَ ابنُ حزم شعراً وأنشده إلى أن قال:
ألم تَرَ أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل
وهذه الحكاية تُذكَّرنا ما جَرَى بين ابن دقيق العيد وأبي حيان من الحديث المنقول في الطالع السعيد» سامحهم الله. وقد أشرت في «الإشفاق» إلى قول أهل العلم في ابن حزم، إلا أن أمهات كتبه في الفروع، والأصول، والمعتقد، قد طبعت فانتشرت آراؤه في الشرق، فأصبح العلماء في حاجة إلى مدارسةِ كُتبه ليكونوا على
الجزء 1 · صفحة 10
بينة من أمرها في حالتي الأخذ والرد، وكتاب «النبذ» له في أصول الفقه الظاهري صورة مصغرة من كتاب «الأحكام» له، ألفه ليكون تمهيداً ومدخلاً له، وفيه من البحوث ما ليس في الأصل، مع تلخيص كتاب «الأحكام» في التدليل على رأيه في الإجماع والقياس وما إليهما من المطالب، وبالاطلاع عليه يحصل الإلمام بأصول مذهبه بأيسر، مدة، وأقصر طريق، وسنشير بتوفيق الله سبحانه إلى أهم مواضع النقد فيه بقدر ما يتَّسِعُ له المقام، ومن الله جلَّ شأنه التوفيق والتسديد؟
محمد زاهد الكوثري