الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله
ووحدانيته وتنزهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم
من دلالة الحائرين
تأليف أبي عمران موسى بن ميمون الفيلسوف الإسرائيلي القرطبي
المتوفى سنة 605 هـ
و شرح تلك المقدمات للحكيم البارع الرئيس أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد التبريزي من رجال منتصف القرن التاسع الهجري
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، وخاصة على فخر رسل الله سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وآله وصحبه السادة القادة الطيبين الطاهرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
قبل التحدث عن موسى بن ميمون الفيلسوف الإسرائيلي وكتابه (دلالة الحائرين) أريد أن أشير إشارة عابرة هنا إلى رجال من اليهود، عرفوا في مطاوي التاريخ الإسلامي بما أثاروا على طول التاريخ في البلاد الإسلامية من أحداث يجب استذكارها، لما في ذلك من عبر تدعو إلى اليقظة والتبصر
فمن هؤلاء عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليماني، كان يتعثر في أذياله في سبيل الركض وراء إثارة فمن بين الصحابة رضي عنهم متنقلا بين اليمن والحجاز والبصرة والكوفة، ومصر والشام للدس وتعكير الصفاء بين المسلمين في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما أيام كان المسلمون ما خبروا أساليب الماكرين وطرق فتن الفاتنين من قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور على ما في صحيح البخاري وغيره.
و نتائج تلك الفتن ماثلة أمام كل باحث مدونة في كتب ثقات المؤرخين، من علماء هذه الأمة من أمثال ابن أبي خيثمة وابن جرير وابن عساکر وابن
الجزء 1 · صفحة 7
السمعاني وابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير والمقريزي وغيرهم فضلا عما هو مدون في كتب النحل المؤلفة على توالي القرون.
رغم محاولة بعض المسفسطين من أبناء اليوم إنكار وجود شخص يقال له عبد الله بن سبأ فضلا عن أن يكون أحدث تلك الأحداث، ضاربا أقوال هؤلاء القادة السادة عرض الحائط، فيما يمس بني العمومة - والعرق دساس - وشأن هذا الصنف من الكتاب شأن من ينفي صلة إسماعيل عليه السلام بمكة، وشأن من ينكر وجود شخص يقال له عيسى بن مريم عليهما السلام في محاولة إنكار الشمس في رابعة النهار، وبني أعمامه، بني سيف بن عمر التميمي الذي ساق ابن جرير أنباء ابن سبأ بطريقه ضعفه أناس إلا أنه ممن توفي في عهد الرشيد، فيكون من أقدم من ألف في التاريخ في الإسلام، فإذا انفرد بخير يناقض رواية الآخرين في التاريخ أثر فيه تضعيف المضعفين فتتوقف في روايته باحثين عما يمكن أن يكون له في تلك الرواية من غرض خاص، كما فعلنا في أخباره عن حروب الردة التي ربما يكون انفراده فيها بما يخالف رواية الآخرين ناشئا من عطفه على تميم الذين سل عليهم خالد بن الوليد السيف.
وليس في أنباته عن ابن سبأ مثل هذه التهمة، ولا هو الفرد فيها بما هو يناقض رواية الآخرين فيها، والفتنة كانت قائمة في ذلك العهد فلا بد لها من مدبر، وقد ذكره من ذكره من غير أن يتهمه أحد من مؤرخي الإسلام في عصره وبعد عصره بالكذب في هذا الخبر خاصة، بل تابعه من بعده بتسجيل خبره من غير إنكار.
وقد انكشف الستر عن فتن ابن سبأ في عهد علي بن أبي طالب كرم الله
الجزء 1 · صفحة 8
وجهه ولم ينفرد بأنباء تلك الفتن في عهده كرم الله وجهه وفتن المهديين متواصلة فماذا يكون وجه استبعاد أن يكون هو مدير الفتن في عهد عثمان رضي الله عنه أيضا، ففتنه في العهد اللاحق إكملة لفتنه في العهد السابق، والشئ من معدنه لا يستغرب، ومسعى قومه في الفتن طول التاريخ حقيقة ملموسة لا يتجاهلها إلا من هو ضالع معهم في آخر الزمن، وقد عرفهم الناس في كل دور، بأنهم أهل مكر وغدر كما سبق – فاستبعاد سعي ابن سبأ في الفتنة في عهد عثمان بعد اعتراف مثل جولد زبهير اليهودي بذلك يكون تحزبا لليهود فوق اليهود أنفسهم، وسيف بن عمر من رجال جامع الترمذي، فلا يستغنى عن أنياته كما لا يستغنى عن أنباء الواقدي حينما لا تكون التهمة قائمة.
و ابن سبأ هذا هو الذي ابتدع عقيدة الرجعة بعد الموت في الدنيا لعلي كرم الله وجهه ولغيره من الأئمة والقول بتناسخ الأرواح وتقمصها في الأجساد كما هو المتوارث في تلمود اليهود - وكان يزعم أن عليا لم يقتل وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجئ في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق، سوطه.
و من ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة وعنه أخذوا القول بحلول الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي كرم الله وجهه كما في خطط المقريزي 4 - (182)، وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية العبيديين - حكام مصر قبل الأيوبيين - وإدعاؤهم النسب الفاطمي بعد اعتراف من اعترف منهم بأن انتماء عبيد الله ليس بولادي استقراري بل بالاستيداع مجلبة لهزء الهازتين.
فما دعواهم النسب الزكي إلا إفك وزور عند أمثال ابن رزام والباقلاني وعبد القاهر البغدادي وابن السمعاني وأبي الحسين القدوري وأبي حامد
الجزء 1 · صفحة 9
الإسفرايني وابن الأكفاني وأبي الطيب الطيري وأبي عبد الله الصيمري والمرتضى والرضي وابن الأزرق وابن الجوزي وسبطه وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن حجر والشمس السخاوي والشمس ابن طولون وغيرهم
واستبعاد ابن الأثير استنکار نسبهم وهم مجرد، وله أوهام معدودة، وابن خلدون منحرف عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فينشرح صدره لعزو تلك المخازي إلى الذين ينتمون إلى فاطمة عليها السلام كما يقول ابن حجر وغيره ولكن هذا اتهام فظيع ولعل هذا من أغلاطه المعروفة بدون أن يحمل بين ضلوعه مثل هذا الحقد الكمين، ويرمى المقريزي بالانحياز إليهم لظنه أنه منحدر النسب منهم كما ذكره السخاوي في ترجمته.
ولا مانع من أن يكون هؤلاء الثلاثة غلطوا في الرأي وكم لهم من أغلاط ليس هذا موضع شرحها ولا يتصور أن يكون جمهور أهل العلم غلطوا وأصاب هذا الشاذ أو ذاك الشاذ.
قال أبو شامة الحافظ في أزهار الروضتين في أخبار الدولتين ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد - وكان اسمه سعيدا – وكان يهوديا حدادا بسلمية) - بحمص في الشام - وقال ابن كثير في البداية والنهاية (12) - (267): (و كان أول من ملك منهم المهدي وكان من سلمية حدادا، وكان يهوديا فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي).
وعن فقيه العبيديين يعقوب بن كلس يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق كان يهوديا من أهل بغداد، خبيثا ذا مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء) –
الجزء 1 · صفحة 10
إلى أن ذكر كيف أسلم طمعا في الوزارة –
وعن فقيههم الآخر النعمان القيرواني يقول الذهبي في تاريخ الإسلام الكبير: (و تصانيفه تدل على زندقته وانسلاخه من الدين، أو أنه منافق نافق القوم، كما ورد أن مغربيا جاء إليه فقال: قد عزم الخادم على الدخول في الدعوة - يعني دعوة ملاحدة الإسماعيلية - فقال ما يحملك على ذلك؟ قال: الذي حمل سيدنا. قال: يا ولدي! نحن أدخلنا في هواهم حلواهم، فأنت لماذا تدخل؟).
وفي العبر للحافظ الذهبي وشذرات الذهبي لابن العماد (3) - 47) (النعمان بن محمد بن منصور القيرواني القاضي أبو حنيفة الشيعي ظاهرا، الزنديق باطنا، قاضي قضاة الدولة العبيدية، صنف كتاب ابتداء الدعوة وكتابا في فقه الشيعة وكتبا كثيرة تدل على انسلاخه من الدين يبدل فيها معاني القرآن ويحرفها مات بمصر سنة 363هـ) في رجب وولي بعده ابنه.
وقال ابن كثير في تاريخه (11) - 284): (وقد سلم المعز - باني القاهرة - أبا بكر النابلسي العابد المشهور ليهودي ليسلخه فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات، رحمه الله فكان يقال له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، ولم نزل فيهم بقايا خير.
فيعلم من ذلك أن سدا دولة العبيديين ولحمتها اليهودية نسبا ومحلة ولحق بهم في أواخر أيامهم موسى بن ميمون الفيلسوف اليهودي فلقي منهم كل تكريم لكن لم تطل أيام هنانه بهم حيث انطوت صحيفتهم على يد بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 11
بيد أن موسى بن ميمون تمكن من الاحتفاظ بمنزلته في عهد صلاح الدين وأبنائه بفضل القاضي الفاضل وتقديره لحذقه في الطب حتى حماه ممن حاول التمهيد للفتك به بادعاء أنه كان أسلم بالأندلس ثم تهود بمصر، قائلا له: ما صح إسلامه هناك لأنه كان مكرها) وقال ابن كثير في تاريخه (12 - 267 كانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم وأنجس الملوك سيرة وأخبتهم سريرة.
وقد ألف أبو شامة الحافظ فيهم كتابه (كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد كما ألف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني (كشف الأسرار وهنك الأسرار) في الرد على كتاب البلاغ الأعظم والناموس الأكبر لبعض قضاء العبيديين بمصر، وكان البلاقلاني يقول عنهم: (هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض)، والذي ينوهون بهم من غير نظر إلى الحقائق هم الذين يسعون في إحياء ذكر أمثال المتنبي وأبي العلاء كأنهم يرمون بذلك إلى التنويه بالإلحاد والملحدين، والله في خلقه شؤون.
و من اليهود الذين لهم فتن في التاريخ أبو إسحاق بن يعقوب الأصفهاني المعاصر للمنصور العباسي، وإليه تنسب طائفة العيسوية من اليهود. كان يقول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مرسل لكن إلى العرب خاصة، وكان يريد بذلك إفساد ما بين العرب وغيرهم ليحل عرى الإخاء الإسلامي بين المسلمين ويقضي على الإسلام مع أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا بنص القرآن الحكيم، والله سبحانه يقول: [إنما المؤمنون إخوة] و [إن أكرمكم عند الله أتقاكم وفي الحديث الشريف إن ربكم واحد وأياكم واحد فلا فضل العربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، وفي صحيح البخاري بسنده إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: (أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا يعني بلالا)
الجزء 1 · صفحة 12
وبعد قول الله وقول رسول الله وقول مثل عمر رضي الله عنه لا ينخدع بمكر ذلك اليهودي إلا من الطمست بصيرته، وتاه في مهامه الجاهلية الأولى. فنسأل الله الصون.
و لكثير من اليهود في البلاد الإسلامية براعة في الطب والفلسفة، ولثلاثة منهم أعمال خاصة تهم المشتغلين بشؤون الإسلام فتلفت إليهم الأنظار، وهم ابن ملكا وموسى بن ميمون وابن كمونة.
فالأخير هو عز الدولة سعد بن منصور البغدادي المتوفى سنة 683 هـ، ملحد صريح ألف (تنقيح الأبحاث عن الملل الثلاث تعرض فيه للنبوة محاولا أن يقضي على الأديان الثلاثة، قائلا: علي وعلى أعدائي) لكن قضى على نفسه قبل أن يقضي على الأديان، حيث ثار الناس عليه ببغداد وهموا بقتله إلا أنه وجد من يهربه في صندوق إلى الحلة فأقام عند ابنه هناك أياما ثم أدركه الموت جامعا بين الخسرانين كما يعلم مما ذكره المؤرخ الكبير عبد الرزاق الفوطي في (ص (441) من كتابه (الحوادث الجامعة في المالة السابعة).
و من مريدي هذا الملحد في آخر الزمن جميل الزهاوي - سبحان من يخرج الميت من الحي - وكان يفتخر بكتاب لابن كمونة محفوظ عنده، وكذا الرصافي المعروف وقد رد على كتاب ابن كمونة، الإمام الأصولي الفقيه النظار مظفر الدين أحمد بن علي بن تغلب الساعاتي البغدادي المتوفى سنة 694 هـ بكتاب سماع (الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود ولابن كمونة عدة مؤلفات في المنطق والفلسفة، منها شرح الناويحات للشهاب السهردوري المقتول.
و أما ابن ملكا فهو مؤلف (المعتبر) و (التعبير) أبو البركات هبة الله بن
الجزء 1 · صفحة 13
ملكا البغدادي المتوفى سنة 457 هـ عن ثلاث وتسعين سنة – ولا (علي) في نسبة (1) – قضى معظم حياته وهو متظاهر يهوديته إلى أن قال فيه أبو القاسم علي بن أفلح العيسي الشاعر:
لنا طبيب يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
وكان يتمثل بهذا أبو الحسن بن التلميذ النصراني المنافس له وفيهما يقول البديع الأسطرلابي:
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا ... وهذا بالتكبر في الحضيض
ولما سمع ابن ملكا قول ابن أفلح فيه علم أنه لا ينال تبجيلا بالنعمة التي أغدقها عليه الملك السلجوقي إلا بالإسلام فأسلم في الظاهر، والله أعلم بما في قلبه، وفي سبب إسلامه، روايات
قال الظهير البيهقي: لما أخذ ابن ملكا في مصاف المسترشد بالله والسلطان مسعود (يعني سنة 529هـ) وقرب حينه أسلم في الحال وكان من قبل يهوديا فنجا من القتل، وحسن إسلامه.
وفي رواية الصفدي: أن ابن ملكا دخل على الخليفة المستنجد فقام الحاضرون سوى قاضي القضاة، فإنه لم يقم فقال: يا أمير المؤمنين إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكوني على غير ملته، فأنا أسلم ولا ينتقصني فأسلم اهـ لكن الخليفة الذي دخل عليه ابن ملكا لا يمكن أن يكون المستنجد لتأخر توليه الخلافة
الجزء 1 · صفحة 14
عن وفاة ابن ملكا.
ويقول ابن الزاغوني: إنه كان في صحبة السلطان محمود ببلاد الجبل، وكانت زوجته الخاتون بنت عمه سنجر – وكان لها مكرما محيا معظما - واتفق أن مرضت وماتت فجزع جزعا شديدا، ولما عاين أبو البركات ذلك الجزع من محمود خاف على نفسه من القتل إذ هو الطبيب فأسلم طلبا لسلامة نفسه اهـ والله أعلم.
و قال أبو حيان في البحر (8) - 357): وأما صاحب المعتبر فهو يهودي أظهر إسلامه وهو منتحل طريقة الفلاسفة ا. هـ. وقد أوتي ذكاء وحسن بيان مع مكر بالغ وشعب ملبس يلبس بهما في غضون كلامه ما ورثه من عقيدة التشبيه من نحلته الأصلية فيروج تلبيسه على من لم يؤت بصيرة نافذة تجلو الحقائق، يتظاهر بالرد على الفلاسفة في بعض مباحث المنطق والطبيعيات والإلهيات فيكون ذلك سببا لرواج شعبه ضد بعض محدثي الحشوية في تجويز حلول الحوادث في الله سبحانه.
وأين تغير صفة العلم وصفة الإرادة الحقيقيتين من تجدد تعلقهما الاعتباري البحث؟ فإن الأول يوجب تغير الموصوف بخلاف الثاني.
ومما يقوله ابن ملكا في (المعتبر) في (3 - 45): (والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الإرادة القديمة في كونه محلالها لكن لا وجه لهذا التنزيه).
وقال في (3 - (77) عند تحدثه عن تغير الإدراك بتغير المدركات وذلك مما لم يبطل بحجة ولم يمنع بيرهان ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له، بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى).
الجزء 1 · صفحة 15
وأفاض في 3 - (83) في الرد على القائلين بوجوب التنزيه عن تغير العلم، لكن بنوع من التعمية تهيبا من الوسط الإسلامي الذي يعيش فيه، مع أن حلول الحوادث في ذات الله محال عند المتكلمين والفلاسفة في آن واحد، بل بحلول الحوادث في العالم استدلوا على حدوث العالم، فكيف يستجاز ذلك في مبدع العالم؟! جل جلاله وإن انخدع بكلام ابن ملكا ابن. في تلبيسه وتسعينيته وسبعينيته ومنهاجه ومعقوله!
بل وسع دائرة هذا التجويز إلى حد قبول الاستقرار المكاني والحركة والحد والمس والقعود والكلام بالحرف والصوت ونحوها من الأحداث في جانب الله جل شأنه مع خطورة ذلك عند أهل الحق - راجع أصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص (337)
وتوهم تغير علم الله بتغير المعلوم ناشئ من القياس على الشاهد، لكن أنى يصح قياس المنزه عن الزمان والمكان والجسمية على الشاهد الجسماني الزماني المكاني؟!
و تجدد علمنا بتجدد المعلوم المتغير ناشئ من النقص في علمنا ففي علمنا ماض ومستقبل لهذا فلا يمكننا علم الكل بمرة واحدة، بخلاف علم الله جلت عظمته لأن علمه ليس بارتسامي ولا حصولي بل حضوري وحداني يشمل المعلومات كلها على أطوارها جميعها بمرة واحدة،.
ومما يقرب ذلك إلى الفهم الفرق المشهود بين باصرتنا وباصرة النملة حيث نرى الألوان المختلفة في أعلام عريضة متوازية في جدار مثلا بمرة واحدة بخلاف النملة فإنها إذا وضعت على أي علم منها تعد نفسها تمشي في صحراء من
الجزء 1 · صفحة 16
السواد مثلا ثم في صحراء بيضاء وهكذا في باقي الألوان
فإبصارها فيه ماض ومستقبل لضعفه، بخلاف باصرتنا التي تدرك جميع تلك الألوان بمرة واحدة لكونها أقوى من باصرة النملة، وذكر ذلك لمجرد تقريب المسألة إلى الفهم على مذاق أهل الحق وإلا فلا نسبة بين صفة العبد وصفة المعبود جل جلاله، ولا يتسع المقام للإفاضة في خطورة تجويز حلول الحوادث في ذات الله.
ومن الظاهر أن من لا يرى حلول الحوادث في الجوهر دليل حدوثه لا يجد دليلا على حدوث العالم فيضطر إلى القول بقدم العالم المستلزم استلزاما أوليا استغناء العالم عن الصانع، وهذا بمعنى نفي الصانع!
وأحدوثة الحدوث الذاتي مع عدم سبق العدم حديث خرافة ابتدع لتحبيب فلسفة اليونان وللجمع بينها وبين حكمة القرآن وضرب المثل لذلك بحركة اليد وحركة المفتاح مغالطة لسبق وجود اليد سبقا زمانيا على وجود حركتها المجامعة لحركة المفتاح.
وأما موسى بن ميمون فمن أهل قرطبة ممن تخرج في الفلسفة على ابن طفيل محمد بن عبد الملك وابن رشد الحفيد محمد بن أحمد، وقد تطابقت كلمات عبد اللطيف البغدادي في (الاعتبار) وجمال الدين القفطي في أخبار الحكماء وابن أبي أصيبعة في (طبقات الأطباء) وأبي الفرج الملطي في (مختصر الدول وأبي حيان الأندلسي في (البحر المحيط والصلاح الصفدي في (الوافي) والمقريزي في (الخطط) على أن موسى بن ميمون اليهودي كان أسلم بالأندلس عندما خير بعض ملوك المغرب اليهود بين الإسلام والجلاء من مملكته، ثم رحل إلى الشرق،
الجزء 1 · صفحة 17
وأقام بمصر مظهرا لدين اليهود ومات على ذلك سنة 600 هـ أو خمس وستمائة بها. ويرى أناس من الغربيين أنه لم يسلم أصلا بل اختار الجلاء على الإسلام يريدون بذلك إبرازه بمظهر البطولة في التمسك بيهوديته رغم كل اضطهاد ولهم في ذلك ملاحظات تخالف المنصوص في التواريخ، وليس هذا المقام مما يتسع لبسط الكلام فيه.
قال أبو حيان في (7 – 472) من البحر المحيط عن موسى بن ميمون الأندلسي: (رئيس اليهود في زمانه بمصر، وكان هذا اليهودي قد أظهر الإسلام ... ورحل من الأندلس .... فلما قدم مصر - وكان ذلك في دولة العبيديين، وهم لا يتقيدون بشريعة - رجع إلى اليهودية، وأخبر أنه كان مكرها على الإسلام فقبل منه ذلك، وصنف لهم تصانيف، منها كتاب دلالة الحائرين)، وإنما استفاد ما استفاد من مخالطة علماء الأندلس، وتودده لهم، والرئاسة إلى الآن بمصر لليهود في كل مكان كان من ذريته (هـ).
ومن مؤلفاته (السراج شرح المشنا) وقال الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه عن موسى بن ميمون (ص) (43) وكان جامع المشنا يهودا (هناسي) (1) الذي كان زعيم الطوائف اليهودية بفلسطين من سنة 160 م لسنة 210).
#
(1) يقال إن موسى بن ميمون سليل يهودا هذا فيكون موسى بن ميمون عريقا في اليهودية (ز).
الجزء 1 · صفحة 18
وقال المقريزي في 4 - (367) من الخطط وبعد وضع هذا المشنا بنحو خمسين سنة قام طائفة من اليهود يقال لهم (السنهدرين) - وذلك لأكابر - وتصرفوا في تفسير هذا المشنا برأيهم وعملوا عليه كتابا اسمه (التلمود) أخفوا فيه كثيرا مما كان في ذلك المشنا، وزادوا فيه أحكاما من رأيهم وصاروا منذ وضع هذا التلمود الذي كتبوه بأيديهم وضمنوه ما هو من رأيهم ينسبون ما فيه إلى الله تعالى، ولذلك ذمهم الله في القرآن الكريم بقوله: [فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون].
و هذا التلمود له نسختان (1) مختلفتان في الأحكام والعمل إلى اليوم على هذا التلمود عند فرقة الريانيين بخلاف القرائين فإنهم لا يعتقدون العمل بما في هذا التلمود، فلما قدم عنان رأس الجالوت إلى العراق (سنة 136هـ) أنكر على اليهود عملهم بهذا التلمود، وزعم أن الذي بيده هو الحق لأنه كتب من النسخ التي كتبت من مشنا موسى عليه السلام الذي بخطه!!
#
(1) يعني الأورشليمية والبابلية وعلى البابلية تعويل الريانيين كما سيأتي (ز).
الجزء 1 · صفحة 19
والطائفة الريانيون ومن وافقهم لا يعولون من التوراة التي بأيديهم إلا على ما في هذا التلمود، وما خالف ما في التلمود لا يعبأون به، ولا يعولون عليه، كما أخبر تعالى إذ يقول حكاية عنهم: [إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ومن اطلع على ما بأيديهم وما عندهم من التوراة تبين له أنهم ليسوا على شئ وأنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. ولذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبي عولوا على رأيه، وعملوا بما في كتاب (الدلالة) وغيره من كتبه، وهم على رأية إلى زمننا ا هـ).
يريد أنه لو كان عندهم نصوص متوارثة يعول عليها، ولم تتلاعب الأيدي بكتبهم إثر أحداث اجتاحتهم وكتبهم ما تمكن أحد منهم في زمن متأخر من إحداث آراء جديدة ينصاع لها الشعب الإسرائيلي.
و قال جمال الدين القفطي في ص (210) من أخبار الحكماء في ترجمة موسى بن ميمون كان عالما بشريعة اليهود وأسرارها، وصنف شرحا للتلمود الذي هو شرح التوراة وتفسيرها ا هـ. وإنما شرح بعض أسفار التلمود، وله السراج شرح المشنا وتثنية التوراة، والكتاب الأخير الذي أدى إلى انقلاب اجتماعي بين اليهود
وفي (ص) (29) من الكنز المرصود في قواعد التلمود: (أخذ الربيون تعاليمهم ومبادئهم من الفريسيين الذين كانوا متسلطين على الشعب أيام المسيح يحضونه على اتباع ظواهر شريعة موسى ويحفظون لأنفسهم تفسير التقليدات المتصلة إليهم، وبعد المسيح بمائة وخمسين سنة خاف أحد الحاخامات .. أن تلعب أيدي الضياع بهذه التعاليم بجمعها في كتاب سماه المشنا
الجزء 1 · صفحة 20
قد زيد في القرون التالية على كتاب المشنا الأصلي شروحات أخرى صار تأليفها في مدارس فلسطين وبابل ثم علق علماء اليهود على المشنا حواشي كثيرة ... دعوها باسم (غامارة) فالمشنا مشروحة على هذه الصورة مع الغامارة كونت التلمود، فكلمة التلمود معناها كتاب تعليم ديانة وآداب اليهود، وهذه الشروحات مأخوذة من مصدرين أصليين أحدهما المسمى بتلمود أورشليم - وهو الذي كان موجودا في فلسطين سنة 230م، وثانيهما تلمود بابل – وهو الذي كان موجودا فيها سنة 590 بعد المسيح ... وتلمود بابل هو المتداول بين اليهود وهو المراد عند الإطلاق ا هـ).
و جاء في المجلد الثالث عشر من مجلة الهلال لسنة 1322 هـ الموافقة لسنة 1905 م ج 5 ص (303) ما نصه: (و قد طبعت النسخة البابلية من التلمود سنة 1520م في البندقية كاملة في 12 مجلدا ضخما، وهي أضبط الطبعات وأتقنها وتسمى طبعة بومبرج ... وأما الأورشليمية فقد طبعت مرتين الأولى في بومبرج سنة 1522م والثانية في كراكو سنة 1609 م (1).
و أما التوراة فهي عندهم خمسة أسفار التكوين والخروج والللاويين والعدد والتثنية، ولها ثلاث نسخ نسخة السبعين للربانيين، ونسخة القرانين ونسخة السامرة، وهي متخالفة لا تقر طائفة منهم بنسختي الطائفتين الأخريين، ولا نقر طائفة القرانين خاصة بالتلمود أصلا.
# (1) أما ما طبع في مدينة أمستردام في سنة 1644م، وفي سلزباج سنة 1769م، وفي فارسوفيا سنة 1863. م فكلها مشطورة (ناقصة) كما في الكنز المرصود (ص (31) (ز).
الجزء 1 · صفحة 21
وقد لقي اليهود اضطهادا شديدا دهورا وسبيا وتخريبا فقدوا بها كتبهم الأصلية، فانقطعت صلة ما بأيديهم من الكتب بموسى عليه السلام، كما يشهد بذلك التاريخ، بل في الكتب نفسها ما يبرأ منه أنبياء الله تعالى من أخلوقات مكشوفة.
ففي سفر التكوين ليس بقليل ما ينبذه العلم الصحيح والعقل السليم فضلا عن أن يثبت عن موسى عليه السلام وفيه خلق الله آدم على صورته وشبهه - وحاش الله أن يثبت أنبياؤه شبيها له، وكلمة (و شبهه) قاطعة كل احتمال للتأويل المجامع للتنزيه فتكون من الحجج الناهضة في ثبوت التحريف في التوراة.
وفي هذا السفر أيضا مصارعة يعقوب عليه السلام الله سبحانه جل إله العالمين من أن يصارعه أحد، وكم في أسفار اليهود من مظاهر يتصورون ظهور الله فيها - وما هذا إلا اعتقاد بحلول الله سبحانه في بعض مخلوقاته، وسكوت الأسفار عن البعث والجنة والنار سكوت عن أخص ما يدعو إلى اعتقاده رسل الله تعالى.
جل إله العالمين أن يركب الغمامة - وهو موجود في سفر التثنية، وفيه أيضا ذكر وفاة موسى عليه السلام ودفنه في الجواء في أرض مواب مقابل بيت فغور، وأنه لم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم –
وهذا من أجلى الحجج على أن مدون تلك الأسفار إنما دونها في زمن متأخر جدا عن وفاة سيدنا موسى عليه السلام بحيث نسوا معالم قبره ولم يكن أحد يعرف قبره ومثل هذا الجهل من أتباعه لا يتصور وقوعه إلا بعد مئات من السنين من وفاته،.
الجزء 1 · صفحة 22
وقد ألفت كتب خاصة في تبيين وجوه الأخطاء في كتبهم مما ينادي ببراءة الله سبحانه منها فنستغني بها عن سرد نماذج من تلك الأخطاء هنا.
وفي سفر دانيال رأيت قديم الآباء قاعدا على كرسي أبيض الرأس واللحية، وحوله الأملاك) ولذا كان رأس جالوت يقول: (إن معبوده شيخ أشمط) كما في (5 - 4) من كتاب البدء والتاريخ المطهر بن طاهر المقدسي
والتلمود يعد واجب الاتباع عند الربانيين وفيه: (إن تكسير جبهة خالقهم من أعلاها إلى أنفه خمسة آلاف ذراع حاش لله من الصور والمساحات، والحدود والنهايات.
وفيه أيضا: (إن في رأس خالقهم تاجا فيه ألف قنطار من ذهب وفي أصبعه خاتم تضئ منه الشمس والكواكب) كما في (1) - 221) من الفصل لابن حزم.
وفيه أيضا: (إن من شتم الله تعالى وشتم الأنبياء يؤدب ومن شتم الأخبار يموت أي يقتل ومثله في (ص 32) من (الكنز المرصود)، وفيه كثير مما في التلمود مما تقشعر بذكره الأبدان ضربنا عن ذكرها صفحا اكتفاء بما سبق.
وبعد أن ألممنا بما في كتبهم من صنوف التشبيه والتخريف ووجوه المناقضات للحقائق وأنواع الضلالات المكشوفة نتعجب من أن يكون من يكون بمنزلة موسى بن ميمون في عقله وفلسفته واتساع أفق تفكيره شارحا لتملودهم ومفسرا لمشناهم ومدونا لشريعتهم وداعيا إليها لكن: {من لم يجعل الله له نورا فما له من نور}.
بيد أن اتصال موسى بن ميمون بأمثال ابن طفيل وابن رشد الحفيد أبعده
الجزء 1 · صفحة 23
عن القول بالتجسيم وجعله يسعى في ترويج اعتقاد التنزيه في يهوديته، مع وجود نصوص في كتبهم المعتبرة بينهم، تقضي بالتجسيم الصريح، وذلك بأن يدعي أن الأنبياء إذا بعثوا في بيئات متوغلة في الوثنيات لا يصارحونهم بالتنزيه مخافة أن يعرضوا عن الدعوة بالمرة بل يجارونهم في ذلك ليتمكنوا من غرس الفضائل في نفوسهم حتى يقلعوا عن تلك السفاسف بأنفسهم شيئا شيئا، وهذا تجويز منه للكذب في حق الأنبياء عليهم السلام كذبا صريحا فيما لا مجال لتاويله في لغة التخاطب فحاشاهم من ذلك بل من تلك النصوص الصريحة في التجسم وسائر وجوه التخريف من أدلة وجود التحريف بكثرة في كتبهم.
وموسى بن ميمون يعد مهذبا لأحكام دينهم العملية ومدونا لها على أسلوب يدعو إلى استساغتها عند جماهيرهم، بدون أن يتعرض لتلك الحماقات إلا بالتأويل تقريبا لها إلى ما تلقاه من فلاسفة الإسلام من المبادئ.
وأما كتابه (دلالة الحائرين - من بني قومه اليهود - فقد ألفه باللغة العربية وبالخط العبري في ثلاثة أجزاء، وكان بتأليفه هذا بـ يتوجس خيفة من اليهود، والمسلمين في آن واحد، لأنه ألف كتابه هذا مناونا لكثير من الآراء المتوارثة بين اليهود، جاعلا دين اليهود خاضعا لمبادئ أرسطو، ومبادئ فلاسفة الإسلام التي تلقاها من أمثال ابن طفيل وابن رشد الحفيد وارتضاها لنفسه مع حملات قاسية وجهها إلى فرق المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة حسبما استلهمه من يهوديته.
فجعل كتابه هذا عربي اللغة عبري الخط، ليكون اطلاع من لا يأمن جانبهم عليه ببطء، لأنه قل بين اليهود من يعرف العربية في زمنه إلا وهو من
الجزء 1 · صفحة 24
مريديه فيستسيغ آراءه وقل أيضا بين علماء المسلمين من يلم بالخط العبري في بلاده إلا وله سهم في الفلسفة فيتسع صدره لشتى الآراء، فلا تكون ثورة من يثور عليه من الطائفتين باندفاع بل على تمهل.
لكن الغريب أنه لقي مناوأة شديدة من أهل دينه في حين أن علماء المسلمين لم يهتموا بالرد على كتابه مع أن حملاته في كتابه على فرق المسلمين كانت شديدة، ولعل ذلك التساهل منهم معه أتى من جهة سعيه الحثيث في انتشال اليهود من ورطة التجسيم المتوارث بينهم فوجدوا في عمله هذا تخفيف الشر من جانب اليهود فكان هذا شفيعا له عندهم وتعرضه لفرق المسلمين لم يبالوا به لكون سهل الرد.
على أن كتابه هذا لم يطبع إلى اليوم بالخط العربي، ومونك لما طبعه في باريس سنة 1866م) إنما طبعه بالخط العبري واللغة العربية على وضعه الأصلي.
والجزء الأول من الكتاب في نحو سبعين فصلا، في غاية التناسب والتناسق ترتيبا وتدرجا في الرأي وإن كان في مطاوي تلك الفصول آراء مردودة.
يبحث في هذا الجزء عن ذات الله سبحانه ومعرفته وتعريف توحيده عن طريق المنطق والعقل، وتأويل ما يتنافى وذلك من نصوص في كتب اليهود غير مبال أن يكون تأويله بعيدا عن لغة التخاطب ما دام موافقا للمبادئ الفلسفية عنده، مع إظهار ما له من الملاحظات والانتقادات ووجوه الفرق في نظره بين العقلية اليونانية والإسلامية واليهودية، ويجادل في مفتتح كتابه الذي يصفون الله بالأوصاف المادية مجادلة عنيفة تحملهم على الاعتراف بالتنزيه وهو يدعي أن وصف الله عز وجل بالسوالب والتنزيهات هو الوصف الصحيح الذي لا يلحقه
الجزء 1 · صفحة 25
شئ من التسامح - في نظره –
ويقول إن وصفه تعالى بالإيجابيات، فيه خطر جسيم، قد يؤدي إلى التجسيم، وإن الإنسان يقع في غلطة جوهرية إذا أراد أن يطبق ما يرى في المادة عليه سبحانه وتعالى، وإنه ليس هناك شبه بينه تعالى وبين مخلوقاته أصلا، في شئ من الأشياء. لا وجوده مثل وجودها ولا حياته شبه حياة الحي منها، ولا علمه شبه علم من له علم فيها، ولذلك كان نفي التجسيم والشبه والانفعالات عنه تعالى مما ينبغي التصريح به، لأنه لا توحيد إلا ينفي الجسمانية، إذ الجسم ليس بواحد بل مركب من مادة وصورة، وهو أيضا منقسم قابل للتجزئة.
ثم أقام النكير على أصحاب التمائم باعتبار أنها متوارثة من الوثنيين، ثم أشار إلى وجوه الفرق بين توحيد متكلمي المسلمين، وتوحيد اليهود، وناقش الفرق الإسلامية من أشعرية ومعتزلة وغيرهما مناقشة حادة لم تنته في نهاية الجزء الأول بل يرجع إليها في مناسبات شتى في الجزئين الثاني والثالث، كما يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه عن موسى بن ميمون - وهو أجاد تلخيص مباحث الأجزاء الثلاثة لدلالة الحائرين فيرجع إلى كتابه من يريد المزيد في ذلك.
ويأخذ على المتكلمين إباءهم إطلاق العلة الأولى على الله تعالى، دون إطلاق الفاعل عليه سبحانه، هربا من القول بقدم العالم، ويعد ذلك من عدم الفرق منهم بين ما بالفعل وبين ما بالقوة مدعيا أنه ليس القول بالقدم مقتضى إطلاق العلة بالمعنى الثاني بل هو مقتضى إطلاقها بالمعنى الأول فيكون الإشكال مشترك الورود بين العلة والفاعل على الإطلاق الأول دون الإطلاق الثاني، وهو لا يعبأ بعدم ورود إطلاق العلة عليه تعالى في الشرع بخلاف الفاعل.
الجزء 1 · صفحة 26
لكن تراه يوافق المتكلمين في نفي القول بقدم العالم مع مخالفته لهم في أن القول بقدمه يستلزم القول بنفي الصانع جل جلاله والواقع أن القول بقدم العالم - بمعنى أ أنه غير مسبوق بالعدم، يستلزم استغناء العالم عن الصانع، ويقول: أما اعتقاد القدم على الوجه الذي يراه أرسطو أنه على جهة اللزوم، ولا تتغير طبيعته أصلا، ولا يخرج شئ عن معتاده، فإنه هدم للشريعة بأصلها وتكذيب لكل معجزة ضرورة، وتعطيل لكل ما رغبت فيه الشريعة أو خوفت منه، اللهم إلا إن تناول المعجزات أيضا كما فعل الباطنية في الإسلام، فنخرج من ذلك بضرب من الهذيان.
وبهذا ينكشف الغطاء عن نفاة المعجزات من أبناء هذا العصر المتظاهرين بالإسلام –
ويعيب المصنف الأشاعرة والمعتزلة بأن آراءهم مبنية على مقدمات مأخوذة من كتب اليونان والسريان المناوئين للفلاسفة - مثل يحيى النحوي وابن عدي – لما يترتب على ذلك من بناء الكلام على أسس غير رصينة – في نظره – فيستضعف قولهم إن العالم محدث لتلك المقدمات، فإذا ثبت أنه محدث ثبت أنه له صانعا، أحدثه، ثم استدلالهم على أن ذلك الصانع واحد، ثم إثباتهم بكونه واحدا أنه ليس بجسم.
زاعما أن قدم العالم أو حدوثه لم يصل إلى مرتبة الثبوت بيرهان قطعي، فكيف تتخذ هذه المسألة مقدمة يبنى عليها وجود الإله ومرتتيا أن الوجه الصحيح إثبات وجود الله سبحانه ووحدانيته، ونفي الجسمانية بطرق الفلاسفة ثم يقول: وبعد أن نتأكد من صحة هذه المطالب - من غير التفات إلى البت
الجزء 1 · صفحة 27
بالحكم في العالم هل هو قديم أو محدث – يحق لنا الرجوع إلى البحث في قدم العالم أو حدوثه، ونقول فيهما كل ما يمكن الاحتجاج به.
ثم يقول: فإن كنت ممن يقنع بما قال المتكلمون، ويعتقد صحة البرهان بحدوث العالم فيا حبذا، وإن لم يتبرهن عندك ذلك بل أخذت كونه حادثا عن الأنبياء تقليدا فلا ضير.
ثم تناول موسى بن ميمون أسس نظريات لو كان الله جسما لكان متناهيا - وهذا صحيح - ولو كان متناهيا لكان قدر معلوم وشکل معلوم، ثابت - وهذا أيضا صحيح – قالوا: وكل مقدار وشكل يجوز أن يكون الله أعظم من ذلك المقدار أو أصغر، وعلى خلاف ذلك الشكل من حيث هو جسم ف فتخصيصه بمقدار
ما، وشكل ما يحتاج إلى مخصص لكن الشكل على فرض وجوده في الله يكون واجبا غير محتمل للزيادة والنقص – فيكون قولهم هذا منقوضا في أول خطوة في نظره - لكن ما من مدع لقدم جسم من الأجسام إلا وله على هذا أن يدعي وجوب مقداره الخاص ليسلم له قدمه، وليس قدم الأجسام من مذهبه
كما أن استنتاج المدعي الدعوى المجردة ليس من مناهج أهل النظر في شئ مع ظهور أن المقدار الخاص كم متصل طارئ على الجسم تعالى الله أن يكون محلا للإعراض ومع ظهور هذا توهم صاحب الدلالة فحاول نقض دليل المتكلمين بهذا الكلام المتداعي، وإن كان عنده براهين أخرى تثبت تنزيه الله عن الجسمية.
فيستغرب من الشيخ الحراني إهماله لتلك البراهين المسرودة في دلالة
الجزء 1 · صفحة 28
الحائرين في تنزيه الباري عن الجسمية - مع اطلاعه عليها - وأخذه بتلك المحاولة الساقطة في معقوله عند رده على السيف الآمدي قوله باستحالة تحديد الله بجهة لاحتياج ذلك إلى مخصص كما هنا على طبق ما صنع في أخذه عن ابن ملكا ما انفرد به عن النظار من تجويز حلول الحوادث في الله تعالى الله عما يقول المجسمة والمشبهة علوا كبيرا.
وأما الجزء الثاني من الكتاب ففي نحو ثمانية وأربعين فصلا، يبرهن فيها على وجود الله ووحدانيته، وعلى أنه ليس بجسم ولا قوة في جسم، ويبحث فيها عن حركة الأفلاك - على منزع القدماء - وماهية الملائكة، وقدم العالم أو حدوثه وما قاله الفلاسفة فيه، وأقوالهم في انتقاد أرسطو وافلاطون وغيرهما في ذلك، ثم يبحث عن النبوة، وماهيتها، ودرجاتها، وتعريفها عند أهل الأديان المختلفة، وعند الفلاسفة، يشغل هذا البحث بقية فصول الجزء الثاني وفي هذا الجزء عرض سنة وعشرين مقدمة في تنزيه الله جل جلاله.
وأما الجزء الثالث ففي نحو خمسة وأربعين فصلا، يشرح فيها المؤلف رؤيا حزقيال والمعاني الغامضة في سفره وباقي أسفار اليهود، ثم ينتقل إلى البحث في الشر، وفيما يقع من الكوارث على المخلوقات، وقول الفلاسفة في ذلك، وقول شريعة موسى في هذه المشاكل، وصلاح النفس، وصلاح البدن مع شرح واجبات وعبادات في أسفار اليهود وفي نهاية الكتاب إسداء نصح لمن يريد الحصول على الفضائل الخلقية لإدراك الحقائق الإلهية.
وقد استرسل في هذا الجزء في تأويل النصوص في كتب اليهود، بما يخضعها لفلسفته، سعيا وراء انتشال طائفته من مناقضة الحقائق، لكن الإبعاد في
الجزء 1 · صفحة 29
التأويل بما لا تقره لغة التخاطب لا يكون إلا محض هذيان لا يغطي ما في كتبهم من التحريفات المكشوفة كما سبق، إلا أن بعض الشر أهون من بعض.
و أحق ما في الكتاب من البحوث العناية وأجدرها بالتمحيص وأجداها نفعا في تلك المقدمات الخمس والعشرون المدونة في الجزء الثاني منه للتدليل على وجود الله ووحدانيته وأنه ليس جسما ولا قوة في جسم، وبين أيدينا كتاب في شرح تلك المقدمات منسوخ سنة 677 هـ منقول عن نسخة منقولة عن خط مؤلفه، وهو الحكيم البارع الرئيس أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد التبريزي من رجال منتصف القرن السابع الهجري، من طبقة الآخذين عن قطب الدين المصري (أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد السلمي المغربي الأصل؛ نزح إلى مصر وأقام بها مدة فعرف بالمصري انتقل إلى بلاد العجم ولازم الفخر الرازي حتى أصبح من أشهر تلامذته علما بالمعقولات وألف كتبا كثيرة في الطب والحكمة منها شرح القانون وشرح معالم الرازي قتله المغول بنيسابور لما استولوا عليها سنة 618
فيكون شارح المقدمات معاصرا للنصير الطوسي - أحد أصحاب القطب المصري - أيام كانت (تبريز) عاصمة آل هولاكو ومجمع فلاسفة اليهود المتظاهرين بالإسلام، وكتب الرجال شحيحة بتراجم رجال هذه الطبقة من أهل العلم في الشرق لمصادفة هذه الطبقة لزمن اكتساح المغول لبلاد المشرق.
وهذا الكتاب في شرح خمس وعشرين مقدمة من تلك المقدمات الست والعشرين وهي مأخوذة من نظريات أرسطو والمشاتين وفلاسفة الإسلام، وهي مقدمات مبرهنة، تفيد أن الله ليس بجسم ولا قوة في جسم بعد أن تثبت وجود
الجزء 1 · صفحة 30
الله سبحانه وتوحيده جل جلاله، فتهدي إلى تحقيق معرفة الحكمة العليا، والمقصد الأقصى، ولا شك في شئ من تلك المقدمات - في نظر المصنف - وإن ناقشه الشارح في بعضها.
وشرح تلك المقدمات الذي بين أيدينا أجلى دليل على براعة هذا الشارح في العلوم الفلسفية حيث قام بإيضاح تلك المقدمات أحسن إيضاح ميرهنا عليها، ومناقشا للمصنف في مواضع تجب مناقشته فيها، مناقشة خبير بما هنالك، وليس الخبر كالمعاينة.
ولو كان القائمون بالاحتفاء بموسى بن ميمون قبل سنين ظفروا بهذا الشرح القيم لقاموا بنشره إذ ذاك بكل اغتباط، لكن أصبح فخر نشر هذا الشرح من حظ الأستاذ الشاب النشيط السيد محمد نجيب الخانجي حفظه الله وزاده توفيقا فإنه عزم على طبعه إحياء لهذا التراث الثمين حيث ورث السعي في نشر الكتب القيمة من والده فقيد العلم صديقنا المغفور له السيد محمد أمين الخانجي رحمه الله، فطلب إلي أن اعمل للكتاب تقدمة بعد مقابلته بالأصل، فقمت بإنجاز هذا الطلب، ذاكرا في الصلب الصواب في نظري، مع الإشارة في الهوامش إلى ما رأيته في عداد الخطأ في الأصل ليقارن القارئ الكريم بين الاثنين ويرى رأيه فيهما، ومن الله التوفيق والتسديد.
محمد زاهد الكوثري