الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد
تأليف العلامة الحكيم الشيخ
إبراهيم بن مصطفى الحلبي المداري
المعروف بأستاذ العلامة الوزير راغب باشا الكبير
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن كتاب اللمعة ومؤلفه البارع
لو كانت في كبريات العواصم الشرقية لجان علمية تتفرغ للبحث عن الكتب البالغة النفع في مختلف العلوم وشتى المواضيع لموالاة نشرها - الأهم فالأهم – تحت إشرافها لتبدلت الأرض غير الأرض والأمة غير الأمة لكن أين تلك الهمم الوثابة التي تتفرغ لإعداد وسائل تغذية الأرواح كما يجب غير منخدعة بزخارف الحياة المادية؟
وكم من كتاب في غاية النفع في موضوعه لا يؤبه به بل يجهل مقدار مؤلفه في العلم أو لا يعلم أصلا قطيع كتابه يبعث مؤلفه حيا بعد أن كان نسيا منسيا، وكم بين مآثر السلف من تراث ثمين؟ يبقى محتجبا عن الأبصار على أن يطبعه أحد الطابعين اتفاقا. فإضاعة مثل هذا التراث بعدم الاكتراث مجلبة لمقت الأجداد ولعنة الأحفاد. وللكلام مجال واسع في هذا الصدد لكن نكيح جماح القلم ونرجع إلى الكلام عن (كتاب اللمعة) في تحقيق مباحث الوجود، والحدوث والقدر وأفعال العباد
وقد أحسن صنعا الأستاذ الأديب البحاثة الغيور السيد عزت العطار الحسيني الدمشقي حيث قام بنشر هذا الكتاب القيم في عداد مطبوعاته المتخيرة والمأمول أن يلقى سيادته كل تقدير من أهل العلم بطبع هذا السفر البديع الذي ألفه العلامة الأوحد الجامع بين أشتات العلوم الشرعية والعقلية، شيخ مشايخ
الجزء 1 · صفحة 7
عاصمة الدولة العثمانية، وأستاذ أساتذة البلاد المصرية والشامية الشيخ إبراهيم الحلبي المعروف بأستاذ راغب باشا – ذلك العلامة الكبير والوزير الخطير مؤلف (سفينة الراغب ودفينة المطالب) -.
ولا يخفى على من عني بعويصات المسائل في علم الكلام أن من أكثر ما تضاربت فيه أنظار الباحثين؛ وأعوص ما اختلفت فيه آراء المتناظرين في علم أصول الدين تلك المباحث التي قام الكتاب المذكور بتحقيقها فمن أحاط خيرا بطوايا تلك المقاصد، وتمكن من اجتلاتها من انتهاج السبيل الأقوم فقد انحلت أمامه عقدة العقد ومشكلة المشاكل، وأصبح على بينة في باقي المسائل، وكم تعب علماء أصول الدين في البحث عن أسد الطرق وأرشدها في تلك المطالب حتى ألفوا كتبا ضخمة لدفع الشكوك واجتلاء الحقائق.
لكن حارت أفكاء في استخلاص صفوة الصواب من بين كلماتهم المتشعبة جد التشعب وها هو مبحث الوجود الذي يدعي كثير من الناظرين أن بديهي التصور وهو وإن كان يظهر بهذا المظهر بادئ ذي بدء لكن الباحث كلما ازداد غوصا فيه ازداد البحث تشعبا أمامه فيتيه في مسالكه. إلا إذا وجد صاحب قريحة وقادة ينير المسالك المتشعبة ببيان نير المدرك فيسلك به سبيل الرشد فينجلي له الموقف.
وكذلك مباحث حدوث العالم وأقسام القدم التي لم تزل العقول في عقال عن كشف أسرارها وحل الغازها وهي في حاجة ماسة إلى من يوضحها بكفاءة بالغة، وخبرة واسعة.
و قل مثل ذلك في مسألة القضاء والقدر، وكم هلك في مهاويها من أناس
الجزء 1 · صفحة 8
لم يهتدوا إلى من يدلهم على الحق الأبلج في هذا الباب، واستسلموا لظلام الهوى فضلوا السبيل ومبحث أفعال العباد لا يقل خطورة من تلك المباحث بل هو وعر المسلك إلا لمن آتاه الله بصيرة نافذة تجلو ظلمات الهوى، وتهديه إلى مرشد رشيد يبصره في موارد الردى ويسلك به مسلك الهدى
و هذا الكتاب الذي نحن في صدد الكلام عنه، قد قام باستخلاص الصفوة المنشودة فيها أحسن قيام حتى أصبحت تلك المسائل على طرف التمام من المطالعين الكرام. وكان مشايخنا الكرام يوصوننا بهذا الكتاب في تلك المطالب الصعبة لسهولة مأخذه، واستيفائه لتلك المباحث أحسن استيفاء، بل يوجد فيه من استعراض الآراء وتمحيصها ما لا يوجد في كثير من الأسفار الكبار وليس الخبر كالمعاينة.
و قد صدق العلامة الوزير أحمد جودة باشا حيث قال في تاريخه عند ترجمة المؤلف وإثبات فضل هذا العالم الجليل لا يحتاج إلى شاهد سوى كتاب اللمعة والوزير المذكور من المقتصدين جدا في مدح الرجال واستدراكاته الجمة على ابن خلدون في الكلام على العلوم مما يدل على أنه خزيمة هذه الشهادة ولا أكون مبالغا إذا قلت أني لم أرد كتابا بهذا الحجم يحوي مثل هذا العلم الجم.
اسم المؤلف ونسبه:
هو إبراهيم بن مصطفى بن إبراهيم الحلبي المذاري بالذال المعجمة نسبة إلى المذاري جمع المذراة آلة تذرية القمح وقد نسب أحد آبائه إلى صنعة الآلة المذكورة فشهر به المترجم.
مولده وأشياخه:
الجزء 1 · صفحة 9
ولد بحلب وحصل مبادئ العلوم هناك وصحب الشيخ صالح بن رجب المواهبي الحنفي بها وأمره بالاستزادة من العلم والإقبال إليه لرؤيا كان المترجم رآها وحكاها الشيخ فرحل إلى مصر، فلزم مجلس العلامة الأوحد الشيخ علي السيواسي في المعقول والمنقول وكان شيخه هذا آية في الذكاء وسعة الاطلاع وممن زادهم الله بسطة في العلم والجسم حتى كان يقول: إني أكل كثيرا، وأطالع كثيرا وأحفظ كثيرا. وهو عمدته في العلم.
وبعد أن لازمه سبع سنين يتلقى العلوم منه ومن سائر مشايخ القاهرة عاد إلى بلده حلب بعلم جم في المعقول فسئل عن المنقول فأظهر أنه لم يحققه كما يجب الانصرافه إلى المعقول. فقالوا له احتياجنا إلى المنقول أكثر من احتياجنا إلى المعقول، فسافر قاصدا الحج على طريق الشام فأقام بدمشق وأخذ عن عبد الغني النابلسي، وأبي المواهب الحنبلي وعلي العمادي وإلياس الكردي، ومحمد الحبال، والشهاب الغزي ثم حج فأخذ بالحجاز عن عبد الله بن سالم البصري، وأبي طاهر الكوراني - تلميذ ابن عبد الحكيم السيالكوتي – وحمد حياة السندي ومحمد بن عبد الله المغربي، ثم رجع إلى مصر فلازم مجلس شيخه السابق ذكره ملازمة كلية في المعقول والمنقول على تخريج عليه فيهما، وأصبح معيد درسه واشتهر هناك ببالغ ذكائه وسعة علمه.
ومن جملة شيوخه بمصر موسى الحنفي، وسليمان المنصوري ومنصور المنوفي، وسالم النفراوي والشهاب الملوي، والشهاب الدمنهوري وغيرهم، وقد أذن له المشايخ بالتدريس فدرس هناك مدة سنين تزدحم على دروسه طلبة العلم غاية الازدحام، ويلقى من العلماء ما يليق به من الاحترام تقديرا منهم لاتقاد قريحته وسعة علمه
الجزء 1 · صفحة 10
ومن جملة ما أقرأه تجاه رواق الشاميين (الدر المختار) وهو أول من أقرأه بالأزهر الشريف، كما أنه أول من كتب حاشية عليه، وحاشيته تسمى (تحفة الأخبار وأقرأ أيضا الهداية وغير ذلك مما اشتهر بمصر غاية الاشتهار ونال دنيا واسعة من الأمير يوسف كخيا.
سفره إلى استانبول واتصاله براغب باشا:
ثم ذهب إلى عاصمة الدولة العثمانية سنة 1153 موفدا من قبل العلماء لرفع شكاوى ضد سليمان باشا العظم والي مصر لإثارته الفتن بمصر بالدس بين الأمراء فاتصل برئيس الكتاب محمد الراغب باشا هناك حيث كان من اختصاصه النظر في الشكاوى التي ترد إلى العاصمة كما كان مرجع سفراء الدول الأجنبية، ولذلك سميت الرئاسة المذكورة نظارة الخارجية) فيما بعد.
وحيث علم الوزير محمد راغب باشا المعروف بالعلم والفضل غزارة علم صاحب الترجمة كلفه أن يبقى عنده ليكون أستاذا خاصا له فقبل ذلك واستقر هناك بلبنية العيش يتلقى الوزير المذكور منه العلوم وصاحب الترجمة هو الذي قابل تلك النسخ القيمة المحفوظة في خزانة الوزير المشار إليه إلى اليوم.
ومن جملة ما قابله من الكتب الكبيرة (الفتوحات المكية) وقد أتى بأصل المؤلف المحفوظ في قونية وقابلها به. ولمسعى المترجم في إصلاح النسخ المحفوظة بخزانة راغب باشا اشتهرت كتب الخزانة المذكورة بالصحة إلى اليوم وقد استمرت صلته بالوزير المذكور إلى أن عين الوزير واليا لمصر سنة 1157 فأراد أن يستصحبه حينما سافر إلى مصر لكن شاءت الأقدار أن يبقى الأستاذ بالعاصمة.
اتصاله بشيخ الإسلام وحيازته للرتب العلمية الرسمية:
الجزء 1 · صفحة 11
ثم اتصل بالعلامة شيخ الإسلام عبد الله بن محمد المجدي المعروف بالوصاف وخدم عنده بوظيفة التمييز والتفتيش مواظبا على التدريس وممن تلقى منه العلم هناك شيخ الإسلام محمد أسعد ابن شيخ الإسلام عبد الله المجدي المذكور، وحاز المترجم الرتب العلمية الرسمية إلى أن وصل إلى موصلة السليمانية المعروفة عندهم، وكان شيخ الإسلام السيد مرتضى أعلى قدره بعد أن اطلع على بعض مؤلفاته.
وبعد وفاة ابن همات المحدث سنة 1175 تولى المترجم مشيخة الحديث بآيا صوفيا بأربعين عثمانيا عن كل يوم، كما هو شرط الواقف، وبجامع السلطان سليم أيضا واستمر على تدريس الحديث بهما إلى أن مات.
وفاته وبعض مؤلفاته:
مات في ربيع الآخر سنة 1190 ودفن قرب ريح أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه وابنه المدرس إسماعيل حقي توفي سنة 1216 حفيده الأستاذ علي رائف توفي سنة 1358 - رحمهم الله –.
ومن مؤلفاته هذا الكتاب الذي سماه (اللمعة) وقد ألفه باسم راغب باشا الوزير كما أشار إلى ذلك في أول كتابه. ومنها (تحفة الأخيار على الدر المختار) وقد سبق ذكرها أيضا. ومنها (شرح جواهر الكلام) للقاضي عضد الدين الأيجي إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكرها هنا.
وقال المرادي في سلك الدرر: كان آية الله الكبرى في العلوم العقلية والنقلية ... ودروسه يحضر فيها العلماء وكان غالب محققي الأزهر تلامذته، وأما تلامذته في بلاد الروم البلاد العثمانية فلا يحصون كثرة ا هـ.
الجزء 1 · صفحة 12
و قال ابن عابدين في (عقود اللآلي): كان له القبول التام، وانتفه به الخلق الكثير، والجم الغفير وكان في الفظانة والذكاء على جانب عظيم محققا مدققا متظلعا في العلوم العقلية والنقلية حتى قيل أنه لم يأت بعد الشهاب الخفاجي محقق مثله ا هـ.
و من أجل تلامذته شيخ مشايخنا العلامة هبة الله التاجي وقد ترجم له في كتابه (حديقة الرياحين في طبقات مشايخنا المسندين) تغمده الله برضوانه، وهذا القدر من البيان كاف في الإشارة إلى مقدار الكتاب ومؤلفه المحقق.
محمد زاهد الكوثري