الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة العقيدة النظامية
لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني
رحمه الله
رواية أبي بكر بن العربي عن الغزالي عن المؤلف
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن (العقيدة النظامية) لإمام الحرمين:
الحمد لله المتفرد بالقدم، فاطر الخلق محيي الرمم، وصلى الله على سيدنا محمد هادي الأمم، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد:
فإن شرف كل علم يساوق شرف معلومه ويوازي مزية منطوقه ومفهومه فيكون علم التوحيد والصفات أشرف العلوم قدرا، وأجداها نفعا، وأبعدها أثرا؛ إذ به يكون بعد عهد التدوين إيمان من يؤمن بالدين، وإيقان كل مستيقن بوجوه اليقين فمن حاول انتقاص هذا العلم وذم علم الكلام، بعد استفحال شر المبتدعة في الأنام فهو سابح في الظلام، يقوده شيطانه، حيث يكون هلاكه وخسرانه، ولعلماء هذا العلم فضل عظيم وعمل جسيم على توالي السنين في صون عقائد المسلمين من شكوك المشككين.
وكان منهج السلف المتقدمين في صون عقيدة الملة الاقتصاد في المعقول، والاقتصار على ما في الكتاب والسنة من الأدلة، جريا مع حاجة الزمن، أيام استفحال شر الفتن، لكن لما اتسع نطاق الفتوح، وكثر اتصال المسلمين بشتى أرباب الأديان والنحل، وصنوف أهل الأهواء والملل، أوجب الاحتكاك بهم الرد على أهوائهم بطرق عقلية يعترفون بها ويخضعون لأحكامها في إحقاق الحق وإبطال الباطل، حذرا من إطالة الكلام في غير طائل، وهذا ما فعله الخلف، وليس في ذلك تطور في عقيدة الإسلام أصلا في صميمها، وإنما التطور هو طريق
الجزء 1 · صفحة 7
الدفاع عنها، على حسب أفهام أهل العصور، مدى الدهور.
وقد علم القاصي والداني أن إمام الحرمين له القدح المعلى في هذا المضمار حتى أصحبت مؤلفاته كهمزة وصل بين منهجي) الخلف، كما أنه مخضرم ضرب له سهم كبير في الميدانين، فأخذ طريق تدوين الكتب الكلامية يتطور ابتداء من زمنه تطورا محسوسا، والذهن الوقاد المستجلي لغوامض المسائل والإلقاء النير الحلال لعقد الدلائل، مما يجعل المسائل العويصة على طرف التمام، من أفهام طبقات الأنام والإمام أبو المعالي عبد الملك الجويني ممن لا يسامى في بالغ الذكاء وحسن الأداء، كما لا يخفى على من درس بحوثه، ومارس كتبه في أصول الدين من (الشامل) و (الإرشاد) وغيرهما، ومثله يحق أن يعكف على تصانيفه العاكفون.
ومن آثار هذا الإمام العظيم الخالد الذكر النظامية في الأركان الإسلامية كما يسميه هو في مقدمة كتابه هذا، لاحتوائها على العقيدة وأحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج التي بني عليها الإسلام.
وقد أفردوا قسم العقيدة عن باقي الأقسام نسخا فسموه العقيدة النظامية) كما في الأصل المنقول من خط القاضي أبي بكر بن العربي، حيث قال ناسخ الأصل في آخره: قال الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي رضي الله عنه: تركت باقي الكتاب لأنه على مذهب الشافعي رضي الله عنه، وكان ما ذكر منه مقدار (التلقين) لعبد الوهاب المالكي البغدادي رضي الله عنه. ووجه تركه لغير قسم العقيدة منه ظاهر، لأن ما ألف في الفقه على اختلاف المذاهب في غاية الكثرة.
وأما قسم العقيدة منه فعلق نفيس لا نظير له في بابه في جودة البيان
الجزء 1 · صفحة 8
والاحتواء على أسرار لم يدونها المؤلف في غير هذا الكتاب الذي خص به مؤلفه ذلك الوزير الخطير نظام الملك، فلا يستغني عنه أهل مذهب من المذاهب، لأن العقيدة مشتركة بينهم، بل قال المؤلف عند تحدثه عن (النظامية): وقد صدرتها بقواعد عن العقائد على أساليب لم أسبق إليها. ثم قال في موضع آخر: (و) نحن نذكر الآن عبارة حرية بأن يتخذها مولانا في هذا الباب هجيراه، فهي لعمري المنجية في دنياه وأخراه).
وقال أيضا: (و أنا الآن أبدي سرا من أسرار التوحيد لو قوبل بكل ما يدخل في مقدور البشر ميسورا لما كان له كفاء). وقال أيضا: (و هذا الفصل في إثبات حدوث العالم أنجع وأرفع من طرق حوته مجلدات، وهو خير لفاهمه من الدنيا بحذافيرها لو ساوقه التوفيق). وقال بعد تحدثه عن تأثير قدرة العبد في فعله لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان - وحق القائم على كل نفس بما كسبت أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها طول أمدها إلى غير ذلك مما يجده القارئ الكريم في ثنايا كلام المؤلف في هذا الكتاب مما هو من قبيل التحدث بالنعمة.
ويعد صاحب (اللمعة) (النظامية) آخر مؤلفات إمام الحرمين، فيكون ما يخالف ما فيها من الآراء في سائر كتبه مرجوعا عنه، وهذا مما يحمل الباحث على الاهتمام بما فيها عند المقارنة بين الآراء.
وكنت شديد الرغبة في الظفر بهذا الكتاب في إحدى مكتبات العالم منذ سنين متطاولة، إلى أن هداني الله تعالى إلى نسخة أندلسية فيها قسم العقيدة فقط دون باقي الأقسام، فبدأت أسعى في استكمال أسباب تصويره فتفضل الأستاذ
الجزء 1 · صفحة 9
البحاثة السيد عبد العزيز الأهواني – الأستاذ بجامعة فؤاد الأول - بالتوسط في تصوير الكتاب مشكورا فضله فوجدت النسخة غير سليمة وإن كانت منقولة عن أصل ابن العربي، فأصلحت الأخطاء على مبلغ فهمي، مع تعليق بعض حواش على بعض مواضع تهيئة لهذا الكنز الثمين لعرضه لأعين الناظرين، ورغبة في وصول تلك العلوم الجمة المودعة في تلك الألفاظ الوجيزة إلى أفهام الباحثين.
وقد جرى المؤلف على إطراء نظام الملك - الوزير المشهور في الدولة السلجوقية كل الإطراء في مقدمته وفي ثنايا كلامه، وهو جدير بذلك، لما شهر عنه من الاستقامة مظهرا ومخبرا ولإدراره الخيرات على المدارس النظامية التي بناها الوزير المذكور للشافعية في شتى الأقطار، ولإنفاقه العظيم المتواصل على سكنة الخوانق والتكايا التي بناها أيضا في مختلف الديار لسكنى المتعبدين المنقطعين إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، باعتبار أنهم جنود الله الذين ينتصر بهم.
وإن كان بعض النقاد يعجب من صدور هذا وذاك من مثل هذا الوزير الحكيم، داهية السياسة، البالغ الكياسة، ومؤلف (سياست نامه) المشهورة. نظرا إلى ما في ذلك - في تلك الظروف الخاصة - من إذكاء نار التعصب المذهبي المفرق لكلمة الملة، ومن فتح باب الكسل وترك العمل المؤديين إلى الحلال قوة الأمة.
وكان هذا الوزير الخطير إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني، قام لهما وأجلسهما معه في المقعد، وإذا دخل أبو علي الفارمذي الصوفي قام وأجلسه مكانه وجلس بين يديه فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا قالا: أنت وأنت؛ يطرونني ويعظونني ويقولون في ما ليس في، فأزداد بهما مضيا على ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل أبو علي الفارمذي ذكرني عيوبي وظلمي،
الجزء 1 · صفحة 10
فأنكسر وأرجع عن كثير من الذي أنا فيه كما في (تاريخ) ابن كثير وغيره.
وأطال التاج ابن السبكي الكلام في مبلغ أبهة نظام الملكأبي علي الحسن بن علي الطوسي الفارسي في (الطبقات) (139/ 3) وذكر في جملتها: عادة اصطفاف ثمانين من الجمدارية المرد الملاح بين يديه ميمنة وميسرة، ملبسين أحسن الملابس وشراء كل منهم فوق الثمانين ألفا، فكأن حرمة الوزارة والملك كانت تقتضي ذلك في ذلك العهد الطاهر الذيل.
وكان إمام الحرمين ولد سنة 419 هـ في تحقيق ابن أبي الدم، وابن كثير، وتوفي سنة 478هـ عن 59 سنة، واستمر محظوظا لدى الوزير المذكور بكل سعادة مدة ثلاثين سنة، بعد أن نزح في شبابه إلى الحجاز في فتنة الكندري، وأقام بالحرمين نحو أربع سنوات ثم عاد.
وتخرج في هذا العلم على أبي القاسم عبد الجبار بن علي الإسفرايني، تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني، المتخرج على أبي الحسن الباهلي تلميذ إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري تغمدهم الله برضوانه وأسكنهم فسيح جنانه، ونفعنا بعلومهم.
محمد زاهد الكوثري