الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الطبقات الكبرى
وعليه
تعليقات وشروح من اللجنة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن «الطبقات الكبرى»
ومؤلّفها الإمام الكبير محمد بن سعد كاتب الواقدي
قبل التحدث هذا الكتاب الجليل، ومؤلفه العظيم، أرى لزاماً أنْ أضعَ عن أمام أعين القراء الكرام ما كانت عليه علوم الرواية في زمن المؤلف وشيخه، على طريق الإيجاز، لِيَسْتَذْكِرَ من يَعْلَم ـ ولِيعْلَمَ مَنْ لا يَعْلَم - ما لهذا المؤلف وشيخه من اليد البيضاء في تدوين أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم ـ في حينه ـ من غير أن يسبقهما في ذلك سابق.
ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يحدثون التابعين بما عندهم من الحديث، ويفقهونهم في دين الله وينبؤونهم بما يعلمونه من الأنباء في السير والمغازي وسائر الشؤون، لكن لم يكن تصنيفُ الكُتب في شتى المواضيع معهوداً في زمنهم، فكانوا يكتفون بسماع العلم. وإسماعه وما كان يكتب العلمَ مَنْ يكتبه إلا لنفسه خاصةً لمجرد أن لا يَنْسى ألفاظ الحديث - مثلاً عند التحديث، لا ليكون ما كتبه كتاباً يُسْتَنْسَخُ ويُذاع على الجمهور.
وهكذا كان الأمر إلى أن أتى عهد التدوين بعد انقضاء المائة الأولى من الهجرة النبوية، فبدأ أهل العلم على اختلاف مسالكهم يكتبون في علوم الحديث
الجزء 1 · صفحة 7
والسير والتفسير والفقه: جوامع، وآثاراً، وموطات ومصنفات، تزداد بها مؤلفاتهم على تعاقب السنين، وكانوا يكتفون من معرفة أحوال النَّقَلة الرواة بما يتدارسونه بينهم، ولم يكن ليخطر على بال أهل العلم إذ ذاك تسجيل أحوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، حيث كانوا على علم من سيرهم وأنبائهم، لكثرة ما كانوا يسمعونه من العارفين بأحوالهم بالمخالطة والمعاشرة ولقربِ زمنهم من زمن هؤلاء جد القُرب، فالفقيه - مثلاً - إذا روى في ذلك العهد حديثاً بسنده ــ وبينه وبين الصحابي رجل أو رجلان فقط - يرويه وهو يعلمُ حالَ شيخه الذي سمع الحديث منه، وحال شيخ شيخه بالسماع من شيخه فيكون على بينة من ثقة الرواة وضعفهم، وهكذا باقي الفقهاء وسائر العلماء في ذلك العهد.
لكن إذا طال بالناس الزمن، وذهب هؤلاء الذين يَعْلَمون أحوال الصحابة والتابعين بمدارستهم العلم معهم، يَبْقَى مَن بعدهم في عمى من ناحية معرفة أحوال نقلة العلم، وأنباء رجال الإسلام.
وقد أدرك الواقدي - شيخ ابن سعد - أوائل تدوين الحديث والفقه والتفسير، ورأى أنه لا يوجد بين علماء ذلك العصر من يتفرّغ لتدوين أحوال الصحابة والتابعين كما يجب، فأُلْهِمَ التجرُّدَ لهذه المهمة الشاقة والعمل النبيل، فبدأ يرحل إلى الرجال المعروفين بمعرفة أحوال هؤلاء، ومدارسة أنبائهم ويلاقي أبناء الصحابة وأبناء أبنائهم، يُسَائِلُهم عن مصارع آبائهم، ووفياتهم، وأنسابهم، وسائر أحوالهم، واحداً واحداً، من غير أن يزهد في مصدرٍ ما ربما يفوتُه ثم يندم، ويدوّن جميع ما يتلقى منهم في كتبه، وكم شد الرحل إلى الأمكنة التي حَدَثَتْ بها الأحداث، ليشاهد مصارع من يُترجم لهم، مُسْتَعْلِيماً عن أنبائهم جُهْدَه.
الجزء 1 · صفحة 8
فوقع فيما دونه الضعيفُ والقوي، والمسند، والمنقطع، والمشهور، والغريب، ولم يتحاش من نقل ذلك كله حرصاً على أن لا يفوته شيء مما يُمكن الوصول إليه، فعلى من بعده غَرْبَلةُ مروياته المدوَّنة من غير نكران. جميله. وهو بهذا العمل المضني قد قام بخدمة عظيمة مشكورة، ومَلأ فراغاً كبيراً، واستنهض همم معاصريه ومن بعده للعمل في هذا السبيل ولولا هذا السعي الجبار منه لبقينا أمام نقص لا يُتدارك، وتقصير لا يُسْتَدْرَك.
ومع ذلك جُوْزِيَ الواقدي جَزَاء سِنِمَّارٍ، وَرَمَاه أغلب الرواة عن وتر واحد، حيثُ كانوا يَرَوْنَ كثرة الغرائب في رواياته، فاتّهمه كثير من النقاد، لكن فاتهم أن من يكون بمنزلته في كثرة الرواية لا تُسْتَعْرَبُ كثرة الغريب في رواياته، ومع هذا يُوجَدُ بين الأقدمين من يَقْدِرُ قَدْرَه العظيم ويعرف مقدار فضله حتى كان إبراهيم الحربي يقول: الواقدي آمَنُ الناس على أهل الإسلام وأعلم الناس بأمر الإسلام. وقال يعقوب بن شيبة: لما تحوّل الواقدي من الجانب الغربي يُقال: إنه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر. وقيل: كان له ستمائة قِمَطْرِ كتب.
وقد وثقه جماعة منهم: محمد بن إسحاق الصَّغَاني حيث قال: والله لولا أنه عندي ثقة ما حدَّثتُ عنه وقال إبراهيم الحربي: من قال إن مسائل مالك وابن أبي ذئب تُؤخَذُ من أوثق من الواقدي فلا يُصَدَّق. وقد دافع عنه أبو بكر ابن العربي في «الأحكام وابن سيد الناس في مقدمته «عيون الأثر». والاختلاف في وَفَيات الصحابة والتابعين - فضلاً عن مواليدهم ـ إنما نشأ من تأخر عهد تدوين التاريخ، ولم يكن في تلك العصور سِجِلٌ للمواليد والوفيات. فمنَّا ألف شكر للواقدي، وأمثاله، حيثُ قاموا بشق الأنفس بالقدر المتوارث، ولولاهم لبقينا في ليل دامس، من جهةٍ معرفة أحوال رجال الصدر الأول.
الجزء 1 · صفحة 9
وهذا الإمام الجليل قام بتدوين كتبه باذلا جهده مجيداً بقدر ما قدر الله له من الإجادة، لكن علمه الغزير كاد أن يقع في مضيعة لِطُول السنةِ أهل الجرح ضده، لولا قيام كاتبه وتلميذه البار الإمام الخبر محمد بن سعد بنشر علومه، بنشر علومه، فأصبح مَنْ كَتَبَ بعدهما في أحوال الصحابة والتابعين عالة عليهما.
وكان ابن سعدٍ مرضياً عند الرواة حيثُ لم يلابس الفتن الهوجاء في عهد المأمون وبعده، بل كان يُماشي النقلة ويُجاريهم في الجرح والتعديل في غالب الأحوال ما أمكن الجري معهم، فبقيت كُتبه محفوظةً مقبولةً عندهم مدى الدهر، بتوفيق الله سبحانه.
وكتابه الذي بين أيدينا يحتوي على صفوة ما ذكره علماء السير من أمثال الشعبي والأوزاعي، وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق، والواقدي، فيجد القارىء الكريم في صدر طبقاته الكبرى» أنباء الأنبياء عليهم السلام، وسائر آباء فخر المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، تمهيداً لذكر سيره ومغازيه عليه السلام.
ولكن ليس كلُّ ما فيه من الروايات قوياً متيناً، بل بين أسانيد رواياته ما هو مقطوع ومرسل، وبمعرفة أحوال الرجال في تلك الأسانيد تُعرف درجة الروايات. فرواية تكون من طريق أمثال ابن لهيعة، وابن أبي سَبرة، وهشام بن محمد الكلبي. ومحمد بن مصعب القُرقُساني ونحوهم، تبقى تحت نظر النقاد. وإنما ساق ما ساق عن كلِّ مَنْ دَبَّ وهَبَّ، ليستوفي جميع ما ورد في الموضوع الذي يبحث عنه. ومهما كانت أسانيد تلك الروايات معها فأمرُ تمحيص تلك المرويات هين سهل عند أهل العلم.
وللمؤلّف الفضلُ الأول والحظ الأتمُّ في تسجيل أحوال الصحابة
الجزء 1 · صفحة 10
والتابعين، وكتابه أقدمُ كتاب متوارَتٍ في أنباء الصحابة ومن بعدهم. وقد وزّع المؤلف رحمه الله رجال كتابه على أمصار المسلمين: المدينة المنورة، ومكة المكرمة والشام واليمن ومصر والكوفة والبصرة، وبغداد، وسائر البلدان. وبهذه الطريقة البديعة سهل المصنفُ على القاريء الكريم معرفة رجال كلِّ مصر منها. وبهذا الترتيب وهذا السياق جَعَلَ الباحث يطلع على سير العلم في تلك الأمصار.
وما امتاز به كتاب المصنف من جَوْدة الترتيب، وحُسْن السياق مما يقعُ موقع الإجلال عند كل مَنْ يُعْنى بمعرفة الرجال والذين أتوا بعده استولوا على ما حواه من العلم، لكن فاتهم ترتيبه وسياقُ أسانيده باختصارهم المخل، فأصبحت مختصراتُ المتأخرين لا تغني عن الأصل أصلاً، ولا تفيد فائدته قطعاً.
فلا يستغني المحدث، ولا الفقيه، ولا المؤرخ، ولا محب الاطلاع المجرد، عن هذا الكتاب الضَّخم الفخم، ليكونوا على بينة من أمر الروايات الواردة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وأحوال نقلة علوم الدين في الصدر الأول.
ولعلَّ هذه الإلمامة تكفي في معرفة أهمية الكتاب وجلالة قَدْرِ المؤلّف وشيخه، فلنذكر الآن بعضَ نُبَذ من ترجمة المؤلف، لنزداد علماً بمقدار الكتاب ومؤلفه: وهذا المؤلفُ هو الإمام الخبر الحافظ المؤرّخ الثقة أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع القرشي الهاشمي ولاءً، البصري ثم. البغدادي كان أبوه مولى الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي. ولد سنة ثمان وستين ومائة بالبصرة، وتوفي ببغداد يوم الأحد، لأربع خَلَوْنَ من جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، ودفن في مقبرة باب الشام
روى عن محمد بن عمر الواقدي - عُمدته في العلم وبه تخرج ـ وعن
الجزء 1 · صفحة 11
إسماعيل بن إبراهيم الأسدي المعروفِ بابن عُلَيَّة وأبي ضمرة أنس بن عياض الليثي، وسفيان بن عيينة الهلالي ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن مصعب القُرْقُساني، ومَعْن بن عيسى القَزَّاز، وهُشَيْم بن بشير الواسطي، والوليد بن مسلم الدمشقي، وأبي الوليد الطيالسي وعفانَ بنِ مسلم البصري، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، وعبد الوهاب بن عطاء العجلي، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبيد الله بن موسى العبسي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وهشام بن محمد الكلبي، والحكم بن موسى القَنْطَري، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، وعمر و بن الهيثم البصري وهاشم بن القاسم الكناني، وأحمد بن عبد الله بن يونس اليَرْبُوعي، وأبي سفيان محمد بن حميد العبدي، وأبي نُعيم الفضل بن دكين الكوفي، والضحاك بن مخلد الشيباني، وخلاد بن يحيى الكوفي، وغيرهم من شيوخ الرواية بالبصرة والكوفة وواسط وبغداد ومكة المكرمة والمدينة المنورة، والشام واليمن ومصر، وسائر البلاد.
وهو من المكثرين جداً من الرواية عن شيوخ الأمصار. وعمدته في العلم هو ذلك البحرُ المواج محمد بن عمر الواقدي، وحيثُ لازمه صاحب الترجمة، وكتب له مدةً مديدة، عُرف بين أهل العلم بكاتب الواقدي، وقد عده محمد بن موسى البربري أول النقلة الأربعة الذين اجتمعت عندهم كُتب الواقدي. وأشهر هؤلاء هو محمد بن سعد الكاتب هذا، ولذا كان الإمام أحمد بن حنبل يوجه كل جمعة بحنبل بن إسحاق ابن أخيه - إلى ابن سعد يأخذُ منه جزأين من حديث الواقدي ينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى، ثم يردهما ويأخذ غيرهما. وقد رَوَى الخطيب البغدادي بسنده إلى إبراهيم الحربي أنه قال: «ولو ذهبَ لِيَسْمَعَهما كان خيراً له». اهـ. لأن الوجادة أنزل منزلة من السماع، ولأن الرغبة عن سماع ما
الجزء 1 · صفحة 12
يُرْغَب في الاطلاع عليه أمر غير مرغوب فيه
ومن جملة الرواة عن ابن سعد: مُصْعَبٌ، الزبيري، والحارث بن محمد بن أبي أسامة صاحب المسند»، وأحمد بن عبيد بن ناصح الهاشمي، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري صاحب «فتوح البلدان»، وأبو بكر عبد الله بن محمد المعروف بابن أبي الدنيا والحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فَهُمْ راوية «الطبقات الكبرى». قال محمد بن إسحاق النديم: ألف ابن سعد كتبه من تصنيفات الواقدي، وكان ثقة مستوراً عالماً بأخبار الصحابة والتابعين ... وله من الكتب كتاب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وقال أبو الحجاج المزِّيُّ في تهذيب الكمال»: كان ابن سعد كثير العلم، كثير الحديث والرواية كثير الكتب، كَتَبَ الحديثَ وغيره من كتب الغريب والفقه، روى له أبو داود - صاحب السنن» - عن أحمد بن عبيد عن محمد بن سعد، عن أبي الوليد الطيالسي قال: يقولون قبيصة بن وقاص له صحبة. اهـ.
وقال ابن حَجَر في تهذيب التهذيب: ابن سعد صاحب «الطبقات» وأحد الحفاظ الكبار المُتَحَرِّين. اهـ. ومثله في «خلاصة التذهيب».
ونص ابن حجر على أنه ليس لابن سعد في الكتب ـ يعني الأصول الستة ـ غير ما ذكره له أبو داود.
قال الذهبي في طبقات الحفاظ»: محمد بن سعد الحافظ العلامة أبو عبد الله البصري مولى بني هاشم مصنف الطبقات الكبير» و «الصغير» ومصنف التاريخ ... وينزل في الرواية إلى يحيى بن معين وأقرانه ... قال ابن فهم: كان كثير العلم كثير الكتب كتب الحديث والفقه الغريب. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال في ترجمة الحسين بن فَهُم: إنه سمع «الطبقات الكبرى» من المصنف. اهـ.
وروى الذهبي الطبقات الكبرى» هذه بطريق الحارث بن أبي أسامة عن الحافظ شرف الدين الدمياطي، وسنده مذكور في أول الكتاب. وقال الخطيب البغدادي: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، قال: سمعت الحسين بن فَهُم يقول: كنت عند مُصْعَب الزبيري، فمرَّ بنا يحيى بن معين فقال له: مصعب يا أبا زكريا حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا ـ وذكر حديثاً ـ فقال له يحيى كذب قلت ومحمد بن سعد من أهل العدالة، وحديثه يدلُّ على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته؛ ولعل مصعباً الزبيري ذكَرَ ليحيى عنه حديثاً من المناكير التي يرويها الواقدي، فنسبه إلى الكذب. وقد قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن محمد بن سعد فقال: يصدق، جاء إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدثه. اهـ.
وقال الذهبي في «الميزان عن قول ابن معين في ابن سعد: هذه لفظة ظاهرها عائد إلى الشيء المحكي، ويَحْتَمِل أن يُقصد بها ابن سعد، لكن ثبت أنه صدوق. اهـ. فلا يكون كلام يحيى بن معين نصاً في جَرْحه، بل يكون محتملاً له احتمالاً مرجوحاً، فلا يصح أن يقال إن ابن معين جرحه.
قال السخاوي في «الإعلان»: ابن سعد ثقة، وإن كان شيخه الواقدي ضعيفاً. اهـ.
وقال ابن خلكان: صنف ابن سعد كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته، فأجاد فيه وأحسن وهو يدخُل في خمسَ عَشْرَةَ مجلدةً،
الجزء 1 · صفحة 14
وله طبقات أخرى صغرى، وكان صدوقاً ثقة. اهـ.
وقال الخطيب كان ابن سعد كثير الحديث والرواية، وكثير الطلب، وكثير الكتب، كتب الحديث وغيره من كتب الغريب والفقه. اهـ. وأصل هذا الكلام لا بن فهم. وقد اختلفت كلماتُ الناقلين كما رأيت وسمعت على تقارب ألفاظهم في المعنى.
قال ابن العماد في «شَذرات الذهب»: قال أبو حاتم: ابن سعد صدوق. وقال ابن الأهدل: قيل: إنه مكث سنين يصوم يوماً ويفطر يوماً.
فيظهر من تلك النصوص أن ابن سعد كان مرضياً عند جمهور الرواة، مذكوراً بالورع عندهم، وإن كان كلامهم في شيخه شديداً.
وقد أحسن ابن سعد صُنعاً، حيثُ لم يكن يستفزهم عند حدوث تلك الفتن الهوجاء منذ عهد المأمون، حتى سَلِم عرضُه من أن يَنْهَشَه ناهش، فأمكنه نشر علمه وعلم أستاذه، فاستفاد الجمهور من علومهما طبقةً فطبقةً، وليس أحد من صنوف العلماء والباحثين يستغني عن كتابه هذا مهما كانت منزلته في العلم. وترتيبه الرجال على بلادهم وأمصارهم ترتيب جليل، جم النفع عند المحدث، والفقيه، والمؤرخ، ومن يُعنى بسير العلوم في الأمصار، زيادةً على ما فيه من الفوائد الجسيمة والعلم الجزل في السِّير والمغازي، وأحوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.
الجزء 1 · صفحة 15
وكافأ المؤلف على حُسن صنيعه وأجزل أجره وأجر شيخه، وأجر إخواننا القائمين بنشره، تيسيراً لوصوله إلى أيدي الجمهور إنه سميع مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد زاهد الكوثري
عفي عنه