الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل
للإمام الحجة أبي الحسن تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي الكبير
المتوفى سنة 756هـ
يرد به على نونية ابن القيم
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المعلق
الحمد لله القدوس المتعال المنزه عن النظير والمثال، جلَّت ذاته وعَلَت صفاته عن أن يحوم حول اكتناهها وهم أو خيال، والعقولُ عن إدراك تلك المطالب في عقال، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث لتتميم مكارم الخلال، منقذاً لهذه الأمة من مخالب الوثنية وصنوف الضلال، وهادياً إلى مراضي مولاه ذي الجلال والجمال، وعلى آله خير الآل، وأصحابه أصحاب كرائم الخصال.
و بعد:
فلا يخفى على من دَرَسَ تاريخ الدين الإسلامي أنَّ الله سبحانه بعث خاتم رسله في بيئة عريقة في الوثنية وقد أحدقت بتلك البيئة أمم يدينون بالإشراك والتشبيه وأنواع من التخريف والتمويه، فبمبعثه صلى الله عليه وسلم انقشعت
الجزء 1 · صفحة 7
تلك الظلمات الجاهلية، واستنارت بصائر الذين آمنوا به بأنوار التعاليم الإسلامية، حتى داسوا تحت أرجلهم تقاليد الوثنية، ونبذوا تلك الأساطير الهمجية، وخمدت عزائم أعداء الدين، وفترت مواصلتهم العداء إلى حين.
لكنهم كانوا يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين وتشويه تعاليم هذا الدين في الأخلاق والعمل والاعتقاد، حتى تذرعوا بعد وفاته بشتى الوسائل إلى بذر بذور الفساد كلَّما ظنوا أن الفرصة سانحة، يلبسون في كل عصر ما يرونه أنجع في مخادعة الجمهور، وأغشى على بصائر الخاصة والدهماء، وأشد فتكاً بهم في صميم دينهم، إلى أن تمكنوا من إضلال طوائف في الأطراف، ورغم هذا بقيت بيضة الإسلام – بحمد الله جل شأنه – مصونة الجانب تحت كلاءةِ الله سبحانه ورعايته حيث لم يُمَكِّنهم من إبادة خضراء الملة ولا من إحداث أحداث جوهرية في صميم الدين الإسلامي تشتت شمل الجماعة، بل بقى الإسلام في جوهره - بفضل الله جل جلاله - وَضَاءَ المنار واضح المِنْهاج، نير الطريقة بادي المعالم لمن ألقى إلى تعاليمه السمع وهو شهيد.
و غاية ما تخيل الأعداء أن يتمكنوا منه أن يوقفوا نموّه العظيم الذي كان ظهر في الصدر الأول، ويُعرقلوا رُقِيَّ معتنقيه السريع بعد أن بهر أبصار أولي الأبصار في أوائل انتشاره، لكن أبى الله إلا أن يتم نوره.
وكان أخطرُ هؤلاء الأعداء على الدَّهْمَاء وأبعدهم غوراً في الإغواء أناساً ظهروا بأزياء الصالحين، بعيون دامعة كحيلة، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج يحملون سُبحات كبيرة الحبات ويتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات، مع انطوائهم على مخاز ورثوها عن الأديان الباطلة،
الجزء 1 · صفحة 8
والنحل الآفلة، و كان من مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور أو في حديث صح أصله عند الجمهور، باعتبارهم ذلك أنجع في إفساد دلالة كتاب الله وسنة رسوله على أفهام أناس قرب عهدهم من الجاهلية ولم تتكامل بعد عقولهم ولا نضجت أفكارهم.
وكم أضل رواةً من هذا القبيل طوائف من سذج المسلمين منذ عهد التابعين، حيث اندسوا بين الصالحين من رواة الأعراب ومواليهم لإدخال ما اختلقوه من الأخبار بين مرويات هؤلاء الأخيار، حتى يتم إفساد دين المسلمين عليهم!!
ولكن أبى الله إلا أن يرد كيدهم في نحرهم حيث أقام جهابذة يسعون في إبعاد مختلفاتهم عن مرتبة الاعتداد في جميع الطبقات، على أن في عقول الذين أسلموا إسلاماً صحيحاً من النور ما يشق لهم الطريق إلى تعرف دخائل المرويات من نفس تلك الروايات، وإن لم تخل طبقةً من طبقات الرواة من أغرار انخدعوا بها تعصبوا لها، لأن الفاتنين كانوا زاغوا في رواياتهم عقول هؤلاء ومداركهم في جاهليتهم؛ تيسيراً لزلل أقدامهم وتدهورهم في هاوية إغوائهم.
فالرواة السذج إذا انخدعوا بمثل هذا التمويه يكون عندهم بعض عذر، ومن الذي لا ينخلع قلبه إذا سمع السنة والدعوة إلى السنة من متقشف متظاهر بالورع الكاذب - على تقدير جهل السامع بما وراء الأكمة؟ - فيجب أخذ هؤلاء بالرفق لتدريجهم إلى الحق من باطل تورطوا فيه باسم السنة.
ومن محققي أهل السنة من يشير إلى أن العامي إذا بدر منه ما يوهم ظاهره التشبيه يُرجى من فضل الله أن يسامحه حيث يعلو التنزية من الجهة ونحوها عن
الجزء 1 · صفحة 9
مداركه. وأما من جمع بين الرواية والدراية على زعمه وألف في ذات الله وصفاته، وصدر منه مثل هذا، فلا يوجد بين علماء أهل السنة من يعذر مثله، بل أطبقت كلماتهم على إلزامه مقتضى كلامه، وليس لعالم عذر في الميل إلى شيء من التشبيه والقرمطة؛ لظهور سقوطهما لكل ناظر.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم: ما لقيت طائفة إلا وكانت لي معهم وقفة عصمني الله منها بالنظر - بتوفيقه – إلا الباطنية والمشبهة فإنهما زعنفة تحققت أنه ليس وراءهما، معرفة، فقذفت نفسي كلامهما من أول مرة) اهـ. بل لا يتصور أن يميل إلى أحدهما عاقل إلا إذا كان له غاية الحادية، وأنى يستعجم على عالم باللسان العربي المبين ما في كتاب الله وسنة رسوله من الدلالة على تنزيه الله جل شأنه من الجسمية والجسمانيات والمادة والماديات، بخلاف العامي الذي هو قريب العهد من الجاهلية.
جزى الله علماء أصول الدين عن الإسلام خيراً، فإن لهم فضلاً جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بأدلة ناهضة مدى القرون أمام كل فرقة زائغة، وإنما يكون التعويل في كل علم على أئمته دون من سواهم؛ لأن من يكون إماماً في علم كثيراً ما يكون بمنزلة العامي في علم آخر، فإذا لا يُعَوَّلُ في العقائد إلا على أئمة أصول الدين لا على الرواة البعيدين عن النظر، وكم بينهم من يرثى لمداركه حيث يقل عقله عن عقول الأطفال، وإن بلغ في السن مبلغ الرجال. ومن طالع ما ألفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد والصفات والسنة والردود على أهل النظر، يشكر الله سبحانه على النور الذي أفاضه على عقله حتى نبذ مثل تلك الطامات بأول نظرة.
الجزء 1 · صفحة 10
و قد استمرت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلية لسخط الله تعالى ولاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حزاني تجرَّدَ للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب، بدون أستاذ يرشده في مواطن الزلل، و حاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء، إلا إذا كان العقل عقل صابئ والنقل نقل صبي، وكم انخدع بخزعبلاته أناس ليسوا من التأهل للجمع بين الرواية والدراية في شيء وله مع خلطاته هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه.
ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حاظ بعقله غير مصاب في دينه. وأنى يوجد نص صريح منقول، أو برهان صحيح معقول يثبت الجهة والحركة والنقل والمكان ونحوها الله سبحانه وسيمر بك سرد بعض مخازيه مع نقضها إن شاء الله تعالى.
و كل ما في الرجل أنه كان له لسان طلق وقلم سيال، وحافظة جيدة، قلَّب - بنفسه بدون أستاذ رشيد - صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل التي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغتر بما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوة في المعتقد والأحكام العملية، فقاه في القبيلين بـ يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين.
فانفض من حوله أناس كانوا تعجلوا في إطرانه بادئ بدء قبل تجريبه
الجزء 1 · صفحة 11
وتخلوا عنه واحداً إثر واحد على تعاقب فتنه المدونة في كتب التاريخ (1)، ولم يبق معه إلا أهل مذهبه في الحشو من جهلة المقلّدة.
ومن ظن أن علماء عصره صاروا كلهم إلياً واحداً ضده خسنداً من عند أنفسهم فليتهم عقله وإدراكه قبل اتهام الآخرين، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد والعمل وهو لم يزل يستتاب استنابه إثر استتابة، وينقل من سجن إلى سجن إلى أن أفضى إلى ما عمل وهو مسجون فقير هو وأهواؤه في البابين بمونه وبردود العلماء عليه وما هي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق.
#
(1) وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه، ووجوه الزيغ في مؤلفاته، ومنهم من ظن أنه دام على توبته بعدما استتيب، فداوم على الثناء، ولا حجة في مثل تلك الأثنية، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلا غاو غوى، نسأل الله السلامة. (ز).
الجزء 1 · صفحة 12
وكان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه كلها حياً وميتاً، ويقلده فيها تقليداً أعمى في الحق والباطل، وإن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته دانياً على إذاعة شواذ شيخه، متوخياً في غالب مؤلفاته تلطيف لهجة أستاذه في تلك الشواذ، لتنطلي وتنفق على الضعفاء وعمله كله التلبيس والمخادعة والنضال عن تلك الأهواء المخزية حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني.
تراه يثرثر في كل واد ويخطب بكل ناد بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل، ولم يكن له حظ من المعقول، وإن كان كثير السرد لآراء أهل النظر، ويظهر مبلغ تهافته واضطرابه لمن طالع (شفاء العليل له بتبصر ونونيته وعزوه من الدلائل على أنه لم يكن ممن له علم بالرجال ولاو ثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه ووجوه بنقد الحديث حيث أثنى فيهما على أناس هلكي واستدل فيهما بأخبار غير صحيحة على صفات الله سبحانه وقد ذكره في المعجم المختص بما فيه عبرة، ولم يترجم له الحسيني ولا ابن فهد ولا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ) وما يقع من القارئ بموقع الإعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد وغيره فمختزل مأخوذ مما عنده من كتب قيمة لأهل العلم بالحديث، كالمورد الهني شرح سير عبد الغني) للقطب الحلبي ونحوه، ولولا (محلي) ابن حزم و (احكامه) و (مصنف ابن أبي شيبة) و (تمهيد ابن عبد البر) لما تمكن من مغالطاته وتهويلاته في (إعلام الموقعين).
وكم استتيب وعزر مع شيخه وبعده على مخاز في الاعتقاد والعمل تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ وسيلقي جزاء عمله هذا في الآخرة - إن لم يكن ختم له بالتوبة والإنابة كما لقي بعض ذلك
الجزء 1 · صفحة 13
في الدنيا.
قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: غني بالحديث بمتونه وبعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين، وقد حبس مدة لإنكاره على شد الرحيل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم عليه السلام) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم لكنه معجب برأيه جريء على الأمور ا هـ.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة: غلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه .. واعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروباً بالذرة، فلما مات أفرج عنه، وامتحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية وكان ينال من علماء عصره وينالون منه ا هـ.
قال ابن كثير: كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق حتى جرت له بسببها أمور يطول بسطها مع ابن السبكي وغيره .. وكان جماعاً للكتب فحصل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم. .. وهو طويل النفس في مصنفاته يتعاني الإيضاح جهده فيسهب جداً، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها .. وجرت له محن مع القضاة منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يفتي به من ذلك. ا هـ.
وقال التقى الحصني كان ابن تيمية ممن يعتقد ويفتى بأن شد الرحال إلى
الجزء 1 · صفحة 14
قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة، ويصرح بقبر الخليل وقبر النبي صلى الله عليهما وسلم وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي وإسماعيل بن كثير الشركويني، فاتفق أن ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقى على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: وها أنا راجع ولا أزور الخليل. ثم جاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظ وذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه الناس وأرادوا قتله فحماه منهم والي نابلس.
وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرفون صورة ما وقع منه فطلبه القاضي المالكي فتردد وصعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه فقبل توبته وحکم بإسلامه وحقن دمه ولم يعزره لأجل ابن تيمية ..
ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادعي عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر، فقامت عليه البينة بما قاله فأدب وحمل على جمل ثم أعيد في السجن ثم أحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه فما كان جوابه إلا أن قال: إن القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي، فأعيد إلى الحبس إلى أن أحضر الحنبلي فأخبر بما قاله فأحضر وعزر وضرب بالدرة وأركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية وردوه إلى الحبس – وجرسوا ابن القيم وابن كثير (1) وطيف بهما في البد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسألة الطلاق اهـ.
#
(1) اي: شهرو بهما
الجزء 1 · صفحة 15
قال ابن رجب: قد امتحن وأوذي مرات وحبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ ا هـ.
قد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه وأضداده والمتحايدين في حقه ليعتبر بها المغرورون به. على ان الخبر اليقين فيما يجده القارئ الكريمفي حقه في هذا الكتاب، و أرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقه فيما كتبناه.
و أحق الناس بالرثاء وأجدرهم بالترحم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخير أستاذاً رشيداً يهديه، ومثله إذا دون أسفاراً لا يزداد بها إلا بعداً عن الله وأوزاراً وهو الذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلا بسمعه ولا يبصر إلا ببصره في جميع شئونه، ويبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى، ولو فكر قليلاً لكان أدرك أن من السخف بمكان وضعه لشيخه في إحدى كفتي الميزان ليوازن به جميع العلماء والفقهاء هذه الأمة في كفته الأخرى فيزنهم ويغالبهم به فيغلبهم في علومهم وهذا ما لا يصدر من حاظ بعقله، ولا سيما بعد التفكير في تلك المخازي من شواذه.
نعم يمكن أن يكون عنده أو عند شيخه بعض تفوق في بعض العلوم على بعض مشايخ حارته أو أهل خطته أو قريته أو مضرب خيام عشيرته، لكن لا يوجب هذا أن يصدق في ظنه في حق نفسه أن جو هذه الأرض يضيق عن واسع فهومه وعرض هذه البحار لا يتسع لزاخر علومه.
ومن الآفات المردية التي تعتري الإنسان وتقذف به إلى هاوية الخسران طغيانه حينما يرى نفسه على شيء من الاستغناء بمال أو جاه أو علم، لكن المال عرض زائل والجاه الدنيوي قلما يدوم على حال، وعلم الإنسان مهما اتسع فما أوتي
الجزء 1 · صفحة 16
من العلم إلا قليلاً، وتلك الخلال لو روعيت حدودها لكانت أكبر عون للمرء على إحراز مرضاة الله سبحانه وأما إذا اتخذها أداة طغيان فإذ ذاك تنقلب تلك النعم مجلبة لسخط الله عز وجل ومقت الخلق، فيصبح ذلك الطاغي من الأخسرين أعمالا في الدارين.
وليعلم أن ضرر العلم - إذا زاغ صاحبه - دونه كل ضرر، فإن الطاغي بالمال يزول ضرره بزوال ماله، كصاحب الجاه الذي لا يدوم جاهه، وأما صاحب العلم الذي لعب به الشيطان وخلد كتبا فيما طغى به فهمه وطاش، قلمه فيدوم ضرره ويتضاعف وزره ما دامت آثاره دارجة يضل بها أناس، فإذا هي أخطر تلك الآفات.
ولا يخفف عن مؤلفها العذاب إلا باعراض الناس عن كتبه المغوية بتنبيه أهل العلم المهتدين على ما حوته من صنوف الزيغ والضلال، فيكون في الكشف عن مواطن الغواية من أمثال تلك الكتب تخفيف لعذاب مؤلفيها، وصون للأمة عن الوقوع في مهاويها، وقد عني الموفقون من علماء هذه الأمة بنقض أمثال تلك الكتب لتلك الغاية النبيلة قديماً وحديثاً ومن هلك بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
و للحافظ التقي السبكي فضل مشكور وعمل ميرور في الرد على ابن زفيل وشيخه في شواذهما المردية، ومن جملة مؤلفاته في هذا الصدد رده على (نونية ابن القيم) وقد نقل السيد محمد المرتضى الزبيدي في (شرح الإحياء) عند الكلام على إمامي أهل السنة عن هذا الرد المسمى (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) جملة نافعة من مقدمته (1).
والتقي السبكي أوجز في رده مكتفياً بلفت النظر إلى كلمات الناظم الخطرة
الجزء 1 · صفحة 17
في الغالب بدون أن يناقشه فيها كثيراً، باعتبار أن الاطلاع عليها يكفي بمجرده في نبذها وتضليل، قاتلها، ولو كان السبكي يرى ابن القيم يستأهل المناقشة لأوسع في الرد عليه، لأنه كان أنظر أهل عصره – كما قال الإسنوي وغيره من المحققين - لكنه كان يعده في غاية من الغباوة فاكتفى في غالب الأبحاث بلغت نظر عامة العلماء إلى أهوائه البشعة، والتقي السبكي من ألطف أهل العلم لهجة وأنزههم لساناً مع من يرد عليهم.
لكن حيث إن الناظم أسرف في ضلاله وإضلاله اضطر التقي في رده عليه إلى بعض إغلاظ في حقه صونا لمن عسى أن ينخدع بتلبيساته، وقرعاً للعبد بالعصا، وهو معذور في ذلك بل إغلاظه ليس بشيء في تقول به ابن القيم في حق جمهور أهل الحق ودونك نونيته التي رد عليها السبكي وهي أصدق شاهد لما قلنا.
و (نونية) ابن القيم هذه من أبشع كتبه وأبعدها غوراً في الضلال وأشنعها إغراء للحشوية ضد أهل السنة، وأوقحها في الكذب على العلماء كما ترى إيضاح ذلك في مقدمة السيف) (الصقيل فلا نم السبكي في شرح بشاعة طريقته فيها.
#
(1) انظر (شرح الإحياء) 10/ 2 و105/ 2. وبهذا النص في هذا الكتاب المؤلف قبل أكثر من عام يتبين بهدان الزاعمين أن الكوثري هو صنع هذا الاسم للكتاب ومؤلفه فالكذب بهتك أهله دائما ولو قالوه على لسان غيرهم زيادة منهم في البهتان!
الجزء 1 · صفحة 18
إلا أنا نشير هنا إلى أن ابن القيم كلما تراه يزداد تهويلا وصراحاً باسم السنة في كتابه هذا يجب أن تعلم أنه في تلك الحالة متلبس بجريمة خداع خبيث، وأنه في تلك الحالة نفسها في صدد تلبيس ودس شنيعين، وإنما تلك التهويلات منه لتخدير العقول عن الانتباه لما يريد أن يدسه في غضون كلامه، من بدعه المخزية كما يظهر من مطالعة النونية بتبصر ويقظة.
و إنما اختار طريق النظم في ذلك ليسهل عليه أن يهيم في كل واد ولولا أنها طبعت مراراً وتكراراً ممن لا بغية له من طبعها غير عدد من القرش يملأ به الكرش، قام بذلك الدين أم قعد بدون أن يقوم أحد من العلماء المعاصرين بالرد عليها، لكان إهمال الرد عليها أنسب، لكن لم يبق بعد تكرر طبعها مع تقاعس أهل العلم عن ردها مساغ للإهمال، فوجب تقويض دعائمها بنشر كتاب السبكي مع تعليق كلمات عليه في مواضع رأيناها في حاجة إلى التعليق، وقد سميت ما علقته تكملة الرد على نونية ابن القيم والله سبحانه ولي النفع وعليه توكلت وإليه أنيب.
محمد زاهد بن الحسن الكوثري عفي عنهما