الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير
تأليف
القاضي العلامة شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي
???? - ????ھ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فَقه في الدين من أراد به خيراً، ووفقه للإخلاص في النية والإصلاح في العمل سِراً وجهراً وسَلَكَ به طريق رضاه وسبيل من لا يعصي له أمراً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث لكافة الخلق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن مَنْ أَنْعَمَ النظر وأجادَ التأمل في سير الصحابة رضي الله عنهم لا يُلْفي بينهم مَنْ هو أكثر ملازمةً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، منذ عهدِ صباه إلى أن فارق النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الحياة، كما لا يجد بينهم مَنْ كانوا يَتَطَلُّبونه أكثر من علي كرم الله وجهه كلما حزبهم أمر، وانعقدت مجالس فتيا للبت في نوازلَ تختلفُ فيها الآراء، وقضايا تُحوجُ إلى أبي حسن يأتي فيها بأحسن قضاء، وإن كان لباقي الصحابة رضي فضائلُ جَمة تتفاوت في الدرجات، وهكذا تقلَّبَ علي كرم الله وجهه في العلم طالباً ومطلوباً طول حياته من يوم فطامه إلى عهد حمامه. ولا شك أن السبطين السعيدين عليهما السلام كانا من أكبر الناس حظاً، وأوفرهم نصيباً من تعهد مثل ذا الوالد الجم المحامد ومن تهذيبه وتعليمه، وتدريبه عقله وتقويمه. فَوَفْرةً ما وَرِثاه منه من العلوم مما لا ريب فيه عند غير ناصبي، يكون أقل من عقل كلِّ صبي.
الجزء 1 · صفحة 7
أما محمد بن الحنفية فقد كان الصحابة يستفتونه اعترافاً منهم بغزارة علمه، وعظم فهمه ولابنيه: أبي هاشم عبد الله، وأبي محمد الحسن أيضاً شأن في العلم كبير عند مَنْ دَرَس أحوال رجال الفقه في الدين.
وأما الإمام علي زين العابدين بن الحسين وأبناء الإمام زيد الشهيد، والإمام محمد الباقر، وابن الأخير الإمام جعفر الصادق عليهم السلام: فقد أقر لهم الأئمة المتبوعون من فقهاء الأمصار بالإمامة والقدوة في العلم والورع.
وقد فاضت من باب مدينة العلم علوم ارتوى بها هؤلاء الأئمة من أهل البيت النبوي، فَرَوَوْها، كما رواها آخرون من أهل العلم والفضل. ومع ذلك كادت تلك العلوم الجمة أن تضيعَ وأَوْشَكَت تلك الروايات أن تبقى غير مفروزة الغثّ السمين، ولا مميزة المستيقن من الظَّنين بهجر المبغض القالي، وتصرف المحب الغالي، وبما لقي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الظلم الشديد، والاضطهاد المديد من أهل الانحراف والنصب، بل من بعض بني أعمامهم أنفسهم المسابقين في ذلك لآل حَرْب، حتى أصبحَ ما صُفِّي بمصفاةِ نَقَلةِ الأثر من تلك الروايات شيئاً لا يذكر، في جَنْب زَخَارة علوم هذا الينبوع الفياض، فلا يُوجد في مثل «مسند بقي بن مخلد - أَجمع ما أُلف في الحديث في ذلك العهد ـ سوى خمسمائة وستة وثمانين حديثاً لعلى بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما لا يُوجد فيه غيرُ ثلاثة عَشَرَ حديثاً للحسن السبط رضي الله عنه، وغير ثمانية أحاديث للحسين السبط الشهيد رضي الله عنه. وهكذا.
ومن الغريب أن يَسْتَجرى بعضُ مُوَالي الفرس، الموالي آل أمية بالأندلس، ممن يُذْكَر بالعلم والفطن، وبعضُ مسايريه من حَشَوية المشارقة المتأخرين في العلم
الجزء 1 · صفحة 8
والزمن: على وَزْنِ علوم هؤلاء الأئمة بتلك المقادير من الروايات المدونة فيما بأيديهم من الكتب، من غير نظر إلى الظروف المحدقة بذلك الإقلال، ولا إلى ما ترتب على استفحال أمرِ النواصب في عهد التدوين ذلك الاستفحال. والأغرب من هذا وذاك: أن تجد تلك التقولاتُ آذاناً مُصْغِية، ورجالاً صاغية بين مَنْ يَنتمون إلى أهل بيت الرسول، ويُرفعون إلى مقام القدوة بينهم!! وهذا يحقُّ أن يكون مما يحار فيه، فِكْرُ كلِّ نبيه ومن الثقيل على سَمْع كلِّ نبيل:
«عَلَوِيٌّ يَشْنَا عليّاً ويَهْوَى آل حربٍ حِقْداً عليه وضعنا وكان اليمانيون من أهل البيت أتباعُ زيد الشهيد عليه السلام محتفظين بكيانهم، مهما طَمَتِ الفتنُ لا يَمَسُّهم سوء بعد النكبات الأولى إلا ما كان يقعُ حيناً بعد آخر، من تعصب جاراتهم الدُّوَيْلات الصغيرة، أمثال: بني رسول وبني طاهر.
بل كانوا مَرْعيين، مُرَاعَين يلقون النجدة من الدول الكبيرة الإسلامية ولا سيما الدولة المصرية كلما استنجدوا وتَظَلَّموا من جيرانهم أيامَ شوكة الإسلام، قبل أن تأخذ ظلالُ المسلمين في التقلُّص من مشارق الأرض ومغاربها، وقبل أن تبدأ مخالب الاستعمار المستديم تنشَبُ ببلاد المسلمين من أطرافها، بعد اكتشاف ابن ماجد السعدي - المصلحة البرتغاليين - الطريق البحري من رأس الرجاء، في أوائل القرن العاشر، ذلك الاكتشاف المشؤومَ الممهد لسبيل الاعتداء على البلاد الإسلامية في السواحل الهندية واليمانية
وكان إمام اليمن يُسارع إلى تأييد الدول المصرية وإنجادِها حينما تقوم هي بالذَّود عن تلك السواحل، أيام كان الدفاع عنها إلى الدولة المصرية، ولا سيما في تلك الحرب الضروس المديدة بين الأسطول المصري والأسطول البرتغالي -
الجزء 1 · صفحة 9
والحرب بينهما سجال ـ كما أن الدولة المصرية كانت من أسرع الدول إنجاداً لإمام اليمن عند تَظَلُّمه من عامر وبني طاهر في اليمن.
وها هي قد سُجِّلَتْ في روح الروح فيما بعد القرن التاسع من الفتن والفتوح» وغيره ـ نصوص المكاتبات المتبادلة في ذلك بين الإمام المتوكل على الله شرف الدين يحيى بن شمس الدين بن أحمد بن يحيى المرتضى، وبين الأمير حسين الكردي القائد العام على الأساطيل الغَوْرية المصرية في تلك الحروب المديدة.
وما جرى بعد حدوث تلك الثَّغرة البحرية في وجه الشرق من وراء البحر المحيط: مشهور معروفٌ إلى أن بدأ دورُ التَّدَهُورِ السريع حين قصر الطريق بانفتاح البرزخ الحاجز بين الأمتين، ووقوع ما كان يتخوف منه الفاروق رضي الله عنه من فتح ملتقى البحرين، إلى أن قاسى الشرقُ أمر المريرين، وأُصيب من النكبات بما هو حاضر مشاهد لكل ذي عينين.
ومن سوء تصريف أولي الأمر لشؤون الأمة في القرون الأخيرة: توليتهم بين حين وآخر ولاةَ السُّوء القُسَاةَ البُعَداءَ عن الحكمة والسداد، والعُمَّال المغضوب عليهم الغلاظ الأكباد الولايات البعيدة الحقيقةَ بكلِّ عناية ورعاية، وقيام هؤلاء - بِدَوْرِهم - بأعمال تَزْرَعُ الإِحَنَ، وتَسْتَجلِبُ المحن، وتعودُ بالوَيْلاتِ الجوائح للدولة والأمة، غير مراعين في ذلك إلا ولا ذمَّةً.
أصاب القطر اليماني ما أصاب بقية الأقطار من الفتن في مختلف الأدوار، وكان مما يزيد في الطين بلَّةً ما كان يكتبه أمثالُ المقبلي والشوكاني في مؤلفاتهم بدافع العواطف من كلمات قارضةٍ تستفز جهلةَ الولاة وتَزيدُهم قسوة إلى قسوتهم، كلَّما تَمَتْ إليهم تلك الكلمات بطريق جاراتهم المتعصبة الساعين في تشويه سمعة
الجزء 1 · صفحة 10
اليَمَانِينَ من أهل البيت بعزو كثير من الآراء الشاذة إليهم، فتستغلها السياسة الخرقاء، فتجعلُ العداء مذهبياً حَالِقاً من غير تمييز بين الزيدية واليزيدية، والشفاء والإشفاء، مع كون أهل البيت بُرَاءَ من تلك الآراء.
فانظر كيف أدَّى ما بَدَرَ من الشوكاني في وَبْل الغمام» ـ وإن نقضه هو في «الفتح» و «النيل» و «السَّيْل» - من توهين حديثِ غَيلان (?)، وعدم تحريم ما يزيدُ. على الأربع من النساء، إلى تَسَرُّع العامة في عَزْو هذا القول ــ الخارج بالمرة عن إجماع علماء المسلمين ـ إلى زيدية اليمن!
وكذلك عد إرسال الطلقات الثلاث بلفظ واحد طلقةً واحدةً، أن هذا وذاك ليس مذهبهم في شيء، كالمتعة، وإن كان يُوجد في القُطر اليماني من شدَّ عن جماعة أهل العلم، ففي بقية الأقطار يوجدُ مَنْ هو أشد.
فها هو نص المجموع الفقهي» للإمام زيد الشهيد في المسألة الأولى: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: «لا يَتَزَوَّجُ العبد أكثر من امرأتين، ولا الحر أكثر من أربع.
وفي المسألة الثانية: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: «أن رجلاً من قريش طلق امرأته مائة تطليقةً، فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بانت منه بثلاث وسبع وتسعون معصية في عُنقه». وفي نكاح المتعة بالسند المذكور: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة عام خيبر».
فتلك المسائل كلُّها منطبقةً لما عليه فقهاء الأمصار، ولا سيما الأئمة الأربعة. ويقول الشارح في المسألة الأولى: تحريم الزيادة على الأربع هو مذهب
الجزء 1 · صفحة 11
الجماهير من السلف والخلف، إلا ما يروى عن الظاهرية وقوم مجاهيل، وقد جازف بعضُ المصنفين بنسبته إلى القاسم بن عبد الله عليه السلام قال الإمام يحيى: ولقد كان القاسم شديد الورع في فتاويه كثير الاحتياط في أمر الدين، فكيف ساغ لمن له من الدين أن ينسب مثل هذه المقالة إلى مثل القاسم؟! كلا وحاشا، فالله حَسْبُ الناقل. اهـ.
ثم ذكر نص القاسم على خلاف ما يُعزى إليه في المسألة، فقال:
ومن عجائب أمرٍ من لا تحصيل له من مخالفي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أني رأيتُ في تعاليقهم حكاية هذا المذهب عن بعض الشيعة، ورأيتُ لبعضهم حكايته عن الشيعة مطلقاً، وما أعلم أحداً من أصناف الشيعة جوز ذلك حتى إن الإمامية - مع كثرة التخاليط في فقههم - لم يذهبوا إلى هذا، فكيف استجازَ مَنْ يُنْسَب إلى العلم إيراد مثل هذه الحكاية وإلقاءها إلى المتفقهة! نعوذ بالله من الجهل وقلة الدين. اهـ.
وهكذا، إلى شواهد كثيرةٍ ليس هذا محلَّ بسطها.
وهذا «المجموع الفقهي» هو تراتُ زيد الشهيد عليه السلام، يرويه أبو خالد عنه، وقد تمكن أتباع زيد اليمانيون من الاحتفاظ بهذا التراث الفقهي، بين تلك الفتن الطواحن بما آتاهم الله من القصد والعَدْل في شؤونهم ـ وإن كان الطرفان في غالب الفتن لا يخلوان من طَرَفِي القَصْد ـ وَرَوَوْه خلفاً عن سلف فإذا سَبَرنا مسائله وقارناها بمسائل المذاهب المدونة لفقهاء الأمصار نجدها تتوافقُ في ثلاثة أرباعها تقريباً مع فتيا فقهاء العراق من أصحاب أبي حنيفة، والربع الباقي يتوزّع أثلاثاً بين أن يكون مما انفردوا به، وبين أن يكون مما وافقهم عليه مالك، أو
الجزء 1 · صفحة 12
الشافعي رضي الله عنهم.،
وتكون قوة الحجة في جانب الجمهور في مسائل الانفراد، كما هو الحال فيما ينفرد به كلُّ فقهاء الأمصار عما عليه الجمهور، إلا فيما دَقَّ مدركه، فيكون المصيب هو الأغوص في المعاني وإن انفرد، وانفرادهم بمسائل في «المجموع» على قلتها: مقرون بموافقة بعض السلف.
فتحتيمُ غَسْلِ الرّجلين على لابس الخفين إلا عند عذر ـ باعتبار المسح منسوخاً بآية المائدة - يُرْوَى مثله عن بعض الصحابة والتابعين ممن لم يبلغهم أو لم يصح عندهم حديثُ جَريرٍ البَجَلي، بل هو ظاهر ما يُرْوَى عن مالك في «العتبية» استناداً على عمل أهل المدينة.
ولفظ «خير العمل في الأذان يُوَازِنُ الجهر بالبسملة، فيجريان في مجرى واحد حيثُ صح فيهما الموقوف دون المرفوع الصريح في التحقيق، وقد روى محمد بن الحسن في «الموطأ» عن مالك عن نافع عن ابن عمر اللفظ المذكور، كما يروي مثله الليث عن نافع. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي نحو ذلك عن عدة من الصحابة والتابعين ولا سيما عن عليّ زين العابدين بن الحسين عليهما السلام. فالجمهور أخذوا بالمرفوع فيهما، ومن تمسك بالموقوف يعتبره في حكم المرفوع في المسألتين.
وأما قولُ ابن تيمية في «منهاجه» بأن اللفظ المذكور بدعة الروافض وشعارهم: فمن مجازفاته، ويأبى الله أن يكون ابن عمر وعلي بن الحسين يبتدعانه، أو أن يُوصَما برفض، على أن الرفض كالنَّصْب من أبغض الخلال إلى أهل بيت النبوة.
الجزء 1 · صفحة 13
وابن أبي هريرة من الشافعية يَرَى تَرْكَ السُّنة إذا أصبحت شعاراً للمبتدعة، وفرع على هذا الأصل: تَرْكَ الترجيع في الأذان والجهر بالبسملة، والقنوتِ في الفجر، والتختم في اليمين وتسطيح القبور. ولكنَّ في هذا التأصيل والتفريع كلاماً ليس هذا محلاً للإفاضة فيه.
ثم ذلك التوافق العظيمُ بين آل زيدٍ وبين فقهاء العراق في ثلاثة أرباع المسائل، إنما نَشَأ من اتحادِ مصدرِ علوم الفريقين، لأن فقهاء الكوفة والعراق إنما توارثوا الفقة طبقةً فطبقةً عن علي وابن مسعود وسائر كبار فقهاء الصحابة الذين نَشروا العلم بالكوفة، ولا سيما الذين تَدَيَّروها بعد انتقال علي كرم الله وجهه إليها واستمرُّوا بها في عهد الأموية. ثم عن فقهاء أصحابهم وأصحاب عمر وابن عباس ومعاذ الذين انتقلوا إليها واستقروا بها ابتعاداً عن معاقل الأموية.
ثم عن أصحاب أصحابهم الفقهاء رضي الله عنهم الذين بهم صارت الكوفة مصدر العلم الناضج في ذلك العهد، وكانت علوم الحجاز والمدينة المنورة تتشارك فيها فقهاء الأمصار، لكثرة حجّهم عاماً فعاماً في تلك الأعصار.
أما ما يُعزى إلى أبي الحسن أحمد بن عبد الله العجلي من الكلام في أبي خالد راوي المجموع الفقهي فلم أجده في سؤالات ابنه أبي مسلم صالح بن أحمد عنه، وأما ما يُنسب إلى وكيع بن الجراح: فلا غَرْوَ إذا أخذ بعض الجارحين في تقويل وكيع ما لم يَقُله في شأن أبي خالد لأنك تَرَى أيضاً تقويله ما لم يَقُله حتى في حق شيخه الذي تخرّج في الفقه به ودَرَج على مذهبه، كما هو تحت اعترافِ مثل الذهبي.
أن وكيعاً من ألزق أهل طبقته بأبي حنيفة والثوري، والثاني من أكثر الناس
الجزء 1 · صفحة 14
مع ملازمةً لمنصور بن المعتمر، وصلة هؤلاء جميعاً بالإمام الشهيد زيد بن علي أشهر من نار على علم، وليس لوكيع مؤلف في الجرح التعديل مع كونه في عهد التدوين، ولا تزال مؤلفاته في متناول أهل العلم، وإنما يُنْقَل بعض كلماتٍ عنه في الجرح في الكتب المؤلفة بعد الفتنة واستفحال أمر النواصب، وذلك مما يدعو إلى التروي في التعويل على ما يُسَطَّر فيها من الجرح والتعديل، وإلى التثبت فيما هو منقول فيها من القول والتقويل، بل وكيع نفسه ما نَجَا من نَبْزِهم وغَمْزِهم.
وهذا «المجموع» هو أم مذهب زيد، الشهيد وعليه اعتماد فقهاء أهل البيت، وقد تَلَقَّوه بالقبول على تعاقب الأجيال، واستمرُّوا على روايته ودراسته طبقةً بعد طبقة، وقد عُني جمع من أهل الفضل والنبل بشرح أحكامه، وتبيين فوائده وإشاراته. ومن أجل شروحه الروض النضير شرح المجموع الكبير» للجهبذ العلامة التحرير القاضي شرف الدين الحسين بن أحمد السَّيَّاغي الصنعاني رحمة الله عليه، فإنه قام بعمل عظيم، وخير جسيم، حيثُ شَرَح «المجموع»، بشرح يَعِزُّ مثله في المشهود والمسموع.
فإن من طالعه مطالعة الفاحص المسترشد، دون المتصفح المتعنت يجد العلامة السياغي في هذه الحلبة منقطع القرين متلقياً ألاقي الشرح باليمين، رَحْبَ الصدر في سرد أقوال المخالفين، واسعَ الدَّسِيعة في المقارنة بين أدلتها، سالكاً مسلك الإنصاف في المحاكمة بينها متجنّباً سُبُل الاعتساف في تبيين ما لها وما عليها، مستقصياً غير متواكل، متثبتاً غير متساهل، بما آتاه الله من غزارة في العلم ونزاهة في الخيم، ودقةٍ في الفهم، جديراً بكل ثناء في وضوح البيان، والتقريب إلى الأذهان، حتى أصبح شرحه جامعاً لأشتات المسائل، ودافعاً للشُّبَه التي تُورَد على الدلائل، بحيثُ لا يستغني عنه طوائف الفقهاء على اختلافِ مذاهبهم
الجزء 1 · صفحة 15
ومشاربهم، لا ينقصه شيء غير نقص في آخره لا يَتَوَلَّى إكماله، من له في العلم مثل ما له، فجزى الله تعالى الشارح العلامة على هذا الشرح الرائع، الجم المنافع، ومن قام بنشره وتصحيحه من السادة العلماء والفطاحل النبلاء، على هذا العمل النافع أحسن ما يجزي به المحسنين.
ووقوع هذا الكتاب بهذا الموقع من الإكبار والإعجاب: لا يمنعنا أن نبدي ما يُخالج سيرنا من بالغ التعجب مما يجري عليه أمثالُ محمد بن إبراهيم الوزير صاحب «العواصم» مع لطف بيانه والمقبلي على لذاعة لسانه، وذاك الأمير الصنعاني، وذَيَّاك الحازمي، وهذا الشوكاني كيف انحرفوا هذا الانحراف وافتتنوا هذا الافتتان، بآراء بعض الشُّذاذ من نواصب المغاربة ومَنْ لَفَّ لَفَّه من حثالة حَشَوية المشارقة، حتى كادوا أن يُشَوِّهوا المذهب بذلك فرعاً وأصلاً تشويهاً جوهرياً، لا يغسله ماء التسامح والتغاضي.
ولا أدري: هل إذاعة مصنفات هذا الصنف من الشذاذ مما تقضي به مصلحة كيانهم، أو مما يقضي على الحرث والنسل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! والحمد الله أولاً وآخراً، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم؟
تحريراً بمصر المُعِزّية غُرَّة محرم الحراممفتتح عام خمسين وثلاثمائة وألف.
كتبه الفقير إليه سبحانه
محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري عفي عنهم