الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الحور العين
للأمير علامة اليمن أبي سعيد
نشوان الحميري المتوفى سنة 573 هـ
حققه وضبطه وعلق حواشيه ووضع فهرسه
کمال مصطفي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن هذا الكتاب ومؤلفه البارع:
الأمير العلامة أبو سعيد نشوان بن سعيد بن نشوان الحميري المتوفى سنة 573 هـ كان معتزليا فقيها فاضلا عارفا باللغة والنحو، والتاريخ، وسائر فنون الأدب، فصيحا بليغا، شاعرا، مجيدا له شهرة عالمية شرقا وغربا فرقعة سلطنته العلمية مترامية الأطراف، تشمل المدن والأرياف، والبقاع والأصقاع في المشارق والمغارب، وإن ضاقت ساحة حكمه في جبل صبر باليمن، الذي كان تولى حكمه برهة من الزمن، ولو كان اكتفى بما له. سلطان، في عالم العلم والبيان لما كادت دائرة حكمه الضيقة المحصورة من كل جانب، تغطي على شهرة هذا العالم العالمي الجليل المآرب لكن لم تحل - والحمد لله - دون انتشار أنوار علومه تلك الحواجز الكثيفة المحيطة بدار حكمه، حيث بقي على منصة الدهر كتابه (شمس العلوم – في ثمانية مجلدات - ذلك الأثر الخالد البديع الذي استرعى أنظار الأدباء، واستلفتها في كل بقعة إلى نوره الوضاء، الخارق لكل حجاب النافذ وراء كل سحاب، فأعجبوا به كل الإعجاب، وهو وإن كان كتابا في اللغة لكن فيه استطرادات، وإفاضات في شتى العلوم بمناسبات، حتى أصبح موسوعة علمية واسعة الآفاق كثيرة، الإشراق، يتشوف إليها أهل العلم في البلاد، ليتزودوا من فوائدها بأفخر زاد.
ونسخ هذا الكتاب غير قليلة في خزانات الكتب في البلدان.
الجزء 1 · صفحة 7
وأما مختصر ابنه لكتاب (شمس العلوم المعروف ب (ضياء الحلوم فمجلدان محفوظان في المكتبة العاشرية تحت رقمي (1091) و. (1092)
ومن آثار هذا الإمام الفذ: هذه المقامة البديعة، المكنية برسالة (الحور العين، عن كتب العلم الشرائف، دون النساء العفائف) كتبه مؤلفها البديع، ليرتاض بها الناشئ الصغير في كل باب من أبواب البيان ويزداد بها علم العالم التحرير في كل ساحات الفرقان، فأجاد وأفاد، على طريقته في نشر العلم في كل ناد وواد.
وكتب المقامات تكون في الغالب جارية في موضوعات أدبية، وروائية خيالية، لا يتوخى فيها مؤلفوها بيان الواقع، في كل المواقع، بل مجرد بيان المعاني، بألفاظ جزلة المباني تزويدا للمتأدبين ببلغة، توصلهم إلى الاتساع في اللغة، لكن صاحبنا هذا قد انتهج في مقامته هذه منهج الجد، في كل ما أورد، ناصحا لحاكم نال ثناء المؤلف عليه وحاز الرضى لديه وأردف تلك المقامة البديعة بتفسير غريب ألفاظها وشرح معانيها، جائلا فيها كل مجال للكلام، من لغة ونحو وصرف، وعروض وقافية وأنباء عن الجاهلية وتأريخ للأديان والمذاهب والنحل، وو حديث وأمثال على طريقة مبتكرة في تحبيب شتى البحوث للباحثين، بحيث لا يقدر مطالعها على أن يتخلى عن مطالعتها إلى أن يستنفد ما فيها، فيتزود في خطوات مطالعتها بكل معنى شريف، وبحث طريف.
تراه عند ذكره لمعتقدات الجاهلية ينحو منحى كتاب البدء والتاريخ لمطهر بن طاهر المقدسي في توزيع قبائلها على فرق الزيغ من سوى الوثنية.
وأوسع ما تعرض له من الموضوعات في هذا الكتاب بحث المذاهب
الجزء 1 · صفحة 8
والفرق والنحل، لكنه اقتصر بيانه على أئمتها وأربابها، ومصنفي الكتب وأصحابها غير مستطرد من الأصول إلى الفروع، وغير ذاكر للتابع اكتفاء بذكر المتبوع.
وجل عنايته في باب الفرق باختلاف المختلفين من الأنام، في معرفة المعبود والإمام، حيث اختصر الاختلاف في غير هذين الوجهين، لكثرة تشعب آراء البشر في هذين الأمرين، فذكر آراء الحكماء في حدوث العالم وقدمه ومعرفة الصانع وامتناع عدمه، وأقوال طوائف الفلاسفة والسمنية والثنوية والصابئة والدهرية والبراهمة والخرمدينية والمزدكية والزرادشتية وبعض فرق اليهود.
ثم تجد إقحام ذكر كتب أفلاطون وأرسطو في الوسط، وترجمة أبي الهذيل العلاف المعتزلي المشهور بتوسع، حتى ألم بمناظراته، ووصفه بسعة العلم وكبر العقل، ولا عجب في ذلك، لأن كل امرئ معجب بإمامه.
وبعد أن فرغ المطالع من النظر في الصفحات (145) - (161) المقحم فيها ذكر أفلاطون وأرسطو وأبي الهذيل، يجابهه ذكر البيانية من غلاة الروافض، وسرد باقي فرق الشيعة من جعفرية ومنصورية ومغيرية، ثم يذكر افتراق الجعفرية إلى إسماعيلية وفطحية، وخطابية، وذكر فروع الإسماعيلية وفروع فروعها وسائر فروح الجعفرية المختلفين في الإمامة غاية الاختلاف من زرارية وممطورة واثني عشرية، ثم يتوسع في ذكر فروع الخطابية وبيان مخازيها في باب تأليههم للأئمة ومزاعمهم في النبوة وصلة الإسماعيلية بهم، ويستوفي ذكر باقي فرق الغلاة الخارجة عن الملة، من مغيرية و، منصورية وفروعها وقد عول في كلامه على فرق الشيعة على كتابي أبي عيسى الوراق، وأبي القاسم البلخي
الجزء 1 · صفحة 9
ثم استوفى ذكر الخوارج متوسعا في ذلك، توسعا مفيدا، ونقل عن البلخي أن إمام الإباضية عبد الله بن إباض لم يمت حتى ترك قوله أجمع، ورجع إلى الاعتزال. فتكون هذه الفرق طائفة لا إمام لها. ثم تحدث - عودا على بدء - عن التشيع وفرق الشيعة من (178).
ثم ذكر ما للإمام الشهيد ذي المنهج السديد السيد زيد بن علي من فضل جلي، وسجايا كريمة ومزايا عظيمة، وعلوم جمة زاخرة، وصفات مجيدة فاخرة زيادة على ما له من طهر المنبت وطيب المرتع وذكاء الأصل والفرع، فأجاد وأفاد عليه وعلى سائر أهل البيت رضوان الله ورحماته وسلامه وبرکاته.
ثم استطرد إلى ذكر زندقة الوليد بن يزيد وسائر بعض من اتهم بالزندقة في الإسلام.
ثم ذكر أول من دعا إلى مذهب زيد باليمن، وتحدث عن أول من نشر النحلة الإسماعيلية في اليمن وعن أحداثهم هناك في عهد المنصور بن زاذان وعلي بن الفضل، وأفاض في بيان ما صنعه أسعد بن يعفر بالقرامطة باليمن، ثم ذكر أصل الخوارج والبلاد التي تغلبوا عليها.
ثم ذكر فرق المرجئة والحشوية، وعد تلقيبهم بها ناشئا من حشوهم صحاح الأحاديث بدسيس الأخبار الباطلة، وقال عنهم: إن جميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، فعلى هذا يكونون من أجمع الفرق لخصال الشر في نظر الناشئ، حيث قال:
ما في البرية أخزى عند فاطرها .... ممن يقول بإجبار وتشبيه
و حاول المؤلف أن يبعد لقب القدرية عن المعتزلة وقال إن القدرية هم
الجزء 1 · صفحة 10
الذين يقولون في كل ما يفعلونه إن الله قدره عليهم، كما هو رأي المعتزلة في الحديث الوارد في ذلك.
ثم ذكر سبب تسمية المعتزلة معتزلة، وذكر بعض الآراء في ذلك؛ ولم يذكر ما ذكره أبو الحسين الملطي في بيان رد البدع والأهواء) في سبب تلقيبهم بذلك، من اعتزالهم الفريقين بعد التنازل بالخلافة لمعاوية، ولعله لم يكن اطلع عليه.
ثم ذكر وجه الخلاف في تفضيل علي كرم الله وجهه، نقلا عن (شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار الهمذاني – وهو من كتبهم المفقودة اليوم - ثم بين صفات المعتزلة في نظره وترجم لواصل منهم ترجمة واسعة ونقل عن البلخي الرجال الذين بعثهم واصل إلى شتى الأقطار، للدعوة إلى دين! الله على مذهب المعتزلة؛ وذكر عمرو بن عبيد وأبا الهذيل عودا على بدء ثم ذكر مواطن المعتزلة في الغرب والشرق، وتطرق لبحث الاختلاف في الإمامة وذكر الشورى.
ثم ذكر حال الهنود في عهد المؤلف - وبعد عهد المؤلف أصبحوا أصحاب أياد بيض في العلوم العقلية والشرعية في آن واحد، كما تشهد بذلك مؤلفاتهم منذ القرن السادس الهجري - رغم وجود بعض الفاتنين بينهم - ثم ذكر ما خص الله به العرب من المزايا العقلية والخلقية، فأجاد. وأفاد، ثم ذكر خصائص الهند، وخصائص الروم والفرس في فصول.
ونقل في غضون ذلك عن كتاب (الأخبار) للجاحظ نتفا مفيدة في ذلك المعنى، وأفاض فيما نقله عنه في وجه قلة عناية الناس بأكثر الدين، تحت تأثير التقليد والاستسلام للمنشأ، والذهاب مع العصبية والهوى، فشرح أحوال البصرة والكوفة والشام في عهد الجاحظ، ثم نقل عن كتاب الجاحظ هذا نقدا مرا
الجزء 1 · صفحة 11
وجهه النظام إلى حملة الرواية بإفاضة لا توجد في كتاب سواه، وجل ذلك تحكم مجاب عنه، لكن لا يخلو من وأنحى باللائمة على تقليد الآباء والغلو في حب الرجال وعد ذلك هو الذي أعماهم وأصمهم؛ ثم أفاض المؤلف فيما أدى إليه التقليد من توالي الزيخ في طوائف، وكثرة الهالكين بين الأولين والآخرين بهذا السبب، ثم ضرب لذلك الأمثال.
وذکر طوائف النصارى واليهود وقال وما فعلت الجالوتية منهم في مضاهاتها الرقوب وإرثها الأرض عن يوسف بن يعقوب، وما وجدت في سفر شعيا ودانيال من صفه قديم الأيام، أنه لا يزال من الأملاك في قيام قاعدا على الكرسي، بيده ناصية كل وحشي وإنسي، أبيض اللحية والرأس. واستمر يسرد الأمثال ويشرح ما يحتاج منها إلى الشرح.
واستعرض هكذا وجوه الزيغ في الأديان الباطلة والنحل الآفلة، إلى أن قال: (و حاد أكثر الشيعة عن منهج الشريعة، واتخذوا الغلو دينا، والسب خدينا، كم ينتظر لهم إمام غائب، ولم يؤب من سفر المنون آيب وطال انتظار السبانية لعلي وأنت فيه السحابية بالكفر الجلي، وطال انتظار جعفر على الناووسية العمية، كما طال انتظار أبي مسلم على الخرمية، وانتظار الحاكم بأمر الله على الحاكمية .. وانتظار محمد العسكري على الاثني عشرية، ثم شرح جميع الطوائف الذين لهم انتظار إلى غائب باستقصاء، ثم قال: (وكل فرقة من هذه الفرق تدعي غائبها مهديا وتهدي اللعنة إلى مخالفها هديا).
و أشار إلى أهل الإلحاد، ثم قال نقلا عن السيد أبي طالب (إن كثيرا من أسانيد الاثني عشرية مبنية على أسام لا مسمى لها من الرجال، وقال: وقد عرفت
الجزء 1 · صفحة 12
من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه ثم قال: (إن صح ما روي عن المقاتلية، فقد عبدت صنما كأصنام الجاهلية زعمت أن معبودها كالآدمي من لحم ودم ويشدد النكير عليها، معلقا استنكاره لها على تقدير ثبوتها عنهم بقوله: (أو صح) عند ذكر كل فرقة إلى أن يستوفي ذكر الفرق كلها (ص 154 - 275) مفندا للآراء الباطلة التي تعزى إليها.
لكنه قال فيما قال: (أو صح ما روي عن مالك في العبد المملوك وسيده المالك .. أو صح ما روي عن الشافعي في القمار والشطرنج .. أو صح ما روي عن أبي حنيفة من تحليل مسكر الشراب ... مع أنه لا يعول على مثل أبي العلاء المعري في تلك العزويات! والمعري – الذي لا يتحاشى عن التطاول على رسل الله - لا يتورع عن التحامل على الأئمة وقد فجر هذا الملحد المكشوف الأمر، حيث قال:
فافسق و ... و اشرب وقامر واحتجج ..... في كل مسألة بقول إمام
فالإثفار ينكر أصحاب مالك العراقيون ثبوته عن مالك بشدة، فضلا عن خرافة المملوك وإباحة القمار افتراء على الشافعي، وإنما يبيح بالشطرنج، شحذا للذهن، لكونه مبنيا على الحساب، إذا خلا عن المقامرة وله في ذلك سلف؛ وأبو حنيفة إنما أباح شرب ما سوى الخمر من الأنبذة، للتقوي لا للتلهي لثبوت ذلك عن بعض فقهاء الصحابة، والخلاف فيه معروف بين السلف على أن الفتوى في المذهب على تحريم ما أسكر كثيره، ولا يستساغ للأديب أن يعدو حد الأدب في التنكيت كقول الزمخشري:
و إن سألوا عن مذهبي لم أبح به .... وأكتمه كتمانه هو أحزم
الجزء 1 · صفحة 13
فإن حنفيا قلت، قالوا: بأنني .... أبيح الطلا، وهو الشراب المحرم
و إن مالكيا قلت قالوا بأنني ... أبيح لهم لحم الكلاب، وهم هم
و إن شافعيا قلت، قالوا: بأنني ... أبيح نكاح البنت، والبنت تحرم
و إن حنبليا قلت، قالوا: بأنني ... بغيض حلولي ثقيل مجسم
و إن قلت: من أهل الحديث وحزبه ... يقولون: تيس ليس يدري ويفهم
تعجبت من هذا الزمان وأهله ... فما أحد من ألسن الناس يسلم
ثم ذكر المؤلف اختلاف الناس في النبوة، وذكر قول أهل التناسخ بأنها مكتسبة وهم خارجون عن الملة متوغلون في الضلال، ثم ذكر اختلاف المختلفين من شتى الطوائف في حجية خبر الآحاد.
وذكر في ثنايا كلامه كثيرا من الأشعار الرائعة، فقام المؤلف البارع بشرح غريبها، وإظهار مكنونها، وإيضاح خفاياها.
ثم ألم بأحاديث تدور على ألسنة الفقهاء، فشرح غريبها، وبين مكنون معانيها.
وذكر كثيرا من الأمثال العربية، مبديا مضربها ومساقها ومبينا للحكايات التي وردت تلك الأمثال فيها.
وختم الكتاب بدعوة ومناجاة مرفوعة إلى قاضي الحاجات مباركة المبادئ والغايات قوية النبرات لذيذة النغمات، في سمع كل سامع، جامعة لكل مطلب نافع.
فالكتاب على اعتزال مؤلفه جم الفوائد غزير العلم، ممتع للغاية، يغذي
الجزء 1 · صفحة 14
كل طائفة بفوائد ممتعة، فنعم الجليس هو لمن يريد أنيسا، على مآخذ يسيرة فيه، لا تفوتها يقظة القارئ الكريم.
و الله أعلم بما قاسى الأستاذان الفاضلان الأديبان النشيطان السيد إبراهيم الأبياري والسيد كمال مصطفى، في تحقيق هذا الكتاب وإصلاحه، كل فيما يتولى أمره، حتى أصدراه بهذا المظهر الأنيق والثوب القشيب، فجزى الله سبحانه مؤلفه البارع على هذا الأثر المفيد خير الجزاء، وسامحه فيما شط به قلمه وكافأ الأستاذ محمد نجيب الخانجي، وسائر الساعين في نشره وتحقيقه وإخراجه إلى الناطقين بالضاد، بهذا الجمال والكمال، مكافأة المحسنين، وله الحمد في الآخرة والأولى.
محمد زاهد الكوثري