الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
للإمام الفقيه المحدث الثقة
أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي
المتوفى سنة 377 هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ومؤلفه أبي الحسين محمد بن أحمد الملطي الشافعي رحمه الله تعالى
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه وكل من سار على نور هداه.
أما بعد: فإن هذا الكتاب من أقدم ما ألف في شرح أحوال الفرق، وقد حوى من الفرق ما لم يذكره باقي كتب الملل والنحل. وكنت ظفرت به سنة 1343 هـ أثناء بحثي عن نوادر المخطوطات بظاهرية دمشق فنسخته لنفسي، ونقلت كثيرا من فوائده في مؤلفات نشرت تحت إشرافي، ومن جملة ذلك ما نقلته عنه في مقدمة (تبيين كذب المفتري في الذب عن أبي الحسن الأشعري) ص 10، للحافظ ابن عساكر المطبوع سنة سبب تلقيب المعتزلة وهم سموا أنفسهم، معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه1348 هـ حيث يقول في الأمر. اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس - وكانوا من أصحاب علي - ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا بذلك معتزلة، اهـ).
الجزء 1 · صفحة 7
و يظهر من ذلك أن هذا لقب اختاروه لأنفسهم فسايرهم الناس في هذا التلقيب.
مع أن المشهور في سبب تلقيبهم كونهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، أو اعتزالهم مجلس الحسن البصري (1) وما في هذا الكتاب في التلقيب أقرب وأقعد في المعنى، مع كونه من أقدم الروايات على بعد المؤلف من التحيز لهم.
وقد رتب المؤلف كتابه على أربعة أجزاء، ونسخة الظاهرية تبتدئ من الجزء الثالث ويظهر من إحالات المؤلف في القسم الموجود أن معظم بحوث الجزأين الأول والثاني عن فرق اليهود والنصارى وما إلى ذلك، ولم نجد هذين الجزأين في فهارس الخزانات، مع بحث مديد الأمد، ويكفي القسم الموجود منه في بيان الفرق
والكتاب تجده يذكر كثيرا من الفرق التي لم يذكرها عبدالقاهر البغدادي ومن سار سيره وينفرد بأنباء عنهم، ثم تراه يذكر كثيرا من الفرق بأسماء على خلاف أسماء ذكرهم بها باقي أصحاب كتب الفرق تبعا لمصادره التي ليست بمتناول أيدينا في زمننا هذا. كما فعل في اسم الشحام المعتزلي، وفي أسماء رؤساء
#
(1) و كون القول بالمنزلة بين المنزلتين سبب التلقيب غير واضح كما أن صلة واصل زعيم المعتزلة بأبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية وانتماءهم إليه قبل صلتهم بالحسن البصري، وهذا يخدش أن يجعل الثاني سببا للتلقيب على أن المطرود من المجلس لا يصح عده معتزلا والله أعلم (ز).
الصفرية، والأزارقة والإباضية والصلتية من الخوارج واستعراض مثل هذا
الجزء 1 · صفحة 8
الاختلاف مما يـ الباحث المستقصي، ليتبين عنده من هو الغالط ومن هو المصيب؛ ثم توسعه في تراجم بعض زعماء المعتزلة مما لم نره في كتاب سواه، وكلامه في فرق الزنادقة، وأصناف الروحانيين منهم، وطوائف الروافض والخوارج، مما يسترعي الأنظار.
وقد ابتدأ المؤلف بذكر ما قاسى المسلمون في صدر الدعوة إرهافا للعزمات في هذا السبيل، ثم شرح أصول السنة لكن بسند لا يعول عليه كما يظهر مما سيأتي، ثم أخذ يشرح أحوال ثماني عشرة فرقة من الروافض، وعنونهم بالإمامية فلعله أراد بها كل من رأى من الشيعة في الإمامة، فشملت الاثني عشرية وغيرها من الشيعة في مصطلحه ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن عنوان الروافض لا يشمل إلا بعض شذوذ من الزيدية كما هو معروف، فيكون جعل العنوان بحيث يشمل جميع الزيدية غير مستقيم.
وقد ذكر المؤلف أربع فرق للزيدية وجعل الفرقة رابعة منهم معتزلة بغداد، واستطرد هكذا إلى ذكر المعتزلة فشرح الأصول الخمسة المعتبرة عندهم، وترجم لكثير من شيوخهم بتوسع لا يوجد في غير هذا الكتاب - فيما نعلم - وأفاض في بيان وجوه الخلاف بين معتزلة البصرة ومعتزلة بغداد، حتى ذكر عشرين فرقة من المعتزلة، ثم ذكر المرجئة من غير خوض في فروع هذه الطائفة، ثم ذكر الخوارج وبين بعض فرقها؛ ثم ذكر متشابه القرآن وما يتحكك به بعض أهل الزيغ من الآيات فأجاد الجواب عن تشكيكاتهم.
وبحوثه في آيات يتذرع بها أهل الزيغ في زعم وجود تناقض بينها وأجوبته عن تلك المزاعم جديرتان بالاهتمام؛ وحججه في البحوث الكلامية نيرة المعالم
الجزء 1 · صفحة 9
غالبا إلا أنه كثير الاتباع لنصوص كتاب (الاستقامة) لأبي عاصم خشيش (1) بن أصرم النساني من شيوخ أبي داود وابنه العسال. كما أنه كثير المسايرة لمقاتل بن سليمان البلخي في تفسير الآيات فيبعدانه عن الجادة.
فخشيش ممن سطع نجمه بعد رفع المحنة في فتنة القول بخلق القرآن عند تقريب المتوكل العباسي النقلة وهو يعد عندهم ثقة في الرواية. لكنه متخبط في مسائل الدراية. فيفوه بما ينبذه البرهان الصحيح غير ساكت عما لا يعنيه فيكون كتابه من بابه كتاب (النقض) لعثمان بن سعيد الدارمي. وسنة عبدالله بن أحمد وسنة الخلال وتوحيد ابن خزيمة وما جرى مجراهما. فلو وقف هؤلاء عند النصوص المستفيضة في باب الصفات. ولم يعرجوا على مناكير الروايات ولم يحيدوا عن التنزيه بخزعبلات الجهلة الأغرار لما تورطوا فيما لا قبل لهم به. ولا ورطوا مشايعيهم في جهالات متراكبة وظلمات متكاثفة؛ والجهل بالله مما لا يعذر فيه المكلف في دار الإسلام عند جمهور أهل الحق.
وقد شذ العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام، وعذر من هو بمثابة العامي منهم إذا بدر منه شيء يؤذن ببعض جهل في الصفات؛ وكثرة من وقع في تلك الورطة من النقلة المعروفين هي التي حملته على القول بهذا التساهل معهم. لكن البراهين ليست على تأييده. نسأل الله السلامة.
#
(1) توفي بمصر سنة 254 هـ فيما جزم به الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، مع أن الذهبي يجعل وفاته سنة 253 هـ (ز).
واعتماد المؤلف على مقاتل بن سليمان في التفسير أوقعه في الانخداع
الجزء 1 · صفحة 10
ببعض آراء الحشوية كتفسير الاستواء بالاستقرار مع أن ذلك إنما يكون بعد اضطراب سابق جل إله العالمين عن الجسميات وأوصاف المحدثات.
و كان أبو عصمة نوح بن أبي مريم ربيب مقاتل هذا كما أن نعيم بن حماد الفارض كان ربيب نوح فتوارثوا بينهم مخازي الحشوية؛ ومن ظن أن مقاتل بن سليمان المفسر غير مقاتل بن سليمان المجسم القاتل باللحم والدم في كتب النحل يكون مصابا بالحول فيرى الواحد اثنين غالطا غلطتين.
قال ابن حبان: (كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم. وكان مشبها يشبه الرب سبحانه وتعالى بالمخلوقين وذلك يكذب في الحديث. اهـ. والكلام فيه طويل الذيل في تهذيب التهذيب وغيره. ولعل المؤلف اغتر بكلام الذين أثنوا عليه في التفسير، لكن الثناء الإجمالي عليه لا يفيد تصويب آرائه كلها، بل كان مقاتل وجهم على طرفي نقيض: غلا مقاتل في الإثبات حتى شبه، وجهم غلا في التنزيه حتى عطل؛ ولذا يقول الإمام أبو حنيفة: إن هذا معطل وذاك مشبه، وإن لهما رأيين خبيثين.
ثم ذكر المؤلف الجماعة وأسدى نصحا في الدين، ثم سرد الفرق عودا على بدء فذكر الزنادقة على خمس فرق: المعطلة، والمانوية، والمزكية، والعبدكية، وصنوف الروحانيين وذكر الجهمية على ثماني فرق، والقدرية على سبع، فرق والمرجئة على اثنتي عشرة فرقة، والرافضة على خمس عشرة فرقة والخوارج على خمس وعشرين فرقة، فمجموع تلك الفرق اثنتان وسبعون فرقة على بعض تخالف في التعدادين السابق واللاحق.
ففي التعداد اللاحق تابع كتاب (الاستقامة) كما تابعه أيضا في الاهتمام
الجزء 1 · صفحة 11
بفرق الجهمية والرد عليهم مع إدماج كثير من المنزهة فيمن يسميهم جهمية اغترارا بما يفعله الحشوية، لكن أغلب الروايات التي سردها للرد عليهم غير ثابتة الأسانيد ولا نيرة المعالم في الدلالة، فأجزاء من تفسير مقاتل لم تزل موجودة في الخزانات وكتاب (الاستقامة) والرد على أهل الأهواء لخشيش بن أصرم من مروبات المحدث محمد بن محمد بن سليمان الروداني المالكي في كتاب (صلة الخلف بموصول السلف بروايته عن شيخه علي الأجهوري، عن النور القرافي، عن قريش البصير عن ابن الجزي، عن العز بن جماعة، عن والده البدر، عن إسماعيل بن أحمد؛ ومكي بن مسلم بن علان كلاهما، عن أبي طاهر السلفي، عن محمد بن أحمد الرازي عن محمد بن الحسين النيسابوري، عن الحسن بن رشيق الزاهد عن العباس بن محمد المصري، عن خشيش بن أصرم المؤلف، وسندي إليه في التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز).
فعلم مما سبق أنه يتعين التبصر البالغ في مرويات المؤلف عن مثل محمد بن عكاشة في صدر الكتاب وعن قاتل بن سليمان في الأوسط، وعن خشيش بن أصرم في الأواخر؛ لكلام أهل النقد في ابن عكاشة ومقاتل وتهاتر آراء خشيش كما سبق. وهذا ما رأيت وجوب الإشارة إليه هنا حرصا على معتقد أهل الحق.
ترجمة المؤلف، وشيوخه، وأقوال المؤرخين فيه ووفاته:
و أما المؤلف فترجمته مستوفاة في تاريخ دمشق لابن عساكر، وطبقات الشافعية للتاج ابن السبكي وطبقات القراء) للشمس ابن الجزري.
قال ابن عساكر: هو محمد بن أحمد بن عبدالرحمن أبو الحسين الملطي المقرئ سمع بطرابلس خيثمة بن سليمان، وأبا عمير عدي بن عبدالباقي الأذني
الجزء 1 · صفحة 12
وبحلب أحمد بن مسعود، الوزان ومحمد بن بركة برداغش (الحافظ)، وأبا الطيب علي بن محمد بن أيوب بن حجر بن أبي سليمان الصوري وعبيد بن محمد بن يعقوب الأنصاري بحران وأبا بكر محمد بن الحسين الخزاعي وأبا محمد عبيد الله بن الحسين الصابوني القاضي بأنطاكية، وأبا بكر محمد بن إسحاق بن فروخ بربض الرافقة (1)، وبشر بن سعيد بن قلويه الرقي.
و روي عنه: أبو القاسم عمر بن أحمد الواسطي (الخطيب)، وأبو بكر محمد بن داود بن مصلح العسقلاني، وأبو محمد إسماعيل بن رجاء العسقلاني، وعبيد بن سلمة بن حزم المكتب وأبو محمد عبدالله بن عمر بن العباس العدوي، نزيل تنيس.
قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني: سمعت إسماعيل بن رجاء يقول: كان أبو الحسين الملطي كثير العلم كثير التصنيف في الفقه، وكان يتفقه للشافعي، وكان يقول الشعر ويسره ويعجب به. قال: وسمعت إسماعيل يقول: توفي أبو الحسين الملاطي بعسقلان سنة 377 هـ، انتهى.
وروي ابن عساكر أحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان بطريق أبي القاسم عمر بن أحمد الواسطي عنه ومولده ملطية، ووفاته في عسقلان كما ترى.
وذكر التاج بن السبكي ملخص ما في ابن عساكر، ثم ساق حديثا بطريق عمر بن أحمد الواسطي عنه.
وقال ابن الجزري عن أبي الحسين الملطي نزيل عسقلان، فقيه مقرئ، متقن ثقة أخذ القراءة عرضا عن ابن مجاهد، وابن الأنباري، وقرأ القراءة عنه عرضا الحسن بن ملاعب الحلبي.
الجزء 1 · صفحة 13
و له قصيدة عارض بها أبا مزاحم الخاقاني، وأولها:
أقول لأهل اللب والفضل والحجر ... مقال مريد للثواب وللأجر
وأسأل ربي عطاءه وعفوه ... و طرد دواعي العجب عني والكبر
وأدعوه خوفا راغبا بتذلل ... ليغفر لي ما كان من سيء الأمر
وأسأله عونا كما هو أهله ... أعوذ به من آفة القول والفخر
ثم قال: مات بعسقلان سنة 377 هـ، انتهى.
ولم يذكر المترجمون له نسبته إلى غير ملطية وعسقلان، لكن الأصل المنقول عنه فيه نسبته طرائفيا أيضا نسبة إلى بيع الطرائف الخشبية. وفي آخر الأصل المنقول عنه ما لفظه: (قال محمد بن إبراهيم بن القاسم الحصري البغراسي سمعت أبا علي محسن بن عبدالله الرملي قال: حدثني الشيخ الجليل أبو الحسين محمد أحمد الملطي الطرائفي العسقلاني).
وبعد ذلك ما نصه: (سمع جميع هذا الكتاب من أوله إلى آخره بقراءة يحيى بن الحسين بن يحيى البصري المعروف بالبردعي، على محمد بن إبراهيم بن الحصري البغراسي (2): الحضر بن جعفر المصيصي غلام البوطي والحضور محمد
# بناها المنصور العباسي وهي تعرف اليوم بالرقة (ز).
(2) نسبة إلى بغراس: بفتح فسكون حصن منيع على يمين السائر من حلب إلى أنطاكية بلحف جبل اللكام في الجبال المطلة على بلاد كانت بيد ابن ليون في أيام ابن الأثير - راجع الباب، وقاموس المجد (ز).
بن عمران الحنبلي البغدادي وعلي بن سالم الأذرعي، والخضر بن أحمد الدمشقي،
الجزء 1 · صفحة 14
وسبيع بن علي بن علي بن الحسين الدمشقي وخلف بن مسعود من أوله إلى آخره إلا الموضع بين أجاز لهما ما فاتهما من ذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وأربعمائة فالحمد لله رب العالمين وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم).
وبعد ذلك ما لفظه: ونسخ هذا فسمع هذا الكتاب من أوله إلى باب ذكر المرجئة وفرقها ومذاهبها محمد بن خلف بن حزم بن ليون بن سوار بالجيدور بالحارة بن مسعود الأنصاري الأندلسي بمسجد أبي صالح (1) في رجب سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة). وهنا انتهى ما في الأصل من التسميعات.
وقد بلغني أن الكتاب نشر في الآستانة قبل سنين بعناية بعض كبار المستشرقين بإرشاد عميدهم المستشرق الكبير الأستاذ الطائر الصيت البروفسور لويس (ماسينيون الفرنسي لكنني لم أظفر بنسخة منه.
ثم عزم ناشره على نشره فراجعني هو في دوره واستعار مني نسختي من الكتاب وطلب مني أن أكتب كلمة عن الكتاب ومؤلفه مع تعليق كليمات في مواضع من الكتاب ففعلت نزولا عند رغبته داعيا لي وله بالتوفيق والتسديد وفقنا الله وإياه لما فيه رضاه.
القاهرة في 10 شوال سنة 1368هـ. محمد زاهد الكوثري
# (1) الذي تنسب إليه الصالحية بدمشق وهجرة الحنابلة إليها سنة 557 هـ عند استيلاء الصليبيين على بيت المقدس (ز).
(2) توفي السيد محمد عزة العطار الحسني سنة 1375 ه