الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان
تأليف
خادم الحديث النبوي الشريف
العلامة أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني الإدريسي
من كبار علماء الأزهر الشريف
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد زاهد الكوثري
فضيلة الأستاذ العلامة المحدث الناقد السيد عبد الله الصديق الغماري - حفظه الله (1) - له براعة فياضة تفيض تحقيقا كلما جد الجد، الرد، فتوقف المتهجمين على معتقد الجماعة عند حدهم، ولم تزل مواقف فضيلته ضد المشبهة ونفاة التوسل، والمغالين في استنكار المحاريب ماثلة أمامنا، تشهد له بنبل الرأي ودقة النظر، وغزارة العلم والبراعة في الرواية والدراية.
فيتوالي شكر أهل العلم والدين من أعماق القلوب على إجادته البالغة في الرد عليهم، وقد أعد الله سبحانه له مثوبة عظيمة بقدر ما له من الإخلاص في العمل، والنجاح في الجهاد، والإجادة في الدفاع عن حوزة الدين.
وها هو ذا قد وقف بالأمس الدابر وقفة الأسد في الرد على مشاريع للرشيد القلوني (2) وراء الدكتور صدقي المعروف - في إنكار نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان فقضى عليه بمقالاته الممتعة المنشورة حديثا في مجلة الإسلام الغراء فندعو الله سبحانه أن. يرعاه ويكافئه على ذلك مكافأة المحسنين ويكثر من أمثاله في حراسة الدين، والدفاع عن معتقد المسلمين.
الجزء 1 · صفحة 7
ومما يؤسف له أن يوجد بين صفوف حراس الدين من تتغلب عليه شهوة الظهور بالتجرؤ على العقيدة المتوارثة حريا وراء الاستبعاد العقلي المجرد فيما لا يحيله العقل، مع توارد الكتاب والسنة وإجماع علماء أهل السنة والجماعة على تحتم الأخذ بها ولا يكون ذلك إلا تزندقا مكشوفا في سبيل التجدد وفي مثله يقول الشاعر العربي
تزندق معلنا ليقول قوم ... من الأدباء زنديق ظريف
فقد بقي التزندق فيه وصما ... وما قيل الظريف ولا الخفيف
و ليس شئ أثقل من ذلك على نفوس الأباة الكرام.
ومحاولة المرء لوزن قدرة الله جل جلاله بمعياره الخاسر العيار، وعقله القاصر عن اكتناه جزء من الكون، فضلا عن اكتناه صفة من صفات مكون الأكوان، تدل على أنه مصاب في عقله قبل أن يصاب في دينه، والركض وراء ذلك شأن البهيم، فنعوذ بالله من الخذلان
وفي مسألة رفع عيسى عليه السلام حيا ونزوله في آخر الزمان تضافر الكتاب والسنة وإجماع أهل والجماعة.
فقوله تعالى: [و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته بمعنى ليس أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى لأن عود ضمير (قبل موته إلى عيسى هو مقتضى الرواية حيث صح ذلك عن أبي هريرة - رضي الله عنه – واستفاض عن ابن عباس رضي الله عنهما بدون أن يصح ما يناهض ذلك عن أحد من الصحابة
الجزء 1 · صفحة 8
ولأن عود ذلك الضمير إلى عيسى هو مقتضى الدراية أيضا حيث يلزم من عوده إلى غير عيسى - وهو أحد من أهل الكتاب - أن يؤمن كل كتابي من اليهود وغيرهم قبل موته بعيسى، فإما أن لا يعتد بذلك الإيمان، فينافيه إقسام الله سبحانه عليه، وإما أن يعتد به فلا يكون يهود ولا نصاري بل يكون الجميع ملة واحدة.
مع أن الإجماع على عدم رد اليهود والنصارى إلى غير دينهم في المواريث وسائر الحقوق يدل على تمايز الملتين، وعلى أن اليهود يهود والنصارى نصارى، ما لم نعلم اهتداء أحد منهم إلى الإسلام فتحكم فيه أنه مسلم، فلو كان يهودي يؤمن قبل موته بعيسى عليه السلام ما صح رد ورثته إلى اليهود، وقال الزهري: (مضت السنة على أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريتهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله)
وحيث استحال عود ذلك الضمير إلى غير عيسى للسبب المشروح تعين عوده إلى عيسى من جهة الدراية أيضا، وهكذا تطابقت الرواية والدراية على أن موت عيسى عليه السلام يكون بعد نزوله في آخر الزمان، وإذ ذاك يكون الجميع أمة واحدة بإيمانهم كلهم بما يدعو إليه عيسى إذ ذاك وهو دين الإسلام.
ثم الضمير في قوله تعالى: [و إنه لعلم للساعة يتعين إرجاعه إلى عيسى عليه السلام أيضا، لأنه هو المذكور في سياق الآية ولا ذكر للقرآن في السياق حتى يستساغ إرجاعه إليه دراية وأما من جهة الرواية فلم يصح عن أحد من الصحابة خلاف ما استفاض عن ابن عباس من إرجاع الضمير إلى عيسى عليه السلام، فتطابقت هنا أيضا الدراية والرواية على أن عيسى سبب علم للساعة، حيث يعلم
الجزء 1 · صفحة 9
بنزوله قيام الساعة كما تواترت السنة وتطابق الإجماع على ذلك.
وأما ما وقع في تفسير سورة المائدة - في غير مظنته – من صحيح البخاري من قوله: (قال ابن عباس: متوفيك مميتك فخلو عن السند فلا يصح لللاحتجاج به وكم له من هذا القبيل في كتاب التفسير مما لا يحتج به عند أهل الصنعة.
وهذه الرواية واردة بطريق عبد الله بن صالح عن معاوية الحضرمي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس، عن ابن جرير وغيره. فعلي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس اتفاقا، ففي الرواية انقطاع ثم ابن أبي طلحة والحضرمي وعبد الله كاتب الليث مختلف فيهم، وليسوا من شرط البخاري فأنى تصح رواية هذا شأنها حتى يتصور أن تناهض ما صح واستفاض عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما، على أن حملها على التقديم والتأخير - مثل واسجدي واركعي كما فعل الفراء وغيره يجعلها متفقة مع الرواية الصحيحة.
وليس ما في العتبية من عزو موته - وهو ابن ثلاث وثلاثين - إلى مالك رضي الله عنه بصالح أن يكون عذرا لمن شد وقال بموته حيث لا مستند له من الكتاب والسنة والإجماع أزاء تلك الجبال الشواهق من الحجج على أن العنبية المعروفة بالمستخرجة اشتهرت بين المالكية بأنها مجمع الروايات المطروحة، والمسائل الشاذة، وأن جامعها كان يؤتي بالمسألة الغريبة فإذا أعجبته قال أدخلوها في المستخرجة. بل قال ابن عبد الحكم رأيت جلها كذبا ومسائل لا أصول لها، فالاغترار بها اغترار في غير محله، إلا أن حب الشذوذ مرض في بعض النفوس.
وبعد هذا الاستطراد تعود فتقول:
إن فضيلة الأستاذ العماري وفي بوعده وأتم تأليف كتابه البديع المسمى
الجزء 1 · صفحة 10
(إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان) وأحسن كل الإحسان، في إقامة الحجج من الكتاب والسنة والإجماع على المسألة، وقد سرد فيه من طرق حديث النزول ما يشهد له بالتوسع البالغ في الحديث ومن يسجل له كل فخر على ناصية الدهر، فأبان بذلك قوة تواتر هذا الحديث عند كل منصف غير متعسف
فيكون كتابة الخالد هذا حارسا لقلوب الأجيال المقبلة، من أن يتسرب إليها شكوك المشككين من القاديانيين وأذيال القاديانيين، حيث لم يدع ناحية من نواحي هذا الموضوع بدون أن يقتلها بحثا، فيقتنع المطالع المتبصر بمجرد مطالعته بتواتر خبر نزوله عليه السلام في آخر الزمان، وهذا قاض على الشق الأول من زعم المردود عليه بأن نزول عيسى عليه السلام إنما ورد بطريق الآحاد وخبر الآحاد لا يفيد عقيدة
وأما الشق الثاني فلا يمشي إلا على النقل الأشعري المردود عند المحققين لأن العقد الجازم هو المعتمد شرعا وهذا قد يحصل بخبر الآحاد وبالتقليد كما يحصل بالبراهين المفيدة للعلم وفي قصر الاعتداد في العقد الجازم على إيمان أهل البرهان إكفار لدهماء الأمة، وهذا يكون مجازفة شنيعة، بل إفادة خبر الآحاد العلم رأي كثير من علماء هذه الأمة، ولا سيما عند احتفافه بالقرائن وخاصة فيما أخرجه الشيخان من غير منازع أو اتفقت الأمة على الأخذ به، بل لا يرد خبر الآحاد عند أهل العلم إلا عند مخالفته لكتاب الله أو سنة رسوله المتواترة أو المشهورة أو عند ما عده العقل محالا فيما لا يحتمل التأويل لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول لا بما تحيله كما في الفقيه) والمتفقه للخطيب البغدادي وغيره.
الجزء 1 · صفحة 11
وصفوة القول أن المؤلف أجاد كل الإجادة في تأليفه، فندعو الله سبحانه أن يكافئه على هذه الإجادة، وأن يوفقه لتأليف كثير من أمثال في خير وعافية، وأن ينفع به المسلمين.
محمد زاهد الكوثري