الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة أحاديث الموطأ
واتفاق الرواة عَنْ مَالِك واختلافهم فيها زيادة ونقصا
تأليف الحافظ التناقد أبي الحسن على بن عمر الدارقطني
ويليه
كشف المغطا في فضل الموطا تأليف أبي القاسم على بن الحسن الحافظ بن عساكر
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَّفَ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة الماجشون كتاباً فيما اجتمع عليه أهل المدينة. ولما اطلع عليه مالك بن أنس رضي الله عنه اسْتَحْسَنَ صنيعه إلا أنه أخذ عليه إغفاله ذِكْرَ الأخبار والآثار في الأبواب، حتى قرر أن يقوم هو بنفسه بجمع كتاب تحتوي أبوابه صحاحَ الأخبار، وعمل أهل المدينة في أبواب الفقه، فبدأ يمهد السبيل لذلك، وكان المنصور العباسي بلغه شيء مما عَزَم عليه مالك، فاجتمع به في حجته الأخيرة ـ في التحقيق ــ وأوصاه أن يدوّن علم أهل المدينة مجتنباً رُخَص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود رضي الله عنهم، حيثُ كانت جماعة من وشدائد ابن عمر، أصحاب هؤلاء ينشرون علومهم في المدينة المنورة - منهم الفقهاء العشرة في أيام عمر بن عبد العزيز - ولهم أصحاب وأصحاب أصحاب أدركهم مالك.
فتقوَّت عزيمة مالك حتى تجرَّد لجمع الصفوة من الأحاديث والآثار المروية عند أهل المدينة، والعمل الجمع المتوارَثِ بينهم مقتصراً في الرواية على شيوخ أهل المدينة، سوى ستة وهم أبو الزبير من مكة وإبراهيم بن أبي عبلة من الشام، وعبد الكريم بن مالك من الجزيرة، وعطاء بن عبد الله من خُراسان، وحميد الطويل وأيوب السختياني من البصرة، إلى أن أتمَّ عمله في أوائل عهد المهدي العباسي، كما بينتُ ذلك فيما علقتُ على «الانتقاء» لابن عبد البر.
الجزء 1 · صفحة 7
فأخذ مالك يلقي «الموطأ» على أصحابه، فيتلقونه منه سماعاً، ولم يكن تأليفه الكتاب ليعطيه الناس فينسخوه ويتداولوه بينهم كعادة أهل الطبقات المتأخرة في تصانيفهم، بل كان التعويلُ حينذاك على السماع فقط.
وكان تأليفه الكتاب لنفسه خاصَّة، لئلا يغلط فيما يُلقيه على الجماعة، كعادة أهل طبقته من العلماء في تأليفهم، ولذا كان يزيد فيه وينقصُ منه، حسب ما يبدو له في كل دور من أدوار التسميع المختلفة، فاختلفتْ نُسَخ «الموطأ» ترتيباً، وتبويباً، وزيادةً، ونقصاً، وإسناداً، وإرسالاً، على اختلافِ مجالس المستملين، فأصبح رواتها على اختلافِ الختمات - هم مدوّنوها في الحقيقة - منهم من سمع عليه «الموطأ» سبع عشرة مرةً أو أكثر، أو أقل، بأن لازمه مُدَداً طويلة تسعُ تلك المرات، ومنهم من جالسه نحو ثلاث سنوات حتى تمكن من سماع أحاديثه من لفظه، ومنهم من سمعه عليه في ثمانية أشهر، ومنهم مَنْ سَمِعه في أربعين يوماً، ومنهم من سمعه عليه في أيام هَرَمِه في مدة قصيرة، ومنهم من سمعه في أربعة أيام إلى آخر ما فُصل في موضعه.
ومنازل هؤلاء المُسْتَمْلِين تتفاوت فهماً، وضبطاً، وضعفاً، وقوةً، فتكون مواطن اتفاقهم في الذروة من الصحة عن مالك، ومواضع اختلافهم وانفرادهم متنازلة المنازل إلى الحضيض، حسب ما لهم من المقام في كتب الرجال.
وقد ذكر أبو القاسم الغافقي اثني عَشَرَ راوياً من رواة الموطأ في «مسند الموطأ» له، فيهم عبد الله بن يوسف التنيسي، ومحمد بن المبارك الصوري، وسليمان بن بُرد، واستدرك السيوطي عليه راويين نُسْخَتَاهما من أشهر النسخ.
وساق ابن طُولُون في الفهرست الأوسط» أسانيد «الموطأ» من أربع
الجزء 1 · صفحة 8
وعشرين طريقاً، وكذلك فعل أبو الصبر أيوبُ الخَلْوَتِي، حيثُ ساق أسانيده في «ثَبَته» من طريق ابن طولون، ومن غير طريقه.
وإني أروي إجازةً بطريق الحجار روايات: محمد بن الحسن، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد وعبد الله بن عمر بن غانم، وعبد العزيز بن يحيى، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون وابن القاسم، وعبد الله بن نافع الهاشمي. الزبيري.
وبطريق أبي هريرة بن الذهبي رواياتِ مُطَرِّف بن عبد الله اليساري، ومصعب بن عبد الله الزبيري وعلي بن زياد التونسي، وأَشْهَب. وبطريق محمد بن عبد الله بن المحبّ: روايةً عبد الله بن وهب، ورواية إسحاق بن عيسى الطباع.
وبطريق إبراهيم بن محمد الأرْمَوي رواية: عبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنَبي. وبطريق زينب بنت الكمال المقدِسية رواياتِ الشافعي، ومحمد بن معاوية الأطرابلسي، وأسد بن الفرات.
وبطريق ابن حجر روايات يحيى بن يحيى الليثي، وأبي مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهري، ويحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وسويد بن سعيد، وسعيد بن كثير بن عُفَير، ومعن بن عيسى .. القرار وهؤلاء أربعة وعشرون راوياً من أصحاب مالك.
وأحمد: يُكثر من طريق ابن مهدي وأبو حاتم من طريق معن بن عيسى، والبخاري: من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم: من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو داود من طريق القَعْنَبي والنسائي: من طريق قتيبة بن سعيد:
الجزء 1 · صفحة 9
وقد أوصل الحافظ محمد بن عبد الله الدمشقي المعروف بابن ناصر الدين رواة الموطأ إلى ثلاثة وثمانين راوياً في كتابه إتحاف السالك برواة الموطأ عن مالك». وأشهر رواياته في هذا العصر رواية محمد بن الحسن بين المشارقة، ورواية يحيى الليثي بين المغاربة. فالأولى: تمتاز ببيان ما أخذ به أهل العراق من أحاديث أهل الحجاز المدونة في «الموطأ»، وما لم يأخذوا به، لأدلة أخرى ساقها محمد في «موطئه» وهي نافعة جداً لمن يريد المقارنة بين آراء أهل المدينة وآراء أهل العراق، وبين أدلة الفريقين. والثانية: تمتاز عن نُسَخ «الموطأ» كلها باحتوائها على آراء مالك البالغة نحو ثلاثة آلاف مسألةٍ في أبواب الفقه. وهاتان الروايتان نُسخهما في غاية الكثرة في خزانات العالم شرقاً وغرباً. وتُوجد رواية ابن وهب في مكتبتي فيض الله وولي الدين بالآستانة، ورواية سويد بن سعيد ورواية أبي مصعب الزهري في ظاهرية دمشق، و «أطراف الموطأ» للداني في مكتبة الكبريلي في الآستانة.
وليس بين كتب السنة ما يُقارب شَأْوَ «الموطأ» من جهة كثرة الرواة، وفيه يقول الإمام الشافعي: ما كتابٌ بعد كتاب الله تعالى أنفعَ من كتاب مالك». كما ذكره ابن عساكر بإسناده في «كشف المُغَطَّى في فضل الموطا»، وقال ابن عبد البر في «التقصي»: «الموطأ لا مثيل له ولا كتاب فوقه بعد كتاب الله عزَّ وجلَّ». وقال أبو بكر بن العربي في «العارضة»: «الموطأ هو الأصل الأول واللُّباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب وعليهما بَنَى الجميع كمسلم والترمذي.
ولهذه المنزلة السامية للموطأ بين أهل العلم لم يَزَل المقام الأول له في الاعتناء به من كل ناحية، وحيثُ اختلفت نُسخه، وتعددت رواتُه أصبحنا في حاجة شديدة إلى معرفة مواضع اتفاقِ رواته ومواقع اختلافِهم على تفاوت
الجزء 1 · صفحة 10
مراتبهم في الضعف والقوة، لننزل الرواياتِ منازلها في حالتي الاتفاق والانفراد.
وقد قام بتعريف ذلك أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة 385هـ، بأن ألف هذا الجزء في ذلك مرتباً أحاديث الموطأ» على ترتيب شيوخ مالك، مع عددِ ما لكلِّ منهم من الحديث، مستقصياً في البحث عن رواياته كلها، لإبانة مواضع الاتفاق والاختلاف، بل راجعَ في ذلك الأسمعة خارج الموطأ» كما ترى، فأجاد وأفاد. وكنتُ نقلته من خطّ الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر شيخ ابن الجوزي، مغتبطاً به، لما فيه من جزيل الفوائد للباحثين، وللدارقطني أيضاً جزء يذكر فيه ما خولف فيه مالك من أحاديث الموطأ» كما أن له غرائب مالك أغلبها مناكير انفرد بها عن مالك أناس غير مرضيين.
وممن ألف في اختلاف الموطأت أبو الوليد الباجي، وقد رتب ابنُ عبد البر في «التمهيد» أحاديث الموطأ» على ترتيب شيوخ مالك، وتوسع في الشرح ثم لخص هذا الترتيب في كتاب «التقصي» تلخيصاً نافعاً مع بيان بعض وجوه الاختلاف في الروايات، وتلك كنوز ثمينة يهتم بها كل الاهتمام من يُريد تذوق علم الحديث بوجهه، راغباً في العلم للعلم.
وطالب الحديث إذا عُني بادىء ذي بَدْءٍ بمدارسة أحوال رجال «الموطأ» فاحصاً عن الأسانيد والمتون فيه: تدرّج - عن ذوق وخبرة - في مدارج معرفة الحديث والفقه في آن واحد بتوفيق الله سبحانه فيصبحُ على نورٍ من ربه في باقي بحوثه في الحديث، راقياً على مراقي الاعتلاء في العلم نافعاً بعلمه، ومنتفعاً به، والله سبحانه ولي التسديد؟
محمد زاهد الكوثري