الجزء 1 · صفحة 5
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب
تأليف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري
وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد الخلق محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن الأئمة المتبوعين رضي الله عنهم كانوا كأسرة واحدة يتناصرون في خدمة شرع الله سبحانه، يستفيد هذا ماعند ذاك، وذاك ما عند هذا، حتى نَضجَ الفقه الإسلامي على أيديهم تمام النضج بانصرافهم كل الانصراف إلى استقصاء ما ورد في السنة قبل أن يدخلها الدخيل بعد القرون الفاضلة، وبإقبالهم أشد إقبال على تفهم ما في كتاب الله وسنة رسوله من المعاني السامية والمرامي البعيدة، قبل أن تَحدُث في اللغة أطوار تُبعدها عن المعاني التي تفهم منها عند التخاطب بها في عهد نزول الوحي.
وكان فضل الله عليهم عظيمًا، حيث أعدهم لهذا العمل النبيل، بقدر ما آتاهم الله من بالغ الذكاء، وقوة الحفظ، حسن الغوص على المعاني، وبعد النظر في اجتلاء الحقائق من المكامن وتمام الشغف بالفقه والتفقيه، وسرعة الخاطر، وجودة الإلقاء وعذوبة البيان وسعة ذات اليد والصحة الكاملة والعافية الشاملة، وعظيم الإخلاص، مع قرب عهدهم من زمن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
والرواة الذين بين كل واحد منهم وبين الصحابة رضي الله عنهم، لا يزيدُ عدَدُهم في الغالب على راويين اثنين فقط: أحدهما شيخه، والآخر شيخ شيخه. ومن السهل عليهم معرفة أحوال هذين الاثنين ومن في طبقتهما معرفة لا تشوبها شائبة.
أما من تأخر زمنه وتكلم في هؤلاء الرواة، ولا سيما بعد استفحال الفتن وعموم التعصب، فليس من السهل عليه أن يكون كلامه فيهم عن معرفة أحوالهم كما يجب.
فالقلبُ يكون أركنَ إلى الأئمة في الرجال الذين بينهم وبين الصحابة، لمزيد صلتهم بهم، ومدارستهم لأحوالهم عن كتب بخلاف من تأخر زمنه وتكلم فيهم فإن كلامه لا يخلو من شوب.
وكانت للأئمة أصحاب خيار، يبلغون علومهم إلى من بعدهم خير، تبليغ وهكذا كان أصحاب أصحابهم، وهلم جرًا إلى اليوم الذي أنت فيه وقد بوأ الله سبحانه كلاً منهم الأقدم فالأقدم مقامه الجدير
الجزء 1 · صفحة 7
به في قلوب الأمة، منذ أشرقت شموس علومهم وأينعت ثمار، فهومهم وما أعده الله لهم من النعيم فهو به عليم.
قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2: 126): وقد جمع الناسُ فضائلهم، وعُنوا بسِيرهم وأخبارهم، فمن قرأ فضائل، مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة، بعد فضائل الصحابة والتابعين وعُني بها ووقف على كريم سيرهم وهديهم، كان ذلك له عملاً زاكيا نفعنا الله بحب جميعهم.
قال الثوري رحمه الله: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة (¬1)، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات دون أن يُعنَى بفضائلهم، حُرم التوفيق ودخل في الغيبة، وحاد عن الطريق، جعلنا الله وإياك ممن يسمع القول فيتبع أحسنه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (دَبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم الحسد، والبغضاء) اهـ.
ومن الدليل على أنهم كانوا كأسرة واحدة في خدمة شرع الله، أنَّ عالم دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي الله عنه، كان يطالع كتب فقيه الملةِ الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه ويدارسه العلم، إلى أن جمع عنده من مسائل أبي حنيفة نحو ستين ألف مسألة.
كما تجد مصداق ذلك فيما أسنده أبو العباس بن أبي العوام السَّعْدي فيما زاد على كتاب جده (فضائل أبي حنيفة وأصحابه)، وفيما ساقه أبو عبد الله الحسين بن علي الصَّيْمري في (أخبار أبي حنيفة وأصحابه)، وفيما نقله الموفق الخوارزمي في مناقب أبي حنيفة ومسعود بن شيبة في كتاب التعليم (¬2)، وغيرهم من ثقات أهل العلم في كتبهم، وقد توسعتُ في بيان ذلك في أقوم (المسالك المطبوع مع (إحقاق
¬
(¬1) المحفوظ نسبة هذا القول لسفيان بن عيينة، وانظر في كتاب الموضوعات الكبرى لعلي القارئ في لفظ (عند ذكر الصالحين. . .). ز.
(¬2) ومن جملة ما يقول مسعود بن شيبة في كتاب (التعليم) له: ذكر الطحاوي في كتابه الذي جَمَع فيه أخبار أصحابنا عن الدراوردي، قال: سمعت مالكا يقول: (عندي من فقه أبي حنيفة ستون ألف مسألة ا هـ. وابن شبيبه هذا جَهله ابنُ حجر فيما جَهل، مع أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي، وابن دقماق المؤرخ والتقي المقريزي والبدر العيني والشمس بن طولون الحافظ وغيرهم، فنعد صنيع ابن حجر من تجاهلاته المعروفة لحاجة في النفس وقانا الله اتباع الهوى. ز.
الجزء 1 · صفحة 8
الحق).
و كان أبو حنيفة يَطَّلع أيضًا على مسائل، مالك، كما في تقدمة الجرح والتعديل (¬1) لابن أبي حاتم. والإمام المعظم محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه تلقى الحديث من مالك، وتفقه على الإمام محمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنه، وحَمَل عنه حِمْلَ بُخْتى من العلم، كما رواه كثير من الثقات بأسانيدهم ومن جملة من ذكر ذلك الذهبي في ترجمة محمد بن الحسن والإمام أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه كتَبَ عن الإمام أبي يوسف القاضي رضي الله عنه ثلاثة قماطر من العلم (¬2)، وكان ينتقي الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن، ولازم الإمام الشافعي في الفقه كما أسند ذلك الخطيب وغيره.
و من أحاط علمًا بكل ما سبق، استحيا من اتخاذ التمذهب بمذهب أحد منهم ذريعةً إلى الوقيعة في الآخرين. نعم لغير المجتهد أن يختار أحدَهم فيتابعه في المسائل الاجتهادية، لأسباب تلوح له، لكن تلك الأسباب اللائحة له، لا تدل على أفضلية من وقع اختياره عليه في نفس الأمر.
فمن اختار أبا حنيفة مثلاً قائلاً إنه تابعي وهو أجدر بنيل الصفوة من الأخبار من ينابيعها الصافية القريبة، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله أن يجعل ذلك سببًا لاختياره لكن لا يجوز له أن يُغفِلَ أن هذه الفضيلة لا تستلزم الرجحان في العلم مطلقًا، وكم بين التابعين من هو مغمور مع تقدم زمنه؟
و من اختار مالگا باعتبار أنه نشأ في مهبط الوحي، فله ذلك، لكن لا يسوغ له إغفالُ أن علماء الأمصار يشاركونه في علوم الحجاز، لكثرة حجهم ومجاورتهم بالحرمين في عهده، بل بين سكان مهبط الوحي من لا يَفْضُله، بل ولا يقارِبُ شأْوَه مع مشاركته له في الإقامة بالمدينة المنورة، على أن السكنى هناك بعد تفرق الأصحاب في البلدان، بعد انقضاء عهد الفقهاء السبعة، لا تقاس بالإقامة بها في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفي عهد أصحابه، أو في عهد هؤلاء الفقهاء رضي الله عنهم
ومن تابع الشافعي قائلاً إنه قرشي، فله ذلك، لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، وفي صحيح مسلم: من أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه على أن هناك من العلماء من هو قرشي بالاتفاق، فيُفضّل على من في قرشيته خلاف لو كان هذا الأمر بالنَّسَب.
¬
(¬1) من محفوظات مكتبة مراد ملا بالآستانة ونسخة دار الكتب المصرية في أولها نقص. ز.
(¬2) قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف. كما في مناقب الإمام أحمد) لابن الجوزي ص 23. ز
الجزء 1 · صفحة 9
ومن تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك، لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى ولا حَجْرَ على المقلد فيما يتخذه سببًا لمتابعته إمامًا دون الآخرين، لكن رجحان أحد المجتهدين في نظره، لا يستلزم رجحانه على الآخرين في نفس الأمر، بل الخوض في المفاضلة بينهم بعيد عن الحكمة.
ولو سلكنا في تفضيل الإمام أبي حنيفة هنا، ما سلكه صاحب (المدارك) القاضي عياض، في تفضيل إمامه، أو ما سلكه صاحب (مغيث الخلق) في تفضيل الشافعي، أو ابنُ الجوازي في مناقب الإمام أحمد (¬1) في تفضيل قدوته، لكان مجال الكلام فى ذلك متسعًا جدًا.
لكن لا نبتعد من الحكمة مع المبتعدين، ولا نخوض في المفاضلة مع الخائضين، بل نراهم كلهم على هدي من ربهم، وندع الناس وشأنهم في متابعة من يشاؤون منهم، على تفاوت المشارب والأذواق، وتخالف الميول باعتبار مناشئهم ومداركهم، ونعد أنه بَرِئَتْ ذمة من يتابع أحدهم مطلقًا، سواء أصاب إمامه أم أخطأ، ولإمامه أجران على تقدير الإصابة، وأجر واحد على تقدير الخطأ، وذمة المتابع بريئة في الحالتين اتفاقًا.
وحيث إنه لابد لغير المجتهد من اتباع أحدهم لضرورة العمل، يختار أحدهم بسبب يلوح له فيتابعه. وأما ادّعاء أن إمامه هو المصيبُ في المسائل كلها في نفس الأمر، فرجم بالغيب، وكفى في صحة العمل غلبة الظن، واستيلاء اليقين من الظن شأن العامة.
ومن أقررنا له بأنه مجتهد فقد اعترفنا له بأنه يخطئ ويصيب مأجورًا في الحالتين، بعد بذله الوسع، فيكون القول في أحد المجتهدين بأنه مصيب مطلقًا، مجازفة يبرأ منها أهل العلم المنصفون، لأنه يؤدي إلى رفعه لمقام العصمة، وإنما العصمة لأنبياء الله ورسله عليهم السلام
وقد مضت طوائف الأمة على إجلال هؤلاء الأئمة، مكتفين بالأخذ والرد في الاحتجاج على المسائل، والموازنة بين أدلة كل طائفة كما تقتضي به أمانة العلم إلى أن حدثت فتنةُ خلق القرآن، في عهد المأمون العباسي.
وكان بين رواة الحديث أناس لم يتقنوا النظر، ولم يمارسوا استنباط الأحكام من الأدلة، فإذا سئل
¬
(¬1) انظر منه الباب الثامن والتسعين ص 496 - 502. ز.
الجزء 1 · صفحة 10
أحدهما عن مسألة فقهية لا يجهلها صغار المتفقهين، يجيب عنها بما يكون وصمة عار له أبد الآبدين، فيصلي أحدهم الوتر بعد الاستنجاء من غير إحداث وضوء ويستدل على هذا العمل بقوله - عليه الصلاة والسلام -: (من استجمر فليوتر) المقصود منه إيتارُ الجمار عند الاستنقاء، لا صلاة الوتر بعد نقض الوضوء مباشرةً من غير توضؤ.
ويبقى أحدهم لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة أربعين سنةً على ما فَهِمَ من حديث (نُهِيَ عن الحَلْق قبل الصلاة الجمعة) (¬1)، مع أن الحلق بفتح اللام، فيكون المراد النهي عن عقد الحلقات المؤدي إلى مضايقة الجماعة، بدون أن يكون له أدنى علاقة بحلق الرأس.
و يفهم آخر منهم من حديث نُهِيَ أن يَسقي الرجلُ ماءَه زرع غيره (¬2) المنع من سقي بساتين الجيران، مع أن المراد وطَءُ الحُبَالى من السبايا.
و سئل كبير (¬3) منهم في مجلس تحديثه عن دجاجة وقعت في بئر، فقال للسائل ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء؟
فيجيبه نيابةً عن هذا المحدِث الكبير أحَدُ المتفقهة فى مجلسه سترًا لجهله بالأحكام.
وسئل أحدهم عن عن مسألة من الفرائض، فكتب فى الفتوى: تقسم على فرائض الله سبحانه وتعالى.
و سئل أحدهمعن الحالف بصدقة إزاره، فقال بكم اشتريته؟ فقال: باثنين وعشرين درهما، قال: اذهب وصم اثنين وعشرين يومًا، فلما مَرَّ جَعَل يتأوه ويقول: غلطنا! أمَرْنا بكفارة الظهار!.
¬
(¬1) وفي النهاية: الحِلَقُ بكسر الحاء وفتح اللام الحَلْقة مثل قطعة وقصع. وفي القاموس: الحَلْقَة جمعها حلق محركة أي بفتحتين، ز. 4 هذه الحكاية في ص 115 من (تلبيس إبليس) معزوة عن بعض المحدثين. ز.
(¬2) ولفظ أبي داود: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءَه زرع غيره). ز.
(¬3) هو يحيى بن محمد بن صاعد، المتوفى سنة 318 على ما في ص 115 (من تلبيس إبليس)، والذي أجاب هو أبو بكر الأبهري - والسائل امرأة، وأبو بكر الأبهري توفي سنة 375.
الجزء 1 · صفحة 11
و سئل آخر عن فأرة وقعت في بئر، فقال: البئر جُبَار.
وكانت فلتات تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته مما ينبذه الشرع والعقل في آن واحد.
فرأى المأمون امتحان المحدثين والرواة، في مسألة كان يراها من أجلى المسائل، ليوقفهم موقف التروي فيما يَرَوْن ويَرْوُون، فأخذ يمتحنهم في مسألة القرآن، يدعوهم إلى القول بخلق القرآن ويضطهدهم على ذلك (¬1)، ملوما فيما اختاره من الوسيلة في اختبارهم غير موفق فيما توخاه واستمرت هذه الفتنة من عهد المأمون إلى عهد المتوكل العباسي، ولقي الرواة صنوف الإرهاق طول هذه المدة، فمنهم من أجاب مرغَمًا من غير أن يعقل المعنى، ومنهم من تورع من الخوض فيما لم يخض فيه السلف.
وكان نزاع القوم بحسب الظاهر فيما بالأيدي، ودعوى قدمه تكون مكابرة، وأما الكلام الذي قام بالله سبحانه وهو صفة من صفاته تعالى، فَلا شك في قِدَمه قِدَمَ باقي صفاتِهِ الذاتية الثبوتية وكم صرح الإمام أحمد بأن القرآن من وعلم الله، قديم، وبين أن القرآن باعتبار وجوده في علم الله سبحانه قديم.
ولكن دهماء الرواة كانوا بعيدين عن تعقل محل النزاع وتحريره، وكان بين أهل الغوص على المعاني وبين نقلة الألفاظ جفاء متوارث، حيث كانت النقلة متمسكين بحرفية ما يروونه غير معولين على أفهام الآخرين في النصوص، يرمونهم بمنابذة السنة عند عدم موافقة أفهام هؤلاء لأفهامهم أنفسهم.
وفي هؤلاء المكثرين من الرواية بدون اهتمام بالتفقه والدراية يقول شعبة: كنتُ إذا رأيتُ رجلاً من أهل الحديث يجيء أفرح به، فصرت اليوم ليس شيء أبغضَ إليَّ من أن أرى واحدًا منهم.
ويقول ابن عيينة: أنتم سخنة عين لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضرباً!
ويقول الثوري: ليس طلب الحديث من عدد الموت ويقول أيضًا لو كان هذا الحديث خيرًا لنقص كما ينقص الخير.
ويقول عمرو بن الحارث شيخ الليث - ما رأيت علمًا أشرف وأهلاً أسخف من أهل الحديث.
¬
(¬1) انظر كتاب المأمون لأمرائه في البلاد بالامتحان للقضاة وغيرهم بقبول القول بخلق القرآن في كتاب (قُضاة مصر) لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي ص 445 - 447. ز.
الجزء 1 · صفحة 12
إلى غير ذلك مما: في (جامع بيان (العلم لابن عبد البر والمحدث الفاصل للرامهرمزي وغيرهما.
ومما زاد في الشقاق بين الفريقين انتداب قضاة في تلك البرهة لامتحانهم في مسألة، القرآن، وغالب هؤلاء القضاة كانوا يرون رأي أبي حنيفة وأصحابه في الفقه ويميلون إلى المعتزلة في مسائل الامتحان (¬1).
فلما رفعت المحنة في عهد المتوكل، أخذ رَدُّ الفعل مجراه الطبيعي، من غير أن يفيد ما بدأه المأمون شيئًا مما كان يتوخاه سوى استفحال التعصب والتطرف في الفريقين.
قد انقلب الاضطهاد في عهد المتوكل إلى عكس، سابقه وكان أهل الرواية يغلب عليهم قلة التبصر في المسائل، يندفعون في الوقيعة كلما ضاقت حجتهم اندفاعًا لا يبرره دليل ولا شبه دليل فسلوا سيف النقد على ممتحنيهم القضاة بحق وعلى أئمة هؤلاء القضاة في الفقه الذين لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل، من غير حق ساووا بين القضاة وأئمتهم الأبرياء ولسان حال أبي حنيفة وأصحابه يقول:
غيري جن وأنا المعاقب عندكم ... فكأني سبابة المتندم
فرموه وأصحابه عن وَتَر، واحد ودونوا فيه وفي أصحابه مثالب مختلقة، بأسانيد مركبة أوحَتْها إليهم غضبتهم الظالمة، فجعلوا رقابهم بأيدي أبي حنيفة وأصحابه في الآخرة، يسامحونهم إذا شاءوا ويقتصون منهم إذا أرادوا، كما كانت أقفيتهم بأيدي قضاتهم في الدنيا باعترافهم ومسامحتهم هي الجديرة بما عُرف عن أبي حنيفة وأصحابه سعة الصدر وكرم الخلال نحو جهلة المعتدين.
وهم حينما طعنوا فيه إنما طعنوا ظانين أنه على الخطأ وهم على الصواب ومن عَلِم حالهم ربما يعذرهم في بخلاف أهل الفقه من المخالفين لأن اعتقاد الحنفية واعتقادهم واحد ومدارك الفقه عند الفريقين متقاربة، والكل متمسك بالقياس في غير مورد النص، فإذا جاوز أحَدُ هؤلاء في النقد حَدَّ قرع الحجة بالحجة، واسترسل في اصطناع مثالبَ، مسايرًا لهواه فلا عذر له أصلاً، فلا يلقى مثله غير مقامع توقفه عند حده!
والذي صح عن أئمة الفقه وكبار أصحابهم في أبي حنيفة وأصحابه هو إحسانُ القول فيه وفي
¬
(¬1) من المعتزلة طائفة يتابعون أحد الأئمة المتبوعين في الفروع على شذوذهم في المعتقد، ومنهم طائف يستقلون في الفروع وفي المعتقد، كما أشرت إلى ذلك فيما علقت على مراتب الإجماع لابن حزم. . .
الجزء 1 · صفحة 13
أصحابه، وها هو الإمام مالك لما قال له الليث بن سعد: أراك تَعرَقُ؟ أجابه قائلاً: عَرقتُ مع أبي حنيفة! إنه لفقيه يا مصري)، كما في مدارك القاضي عياض.
والفقيه هو البارع في علم الكتاب والسنة ومواطن الإجماع والاختلاف ومسالك القياس، والاعتراف لواحد بأنه فقيه اعتراف له بكل خير.
وقد روى عن مالك رواة من غير أهل الفقه ما هو من قبيل النيل من أبي حنيفة، فدوّنه الساقطون المتسقطون لحاجة في النفس، لكن فرحهم به يزول عند علمهم بأن ذلك كله مكذوب على مالك، مروي بطرق فيها أهل الجمود والنزق من الرواة الذين ضاق أفق فهمهم وتفكيرهم، فاستباحوا النيل من أهل الفهم والتفكير، حيث جمعوا إلى قلة الفهم قلة الدين.
قال أبو الوليد الباجي في شرح الموطأ 7: 300 روى عبد الملك بن حبيب، أخبرني مطرف (بكسر الراء المشددة) أنهم سألوا مالكًا عن تفسير الداء العُضال في هذا الحديث حديث كعب الأحبار في أنَّ بالعراق الداء العُضَال)، فقال: أبو حنيفة وأصحابه، وذلك أنه ضلل الناس بوجهين بالإرجاء وبنقض السنن بالرأي (¬1).
وقال أبو جعفر الداودي: هذا الذي ذكره ابنُ حبيب، إن كان سَلِمَ من الغلط وثَبَت فقد يكون ذلك من مالك في وقتِ حَرَج اضطره لشيء ذُكِرَ له عنه، مما أنكره فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدر فيقول ما يستغفر الله عنه بعد وقت، إذا زال غضبه!
قال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة عن مالك، لأن مالكًا رضي الله عنه على ما عرف من عقله وعلمه وفضله ودينه، وإمساكه عن القول في الناس إلا بما صَحَ عنده وثبت لم يكن ليطلق
¬
(¬1) وهذا يردُّ على صنيع ابن فرحون، حيث ذكره في طبقات المالكية لمجرد أن روى عن مالك بعض أحاديث، قال ابن الدخيل: حدثنا جعفر بن إدريس المقرئ، حدثنا محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا محمد بن سهيل، قال: سمعت ليث بن طلحة يقول: سمعت سلمة بن سليمان يقول: قلت لابن المبارك: وضعت من رأي أبي حنيفة ولم تضع من رأي مالك؟ قال: لم أره علمًا ا هـ. كما في جامع بيان العلم لابن عبد البر 2: 157)، يعني أنه ألف في فقه أبي حنيفة ولم يؤلف في فقه مالك، ومثله كيف يصح أن يذكر في عداد المالكية؟. ز.
الجزء 1 · صفحة 14
والإرجاء الذي ينسب إليه ما هو إلا محض السنة، كما سيأتي تحقيقه بحيث لا يدع قولاً لقائل إن شاء الله تعالى. وأما نقصُ السنن بالرأي فحاشاه عن ذلك، بل هو من أشد العلماء تمسكًا بالسنة بمعناها المعروف عند السلف، والسنة عندهم هي الطريقة المسلوكة لجماعة المسلمين، المتوارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما السنة بمعنى يشمل خبر الآحاد كما هو مصطلح المتأخرين فتختلف شروط قبولها عند أهل العلم الأئمة، وسيأتي شرح ذلك فلا يكون رد خبر لعدم استجماعه لشروط القبول نقضا للسنة ولا ردًا لها. ز.
على أحد من المسلمين ما لم يتحققه ومن أصحاب أبي حنيفة عبد الله بن المبارك (1)، وقد شُهر إكرام مالك له وتفضيله إياه.
وقد عُلِم أن مالكًا ذَكَّر أبا حنيفة بالعلم بالمسائل وأخذَ أبو حنيفة عنه أحاديث وأخذ عنه محمد بن الحسن الموطأ، وهو مما أرويه عن أبي ذر عبد بن أحمد رضي الله عنه.
وقد شُهر تناهي أبي حنيفة في العبادة وزهده في الدنيا، وقد امتحن وضُرب بالسوط على أن يلي القضاء، فامتنع. وما كان مالك ليتكلم في مثله إلا بما يليق بفضله، ولا نعلم أن مالكا تكلم في أحد من أهل الرأي، وإنما تكلم في قوم من أصحاب الحديث من جهة النقل ... ) انتهى.
ومقام الباجي في الحديث والفقه والنظر، والتاريخ بما يُقِرُّ به طوائفُ أهل العلم فضلاً عن أهل مذهبه. ووَجْهُ بعدم صحة الخبر المذكور: يَظهرُ من ترجمة مُطرَّف بن عبد الله اليساري الأصم وعبد الملك بن حبيب في، كتب الضعفاء ومن روى عن مُطرّف من أصحاب الصحاح إنما روى عنه الأحاديث المسندة في الموطأ مما شاركه حكمه فيه جماعة.
وأما الشافعي فقد تواتر عنه قوله: (الناسُ كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة، بطرق جماعة من كبار أصحابه، وأخذ الفقه عن عدة من أصحاب أبي حنيفة، وقال الطحاوي: رأيت خالي - يعني المُزنَي يديم النظر في كتب أبي حنيفة.
وقد سُئل المزني - أفقه أصحاب الشافعي - عن أبي حنيفة، فقال سيدهم يعني أهل العراق) وعن أبي يوسف فقال: أكثرهم حديثًا - أو أتبَعُهم للحديث - وعن زفر بن الهذيل فقال: أحدهم قياسًا، وعن محمد فقال أكثرهم تفريعًا. فوصفهم بأخص أوصافهم.
وقال أبو العباس أحمد بن سريج لرجل كان يقع في أبي حنيفة: أتقع في رجل سَلَّم له جميع الأمة
الجزء 1 · صفحة 15
ثلاثة أرباع العلم، وهو لا يُسلّم لهم الربع الباقي؟! كما في مبسوط السرخسي ومناقب الموفق وغيرهما.
وتنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة للحافظ جمال الدين بن عبد الهادي (¬1)، يغني عن ذكر نصوص عن الحنابلة في إجلال أبي حنيفة، وقد سَبَق أن نقلنا كلمة سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في أبي حنيفة في تقدمة نصب الراية.
هكذا كان الإخاء بين المالكية، والشافعية والحنبلية وبين الحنفية مدى القرون، لأن علمهم من نبع واحد، واتجاههم اتجاه واحد ورائد الجميع الإخلاص
واستمر الأمرُ على هذا الصفاء، لا يمقتهم غيرُ الحشوية المبتدعة من الرواة، إلى أواخر أيام أبي حامد الإسفرايني، فأخذ بعض أهل المذاهب ينازعون الحنفية القضاء، بإثارة كوامن النفوس حرصًا على الدنيا، لا نزاعا في الصواب، ولا دفاعًا عن الحق إزاء الباطل، فأساء أناسٌ إلى أنفسهم ممن جمعوا بين الفقه والحديث في حسبانهم، فدوّنوا أكاذيب مكشوفة ضد أبي حنيفة وأصحابه، فسوَّدوا صحيفة أعمالهم وضوهوا ناصع خدماتهم في الدين بالسعي في الفتن لأجل الدنيا!
وقال المؤرخ تقي الدين المقريزي الشافعي في الخطط 4: 145: إن أبا حامد الإسفرايني لما تمكن من الدولة في أيام الخليفة القادر بالله أبي العباس أحمد، قرّر معه استخلاف أبي العباس معه استخلاف أبي العباس أحمد بن محمد البارزي الشافعي عن أبي محمد بن الأكفاني الحنفي قاضي بغداد، فأجيب إليه بغير رضا الأكفاني، وكتب أبو حامد إلى السلطان محمود بن سبكتكين وأهل خراسان وصار أهل بغداد حزبين!
وقَدِمَ بعد ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد قاضي نيسابور ورئيس الحنفية بخراسان، فأتاه الحنفية فثارت بينهم وأصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السلطان فجَمَع الخليفة القادر الأشراف والقضاة، وأخرج إليهم رسالة تتضمن أن الإسفرايني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح والشفقة والأمانة، وكانت على أصول الدخل والخيانة!.
فلما تبين له أمره ووضح عنده خُبتُ اعتقاده، فيما سأل فيه من تقليد البارزي الحكم بالحضرة من
¬
(¬1) هو يوسف، المتوفى سنة 909 انظر: شذرات الذهب. خ.
الجزء 1 · صفحة 16
الفساد والفتنة، والعدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه من إيثار الحنفية وتقليدهم واستعمالهم صَرف البارزي، وأعاد الأمر إلى حقه، وأجراه على قديم، رسمه وحمل الحنفيين على ما كانوا عليه من العناية والكرامة والحرمة والإعزاز، وتقدم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد ولا يقضوا له حقًا، ولا يردوا نعليه سلاما وخَلَع على أبي محمد الأكفاني.
وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة، وظهر التسخط عليه والانحراف عنه!). اهـ.
وهذا هو عمل شيخ الطريقة العراقية من الشافعية، وأما شيخ الطريقة الخراسانية القفال المروزي فقام بدوره بما سجله في فتاواه من صلاة للحنفية وقد ذكر صاحب (مغيث الخلق) أنه صلاها بمحضر السلطان محمود الغزنوي مؤلف كتاب التفريد في الفقه الحنفي)، فلو ثَبَت ذلك عنه لدل على أن شيخ الطريقة الخراسانية منهم مع شيخ الطريقة العراقية كفَرَسَي رهان في ابتكار طريقة في الدعوة إلى المذهب والتغلب على المذاهب.
والصحيح أن القفال صور تلك الصلاة في فتاواه، ولكن لم يلها بحضرة السلطان، ولو فَعَل ذلك لكان نصيبه التوسيط من ذلك الملك العالم الدين. وما يَتبعُ ذلك من انتقال أهل البلاد من مذهب إلى مذهب حديث خرافة وأحدوثة دعاية.
وتلك الحركة من أبي حامد الإسفرايني أثارت الكوامن، فانبرى محدثون ومؤرخون من أهل مذهبه، ليشفوا غيظ صدورهم من خصومهم بتدوين تلك الرحلة الكاذبة في مناقب الشافعي (¬1)، وبذكر مثالب مختلفة فى حق فقيه الملة.
ويَعِزُّ على المرء أن يجد أبا نعيم والبيهقي في هذا الصف، يدونان الرحلة المكشوفة الكذب، برواية مثل عبد الله بن محمد البلوي الكذاب المشهور بسند فيه أحمد بن موسى النجار، الذي يقول عنه الذهبي: حيوان وَحْشِي.
وربما يُعذَرُ أَمثالُ عبد الملك بن الجويني والغزالي والرازي ممن لا شأن لهم في نقد الروايات، إذا اغتروا بتخريج أبي نعيم والبيهقي الرحلة، وبنوا عليها صنوف العُنف ضد الحنفية ولكن ماذا يكون عذر
¬
(¬1) وتفنيدها في توالي التأنيس لابن حجر وفي بلوغ الأماني وإحقاق الحق والثلاثة مطبوعة. ز.
الجزء 1 · صفحة 17
الحافظين عند الله وعند الناس؟ في تدوينهما الرحلة وهما يعلمان أنها باطلة لا ظل لها من الحقيقة!.
و للخطيب الحظ الأوفى في النيل من أبي حنيفة حيث حشد في تاريخه من مثالب أبي حنيفة وكبار أصحابه، ما برأ الله ساحتهم منها. كما نشرح ذلك تفصيلاً في هذا الكتاب الذي خصصناه بالرد على الخطيب فيما يخص أبا حنيفة.
فنلم أولاً بأمانة الخطيب وديانته ومبلغ استقامته، ليعلم أهو ممن يُقبل قوله في الجرح والتعديل، أم يعد من المنبوذين بظهور بالغ تعصبه ومتابعته لهواه في احتجاجه بالأحاديث وكلامه في الرجال، وتصويره الأنباء على ما يهواه، على سوء سلوك ينسب إليه، ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء الفعل.
فيسقط من مقام الأمانة في مثار تعصبه خاصة، رغم سكوت المذكورين بالصلاح من أهل مذهبه، عن الدخل في قوله وفعله، على خلاف ما تقضي به الأمانة في العلم ورغم مسايرة المسايرين لهم في ذلك جهلاً بما هنالك!!
كليمة في أحوال الخطيب البغدادي:
ولد أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب سنة 393هـ، قبل إثارة أبي حامد الإسفرايني الفتنة التي أشرنا إليها بسنة، نشأ حنبليًا ثم تشفّع وحَضرَ في الفقه على أبي الطيب الطبري - خليفة أبي حامد الإسفرايني، وكتب الحديث عن جماعة، وألف تاريخ بغداد، وهو من جياد كتبه إلا أنه شوهه بمتابعة الهوى في تراجم كثير من قادة العلم من غير أهل مذهبه وذكر مثالب لهم.
وهو يعلم ما في أسانيدها من وجوه العِلل وصنوف الخلل! بل قل من سلم منهم من لسانه، حتى استطالته قدماء أصحاب أبي حنيفة خاصة ويَرَى المطالع العجب العجاب فيما ترجم به لأبي حنيفة، كما سيأتي شرح ذلك، وكان بينه وبين الحنابلة خطوب وكانت الحنفية يتجاهلون، استطالاته ويمرون بها مر الكرام باللغو من الكلام.
ولما استولى البساسيري على بغداد سنة 450 هـ، وولّى أبا يعلى الحنبلي القضاء، هَرَب الخطيب إلى الشام، ولم يعد إلى العراق إلا بعد إحدى عشرة سنة.
وهو من المكثرين في التأليف، وقد روى ابن الجوزي عن أبي الحسين بن الطيوري: أن أكثر كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب الصُّوري الحافظ محمد بن عبد الله الساحلي المتوفى ببغداد سنة
الجزء 1 · صفحة 18
441 هـ).
قال ابن الجوزي في التحقيق: أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في القنوت، أحاديثَ أظهر فيها تعصبه، فمنها: ما أخرجه عن دينار بن عبد الله - خادم أنس بن مالك - (يعني في زعمه) عن أنس قال: (ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات.
ثم قال وسكوته عن القدح في هذا الحديث، واحتجاجه به وقاحة عظيمة وعصبية باردة، وقلة دين، لأنه يعلم أنه باطل!! قال ابن حبان دينار يروي عن أنس آثارًا، موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه.
فواعَجَبًا للخطيب! أما سَمِع في الصحيح: (من حدَّث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحَدُ الكاذِبَيْنِ)، وهل مَثَلُهُ إِلا كَمَثل من أنفَقَ نَبَهْرَجًا ودلَّسه؟!، فإن أكثر الناس لا يعرفونَ الصحيح من السقيم، وإنما يظهر ذلك للنقاد، إذا أورد الحديث محدّث، واحتج به، حافظ لم يقع في النفوس إلا أنه صحيح.
ومن نظر في كتابه الذي صنفه في القنوت، وكتابه الذي صنفه في الجهر بالبسملة، وكتابه في مسألة صوم يوم الغيم، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها اطلع على فرط عصبيتِهِ وقِلَّةٍ دينه. ا هـ!!.
ثم ذكر له أحاديث أخرى، كلها عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يزل يقنت في الصبح حتى مات) وطعن في أسانيدها.
وقال ابن الجوزي أيضًا في دَرْء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، عن أبيه، قال: سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القُومَسي - وكان من أهل المعرفة بالحديث - يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أُحبُّهم، لشدة تعصبهم، وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نُعيم الأصفهاني، وأبو بكر الخطيب.
وذكر ابن الجوزي ذلك أيضًا في السهم المصيب، ثم قال: وأما الخطيب فإنه زاد عليهما في التعصب سوء القصد! ولهذا لم يُبارك في كتبه ولا يكادُ يُلتفتُ إليها وهي كتب حسان، ولو ذهبنا نذكر أغلاطه وما تعصب به لطال.
ثم قال: إن الخطيب جَمَع كتابًا في الجهر بالبسملة فساق فيه الأحاديث التي يعلم أنها ليست
الجزء 1 · صفحة 19
صحيحة، مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان وقد أجمعوا على ترك حديثه، فقال مالك: كان كذَّابًا. ومثل حديث حفص بن سليمان قال أحمد: هو متروك الحديث.
وكل أحاديثه تكلمت عليها في التعليقة، وبيّنتُ وهاها فلا أُعيد، وقد فَعَل مثل ذلك في كتاب القنوت. ومن تبلغ به العصبية إلى ما قد ذكرناه من تغطية الحق والتلبيس على الخلق، لا ينبغي أن يُقبَل جَرحُه وتعديله، لأن قوله وفعله ينبئ عن قِلَّةِ دين ولقد نقلتُ من خطه أشعارًا قالها اهـ.
ثم ذكر أشياء منها ضربنا عن ذكرها صفحًا، وهي مذكورة في رد الملك المعظم على الخطيب، نقلاً عنه، وهو مطبوع بالهند وبمصر.
وقال ابن الجوزي أيضًا في (المنتظم) كان أبو بكر الخطيب على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة، وآذوه فانتَقَل إلى مذهب الشافعي وتعصب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه ا هـ!!.
وقال فيه أيضًا وكان في الخطيب شيئان: أحدهما: الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس بجرح وذلك لقلة فهمهم والثاني التعصب وقد ذكر في كتاب الجهر بالبسملة أحاديث يعلمُ أنها لا تصح، وهكذا فَعَل أيضًا في كتاب القنوت، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يدري أنه موضوع، فاحتَجَّ به، ولم يذكر عليه شيئًا ا هـ
ثم ذكر له أشياء، ثم قال: من نَظَر فيها اطّلع على فرط عصبيته وقلة دينه ا هـ!!. ولم يكن في الحفظ بذاك، فإذا سُئل عن شئ قلما كان يجيب فورًا بل كان يؤخر الجواب أيامًا، وله تصحيفات وأوهام معروفة، نشير إلى بعضها في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
وقال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها، قَدِم دمشق فصَحِبَه حَدَثٌ صبيحُ الوجه، فكان يختلفُ إليه، فتكلم الناسُ فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكانت من قبل المصريين شيعيا، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله.
وكان صاحبُ الشرطة سُنّيًا، فهجَمَ عليه فرأى الصبي عنده، وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد، رحمتك، وما لي فيك حيلة إلا أنني إذا خرجتُ بك أمرُّ على دار الشريف بن أبي الحسن العلوي، فادْخُل داره، فإني لا أقدر على الدخول خلفك.
الجزء 1 · صفحة 20
وخرج فمر على دار الشريف، فوثب الخطيب فصار في الدهليز، وعلم الوالي فأرسل إلى الشريف يطلبه منه، فقال الشريف: قد علمت اعتقادي فيه وفي أمثاله وليس هو من أهل مذهبي وقد استجار بي وما في قتله مصلحة، فإن له بالعراق صيئًا وذكرًا، فإن قتلته قتلوا من أصحابنا عدة وأخربوا مشاهدنا، قال: فيُخرجُ من البلد فأخرجوه فمضى إلى صُور، واشتد غرامه بذلك الصبي فقال فيه الأشعار، فمن شعره:
بات الحبيب وكم له من ليلة ... فيها أقام إلى الصباح معانقي
ثم الصباح أتى ففرق بيننا ... ولقلما يصفو السرور لعاشق ا هـ
وذكر له أشعارًا كثيرة من هذا القبيل (¬1) .. ومن الظلم أن يُعَدَّ مثله في عداد علماء الجرح والتعديل، ويعول على قوله في دين الله، وقد دافع ابن الجوزي في (السهم المصيب) عن الحنابلة الذين طعن فيهم الخطيب، وكان بينه وبين الحنابلة خطوب، تجد نماذج منها في مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي.
وقال ابن طاهر: جاء جماعة من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع المنصور، فناولوا حَدَثَا الوجه دينارًا، وقالوا له قف بازائه ساعة وناوله هذه الرقعة فناوله الصبي وإذا فيها ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا.
ثم قال: وكانوا يعطون السقاء قطعة يوم الجمعة، فكان يقف من بعيد بإزائه ويُميل رأس القربة، وبين يديه أجزاء، فيبتل الجميع، فتتلف الأجراء وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل، فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته.
وقد قدح في جماعة من الأئمة، فقال: كان مالك قليل الحفظ والحسن البصري وابن سيرين يقولان بالقدر، ومالك بن دينار ضعيف ولم يسلم من لسانه إلا القليل إلى آخر ما ذكره السبط.
وفي ذلك عبر عن ناحية أحوال الخطيب أحوال الحنابلة في آن واحد وهذا هو الذي يتطاول على مثل فقيه الملة الإمام الأعظم أبي حنيفة وأجلة أصحابه.
¬
(¬1) وانظر مغامز أخرى من هذا النوع في الخطيب في إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي الشافعي،3:222 في ترجمة (محمد بن ناصر السَّلامي البغدادي). ز.
الجزء 1 · صفحة 21
وقد ذَبَّ عن أبي حنيفة عالم الملوك الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي، في كتابه (السهم المصيب في كبد الخطيب، ومن ظنَّه من تأليف سبط ابن الجوزي ظَنَّ باطلاً.
نعم للسبط كتاب الانتصار لإمام أئمة الأمصار في الذب عن أبي حنيفة في مجلدين، وقد رَدَّ فيه على الخطيب ردًّا مشبعا.
وكذلك رَدَّ أبو المؤيد الخوارزمي على الخطيب في مقدمة (جامع المسانيد) ردًا جيدًا.
و كان عود الخطيب إلى بغداد سنة 461 هـ، وبها توفي سنة 463 هـ، سامحه الله وألهم الذين افترى الخطيب عليهم العفو والمسامحة عنه.
و في تاريخه أنباء كاذبة وأحاديث باطلة جزمًا، فمن المجازفة البالغة حَدَّ الشناعة تدوين بعضهم رؤيا مؤداها: أن النبي صلى الله عليه وسلم حَضرَر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه. وهذه طريقة تدجيل في ترويج ما فيه من الأباطيل المكشوفة. وراوي تلك الرؤيا من جملة رواة حال الخطيب مع الصبي الذي كان يتغزل فيه، نعوذ بالله الخذلان من هذا القدر كاف في الإلمام بحال الخطيب في الأمانة والديانة، قبل البدء في الرد التفصيلي، وفيما سيأتي الخبر اليقين في تصرفات الخطيب.
كلمة لا بد منها قبل الدخول في الرد التفصيلي:
كان القائم بالإشراف على طبع تاريخ بغداد زارني في منزلي بقلعة مصر، حينما قارَبَ طبع الكتاب، المجلد الثالث عشر، الذي فيه ترجمة أبي حنيفة - وقال لي: لو كنتُ أعلم أن الخطيب يبلغ به التقول والتحامل على الإمام الأعظم إلى الدرجة التي رأيتها الآن ما كنتُ لأجترئ على مشاركة الطابعين في طبع تاريخ الخطيب، ولكني خطوتُ خطوة لا سبيل لي معها إلى التراجع فماذا أعمل؟
فقلت: يوجد ردُّ مَلِكِ العلماء الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي على الخطيب، بدار الكتب المصرية، ونسخة أخرى منه بمكتبة محمد أسعد باصطنبول، فإحدى النسختين تقابل بالأخرى، فتذيل ترجمة أبي حنيفة في تاريخ الخطيب بما في هذا الرد وفيه كفاية.
ثم استشار شركاءه في الطبع، لكنهم لم يوافقوه على ذلك، بملاحظة أن نشر هذا الرد معه يضر رواج الكتاب. فراجعني مرة ثانية، فكتبت تعليقات مختصرة تُنقِذُ الموقف بدون أن أذكر اسمي، بناء على أني لم أعط الموضوع حقه من التوسع، حيث كان القائمون بطبعه يأبون التشدد على الخطيب لمصلحة تجارية.
الجزء 1 · صفحة 22
ثم رأيت الكتاب قد طبع بتصرف مجحف في تعليقاتي، فإذا أحد الحشوية الجهلة، (¬1) من أعداد أئمة السنة، لَعِبَ في الأمر بإيعاز من زملائه المبتدعة، وقام بالتصحيح المطبعي كمتبرع، وتصرف في التعليقات كما أوحى إليه هواه تصرفًا يزيل قوتها!
و بعد إخراج المجلد الثالث عشر من التاريخ هكذا، وبعد توزيع معظم النسخ، صادرت الحكومة المصرية البقية الباقية من المجلد المذكور، بتعليقات تحت إشراف الأزهر في عهد الشيخ الأحمدي، مع إلزامهم طبع كتاب الملك المعظم السابق ذكره كملحق للكتاب حتى تم العمل بعد مدة طويلة.
فاطلعت على المجلد المعاد، طبعه، كما اطلعتُ على سابقه، لكني وجدتُ التعليقات غير مستوفية الشروط، وإن كان القائمون بأمرها أدرجوا تعليقاتي التي كنت سلمتها للمشرف على طبع الكتاب ضمن تلك التعليقات بتصرف وتلطيف.!
ثم علمتُ أن المجلد المُصادَرَ قد وزعت نسخه فعلاً - قبل المصادرة - في أقطار العالم، وهي لا
¬
(¬1) (هو: محمد حامد الفقي)، وهو الذي كان نَسَخ ترجمة أبي حنيفة من تاريخ بغداد، من نسخة دار الكتب المصري، التي انفردت بغالب المثالب في ترجمته، وبَعث بها إلى الهند، فطبعت هناك مع ترجمتها إلى اللغة الهندية بسعي بعض أغنياء الحشوية، نكايةً في الحنفية، وذلك قبل طبع الكتاب بمصر بسنين.
ثم أبدى الناسخ عن مكنون معتقده وباعث عدائه لإمام الأئمة بطبعه نقض الدارمي) في التجسيم في المدة الأخيرة، فكفى الله المؤمنين القتال، وعَلِمَ العامة من هم أعداء فقيه الملة؟
و في آخر الطبعة الهندية ذكر من هو الساعي في نسخها ومن هو القائم بترجمتها، ومن هو الناشر؟ ومن هو هذا وذاك وذلك؟ من المهملين الفاتنين الساعين في تفريق كلمة المسلمين.
و من غريب ما سمعت من المشرف على طبع التاريخ، أن بعض المستشرقين وأناسًا من الذين يدعون زورًا الانتماء إلى السلف، أبلغوه أنه إذا استمر على طبع الكتاب من نسخة (الكبريلي)، وهي خلو عن غالب المثالب في ترجمة أبي حنيفة، يعلنون على الملأ أن الكتاب ناقص منقوص. فاضطر إلى اتباع نسخة دار الكتب المصرية على سقمها لوجود تلك المثالب فيها بأكملها، وفي ذلك ما يكشف الستار عن تآمر الفريقين وتآخيهما في تلك الغاية، فليعتبر بذلك المعتبرون. ز.
الجزء 1 · صفحة 23
تحتوي إلا على تعليقات يسيرة مختزلة من تعليقاتي.
فرأيتُ من الواجب استيفاء الرد على الخطيب بمبلغ علمي، قضاءً لبعض حقوق الإمام الأعظم علينا، وإعلاما بأن التحامل على إمام شطر هذه الأمة بل إمام ثلثيها على طول القرون استهانة بهذه الأمة المحمدية لا يجوز السكوت عنها.
فكتبتُ هذا الرد مشيرًا إلى أرقام الصفحات في النسختين (المُصَادَرَة والمعلّق عليها)، لتسهيل المراجعة على المطالع وهذا أوان الشروع في المقصود ومن الله التوفيق والتسديد.
(تنبيه): أبو حنيفة تابعه في الفقه شطرُ الأمة المحمدية بل ثلثاها على تعاقب القرون، فالحنفية في الهند والسند لا تقل عن خمسة وسبعين مليونًا وفي الصين عن خمسين مليونا وفي بلاد الروس والقوقاس، والقزان، وبخاري وسيبريا وما والاها عن خمسين مليونا أيضًا، وفي بلاد الرومان والسرب وبوسنا والهرسك، والألبان، والبلغار، واليونان والبلاد العثمانية وبلاد الحبشة ومصر وطرابلس الغرب وتونس، وإفريقيا الجنوبية وغيرها، وباقي الأمة لباقي الأئمة.
ومثل الإمام أبي حنيفة في إمامته وديانته وتواتر ثقته وأمانته واستفاضة يقظته ونباهته، وكثرة أتباعه وذيوع فقهه وانتشار مذهبه في البقاع والأصقاع وكمال عقله وسعة علمه، لا يُسْمَعُ فيه وقيعةُ كلّ من هَبَّ ودب، ولا سيما بعد العلم بما ينطوي عليه خصومه من مزيد الخُبثِ في اصطناع المثالب بقلة دين وقلة تصبر. يتصور أن يناهض ما رُوي في مثالبه في تاريخ الخطيب ونحوه ما تواتر في مناقبه إلا إذا كان الخبر التالف يقاوم الخبر المتواتر، أو كانت الهواجس والوساوس قاضيةً على الملموس من الحقائق.
و ليس الصحيح من خبر الآحاد يعارض المستفيض المشهور فضلاً عن المتواتر فكيف وأسانيد ما ساقوه في الله عنه فيها من وجوه الاعتلال والاحتلال، ما سنشرحه إن شاء الله تعالى.
و ما سردناه في الكتاب من الأخذ والرد يدعو الباحث المتبصر إلى التروي في قبول كل ما يجد في كتب الجرح، إلى أن يستوثق من ملابسات الجرح وبواعثه، والله سبحانه هو الهادي.
-1 - قال الخطيب في ص (13) و (324):
رأى أبو حنيفة أنس بن مالك، وسَمِعَ من عطاء بن أبي رباح
أقول: جزم الخطيب هنا برؤية أبي حنيفة لأنس وبسماعه من عطاء فرؤيتُهُ لأنس مما أقر به
الجزء 1 · صفحة 24
الدارقطني أيضًا في رواية حمزة السهمي على ما نقله السيوطي في أوائل تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة).
وقال ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) (1: (45) بعد أن ساق بسنده خبرًا سمعه أبو حنيفة من عبد الله الحارث بن جَزْء الصحابي رضي الله عنه: ذَكَر ابنُ سعد كاتب الواقدي أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن الحارث بن جزء اهـ). فيكون ابن جزء متأخر الوفاة، وبالأولى أن يرى أبو حنيفة عبد الله بن أبي أوفى، لأنه كوفي الدار والوفاة.
و ذكر أبو نعيم الأصفهاني في جملة من رأى أبو حنيفة من الصحابة أنسًا، وعبد الله بن الحارث، وابن أبي أوفى، كما روى سبط ابن الجوزي عن ذاكر بن كامل عن أبي علي، الحداد عنه في كتابه (الانتصار والترجيح). (¬1)
هذا على تقدير أن ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين وأما إذا كان ميلاده سنة إحدى وستين، أو سنة سبعين، كما في روايتي ابن ذواد وابن حبان فتكون دائرة رؤيته للصحابة أوسع.
وقد توسع في بيان من عاصره من الصحابة على الرواية الأولى أبو القاسم بن أبي العوام في كتابه (فضائل أبي حنيفة وأصحابه)، فليراجع كتابه من النسخة الظاهرية بدمشق، في المجموعة (63) في ذلك.
وإقرار الخطيب هنا برؤيته أنسًا يدل على أن ما يُعزَى إلى الخطيب في 4: (208) من أنه حكى عن حمزة السهمي، أنه قال: سئل الدارقطني عن سماع أبي حنيفة من أنس هل يصح؟ قال: لا ولا رؤيته) مما غيرته يد أثيمة، وكم لمصحح الطبع من إجرام في الكتاب!
وكان أصل الكلام (سئل الدارقطني عن سماع أبي حنيفة من أنس هل يصح؟ قال: لا إلا رؤيته)، فغيرته اليد الأثيمة إلى (و لا رؤيته)، ومن الدليل على ذلك قول السيوطي في أوائل تبييض الصحيفة): قال حمزة السهمي:
سمعت الدارقطني يقول: لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه ا هـ.
¬
(¬1) طبعة السيد عزة العطار الحسيني مؤسس مكتب نشر الثقافة الإسلامية بمصر. ز.
الجزء 1 · صفحة 25
و نفي الدارقطني لُقي أبي حنيفة لغير أنس من الصحابة ونقيه لسماعه منه بعد إثباته لرؤيته: دعوى مجردة وشهادة على النفي، والقصد هنا بيان أن الدارقطني معترف برؤية أبي حنيفة لأنس.
و ممن أقر برؤيته أنسًا ابن سعد، والدارقطني، وأبو نعيم الأصفهاني، وابن عبد البر، والخطيب، وابن الجوزي، والسمعاني، وعبد الغني المقدسي، وسبط ابن الجوزي وفضل الله التوربشتي والنووي، واليافعي، والذهبي، والزين العراقي، والولي العراقي، وابن الوزير، والبدر العيني، وابن حجر في فتيا له نقلها السيوطي في تبييض الصحيفة، والشهاب القسطلاني والسيوطي، وابن حجر المكي، وغيرهم.
فتكون محاولة إنكار كونه تابعيًا مكابرة أو جهلاً بنصوص هؤلاء. وأما سماعه من عطاء فسيأتي الكلام فيه.
2 وقال في ص (13) و (342):
(و هو - أي أبو حنيفة - من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد، فأقام بها حتى مات ودُفِنَ بالجانب الشرقي منها، في مقبرة الخيزران وقبره هناك ظاهر معروف).
أقول: كان من المناسب أن يذكر الخطيب هنا ما ذكره في (1): (123) من تبرُّكِ الشافعي بأبي حنيفة، حيث قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: أنبأنا مكرم بن أحمد، قال: أنبأنا عمر بن إسحق بن إبراهيم قال أنبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجئ إلى قبره كل يوم - يعني زائرا -، فإذا عرضَتْ لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضَى. ا. هـ. ورجالُ هذا السند كلهم موثوقون عند الخطيب.
وروى أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي في كتابه الجمع بين الفتوى والتقوى في مهمات الدين والدنيا) (¬1) عن الفقيه الشافعي شرف الدين الدمشقي، المدرس بنظامية، بغداد أنه جرَّب هذا
¬
(¬1) و هو في مجلدين، يوجد بالمكتبة النعمانية بقسطموني يخط المؤلف قسمه مؤلفه على ثلاثة أقسام العلم والعمل، والأخلاق، وفي قسم اختلاف الأئمة في مسائل الفقه إلى التقوى والفتوى، يعني العزيمة والرخصة، وكان تأليفه سنة خمسمائة وسبعين، وهو أول العمل يرجع كتاب ألف - فيما نعلم - في إرجاع خلافهم إلى القبيلين، وفي تقريب اختلافهم إلى الائتلاف بتلك الطريقة، وهو كتاب بديع في بابه، ز.
الجزء 1 · صفحة 26
المروي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه في مهمة أقلقته، فجاءه الفرج السريع.
3 وقال في ص (13) و (324)
أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا محمد بن العباس بن أبي ذهل الهروي، حدثنا أحمد بن محمد بن يونس الحافظ، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال سمعت محبوب بن موسى يقول سمعت ابن أسباط يقول: وُلِدَ أبو حنيفة وأبوه نصراني.
أقول: فيكون أبو حنيفة عند ولادته تابعًا لوالده فى الدين نصرانيًا فلو كان هذا صحيحًا لكان تعييرُ المسلم به من عمل الجاهلية، وكم بين الصحابة والتابعين من كان أبوه مشركا أو نصرانيا، أو يهوديًا، أو مجوسيا، وبأقل التعبير قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد كبار الصحابة رضي الله عنهم: إنك) امرؤ فيك جاهلية)، فكيف إذا لم يكن صحيحًا بل كذبًا مكشوفا؟!
ولو وثقنا بالخطيب على تعصبه المكشوف وتصرفه الملفوف نجد شيخه ابن رزق إنما اختلف الخطيب إليه بعد أن عَميَ وهَرِم ولا يخفى ما في الإكثار عن مثله.
وعثمانُ بن سعيد في السند، هو صاحب النقض، مجسّم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه، ويصرح بإثبات القيام والقعود والحركة والثقل والاستقرار المكاني والحد، ونحو ذلك له تعالى ومثله يكون جاهلاً بالله سبحانه بعيدًا عن أن تقبل روايته.
شيخه محبوب بن موسى هو: أبو صالح الفراء، صاحب تلك الحكايات التالفة، الذي يقول عنه أبو داود لا تقبل حكاياته إلا من كتاب.
وشيخه يوسف بن أسباط، من مغفلي الزهاد، دَفَن كتبه واختلط، واستقر الأمر على أنه لا يُحتج به.
وأين هذا السند من سند الخبر الذي يليه في تاريخ الخطيب نفسه؟ وفيه ووُلِدَ ثابتٌ على الإسلام، فضلاً عن أبي حنيفة بن ثابت.
فيكون من الوقاحة ذكر مثل ما هنا من الرواية في معارضة رواية الثقات الأثبات المدونة في تاريخ
الجزء 1 · صفحة 27
الخطيب نفسه وفي غيره.
وجَدُّ أبي حنيفة النعمانُ بنُ قيس بن المرزبان بن زُوْطَى بن ماه، كان حامل راية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم النهروان، كما ذكره الفقيه المؤرخ عصره الخطيب: أبو القاسم علي بن محمد السَّمْنَاني في كتابه (روضة القضاة)، وهو من محفوظات دار الكتب المصرية.
ودُعاءُ علي كرم الله وجهه لوالد أبي حنيفة في عهد جده، مما ساقه الخطيب بسنده حيث قال في (ص 325):
أخبرنا: القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، حدثنا: مكرم بن أحمد، حدثنا أحمد بن عبيد الله بن شاذان المروزي، قال: حدثني أبي عن جدي، قال: سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، وو الله ما وقع علينا رق قط إلى آخر الخبر وإنما سقت صدر الخبر هنا فقط، تصحيحًا لغلطة في السند في الطبعات كلها.
فأبو حنيفة وأبوه وُلِدا على الإسلام، وجَدُّه أيضًا مسلم، بل لم يكن بين أجداده نصراني أصلاً، لأنه منحدر النسب من دم، فارسي والخطيب من أعف الناس بذلك، نسأل الله السلامة.
4 - وقال في ص (325):
أخبرنا أبو نعيم الحافظ. حدثنا أبو أحمد الغطريفي، قال: سمعت الساجي يقول: سمعت محمد بن معاوية الزيادي يقول، سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمُه عَتشيك بن زَوْطَرَة، فَسَمَّى نفسه النعمان وأباه ثابتًا). أقول: من العجيب سَعْيُ الخطيب بكل ما لديه من حول وحيله في تشويه كل ما له تعلق بالنعمان حتى اسمه وأبيه، قاتل الله التعصب ما أوقحه!
وأما رجال سنده فأبو نعيم الأصفهاني منهم، قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه، في حلية الأولياء) بسند فيه أحمد بن موسى النجار، وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذابان معروفان، وتكذيب الرحلة المذكورة موضوع اتفاق بين النقاد.
وفيها: تآمُرُ أبي يوسف ومحمد بن الحسن وحَضَّهما الرشيد على قتل الشافعي مع أن الشافعي إنما حُمِلَ إلى العراق سنة 183 هـ، بعد وفاة أبي يوسف بسنتين، وعناية محمد بن الحسن بالشافعي واهتمامه بتفقهه، وعظيمُ مواساته له مما بلغ حد التواتر، كما تجد شرح ذلك في بلوغ الأماني).
الجزء 1 · صفحة 28
بل محمد بن الحسن، هو الذي خلَّص الشافعي من المحنة، حتى قال ابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب) - بعد أن نقل عن ابن عبد البر كيف خلص محمد بن الحسن الشافعي من القتل -: (فيجب على كل شافعي إلى يوم القيامة، أن يعرف هذا محمد بن الحسن ويدعو له بالمغفرة.
لكنَّ أبا نعيم يستبيح الإساءة بدل هذا الإحسان، وبذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلمُ أيضًا ما سَعِي يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور، وسعيهم في الفتنة الموتور في الثأر، نسأل الله الصون.
ومن المعروف أن عادة أبي نعيم سوقُ الأخبار الكاذبة بأسانيده وبدون تنبيه على كذبها! وهو أيضًا ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سَمِعَه في مساق واحد ويقول في الاثنين حدثنا وهذا تخليط فاحش، وليس جرح ابن منده فيه مما يتغاضى عنه بهَوَى الذهبي.
وأما أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي - بالكسر أحمد الغطريفي – بالكسر –، فهو صاحب مناكير، وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول صلى الله عليه وسلم جَمَلاً لأبي جهل.
وكانَ يَزِعُمُ أن فلانا وفلانًا أفاداه من غير أن يُخرج أصله وأنكروا عليه أيضًا تحديثه بمسند ابن راهويه من غير أصله. وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره، وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين، ومع ذلك كله يبقى هو، وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم!!
وأما الساجي فهو أبو يحيى زكريا الساجي البصري، صاحب كتاب (العِلَل) وشيخ المتعصبين، كان وقاعا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل وتجد في تاريخ بغداد نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة، ونضال الذهبي تجاهل العارف وقال أبو الحسن بن القطان: مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون.
وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثًا بطريقه انفرد به الساجي ولم يكن مأمونًا وكفى في معرفة مبلغ تعصب الرجل الاطلاع على أوائل كتاب (العلل) له.
والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم، وعادة ابن حبان في التوثيق معروفة، فلا يجدي ذكره إياه في كتاب (الثقات) نفعًا.
الجزء 1 · صفحة 29
وأبو جعفر مجهول ومع ذلك كله استساغ الخطيب إخراج هذه الأقصوصة في كتابه، ولم يبال بمخالفتها لروايات الأثبات في اسم أبي حنيفة واسم أبيه.
5 - وقال في ص (325):
(أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي، حدثنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا عبد الله بن محمد العتكي البصري، حدثنا محمد بن أيوب الذارع، قال: سمعت يزيد بن زريع يقول: كان أبو حنيفة نَبَطِيَّا).
أقول: هذا يخالف رواية الجمهور وقد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة كان فارسي النسب، لا من الآراميين سَكَنَة العراق الأصليين والنبط بفتح النون والباء الموحدة هم الآراميون سكنة العراق الأصليون. وقد يستعمل النبطي بمعنى العراقي وإن لم يكن منحدر الدم منهم كما يستفاد من (أنساب السمعاني).
ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبه، فهو لم يزل على خلال الجاهلية والناس سواسية لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.
وابن رزق في السند سبق بيان حاله. (¬1)
والأثار من الرواة الذين كان دَعْلَج التاجر يدر عليهم الرزق، فيدونون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول، فللأبار قلم مأجور ولسان ذلق في الوقيعة في أئمة أهل الحق وكفى ما يجده القارئ في روايات الخطيب عنه، في النيل من أبي حنيفة وأصحابه، لتعرف مبلغ عداوته وتعصبه.
ورواية العدو المتعصب مردودة عند أهل النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارئ الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال.
والعتكي والذارع مجهولان
ودَعْلَج كان على مذهب ابن خزيمة في الاعتقاد والفقه واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب
¬
(¬1) في الخبر رقم 3 ص 35، ز.
الجزء 1 · صفحة 30
التوحيد المطبوع بمصر قبل سنين، وعنه يقول صاحب التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)! إنه كتاب الشرك! فلا حُبَّ ولا كرامة.
6 وقال في ص (330):
(أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري، قال: قرأنا على الحسين بن هارون الضبي، عن أبي العباس بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة حدثنا الحسن بن الخلال، قال: سمعت مزاحم بن ذَوَّاد بن علبة يذكر عن أبيه أو غيره، قال، وُلِدَ أبو حنيفة سنة إحدى وستين ومات سنة خمسين ومئة قال الخطيب: لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا).
أقول: وقع في الطبعات الثلاث الهندية والمصريتين داود) بن علية والصواب (ذَوَّاد بن عُلْبَة)، بفتح الذال المعجمة وتشديد الواو في الأول، وبضم العين وسكون اللام وبالموحدة في الثاني فميلاد أبي حنيفة على هذه الرواية سنة إحدى وستين.
وقد ألف في رواية أبي حنيفة لأحاديث عن جملة من الصحابة مباشرةً جماعة من القدماء، من أمثال أبي حامد بن هارون الحضرمي وأبي الحسين علي بن أحمد بن عيسى النهفقي، وأبي معشر عبد الكريم الطبري المقرئ، وأبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن أحمد السرخسي وغيرهم وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء، وإلا ما ساعت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عِداد مسموعاته عن بعض هؤلاء الصحابة مباشرة.
والثلاثة الأول من مرويات ابن حجر في (المعجم المفهرس كما أنها من مرويات ابن طولون في الفهرست الأوسط، والأخير من مرويات سبط ابن الجوزي في الانتصار والترجيح).
وذكر ابن حبان في كتاب الضعفاء والمتروكين المحفوظ بمكتبة الأزهر، أن ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين، وإن صوّب أحد المطالعين سنة ثمانين في الهامش بخط حديث.
وفي مادة الخزاز) من أنساب ابن السمعاني المطبوع بالزنكغراف ذَكَرَ سنة سبعين في ميلاده، وإن ذكر في مواضع من الكتاب سنة ثمانين كميلاد له فلعله وَزَّع الروايات على مواضع من الكتاب وفي (اللباب) لابن الأثير
النص على الثمانين في مادة الخزاز ولا أدري أكانت نسخته هكذا أم أصلح الرقم تعويلاً على
الجزء 1 · صفحة 31
المشهور.
وقد ذكر أبو القاسم السمناني - عصري الخطيب - في روضة) (القضاة قولين في ميلاده، أحدهما سنة سبعين، والآخر سنة ثمانين.
وذكر عبد القادر القرشي الحافظ في الجواهر) (المضية ثلاث روايات في ميلاده وهي: سنة إحدى وستين، وسنة ثلاث وستين، وسنة ثمانين.
وحكى البدر العيني في (تاريخه (الكبير) ثلاث روايات في ميلاده وهي سنة إحدى وستين، وسنة سبعين، وسنة ثمانين.
والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول، لتقدم عصرهم على عهد تدوين تاريخ الرجال، ومصداق ذلك في وفيات الصحابة فضلاً عن مواليدهم.
وقول ابن عبد البر في الانتقاء) وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين من الهجرة (¬1)، ومات ليلة النصف من شعبان يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات وعُذره أنه لم يرحل إلى الشرق، فحال ذلك دون التوسع في معرفة الروايات الشرقية.
والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة ثمانين، ترجيحا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد، وأقدمها في الوفيات أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو بالانقطاع.
لكن هذا إذا لم يوجد ما يؤيد إحدى الروايات وهنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون، منها ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مَخْلَد العطار المتوفى سنة 331 في جزئه الذي سماه (ما) رواه الأكابر عن مالك)، حيث عَدَّ حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر فساق حديثًا بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك.
حماد هذا وإن تُوفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين، لكن عده من الأكابر بالنظر إلى مالك لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك أيضًا، فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة ثمانين بمدة لا تقل عن عشر سنين، ليصح أن يكون حماد ابنه قبل ميلاد مالك.
¬
(¬1) والقائل بأن سنة ثمانين إن كان يحتج بمثل حديث ابن جزء عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم: (45) حيث صح ذلك عنده فقد ثبت أنه تابعي وإلا فما يدل على تقدم ميلاد سالم من المعارض فيتم أنه تابعي على التقديرين. ز.
الجزء 1 · صفحة 32
وابن مخلد من الحفاظ البارعين ومن شيوخ الدارقطني، فلا يحيد عن التحقيق فيما يكتب، وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع رقم 98، وعليه تسميعات وخطوط كثيرة من حملة الرواية.
ومنها: أن العُقَيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن إبراهيم بن يزيد النخعي، لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا نحو أربعين ألف درهم، ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان ليستعين به ويتفرغ لرئاسة الجماعة في العلم وكانت وفاة إبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين.
ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين، لكانت سنه عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن يكون في مثل هذه أن يتصور يهتم هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي، بل لا بد وأن يكون القائمون بمثل هذا الأمر من كبار تلامذة النخعي. فبالنظر إلى مشاطرة أبي حنيفة لهؤلاء في ذلك لا بد من أن تكون سنه أكبر من هذه السن.
وما يقال: إن الشافعي كان بلغ درجة الاجتهاد في مثل هذه السن، فمن باب المناقب الذي يُتَساهَلُ فيه، وإلا ما صح أن يلازم مالكًا بعد ذلك في طلب العلم، ولا أن يلازم محمد بن الحسن بعد أن بلغ أربعًا وثلاثين سنة يحمل العلم عنه.
ومنها: أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه كان جَدَلِيَّا يشتغل بعلم الكلام، حتى هبط البصرة نحو عشرين مرةً ليناظر القَدَريةَ وغيرهم، ثم انصرف إلى الفقه ومن تكون سنه عند وفاة النخعي كما ذكرناه، لا يمكن له الاشتغالُ الطويل بالجَدَل، قبل انصرافه إلى الفقه فيترجح لهذه الأسباب وغيرها أن ميلاده قبل سنة ثمانين، ولعل الأرجح في ميلاده هو سنة سبعين والله سبحانه وتعالى أعلم.
7 وقال في ص (332):
(أخبرنا العتيقي، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا أبو أيوب سليمان بن إسحق الجلاب، قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره، فذهب يقيس فلم يجئ وأراد أن يكون فيه أستاذًا فقال قَلْب، وقُلُوب، وكَلْب، وكُلُوب، فقيل له: گلب وكِلاب فتركه ووقع في الفقه، فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحو، فسأله رجل بمكة فقال له رجل شج رجلاً بحجر؟ فقال: هذا خطأ
الجزء 1 · صفحة 33
ليس عليه شيء، لو أنه حتى يرميه بأبا قبَيْس لم يكن عليه شيء).
أقول: إبراهيم بن إسحق الحربي توفى سنة 285 فبينه وبين التمكن من الإخبار عن نشأة أبي حنيفة مفازة، فيكون الخبر مقطوعًا، والخبر المقطوع مردود عندهم.
ثم محمد بن العباس في سنده هو ابن حيويه الخَزَّاز، وقد ذكر الخطيب في ترجمته عن الأزهري في (3: 122): كان فيه تسامح، ربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يَقرُبَ أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز، لثقته بذلك الكتاب وإن لم يكن فيه سماعه.
لكن كيف يكون ثقةً من يُحدّث بما ليس عليه سماعه؟ ولعل الكتاب زيد فيه شيء، أو نُقِصَ منه شيء، أو بُدل، أو غيّر، ومثله يكون مردود التحديث عندهم، على أن أبا الحسن بن الرزاز الذي كان يثق بكتابه، هو علي بن أحمد المعروف بابن طيب الرزاز، وهو معمر متأخر الوفاة عن الخزاز.
وقد نص الخطيب في (11: 331) على أن ابنا له كان أدخل في أصوله تسميعات طَرِيَّة. فماذا تكون قيمة تحديثِ من يثق بها فيحدث من تلك الأصول؟ وكم بين أهل العلم من كان يأبى الرواية من أصله إذا غاب عنه ليلةً فضلاً عن أن يروى من غير أصله ومبلغ حرصهم على أصولهم مدوّن فى كفاية الخطيب) نفسه، وكان إسقاط المتساهل في ذلك موطن اتفاق بينهم، وهذا من جهة السند.
وأما من جهة المتن ففي الخبر عَزْوُ خلافِ ما تواتر عن أبي حنيفة إليه، لأن القتل بالمثقل مثل عمود الفسطاط كما ورد في الحديث – شبه عمد عنده، يُوجب الكفارة على القاتل والديةَ المغلظة على عاقلته، وكذا القتل بحجرٍ غير محدد الطرف كالمَرْوَة.
والخطيبُ يَجعلُ الكلامَ في الشج، ويعزو إلى أبي حنيفة أن القتل بالمثقَّل خطأ عنده ومذهبه المتواتر عنه أنه شبه عندِ لا خطأ، بل خطأُ عَمْد، وهو شبه العمد.
ويعزو إليه أيضًا أنه لا شيء على القاتل بالمثقل ومذهبه أن عليه الكفارة ويعزو إليه أيضًا أنَّ كلامه في القتل بالحجر مطلقًا من غير فرق بين أن يكون محدد الطرف أو غير محدده، ومذهبه الفرق بين الحجر المحدد الطرف الذي يكون من شأنه القتل وبين غيره.
ثم السائل لم يكن سؤاله في الحجاز، بل كان بالعراق وكذلك لم يكن السائل منكورًا ولا حجازيًا بل كان عراقيًا معروفًا، وهو الإمام أبو عمرو بن العلاء البصري، على ما في أقدم المصادر لهذا الخبر.
الجزء 1 · صفحة 34
وكان السؤال عن القتل بالمثقل المعروف بين الفقهاء، لا عن القتل بالحجر مطلقًا، وكل ذلك ليس مما يخفى على مثل إبراهيم الحربي على إمامته في الفقه والحديث، فالحمل على من دونه قطعا.
وكلمة (لو أنه حتى يرميه، لم نرها في غير كتاب الخطيب وقد انفرد بها ولا أدري من أي لغة هي أعبرانية أم سريانية؟
وما وقع في البيان والتبيين للجاحظ والعقد الفريد لابن عبد ربه وغيرهما من كتب الأدب، من صيغة السؤال والجواب ليس فيها مثل هذا التخليط بل ما ينسب إلى أبي حنيفة من أنه قال: (لا) ولو رماه بأبا قبيس) لم يرد في كتاب مطلقًا بسند يُعوّل على مثله، وكتب الأدب على طريقة غير طريقة التحري.
وأول كتاب رأينا الحكاية فيه هو كتابُ الجاحظ البصري، ولعله سمعها من بعض أصحاب أبي عمرو بن العلاء البصري وصيغته غيرُ صيغة الآخرين، فطار الخصوم فرحًا بتلك الكلمة، ليتخذوها دليلاً على ضعف أبي حنيفة في مع أن تلك الكلمة لا يمكن عدها لحنًا على فرض صدورها من أبي حنيفة ومن المعروف في شواهد العربية اللغة قول الشاعر العربي:
إنَّ أباها وأبا أباها ... قد بَلَغا في المجد غايتَاهَا
واستعمالُ الأَب بالألف فى الأحوال كلها عند إضافتِهِ على غير ضمير المتكلم لغة عدة قبائل من العرب، مثل حُنَين بن نزار وقيس بن عيلان وبني الحارث بن كعب، وهو لغة الكوفيين وأبو حنيفة كوفي، بل هذه لغه ابن مسعود حيث قال: أنت أبا جهل، كما في صحيح البخاري.
وقد نَسَب الكسائي هذه اللغة إلى بَلْحارث، وزُبيد، وخَثْعَم، وهَمْدان. ونسبها أبو الخطاب لكنانة، ونَسبها بعضهم لِبَلْعَذِّبَر، ولِبَلْجَهم، وبُطون من ربيعة.
ومحاولة إنكار ذلك بعد أن نَقَل هذه اللغة أمثالُ الكسائي، وأبي زيد وأبي الخطاب، وأبي الحسن الأخفش من أئمة العربية تكون مردودة حتمًا، راجع الشواهد) (الكبرى للبدر العيني فما يوافقُ عِدَةَ لغات من لغات قبائل العرب هكذا، لا يَعدُّه لحنًا إلا من يجهل غير مختصرات كتب النحو!
ثم المراد بأبي قبيس هنا ليس الجبل المطل على مكة، وقد روى مسعود بن شيبة في كتاب (التعليم) عن ابن الجهم، عن الفراء، عن القاسم بن معن أن أبا قبيس اسم خشبة يُعلَّق عليها اللحم، قال أبو سعيد السيرافي: الذي عناه به أبو حنيفة ا هـ.
الجزء 1 · صفحة 35
فيكون أبو قبيس من قبيل عمود الفُسطاط والمسطح، ولعل وجه تسمية مثل تلك الخشبة بأبي قبيس، من جهة أنها من نوع الأعواد الخشبية التي من شأنها أن تُحرق في النار لأجل الاصطلاء
و ليس في أصل الخبر ذكرُ مكة، وإنما زادها من زادها، ليُوهِمَ المراد بأبي قبيس الجبَلُ مبالغة في التشنيع على رأي أبي حنيفة في القتل بالمثقل، مع ظهور أن الجبل لا يمكن أن يكون آلة ضرب.
و رأي أبي حنيفة في القتل بالمثقل، هو ما أخرجه محمد بن الحسن في (الآثار) حيث قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: القتل على ثلاثة أوجه قتل خطأ، وقتل عمد، وقتل شبه العمد.
فالخطأ أن تريد الشيء فتصيب صاحبَك بسلاح أو غيره، ففيه الدية أخماسًا، والعمد أن تعمدت صاحبَك فضربته بسلاح، ففي هذا قصاص إلا أن يصطلحوا أو يعفوا، وشبه العمد كل شيء عمدت ضربه بغير سلاح، ففيه الدية مغلظة على العاقلة إذا أتى ذلك على النفس
قال محمد وبهذا كله نأخذ إلا في خصلة واحدة، ما ضربته من غير سلاح وهو يقع موقع السلاح أو أشدَّ، ففيه أيضًا القصاص، وهو قول أبي حنيفة الأول، ولا قصاص في قوله الأخير إلا فيما كان بسلاح ا هـ.
وبهذا يظهر أن أبا حنيفة تابَعَ النخعيَّ أخيرًا في المسألة، وفرَّق بين القتل بالسلاح الذي يتوفر فيه معنى العمد وبين القتل بغيره؛ تهيبا مما ورد في ذلك.
وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب وفي كتب التخاريج، ولا سيما (نصب الراية) في (4: 330) و (أحكام (القرآن لأبي بكر الرازي في 2: 228. ومع أبي حنيفة في المسألة رجالُ من أئمة السلف مثل: إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان والحكم بين عتيبة، والثوري، والحسن بن صالح وغيرهم كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره.
وقد صحت أحاديث (¬1) وآثار عند النسائي، وأبي داود وابن ماجه وابن حبان وأحمد، وابن
¬
(¬1) منها: حديث عبد الله بن عَمْرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إِنَّ دِيَةَ الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا: مئة من الإبل، أخرجه أبو داود، والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح.
و منها: حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (شبه العمد قتيل الحجر والعصا، فيه الدية مغلظة) أخرجه ابن راهويه.
ومنها: حديث ابن عباس في دية القاتل بمسطح وهو عود من عواد الخباء. اخرجه عبد الرزاق، الى غير ذلك من الاحاديث. ز
الجزء 1 · صفحة 36
راهويه، وابن شيبة وغيره، يؤيد ظاهرها هذا المذهب.
وقد أعل أبو حنيفة حديث الرَّضْخ كما سيأتي فالتشنيع في هذه المسألة عليه تشنيع على السلف الذين معه، وعلى الأحاديث التي تمسكوا بها، وإن كانت الفتوى في المذهب على وجوب القود في القتل بالمثقل كما هو رأي الإمامين.
ولا يستساغ التشنيع في المسائل الاجتهادية، فمن أحاط خبرًا بأطراف هذا الحديث علم أن الخبر المذكور على فرض ثبوته، لا ينفعهم في التشنيع على أبي حنيفة، لا من جهة رأيه في القتل بالمثقل، ولا من ناحية اتخاذه دليلاً على ضعفه في العربية، كما فعل ذلك كثير من المالكية والشافعية بدون أن يحذروا مُرامَاةَ القَارَة.
بل الضعيف في العربية هو من نشأ في غير مهد العلوم العربية وجَهل ما دونه أئمتها في وجوه تصرفات القبائل العربية واستعمالاتها، ولم يحط خبرًا بسعة اللسان العربي المبين فأخَذَ يشنع بما ترتد إليه شناعة تشنيعه.
: ما نقله وهي:
وهناك صيغة أخرى تُنقل عن الأصمعي، ربما تُعد عند بعضهم كدليل على الضعف في اللغة أيضًا، صاحب (القاموس) المجد الفيروز آبادي في مادة (عقل)، حيث قال: (و قولُ الشعبي: لا تَعقل العاقلةُ عَمْدًا ولا عَبْدًا - وليس بحديث كما توهّمه الجوهري معناه أن يجنى الحرُّ على عبدِ لا العبدُ على حر كما توهم أبو حنيفة، لأنه لو كان المعنى على ما توهم، لكان الكلام لا تَعقِلُ العاقلة عن عبد، ولم يكن ولا تعقل عبدا. قال الأصمعي: كلَّمتُ في ذلك أبا يوسف بحضرة الرشيد، فلم يفرق بين عَقَلتُه وعَقَلتُ عنه حتى فهنته).
فقول المجد (كما توهم أبو (حنيفة إساءة أدب على الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم، كما قال البدر القرافي في (القول المأنوس). و (عَقَلتُه) يستعمل في معنى عَقَلتُ عنه. قال الأكمل في (العناية) وسياق الحديث – وهو لا ومنها: حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح وهو عود من أعواد الخِباء. أخرجه
الجزء 1 · صفحة 37
عبد الرزاق، إلى غير ذلك من الأحاديث. ز.
تعقل العاقلة عمدًا. وسياقه - وهو لا صُلحًا ولا اعترافًا - يدلان على ذلك، لأن معناه عمن عمدٍ وعمن صالح وعمن اعترف ا هـ.
ويؤيده ما أخرجه أبو يوسف في (الآثار) عن أبي حنيفة، عن حماد عن إبراهيم أنه قال: لا تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ.
وما أخرجه محمد بن الحسن في (الموطأ) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: (لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحا ولا اعترافًا ولا ما جَنَى المملوك). قال محمد وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ا هـ.
وما جنى المملوك نص على أن المراد بقوله: (لا تعقل العاقلة عَبْدًا) أن العاقلة لا تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقول!
وأخرج البيهقي بطريق الشعبي عن عمر العمد والعبد، والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة)، ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ أنه من قول الشعبي ا هـ.
وعلى قول البيهقي بنى المجدُ نَفْي كونه حديثًا وأخطأ، كما أخطأ في حق أبي حنيفة، وهذا الذي ذكره المجد عن الأصمعي مذكور في مختار الصحاح والمصباح، والنهاية والعباب والتهذيب لكن لم نر من ساق سنده إليه.
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في آخر كتابه (غريب الحديث 9 على ما في نصب الراية: اختلفوا في تأويل العبد، فقال محمد بن الحسن - وهو من مشايخ أبي عبيد -: معناه أن يَقتُلَ العبدُ حرًا، فليس على عاقلة مولاه شيء من جنايته، وإنما هي في رقبته.
واحتج لذلك محمد بن الحسن فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. قال: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جَنَى المملوك. قال: وهذا قول أبي حنيفة. وقال ابن أبي ليلى: إنما معناه أن يكون العبد يُجنَى عليه يقتُلُه حُرِّ أو يجرحه، فليس على عاقلة الجاني شيء، إنما ثمنه في ماله خاصة.
قال أبو عبيد: فذاكرتُ الأصمعي فيه، فقال: القولُ عندي ما قال ابن أبي ليلى وعليه كلام العرب،
الجزء 1 · صفحة 38
ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة، لكان لا تَعقِلُ العاقلة عن عبد، ولم يكن: ولا تعقل عبدا ا هـ.
وليس فيما حكاه أبو عبيد عن الأصمعي غيرُ مجرد تأييده لرأي ابن أبي ليلى بخلاف ما حكاه صاحب القاموس وزملاؤه فإن فيه تهجما على مقام الاجتهاد بجهل.
وقد ظهر مما سردناه من الآثار صواب ما ارتآه أبو حنيفة، وحُجَّةُ محمد بن الحسن كما سبق ناهضة جدًا لمن تدبر، ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب عَقَل عنه بمعنى وَدّيّ عنه، بل (عقله) في هذا الباب بمعنى عَقَل عنه مطلقًا على الحذف والإيصال، لأن أصل الكلام عَقَل فلان قوائم الجمال، ليدفعها دِيَةً عن فلان، فاستغني عن المفعول الصريح وأوصل إلى المدفوع عنه بحذف (عن).
وهذا من أسرار العربية التي يجب أن يفهمها كل من مارس اللغة العربية ورأى في نفسه المقدرة على الحكم في مقادير الناس في العربية.
والقصد من الآثار المروية عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد، وهو ما ارتآه أبو حنيفة. والأصمعي ليس بالذي يتساحَفُ على أبي يوسف هكذا، بل كان يتأدب معه غاية التأدب، ففي (نوادر الأصمعي) قال: قلت لأبي يوسف - وذكرنا الأماني -: لقد بَلَغ الله بك (ما بلغت)، فهل تمنيت قط أكثر مما أنت فيه؟ قال: (نعم أن أكون في جمال ابن أبي ليلى وزهد مسعر بن كدام وفقه أبي حنيفة قال: فذكرت ذلك لأمير المؤمنين يعني الرشيد فقال: ما تمنى أبو يوسف أكثر من الخلافة.
ولو فرضنا أن الأصمعي ممن يقول في مجلس البُعَداء، ما لا يقوله في محضر الأصحاب وأصحاب الأصحاب، يُرضي في الحضور ويُشنّعُ في الغيبة - ولا نستبعد ذلك منه - فمثله لا نقيم لكلامه وزنًا.
فإن كنت لا تكتفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه، فعليك بكتاب (التنبيهات على أغاليط الروايات) لأبي القاسم علي بن حمزة البصري، لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في النقل!
وفي هذا القدر من الاستطراد هنا كفاية في رد ما يُروى عن الأصمعي. فبان عدَمُ إمكان التمسك بأقصوصة (أبي قبيس) وأسطورة فلم يفرق بين عقلتُه وعقلتُ عنه حتى فهمته)، في باب تضعيف أبي حنيفة في اللغة".
وقد اختص الله سبحانه أهل البصرة والكوفة من بين أمصار العرب بنقل اللغة عن القبائل
الجزء 1 · صفحة 39
الفصيحة، وتدوينها، وتصييرها علما وصناعة، كما في المزهر للسيوطي (1: 128)، وفيه بيان من يؤخذ منهم اللغة، ومن لا يؤخذ منهم لمجاورتهم أممًا غير عربية، ومخالطتهم لصنوف الأعاجم من مصر والشام واليمن، والبحرين، وحاضرة الحجاز، والطائف، نقلاً عن كتاب (الألفاظ، للفارابي، ولا يتسع المقام لنقل نصه.
وقال السيوطي أيضًا في المزهر (2 (259) قال أبو الطيب اللغوي في مراتب النحويين): ولا عِلْمَ للعرب إلا في هاتين المدينتين: الكوفة والبصرة، فأما مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نعلم بها إمامًا في العربية).
وقال الأصمعي: أقمت بالمدينة، زمانًا ما رأيتُ بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة، أو مصنوعة ا هـ!.
ومن البديهي أنه لا يمكن لأحد في زمن أبي حنيفة، أن يستتبع الفقهاء في الفقه بدون علم مستبحر في جميع نواحي الاجتهاد، فضلاً عن اللغة العربية والبيانُ هو أول ما يحتاج إليه العالم في الدعوة، بل الأمر هكذا في جميع الأزمان، فمن السفه وقلة الدين رَمْيَ أبي حنيفة بالضعف في العربية من غير حجة غير الأسطورتين، ولم تُفسد كثرة إقامته - في أواخر عهد الأموية - في الحجاز لغته، وإن كان بين شيوخ الحرمين كثير من اللاحنين، من كثرة من كان يطرقهما من الأعاجم منذ أواخر عهد التابعين ومن عدم وجود أئمة بهما يتفرغون لتقويم العوج في اللغة كما سبق.
فدونك نافعًا مولى ابن عمر وربيعةً وأصحابهما، كم دون لهم من اللحون في الكتب.
وتتبيَّن حال الشافعي في اللغة من سبب انتقال ابن فارس من مذهبه ومن مسعى ابن دريد والأزهري، في تقويم تلك الكلمات المعروفة ومن قول إمام الحرمين في البرهان في لغة الشافعي.
وأما أحمد فدونك مسائل أبي داود، وإسحق بن منصور الكَوْسَج، وعبد الله ابن أحمد، فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول - من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟
وهل رُوي عن أبي حنيفة طول عمره سوى تلك الكلمة، مما يصلح أن يعد لحنًا على تقدير أن الرواية ثابتة وأنها لحن؟ وما سِرُّها التغاضي عنهم والتشهير بما رُوِيَ عن أبي حنيفة؟ سوى التعصب الذميم، ومن الذي لا يلحن بعض لحن في المخاطبات؟
ويُحكى عن أبي عَمْرو وبن العلاء، أنه كان إذا تكلم مع أهله لا يقيم كلمةً من الإعراب، ثم إذا
الجزء 1 · صفحة 40
وصل إلى الجامع مزج الإعراب بالتسمح، ثم إذا توسط المِرْبَدَ سوق الأدب بالبصرة - لم يؤخذ عليه حرف واحد، ولما سُئل عن ذلك قال: لأنا إذا كلَّمناهم بما يخالف طبائعهم ثَقُلنا على نفوسهم.
وما يحكى عن الفراء أنه دخل على الرشيد، ولحن، فقال: يا أمير المؤمنين: إن طبائع أهل البدو الإعراب، وطبائع الحضر اللحن، فإذا تحفّظتُ لم ألحن، وإذا رجعتُ إلى الطباع لحنتُ، فاستحسن الرشيد قوله.
وذكر المبرد في كتاب (اللُّحنَة) عن محمد بن القاسم التمائمي، عن الأصمعي، قال: دخلت المدينة على أنس، فما هِبتُ أحدًا بن مالك هيبتي له، فتكلم فلحن فقال: مُطرنا البارحة مطرًا أَيَّ مطرًا، فَخَفَّ في عيني فقلت: يا أبا عبد الله قد بلغت من العلم هذا المبلغ، فلو أصلحت من لسانك، فقال فكيف لو رأيتم ربيعة؟ كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرًا بخيرًا، قال: وإذا هو قد جَعَله لنفسه قدوة في اللحن وعُذرًا.
وقال أحمد بن فارس في (الصاحبي): (ص31)، مستقبحًا من يعيب مالكًا، بأنه لَحَن في مخاطبته العامة، بأن قال: (مطرنا البارحَةَ أيَّ مطرًا): إن الناس لم يزالوا يلحنون ويتلاحنون فيما يخاطب بعضهم بعضًا اتقاء للخروج عن عادة العامة، فلا يَعيبُ ذلك من يُنصفهم من الخاصة وإنما العيب على من غَلِطَ من جهة اللغة فيما يغير به حكم الشريعة، والله المستعان ا هـ.
ألم يكن بين المخالفين رجل رشيد مثله يعتذر عن أبي حنيفة، بمثل هذا الاعتذار المستحسن، بدل أن ينفخوا في بوق التعصب والتشهير لو فُرِضَ صُدورُ لحن واحدٍ منه طول عمره العامر بالإصابات، لكن الناس معادن.
وابن فارس هذا هو الإمام المشهور في اللغة وهو الذي قال عنه الميداني: إنه شَرَع يُصلِحُ ألفاظ الشافعي، فسئل عن ذلك، فقال: هذا إصلاح الفاسد، فلما كَثُرَ عليه أنفَ من مذهبه وانتقل إلى مذهب مالك، فقيل له: هلا انتقلت إلى مذهب أبي حنيفة؟ قال: (خِفتُ أن يقال إنما انتقل إليه طمعًا في الدنيا أو المناصب)، كما في كتاب (التعليم) لمسعود بن شيبة.
ومن جملة ما أُخِذَ عليه - أي على الشافعي - قوله: (لا يكثُر عِيالُكم) في تفسير (أن لا تعولوا) في قوله تعالى: ذلك أدنى أن لا تَعُولُوا. مع أنه بمعنى أن لا تميلوا عند جمهرة أئمة اللغة من أمثال الفراء، والكسائي، والأخفش، والزجاجي والرُّمَّاني وأبي علي الفارسي وغيرهم.
الجزء 1 · صفحة 41
وقوله: (حارة) في تفسير (مُؤْصدة)، في قوله تعالى: {نار مُؤْصَدة. مع أنها بمعنى محيطة بلا خلاف بين العلماء.
و قوله: (مُعلمي الكلاب في تفسير قوله تعالى: {مُكَلِّبين، مع أنه بمعنى مُرسلي الكلاب.
و قوله: (فحل الإبل والبقر)، في تفسير (الفحل) في قول عمر رضي الله عنه: (لا شفعة في البئر ولا في الفَحْل)، مع أنه فَحْلُ النَّخْل.
و قوله في التصرية: إنها من الرَّبط، مع أنها من جمع الماء في الحوض، حتى قال أبو عبيد: لو كانت المُصرَّاة على ما زعمه هذا الغَزَّي من الرَّبْط، لما كانت مُصرَّاة، بل كانت تكون مصرورةً.
و قولُهُ: في تفسير الفِهْر في قول عمر (كأنهم اليهود قد خرجوا من فهرهم): البيت المبنى بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم، أو اجتماعهم ودرسهم مطلقًا، شواء كان في بنيان، أو صحراء.
و وَصْفُهُ الماء بالمالح، مع أن الماء لا يوصف به، وفي القرآن ملج أجاج. وأما المالح فيوصف به نحو السمك.
و قوله: ثوب نسوي لفظة عامية.
و قوله: العفريت بالفتح، مما لم يقله أحد.
و قولُه: في أَشلَيتُ الكلب، بمعنى، زجرته خطأ، صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قاله ثعلب وغيره.
و قوله في (مختصر المزني وليست الأذنان من الوجه فيغسلان والصواب فيُغسَلا. ولفظ الشافعي إثباتُ النون. وحذفها من تصرُّف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته في قضية المرحوم مصطفى باشا الخازن المعروفة في البيئات العلمية ومحافل المحاماة بل في الصحف السيارة.
وله كثير من أمثال ذلك، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان، بل الأولى للجمع مطلقًا، والثانية للإلصاق.
وله كثير من أمثال ذلك، تسامَحَ معه فيها من تَسامح كالزمخشري في تفسيره وقَسَا عليه من قسا مثل الأتقاني كتبه في الأصول، بل حكى محمد بن يحيى عن الجاحظ، انه قال سمعته - أي الشافعي. ينادي
الجزء 1 · صفحة 42
يا معشر الملاحون، فقلتُ له: خَرِبَ بيتُك لحنْتَ. فقال هذا لسان أهل سيف (¬1) الحجاز، فقلتُ: لحن بإسناد أقوى ما يكون، كما في كتاب (التعليم).
ولنكتف بهذا القدر لإيقاف المتهجمين على مقام الإمام الأعظم من ناحية اللغة عند حدهم بتذكيرهم ما سجله الناس في أئمتهم.
والحقُّ أن الأئمة المتبوعين أعلى كعبًا من أن يوصم أحدهم بالضعف في اللغة، لاستجماعهم شروط الاجتهاد، ومن تلك الشروط معرفةُ اللغة حقَّ المعرفة، وقد أجمعت الأمة على اتباعهم دون الآخرين، وقد تقاسموا الأمة المحمدية على توالي القرون، ولو لم يكن لله في ذلك سرّ خفي لما تابعتهم الأمة هكذا على تعاقب الدهور، رغم محاولات الشذاذ، إلا أنَّ الكلام يجُرُّ الكلام، سامحنا الله وإياهم فيما شطّ به القلم عن الاعتدال، وغفر لنا ولهم في جميع الأحوال.
و ما القصد إلا إعادة الحق إلى نصابه. وفي كتاب الملك المعظم فيما بين (4) و (48) بسط نصوص كثيرة من (الجامع الكبير وغيره، تدل على براعة الإمام في اللغة العربية وتغلغله في أسرار العربية، وهي أدلة ملموسة لا يستطيع أن ينكرها إلا عليك الحِس ساقط النَّفْس.
8 وقال في ص (332):
أخبرني البَرْقاني، أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عمر بن سعد، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني أبو مالك بن أبي بهز الجبلي، عن عبد الله بن صالح عن أبي يوسف، قال: قال لي أبو حنيفة: إنهم يقرءون حرفًا في يوسف يلحنون فيه. قلت ما هو؟ قال قوله: {لا يأتيكما طعام تُرزَقانِهِ} فقلت: فكيف هو؟ قال تُرزقانه).
أقول: يعني بكسر الهاء في الأول وضمها في الثاني.
و في سند هذا الخبر الخزاز وقد سبق (¬2)
¬
(¬1) بالكسر أي ساحل الحجاز ز.
(¬2) في الخبر رقم 7 ص 44 ز
الجزء 1 · صفحة 43
و عمر بن سعد هو: القراطيسي.
و عبد الله بن محمد هو ابن أبي الدنيا.
أبو مالك: هو محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول، المعروف بابن مالك بن مغول.
فالصقر، وعبد الرحمن من الكذابين المعروفين.
و عبد الله بن صالح هو كاتب الليث المختلط.
و ليست تلك القراءة من قراءة أبي حنيفة في شيء، وغنما قراءة أبي حنيفة هي قراءة عاصم التي رواها عن أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش. فالأول: راويه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والثاني: راويه ابن مسعود رضي الله عنه.
و ليس فيها شيء من هذا القبيل، بل تلك القراءة التي عزاها الخطيب إلى أبي حنيفة، لم ترو عنه في كتب الشواذ، ولا فيما دونه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي (¬1) في قراءة أبي حنيفة، بل لم يُعرِ الزمخشري ولا النسفي لتلك القراءة أُذنًا، مع تكلفهما توجيه كل ما يروى عن أبي حنيفة ظنًا منهما صدق الخزاعي فيما دَوَّنه في قراءة أبي حنيفة، مع أن الأئمة كذَّبوه فيما عزاه إليه من القراآت فلا داعي إلى كلام الملك المعظم في توجيه تلك القراءة.
9 - وقال في ص (334):
(عن إبراهيم، عن عر بن الخطاب. . .).
أقول: الصواب عن إبراهيم، عن أصحاب عمر بن الخطاب
¬
(¬1) وقد كذبوه فيما عزاه إلى أبي حنيفة من القراءات قال الخطيب في 2: 158 حكى لي القاضي أبو العلاء الواسطي، عن الخزاعي أنه وضع كتابًا في الحروف ونسبه إلى أبي حنيفة، قال أبو العلاء فاخذتُ خط الدارقطني وجماعة من أهل العلم كانوا في ذلك الوقت، بان ذلك الكتاب موضوع لا أصل له فكبُر ذلك عليه وخرج من بغداد إلى جبل. وذكر الخطيب عن بعضهم أنه كان يُخلط تخليطا قبيحًا، ولم يكن على ما يرويه مأمونا ا هـ. فيكون هو المتهم حيث انفرد بذلك، ورَمْيُ ابن الجزري من سواه بما تلبس به الخزاعي يكون رجما بالغيب. ز
الجزء 1 · صفحة 44
10 - وقال في ص (335):
أخبرني القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي، وأبو عبد الله أحمد بن علي القصري قالا: أخبرنا أبو زيد الحسين بن الحسن بن علي بن عامر الكندي بالكوفة أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سعيد البورقي (¬1) المروزي، حدثنا
سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إن في أمتي رجلاً - وفي حديث القَصْري - يكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سِراج أمتي قال لي أبو العلاء الواسطي: كتب عني هذا الحديث القاضي أبو عبد الله الصيمري قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي
أقول: استوفى طرقه البدر العيني في تاريخه الكبير)، واستصعب الحكم عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق الكثيرة، وقد قال بعد أن ساق طرق الحديث في تاريخه الكبير: فهذا الحديث كما ترى قد رُوي بطرق مختلفة، ومتونس متباينة، ورُواة متعددة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن له أصلاً، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم يُنكرونه، وبعضُهم يدعون أنه موضوع وربما كان هذا من أثر التعصب.
و رواة الحديثِ أكثرهم علماء، وهم من خير الأمم، فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه الصلاة والسلام، مع علمهم بما رُوي من الوعيد في حق من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم متعمدًا اهـ.
و نص ما قاله أيضًا في ترجمة أبي حنيفة في كتابه في رجال الطحاوي المسمى (مغاني الأخيار): وكلُّ طريق من هذه الطرق على وجوه مختلفة في المتن والإسناد، بينا جميع ذلك في ترجمة أبي حنيفة في (تاريخنا) البدرى
و عالم مضطهد طول حياته، يموتُ وهو محبوس ثم يَعمُّ عِلمُه البلاد من أقصاها إلى أقصاها شرقًا وغربًا، ويُتابعه في فقهه شطر الأمة المحمدية بل ثلثاها على توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيه،
¬
(¬1) وفي الطبعات الثلاث (الدورقى) وهو خطأ. ز.
الجزء 1 · صفحة 45
ومحدث، ومؤرخ:
مُناصَبَةَ العِداء، نَبَا جَلَل، لا يُستبعدُ أن يُخبِرَ به النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكون من الأنبياء الغيبية.
و سُلطان فقهه مما يبهر الأبصار، وليس عِرفان منزلتِهِ في العلم مما يحتاج إلى حديث يختلف فيه العلماء، وإنما سُقتُ هذا الكلام لتعريف أقوال الناس فيه.
و قال السيوطي في تبييض الصحيفة قد بشر صلى الله عليه وسلم بالإمام أبي حنيفة، بالحديث الذي أخرجه أبو نعيم في (الحلية) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان العِلمُ معلقًا بالثُرَيَّا لتناوله رجالٌ من أبناء فارس).
و حديث أبي هريرة أصلُه في صحيحي البخاري ومسلم)، بلفظ (لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس)، وفي لفظ لمسلم لو كان الإيمان عند الثريا لذَهَب به رجل من عند الثريا لذَهَب به رجل من أبناء فارس حتى يتناوله).
و حديث قيس بن سعد في (معجم الطبراني الكبير) بلفظ: (لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لا تناله العرب، لناله رجال من فارس، وفي (معجم الطبراني) أيضًا عن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان الدَّينُ معلقًا اسمه نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان منه المجلد الأول في مناقب أبي حنيفة والثاني والثالث في أصحابه منه نسخ في باريس كما مر وفي برلين وفي ميونيخ - ولعل الحرب الأخيرة لم تأت عليها). خ
بالثريا لتناوله ناس من أبناء فارس). فهذا أصل صحيحُ يُعتَمَدُ عليه في البشارة والفضيلة انتهى ما ذكره السيوطي، إلا أن لفظ مسلم لو كان الدين.
على أن الإيمان ذروة سنام العلم، وكذا الدين، فتتحد الروايات في المعنى، وما في (الصحيحين) يُغني عمن سواه، ومن وهى الحديث من أبناء هذا العصر، فقد أساء إلى نفسه، وحاد عن سبيل أهل العلم ونَطَقَ خُلْفًا، اتَّبَع سبيل غيرِ المؤمنين.
و أما النزاع في المراد بحديث لتناوله رجل من أبناء فارس وفي المراد بحديث (عالم) المدينة) أو (عالم قريش) فمعروف بين أهل العلم وليس ها موضع شرح ذلك.
الجزء 1 · صفحة 46
11 وقال في ص 369) من الطبعة الأولى المصرية وص 370 من الطبعة الثانية المصرية) وهكذا كلما تكرر الرقم:
و المحفوظ - عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم - في أبي حنيفة خلاف ذلك ..... أقول: إني في ريب من كون هذه الكلمة صادرة من الخطيب نفسه، بل أرجح أن تكون مما زيد في تاريخ الخطيب بع وفاته، لأني أراه مهما بلغ به الهوى، لا يرضى لنفسه أن يقع في مثل هذ التناقض المكشوف؟ وهو الذي تكلم على الرجال الذين هم في أسانيد المثالب في هذا الكتاب بالتضعيف والتكذيب كما نقله عنه الملك المعظم في رده على الخطيب، وكما نقلناه عنه أيضا بحروفه.
فلا يتسنى للخطيب أن يقول هنا: إن الرواية المحفوظة هي رواية رواة المثالب ولو فرض أنا نتحاكم إليه فقط في أحوال أولئك الرواة رواة المثالب عن ألسنة متقدمي الأئمة إلا إذا أراد بالمحفوظ ما هو محفوظ عند عصبة التعصب المندسة بين نقلة الحديث!
و أما كون تاريخ الخطيب قد تصرفت فيه الأقلام فأمر لا شك فيه بدلائل ناهضة، وقد تكلم الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون، الذي كان وصي الخطيب عند وفاته.
و كان الخطيب سلم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي وبينها نسخة الخطيب من تاريخ بغداد، حتى روى الناس تاريخ الخطيب عن نسخة ابن خيرون لا عن خط الخطيب، وبلوا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب، فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها حتى رمى أبو الفضل المقدسي ابن خيرون بكل سوء.
:و إن لم يعجب ذلك الذهبي وقد نقل في ميزان الاعتدال، عن ابن الجوزي أنه قال سمعت مشايخنا يقولون: إن الخطيب أوصى إلى ابن خيرون أن يزيد وريقات في تاريخه وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته.
فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شك فيها، لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب فتكون تبعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه، أو الزائد هو ابن خيرون فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل المقدسي.
و نكتفي هنا بلفت النظر إلى كلام الذهبي وابن الجوزي وكلام أبي الفضل المقدسي فقط، حتى
الجزء 1 · صفحة 47
يرى الناظر رأيه في مثل هذه الوصية وفي مثل هذه الزيادة!
و من الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في تاريخ الخطيب، لم تذع إلا بعد أن تحنف عالم الملوك الملك المعظم عيسى الأيوبي، ولذلك كان هو أول من رد عليها ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهرالبغدادي وابن الجويني، وأبي حامد الطوسي، وغيرهم، وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضا في عصر الملك المعظم في كتاب سماه الانتصار لإمام أئمة الأمصار)، وهو في مجلدين.
12 وقال في ص (369 370) من الطبعتين:
(أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي، قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبارفي شهر جمادى الآخرة من سنة 288، قال: ذكر القوم الذين ردوا على أبي حنيفة:
أيوب السختياني وجرير بن حازم وهمام بن يحيي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، وأبو عوانة، وعبد الوارث وسوار العنبري القاضي ويزيد بن زريع وعلي بن عاصم، ومالك بن أنس، وجعفر بن محمد، وعمر بن قيس، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وسعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وأبو إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، ومحمد بن جابر وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن أبي سليمان، ووكيع بن الجراح ورقبة بن مصقلة والفضل بن موسي وعيسي بن يونس والحجاج بن أرطأة، ومالك بن مغول، والقاسم بن حبيب، وابن شبرمة).
أقول: إن كان يريد بذلك قرع الحجة بالحجة، فأهل العلم في سعة من ذلك في كل زمان ومكان، لأن دين الله ليس بوقف على أحد من المجتهدين، وما من أحد من الفقهاء إلا وفي كلامه ما يؤخذ وما يرد غير صاحب ذلك القبر المعطر بالمدينة المنورة صلى الله عليه وسلم.
أما إن كان يريد النيل منه ببهت وإقذاع فيه على ألسنة الأبرياء من السلف، كما يظهر مما يسوقه الخطيب بطريق الأبار، فما يؤذي ذلك في الدنيا والآخرة إلا المختلق الأفاك.
و تصدير الخطيب هذه الرواية في صدد ذكر المحفوظ عند النقلة، يدلك بادئ ذي بدء على مبلغ تحفظه فيما اشترطه لنفسه أيصدر المحفوظ بابن رزق، عن ابن سلم عن الأبار؟ فابن رزق أبو الحسن بن زرقويه، إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره والكفيف لا يؤخذ منه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب
الجزء 1 · صفحة 48
من قرآن أو حديث جرت العادة على حفظ مثله لمثله، مع التحفظ والتثبت فيما يمكن أن يخطئ فيه.
و أما كتب التواريخ والسمر والحوادث الطويلة العريضة، فلا يقدر من لم يصب في عينه وقواه من العلماء أن يقوم بروايتها بأسانيدها. فضلا عمن تهدمت قواه وهرم وکف بصره وحرم نعمة النظر.
و الإكثار من مثل هذا الضرير، لا يصدر إلا من المتساهلين في الرواية لحاجة في النفس، وممن أعمت الأهواء بصائرهم بدل عمى شيوخهم، وها هو الخطيب قد ملأ كتابه هذا بالروايات عن هذا الكفيف! وأقل ما يقال في شيخه ابن سلم: إنه متعصب أعمى البصيرة، والأبار حشوي أفاك مأجور القلم كما سبق (¬1)
قال ابن عبد البر في جامع) بيان العلم) (2: 149 الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث، أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي، والقياس، والإرجاء.
و كان مما يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب، هلك فيه فريقان، محب أفرط، ومبغض أفرط.
و قد جاء في الحديث: إنه يهلك فيه رجلان محب مطر، ومبغض مفتر).
و هذه صفة أهل النباهة ومن بلغ في الدين والفضل الغاية، والله أعلم ا هـ.
و غالب الأقيسة يعلو على مدارك أهل الحديث والإرجاء المنسوب إليه سيأتي تحقيقه وأين كلام ابن عبد البر هذا من صنيع الخطيب؟.
و لو كان الخطيب يتوخى أن يذكر المحفوظ حقيقة في هذا الصدد، لسرد ما ذكره صاحب العقيلي وراويته أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي الحافظ المعروف بابن الدخيل المصري المتوفى سنة 388، في كتابه الذي ألفه في مناقب أبي حنيفة ردا على العقيلي في تهجمه عليه، كما سرد ابن عبد البر في (الانتقاء)، بروايته عن شيخه الحكم بن المنذر عن ابن الدخيل وساق أقوال أهل العلم في مناقبه بأسانيده.
و إنما حمل ابن الدخيل على تأليف ذلك الكتاب، وتسميعه لمن يتردد إليه في العلم، تورعه عن حمل
¬
(¬1) في الخبر رقم 5 ص 40. ز.
الجزء 1 · صفحة 49
تبعة ما كتبه العقيلي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب الضعفاء له، الذي كان ابن الدخيل انفرد بروايته عن العقيلي.
و ابن الدخيل ليس بظنين فيما أخرجه في مناقب أبي حنيفة ولا هو من أهل مذهبه حتى يظن به أنه تحيز له، وقد ذكر في كتابه المذكور في جملة من أثنى على أبي حنيفة: أبا جعفر محمدا الباقر عليه السلام، وحماد بن سليمان ومسعر بن كدام وأيوب السختياني، والأعمش، وشعبة، والثوري وابن عيينة، والمغيرة بن مقسم، والحسن بن صالح بن حي، وسعد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد، وشريكا القاضي، وابن سنبرمة، ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن المبارك، والقاسم بن، معن وحجر بن عبد الجبار وزهير بن معاوية وابن جريح، وعبد الرزاق، والشافعي ووكيعا وخالد الواسطي، والفضل بن موسى السنياني وعيسى بن يونس، وعبد الحميد الحماني، ومعمر بن راشد والنضر بن محمد ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، وزفر بن الهذيل، وعثمان البتي، وجرير بن عبد الحميد، وأبا مقاتل حفص بن سلم، وأبا يوسف القاضي وسلم بن سالم (البلخي)، ويحيي بن آدم ويزيد بن هارون وابن أبي رزمة وسعيد بن سالم القداح وشداد بن حكيم، وخارجة بن مصعب، وخلف بن أيوب وأبا عبد الرحمن المقرئ ومحمد بن السائب والحسن بن عمارة، وأبا نعيم الفضل بن دكين والحكم بن هشام ويزيد بن زريع وعبد الله بن داود الخريبي ومحمد بن فضيل، وزكريا بن أبي زائدة، وابنه يحيى، وزائدة بن قدامة ويحيى بن معين ومالك بن مغول وأبا بكر بن عياش وأبا خالد الأحمر، وقيس بن الربيع وأبا عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسي ومحمد بن جابر، والأصمعي وشقيقا البلخي، وعلي بن عاصم ويحيى بن نصر.
كل هؤلاء أثنوا عليه ومدحوه بألفاظ مختلفة، قال ابن عبد البر بعد أن ساق غالب ألفاظهم في الثناء على أبي حنيفة، في الانتقاء)، بروايته عن شيخه الحكم بن المنذر القرطبي، عن أبي الدخيل المكي: ذكر ذلك له أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي - وهو ابن الدخيل راوية العقيلي - في كتابه الذي جمعه في فضائل أبي حنيفة وأخباره، حدثنا به الحكم بن المنذر عنه ا هـ.
و ليس ابن عبد البر، ولا الحكم بن المنذر، ولا ابن الدخيل الصيدلاني ممن يرمون برواية غير المحفوظ في مناقب أبي حنيفة بوسيلة من الوسائل وأحوالهم في الأمانة والحفظ معروفة وليسوا من أهل مذهبه حتى يتوهم فيهم الانحياز له، وابن الدخيل الصيدلاني هذا من مشايخ العتيقي شيخ الخطيب.
و موضع العبرة في صنيع ابن عبد البر المالكي وفي عمل الخطيب الشافعي: أن الأولى استقصى في
الجزء 1 · صفحة 50
(الانتقاء) ذكر ما ساقه ابن الدخيل الثقة الأمين في مناقب أبي حنيفة، والثاني استوفى سوق ما سرده الأبار المتهم الظنين في مثالبه، ومن ذلك يعلم فرق ما بينهما في الدين والأمانة ذاك أندلسي يسوق النبار من أصفى المصادر، وهذا شرقي يأتي بالطامات من أعكر نبع يقصده كل مغامر!.
و قد قال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي في عقود الجمان): اعلم – رحمني الله وإياك – أن ما رواه الخطيب من القدح في الإمام أبي حنيفة، غالب أسانيده لا يخلو من متكلم فيه أو مجهول، ولا يجوز لمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يثلم عرض أحد من المسلمين بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين؟.
و على تقدير صحة ذلك عن قائله، فإن كان من غير أقران الإمام أبي حنيفة، فهو لم يره ولم يشاهد أحواله، بل قلد ما رآه على الأوراق التي دونها أعداؤه، فهذا لا يلتفت إلى قوله البتة، وإن كان من أقران الإمام أبي حنيفة المنافسين له، فلا يلتفت إلى قوله أيضا.
و قد جهد كثير منهم على أن يحط من مرتبة الإمام أبي حنيفة، ويصرف قلوب أهل عصره عن مجبته، فما قدر على ذلك، ولا نفذ كلامه فيه، حتى قال بعضهم، فعلمنا أنه أمر، سماوي، لا حيلة لأحد فيه، ومن يرفعه الله تعالى لا يقدر الخلق على خفضه.
قال الذهبي في (الميزان) وتابعه ابن حجر في (اللسان) كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب ا هـ.
و ما لا يجوز لمسلم كيف يدعو إليه الخطيب؟ ولولا أن الخطيب كان عزم على المساهمة لأهل مذهبه فيما واصلوه من الفتنة في سبيل القضاء منذ عهد أبي حامد الإسفرايني السابق ذكر محاولته نقلا عن خطط المقريزي، لما جازف هذه المجازفة، ولا سقط هذا السقوط، وهكذا تكون نتيجة التكالب على الدنيا بدون ورع حاجز!.
13 - وقال في (370 و371) من الطبعتين:
أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن أخو الخلال، أخبرنا جبريا بن محمد المعدل بهمذان حدثنا محمد بن جبويه النخاس، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع قال: سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا وعند الله
الجزء 1 · صفحة 51
حقا. قال وكيع ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة عندنا جرأة).
أقول: في الطبعات الثلاث (حيويه)، وهو تصحيف، والصحيح (جبويه) بفتح الجيم وتشديد الموحدة.
و محمد بن العباس الخزاز المعروف بابن حيويه، متأخر الزمن لم يدرك محمود بن غيلان أصلا، فما وقع في تعليق الطبعة الثانية من إعلال الخبر به وهم محض والصواب أن محمد في السند هو ابن جبويه النخاس الهمذاني، وقد كذبه الذهبي في تلخيص المستدرك، حيث قال في حديث ميناء ابن جبويه متهم بالكذب، أفما استحيا المؤلف – يعني الحاكم - أن يورد هذه الأخلوقات فيما يستدرك على الشيخين ا هـ.
فلا يصح هذا الخبر عن وكيع بمثل هذا السند، والذي صح عنه هو ما أخرجه الحافظ أبو القاسم بن أبي العوام – صاحب النسائي والطحاوي – في كتابه (فضائل أبي حنيفة وأصحابه)، المحفوظ بدار الكتب المصري، وعليه خطوط كثير من كبار العلماء الأقدمين وسماعاتهم، وهو من مرويات السلفي) حيث قال:
حدثني محمد بن أحمد بن حماد، قال حدثنا إبراهيم من جنيد، قال حدثنا عبيد بن يعيش، قال حدثنا وكيع، قال: كان سفيان الثوري إذا قيل له عند الله، قال: أرجو، وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن ها هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا ا هـ.
و أين هذا من ذاك؟ فبذلك تبين ما في رواية الخطيب بطريق ابن جبويه الكذاب من الدخائل، هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب! نسأل الله العافية.
و مما يناسب هذا المقام ما أخرجه الحافظ شرف الدين الدمياطي، في جزئه المسمى (العقد المثمن فيمن يسمى بعبد المؤمن)، كما رواه عنه الحافظ عبد القادر القرشي في (طبقاته) حيث قال:
أنبأني الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، ونقلته من خطه في جزئه المذكور، كتبت إلينا عجيبة بنت محمد بن أبي غالب، عن أبي أحمد معمر بن عبد الواحد بن الفاخر، أخبرنا أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، أخبرنا الحافظ أبو نصر عبد الكريم بن محمد الشيرازي ابن بنت بشر الحافي (¬1)، أخبرنا
¬
(¬1) وهكذا وقع في طبقات الحنفية للقرشي، في ترجمة عبد المؤمن)، والظاهر أن لفظ (بنت) محرف عن لفظ (أخت)، لأن بشرا الحافي مات عزبا، وكان له أخت معروفة الذكر، فهو تحريف عن (أخت) والله أعلم. ز.
الجزء 1 · صفحة 52
أبو القاسم الحسين بن أحمد بن محمد بن فضلويه الدامغاني القاضي، أخبرنا أبو حنيفة عبد المؤمن التيمي الحنفي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد الفقيه، حدثنا أبو الحسن علي بن نصر، حدثنا محمد بن نوكرد، الروياني، حدثنا محمد بن سماعة، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن أبي حنيفة الإمام عن موسى بن أبي كثير، قال:
أخرج علينا ابن عمر رضي الله عنه في شاة له، فقال لرجل: اذبحها، فأخذ الشفرة ليذبحها، فقال له: أمؤمن أنت. فقال: نعم. أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فقال ابن عمر: ناولني الشفرة وامض حيث شاء الله أن تكون مؤمنا. قال فمر رجل آخر، فقال له: اذبح لنا هذه الشاة، فأخذ الشفرة ليذبحها فقال: أمؤمن أنت؟ قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، قال: فأخذ الشفرة وقال: امض، ثم قال لرجل آخر اذبح لنا هذه الشاة فأخذ الشفرة ليذبحها، فقال له: أمؤمن أنت؟ قال: أن مؤمن في السر ومؤمن في العلانية فقال له اذبح، اذبح، ثم قال: الحمد لله الذي ما ذبح لنا رجل شك إيمانه به ا هـ
قال القرشي: قلت موسى بن أبي كثير مجهول. انتهى. بل هو الأنصاري الراوي عن ابن المسيب، وإن لم توجد روايته عن ابن عمر في الأصول الستة، لكن معاصرته له تظهر من سنه وطبقته وقول من يستثني في الإيمان من السلف: الله أعلم. للجهل بالخاتمة، وإلا نافى الجزم، و
14 وقال في ص (370 و372):
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام، عن رجل قال أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري: هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبي، ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقا. قال الحميدي: ومن قال هذا فقد كفر. قال: وكان سفيان يحدث به عن حمزة بن الحارث).
أقول: حنبل بن إسحاق في السند يتكلم فيه بعض أهل مذهبه ويرميه ابن شاقلا بالغلط في روايته، كما ذكر ابن تيمية في تفسير سورة العلق، لكن لا نلتفت إلى كلامهم فيه ونعده ثقة مأمونا كما يقول ابن
الجزء 1 · صفحة 53
نقطة في التقييد، فيلتزق الخبر بالحميدي، والحميدي كذبه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم - في كلام في الناس، راجع طبقات السبكي (1): (224) وهو شديد التعصب وقاع مضطرب، يروي مرة عن حمزة بن الحارث، ومرة عن الحارث مباشرة.
و الحارث بن عمير هـ 11 مختلف فيه والجرح مقدم، قال الذهبي في ميزان الاعتدال وما أراه إلا بين الضعف، فإن ابن حبان قال في (الضعفاء) روى عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة ا هـ. وفي تهذيب التهذيب قال الأزدي: ضعيف منكر الحديث، ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب ا هـ. هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب وشواهد الحال تكذيب الخبر.
و كيف يتصور أن ينطق أبو حنيفة بمثل ذلك الكفر الصراح في مثل المسجد الحرام، بدون أي يروى ذلك عنه إلا كذاب واحد وبدون أن يعاقب عقاب من ينطق بمثل ذلك الكفر الشنيع؟ وهذا هو الاختلاق المكشوف.
و قد ساق ابن أبي العوام بسنده إلى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: لو أن رجلا صلى يريد بصلاته إلى غير الكعبة، فوافق الكعبة على الخطأ منه، أنه بذلك كافر، وما رأيت أحدا منهم ينكر ذلك اهـ. كما سيأتي مفصلا.
و ربما يكون الإما نطق بما يفيد أن الإيمان إجمالي كاف في الابتداء، ثم يتعلم المؤمن الإيمان التفصيلي شيئا فشيئا فأباح الراوي لنفسه تغيير الراوي إلى ما شاء، باسم الرواية بالمعنى.
قال ابن حزم في الفِصَل (3): (249): فإن قال قائل: فما تقولون فيمن قال: أنا أشهد أن محمد رسول الله، ولا أدري أهو قرشي أم تميمي أم فارسي، ولا هل كان بالحجاز أو بخراسان ولا أدري أحي هو أم ميت، ولا أدري لعله هذا الرجل الحاضر أو غيره؟ قيل له: إن كان جاهلا لا علم عنده بشئ من الأخبار والسير، لم يضره ذلك شيئا، ووجب تعليمه فإذا علم وصح عنده الحق، فإن عاند فهو كافر حلال دمه وماله محكوم عليه بحكم المرتد.
و قد علمنا أن كثيرا ممن يتعاطى الفتيا في دين الله عز وجل، نعم وكثيرا من الصالحين لا يدري كم لموت النبي صلى الله عليه وسلم ولا أين كان ولا في أي بلد كان ويكفيه من كل ذلك إقراره بقلبه ولسانه، أن رجلا اسمه محمد أرسله الله تعالى إلينا بهذا الدين ا هـ.
الجزء 1 · صفحة 54
و الخطيب كثيرا ما يتابع ابن حزم في آرائه التي أطلعه عليها الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين)، فلعل رأي ابن حزم هذا لم يطلع عليه الخطيب. والله سبحانه هو الهادي.
15 وقال في ص (371 و372):
(أخبرني الحسن بن محمد الخلال، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، (ح) وأخبرنا محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، أخبرنا موسى بن عيسى بن عبد الله السراج قالا حدثنا محمد بن محمد الباغندي، حدثنا أبي، قال: كنت عند عبد الله بن الزبير (الحميدي)، فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة، فكتب إليه.
حدثني الحارث بن عمير قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لو أن رجلا قال: أعرف الله بيتا ولا أدري أهو الذي بمكة أو غيره؟ أمؤمن هو؟ قال نعم. ولو أن رجلا: قال أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، ولا أدري أدفن بالمدينة؟ أمؤمن هو؟ قال: نعم. قال الحارث بن عمير وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاض أن فلان بن فلان طلق امرأته، وعلما جميعا أنهما شهدا بالزور، ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال نعم ثم علم القاضي بعد أله أن يفرق بينهما؟ قال: لا.
أقول: سبق بيان حال الحميدي في التعصب البالغ المفضي إلى رد خبره في مثار تعصبه (¬1)، وحال الحارث بن عمير الكذاب (¬2).
أما محمد بن محمد الباغندي في سنده، فقد قال الخطيب عنه في 3: (212) قال الدارقطني: كان كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، وربما سرق ا هـ.
و الكلام في الباغندي طويل وكان إبراهيم بن الأصبهاني يكذبه، وكان الأب يكذب الابن والابن يكذب الأب، وكثير من أهل النقد يصدقهما في تكذيب أحدهما الآخر، فاستحق الخبر أن يعد في عداد المحفوظ عند الخطيب!!
¬
(¬1) في الخبر السابق رقم 14 ص 74. ز.
(¬2) أيضا في الخبر السابق رقم 14 ص 74. ز.
الجزء 1 · صفحة 55
ثم مسألة نفاذ حكم القاضي ظاهرا وباطنا هو مقتضى الأدلة وإن كان شاهد الزور يأثم إثما عظيما، لكن لا يحول ذلك دون نفاذ حكم القاضي ظاهرا وباطنا وإلا لزم إباحة وطئها للزوج الأول في السر فيما بينه وبين الله، وإباحة وطئها للزوج الجديد بحكم الحاكم وأي قول يكون أقبح وأشنع من هذا؟ يكون لامرأة واحدة زوجان في حالة واحدة، أحدهما يجامعها في السر والآخر في العلانية.
و نعترف أن أبا حنيفة لا يمكنه أن يرى مثل هذا الرأي، رغم كل تشنيع، بل التشنيع يرتد على مخالفيه ومشنعيه كما صورناه، وأبو حنيفة أبرأ الناس من أن يحدث الفوضى في الأحكام.
و أما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه بحال الشاهدين فليس من مسائل أبي حنيفة، وإنما مذهبه التروي في الحكم مطلقا، ولعل القارئ الكريم لم ينس بعد ما نقلنا من ابن حزم في الإيمان الإجمالي والإيمان التفصيلي (¬1)
و خبر عمرو بن أبي عثمان الشمزي، الذي يعزى إليه أنه روى مثل ذلك عن أبي حنيفة في (مقالات الإسلاميين) لا سند له.
و الشمزي هذا معتزلي، أخذ الاعتزال عن واصل وعمرو بن عبيد، ومذهبهم تخليد مرتكبي الكبائر في النار، والتشنيع منهم على من لا يقول بقولهم يكون على طرف لسانهم، فلو سبق الخبر بسند فيه أحدهم في مثل هذه المسأله لما قبل وكيف يلتفت إلى ما يذكر عن أحدهم بدون زمام ولا خطام ولا بأس أن يفرق أبو حنيفة الإيمان الإجمالي والتفصيلي كما شرحناه وإليه يرمي كلام ابن حزم، والله سبحانه أعلم.
و من الدليل على بطلان الخبر من أساسه أن الحميدي مكي، لم يجالس أصحاب أبي حنيفة ولا درس فقهه، وأحمد عراقي تفقه على أصحاب أبي حنيفة. فمثل أحمد العراقي لا يسأل الحميدي المكي عن أشنع مسائل أبي حنيفة العراقي، ولو كان السؤال بالعكس لكان معقولا، لكن الكذاب لم يدبر كذبه جيدا، حيث أراد الله افتضاحه.
و مثله الخبر الذي بعده لأنه بطريق الحارث المذكور.
16 وقال في ص (371 و374):
¬
(¬1) (1) في آخر الخبر رقم 4 ص 75. ز.
الجزء 1 · صفحة 56
أخبرنا ابن رزق، أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، حدثنا أبو جعفر محمد عبد الله بن سليمان الحضرمي (و هو مطين، في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين حدثنا عامر بن إسماعيل، حدثنا مؤمل عن سفيان الثوري، قال: حدثنا عباد بن كثير، قال: قلت لأبي حنيفة: رجل قال أعلم أن الكعبة حق وأنها بيت الله، ولكن لا أدري هي بمكة أو هي بخراسان، أمؤمن هو؟ قال نعم. قلت له: فما تقول في رجل قال: أنا أعلم أن محمد رسول الله، ولكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة من قريش أو محمد آخر، أمؤمن هو؟ قال: نعم، قال مؤمل: قال سفيان: وأنا أقول من شك في هذا فهو كافر).
أقول: مطين تكلم فيه محمد بن أبي شيبة.
و عامر بن إسماعيل هو أبو معاذ البغدادي مجهول الحال ولم يخرج له أحد من أصحاب الأصول الستة. ومؤمل هو ابن إسماعيل يقول فيه البخاري إنه منكر الحديث، ويقول أبو زرعة في حديثه خطأ كثير.
و عباد بن كثير هو الثقفي البصري، كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه. فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثل؟ فظهر أن هذه الأخلوقة كذب مفضوح أيضا، وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب!
-17 وقال في ص 372 و374)
أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثني علي بن عثمان بن نفيل، حدثنا أبو مسهر، حدثنا يحيى بن حمزة - وسعيد يسمع - أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله، لم أر بذلك بأسا، فقال سعيد: هذا الكفر صراحا).
أقول: الآن نحن أمام خصوم ضاع صوابهم في اصطناع ما يفترون به على أبي حنيفة، هل رأى أحد في العالم شخصا يعبد النعل حتى يسأل عنه أبو حنيفة فيستصوبه؟ وهل كان أبو حنيفة داعيا إلى عبادة النعل؟ وقد اتخذه شطر الأمة المحمدية إماما لأنفسهم في الدين على تعاقب الدهور، فيا مجانين التعصب زنوا قولكم قبل أن تدونوه، لتجعلوه حنيفة وأصحابه، وإنما تسجلون يوم تسجلون مثل هذا الهذيان ميزانا يعرف به مبلغ سقوطكم في نكاية في أبي العقل والدين أمام الأمم وأمام أصحاب المذهب.
و هذا ظاهر جدا بحيث يعني عن الكلام فيالسند ومع ذلك نتبرع ونقول:
الجزء 1 · صفحة 57
عبدالله بن جعفر، هو ابن درستويه كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهما يصنع لك ما شئت من الأكاذيب وروايته عن الدوري ويعقوب خاصة منكرة، وقول البرقاني واللالكائي فيه معروف، وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي، وقد أكثر الخطيب عن عبد الله بن جعفر هذا جد الإكثار.
و أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، ممن أجاب في محنة القرآن فترد روايته مطلقا عند من يرد رواية من أجاب في المحنة.
و يحيى بن حمزة قدري، لا يتخذ قوله ضد أئمة السنة حجة، على أن الكلام لا يصدر من عاقل، وكفى بذلك ردا.
18 وقال في ص (373 و377):
ما بمعناه بلفظ القاسم بن حبيب وضعت نعلي في الحصى، ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال مؤمن، فقلت: لا أكلمك أبدا.
و قاسم بن حبيب التمار، هو راوي حديث ذم القدرية والمرجئة عند الترمذي وقال ابن معين: ليس بشئ ولفظ ابن أبي حاتم (ذكر أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: القاسم بن حبيب الذي يحدث عن نزار بن حيان لا شئ ا هـ.
يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي، وتوثيق ابن حبان لا يناهضه بل الجرح مقدم، وقال ابن سعد عن محمد بن فضيل الراوي عنه: بعضهم لا يحتج به.
و في أول السند ابن رزق وابن سلم والأبار والخبر مما لا يتصور صدوره عن أحد من العقلاء، فشواهد الكذب قائمة والمحفوظ عند الخطيب يكون هكذا!!
19 وقال في ص (372 و376):
( ... قال لي شريك كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وذلك دين القيمة] وليزدادو إيمانا مع إيمانهم، وزعم أبو حنيفة أن الإيمان يزيد ولا ينقص وزعم أن الصلاة ليست من دين الله).
أقول: يرى أبو حنيفة أن العمل ليس بركن أصلي من الإيمان بحيث إذا أخل المؤمن بعمل يزول
الجزء 1 · صفحة 58
منه الإيمان، كما يرىن الإيمان هو العقد الجازم بحيث لا يحتمل النقيض ومثل هذا الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وبه نطق حديث (الإيمان أن تؤمن بالله ... الحديث، أخرجه مسلم.
و على قول أبي حنيفة جمهور أهل الحق، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك ومعروف أن شريكا كان له لسان ذلق لا وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرق بين مدلولي الدين والإيمان، ولا يهتدي إلى وجه الجمع بين الظواهر واخذه الله، المتضاربة في ذلك، وتابع الخوارج أو المعتزلة من حيث لا يعلم!
20 وقال في ص (373 و376):
حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: سمعت أبا إسحق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد قال إبليس يا رب وقال أبو بكر الصديق: يا رب ... ).
أقول: الدارمي ومحبوب سبق ذكرهما في ص (16، 17).
و الفزاري كان لسانه في أبي حنيفة ويعاديه من جهة أنه كان أفتى أخاه على مؤازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور، فقتل في الحرب، فأطلق الفزاري لسانه بجهل عظيم على شيخه الإمام الأعظم، كما في تقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وما كان ليستطيع أن يسامح في تلك الفتيا أبا حنيفة الذي له يد بيضاء في تكوينه العلمي! وحاشا لمثل أبي حنيفة أن ينطق بمثل هذا القول السخيف!
و حكم شهادة العدو وروايته في مذهب الشافعي الذين يدين به الخطيب معروف، فوجود الفزاري في منتهى السند كاف وحده في رد هذا الخبر، فكيف مع وجود الدارمي ومحبوب المخالفين له في العقيدة.
و عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري هذا يقول ابن سعد في الطبقات الكبرى كان كثير الغلط في حديثه، ويقول ابن قتيبة في (المعارف): إنه كان كثير الغلط في حديثه، ومثله في (فهرست) محمد بن إسحاق النديم (¬1) ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض
¬
(¬1) ومن غريب ما صنع ابن حجر في لسان الميزان طعنه في محمد بن إسحاق النديم، من حيث إنه تكلم في الفزاري، مع أن كلامه فيه في ص (135) هو: أنه كثير الخطأ في حديثه، وهذا ما قال ابن سعد فيه، كما أقر بذلك ابن حجر نفسه في تهذيب التهذيب)، وهو أيضا عين ما قاله ابن قتيبة فيه كما نقلناه، فما ذنب صاحب الفهرست أن قالا ما قالاه فيه؟. ز.
الجزء 1 · صفحة 59
من الرواة موزورا لا مأجورا، مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته.
و ليس هو صاحب الإصطرلاب (¬1) و إن توهم ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب)، من مجرد اشتراكهما النسبة مع بعد ما بين عصريهما وصناعتيهما، وأين الزاحف على الأرض ممن يجول بعلمه في السماء؟!. ولعل ابن حجر لما رأى صاحب الفهرست) يذكر الفزاري في ص (381) تحت عنوان (طبقة أخرى وهم المحدثون، قرأ اللفظ من التحديث، فجعل ابن حجر هذا الفزاري محدثا فيلسوفا من حيث إن الفزاري الذي يعلمه هو هذا، أنه الحداثة يريد من قرب عهدهم من زمن صاحب (الفهرست).
و بعد أن قال ابن النديم وهو أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب الفزاري نصا لا عذر لابن حجر أصلا في هذا الوهم، لأن أبا الفيلسوف حبيب، وأبا المحدث محمد والمحدث من رجال القرن الثاني والفيلسوف من رجال القرن الرابع من المحدثين الذين قرب عهدهم بزمن ابن النديم، لا من القدماء.
و في سند الخبر الذي بعده ابن درستويه الدراهمي وأنت عرفت حاله فلا يثبت بخبر في سنده الفزاري، وأبو صالح، وابن درستويه، عزو القول بأن إيمان آدم وإبليس واحد إلى أبي حنيفة، نعوذ بالله الخذلان.
21 وقال في ص (373 و377):
(حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري لفظا بحلوان، أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن موسى السهمي بجرجان، حدثنا أبو شافع معبد بن جمعة الروياني، حدثنا أحمد بن هشام بن طويل، قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما، فقال أبو حنيفة: لو بلت جالسا؟ قال فنظر في وجهه وقال: ألا تمر يا مرجئ؟ قال له أبو حنيفة: هذا جزائي منك؟ حيث صيرت إيمانك كإيمان جبريل).
أقول: صيغة القاسم بن عثمان الرحال صيغة انقطاع وعنه يقول العقيلي: لا يتابع حديثه ومعبد بن جمعة كذبه أبو زرعة الكشي.
¬
(¬1) آلة رصد لمعرفة ارتفاع الأجرام السماوية كلمة يونانية الأصل بمعنى ميزان الشمس. ز.
الجزء 1 · صفحة 60
و في السند رجال مجاهيل هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب!!
و الذي أخرجه الحافظ أبو بشر الدولابي، عن إبراهيم بن جنيد عن داود بن أمية المروزي، قال: سمعت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد يقول: جاء رجل إلى أبي حنيفة وهو سكران فقال له يا مرجئ فقال له أبو حنيفة: (لولا أني أثبت لمثلك الإيمان ما نسبتني إلى الإرجاء ولولا أن الإرجاء بدعة ما باليت أن أنسب إليه) ا هـ. رواه ابن أبي العوام عن الدولابي بهذا اللفظ، وأين هذا من ذاك؟
على أن الظاهر أن أحد خصومه من الخوارج، بعث هذا السكران إليه للنكاية به، والسكران الفاقد العقل في الحقيقة هو الباعث دون المبعوث والواقع أن كثيرا من أذيال الحشوية والخوارج يرمون أبا حنيفة بالإرجاء، لكونه لا يعد العمل ركنا أصليا من الإيمان، ولا يرى الاستثناء فيه، حتى اصطنعوا حكايات في حقه تدل على مبلغ تدهور مصطنعيها في هوة الجهل.
و لم يزل الخوارج وأذيالهم يرمون أهل الحق بالإرجاء من قديم الدهر إفكا وزورا ولا غضاضة على أبي حنيفة من ذلك.
و قد قال ابن أبي العوام: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي، قال حدثنا عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة، قال أبأنا بشار بن قيراط (¬1)، عن أبي حنيفة أنه قال: دخلت أنا وعلقمة بن مرثد على عطاء بن أبي رباح، فقلنا له: يا أبا محمد إن ببلادنا قوما يكرهون أن يقولون إنا مؤمنون).
قال عطاء: ولم ذاك؟ فقلنا يقولون: إن قلنا نحن مؤمنون، قلنا نحن من أهل الجنة، فقال عطاء: فليقولوا نحن مؤمنون، ولا يقولوا نحن من أهل الجنة فإنه ليس من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا لله عز وجل عليه الحجة، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
ثم قال عطاء يا، علقمة إن أصحابك كانوا يسمون أهل الجماعة، حتى كان نافع بن الأزرق فهو الذي سماهم المرجئة.
و قال القاسم بن غسان المروزي: قال أبي وإنما سماهم المرجئة فيما بلغنا أنه كان كلم رجلا من أهل السنة، فقال له: أين تنزل الكفار في الآخرة؟ قال: النار. قال: فأين تنزل المؤمنين؟ قال: المؤمنون على
¬
(¬1) مرضي مقبول عند الحنفية بنيسابور، كما قال الخليلي في (الإرشاد)، وإن طال لسان أبي زرعة فيه لكونه من أهل الرأي. ز.
الجزء 1 · صفحة 61
ضربين: مؤمن بر تقي، فهو في الجنة، ومؤمن فاجر، ردئ فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه بذنوبه وإن شاء غفر له بإيمانه. قال: فأين تنزله؟ قال لا أنزله ولكني أرجئ أمره إلى الله عز وجل، قال فأنت مرجئ ا هـ.
و حيث كان أبو حنيفة وأصحابه لا يرون تخليد المؤمن العاصي في النار، رماهم خصومهم بالإرجاء، وأعلنوا عن أنفسهم أنهم منحازون إلى الخوارج - في المعنى - وهكذا حاولوا ذم أبي حنيفة فمدحوه.
22 وقال في ص (373 و377):
أخبرني الخلال، حدثنا علي بن محمد المشتري، حدثنا محمد بن جعفر الأدمي، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا طاهر بن محمد، حدثنا وكيع، قال:
اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة قال: فأتاهم فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه، ونكح أمه، وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن. فقال له ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبدا. وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبدا وقال له شريك لو لي من الأمر شئ لضربت عنقك، وقال لخ الحسن بن صالح وجهي من وجهك، حرام إني لا أنظر إلى وجهك أبدا.
أقول: علي بن عمر بن محمد المشتري، لم أر من وثقه.
و محمد بن جعفر الأدمي هو: أبو بكر صاحب الألحان، فقد قال عنه محمد بن أبي الفوارس، كان قد خلط فيما حدث.
و أنا أحمد بن عبيد بن ناصح شيخه، فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان) وقال الخطيب في 2: 260 قال ابن عدي: يحدث بمناكير، وقال أبو أحمد (الحاكم الكبير) لا يتابع في جل حديثه.
و طاهر بن محمد مجهول.
و وكيع من أبر أصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة ولم تصح عنه كلمة سوء، وإن قوله بعض السفهاء ما لم يقله.
و في تاريخ ابن معين رواية الدوري - وهو محفوظ بظاهرية دمشق - إنه كان يفتي برأي أبي حنيفة
الجزء 1 · صفحة 62
كما يأتي تفصيل ذلك، ومثله في (طبقات الحفاظ للذهبي، رغم ذلك المتحف المتقول في أوئل شرحه على جامع الترمذي المسمى بتحفة الأحوذي بما شاء.
و تصور قاتل لأبيه، شارب للخمر في جمجمة رأسه، ناكح لأمه لا يقع من هؤلاء العلماء السادة.
و سير هؤلاء معلومة لا يتكلمون فيما لم يقع، ولا يتباذؤن في الكلام هذا التباذؤ، وإن كان بين بعضهم وبين أبي حنيفة بعض جفاء، مما لا يخلو الأقران منه، وإنما يستبيح هذه الفرية الشنيعة من حرمه الله التقوى من المتعصبين، وهذا أيضا في عداد المحفوظ عند الخطيب!!
ثم إن المؤمن لا يخرج من الإيمان مهما كبر ذنبه إلا بطروء خلل في عقيدته عند أهل الحق، فتلك الحكاية المصطنعة، تظهر هؤلاء الأئمة بمظهر أنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان، فتسئ إليهم دون أبي حنيفة.
23 وقال في ص (374) و (379):
(أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب (ح)، وأخبرنا ابن الفضل أيضا، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى، البربري، حدثنا ابن الغلابي، عن سليمان بن حرب قال:
حدثنا حماد بن زيد قال جلست إلى أبي حنيفة، فذكر سعيد بن جبير فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة، من حدثك؟ قال: سالم الأفطس. قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئا، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق فقال: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه قال حماد وكان طلق يرى الإرجاء، قال: فقال رجل لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة ما كان رأي طلق؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم قال: ويحك كان يرى القدر – واللفظ لحديث ابن الغلابي).
أقول: وقع في الطبعات الثلاث المعدل، وهو مصحف من القدر، وتصويبه من الجواهر المضيئة) لعبد القادر القرشي.
و في سند الخبر: عبد الله بن جعفر الدراهمي.
و أحمد بن كامل القاضي وفيه يقول الدارقطني: أهلكه العجب، كان متساهلا في الرواية، ربما حدث الرواية، ربما حدث من حفظه بما ليس عنده، كما رواه الخطيب.
الجزء 1 · صفحة 63
و أما محمد بن موسى البربري، فقد قال عنه الدارقطني: إنه لم يكن بالقوي، ولم يكن يحفظ غير حديثين، أحدهما موضوع عند الأكثرين.
و ابن الغلابي هو: المفضل بن غسان صاحب (التاريخ).
و لفظ ابن أبي العوام حدثني أبو بكر محمد بن جعفر الإمام، قال حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان الحمال، قال حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد قال جلست إلى أبي حنيفة بمكة فقلت له: حدثنا أيوب، قال: رآني سعيد بن جبير قد جلست إلى طلق بن حبيب، فقال لي: ألم أرك جلست إلى، طلق لا تجالسه. قال أبو حنيفة كان طلق يرى القدر اهـ.
و الفرق بين الروايتين كما ترى.
و الحمال من رجال مسلم وأين هذا السند من سند فيه ابن درستويه أو ابن كامل والبربري وأمثالهم؟
و أما سالم الأفطس فتابعي مشهور، أخرج له الترمذي، وأبو داود والنسائي ووثقه غير واحد، وإنما نسب إلى الإرجاء بالمعنى الذي قال به جمهور أهل الحق.
و طلق بن حبيب بصري من أصحاب ابن عباس ومن رجال مسلم والأربعة.
و الإرجاء الذي يقول به بالمعنى الذي قال به جمهور أهل الحق، وقد أحسن أبو حنيفة صنعا في ترويه في نسبته إلى شئ من البدع الممقوتة على تقدير صحة هذه المحادثة لأن الواجب على مثله في مثله عدم التسرع. ولما اضطر إلى الجواب بتكرير السؤال، أجاب أنه بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة.
فيكون هذا هو السبب لقول سعيد بن جبير السابق لا الإرجاء الذي كان يقول به فإنه رأى مشترك بينهم، وأبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير، لأنه من أهل الكوفة، وقد أدركه بخلاف حماد بن زيد، لأنه بصري متأخر. والإرجاء بالمعنى الذي هم يقولون به، هو محض السنة، ومن عادى ذلك لا بد من أن يقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة! شاعرا أو غير شاعر.
و ذلك أنه كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى أن الإيمان هو العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج
الجزء 1 · صفحة 64
الشرع، قال الله تعالى: [و لما يدخل الإيمان في قلوبكم]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره أخرجه مسلم عن ابن عمر وعليه جمهور أهل السنة.
و هؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد، أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتما إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة، لأن الإخلال يعمل من الأعمال - وهو ركن الإيمان -، يكون إخلالا بالإيمان، فيكون – من أخل بعمل خارجا من الإيمان إما داخلا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منزلة بين المنزلتين الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة.
و هم من أشد الناس تبرؤا من هذين الفريقين فإذا تبرؤوا أيضا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم متهافتا غير مفهوم.
و أما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ (¬1)، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدونه ركنا أصليا ونتيجة ذلك كما ترى!
و من الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث، يتبجح قائلا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص (¬2)، مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه، وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد.
المسألة، على ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين فماذا بعد ظهور الحجة ووضوح من يرى إرجاء العمل من أن يكون ركنا أصليا للإيمان وعليه الكتاب والسنة وجمهور وجمهور الصحابة، وجميع علماء أهل السنة الذين يستنكرون قول الفريقين الخوارج والمعتزلة، فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة.
¬
(¬1) تنابزوا: تعايروا بالألقاب وتنابذوا اختلفوا وتفرقوا عن عداوة. ز.
(¬2) قال الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) 2: 194 عند ذكر مراتب مشايخه الذين كتب عنهم وحدث عنهم)، بعد ان ذكر قوله المذكور قبل وقال أيضا: لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل)، ز.
الجزء 1 · صفحة 65
و أما الإرجاء الذي يعد بدعة فهو قول من يقول: (لا تضر مع الإيمان (معصية وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة، للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى.
-24 وقال في ص (374) و (380)
أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب بأصبهان، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، قال حدثنا سلامة بن محمود القيسي بعسقلان، حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال: سمعت أبا مسهر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة).
أقول: لا أستبعد أن يصح هذا الكلام من أبي مسهر، وهو كان في عداد النقلة الذين لا يظهر لهم خطورة قولهم في المسألة، وقد ذكرنا (¬1) ما هو الإرجاء الذي كان أبو حنيفة ينسب إليه ويقول به، وهذا مدح لا قدح فيه، وإن كان القائل يريد القدح.
و أبو بكر بن المقرئ في سنده، هو الحافظ الثقة محمد بن إبراهيم الأصبهاني صاحب (المعجم الكبير)، سجل فيه ما سمعه من المشايخ في البلاد في رحلاته الواسعة من غير أن يضمن صحة رواياتهم، كما هو طريق غالب أصحاب المعاجم، وهو مؤلف (مسند أبي حنيفة المروي في إثبات المشايخ، وهو من أحسن ما ألف في مسانيد النعمان، اقتصر فيه الأحاديث المسندة ووهم من قال في التعليق إنه محمد بن الحسن النقاش الكذاب المشهور وهما فاحشا.
و شيخه سلامة بن محمود القيسي من الزهاد المستثنين في كل شئ إلا) في مثل هذا من أتباع الفريابي المعروف بعسقلان.
و قد سئمنا الكلام في الإرجاء، فمن يريد أن يعلم ما كان أبو حنيفة عليه في هذه المسألة، على وجه أوسع، فليراجع (رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي)، وكتاب العالم والمتعلم رواية أبي مقاتل عن أبي حنيفة، وفيهما البسط الوافي في هذه المسألة على لسان أبي حنيفة وهما من محفوظات دار الكتب المصرية.
¬
(¬1) في التعقيب على الخبر ص 89. ز.
الجزء 1 · صفحة 66
25 وقال في ص (374 و380):
أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه، قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء).
أقول: يريد أنه داعية إلى بدعة، ولا تقبل رواية المبتدع إذا كان داعية، لكن الإرجاء الذي يدعو إليه مثل أبي حنيفة، إنما يكون إرجاء السنة لا إرجاء البدعة، وقد سبق شرحهما (¬1).
هذا على تقدير ثبوت الخبر، مع أن الخبر في سنده النعالي وهو ابن دوما المزور، وقال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه فكيف تكون رواية مثله في عداد المحفوظ عن النقلة؟ هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب
وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهداد فيه ابن رزق والحضرمي، ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب، ولا مانع من أن يكون أبو حنيفة داعيا إلى الإرجاء بالمعنى الذي سبق.
26 وقال في ص (375 و380):
(أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا عبدة، قال: سمعت ابن المبارك - وذكر أبا حنيفة - فقال رجل: هل كان فيه من الهوى شي؟ قال: نعم، الإرجاء.
و قال يعقوب حدثنا أبو جزى عمرو بن سعيد بن سالم، قال سمعت جدي، قال: قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئا؟ قال: نعم. قلت أكان جهميا؟ قال: نعم. فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرسا، فما كان من قوله حسنا، قبلناه وما كان قبيحا تركناه
أقول: عبد الله بن جعفر هو ابن درستويه، الذي كان مستعدا لأن يكذب عندما يدفع له بعض دراهم، وقد سبق ذكره مرات.
¬
(¬1) في الخبر 23 ص 89 - 91. ز.
الجزء 1 · صفحة 67
و أحمد بن الخليل هو البغدادي المعروف بجور، توفي سنة ستين ومئتين قال الدارقطني: ضعيف لا يحتج به، وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب وقول الخطيب في الخبر الثاني وقال يعقوب يريد بالسند السابق إليه وفيه عبد الله بن جعفر الدراهمي، وإلا فبين الخطيب وبين يعقوب مفازة.
ثم شيخ يعقوب في الأصل المطبوع: أبو جزى عمرو بن سعيد بن سالم، فهو خطأ حتما في أوله، لأن الذي سأل أبا يوسف هو سعيد كما في السند الذي يلي هذا السند وسيأتي في ص (375) وفي ص (399)، فلا يتأتى أن يكون سعيد جدا إلا بسقوط (ابن) من بين أبي جزى وعمرو ويدل على ذلك ثبوته في الطبعة الهندية وفي النسخة الخطية بدار الكتب المصري, وبعدما أحطنا علما بذلك، فلننظر من هو سعيد بن سالم هذا؟.
فإن كان القداح أحد أصحاب أبي يوسف وناشر فقه أهل العراق بمكة، وأحد شيوخ الشافعي، فليس له ابن يسمى عمرا وإنما له ابنان علي وعثمان وبالثاني كني.
و إن كان الباهلي، فليس هو بسعيد بن سالم، بل هو سعيد بن سلم، عامل أرمينية في عهد الرشيد، وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك، من سوء تصريف هذا العامل شئون الحكم وابتعاده في الحكم عن الحكمة والسداد، كما في (تاريخ) ابن جرير وغيره وليس هو ممن يقبل له قول في مثل هذه المسائل.
على أنه لا يعرف له ابن يسمى عمرا ولا ابن ابنِ يكنى أبا جزى وإنما له ابن يسمى محمدا، تركه أبو حاتم لاضطرابه في رواياته، كما في (تعجيل المنفعة)، ويمكن أن يتصحف محمد إلى عمر، كما لا يخفى على من مارس الخطوط القديمة، بل يقع هذا بكثرة في الكتب، فيعلم من ذلك أن في السند بعد يعقوب مجاهيل.
و من الوقاحة البالغة اختلاق مثل هذه الفرية، على لسان أبي يوسف الذي هو من أخص تلاميذ أبي حنيفة وأرعاهم لجانبه حيا وميتا فحاشاه أن يفتري عليه مثل هذا الافتراء، وهو من أبعد خلق الله عن نحلة جهم بن صفوان في الجبر ونفي الصفات وما إلى ذلك من المخازي المعروفة.
27 وقال في ص (375 و381):
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير المقرئ أخبرنا عثمان بن أحمد بن سمعان الرزاز، حدثنا هيثم بن خلف الدوري، حدثنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه قال: كنت مع أمير المؤمنين –
الجزء 1 · صفحة 68
موسي – بجرجان، ومعنا أبو يوسف، فسألنه عن أبي حنيفة فقال وما تصنع به؟ وقد مات جهميا).
أقول: في سنده هيثم بن خلف الدوري ويروي الإسماعيلي عنه في (صحيحه) إصراره على خطأ، وفي الاحتجاج برواية مثله وقفة.
و محمد بن سعيد هو: ابن سلم الباهلي، وقد قال ابن حجر عنه في (تعجيل المنفعة): منكر الحديث، مضطربه، وقد تركه أبو حاتم ووهاه أبو زرعة فقال: ليس هو بشئ ا هـ.
و إلى الله نشكو من هؤلاء الرواة الذي لا يخافون الله في اختلاق الشئ وضده!!، وهنا يجعلون أبا يوسف يعير شيخه بالتهجم وفي ترجمة أبي يوسف تراهم يرمونه نفسه بمذهب جهم، كما تجد ذلك في ترجمته عند العقيلي، وسننقل ذلك إن شاء الله تعالى (¬1)
و هذه الأخلوقة في غاية السقوط، لمخالفتها لما استفاض عن أبي حنيفة من استنكاره البالغ لنحلة جهم بن صفوان، ولما تواتر عن أبي يوسف من أنه كان من أعرف الناس بجميل أبي حنيفة وأبرهم له في حياته وبعد وفاته، وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب!!؟.
و على فرض ثبوته يكون أبو يوسف أراد التنكيت على السائل والتعريض به حيث كان يرى السائل أبا حنيفة جهميا، فيستنكر أبو يوسف سؤاله عنه مع اعتقاده فيه ذلك.
28 وقال في ص (375 و381):
(أخبرنا محمد بن إسماعيل البجلي، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الطويل النيسابوري، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا ابن سختويه ابن مازيار حدثنا علي بن عثمان قال سمعت زنبورا يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: قدمت علينا امرأة جهم بن صفوان فأدبت نساءنا).
أقول: وكفى في رد هذا الخبر أن يكون في سنده زنبور، وهو محمد بن يعلى السلمي، وقد قال البخاري عنه:
¬
(¬1) في أواخر الكتاب هذا. ز.
الجزء 1 · صفحة 69
ذاهب الحديث والنسائي: ليس بثقة وأبو حاتم متروك وأحمد بن سنان: كان جهميا.
و من المقرر عند أهل النقد: أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته فكلامه في تأييد مذهب جهم كما هنا لا يقبل منه، على أنه مات سنة اثنتين ومئتين فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية.
ففي الخبر: انقطاع ومتروك الحديث، ومجاهيل:
لأن علي بن عثمان لا يكون النفيلي، لأنه متاخر الوفاة، فلا يدرك زنبورا.
و ابن سختويه بن، مازيار ليس بمحمد بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته ولا هو إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري، لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال، بدهر ولا هو أحد أجداد المزكى لأن جد هذا البيت سختويه بن عبد الله، لا سختويه بن مازيار كما هنا، وعلى فرض أنه أقيم عبد الله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة.
و أما قول أبي عبد الله الجعفي في تاريخه الصغير): سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: (قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا، فأدبت نساءنا)، فليس أحسن حالا من سابقه بالنظر إلى تأخر طبقة إسماعيل بن عرعرة، فبينه وبين أبي حنيفة انقطاع.
و إسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة، لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها، حتى البخاري لم يذكره في (تاريخه الكبير)، مع أنه روى عنه هذا الخبر المقطوع. نعم له ذكر في (كتاب السنة) لعبد الله بن احمد (¬1)
(27، 154)، بما يدل على أنه بصري معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري وليس في هذا أدنى غناء بعد أن علم أنه لم ير أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا.
و أما ما رواه الحميدي من قصة الحلاق فمنقطع أيضا، حيث تأخر زمن الحميدي عن زمن أبي حنيفة.
¬
(¬1) السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل طبع. ز.
الجزء 1 · صفحة 70
أما ما رواه عن سفيان بن عيينة بطريق نعيم بن حماد، فكفى في رده وجود نعيم في سنده، وأقل ما يقال فيه: إنه صاحب مناكير، متهم بوضع مثالب في أبي حنيفة.
و أما قوله في تاريخه الكبير كان مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، فبيان لسبب إعراض من أعرض عنه، على أن إرجاءه هو محض السنة رغم تقولات جهلة النقلة وخلافه انحياز إلى الخوارج كما تجد شرح ذلك في هذا الكتاب أوضح شرح (¬1)، فالمعرض، عنه إما خارجي يزكي مثل عمران بن حطان وحريز بن عثمان، أو معتزلي قائل بالمنزلة بين المنزلتين.
و ادعاء السكوت عنه، إنما يصح أن أراد به سكوت بعض أغمار النقلة وليس ذلك بضائره، بعد ان طبق فقهه مشارق الأرض ومغاربها بحيث لو محيت كتبه وكتب أصحابه من الوجود لعاشت مسائله في كتب مخالفيه من طوائف الفقهاء مدى الدهر - كما هي – رغم حاسديه.
و لو كان مراده غير ذلك، لكان سالكا طريق المجازفة، متناسيا نشأته في حلقة أبي حفص الكبير البخاري، وكان ما لقي من أهل نيسابور وبخارة عقوبة معنوية له، سامحه الله.
و ما في (تاريخه الأوسط) أيضا فمن هذا القبيل، في البعد عن السبيل.
و من الغريب أن للانقطاع وعدم الضبط، وتهمة الكذب وجهالة العين وجهالة الوصل، والبدعة أحكامها في رد الخبر عند النقلة، إلا إذا كان الخبر في مثالب أبي حنيفة، الذي اتخذه شطر هذه الأمة بل ثلثاها إماما في دين على توالي القرون، رغم تقول الجهلة الأغمار، فهناك فقط تقبل الأخبار كلها على علاتها نسأل الله سبحانه أن يبعدنا عن متابعة الهوى.
و لو فرضنا أن امرأة جهم كانت أدبت نساء الكوفة، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والمهم إثبات أنها كانت تعلم نساء الكوفة نحلة جهم، ويتقبل أبو حنيفة قبول أهل بيته لتلك النحلة منها، وأنى لهم ذلك؟
و هنا رواية في (الأسماء والصفات للبيهقي، وهي ما ذكره فى ص (428)، حيث قال:
¬
(¬1) تقدم في تعقيب الخبر 23 ص 89 – 91. ز.
الجزء 1 · صفحة 71
(أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد بن حيان، أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، حدثنا يحيى بن يعلى، قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول:
كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم، إذ جاءته امرأة من، ترمذ كانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ها هنا رجلا قد نظر في المعقول، يقال له: أبو حنيفة، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك وأين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم
مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها، وقد وضع كتابا بأن الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض. فقال له رجل: أرأيت قول الله عز وجل [و هو معكم]، قال هو كما تكتب إلى الرجل (إني معك وأنت غائب عنه.
قلت (¬1): لقد أصاب أبو حنيفة رضي الله عنه فما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله إن الله عز وجل في السماء ومراده من ذلك والله أعلم إن صحت الحكاية عنه: ما ذكرنا في معنى قوله [أأمنتم من في السماء] ا هـ.
أي من حمل (في) على معنى (على)، بمعنى علوه على الخلق بالقهر والتدبير بتنزيهه عن الممازجة للخلق، وعن البعد عنه بالمسافة تعالى الله عن صفات المخلوقين، كما شرحت ذلك في مواضع مما علقت على (الأسماء والصفات).
لكن أبا حنيفة في غنية عن الدفاع عنه على طريقة دفاع البيهقي هذا وقد برأه الله تعالى من نحلة جهم، ومن نحلة التجسيم في آن واحد، بل كان الواجب على البيهقي تكذيب الخبر والابتعاد عن الإغراق في التأويل، وفي سنده، غير واحد من الأظناء.
و أبو محمد بن حيان، هو أبو الشيخ صاحب كتاب العظمة) وكتاب (السنة)، وفيهما من الأخبار التالفة ما لا آخر له وقد ضعفه بليده الحافظ العسال بحق.
و نعيم بن حماد، معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل،
¬
(¬1) والقائل هو البيهقي. ز.
الجزء 1 · صفحة 72
وذكره غير واحد من کبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة، بل القائلين باللحم والدم، وكان هو ربيب ابن أبي مريم، وكلام أهل الجرح فيه معلوم، وهو أيضا كان ربيب مقاتل بن سليمان شيخ المجسمة.
و لعل البيهقي يشير إلى ذلك بقوله: إن صحت الحكاية، لكن إشارة غير شافية وشواهد الحال تكذبها حيث تواتر أن أبا حنيفة كان يكفر من زعم في الله أنه متمكن بمكان راجع إشارات المرام للعلامة البياضي، وهي من محفوظات دار الكتب المصرية.
و ما يعزى من الحكاية إلى ابن أبي مريم إن فرض وقوعه في أواخر عهد الأموية، فلم يكن ابن أبي مريم إذ ذاك قد رحل إلى العراق بعد، وإن فرض كون ذلك في عهد العباسية، فأمر جهم كان قد فرغ منه ولم يبق له باقية، ولا سيما أنه لو فرض وقوع مثل هذه الدعوة، من امرأة تلتف حولها عشرة آلاف نسمة لكان لهذا النبأ ذكر عظيم واسع كتب الأنباء، مع أنه لا ذكر لهذا النبأ أصلا في كتب التاريخ، التي بأيدينا وأيدي جمهور العلماء من مخطوط وفي مطبوع.
و الكذب ظاهر في هذا الخبر من كل ناحية، وقد علقت على هذا الموضوع من كتاب (الأسماء والصفات) بنحو مما تقدم، وهكذا ترى المدافع منهم يدافع على دخل والخصوم الصرحاء يفترون جهارا.
29 وقال في ص (375 و381):
(أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعالي سقط كل هذا من الطبعة الثانية، والصواب ما في الأولى كما ذكرنا)، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم الختلي، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثني: أبو الأخنس الكناني، قال: رأيت أبا حنيفة – أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة - آخذا بزمام بعير مولاه للجهم، قدمت (من) خراسان يقود جملها بظهر الكوفة.
أقول: الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه. وفي سند الخبر ابن دوما المزور السابق ذكره (¬1)، ويغنينا عن هذا الكلام في باقي رجاله.
فمن الوقاحة البالغة سوق مثل هذا الخبر الظاهر الاختلاف بدون تفنيده، وهذا مظهر من مظاهر
¬
(¬1) في الخبر رقم 25 ص 93. ز.
الجزء 1 · صفحة 73
إفكهم في جانب الملة، والله حسيبهم وسقط (من) في الطبعات الثلاث، والصواب إثباتها.
30 وقال في ص (376 و382):
(أخبرنا الخلال أخبرنا، الحريري أن علي بن محمد النخعي حدثهم، قال حدثنا محمد بن الحسن بن مكرم، حدثنا بشر بن الوليد، قال سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة، وربما قال والمقاتلية وقال النخعي حدثنا محمد بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، عن أبيه سمعت أبا حنيفة يقول: جهم بن صفوان كافر).
أقول: ولفظ عبد الله بن أحمد في (السنة) حدثني أبو جعفر محمد بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب، سمعت والهيثم بن خارجة يقولان: سمعنا أبا يوسف القاضي يقول: بخراسان صنفان ما على وجه الأرض شر منهما: الجهمية والمقاتلية ا هـ.
فيظهر من هذا أن كلام أبي يوسف فيهما أشد، ويظهر من الخبرين أن أبا حنيفة وأبا يوسف بريئان من التهجم والتشبيه، رغم كل مختلق كذاب!
ولفظ ابن أبي العوام حدثني محمد بن أحمد بن حماد، حدثني أحمد بن القاسم البرتي، حدثنا أبو حفص المروزي، حدثنا بشر بن يحيى عن النضر بن محمد، قال أبو حنيفة: كان جهم ومقاتل فاسقين، أفرط هذا في التشبيه، وهذا في النفي.
و عن أبي حنيفة روايات من هذا القبيل في استنكار ما عليه الجهمية والمقاتلية أفلا يكون رمي مثله بالتهجم رمي المرء بضد ما هو عليه؟!!
31 وقال في ص (376 و372):
و ليس عندنا شك في أن أبا حنيفة يخالف المعتزلة في الوعيد، لأنه مرجئ، وفي خلق الأفعال، لأنه كان يثبت القدر، أخبرنا ابن رزق، أخبرنا ابن سلم، أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أبو يحيى بن المقرئ، قال سمعت أبي يقول: رأيت رجلا أحمر كأنه من رجال الشام، سأل أبا حنيفة فقال رجل لزم غريما له فحلف له بالطلاق أن يعطيه حقه غدا
إلا أن يحول بينه وبينه قضاء الله عز وجل، فلما كان من الغد جلس على الزنا وشرب الخمر؟ قال ولم يحنث ولم تطلق منه امرأته).
الجزء 1 · صفحة 74
أقول: إن أبا حنيفة من القائلين بأن الإيمان لا تضر معه معصية، حتى يكون من المرجئة الضالة، وقد سبق من أبي الوليد الباجي، ما تواتر عن أبي حنيفة من تناهيه في العبادة، فكيف استساغ الخطيب أن يجزم في أول كلامه (بأنه مرجئ؟
و لعل الخطيب كان ممن يقول: إن العمل ركن أصلي من الإيمان إذن فماذا كان يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق؟ أو حين اجترح هذه الافتراءات على أبي حنيفة؟!
و أبو حنيفة لم يعد العمل ركنا أصليا من الإيمان، أراد الرد على من يزعم أن من أخل بعمل يكون خالدا مخلدا في النار، لخروجه بذلك من الإيمان وأرجأ أمر المؤمن العاصي إلى الله سبحانه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لهه، وبهذا يلقب الخوارج وأذنابهم أبا حنيفة بالإرجاء، والله حسيبهم.
و أما ما ساقه الخطيب في صدد تظاهره بإثبات أن أبا حنيفة كان يثبت القدر، فأبو حنيفة في غنية عن مثله من الخبار البشعة – الموهمة عذر المذنب عنده بكون الذنب مقضيا به عليه – في إثبات أنه كان يرد على القدرية.
و الخطيب له هوى في تشويه جميع ما يتعلق بأبي حنيفة في كل حين، حتى عندما يتظاهر بمظهر الدفاع عنه، وفي (الانتقاء) لابن عبد البر باب يذكر فيه بأسانيده ما كان أبو حنيفة عليه من المعتقد السالم من البدع.
بل يقول عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة (492 هـ) في (أصول الدين) ص (308)، عند الكلام في أئمة الدين في علم الكلام وأول متكلميهم من الفقهاء وأرباب المذاهب أبو حنيفة ... فإن أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سماه الفقه الأكبر) وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنة: إن الاستطاعة مع الفعل .....
و من المشهور بين أهل العلم أن أبا حنيفة ذهب إلى البصرة ما يزيد على عشرين مرة، لمناظرة القدرية وغيرهم من فرق الزيغ هناك، قبل انصرافه إلى الفقه وكأن الخطيب لم يجد ما يثبت به أن أبا حنيفة كان يرد على القدرية، غير تلك الحكاية البشعة التي في سندها ابن رزق وابن سلم والأبار! نسأل الله السلامة.
32 وقال في ص 377 و383):
الجزء 1 · صفحة 75
أخبرنا القاضي أبو جعفر السمناني .....
أقول: من هنا إلى آخر الترجمة نحو عشرين ورقة، انفردت به نسخة دار الكتب المصرية، المحفوظة تحت رقم (60)
من هذا المجلد، وهي نسخة غير مسموعة ولا مقروءة، وفيها من التصحيفات ما الله به عليم، ويجد القارئ الكريم نماذج من ذلك في الطبعة الهندية لأنها على طبق الأصل المشوه.
و نسخة (الكبريلي) المأخوذة صورتها الشمسية، المحفوظة في دار الكتب المصرية، كانت خالية من تلك الزيادة، وكنت أوصيت لصابع الكتاب أن يكتفي بنسخة (الكبريلي)، مع الإشارة تحت الصفحة إلى (انتهاء ما في تلك النسخة، وإلى أن بالدار نسخة سقيمة فيها زيادات كلها سباب وشتائم يبرأ منها أهل العلم، فلم نطمئن إليها ول ننشرها).
لكن لم يأخذ الطابع برأيي هذا، لتوالي الإنذارات عليه من قبل جماعة من المتسلفين وقادتهم، كما سبق (¬1)، فأتم طبعه من تلك النسخة المشوهة، فقامت قيامة الأزهر، إلى أن أرغمت الحكومة الطابع إلى إعادة طبع هذا القسم من ترجمة أبي حنيفة على الوجه الذي سبق تفصيله في مدخل الردود وكان الطابع يبدي ندما عظيما على عدم أخذه برأيي ومتابعته لأصحاب الغايات.
33 وقال في ص 378 و384):
(أخبرنا: البرقاني، حدثني محمد بن العباس الخزاز، حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن عم ابن منيع، حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: أول من قال القرآن مخلوق أبو حنيفة).
أقول: لم يكفهم أن يقولوا إن أبا حنيفة قائل بخلق القرآن، حتى جعلوه أول من قال بهذا، بل اختلقوا هذه الكذبة على لسان أخص أصحابه أبي يوسف ولسان أخص أصحاب أبي يوسف الحسن بن أبي مالك، وهما كانا أرعى الناس لجانب أبي حنيفة!!.
و في سند الأخلوقة الخزاز وقد سبق في ص (44).
¬
(¬1) في أول الكتاب ص 28 - 31. ز.
الجزء 1 · صفحة 76
و إسحاق بن عبد الرحمن: لا يعلم.
وكتب النحل مجمعة على أن أول من قال بذلك القول هو الجعد بن درهم ثم جهم بن صفوان، ثم بشر بن غياث، كما يظهر من كتاب شرح السنة للالكائي الحافظ وكتاب الرد على الجهمية لابن أبي حاتموغيرهما.
34 - وقال في ص (378 و385):
(كتب إلي عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي وحدثنا عبد العزيز بن أبي طاهر عنه، قال أخبرنا أبو الميمون البجلي، حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو أخبرني محدم بن الوليد أبو هبيرة، الهاشمي الدمشقي)، قال سمعت أبا مسهر يقول، قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: (لا رحم الله أبا حنيفة فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق). أقول: ولفظ ابن عساكر في تاريخه (لا) رحم الله أبا فلان فإنه أول من زعم ان القرآن مخلوق)، ففي الخبر المسوق هنا تغيير (أبي فلان إلى أبي حنيفة ومن أين علموا أن أبا فلان في الرواية هو أبو حنيفة؟ مع تضافر الروايات على أن أول من قال بذلك الجعد بن درهم كما سبق. وتبديل كلمة بكلمة أمر هين عندهم ومناقضة ما تواتر عند أهل العلم شئ لا أهمية له في نظرهم!
و قد وفيت الكلام حقه في المسألة، فيما علقته على الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ومن جملة ما قلت هناك:
قال ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية):
سمعت أحمد بن عبد الله الشعراني يقول، سمعت سعيد بن رحمة صاحب أبي إسحاق الفزاري يقول: إنما خرج جهم سنة ثلاثين ومائة، فقال: القرآن مخلوق، فلما بلغ العلماء تعاظموه، فأجمعوا على أنه تكلم بكفر وحمل الناس ذلك عنهم.
و قال أيضا: سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومئة، ثم جهم بن صفوان، ثم من بعدهما بشر بن غياث اهـ. ولعل ذكر ثلاثين بجبر الكسر، وإلا فخروج جهم سنة بضع وعشرين كما سبق).
وقال اللالكائي في شرح السنة): ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق الجعد بن
الجزء 1 · صفحة 77
درهم في سنة نيف وعشرين ومئة. اهـ. وألقي القبض على جهم سنة 128هـ، وكان (¬1) قتله أيضا في تلك السنة، على ما يذكره ابن جرير، إلا أن اللالكائي يقول: بأن قتله كان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وفي تلك التواريخ اضطراب كما ترى.
و لم يحل قتل جهم دون ذيوع رأيه في القرآن فافتتن به أناس فشايعه مشايعون ونافره منافرون، فحصلت الحيدة عن العدل إلى إفراط وتفريط من غير معرفة كثير منهم لمغزى هذا المبتدع، أناس جاروه في نفي الكلام النفسي، وأناس قالوا في معاكسته يقدم الكلام اللفظي.
و لما رأى أبو حنيفة ذلك تدارك الأمر وأبان الحق فقال: ما قام بالله غير مخلوق، وما قام بالخلق غير مخلوق.
يريد أن كلام الله باعتبار قيامه بالله صفة له كباقي صفاته في القدم وأما ما في ألسنة التالين، وأذهان الحفاظ المصاحف من الأصوات والصور الذهنية والنقوش فمخلوقة كخلق حامليها، فاستقرت آراء أهل العلم وعلى ذلك بعده.
و لا يمكن أن يكون إجماع التابعين على رد قول جهم، إلا باعتبار تجرئة على صفة قائمة بالله غير بائنة منه، ومحال أن يكون القديم حالا في حادث، فيلزم عليهم أن يعترفوا بخلق ما قام بالخلق، ولكن أبا حنيفة كان رجلا محسودا أذاع عنه حاسدوه أنه يقول بقول جهم، وأنى يصدر عنه ذلك؟!
35 - وقال في ص (378 و385):
أخبرنا العتيقي، أخبرنا جعفر بن محمد بن علي الطاهري، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا زياد بن أيوب، حدثني الحسن بن أبي مالك - وكان من خيار عباد الله - قال: قلت لأبي يوسف القاضي: ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال: كان يقول: القرآن مخلوق، قال: قلت فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا، قال أبو القاسم: فحدثت بهذ الحديث القاضي البرتي فقال لي وأي حسن كان وأي حسن كان!! يعني الحسن بن أبي مالك. قال أبو القاسم: فقلت للبرتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال نعم المشئوم قال وجعل
¬
(¬1) ما بين القوسين سقط في الطبع مما علقت على الاختلاف في اللفظ) ص (75)، فوضعت الساقط بين قوسين هنا ليصحح ما هناك. ز.
الجزء 1 · صفحة 78
يقول: أحدث بخلقي؟
أقول: هذه كذبة متراكبة على ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك. وأحمد بن القاسم البرتي؟ وثلاثتهم من أغير أهل العلم على مذهب أبي حنيفة، وأرطبهم لسانا في الثناء على أبي حنيفة.
و لا أتهم بهذه الرواية السخيفة، سوى أبي القاسم البغوي إن كان الخطيب سمعها من العتيقي، وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد وجدت الناس أهل العلم والمشايخ مجمعين على ضعفه ا هـ.
و تجد بعد هذا الإجماع من يروي عنه وكم أوقع الرواة تطلب العلو في الرواية عن الضعفاء، والهلكي؟! ولولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنه لما كان يروي عنه أحد ممن له شأن، لظهور مبدأ أمره كما سبق.
و قد أخرج اللالكائي في شرح السنة: عن أبي الحسن بن محمد الرازي، سمعت أبا بكر محمد بن مهرويه الرازي يقول: سمعت محمد بن سعيد بن سابق يقول: سمعت أبا يوسف القاضي وقلت له تقول بخلق القرآن؟ قال: لا. كالمنكر علي، لا هو – يعني أبا حنيفة – ولا أنا.
و عن أبي يوسف، وابن مالك، والبرتي، روايات بأسانيد صحيحة، في تبرئة أبي حنيفة من القول بخلق القرآن، عند ابن أبي العوام والصيمري وغيرهما، ومن يروي بطرقهم خلاف ذلك فقد وقع على أم رأسه.
36 وقال في ص (378 و385):
(أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، حدثنا عمر بن الحسن القاضي، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا نصر بن علي، حدثنا الأصمعي، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، قال قلنا لأبي يوسف: لم لم تحدثنا عن أبي حنيفة؟ قال: ما تصنعون به؟! مات يوم مات يقول: (القرآن) (مخلوق).
أقول: في سنده عمر بن الحسن الأشناني القاضي، متكلم فيه، وقد ضعفه الدارقطني، وكذبه الحاكم وكان يساوي بين السماع والإجازة.
و عبد الملك بن قريب الأصمعي كذبه أو زيد الانصاري وذكر علي بن حمزة البصري في كتابه
الجزء 1 · صفحة 79
(التنبيهات على الأغلاط في الروايات) أشياء في أغلاطه ورماه بأمور تؤيد رأي أبي زيد الأنصاري فيه ولست أنشط هنا لنقلها عنه، وليس بقليل ما ذكره الخطيب من نوادره ومن جملة ما ذكره أن الأصمعي لما توفي سنة 215 هـ، قال أبو قلابة الجرمي في جنازته
لعن الله أعظما حملوها ... نحو دار البلى على خشبات
أعظما تبغض النبي وأهل الـ ... بيت والطيبين والطيبات
و سعيد بن سلم الباهلي قد سبق بيان حاله.
و إني أراهم لا يقلعون عن الكذب على لسان أبي يوسف على خلاف ما ثبت عنه بأسانيد صحيحة كما سبق من اللالكائي.
قال قال ابن أبي العوام الحافظ: حدثني محمد بن أحمد بن حماد، حدثني محمد بن شجاع (¬1)، قال سمعت الحسن بن أبي مالك يقول سمعت أبا يوسف يقول:
جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن وأبو حنيفة غائب في مكة، فخاض الناس في ذلك واختبطوا والله ما أحسبه إلا كان شيطانا تصور في صورة الإنس، فانتهى إلى حلقتنا فسألنا فنهى بعضنا بعضا عن الجواب في ذلك، وقلنا له شيخنا غائب وليس بحاضر ونكره أن نتقدمه حتى يكون هو المبتدئ، فانصرف عنا.
قال أبو يوسف: فلما قدم أبو حنيفة تلقيناه بالقادسية فسلمنا عليه وسألنا عن الأهل والبلد فأخبرناه، ثم قلنا له بعد أن تمكنا يا أبا حنيفة وقعت مسالة فما تقول فيها؟ فكأنه كان في قلوبنا وأنكرنا وجهه! وظن أنها مسالة مفتنة أنا قد تكلمنا فيها بشئ.
فقال: ما هي؟ قلنا كذا وكذا فأخبرناه بما سأل عنه الرجل، فسكت ساعة ثم قال لنا فما كان
¬
(¬1) عده الذهبي في سير (النبلاء من بحور العلم، وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث 224 وأما أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي فإنه كثير الحديث كثير التصنيف، رأيت عند أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القمي خازن السلطان عن أبيه، عن محمد بن شجاع كتاب (المناسك)، في نيف وستين جزءا كبارا دقاقا ا هـ. وقد توسعنا في الذب عنه في تكملة الرد على نونية ابن القيم وفي (فهرست) ابن النديم بسط ترجمته. ز.
الجزء 1 · صفحة 80
جوابكم فيها؟ قلنا: لم نتكلم فيها بشئ، وخشينا أن نتكلم بشئ تنكره فسري عنه، وأسفر وجهه، وقال جزاكم الله خيرا، جزاكم الله خيرا احفظوا وصيتي لا تتكلموا فيها بكلمة واحدة أبدا ولا تسألوا عنها أحدا أبدا انتهوا إنه كلام الله عز وجل، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم ا هـ.
و قد ذكرنا كثير من الروايات في هذا الصدد، فيما علقناه على الاختلاف في اللفظ) لابن قتيبة.
37 - وقال في ص 379 و375):
(أخبرنا محمد بن علي المقرئ أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري (الحاكم الحافظ، قال سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول سمعت مسدد بن قطن يقول: سمعت أبي يقول سمعت يحيى بن عبد الحميد يقول: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق).
(أقول: قول الراوي سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات.
و يحيى بن عبد الحميد متكلم فيه إلى أن قيل فيه: إنه كذاب.
و أبو مسدد قطن بن إبراهيم بن عيسى النيسابوري: حدث بحديث إبراهيم بن طهمان عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، في الدباغ، فطالبوه بالأصل، فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جملة، وهو متهم بسرقة حديث حفص عن محمد بن عقيل.
و قال عبد الغني: تركه النسائي وهو أسوأ حالا من قطن بن نسير الغبري البصري، الذي رماه ابن عدي بسرقة الحديث، وليس المراد هنا قطن بن نسير كما ظن ذلك الملك المعظم.
و ما وقع في كتاب الملك المعظم من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف، وكذلك ما وقع في تعليق الطبقة الثانية من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم في (قطن)، ولا شأن لابن نسير هنا، وإنما المراد هو أبو مسدد قطن بن إبراهيم كما ذكرنا ولم يكن لقطن بن نسير ابن يسمى مسددا وهذا القدر من البيان كاف في ردء هذه الأسطورة.
38 وقال في ص (379 و385):
(حدثنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصوفي، أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي، حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي، حدثنا حسين بن الأسود، حدثنا حسين بن عبد الأول، أخبرني
الجزء 1 · صفحة 81
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال هو قول أبي حنيفة القرآن مخلوق).
أقول على انقطاع الخبر في سنده الحسين بن عبد الأول، قال أبو زرعة: لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه، وقال الذهبي كذبه ابن معين وفي هذا كفاية في رد الخبر.
39 وقال في ص 379 و386)
أخبرني الخلال، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عمر بن الحسن القاضي، حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا أحمد بن يونس، قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة، قال فتكلما عنده، قال فقال أبو حنيفة: (القرآن مخلوق. قال فقال عيسى لابن أبي ليلى: أخرجوه، فإن تاب وإلا فاضربوا عنقه).
أقول: في سنده عمر بن الحسن الأشناني القاضي، ضعفه الدارقطني وكذبه الحاكم كما سبق (¬1)، ووقع في الطبعة الثانية بدل (الحسن) لفظ (الحسين) وهو خطأ.
وأحمد بن يونس إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، فلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سن تمكنه من الحضور في مثل تلك المجالس، فيكون الخبر مقطوعا وإن كان أحمد بن يونس هذا غير اليربوعي فمجهول.
ومثل هذا الخبر الخبر الذي يليه بمعناه، وفي سنده ابن رزق وشيخ مجهول يقال له: أبو محمد.
وأحمد بن يونس إن كان اليربوعي ففيه انقطاع وإن كان غيره فمجهول، فكيف يثبت هذا بأمثال هذه الأسانيد!
واما استتابة أبي حنيفة فقد توسع في بيانها ابن عبد البر في الانتقاء)، وذكرناها أيضا في (لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ فلا حاجة إلى بسطها هنا.
40 وقال في ص 379 و386):
(أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا دعلج بن أحمد، أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا سفيان بن وكيع،
¬
(¬1) في الخبر رقم 36 ص 109. ز.
الجزء 1 · صفحة 82
قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادا يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق. فقال تتوب وإلا أقدمت عليك؟ فتابعه فقال القرآن كلام الله قال فدار به في الحلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله: القرآن مخلوق فقال أبي: فقلت لأبي حنيفة: كيف صرت إلى هذا وتابعته؟ قال يا بني خفت أن يُقدم علي، فأعطيته التقية).
أقول: في سنده دعلج، والأبار، وسفيان بن وكيع.
فدعلج تاجر مثر كان عنده قفاف مملوءة ذهبا تبهر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلب ألبابهم، يتعانى الرواية، ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه وكان عنده تعصب وتغفل وكان الرواة الأظناء يبيتون عنده ويدخلون في كتبه أشياء، فيرويها بسلامة باطن.
وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يدخلون في كتبه اثنين، أحدهما علي بن الحسين الرصافي، وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ، ثم عمل محضر عليه بأحاديث أدخلها على دعلج أيضا كما ذكره الذهبي ويجعلهما ابن حجر شخصا واحدا بدون حجة.
وكان الأبار ممن يدر عليهم، دعلج فاندفع في تأييد مذهبه والنيل من أبي حنيفة وأصحابه، في (تاريخه) بتوسع ووقاحة والله حسيبه ولا يثني عليه إلا من لا يعرف دخائله أو من هو على مذهبه.
و سفيان بن وكيع كان وراقه كذابا، يدخل في كتبه ما يشاء من الأكاذيب فيرويها هو، فنبهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل، فسقط من مرتبة الاحتجاج عند النقاد.
و كان أبو حنيفة من أجهر خلق الله بالحق وأصرحهم في الحق، فلو كان من الذين يعطون التقية لما ضربه ابن هبيرة، ولا امتحنه والي الكوفة على الوجه الذي ذكره ابن عبد البر، ولا ضربه المنصور إلى أن يموت وهو محبوس. فمن ابن أبي ليلى؟ حتى يعطيه أبو حنيفة التقية فهل يتصور أن يقدم عليه فوق إقدام هؤلاء عليه؟ وليس الخبر إلا كذبا مكشوفا.
41 وقال في ص (380 و387):
(أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق، حدثنا عمر بن محمد بن عيسى أبي الحكم، يذكر عن الجوهري، حدثنا أبو بكر بن الأثرم، قال حدثني هارون بن إسحاق، قال
الجزء 1 · صفحة 83
سمعت إسماعيل بن عمر بن عبيد الطنافسي، عن أبيه، أن حماد بن أبي سليمان بعث إلى أبي حنيفة: إني برئ مما تقول إلا أن تتوب؟ قال: وكان عنده ابن أبي غنية فقال: أخبرني جار لي أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعدما استتيب). أقول: في سنده عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة، انفرد برواية ذلك الحديث الموضوع القرآن كلامي ومني خرج - راجع سنده في الميزان -.
و إسماعيل بن أبي الحكم، ليس بإسماعيل بن أبي حكيم القرشي المتوفى سنة ثلاثين ومئة، فإنه لم يدركه هارون بن إسحاق الهمداني المتوفى سنة ثمان وخمسين ومئتين فيكون إسماعيل هذا مجهولا، ولفظه مع ذلك لفظ انقطاع، كما أن صيغة عبيد الطنافسي صيغة انقطاع.
و (ابن أبي غنية وقع في الطبعة الأولى والهندية والخطيبة بلفظ ابن أبي عيينة)، وفي الطبعة الثانية المصرية بلفظ (ابن عيينة)، ولا أدري من أين عملوه ابن عيينة في الطبعة الأخيرة وهو ابن أبي غنية في كتاب الملك المعظم وهو عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي وهو من شيوخ ابن عيينة.
و لا ندري ولا الخطيب يدري من هو ذلك الجار الذي قال له، إن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعدما استتيب؟ وهذا من جهة الإسناد.
و أما من جهة المتن فإن أهل العلم اتفقوا على أن أول من قال ذلك هو الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومئة، بعد وفاة حماد بن أبي سليمان بسنين، لأنه توفي سنة عشرين ومئة أو قبلها، فكيف يتصور أن يقول أبو حنيفة ذلك في حياة شيخه هذا، فيتبرأ منه ببعث رسول إليه وهو لم يفارقه طول حياته مفارقة إبعاد أو ابتعاد كما سبق من الخطيب نفسه في (ج 13 ص 333)؟! بل هذا مما لا يكاد أن يعد من المتواتر.
فعلم من ذلك أن حماد بن أبي سليمان مات قبل حدوث فتنة خلق القرآن باتفاق، وكان أبو حنيفة أرضى أصحابه عنده، حتى كان هو الذي خلفه في العلم بالاتفاق، وكان من أشد أصحابه ملازمة له، بحيث كان يقوم بخدمات بيته إلى أن مات كما ورد بطرق، صحاح، فكيف تجري بينهما الرسالات؟ راجع ما نقلناه في في (لفت (اللحظ) عن تاريخ أصبهان لأبي الشيخ.
و هو كان برئ الساحة من القول بأن القرآن مخلوق، بمعنى الكلام القائم بالله سبحانه منذ حدوث فتنة القول بخلق القرآن إلى أن لقي ربه، فضلا عن أن يكون قال به في حياه شيخه الذي مات قبل
الجزء 1 · صفحة 84
حدوث هذه الفتنة بسنوات، كما يظهر مما يروى بأسانيد صحيحة عند ابن أبي العوام والصيمري وابن عبد البر بل الخطيب نفسه! فعلم من ذلك أن هذا الخبر مما تكذبه شواهد الحال، كما يكذبه ما في سنده من الاختلال.
42 وقال في ص (380 و387):
(أخبرنا)،الخلال أخبرنا، الحريري أن النخعي ابن) كأس)، حدثهم قال حدثنا عبد الله بن غنام، حدثنا محدم بن الصقر بن مالك بن مغول، قال سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة: إن ابن أبي ليلى ليستحل مني ما لا أستحله من بهيمة.
أقول: ولفظ ابن أبي العوام عن الدولابي، عن يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن الصقر (من سنوره) في موضع (من بهيمة)، وهو الأقعد في المعنى.
و محمد بن الصقر، هو أبو مالك محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول كما سبق، ووقع في الطبعات الثلاث بدل الصقر (الشعر)، وهو تحريف.
43 وقال في ص (380 و387):
(أخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثني عمر بن الهيصم البزاز، أخبرنا عبد الله بن سعيد بقصر ابن هبيرة، حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل بهذه الأبيات:
إني شئت المرجئين ورأيهم ... عمر بن ذر وابن قيس الماصر
و عتيبة الدباب لا نرضى به ... و أبا حنيفة شيخ سوء كافر ا هـ)
أقول: عمر بن ذر من رجال البخاري والنسائي والترمذي وأبي داود، هو وأبوه من الأتقياء العباد، كانا يأبيان أن يقولا: إن الإيمان قول وعمل لئلا يلزم إخراج الأمة من الإيمان بارتكابهم معصية وإخلالهم بطاعة، فرميهما بالإرجاء نبز بالألقاب لا يصدر إلا من قدري أو خارجي كما سبق إيضاحه ومات عمر هذا بعد أبي حنيفة بثلاث سنين.
وعمر بن قيس الماصر عظيم القدر في العلم والورع وأبوه أول من مَصَر دجلة والفرات بأن مد حبلا طويلا بين ساحليهما لفحص المراكب، كما ذكره ابن السمعاني في (الأنساب) في (الماصر)، وله