مقدمة الصلاة ........
... للغزنوي
جارٍ تحميل الكتاب…
مقدمة الصلاة ........
... للغزنوي
مقدمة الصلاة
للعلامة الفقيه أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغَزْنَويّ
الكاشاني الحنفي
توفي سنة (593هـ)
تحقيق
الأستاذ المن مرت أولو
مركز أنوار العلماء للدراسات
مقدمة المحقق:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن كتاب «مقدمة الغزنوي» للإمام جمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد الغزنوي من الكتب المهمة في المذهب الحنفي، فأحببت أن يكون الكتاب بين يدي العلماء لذا قابلته على ثلاث نسخ، وأريد أن أخدم لهذا الكتاب بالتحقيق والتعليق عليه في المستقبل بإذن الله وتوفيقه.
والنسخ اللتي اعتمدت عليها في المقابلة هي:
(1) - نسخة من مكتبة جامعة الملك سعود قسم المخطوطات، وعدد أوراقها (117) ورقة، ونسخت في القرن (11) هـ.
(2) - نسخة حجرية مطبوعة من كتابخانه مجلس شوراى ملى، وعدد أوراقها طبع في تاريخ (4). (2). (1014) وعدد أوراقها (87).
(3) - نسخة حجرية مخطوطة من المكتبة الأزهرية، وعدد أوراقها (110) ورقة.
وأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله ويجعله في ميزان حسناتي يوم الدين، وأن يغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي ولأقربائي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه إلمن مرت أولو
الجمعة 16\ 8\2024م.
الأردن\عمان\الجبيهة
مقدمة المؤلف:
الحمد لله الذي عم البلاد بنعمته و إرفاده، و خصّ العباد بهدايته، و إرشاده، و خلق النهار بأنواره و الليل بسواده، و الغيم بأمطاره و السحاب بإرعاده، القادر على الإيجاد و الإعدام، القاهر بسطوته نواصي الأنام، مصوّر الأجنة في ظلم الأرحام، و مخرج الظلام من الضياء و الضياء من الظلام، القديم في الأزل قبْل الزمان وساعاته، الباقي على الأبد بعد فناء الكون و محدثاته، العالم بإعلان عبده و أسراره وخفياته، السميع الذي يسمع خافي قول عبده عنده كمناداته، الحكيم الذي جعل العلم زينًا للعلماء، و سراجاً للمتعلمين في ظلمة الظلماء، وهداية للمهتدين كالنجوم في جو السّماء، وسلاحًا على القاصدين والأعداء، فصاروا في الدّين ينابيع الحكم، وفي الشّريعة مصابيح الظلم، ضاعف الله لهم الحسنات، ورفع لهم في جنّاته الدرجات، كما أخبر في كتابه عالم السرّ والخفيّات، " و الذين اُوتو العلم درجات"، أحمده و هو بالحمد جدير، وأستنصره وهو نعم المولى ونعم النصير، وأشهدُ أن لآ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، المنزه عن الشركاء والأضداد، المتعالى عن الأزواج و الأوْلاد، وأشهدُ أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بأرشد الطريق والمذاهب، واختاره من صفوة النجباء والنّجايب، وابتعثه من أطهر المنابت والمناصب، من شجرة مُرّة بن كعب بن لوي بن غالب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه صلاة دائمةً باقية ما استنار البيت بزوّاره، والركن بوراده، وسلّم وكرّم.
- - -
أمّا بعد:
يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمّد بن سعيد الغزنوي، أحسن الله خاتمته: فإنّي لمّا رأيت قصور همم الناس في طلب العلم، واشتغالهم بما لا يعنيهم، وإعراضهم عمّا يقربهم إلى خالقهم وبارئهم ومبديهم، وما لا بد لهم منه، حداني ذلك أن أجمع لهم مختصرًا نافعا في العبادات، حجمه صغير، وعلمه كثير، ونفعه غزير، يستبصر به المبتدي، ويستذكر به المنتهى، ذكرت فيه المهمّ الذي لا يستغني عنه المكلّف، وبيّنت فيه الفرائض والواجبات والسنن والآداب؛ ليكون له عونا على طاعة ربه وخالقه ورازقه، ومقربًا إلى رضائه ورحمته، أسأل الخالق الباري جلّت قدرته أن يجعل ما قصدته ونويته خالصًا لوجهه الكريم، ومقربا من رحمته بطوله وفضله إنّه على كل شيء قدير.
باب فضل طلب العلم
اعلم وفّقك الله وإيّانا لطاعته أنّ العلم حسن، وأحسن العلوم وأجلّها بعد معرفة الله تعالى وتوحيده علم الفقه، وهو علم الشريعة والدين، لقوله تعالى {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [البقرة:269]، قال الكلبي رحمه الله عليه: يعني الفقه، وقال مجاهد رحمه الله: أراد بها الإصابة في القول والفقه والفهم.
وقال تعالى: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء:113]، قيل أراد بالحكمة القضاء و المواعظ، و قال تعالى: {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} [البقرة:201]، وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: أراد بها العلم والعبادة، و قال الله تعالى {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [الأعراف:156]، يعني العلم والعبادة، وقال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة:122]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِين} [النمل:15]، يعني بالعلم،
وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [الزمر:9]، وقد نزلت في فضل العلم آيات كثيرة أعرضنا عن ذكرها لئلا يطول الكتاب.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبد خيرا يفقّهه في الدّين و ألهمه رشده إلى طريق المستقيم، وقال عليه السلام: من تفقّه في دين الله تعالى كفاه الله تعالى مؤنة دينه ودنياه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سهّل الله له طريقًا من طرق الجنّة، وأنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضاعاً بما يصنع، وإنّ العالم يستغفر له من في السّموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنّ فضل العالم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
وقال عليه السلام: الزهد بلا علم كالقوس بلا وتر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما ولا دينارًا، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ حظّا وافرا.
وقال عليه السلام: من أحبّ أن ينظر إلى عتقاء الله من النار، فلينظر إلى المتعلّمين، فوالذي نفس محمّد بيده، ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة، و بنى له بكلّ قدم مدينة في الجنّة، و يمشي على الأرض و الأرض تستغفر له، و يستغفر له كلّ من يمشي على الأرض، ويمسي ويصبح مغفورا لذنبه، وشهدت الملائكة: هؤلاء عتقاء الله من النّار.
وقال صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم لغير الله تعالى، لم يخرج من الدّنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله تعالى، ومن طلب العلم لله تعالى، فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وأنّ باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن لو كان له جبل أبي قبيس ذهباً، فأنفقه في سبيل الله تعالى.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أجود من ولد آدم، وأجود هم من بعدي رجل علم علمًا ونشر علمه يبعث الله تعالى يوم القيامة اُمة واحدة كما يبعث النّبي اُمة واحدة.
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء.
وكانوا يقولون: العلماء سراج الأزمنة، كل عالم مصباح زمانه يستضئ به أهل عصره، وقال الحسن البصرى رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للعابدين والمجاهدين في سبيل الله اُدخلوا الجنة، فيقول العلماء: إلهنا بفضل علمنا تعبّدوا وجاهدوا، فيقول الله تعالى: أنتم عندي كملائكتي، اشفعوا تشفعوا، فيشفعون ثم يدخلون الجنّة.
وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: ما عُبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشدّ على الشّيطان من ألف عابد، وأن لكلّ شيء عمادا وعماد الدين الفقه.
وعن أبي الدّرداء رضي الله تعالى عنه أنّه قال: العالم والمتعلّم في الأجر سواء، وإنّما الناس رجلان: عالم، ومتعلّم، ولا خير فيما سوى ذلك، وإنّ الناس يبعثون على ما ماتوا عليه، يبعث العالم عالمًا، ويبعث الجاهل جاهلا.
وقال النّبي صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: يا عليّ، كنْ عالمًا أو متعلّمًا أو مستمعا عاملا، ولا تكنْ الرابع فتهلك، قال عليّ رضي الله عنه: ومنْ الرابع يا رسول لله؟ قال: الذي لا يعلّم و لا يتعلّم ولا يسأل العلماء من أمر دينه ولا دنياه، ألا إنّه هو الهالك قالها لعلي ثلاث مرات.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كان للعلم هذه الفضيلة و للعلماء هذه المنزلة، فيجب على كلّ عاقل أن يتفقه ويتعلم؛ لينال هذه الفضيلة ويصل إلى هذه المنزلة، وقد أمر النّبي صلى الله عليه وسلم بطلبه حيث قال: اُطلبوا العلم ولو كان بالصّين، فإن طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: تعلّموا العلم، فإنّ تعلّمه فريضة وحسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنّ العلم منار أهل الجنّة، وهو المؤنس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السّرّاء، والمعين على الضّرّاء، والزّين عند الأخلّاء والسّلاح على الأعداء، والهادي إلى الرشاد، والظهير عند الموت، والقرين في القبر، والشفيع في يوم القيامة، والقائد إلى الجنة، يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم للخير قادة، وفي الدين أئمة تقتفى آثارهم، ويقتدي بأفعالهم يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم والفهم، ويبلّغنا منازل الأبرار، ويحشرنا في زمرتهم، ويدخلنا في شفاعتهم بفضله وكرمه، إنّه خير مأمول، وأكرم مسؤول.
فصل في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه (لا بد لي أن أثبت باعه في العقيدة والفقه والتصوف)
قال أحمد بن الصلت سمعت أبا نعيم يقول وُلد أبو حنيفة رضي الله عنه سنة ثمانين و مات سنة مائة وخمسين، وعاش من العمر سبعين سنة.
وكانت ولادته في عصر الصحابة، وتفقّه في زمن التابعين، وأدرك الصحابة وروى عنهم، وناظر التابعين وكان منهم رضي الله عنهم أجمعين.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صل الله عليه و سلم أنه قال: إنّ في أمّتي رجلا يقال له النعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمّتي ثلاثا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صل الله عليه وسلم أنّه قال: سيأتي من بعدي رجل يقال له النعمان بن ثابت، و يكنّى بأبي حنيفة، لَيُحيينّ دين الله تعالى وسنتي على يديه.
وقال خلف بن أيّوب: صار العلم من الله تعالى إلى محمّد صلى الله عليه وسلم ثم صار إلى الصحابة، ثم إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض ومن شاء فليسخط.
وقال الحسن بن سليمان في تفسير هذا الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة رضي الله عنه.
قال أبو عبيدة رضي الله عنه سمعت الشافعي رحمه الله عليه يقول: من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه، فإنّ الناس كلّهم عيال أبي حنيفة في الفقه.
وقال أحمد بن الصباح سمعت الشافعي قال: قلت لمالك بن أنس هل رأيت أبا حنيفة قال: نعم رأيت رجلا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجّته.
وقال فضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رحمه الله عليه رجلا فقيها معروفا بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالأفضال على كلّ من يطيف به، صبورا على تعليم العلم، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام، سريع الجواب، تردّ عليه مسألة في حرام أو حلال، وكان رضي الله عنه يحسن للناس، ويدلّ على الحق هاربًا من مال السلطان، وكان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين وإلاّ قاس فأحسن القياس.
وقال مليح بن وكيع سمعت عن أبي نعيم يقول: كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلا كبيرا عظيما، وكان يؤثر رضى ربّه على كلّ شيء، و لو أخذته السيوف في الله، لاحتمل رحمه الله و رضي عنه رضاء الأبرار، فلقد كان منهم.
وقال الحسن بن خريث: سمعت النضر بن شميل يقول: كان الناس نياما عن الفقه، حتى أيقظهم أبو حنيفة رضي الله عنه بما فقّه وبينه ولخّصه.
وقال الربيع بن يوسف: دخل أبو حنيفة رحمه الله يوما على المنصور الخليفة، وعنده عيسى بن سوسف، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم فقال له المنصور: يا نعمان، عن من أخذت العلم، قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب عليّ عن عليّ، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، فقال له المنصور: لقد استوثقت.
وقال نعيم بن حمّاد: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس و العين، وإذا جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخذنا من قولهم ولم نخرج من قولهم، و إذا كان عن التابعين زاحمناهم فيه.
وقال عليّ بن عاصم: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح عليهم.
وقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعته يغتاب أحد قط! قال: والله هو أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها.
وقال ابن داوود: لا يتكلّم في أبي حنيفة إلاّ رجلان، إمّا حاسد لعلمه، أو جاهل بالعلم لا يعرف قدر حملته.
وقال عبد الله بن المبارك: رأيت الحسن بن عمارة أخذا بركاب أبي حنيفة، و هو يقول: والله ما أدركنا أحدا تكلّم في الفقه أبلغ ولا أصبر، ولا أحضر جوابا منك، و إنّك لسيّد من تكلّم فيه في وقتك غير مدافع و ما يتكلّمون فيك إلاّ حسدا.
[عن عبادته وتقواه]
وقال عليّ بن يزيد الصدائ: رأيت أبا حنيفة ختم القرآن في شهر رمضان ستّين ختمة، ختمة بالليل وختمة بالنهار.
وقال أسد بن عمر: سمعت أبا حنيفة يقول: ما بقي في القرآن سورة إلاّ وقد قرأتها في وتري.
وقال أبو الجُويرية: لقد صحبت حماد ابن أبي سليمان و علقمة بن مرشد، و محارب بن دثار، وعون بن عبد الله، و صحبت أبا حنيفة، فما في القوم أحسن ليلا من أبي حنيفة، لقد صحبته ستّة أشهر، فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض فيها.
وقال مسعر بن كدام: أتيت أبا حنيفة في مسجده، فرأيته يصلي الغداة، ثم يجلس للناس في العلم إلى الظهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء، ثم دخل البيت فقلت في نفسي، هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة لاتعاهدنه، فلمّا هدأ الناس خرج إلى المسجد، فانتصب للصلاة إلى أن يطلع الفجر، فلمّا أصبح دخل منزله ولبس ثيابه وخرج إلى المسجد، وصلى الغداة فجلس للناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى
العشاء، فلمّا صلى العشاء دخل البيت، فقلت في نفسي أنّ هذا الرجل قد ينشط الليلة لاتعاهدنه الليلة فتعاهدته فلمّا هدأ الناس في الليلة خرج إلى المسجد، فانتصب للصلاة، ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلمّا أصبح دخل منزله و لبس ثيابه و خرج إلى المسجد، ففعل كفعله في يوميه حتى إذا صلى العشاء، فقلت في نفسي أنّ الرجل قد ينشط الليلة والليلتين لاتعهدنه الليلة فتعاهدته، ففعل كفعله في ليلتيه، فلمّا أصبح جلس كذلك، فقلت في نفسي لألزمنّه إلى أن يموت أو أموت، قال: فلازمته في مسجده، قال ابن أبي معاذ: بلغني أنّ مسعرًا مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده رحمه الله عليه.
وقال حفص بن غياث رضي الله عنه: صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء العشاء الأخيرة أربعين سنة، فقلت له: سألتك بالله ما الذي قواك على ما أرى من طاعة الله تعالى عز وجل؟ قال: إنّي دعوته بأسمائه على حروف با تا ثا، و هي في آية واحدة من كتاب الله تعالى، وهو قوله: محمد رسول الله إلى آخر السورة، أولها ميم و آخرها صاد، من دعا الله بها استجيب له دعائه، فسألته أن يعلّمنيها، فأملاها علي على نسق الآية محمد رسول الله
"بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمّ أنت منّان، مجيب مؤمن، مهيمن ملك متكبر مصوّر، ملي معطٍ مانع مالك مليك، متعال مسبّح، ماجد محي مميت معزن مدل مقتدر مبين أسألك رضوانك والجنّة، اللهم أنت حيّ حنّان، حليم حميد حكيم، حقّ حفيظ حسيب، أسألك رضوانك والجنّة، اللهم أنت دائم ديّان دافع، أسألك أن تدفع عنّي شرّ ما أحاذر من الدنيا و الأخرة، أسألك رضوانك والجنّة، اللهم أنت رحمان رحيم رب رؤوف، راحم رازق رزّاق، فارزقني من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، أسألك رضوانك والجنّة، اللهم أنت سلام سميع سامع، تسمع دعائي، وتعلم سري وعلانيتي، فلا تعرض عنّي، وسلّني من الشرّ كلّه، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت واحد واجد، وليّ وكيل، ودود وارث وهّاب، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت لطيف ترزق من تشاء بغير حساب، فارزقني مغفرة من عندك، واجعلني من عبادك الصالحين، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأوّل و الآخر، فوفقني لما تحبّ و ترضى، و جنّبني عمّا تسخط و تغضب، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت هاد فاهدني بهدايتك، وأخرجني من الظلمات إلى النور، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت ذو الجلال والإكرام، ذو القوة المتين ذوالعرش المجيد، ذو البطش الشديد، ذو الفضل العظيم، ذوالمنّ القديم، ذوالطول، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت المكون تكون كلّ شيء، وما كان فهو منك، كنت قبل كلّ شيء، وتكون بعد كلّ شيء، فاغفر لي ولا تسألني عن شيء، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت
نور نور السموات والأرض، ومنور النور وخالقه، وخالق كل شيء، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت عليّ عظيم، عليم عزيز، عفوٌّ عدل، فاعف عنّي ما سلف من ذنوبي، و وفقني فيما بقي من عمرى لطاعتك، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت شاكر شكور، شاهد لا تغيب، شهيد تشهد سري وعلانيتي، وتعلم ضمير قلبي، ولا يخفى عليك شيء من أموري، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت كافٍ كريم، كبير كفيل، تكفلت برزق العباد، وبرزق كلّ دابّة، فكفيتهم، فاكفني شرّ نفسي، وشرّ الإنس والجنّ، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت فرد فعّال لما تشاء، فتّاح بالخيرات، فافتح لي أبواب فضلك ورحمتك، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت برّ بارئ، بديٌ باعث، باق بديع، ابتدعت ما شئت، وكلّ شيء يعبدك، أنت الباقي بعدهم، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت تواب تَرى ولا تُرى، وأنت بالمنظر الأعلى، تُبْ عليّ توبة نصوحا، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت جبّار جميل جواد، فجُدْ علينا برضاك، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت غفّار غفور غافر، غياث غنيّ، استغنيت عني وعن العباد، وافتقرنا إليك، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت المضيء بك الضوء تضيئ من تشاء، وتضلّ من تشاء وتهدي من تشاء، فلا تضلّني بعد إذ هديتني، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت لاحق الخير بالشرّ والشرّ بالخير، فلا تلحق خيري شرًّا، وأخرجني من الظلمات إلى النور، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت ثابت، فثبّتني في طاعتك، ولا تخرجني منها، وثبّتني بالقول الثابت، في الحيوة الدنيا وفي الأخرة، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت زاجر، زجرت البحر عن البرّ، وزجرت الشياطين عن من شئت، فازجر عنّي شياطين الإنس والجنّ، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت خالق خبير، خلقتني وكلّ شيء خلقك، بيدك الخير، فاختم لي بالخير والسعادة والشهادة، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت طاهر طاو تطوي السموات كطيّ السجل للكتاب، طوّقني للعمل بطاعتك، كما طوّقت الكروبين، وحملة عرشك، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت ظاهر، ظهرت فلا ترى، و بطنت فلا تخفى، وأنت بالمنظر الأعلى، تُبْ عليّ توبة نصوحًا، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت قيوم قائم، قدير قديم، قريب قاهر، قادر قهّار، فمُنّ عليّ بخير القضاء والقدر، أسألك رضوانك والجنة، اللهم أنت صمد صادق، تصدّق عليّ بالجنة، واعتقني من النار، أسألك رضوانك والجنة، اللهم صلّ على سيّدنا محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم ربّنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب".
وقال مسعر بن كدام: من جعل أبا حنيفة بينه و بين الله، رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرطا في الاحتياط لنفسه.
أنشدنا الأستاذ الأديب أبو يوسف يعقوب بن أحمد شعرا:
حسبي من الخيرات ما أعددته يوم القيامة في رضى الرحمان
دين النبي محمد خير الوراثم اعتقادي مذهب النعمان.
فصل
اعلم بأنّ الواجب على العبد المكلّف أوّلا أن يعرف ربّه عزّ و جلّ لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد:19]؛ ولأنّه خلقه وصوّره ورزقه حيث قال جلّ وعلى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [غافر:64]،
فإذا عرفه وجب عليه أن يوحّده عن الشريك والنظير، وينزّهه عن الولد والوالد، كما وصف ذاته وقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} {اللَّهُ الصَّمَد} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد} {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص:4]،
وقال: إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء:171]،
وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى:11]،
فإذا وحّده ونزّهه، وجب عليه أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا يفرق بين أحد من رسله، كما قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة:285]،
فإذا فعل ذلك، فقط حُكم بإسلامه، ثم يجب عليه أحكام الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحجّ وغير ذلك عند وجود أسبابها وشرائطها، لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56]،
ولما روي أنّ جبرائيل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤدّي الزكاة، وأن تصوم شهر رمضان، و أن تحج البيت الحرام إن استطاع إليه سبيلا، وسنبين كل واحد منها في موضعه إن شاء الله تعالى.
أمّا الأول: فنبدأ منها بالصلاة؛ لأنّها عماد الدين لقوله عليه السلام: الصلاة عماد الدين، فمن أقامها، فقد أقام الدين، ومن تركها، فقد هدم الدين، فنقول وبالله التوفيق.
اعلم بأن الصلاة لا تصح إلاّ باثني عشر شرطا، ستّة قبلها وستّة فيها.
أمّا الستّة التي قبلها: فهي الطهارة من الحدث، والطهارة من النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والوقت، والنيّة.
وأمّا التي فيها: فهي التكبيرة الأولى: والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، والخروج من الصلاة بفعل المصلّي فرض عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعند أبي يوسف و محمد رضي الله عنهما ليس بفرض، و ما سوى هذه الشرائط واجبات وسنن وآداب، ولو ترك شرطا واحدا، لا تجوز صلاته، سواء كان قبل الصلاة أو فيها، ولو ترك الواجبات والسنن أو الآداب جازت صلاته و يجب عليه سجدتا السهو في الواجبات وفي بعض السنن، إن تركها ساهيا، وإن تركها عامدا، جازت صلاته ويكون مخطأ و مسيئا والله أعلم.
فصل في المياه.
اعلم أنّ جواز الوضوء والغسل اختصّ بالماء المطلق، و هو ما نزل من السماء وماء العيون والأنهار والحياض والغدران والآبار والبحار والأودية، سواء كان في معدنه أو في الإناء، فهو طاهر وطهور، ويزيل النجاسة عن الثوب والبدن جميعا حكمية كانت أو حقيقية ويجوز الوضوء والاغتسال به.
فصل في تقدير الماء في الوضوء والغسل
[تقدير الماء في الوضوء]
اعلم أنّ قدر الماء على السنة في الوضوء مدّ، وفي الغسل صاع، ثم المدّ رطلان، والصاع بالمدّ أربعة أمداد، وبالرطل ثمانية أرطال بالعراقي عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما، وقال أبو يوسف خمسة أرطال وثلث رطل.
ثم الوضوء على أربعة أوجه: إمّا أن لا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين.
أمّا الذي لا يستنجي ويمسح على الخفين يتوضأ برطل من ماء، يغسل وجهه وذراعيه، ويمسح رأسه وخفيه.
وأمّا الذي يستنجي ويمسح على الخفين، يتوضأ برطلين، رطل للاستنجاء ورطل للوجه والذراعين والمسحين.
وأمّا الذي لا يستنجي ويغسل الرجلين، يتوضأ برطلين أيضا رطل للوجه والذراعين ومسح الرأس، ورطل لغسل الرجلين.
وأمّا الذي يستنجي ويغسل الرجلين، يتوضأ بثلاثة أرطال رطل للاستنجاء، ورطل للوجه والذراعين ومسح الرأس، ورطل لغسل الرجلين.
وإذا خرج منه ريح ولم يبل ولم يتغوط، لا يستنجي ويتمضمض ويستنشق، ويغسل الوجه واليدين والرجلين، ويمسح بالرأس والأذنين والرقبة.
وكذلك في النوم والإغماء والجنون والقهقهة في الصلاة المطلقة، والخارج من غير السبيلين هكذا يتوضأ.
وإذا بال ولم يتغوط، فإنّه يغسل قبله دون دبره بيده اليسرى، وإذا تغوط وبال،
يغسلهما يبدأ بالقبل ثم بالدبر، وفي الغسل عن الجنابة والحيض والنفاس يستنجي على كل حال.
[تقدير الماء في الغسل]
ثم إذا أراد الرجل أن يغتسل، يستنجي برطل من ماء، ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه وذراعيه، ويمسح رأسه وأذنيه ورقبته برطل، و يصبّ على رأسه و سائر جسده خمسة أرطال، ويغسل قدميه برطل.
فذلك كلّه ثمانية أرطال، وهذا كلّه ليس بتقدير لازم، حتّى لو توضأ أو اغتسل بأكثر من هذا التقدير و لم يسرف في الماء، أو توضّأ أو اغتسل بدون ذلك وأسبغ وضوءه وغسله، يجزيه، وإنما الكراهية في الإسراف والتقتير والله أعلم.
باب في فضل الاستنجاء
الأصل فيه قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين} [التوبة:108]، وذلك أن أناسًا من أهل مسجد قباء كانوا إذا أتوا الخلاء، استنجوا بالأحجار ثم بالماء، فأثنى الله عليهم وأنزل في شأنهم هذه الآية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بباب المسجد وقال: لمن فيه أنّ الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في طهوركم فبما تطهّرون؟ وقرأ عليهم هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، إنّا نستنجي بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار، وكان الاستنجاء قبل ذلك بالأحجار دون الماء فهم أول من فعل ذلك وسنَّ هذه السنة، ثم اقتدى بهم من بعدهم.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كان للاستنجاء هذه الفضيلة، فينبغي للعباد أن يستنجوا مثل استنجاء أهل مسجد قباء، ويأتي بجميع واجباته وسننه وآدابه، ويجتنب منهيّاته وبدعه ومكروهاته، كما نذكره ليستحقّ الثناء والثواب.
وكما أنّه طهّر فرجه عن النجاسة الحقيقة، ينبغي أن يطهّره عن النجاسة الحكمية مثل الزنا واللواط وغير ذلك، فإذا طهّره حقيقة وحكمية، يكون متابعا لهم ومن تابعهم يكون معهم، لقوله
تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69].
نسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرزقنا العلم والفهم وأن يدخلنا الجنة معهم بفضله وكرمه، إنّه على ما يشاء قدير.
فصل في كمية الاستنجاء
اعلم بأنّ الاستنجاء على خمسة أوجه، أربعة منها فريضة وواحد منها سنة.
أما الفريضة، فهي في حال الجنابة والحيض والنفاس وفيما إذا تجاوزت النجاسة مخرجها.
وأما السنية، فهي فيما إذا كانت النجاسة مقدار المقعد، أو دون ذلك أو بال ولم يتغوط.
وإذا لم تتجاوز النجاسة حد مخرجهما من القبل والدبر معفوّ من الرجل والمرأة.
وإن زاد على قدر الدرهم إذا جُمعا يطهران بالأحجار وإذا تجاوزت لم يطهر إلا بالماء.
وإذا كانت النجاسة في مواضع متفرّقة، تجمع نحو ما إذا كانت على بدنه نجاسة وعلى ثوبه نجاسة وعلى مكان صلاته نجاسة، وإذا جمعت زادت على قدر الدرهم منعت جواز الصلاة.
وكذلك يجمع بين المقعد وغيره، ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: أنّ من استنجى بالأحجار وأصابته نجاسة يسيرة لم تجز صلاته؛ لأنّه إذا جَمعت، زادت على قدر الدرهم وذلك لا عفو، والعفو قدر الدرهم لا الزيادة والله أعلم.
فصل في كيفية الاستنجاء
الأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا لكم مثل الوالد لولده إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، و ليستنجي بثلاثة أحجار أو بثلاثة أعواد أو ثلاث حفنات من تراب.
(فصل في الخلاء)
وإذا أراد الرجل أن يدخل في الخلاء، ينبغي أن يقوم قبل أن يغلبه البول و الغائط.
ولا يصحبه ما عليه اسم الله تعالى، ويلبس ثوبا آخر غير الثوب الذي يصلي فيه إن كان له ذلك، وإن لم يكن له ذلك، يحتاط في حفظه عن إصابة النجاسة أو الماء المستعمل، و يشمّر كميّه، يبدأ باليسار ويأخذ معه منشفة ينشف بها فرجه بعد الاستنجاء بالماء.
ويرفع الإناء بيده اليمنى، ثم يأخذ بيده اليسرى ويَبعد أسفل الإناء عن ثيابه، ويأخذ معه ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها، إن لم يكن في الخلاء أحجار، فإذا لم يجد الأحجار، اقتصر على الاستنجاء بالماء، وكذلك إذا لم يجد الماء اقتصر على الاستجمار بالأحجار، هذا إذا لم تتجاوز النجاسة مخرجها، فإن تجاوزت، لم يجز فيه إلاّ الماء.
فإذا وصل إلى باب الخلاء، يقول: اللهم إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث، وفي رواية أخرى يقول: اللهم إنّي أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم.
ثم يدخل الخلاء يبدأ برجله اليسرى، وينزع سراويله ويحطه في مكان طاهر، و إلا يأخذه تحت إبطه اليسرى أو ينزعه خارج الخلاء.
ثم يقعد للاستفراغ، ولا يكشف بدنه وهو قائم، فإذا دنى إلى القعود، كشفه ويوسع بين رجليه ويميل على رجله اليسرى، ويجعل مقعده متوسطا للعين التي جلس عليها، ولا ينحرف يمنة ولا يسرة كي لا يتلوث أحد طرف المكان و لا يتكلم فيه، ولا يذكر اسم الله تعالى، ولا ينظر إلى عورته إلاّ لحاجة ولا إلى ما يخرج منه، ولا يبزق في البول، ولا يقعد كثيرا، ويجهّد في الاستفراغ.
فإذا فرغ، يعصر ذكره من أسفله إلى الحشفة، فإذا خرج منه بلل، مسحه بالحجر أو بالأصبعين من يده اليسرى وهما الإبهام و السبّابة، ثم ينقي فرجه بيده اليسرى بثلاثة أحجار، يبدأ بالحجر الأول من خلفه إلى قدّامه، ثم بالثاني من قدامه إلى خلفه، ثم بالثالث يمسح الجوانب يبدأ من جانب الأيمن ثم بالأيسر. قال أبو نصر: يدبر بالحجر الأول ويقبل بالثاني ويدبر بالثالث.
وينبغي أن تكون الأحجار الطاهرة في الخلاء على يمينه، ويضع النجسة على يساره، ويجعل وجه النجاسة إلى أسفله.
والعدد في الأحجار ليس بشرطٍ لازمٍ، وإنّما المقصود الإنقاء، فإذا حصل الإنقاء بالحجر الواحد، لا يحتاج إلى الثاني. وإن لم يحصل الإنقاء بالثلاثة، يزيد عليها.
و لو كان له حجر له ثلاثة أحرف، فاستنجى بكلّ حرف و حصل الإنقاء جاز.
ولا يستنجي بعظم ولا روث ولا فحم ولا بمطعوم الآدميين ولا بعلف الحيوان.
ثم يقوم و يستر عورته قبل أن يستوي قائما، ثم يخرج من الخلاء يبدأ برجله اليمنى ويقول: الحمد الله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأمسك عليّ ما ينفعني.
ثم يتنحنح و يركض برجله على الأرض مرة باليمنى ومرة باليسرى، ويدلك فخذه اليمنى على اليسرى واليسرى على اليمنى، ويمشي إن كان الموضع متّسعا، ويمسح بطنه وسرّته ويعصر ذكره، فإن خرج منه بلل، مسحه بحجر أو بالأصبعين.
ولا يمسح ذكره على حائط أو شجر، ثم يفعل مثل هذا ثانيا وثالثا حتى يستيقن بزوال أثر البول. وهذا كلّه ليس بشرط لازم، والأصل فيه علمه وتيقنه أنّه لم يبق شيء من أثر البول.
فإذا استيقن بانقطاع أثر البول، يقعد للاستنجاء بالماء موضعًا آخر غير موضع الاستفراغ، ويكون قعوده على حجرين عاليين أو ما يقوم مقامهما، ويوسع بين رجليه.
ثم يبدأ بغسل يديه يغسلهما ثلاثا، ويقول: بسم الله العظيم وبحمده والحمد الله على دين الإسلام.
ثم يغسل فرجه يبدأ بالقبل، ثم بالدبر ويقول: اللهم إجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ويفيض الماء بيده اليمنى على فرجه ويعلي الإناء، ويغسل فرجه بيده اليسرى إذا لم يكن له عذر.
ويغسله بالكفّ والأصابع إذا كانت النجاسة فاحشة، أو بالأصابع إن كانت النجاسة مقدار المقعد أو أقلّ.
يغسله بثلاثة أصابع: بالخنصر، والبنصر، والوسطى، ويجعل البنصر فوق الخنصر والوسطى، ويعتمد على باطن البنصر.
ويغسل ظاهر فرجه إذا أراد أن يحتاط، ويدلكه ويرخي مقعده ثلاث مرات، ويغسله في كل مرة، ويدلكه ويزيد الإرخاء في كل مرة إلا إذا كان صائما لا يرخيه.
فإذا أرخاه، نشّفه بخرقة قبل أن يجمعه كيلا يصل الماء إلى جوفه فيفسد صومه.
فإذا جمعه، يغسل جانب دبره من الأليتين، ثم ظاهر الدبر هذا هو الاحتياط.
ولا يدخل إصبعه في دبره، ويستقصي في الاستنجاء، ولا يَسرف في الماء ولا يقتر، ويستنجي بالمدارات لا بالتعنيف، ويدلك بالرفق.
فإذا فرغ، يضرب بيده التي استنجى بها على الأرض أو على الحائط، ويدلكها إن كان المكان طاهرا ثم يغسلها ثلاثا.
وإن لم يكن المكان طاهرا، يغسلها ثلاثا ثم يقوم وينشّف فرجه بالمنشفة، ويلبس سراويله ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهورا، والإسلام نورا وقائدا ودليلا إلى الله تعالى و إلى جنات النعيم. اللهم حصّن فرجي من الزنا وطهّر قلبي ومحّص ذنوبي.
ثم يرشّ الماء في السراويل أو يحشو ذكره بقطنة إن كان يريبه الشيطان، وإن لم يريبه الشيطان لا يفعل.
فإن لم يكن هناك موضع آخر للاستنجاء بالماء غير موضع الاستفراغ، لا بأس بأن يستنجي هناك، ولكن لا يدعو بالدعوات الصالحة التي ذكرناها.
فإذا خرج من الخلاء يدعو.
وإذا حشى الرجل احليله بقطنة، فابتلّ ما كان داخلا منها لا ينقض الوضوء.
فإذا ابتلّ ما ظهر منها، نقض الوضوء والله أعلم.
فصل في لاستنجاء في الصحراء
وإذا أراد الرجل الاستنجاء في الصحراء، فعليه أن يقعد في موضع مستور أو يكون بعيدا عن أبصار الناس، ويرفع ثيابه عن الأرض.
وينبغي أن يكون الأرض رخوة أو يقعد في أرض عالية ويبول إلى أسفل الأرض أو على حجرين أو على حفرة أو يحفر هو ويحترز من أن يصيب ثيابه أو بدنه من قطرات البول أو الغائط، لقوله صلى الله عليه وسلم: استنزهوا من البول فإنّ عامة عذاب القبر منه.
ولا يبول ولا يتغوط في الماء جاريا كان أو راكدا، ولا يقعد على طرف نهر أو عين أو حوض أو بئر.
ولا تحت شجرة مثمرة، ولا على خضرة ينتفع الناس بها، ولا في زرع ولا في شرب ماء ولا في ظلّ ولا بجنب مسجد ولا عليه، ولا في موضع يصلي الناس هناك أو يقعدون عليه، ولا في مقبرة ولا في مصلّى العيد ولا بجنب خيمة ولا بين الناس و الدواب ولا في طريق الناس ولا في موضع يعبر عليه أحد ولا في جانب طريق أو قافلة والهواء يهبّ من يهويه إليها، ولا يقعد في وجه الهواء.
ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وفي الاستدبار روايتان.
ولا يستقبل الشمس والقمر، ولا على صخرة ولا إذا كانت الأرض صُلبة، ولا في أسفل الأرض يبول إلى أعلاه.
ولا في ثقب فأرة أو حيّة أو نمل أو غيرها، ولا يبول قائما ولا مضطجعا ولا عريانا؛ لأنها عمل اليهود والنصارى.
فإذا فرغ من البول والغائط، يقعد بالاحتياط للاستنجاء بالماء كما ذكرنا في الفصل الأول، هذا إذا كان يستنجي من الإناء.
فأما إذا كان يستنجي بماء جار، فينبغي أن يقعد في موضع متمكن للاستنجاء، وتكون قدماه على حجرين عاليين أو ما يقوم مقامهما، ويرفع ثيابه عن الأرض ويكون مستورا عن أبصار الناس أو بعيدا منهم، ويكون الماء بين يديه جاريا و يمينه إلى أعلى الماء، وإن كان يمينه إلى أسفل الماء يأخذ الماء من أعلى الماء المستعمل أو يصبر حتى يذهب الماء المستعمل، ثم يأخذ ماء جديدا، وإن كان الماء بين يديه واقفا يدفعه بيده حتى يذهب الماء المستعمل من قدامه، ثم يأخذ ماءً جديدا.
وإن كان يستنجي من حوض أو غدير إن كان أقلّ من عشر في عشر، لا يستنجي فيه.
و كذلك و لا يتوضّأ ولا يغتسل فيه ويأخذ الماء بالإناء ويستعمل ويتوضأ.
وإن كان عشرا في عشر فصاعدا، فلا بأس بأن يستنجي ويتوضأ ويغتسل فيه، ولكن في كلّ مرة إذا نزل الماء المستعمل من بدنه، يدفعه بيده؛ ليذهب الماء المستعمل ثم يأخذ ماء جديدا، فإذا فرغ فعل ذلك كما ذكرنا في الفصل الأول.
فصل في استنجاء المرأة
المرأة إذا أرادت الاستنجاء فإنّها تفعل في جميع ما ذكرنا كما فعل الرجل، إلا في الاستبراء فإنها لا استبراء عليها، بل إذا فرغت من البول والغائط، تصبر ساعة لطيفة ثم تمسح قبلها ودبرها بالأحجار، ثم تستنجي بالماء.
وإذا أرادت أن تستنجي بالماء، فإنها تجلس مفرجة وتوسع بين رجليها، ثم تبتدأ بغسل فرجها، فتغسل بيدها اليسرى ظاهر الشفتين وباطنهما، ولا تدخل إصبعها في الحلقوم. وتكون الأصابع مستوية حالة الدلك و تداري في ذلك.
ثم تغسل ظاهر دبرها، وتدلك وترحي مقعدها ثلاث مرات، وتغسل في كل مرة إلا إذا كانت صائمة فإنها لا ترحي مقعدها، فإذا فرغت، تفعل كما يفعل الرجل إلا في رشّ الماء على الفرج و السراويل، فإنها لا تفعل، ولكن تحشو فرجها بقطنة إذا كانت يريبها الشيطان أو تخاف خروج النداوة من فرجها، هذا إذا استنجت في بيتها.
فأما إذا كانت في البرية، فإنها تفعل كما يفعل الرجل، تقعد في موضع مستور وترفع ثيابها، فإن لم يكن الموضع مستورا، تبعد عن أبصار الناس ولا ترفع ثيابها، لكن تحفظها عن إصابة البول والغائط وقطراتهما، وتحفظ ثيابها عن إصابة الماء المستعمل.
فإذا فرغت، فعلت كما ذكرنا في حالة الاستنجاء بالماء وتستنجي كما ذكرنا.
فإذا حشت فرجها بقطنة أو خرقة فابتلت الخرقة، تنظر إن كانت الخرقة في الشفتين فخرجت النداوة من الحلقوم، انتقض وضوئها، وإن كانت الخرقة في الحلقوم فابتل داخلها، لم يتقض الوضوء، وإذا ابتل ظاهرها، انتقض الوضوء، كالرجل إذا حشى إحليله والله تعالى أعلم.
فصل في الفرق
فإن سألك سائل ما الفرق بين الاستنجاء والاستبراء والاستنقاء؟ فقل: الاستنجاء استعمال الأحجار أو الماء.
وأما الاستبراء نقل الأقدام والركض بها على الأرض والتنحنح والسعال وعصر الذكر حتى يستيقن بزوال أثر البول.
والاستنقاء طلب النقاوة، وهو أن يدلك مقعده بالأحجار حالة الاستنجاء، بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء حتى تذهب الرائحة الكريهة، و قد فسروها بتفسير آخر والاصح ما ذكرنا.
فصل في باب فضل السواك
السواك سنة لما روي فيه من الأخبار منها روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: السواك مطهرة للفم، ومرضات للرب، ومسخطة للشيطان، وقال عليه السلام: خير خلال الصلاة السواك، وقال عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وقال عليه السلام: طهّروا مسالك القرآن بالسواك، وقال عليه السلام: طيّبوا أفواهكم فإنّ أفواهكم طرق القرآن، وقال عليه السلام: الوضوء شطر الإيمان والسواك شطر الوضوء، وقال عليه السلام: ركعتان يستاك فيهما العبد أفضل عند الله من سبعين ركعةً لا يستاك فيها، وقال عليه السلام: عليكم بالسواك فإن فيه عشر خصال محمودة: مطهرة للفم، ومرضات للرب، ومفرحة للملائكة، ومجلاة للبصر، ومبيض للأسنان، ويشد اللثة، ويذهب البخر، ويهضم الطعام، ويقطع البلغم، ويضاعف الصلاة، ويطهر طريق القرآن،
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا عليّ، عليك بالسواك فإنّ فيه أربعا وعشرين فضيلة في الدين والبدن، قال عليه السلام: خمس من الفطرة: قص الشارب، وتقليم الأظافر، وحلق الآنة، ونتف الإبط، والسواك، وقال صلى الله عليه وسلم: لم يزل جبريل يوصيني بالسواك حتى ظننت أنّه سيُدردني يعني يذهب باللثة عني، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبطأ عليه جبريل عليه السلام ثم أتاه فسأل له ما حبسك عنّي يا جبريل؟ فقال جبريل: كيف آتيكم وأنتم لا تقصّون أظافيركم، ولا تأخذون من شواربكم، ولا تنقون براجمكم، ولا تستاكون!، وقال عليه السلام: حق على كل مسلم الغسل يوم الجمعة والسواك والطيب، وقال صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بالسواك، وقال عليه السلام: صلاة بالسواك أفضل من سبعين صلاةً بغير سواك، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: السواك بعد الطعام كعتق وصيفتين.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كان للسواك هذه الفضائل، فينبغي للعبد أن يستاك لوجه الله تعالى وإقامة سنة نبيه عليه السلام، ولا يريد به الرياء والسمعة ولا منفعة نفسه؛ لكي يثاب على ذلك.
فإذا طهّر فمه بالسواك من الخلوف، ينبغي أن يطهره أيضا من الكذب والغيبة والنميمة والشتيمة والأيمان الكاذبة والبهتان وأكل الحرام وشهادة الزور والزيادة والنقصان في الكلام.
فإذا فعل هذا، فقد طهّر فمه ظاهرا وباطنا، فيكون استياكه سببا لحصول المنافع في الدنيا ونيل الدرجات في العقبى.
نسأل الله تعالى التوفيق والاستقامة في الدنيا، والرضوان والجنة في العقبى إنه جواد كريم منان رحيم.
فصل في كيفية السواك.
اعلم أن السواك سنة لما روينا فيه من الأخبار، فإذا كان سنة فعليه أن يستاك اتباعا لسنة نبيّه، وله أن يستاك بأيّ سواك كان أراكا أو غير أراكٍ، وكيف كان رطبا أو غير رطب مبلولا أو غير مبلولٍ، وفي أيّ حال كان طاهرا أو محدثا أو جنبا أو حائضا أو صائما أو مفطرا، وفي أيّ وقت كان ليلا أو نهارا أو غداة أو عشيّا حالة الوضوء أو غير حالة الوضوء،
والمستحبّ فيه أن يستاك بعد الاستنجاء بالماء قبل الوضوء أو حالة الاستبراء.
فإذا أراد السواك، ينبغي أن يأخذه بيده اليمنى، ويبدأ بالأسنان العليا من الجانب الأيمن، ثم بالأيسر ثم بالسفلى من الجانب الأيمن ثم بالأيسر، إن شاء يبدأ بالسفلى من الجانب الأيسر.
ويستاك عرضا وطولا ولا تقدير فيه، بل يستاك إلى أن يطمئنّ قلبه بزوال الخلوف.
والمستحبّ فيه ثلاث مرات بثلاث مياه، ويستاك بالمدارات خارج الأسنان و داخلها أعلاها وأسفلها ورؤوس الأضراس وبين كل سنيين.
ويكون رأس السواك ليّنا محرّفا، فإن لم يكن له سواك، يستاك بأصابعه وبأيّ أصبع استاك لا بأس به، والأفضل أن يستاك بالسبابتين يبدأ بالسبابة اليسرى ثم باليمنى، وإن شاء استاك بإبهامه اليمنى والسبابة اليمنى يبدأ بالإبهام من الجانب الأيمن يستاك فوقا وتحتا ثم بالسبابة من الجانب الأيسر يستاك فوقا وتحتا.
ويدعو عند ذلك ويقول: اللهم طهّر نكمتي ونوّر قلبي وطيّب أعضائي ومحّص ذنوبي، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ورزقني جنتك يا رب العالمين.
فصل في فضل الوضوء
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد يقرب وضوءُه ثم يتمضمض ويستنشق إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه مع الماء حين يستنثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرجت خطاياه من وجهه مع الماء، ثم يغسل يديه مع المرفعين كما أمره الله تعالى إلا خرجت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه كما أمره الله تعالى إلا خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه مع الكعبين كما أمره الله تعالى إلا خرجت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله سبحانه وتعالى ويثني عليه بالذي هو أهله، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذُنوبه كيوم ولدته أمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلّكم على ما يمحوا الله تعالى به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في السبرات، وكثرة الخُطى إلى المساجد في الظلمات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلِكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بات طاهرا في شعاره بات و معه ملك في شعاره فلا يستيقظ ساعة من الليل إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلانا فإنه بات طاهرا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استقيموا ولن تحصوا أعمالكم واعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أتمّ الوضوء كما أمره الله تعالى والصلوات الكاملات المكتوبات كانت له كفّارة لما بينهنّ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه عند صلاة الفجر: حدثني يا بلال، بأذكى الأعمال التي عملته في الإسلام؟ فإني سمعت الليلة خفق نعليك في الجنة، فقال بلال رضي الله عنه: ما أحدثت إلا وقد جددت الطهارة وما تطهرت إلا وقد صليت ركعتين، وروي أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام: إذا تخوّفت سلطانا أو غيره فتوضئ واؤمر أهلك بالوضوء، فإنّ من توضّئ كان في أمان الله تعالى مما تخوف. وقال عليه السلام: الطهور ويقصد ما قبله ويصير الصلاة نافلة.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كان للوضوء هذه الفضائل، فيتبغي للعبد أن يتوضأ مع التعظيم و الحرمة والإخلاص، ويعلم أنه يريد به عبادة ربه عزّ و جلّ، و الوقوف بين يديه والمناجاة معه، وأن يسأله ويدعوه لحاجته، فيتوضّأ أحسن الوضوء ويتطهر بأكمل الطهارة، ويأتي بجميع شرائطه من الفرائض و الواجبات والسنن والآداب، ويجتنب المنهيات والبدع والمكروهات، ويكون أبدا مع
الوضوء؛ لأنه قد ذُكر أنّ العبد إذا كان أبدا مع الوضوء، لا يكسل في الصلاة؛ لأنه إذا كان كذلك وأقيمت الصلاة، يقدر أن يدخل المسجد و يصلي مع الجماعة، ويكون في أمان الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الوضوء سلاح المؤمن.
وينبغي أولا أن يتوب من جميع ذنوبه توبة نصوحا؛ لأن الله تعالى جعل الوضوء طهارة للظاهر وجعل التوبة طهارة للباطن، فكما أن العبد مأمور بطهارة الظاهر، بقوله تعالى: {فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فكذلك مأمور بطهارة الباطن، لقوله تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} [التحريم:8]، فإذا طهر أعضائه ظاهرا وباطنا، صار مستحقا لهذه الفضائل.
نسأل الله تعالى حسن توفيق الطاعة والعصمة من المعصية، وخاتمة الأمر بالسعادة، والشهادة بفضله وكرمه إنه وليّ الإجابة وغافر الزلة وقاضي الحاجة.
فصل في كيفية الوضوء.
الأصل في وجوبه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة:6]، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بطهور. لكل شيء مفتاح و مفتاح الصلاة الطهور، وقال عليه السلام: لا يقبل الله تعالى صلاة امرأ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه، ثم يمسح برأسه ويغسل رجليه، وقوله عليه السلام: لا يقبل الله صلاة بلا طهور.
وإذا أراد الرجل أن يتوضأ يشمر كميه، ويقعد على طرف دكة عالية أو حجر عال أو أرض عالية أو تكون الأرض رخوة أو مخضرة أو على كرسي؛ كيلا تعود إليه قطرات الماء المستعمل من الأرض، ويرفع ثيابه عن الأرض، ويرتّب الوضوء، ويوالي، وينوي للوضوء ويبدأ بالميامن ويستقصي على إسباغ الوضوء، ويحط الكوز عن يساره.
فإن كان إناء يغترف منه، يحطه عن يمينه، ولا يدخل يده فيه حتى يغسلها ثلاثا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.
فإذا قعد للوضوء، يبدأ بالنية ينوي بقلبه ويقول بلسانه: نويت بالوضوء رفع الحدث، أو يقول: نويت أن أتوضأ للصلاة تقربا إلى الله تعالى، وهو مستحبة في الوضوء والغسل.
ثم يقول: بسم الله العظيم وبحمده والحمد لله على دين الإسلام.
ثم يغسل يديه ثلاثا ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهورا، الإسلام نورا.
ثم يمضمض فاه ثلاثا بيده اليمنى، ويوصل الماء إلى جميع فمه ويستاك بالأصابع كما ذكرنا، ويقول: اللهم أعنّي على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ثم يستنشق ثلاثا بيده اليمنى ويمتخط بيده اليسرى، ويقول: اللهم روّحني رائحة الجنة وارزقني من نعيمها.
والسنة فيهما المبالغة إلا أن يكون صائما، فليرفق لقوله عليه السلام: بالغوا في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما.
ثم يغسل وجهه ثلاثا بالمدارات من غير تعنيف، ويخلل لحيته.
وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الإذن، ويقول: اللهم بيّض وجهي بنورك يوم القيامة يوم تبيضّ وجوه أولائك، ولا تسوّد وجهي يوم تسودّ وجوه أعدائك.
ثم يغسل ذراعيه مع المرفقين ثلاثا يبدأ من قبل الأصابع إلى المرافق، ويقول عند غسل يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، ويقول عند غسل يده اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
ثم يمسح جميع رأسه مرة واحدة، و المستحب فيه ثلاث مرات بماء واحد يبدأ من مقدم الرأس إلى مؤخره، ثم من مؤخره إلى مقدمه، ثم يعيده إلى مؤخر الرأس، ويقول: اللهم غشني برحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك، ونجّني من عذابك.
ثم يمسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما بالماء الذي مسح به رأسه، يبدأ بالظاهر ثم بالباطن، ويقول: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ثم يمسح برقبته يبدأ من قفاه إلى الحلقوم، ويقول: اللهم أعتق رقبتي من النار واحفظني من السلاسل والأغلال والأنكال.
والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس، لما روي المغيرة بن الشعبة أن النبي عليه السلام أتى سباطة قوم فبال فتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه.
ولو أنّ امرأة مسحت على خمارها إن نفذ الماء منه وبلغ ربع رأسها، جاز وإلا فلا.
وصورة المسح أن يبلّ يديه بالماء ظاهرهما وباطنهما، ثم يضع كفيه وثلاثة أصابع من كل يد على مقدم الرأس، غير الإبهامين والسبابتين فإنه لا يضعهما، ثم يمدّ الكف والأصابع إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح بالإبهامين ظاهر الأذنين وبالسبابتين باطنهما، ثم يمسح بظاهر اليدين الرقبة.
هذا إذا مسح رأسه ولم يضع يديه على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين، فأما إذا وضع فإنه يأخذ لمسح الأذنين والرقبة ماءً جديدًا.
ثم يغسل رجليه ثلاثا ثلاثا مع الكعبين يبدأ من الأصابع إلى الكعبين، ويقول عند غسل رجله اليمنى: اللهم ثبت قدمي على السراط يوم تزل فيه الأقدام ويقول عند غسل رجله اليسرى: اللهم اجعل لي سعيا مشكورا وعملا مبرورا وذنبا مغفورا وتجارة لن تبور بفضلك ورحمتك يا غفار.
فإذا فرغ من الوضوء، يصب الماء على يديه ويمسح بهما رقبته، وينظر إلى السماء وينشر سبابته ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك، ثم ينظر إلى الأرض ويقول: وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من فعل هذا غفر له كل صغيرة وكبيرة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا فرغ العبد من وضوئه فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، يختم له بخاتم ثم يوضع تحت العرش، فلا يكسر حتى يدفع إليه يوم القيامة، ثم يقرأ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} [القدر:1] ثلاث مرات لقوله عليه الصلاة والسلام: من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر على أثر الوضوء مرة كتب الله تعالى له عبادة خمسين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، ومن قرأ مرتين أعطاه الله تعالى ما يعطى الخليل والكليم والرفيع والحبيب صلوات الله عليهم أجمعين، ومن قرأها ثلاث مرات يفتح الله له ثمانية أبواب الجنة فيدخل من أيّ باب شاء بلا حساب ولا عذاب، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر على أثر الوضوء مرة واحدة كتب من الصديقين، ومن قرأها مرتين كتب من الشهداء، ومن قرأها ثلاث مرات يحشره الله تعالى مع الأنبياء عليهم السلام.
ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات؛ لقوله صلى الله عليه سلم: من صلى عليّ بعد غسل القدمين عشر مرات، فرج الله همه واستجاب دعوته.
فإذا فرغ من الوضوء، صلى ركعتين شكرا للوضوء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن الله عز وجل: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين ولم يسأل منّي حاجة فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين وسأل منّي حاجة فلم أجبه فقد جفوته ولستُ برب جاف، ولما روينا من حديث بلال رضي الله تعالى عنه، ولأن المقصود عن الوضوء الطهارة؛ لقوله تعالى: تعالى {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [المائدة:6]، والطهارة نعمة في حق العبد؛ لأنه كان قبلها ممنوعا عن الصلاة والطواف وأخذ المصحف وقراءة القرآن ودخول المسجد إذا كان جنبا، فأما إذا تطهر، فقد صار مطلق العنان في الكل فيكون هذا نعمة في حقه، فوجب شكرها لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} [النحل:11، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من أنزلت إليه نعمة فليشكرها.
ثم يدخل المسجد يبدأ برجله اليمين ويقول: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وفضلك ومغفرتك ورزقك وبركاتك، وأدخلنا فيها برحمتك يا أرحم الراحمين؛ لقوله عليه السلام لعليّ رضي الله عنه: يا عليّ، إذا دخلت المسجد، فابدأ برجلك اليمين وقل بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، للهم افتح لنا أبواب رحمتك وأبواب فضلك، وإذا برزت من المسجد فابدأ برجلك اليسرى وقل كذلك.
ثم يسلم على القوم وأيّ موضع وجد خاليا يقعد، ولا يتخطى رقاب الناس إلا إذا وجد موضعا خاليا في الصف الأول، فإن لم يكن فيه أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ثم يصلي ركعتين تحية المسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
هذا إذا دخل وقت مباح، فأما إذا دخل في الأوقات المكروهة فلا يصلي، ولكنه يحمد الله تعالى ويثني عليه ويسبح ويهلل ويكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقعد حتى يدخل وقت مباح.
والأوقات المكروهات خمسة، ثلاثة منها لا تجوز فيها الصلاة لا فرضا ولا نفلا: عند طلوع الشمس، وعند قيامها في الظهيرة، وعند غروبها إلا عصر يومه.
وقتان يجوز فيهما قضاء الفرض ويكره فيهما تطوعا: بعد أداء صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر إلى أن تغرب الشمس، وكذلك بعد طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس إلا ركعتين سنة الفجر.
فإذا دخل وقت مباح، يقوم ويؤذن ويصلي سنة الوقت، ثم يقيم ويصلي الفريضة.
وإن كان يصلي بالجماعة لا يحتاج إلى الأذان والإقامة.
وإن كان يصلي فائتة، يؤذن لها ويقيم، فإن اقتصر على أحدهما جاز.
ثم إذا أراد الخروج من المسجد يبدأ برجله اليسرى ويدعو بمثل ما دعا عند الدخول.
وينبغي أن يتوضأ قبل وقت الصلاة ويدخل المسجد قبل الأذان، ويصلي تحية المسجد، ويقعد منتظرا للصلاة؛ ليكون من أهل هذه الآية {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير} [فاطر:32].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين سبقوا إلى الخيرات، وبادروا إلى الطاعات ووصلوا إلى الدرجات بفضله وكرمه إنه وليّ الحسنات.
فصل في نواقض الوضوء
اعلم بأنّ الخارج من البدن على ضربين: طاهر، ونجس،
فبخروج الطاهر لا ينتقض الوضوء، كالدمع والبزاق والعرق والمخاط واللبن،
وأما النجس فلا يخلوا إما أن يخرج من السبيلين أو من غيرها، كالدم والقيح من البدن وغيره.
فإن خرج من السبيلين، انتقض الوضوء بنفس الخروج قليلا كان أو كثيرا ولا يشترط فيهما السيلان.
وإن خرج من غير السبيلين، إن سال عن رأس الجرح ووصل إلى موضع طاهر، انتقض الوضوء. وإن لم يسل، فلا ينتقض.
أما الخارج من السبيلين فهو كالبول والغائط، والمني من غير شهوة، والمذي والودي، ودم الاستحاضة، والريح، والدودة والحصاة إذا خرجتا من الدبر.
وكذلك كل ما وصل من الخارج إلى الداخل ثم خرج أو أخرجه نحو الحقنة وغيرها، أو أقطر في إحليله ثم سال، أو أخرج القطنة من إحليله وهي مبلولة أو أخرجتها المرأة من فرجها و هي مبلولة.
وأما الخارج من غير السبيلين فهو كالدم والقيح والصديد والرعاف والقيئ ملأ الفم سواء كان طعاما أو مرة صفرا أو سودا أو ماء لم يخالطه شيء بعد أن وصل إلى الجوف.
وإن كان قاء دما، انتقض الوضوء قليلا كان أو كثيرا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله، وقال محمد رحمه الله: لا ينقض الوضوء ما لم يكن ملأ الفم.
وإن قاء علقا، لا ينتقض الوضوء ما لم يكن ملأ الفم في رواية الحسن.
وإن نزل الدم من الرأس، ووصل إلى قصبة الأنف، انتقض الوضوء.
وكذلك النوم مضطجعا أو متكأ أو مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط.
وكذلك الجنون والإغماء والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
ولو خرج الدم من رأس الجرح فمسحه، ثم خرج فمسحه هكذا مرارا، إن كان بحال لو تركه سال نقض الوضوء، وإن تركه ولم يسل، لم ينتقض الوضوء، وإن سال بعصره نقض.
ولو خرج البول إلى القلفة، نقض الوضوء.
ولو توضأ أو اغتسل هذا الأقلف ولم يغسل داخل الجلدة، أجزأه.
ولو مسّ ذكره، لم ينتقض الوضوء، وكذلك لو مسّ امرأته بشهوة أو قبّلها أو عانقها ولم يظهر منه شيء.
ولو باشر امرأته بشهوة متجردا، وانتشر آلته ومسّ الفرجُ الفرجَ، انتقض الوضوء عندهما خرج منه شيء أو لم يخرج، وعند محمد رضي الله لا ينتقض ما لم يخرج منه شيء.
ولو دمى فمه، إن كان البزاق غالبا لا ينقض الوضوء، وإن كان الدم غالبا أو كان سواء نقض الوضوء.
ولو دميت قصبة الأنف وظهر على رأس منخره، نقض وإلا فلا.
والخارج السائل نجس والذي لم يسل طاهر، وإن امتلأ الثوب منه لا بأس به.
ومن أيقن بالطهارة وشكّ في الحدث، فهو على الطهارة.
ومن أيقن بالحدث وشك في الطهارة، فهو على الحدث.
مسألة لطيفة مريض صلى مضطجعا فنام فيها، لم ينقض الوضوء؛ وفي رواية ينتقض الوضوء كما في الصحيح، لأنه بمنزلة القائم والقاعد، والفتوى على هذه الرواية.
ولو وضع رأسه على ركبتيه ونام، لا ينقض الوضوء، وإن غلبه النوم فسقط، إن استيقظ قبل السقوط لا ينقض الوضوء، وإن استيقظ بعد السقوط انتقض الوضوء.
ولو نام قاعدا على أحد وركيه، انتقض الوضوء.
ولو نام في الصلاة على أيّ حال كان لا ينتقض الوضوء.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل السعادة والشهادة وأدلة الرشاد، ويرزقنا فوز المعاد و سلامة المرصاد بفضله وكرمه إنه رؤف بالعباد.
فصل في الاغتسال
الأصل في وجوب الغسل قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6]، وقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا} [النساء:43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ألا فبلوا الشعر انقوا البشر فإن تحت كل شعرة جنابة.
اعلم بأن الغسل على ستة عشر وجها: أربعة منها فريضة، وأربعة منها واجبة، وأربعة منها سنة، وأربعة منها مستحبة.
أما الأربعة التي هو فريضة:
(1). فمنها الغسل من إلتقاء الختانين، إذا غابت الحشفة من قبل أو دبر على الفاعل والمفعول أنزل أو لم ينزل.
(2). والثاني الغسل من المني، إذا أنزل عن شهوة بأي طريق كان، سواء كان بالجماع في قبل أو دبر أو فيما دونهما، أو بإتيان البهيمة أو بعلاج اليد أو الاحتلام أو النظر أو اللمس أو الفكرة أو القبلة أو الجماع دون الفرج.
ولو سال المني لعلة، لا يجب الغسل نحو: أن يضرب على ظهره أو سقط من سطح أو حمل شيئا ثقيلا فسبق المني.
ولو اغتسل من الجنابة قبل أن يبول، ثم خرجت من ذكره بقية المني فعليه الغسل ثانيا عند أبي حنيفة و محمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا غسل عليه؛ ولذلك لو احتلم فشد على ذكره ومنع خروج المني دفقا، ثم سال المني بعد ما سكنت شهوته فعليه الغسل عندهما، و قال أبو يوسف رحمه الله: لا غسل عليه.
(3). والثالث الغسل من دم الحيض.
(4). والرابع الغسل من دم النفاس.
وأما الأربعة التي هي واجبة:
(1). فهي غسل الموتى.
(2). والرجل إذا كانت على بدنه نجاسة أكثر من قدر الدرهم فقد نسي موضعها.
(3). وإذا انتبه الزوجان فوجدا على فراشهما منيا ولا يدرى من أيهما كان، وجب عليهما الغسل احتياطا، وقيل ينظر إن كان هذا المني طويلا يجب الغسل على الرجل وإن كان عريضا يجب على المرأة، ووجه آخر ينظر إن كان هذا المني أبيض فهو مني الرجل وإن كان أصفر فهو مني المرأة.
(4). والرابع الصبي إذا أدرك بالاحتلام.
وأما الأربعة التي هي سنة:
(1). فهي غسل يوم الجمعة.
(2). (3). والعيدين
(4). وعند الإحرام سواء إن كان إحرام العمرة أو الحج.
وأما الأربعة التي هي مستحبة:
(1). فمنها الكافر إذا أسلم.
(2). والكافرة إذا أسلمت.
(3). والصبي إذا أدرك بالسن.
(4) والمجنون إذا أفاق.
وقد قالوا في المستحب: ثمانية أخرى و هي: الغسل من الحجامة، والغسل في ليلة البراة، وفي ليلة القدر، وفي ليلة عرفة، وعند الوقوف بعرفات يوم عرفة، وعند الوقوف بالمزدلفة، وغداة يوم النحر، وعند دخوله في منى يوم النحر، وعند دخوله في مكة لطواف الزيارة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من التوابين والمتطهرين ومن عباده الصالحين بفضله وكرمه إنه ولي المتقين.
فصل في كيفية الاغتسال.
الأصل فيها ما روي عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: وضعت الإناء للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله وصب الماء على يمينه فغسل كفيه، ثم أفاض الماء على فرجه فغسله، ثم وضع يده على الحائط أو على الأرض فدلكها، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه ثلاثا، ثم أفاض الماء على سائر جسده ثلاثا، ثم تنحّى عن ذلك الكان فغسل رجليه.
وإذا أراد الرجل الاغتسال ينبغي أن يبدأ بالنية، ينوي بقلبه ويقول بلسانه: نويت الغسل لرفع الجنابة تقربا إلى الله تعالى، ثم يسمي الله، ثم يغسل يديه ثلاثا، ثم يستنجي كما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل ما أصاب بدنه من النجاسة، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ويبالغ في المضمضة
والاستنشاق، ويغرغر إلا أن يكون صائما، وهما فرضان في الغسل نفلان في الوضوء، فإن في الفم جلد وفي الأنف شعرة، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، ويُسيل الماء على جميع بشرته معاينة أو غير معاينة، ويدلك جميع أعضائه، ويخلّل بين أصابعه، ثم يتنحّى عن ذلك المكان فيغسل رجليه، هذا إذا كان في مستنقع الماء.
فأما إذا كان قائما على حجر أو آجر أو غير ذلك، فلا يتنحّى ويَطهران بسيلان الماء عليهما، وينزع الخاتم إذا كان ضيقا أو يحرّكه.
والرجل والمرأة في الاغتسال سواء، وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول شعرها، وكذلك الرجل في رواية.
وثمن الماء الذي تغتسل به المرأة وتتوضأ به، يجب على الزوج.
وإذا تزوج المسلم كتابية، ليس له إجبارها على الاغتسال، وله أن يمنعها عن الخروج إلى الكنائس.
وإذا استيقظ من النوم فوجد على فراشه منيا ولم يتذكر الاحتلام، يجب عليه الغسل.
وإذا احتلم ولم ير الماء، لا يجب عليه الغسل.
وإن كانت امرأة، يجب عليها الغسل هذا إذا كانت نائمة على قفاها؛ لاحتمال أن الماء جاء ثم رجع، وأما إذا كانت نائمة على وجهها أو على إحدى جنبها، لا يجب عليها الغسل. وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء.
فصل في التيمم
الأصل في جواز التيمم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] , وقوله صلى الله عليه وسلم: التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء، وإذا وجد الماء فليلمس بشرته، وقوله صلى الله عليه وسلم: التراب كافيك ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فامسه جلدك، وقوله سلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت.
وإذا أراد الرجل التيمم ينبغي أن يبدأ بالنية ينوي بقلبه ويقول بلسانه: نويت التيمم؛ لرفع الحدث أو يقول: نويت التيمم للصلاة تقربا إلى الله تعالى.
و هو فرض في التيمم، ثم يسمي كما ذكرنا، ثم يضرب بيديه على صعيد طاهر يُقبل بهما و يدبر ويفرج بين أصابعه، ثم يرفعما وينفضهما نفضة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه، ويستوعب جميع وجهه حتى لو بقي شيء منه، لا يجوز تيممه كما في الوضوء.
وذكر في الفتاوى رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر رحمة الله عليهم أنه إذا تيمم الأكثر من وجهه والأكثر من يديه جاز.
ثم يضرب بيديه ثانيا على الأرض أو على ذلك المكان أو على غيره ويفرج بين أصابعه ويقبل بهما ويدبر، ثم يرفعهما وينفضهما نفضة، ثم يمسح بباطن أربعة أصابعه اليسرى ظاهر أربعة أصابعه اليمنى يبدأ من رؤوس الاصابع ويمدها إلى المرفق، ثم يدبر يده اليسرى ويضع كفه اليسرى على باطن ذراعه اليمنى دون الإبهام ويمدّها إلى الرسغ، ثم يمدّها باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل بيد اليسرى كذلك، ثم يخلل بين أصابعه.
والتيمم في الجنابة والحدث والحيض والنفاس سواء.
ويجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، كالتراب والرمل والحجر والجص والصخور والنوره والكحل والزرنيخ، وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة.
ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل في الوقت وخارج الوقت ما لم يحدث أو يرى الماء ويقدر على استعماله.
وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء.
وينقضه أيضا رؤية الماء إذا كان قادرا على استعماله.
والجنب إذا لم يكن له بد من دخول المسجد، ينبغي له أن يتيمم ثم يدخل المسجد، وكذلك الحائض والنفساء.
ولو تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف أو الكتابة، لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم.
ولو تيمم لصلاة الجنازة أو سجودة التلاوة أو قراءة القرآن، جاز له أن يصلي بذلك التيمم والله أعلم.
فصل في المسح على الخفين.
الأصل في جوازه قوله صلى الله عليه وسلم: للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها على الخفين إن شاء إذا لبسهما و هو متوضأ، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى، وعن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: حدّثني سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوه يمسح على الخفين، وروي عن صفوان ابن عساكر المرادي رضي الله عنه أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنّا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالها إلا من جنابة لا من غائط أو بول أو نوم.
وإذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث، جاز له أن يمسح عليهما، للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها من وقت الحدث إلى وقت الحدث.
ولا يعتبر فيه وقت اللبس ولا وقت الطهارة، وإنما يعتبر فيه وقت الحدث بعد لبس الخفين إن كان مقيما إلى أن يجيئ ذلك الوقت من الغد، و إن كان مسافرا إلى أن يجيئ ذلك الوقت بعد ثلاثة أيام وليالها.
ويمسح في مدة المسح من كل حدث موجب للوضوء إلا إذا أصابته جنابة فإنه يغسل رجليه.
والرجل والمرأة فيه سواء، والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطا بالأصابع يبدأ برؤوس الأصابع إلى الساق، وفرض ذلك ثلاثة أصابع من أصابع اليد.
والخرق المانع للمسح مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرجل.
ولو كانت مقدمة الخف مشقوقة إلا أنها مشدودة فلا بأس بالمسح عليه، وكذلك إذا كان الخرق طولا لا يتبين الرِجل منه.
ولو كان الخرق في مواضع متفرقة إن كان في خف واحد يجمع، وإن كان في خفين لا يجمع.
وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء، وينقضه أيضا نزع الخف، ومضي المدة.
فإذا مضت المدة، نزع خفيه وغسل رجليه وصلى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء.
فصل في المسح على الجبائر.
الأصل في جوازه ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كسر زنده يوم أحد فسقط اللواء من يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في يساره فإنه صاحب لوائي في الدنيا والأخرة، فقال علي رضي الله عنه: ما أصنع بالجبائر يا رسول الله؟ فقال: امسح عليها.
ويجوز له أن يمسح عليها سواء شدّ عليها على وضوء أو على غير وضوء، وسواء كانت الجبيرة أكبر من موضع الجراحات أو بقدره.
فإن سقطت الجبيرة من غير برئ أو رماها وشدّها بجبيرة أخرى أو هلكت الجبيرة جاز ولم يبطل المسح.
وإن سقطت عن برئ بطل المسح، يغسل ذلك الموضع ولا يعيد الوضوء.
وإن كان في خلال الصلاة فسقطت عن غير برئ، لم تبطل صلاته.
وإن سقطت عن برئ، بطلت صلاته، و يغسل ذلك الموضع ويعيد الصلاة.
ولو توضأ ومسح على الجبيرة، ثم ابتلت الجبيرة من الجراحة إن نفد البلل إلى الخارج نقض الوضوء وإلا فلا.
ولو كان الرباط ذاطاقين أو ثلاثا فتعدى إلى البعض دون البعض أوكانت على الجراحة قطنة فنفد البلل منها نقض الوضوء.
وإذا أجنب الرجل وعلى جميع جسده أو على أكثره جراحة أو به جدري، فإنه يتيمم ولا يمسح على الجراحة ولا يغسل موضع الصحيح.
فإن كان أكثر بدنه صحيحا، فإنه يغسل الصحيح ويمسح على الباقي، وكذلك هذا الحكم في أعضاء الوضوء، ولو ترك المسح على الجبيرة، إن كان الماء يضره جاز وإلا فلا.
باب في فضل صلاة الفرض
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم كثير الماء، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الدرن، يعنى أن الصلوات الخمس تطهر الذنوب، وقال النبي عليه السلام: من توضأ وأسبغ الوضوء ثم قام إلى الصلاة وأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، ثم صعدت إلى السماء ولها نور وضوء، فتفتح أبواب السماء حتى تنتهي إلى ما شاء الله فتشفع لصاحبها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهنّ تامّا ولم ينقصهنّ، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من سرّه أن يلقي الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات الخمس المفروضات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يتطهّر فيحسن طهوره، ثم يعهد إلى مسجد من المساجد، فيصلى فيه إلا كتب الله بكل خطوة حسنة، ورفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن إذا اجتنب الكبائر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى في الجماعة أربعين يوما لم تفته ركعة، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من داوم على الصلوات الخمس في الجماعة، أعطاه الله تعالى خمس خصال: أولها يرفع الله عنه ضيق العيش، ويرفع عنه عذاب القبر ويعطي كتابه بيمينه ويمر على الصراط كالبرق الخاطف ويدخل الجنة بغير حساب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل الأعمالِ الصلاةُ في وقتها.
وقال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كانت للصلوات الخمس هذه الفضائل فينبغي للعبد أن يواظب عليها ويؤديها في أوقاتها مع تمام ركوعها وسجودها وحسن قراءتها وتسبيحاتها وتكبيراتها وقنوتها وتشهدها، ويأتي بجميع شرائطها من الفرائض والواجبات والسنن والآداب، ويجتنب منهياتها ومكروهاتها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة مكيال فمن أوفى وفّى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين، وقال حذيفة بن اليماني رضي الله عنه: أنه رأى رجلا يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده فقال: لو متّ على هذا مت على غير فطرة الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأسواء الناس سرقة قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يسرق من صلاته، وقالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتمّ ركوعها ولا سجودها.
وإذا أراد الشروع في الصلاة ينبغي أولا أن يتوب من جميع ذنوبه، ويطهر قلبه من الغلّ والغشّ والحقد والحسد والمكر والحيلة، ويحفظ لسانه من الكذب والبهتان والغيبة والنميمة والخصومة والباطل، ويحفظ عينيه من النظر إلى الحرام، وأذنيه من سماع اللهو والطرب والهذيان، ويده من ظلم الناس، وبطنه من أكل الحرام، وبدنه من لباس الحرام، ورجليه من السعي في غير رضى الله تعالى.
ثم يأتي بالصلاة مع التعظيم والحرمة والهيبة والوقار والسكينة والإجلال، ويقوم بين يدى الله تعالى ظاهرا وباطنا بالهيبة والإخلاص، ويرى أنها آخر صلاة يصليها، فيؤديها بأكمل أوصافها وأتمّ أركانها، ويصليها بالخضوع والخشوع والتضرع والانكسار وحضور القلب؛ لأن الله تعالى أمرنا بالخضوع في الصلاة حيث قال الله تعالى: {وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين} [البقرة:238]، أي: خاضعين، ومدح الخاشعين في الصلاة حيث قال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون} [المؤمنون:1] {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون:2]، ويعلم أنه واقف بين يدي الله تعالى، والله يعلم ما في سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أموره من صدقه ونفاقه وحقيقته ومجازه، ويعلم هو أنه يرى ربه عز وجل أيضا وهو يناجيه ويدعوه؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} [ق:16]، وقال صلى الله عليه وسلم: إذا صليت فاعلم أنك ترى ربك فإن لم تعلم أنك تراه فاعلم أنه يراك، وقال عليه السلام: المصلي يناجي ربه ثم يسأل الله تعالى حاجته بعد فراغها من القبول والتضعيف والتجاوز عن التقصير، ثم يرجع عنها ويكون بين الخوف والرجاء كما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما كان إذا أراد أن يتوضأ تَغيّر لونه فسأل عن ذلك رضي الله عنه فقال: إني أريد القيام بين يدي الله تعالى، وكان إذا أتى إلى باب المسجد رفع رأسه وقال: إلهي عبدك ببابك يا محسن، قد أتى المسيء وقد أمرت المحسن منا أن يتجاوز عن المسيء وأنت المحسن وأنا المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم، ثم يدخل المسجد، وعن علي رضي الله عنه أنه كان إذا حضر وقت الصلاة ارتعدت فرائصه، وتغير لونه فسئل عن ذلك فقال جاء وقت أداء الأمانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان فلا أدري أحسن أداء ما حملت به أم لا، وذكر أن رابعة العدوية رحمة الله عليها أنها كانت ذات يوم في الصلاة فسجدت على البواري فدخلت قطعة قصبة في عينها فلم تشعر بها حتى انصرفت من الصلاة، وذكر أيضا أن حاتم الزاهد رحمه الله دخل يوما على عصام بن يوسف فقال له عصام: يا حاتم، هل تحسن أن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال: إذا تقارب وقت الصلاة أسبغت الوضوء، ثم
أستوي قائما في الموضع الذي أصلي فيه حتى يستقر كل عضو مني مكانه، وأرى الكعبة بين حاجبي، والمقام بخيال صدري، والله تعالى فوقي، ويعلم ما في قلبي، وكأّن قدمي على الصراط، والجنة عن يميني والنار عن يساري، وملك الموت من خلفي، وأظنّ أنها آخر صلاتي، ثم أكبر تكبيرة بإحسان، وأقرأ قراءة بتفكر، وأركع ركوعا بالتواضع، وأسجد سجودا بالتضرع، ثم أجلس على التمام، وأتشهد على الرجاء، وأسلّم على السنة، ثم أسلّم على الإخلاص، وأقوم بين الرجاء والخوف، ثم أتعاهد أمري على الصبر، قال عاصم: يا حاتم، مذ كم كذا صلاتك؟ قال: كذا صلاتي منذ ثلاثين سنة، قال فبكى عصام رضي الله عنه، وقال ما صليت من صلاتي مثل هذه أبدا، قال حاتم: يا أخي، إذا دخلت على أمير أو سلطان ترتعد أعضاؤك من خوفه و هيبته، وتقف بين يديه بالخوف والأدب، وتتعاهد أفعالك وأقوالك لكيلا يحصل منك فعل ولا قول لا يرضى عنك الأمير؛ فتستوجب عتابه أو عقابه، وهو مثلك مخلوق ومحتاج، فهل وقفت يوما بين يدي الله تعالى مثل ما وقفت بين يدي الأمير؟ وهو عبد والله تعالى خالق الخلق أجمعين، ومصوّرهم ورازقهم ومغنيهم ومحوّلهم من حال إلى حال.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص و التوفيق، وحسن خاتم الأمر، والتصديق بفضله وكرمه إنه سميع قريب مجيب والله أعلم.
فصل في عدد الركعات.
اعلم أن عدد ركعات الفرض في حق المقيم في اليوم والليلة سبع عشر ركعة: ركعتا الفجر، وأربع الظهر، وأربع العصر، وثلاث المغرب، وأربع العشاء.
وفي يوم الجمعة خمسة عشرة ركعة.
وفي حق المسافر احدى عشر ركعة.
والوتر ثلاث ركعات، يستوي فيه المقيم والمسافر.
والسنن اثنان وعشرون ركعة، يستوي فيها المقيم والمسافر:
ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعدها وإن شاء ركعتين.
وسنة الجمعة ثمان ركعات: أربع قبل الفريضة بتسليمة، وأربع بعدها بتسليمة. وقال أبو يوسف رحمه الله: ست: بعدها أربع بتسليمة، وركعتان بعد الأربع.
وصلاة العيدين ركعتان.
وصلاة الجنازة أربع تكبيرات.
وصلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات.
وصلاة الكسوف والخسوف ركعتان في كل ركعة ركوع واحد.
وصلاة الاستسقاء ركعتان عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وصلاة الضحى أقلها ركعتان وأكثرها اثنا عشرة ركعة بثلاث تسليمات، وإن شاء بست تسلمات.
وصلاة الأوّابين وهي ما بين العشاء والمغرب ست ركعات بثلاث تسليمات.
وصلاة الرغائب اثنى عشر ركعة بست تسليمات، وهو ما بين العشاءين، يقرأ في كل ركعة الفاتحة مرة وإنّا أنزلناه ثلاث مرات وقل هو الله أحد إثنا عشر مرة، يصوم أول خمس من رجب ويصليها بعد المغرب في ليلة الجمعة ما بين العشاءين.
وصلاة الافتتاح في النصف من رجب وهي صلاة آدم عليه السلام عشرون ركعة،
وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة بخمسين تسليمة.
وصلاة الاستخارة ركعتان.
وسنة الطواف ركعتان.
وعند الإحرام ركعتان.
وعند رمي كل جمرة ركعتان بعد الدعاء إلا جمرة العقبة فإنه لا يدعو ولكن يصلي.
وفي ليلة القدر مائة ركعة.
وفي ليلة عرفة مائة ركعة.
وفي أوّل ليلة من المحرم ست ركعات.
وفي ليلة عاشوراء اثنتا عشرة ركعة.
نسأل الله أن يغفر لنا ما مضى، ويختم لنا بما يرضى به عنّا، ويجعلنا من الشاهدين في الأذكار والمستغفرين بالأسحار بفضله وكرمه إنه للذنوب غفّار وللعيوب ستّار.
فصل في النية
الأصل فيها قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5]، والإخلاص إنما يحصل بالنية، وقوله عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
اعلم بأن المصلي له ثلاثة أحوال:
إما أن يكون منفردا، أو مقتديا، أو إماما.
فإن كان منفردا وأراد أن يصلي سنة الفجر ينويها بقلبه، ويقول بلسانه: نويت أن أصلي لله تعالى سنة الفجر ركعتين أداءً مستقبل القبلة الله أكبر، ويقول في الفرض: نويت أن أصلي لله تعالى فرض الفجر ركعتين أداء مستقبل القبلة الله أكبر، وفي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والسنن والفرائض ينوي هكذا إلا أنه يزيد في عدد الركعات.
وفي الوتر يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة الوتر الواجب ثلاث ركعات أداء مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي التراويح يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة التراويح ركعتين أداء مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي النوافل يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة التطوع ركعتين مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي صلاة الضحى يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة الضحى ركعتين تطوعا مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي سائر الصلوات يقول هكذا.
وإن كان مقتديا بالإمام يقول: نويت أن أصلي لله تعالى فرض الفجر ركعتين أداء مأموما أو مقتديا بالإمام مستقبل القبلة الله أكبر، وفي سائر الصلوات يقول هكذا.
وفي الجمعة يقول: نويت أن أصلي لله تعالى فرض الجمعة ركعتين أداء مأموما أو مقتديا بالإمام مستقبل القبلة الله أكبر، ويقول في سنتها: نويت أن أصلي لله تعالى سنة الجمعة أداء مستقبل القبلة الله أكبر، ولو قال سنة الظهر والوقت جاز. والأفضل أن يقول: سنة الجمعة أربع ركعات متوجها إلى القبلة.
وفي العيدين يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة العيد ركعتين أداء مأموما بالإمام مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي صلاة الجنازة يقول: نويت أن أصلي لله تعالى صلاة الجنازة أربع تكبيرات مقتديا بالإمام مستقبل القبلة الله أكبر.
وأما الإمام فإنه ينوي كما ينوي المنفرد إلا إذا كان خلفه نساء، فإنه لا يصح إمامته لهنّ إلا بالنية. وقال زفر رحمه الله يصح.
هذا الذي ذكرنا كله في الأداء.
وأما في القضاء فإنه يقول في فجر يومه: نويت أن أصلي لله تعالى فرض فجر اليوم ركعتين قضاء مستقبل القبلة الله أكبر.
وفي فجر الأمس يقول نويت أن أصلي لله تعالى فجر الأمس ركعتين قضاء مستقبل القبلة الله أكبر. وفي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ينوي هكذا.
وإن كانت عليه فوائت شهر أو سَنَة إن كان يصلي على الترتيب من أوّل الشهر أو السنة يقول: نويت أن أصلي لله تعالى فرض أوّل فجر علي قضاء، وكذلك يقول في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وسائر الصلوات.
وإن لم يصلي على الترتيب من أوّل الشهر والسنة يقول: نويت أن أصلي لله تعالى آخر فرض فجر علي قضاء وهكذا يقول في سائر الفرائض.
فإن صلى مع الإمام يوم الجمعة وشك في اعتقاده أو في طهارته أو وقع الشك في كون مصره دار الإسلام أو دار الحرب، وأراد أن يحتاط في أمر الصلاة فإنه يصلي بعد صلاة الإمام أربع ركعات، وينوي صلاة الظهر يقول: نويت أن أصلي لله تعالي فرض الظهر أربع ركعات أداء مستقبل القبلة الله أكبر.
وإن كان عليه فوائت ودخلت في حد التكرار سقط الترتيب.
وإن كانت عليه فوائت ولم تدخل في حد التكرار، يرتب في قضاء ثم ينوي هذه أداء ثم يصلي بعد هذه الأربع سنة الجمعة.
ولو اقتصر في الفرض على قوله: أصلي لله تعالى فرض الفجر أو فرض الوقت أداء الله أكبر جاز. وفي النوافل لو اقتصر على قوله: أصلي لله تعالى ركعتين الله أكبر جاز.
والنية عمل القلب، وهو أن يعلم أي صلاة يصلي، فرضا أو نفلا أو قضاء أو أداء.
والنية بالقلب فرض وباللسان سنة.
ولو ذكر بلسانه ولم ينو بقلبه لم تجز صلاته، ولو نوى بقلبه ولم يذكر بلسانه جازت صلاته. والأفضل أن يُشغل قلبه بالنية ولسانه بالذكر ويديه بالرفع.
وينبغي أن تكون بنية مقارنة بالتكبير لا يفصل بينهما بشيء والله تعالى أعلم.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل الصالح والإخلاص فيه بفضله وكرمه إنه سميع الدعاء.
فصل في وجوب الصلاة
[أوقات الصلات]
الأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [البقرة:43]، وقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين} [البقرة:238]. وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} [هود:114] وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130]
وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون} [الروم:17] {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُون} [الروم:18]
وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب} [ق:39]
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود} [ق:40]، وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم} [الطور:49]، أراد بهذه الآيات الصلوات الخمس.
وقوله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلات، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وقوله عليه السلام: صلّوا خمسكم وصوموا شهركم حجوا بيت ربكم وادوا ذكوة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا الجنة ربكم بلا حساب ولا عذاب، وقوله عليه السلام: الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين، وقوله عليه السلام: من ترك صلاة متعمدا فقد كفر يعني لا يراها واجبا.
[كيفية الصلاة]
وإذا أراد الرجل افتتاح الصلاة، استقبل القبلة على الطهارة واستغفر الله تعالى ويقول: ربنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين، اللهم إنا نعوذ بك من وسواس الصدور وسيئات الأمور ونعوذ بعفوك من عقابك ورضاك من سخطك، اللهم نبهنا من نومة الغافلين ووفقنا لما تحب وترضى وجنبنا عمّا تكره وتسخط، ربنا اغفر لنا ولأخواتنا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم.
ثم يقرأ وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ثم يقرأ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولا يقول وأنا أول المسلمين.
وإن شاء يقرأ إني وجّهت وجهي بعد الثناء قبل التعوذ.
ثم ينوي الصلاة بقلبه، ويذكر بلسانه كما وصفنا، ثم يكبر تكبيرة الافتتاح بحضور قلبه والخشوع والخضوع والسكينة متصلا بالنية، ويرفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه ويفرّج بين أصابعه، ثم يقبض بيده اليمنى على مفصل يده اليسرى ويضعهما تحت السرة، ثم يقرأ سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقرأ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ويسرهما إماما كان أو منفردا في صلاة الجهر والمخافة، والتسمية ليست بآية من الفاتحة ولا بآية من أول كل سورة وإنما هو آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور وهكذا روي عن محمد رحمه الله،
ثم يقرأ فاتحة الكتاب والسورة ويجهر الإمام بهما في الفجر، والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء والجمعة والعيدين عندنا، وفي صلاة الكسوف والاستسقاء عندهما، وفي التراويح والوتر في شهر رمضان.
وإذا قال الإمام: ولا الضالين قال آمين ويقولها المؤتم ويخفونها.
وإن كان مقتديا لا يأتي بالتعوذ والتسمية والقراءة سواء كان الإمام في صلاة الجهر أو المخافة واختار بعض أصحابنا القراءة للمقتدى خلف الإمام في صلاة المخافة وهو قول أبي حنيفة الأول.
وأما المنفرد فإنه يفعل مثل ما يفعل الإمام إلا أنه في القراءة في صلاة الجهر مخير إن شاء جهر وإن شاء خافت.
فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ولا يرفع يديه ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرّج بين أصابعه ويبسط ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ويكون رأسه مع عجزه مستويًا، ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه. ولو زاد على ذلك كان أفضل إلا إذا كان إماما فإنه لا يزيد على الثلاث وقال بعضهم يقول أربعا حتى يمكن للقوم أن يقولوا ثلاثا.
ولو كان الإمام في الركوع فسمع من خلفه خفق النعل هل ينتظر أم لا؟ قال الفقيه أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا ينتظره، وإن كان لا يعرفه فلا بأس به.
ثم يرفع رأسه ويستوي قائما ويقول: سمع الله لمن حمده ويقول المقتدي: ربنا لك الحمد، وأما المنفرد فإنه يقولهما.
والقومة التي بين الركوع والسجود ليست بفرض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولكنه أساء إذا لم يقم صلبه، وقال أبو يوسف رحمه الله: هي فريضة، حتى أنه إذا لم يقم صلبه لا تجوز صلاته.
وإذا استوى قائما كبر وسجد فيكون أوّل ما يصيب الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته ثم أنفه، وإذا أراد القيام يرفع رأسه ثم يديه ثم ركبتيه.
ولو كان ذا عذر ولا يمكنه وضع الركبتين قبل اليدين فإنه يضع يديه أوّلا وكذلك في حالة القيام إن كان لا يمكنه رفع اليدين أولا، يرفع الركبتين ثم اليدين ويسجد على أنفه وجبهته.
فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة رحمه الله سواء كان بعذر أو بغير عذر، وعندهما لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا لعذر، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه رجع عن هذه المسألة.
ولو وضع خده أو ذقنه لا يجوز في حالة العذر، ولا في غير حالة العذر.
وإن كان به عذر لا يمكنه السجود على الجبهة والأنف أو على أحدهما، فإنه يومئ إيماء ولا يسجد.
ويضع يديه في السجود خذاء أذنيه ناشرا أصابعه مستقبل القبلة، ولا يفترش ذراعيه ويبدئ ضبعيه ويجافي بطنه عن فخذيه ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه و لو زاد عليه كان أفضل كما ذكرنا في الركوع.
وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز، ولا يكره إذا كان لِدفع الأذى وإن كان تكبرا يكره.
ثم يرفع رأسه مكبرا، ثم يستقيم قاعدا، وليس بين السجدتين ذكر سوى التكبير.
ثم يكبر ويسجد مرة أخرى ويفعل في السجدة الثانية مثل ما فعل في الأولى. وإن خفف سجوده فلما رفع رأسه سجد شجدة أخرى، وروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: إن كان إلى القعود أقرب جاز سجوده، وإن كان إلى الأرض أقرب لا يجوز.
ثم يرفع رأسه مكبرا وينهض واقفا على صدور قدميه ولا يجلس ولا يعتمد بيديه على الأرض.
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يرفع يديه.
وأما التسمية فعن أبي حنيفة فيها روايتان في رواية لا يأتي بها وفي رواية يأتي بها عند افتتاح كل ركعة في الجهر والمخافة وهو قولهما، وأما عند رأس كل سورة فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يذكرها وعند محمد رحمه الله إذا جمع بين السورتين فإن أسر بالقراءة ذكر على رأس كل سورة وإن جهر لم يذكرها، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه كان يقرأ عند الفاتحة في كل ركعة، وإن قرأ عند السورة فحسن.
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى وجلس عليها، ونصب اليمنى نصبا، ووجّه أصابعها نحو القبلة، ووضع يديه على فخذيه، وبسط أصابعه وفرّجها. وهذه القعدة سنة لو تركها جازت صلاته عامدا كان أو ناسيا إلا أن في النسيان يلزمه سجود السهو وفي العمد لا يلزمه ويكون مسيئا.
فإن نسيها وقام ثم تذكر، إن كان إلى القعود أقرب عاد، وإن كان إلى القيام أقرب لم يعد وسجد للسهو في الحالين.
ثم يتشهد والتشهد التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى، وإن زاد فيها مقدار قوله: اللهم صل على يلزمه سجدة السهو.
ثم يقوم ولا يعتمد بيديه على الأرض إلا لعذر، ويفعل في الشفع الثاني مثل ما فعل في الشفع الأول إلا في القراءة فإنه يقرأ الفاتحة دون السورة.
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الرابعة جلس كما جلس في القعدة الأولى، ويتشهد كما تشهد في الأولى، ثم يقرأ بعد قراءة التشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سياتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات تابع بيننا وبينهم بالخيرات إنك قريب مجيب الدعوات يا قاضي
الحاجات يا منزل البركات يا دافع السيات يا مقيل العثرات إنك على كل شيء قدير برحمتك يا أرحم الراحمين.
وإن دعا بدعوة آخر جاز، ولكن ينبغي أن يدعو بدعاوات تشبه الألفاظ التي في القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعوا بما يشبه كلام الناس.
ثم يسلم عن يمينه ويقول: السلام عليكم ورحمة الله ويسلم عن يساره مثل ذلك.
فإن كان إماما ينوي من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء، وعن يساره مثل ذلك.
وكذلك إن كان مقتديا إلا أنه ينوي الإمام في الجانب الأيمن إن كان في الأيمن و في الجانب الأيسر إن كان في الأيسر هكذا، وإن كان تلقاء وجهه أدخله في الجانب الأيمن عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف رحمه الله، ومحمد أدخله في الجانبين.
وإن كان منفردا ينوي بالتسليمتين الحفظة لا غير.
فإذا سلم من الجانبين ينظر، إن كانت الصلاة بعدها سنة يقوم وينتقل من مكانه ويصلي السنة.
وإن لم يكن بعدها سنة كصلاة الفجر والعصر يقعد مكانه ويقول: الحمد لله على التوفيق واستغفر الله من التقصير سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأتوب إليك واشهد أن محمدا عبدك ورسولك.
ثم يقرأ آية الكرسي ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن الإسلام كما وصف وأن الدين كما شرع وأن القول كما حدث وأن الكتاب كما أنزل وأن الله هو الحق المبين ذكر الله محمدا بخير واعطي محمد أفضل ما يعطى العالمين وحي محمدا بالسلام. وهذا يقوله الإمام والقوم جميعا.
ثم يستقبل الإمام القوم بوجهه فيحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على نبيه، ويسأل الله تعالى القبول والتوفيق والعصمة والمغفرة والرحمة وخاتمة الأمر بالخير والسعادة، ويدعو لنفسه ولوالديه وللقوم وللمؤمنين والمؤمنات والقوم يؤَمِّنون.
ثم يختم دعائه بقوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وإن كان بحذاء الإمام أحد يصلي، ينحرف عنه ويدعو. وإن كان بينه وبين المصلي حائل، لا ينحرف.
والمنفرد يدعو كما يدعو الإمام وأي دعاء دعا به جاز.
والمسبوق إذا فرغ من التشهد تابع لإمام في القعود إلى أن يسلّم الإمام، وهل يتابعه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الدعوات أم لا؟
روى هشام عن محمد رحمه الله أنه يصلي على النبي عليه السلام، ويدعو بالدعوات التي هي في القرآن. وقال هشام من ذات نفسه إنه يكرر التشهد إلى أن يسلم الإمام ولا يسلم هو ويقوم إلى قضاء ما سبق به.
وإذا كان على المصلي سجدتا السهو، وفرغ من قراءة التشهد إن كان إماما لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأتي بالدعوات بل كما فرغ من قراءة التشهد يسلم عن يمينه ويسجد للسهو ويأتي بهما في تشهد سجدتي في السهو.
وإن كان منفردا يأتي بهما في تشهد الصلاة وفي تشهد سجدتي السهو والله أعلم.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على أداء الخمس الصلوات في أوقاتها مع تمام ركوعها وسجودها، ويجعل خير أعمالنا خاتمة أمرنا، ويفعل بنا ما هو أهله إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
فصل في صلاة المرأة
اعلم أن المرأة تفعل في الصلاة في جميع ما ذكرنا مثل ما يفعل الرجل إلا في الرفع والوضع والسجود والقعود.
أما في الرفع، فإنها ترفع يديها في التكبيرة الأؤلى خذاء منكبيها وتنشر أصابعها ولا تفرّج بينهما.
وأما في الوضع، فإنها تضع يديها على صدرها ولا تقبض بل تضع كفها اليمنى على ظاهر كفها اليسرى.
وأما في السجود، فإنها تضع يديها على الأرض خذاء منكبيها وتفترش ذراعيها وتنخفض، ولا تبدي ضبعيها وتلزق بطنها بفخذيها.
وأما في القعود، فإنها تجلس للتشهد في القعدة الأولى والثانية على أليتها اليسرى وتُخرج رجليها من الجانب الأيمن لأن ذلك أستر لها والله أعلم.
فصل في الاستحباب
الأفضل للمصلي أن يكون منتهى بصره في حال قيامه إلى موضع سجوده.
وفي حال ركوعه إلى ظهر قدميه.
وفي حال سجوده إلى أنفه.
وفي حال قعوده إلى حجره.
وفي حال سلامه إلى منكبيه.
لأن الله تعالى أمرنا بالخشوع والخضوع في الصلاة حيث قال: {وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين} [البقرة:238]،أي: خاضعين، ومدح الخاشعين في الصلاة حيث قال: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون:2]، وقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين} [البقرة:45].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الخشوع والخضوع والتوبة والاستقامة وخاتمة الأمر بالشهادة بفضله وكرمه إنه مجيب دعوات المضطرين وقاضي حوائج السائلين.
فصل في المنهيات
الأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم: لا تلتفتوا في صلاتكم فإنه لا صلاة للملتفت، وقوله عليه السلام: لو علم المصلي مع من يناجي ما التفت، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قبله لخشعت جوارحه.
وينبغي للمصلي أن لا يلتفت في صلاته يمينا ولا شمالا ولا وراه ولا أمامه.
ولا يعبث بثوبه ولا بجسده.
ولا يقلب الحصا إلا أن لا يمكنه السجود، فيُسوّيه مرة واحدة.
ولا يضع يديه على خاصرته ولا يشبّك أصابعه بيديه.
ولا يسدل ثوبه، ولا يعقص شعره ولا يكف ثوبه.
ولا يعتجر ولا يقعى ولا يتربع إلا من عذر.
ولا يسلم ولا يردّ السلام ولا يتكلم.
ولا يشير إلى أحد بيده ولا برأسه إلا للمار الذي يمرّ بينه وبين موضع سجوده، فإنه يدفعه بالإشارة أو التسبيح، ولا يجمع بينهما.
وأما إذا مرّ وراء موضع سجوده فلا يشير إليه.
ولا يرفع صوته بالقراءة أو بالتسبيح مجيبًا إلى أحد.
وإن كان قصده إعلاما له أنه في الصلاة فلا بأس به.
ولا ينفخ ولا يسعل إلا من عذر.
ولا يتثاءب فإذا فعل، يضع يده اليسرى على فمه.
ولا يبزق ولا يمخط وإن جاءه بلغم، يأخذه بطرف ثوبه ولا يدلك ثلاث مرات.
ولا يغطي فاه ولا وجهه.
ولا يغمض عينيه.
ولا يحكّ بدنه ثلاث مرات.
ولا ينتف ثلاث شعرات.
ولا يخط ثلاث خطوات في الصف مطلقا متصلا أو منفصلا.
ولا بأس بأن يقتل القمل والبرغوث إلا إذا كثر.
ولا ينفض ثيابه من التراب، ولا يمسح وجهه من الغبار.
ولا يشمط العاطس بيرحمك الله.
ولا يمسح جبهته من التراب.
ولا ينام.
ولا يضحك ولا بأس بالتبسم.
ولا يبكي من وجع أو مصيبة، فإن كان بكاؤه من خشية الله أو خوفا من النار فلا بأس به.
وكذلك لا يئنّ ولا يتأوه إلا من خشية الله تعالى.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن قال آه، لا تفسد صلاته وإن قال أوه فسدت صلاته سواء كان من وجع أو من مصيبة أو من خشية الله تعالى.
ولا يتكئ على حائط أو غيره.
ولا يقف على رجل واحدة ولا يقدم إحدى رجليه على الأخرى ولا يميل إلى أحدهما ولا يلزق أحدهما على لأخرى ولكن يفرج بينهما لا تفريجا كثيرا.
ولا يحرك رأسه في القراءة ولا يميله إلى الكتف.
ولا يكشف عورته ولا يمسّ فرجه.
ولا يرسل يديه.
ولو انحلّ سراويله أو ميزره، فشدّ بعمل قليل لا تفسد صلاته.
وإن شدّ بعمل كثير فسدت صلاته.
وإن وقعت عمامته أو قلنسوته لا بأس بأن يرفعهما بيد واحدة، وكذلك إذا سوى كور عمامته.
وإن تخرّبت عمامته، لا يتعممها باليدين ولا بيد واحدة ويصلي مكشوف الرأس أو يغطي رأسه بطرف العمامة بعمل قليل.
ولا يلجم فرسه. وإن أخذ اللجام من رأسه بيد واحدة، فلا بأس به. وكذلك المخلاة على هذا. ولا يسرجه ولا يأخذ السرج منه. ولا بأس بأن يمسك لجامه وهو يصلي.
ولا يزرّ قميصه. وإن حلّه بيد واحدة لابأس به. وكذلك التكة والمنطقة على هذا التفصيل.
والمرأة إذا وقع قناعها من رأسها وهي في الصلاة فإن رفعت وغطت به رأسها بعمل قليل قبل أن تؤدّي ركنًا من أركان الصلاة، لا تفسد صلاتها. وإن كان بعد أداء الركن أو غطته بعمل كثير، فسدت صلاتها.
ولا يغنّي بالقراءة ولا بالتسبيح.
ولا يعدّ الآية ولا التسبيحات.
ولا يتخذ سورة بعينها لا يقرأ غيرها، إلا إذا لم يعلم غيرها أو هي أيسر عليه من غيرها أو تبرك بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يقرأ السورتين ويترك بينهما سورة كما إذا قرأ في الركعة الأؤلى إذا جاء نصر الله، والثانية قل هو الله أحد فإنه مكروه.
وإن ترك السورتين فصاعدا لا يكره.
ولا يقرأ في الركعة الثانية سورة أطول من السورة التي قرأها في الركعة الأؤلى إلا إذا كان قليلا فلا بأس به.
ولا يقرأ في الثانية سورة قبل السورة التي قرأها في الأولى.
وكذلك لا يقرأ في الأولى من وسط سورة، وفي الثانية من وسط سورة أخرى بلا ضرورة.
وكذلك لا يقرأ في الأولى من آخر سورة، وفي الثانية من آخر سورة أخرى. ولكن يقرأ في الركعتين من سورة واحدة أو يقرأ في الأولى سورة بتمامها وفي الثانية كذلك.
ويرتل القرآن ترتيلا.
وقال بعض المشايخ رحمهم الله: لا يكره إذا قرأ من أواخر السور وهو الأصح.
ولا يرفع صوته بالقراءة والتسبيح رياء ولا سمعة.
ولا يطوّل ركوعه وسجوده وتشهده وقيامه رياء للناس، بل ينبغي أن يكون صلاته في الخلا وعند الناس على نمط واحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: من سمع الناس بعمله سمع الله به سائر خلقه وحقره وصغره يوم القيامة.
ولا يتفكر في أمور الدنيا، بل يكون تفكره في معاني القرآن وأمور الآخرة.
ولا يستعجل في القراءة والتسبيحات والدعوات والأذكار، بل يقرأ ويسبح ويدعوا بالسكينة والوقار والتعظيم والحرمة والمدّ والتشديد والوقف وتبيين الحروف وإخراج كل حرف من موضعه وأداء كل كلمة كما ينبغي.
ويقرأ بحضور القلب والخوف والرجاء والخشوع والخضوع، يؤدي حق كل ركن بتمامه من الأفعال والأذكار.
فإذا فرغ من الصلاة، يكون بين الخوف والرجاء؛ خوفه من عدم قبولها منه لتقصيره في أدائها كما ينبغي ورجاؤه لكي يقبلها الله تعالى منه بفضله وكرمه،
ثم يحمد الله تعالى على ما وفّقه لأدائها، ويستغفره عما قصر فيها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا توفيق طاعته، ويتجاوز عما قصرنا في عبادته، و يحسن خاتمة أمرنا بفضله وكرمه إنه بعباده رؤف رحيم.
فصل في القراءة
اعلم وفقك الله تعالى الأصل في وجوب القراءة قوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20]، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بقراءة، وقوله عليه السلام: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن.
ثم القراءة واجبة في الفرض في الركعتين الأوليين، وفي الأخيرين مخير إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت.
وأما في الوتر والتطوع والسنن الموقتة، فإنه يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب والسورة معها والله أعلم.
فصل في قدر القراءة
اعلم أن القراءة لها ثلاث مراتب:
(1). مرتبة الجواز مع الكراهة.
(2). ومرتبة الجواز بغير الكراهة.
(3). ومرتبة الأفضلية.
أما مرتبة الجواز مع الكراهة، فهو أن يقرأ آية قصيرة مثل قوله {مُدْهَامَّتَان} [الرحمن:64]
أو {ثُمَّ نَظَر} [المدثر:21] {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَر} [المدثر:22]، فإذا قرأ ذلك في كل ركعة مع الفاتحة أو بغير الفاتحة جازت صلاته، ويكره ذلك عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مقدار ما يتعلق به الجواز، ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية الدين وآية الكرسي. فإذا قرأ ذلك في كل ركعة بغير الفاتحة جازت صلاته ويكره.
وأما مرتبة الجواز بغير الكراهة، فهو أن يقرأ الفاتحة والسورة أو ثلاث آيات. فإذا قرأ ذلك في كل ركعة جازت صلاته ولا يكره.
ولو قرأ الفاتحة ومعها آيتين فإن ذلك مكروه بالإجماع.
وكذلك لو قرأ الفاتحة وحدها.
وأما مرتبة الأفضلية، فالأفضل أن يقرأ في الفجر والظهر من طوال سبع المفصل، و في العصر والعشاء من أوسطها، وفي المغرب من قصارها.
ويطوّل الإمام الركعة الأولى على الثانية في صلاة الفجر بالإجماع، وفي سائر الصلوات يسوي بينهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد رحمه الله يطوّل كما في الفجر.
وأما المنفرد يسوّي بينهما في سائر الصلوات.
وأما المسافر فإنه يقرأ فاتحة الكتاب وأي سورة تيسر عليه والله أعلم.
نسأل الله تعالى القيام بالواجبات والاجتناب عن المنهيات إنه مجيب الدعوات.
فصل في الوتر
الأصل في وجوب صلاة الوتر قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، وروي عنه عليه السلام أنه
قال: ثلاث كُتب علي ولم يكتب عليكم الوتر والضحى والأضحى، وفي رواية أخرى ثلاث كتب علي وهي لكم سنة الوترُ والضحى والأضحى.
ثم الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، ويقنت في الثالثة بعد القراءة قبل الركوع في جميع السنة.
وإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه حذاء أذنيه ثم يرسلهما ثم يقنت. والقنوت اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوب إليك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونتركك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتكك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق بكسر الحاء،
اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت وقنا ربنا شر ما قضيب إنك تقضي ولا يقضى عليك أنت تمن ولا يمن عليك أنت الغني ونحن الفقراء إليك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت فلك الحمد على ما أعطيت ولك الشكر على ما أنعمت به و اوليت نستغفرك اللهم ربنا ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك اللهم هيّء لنا من أمرنا رشدا وصلّ على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
فإن كان إماما يجهر بالقنوت، ويكون ذلك الجهر دون القراءة في الصلاة، والقوم يتابعونه في القراءة وتكون قراءة القوم دون قراءة الإمام.
وإن كان منفردا فهو بالخيار إن شاء جهر بالقنوت وإن شاء خافة.
وإن كان لا يحسن القنوت يقرأ ثلاث مرات قل هو الله أحد وثلاث مرات اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات.
ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة الكتاب والسورة.
ولا قنوت في شيء من الصلوات إلا في الوتر.
ولو اقتدى برجل قنت في صلاة الفجر قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يتابعه في القنوت، وقال أبو يوسف رحمه الله يتابعه.
ولو تذكر في الركوع أنه لم يقنت، فإنه لا يعود.
ولو تذكر في الركوع أو بعد ما رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد أنه لم يقرأ الفاتحة، فإنه يعود ويقرأ الفاتحة ويعيد السورة والقنوت والركوع.
وكذلك إذا نسي السورة يعيد ويقرأها ويعيد القنوت والركوع ويسجد للسهو في هذه المسائل الثلاثة.
والوتر واجب عند أبي حنيفة وعند صاحبيه سنة. وتظهر ثمرة الخلاف في صلاة الفجر فيما إذا افتتح صلاة الفجر وهو ذاكر أنه صلى ولم يوتر، لا تجوز صلاة الفجر عند أبي حنيفة إذا كان في الوقت سعة، وعند صاحبيه يجوز والله أعلم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المنقطعين عن خلقه مستأنسين بخدمته صابرين على بلائه شاكرين لنعمائه بفضله وكرمه إنه المنان الحميد المبدئ المعيد.
فصل في الترتيب
الأصل فيه قوله عليه السلام: من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها إلا ذلك، وقوله عليه السلام: من دخل مع الإمام في صلاة فتذكر أن عليه صلاة قبلها مضى في هذه ثم صلى تلك الفائتة ثم أعاد هذه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاهنّ على الترتيب والوِلاء.
اعلم بأن مراعات الترتيب في الصلوات شرط، وإنما يسقط الترتيب بإحدى معاني ثلاثة:
(1). إما بالنسيان.
(2). أو بضيق الوقت.
(3). أو بوقوعه في حد التكرار. وهو أن تزيد الفوائت على ست صلوات فالصلاة السابعة جائزة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، و عند محمد إذا زادت على خمس صلوات فالصلاة السادسة جائزة.
فصل في السنن الموقتة
الأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم: من صلى اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بُني له بيت في الجنة: ركعتان بعد طلوع الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان
بعد العشاء، وقوله عليه السلام: لا تتركوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل، وقوله عليه السلام: لا تدعوا ركعتي الفجر فإن فيها الرغائب والرهائب، وقوله عليه السلام: ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها، وقوله عليه السلام: من ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي، وروي عن أبي أيوب الأنصاري رحمه الله قال: كان النبي عليه السلام يداوم على أربع ركعات بعد زوال الشمس فقلت: يا رسول الله، ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ قال يا أبا أيوب، إن الشمس إذا زالت فتحت أبواب السماء فلن أبرح حتى يصلي الظهر وما من شيء إلا و هو يسبح الله في هذه الساعة فأحببت أن يصعد لي فيها عمل صالح، فقلت: أ في كلهنّ قراءة؟ قال: نعم، فقلت: بتسليمة واحدة أو بتسليمتين؟ قال بتسليمة واحدة، وقوله عليه السلام: من صلى قبل العصر أربع ركعات حرم الله لحمه ودمه على النار، وقوله عليه السلام من ضمن لي أربعا قبل العصر ضمنت له الجنة، وروي أن النبي عليه السلام قال من صلى بعد المغرب ركعتين وبعد العشاء أربعا غفر الله له.
اعلم بأن الكلام بعد انشقاق الفجر مكروه إلا بخير، لما روى أن النبي عليه السلام كان في سفر والهادي يحدوا فلما طلع الفجر فقال: له مه فإن هذا الوقت أوان الذكر.
فالأفضل للرجل أن يتأهب للصلاة قبل الصبح. فإذا طلع الصبح، أدى السنة في منزله، ثم يخرج إلى المسجد، ويكون منتظرا للجماعة وهو ذاكر أو قارئ، ولا يشتغل بالسنن إذا أخذا المؤذن في الإقامة لقوله عليه السلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا سنة الفجر فإنه يصليها إذا كان يرجو إدراك ركعة من الفجر بالجماعة، لما روى أن النبي عليه السلام حين رجع من صلح بين الأنصار و وجد الناس في الفجر فدخل منزله وصلى ركعتي الفجر ثم خرج واشتغل بالجماعة.
وإن خشي أن تفوته الركعتان دخل مع الإمام.
والأفضل أن يصلي سنة الفجر وسائر السنن في المنزل؛ لقوله عليه السلام: خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة.
فإن لم يمكنه أن يصلي في المنزل يصلي خارج المسجد وإن تعذر هذا أيضا يصلي خلف سارية في المسجد غير مخالط للصف، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى سنة الفجر خلف سارية والنبي عليه السلام في الفجر.
وأشد الكراهية أن يصليها مخالطا للصف؛ لأن فيها مخالفة الجماعة.
ولو انتهى إلى الإمام في الفجر وهو لا يدري أنه في الركعة الأولى أوالثانية دخل مع الإمام احتياطا، ولم يأت بالسنة.
وأما الكلام في القضاء فيقول: إذا فاتت سنة الفجر وحدها لا يقضيها أيضا عندهما، وعند محمد يقضيها إلى الزوال.
فإذا زالت الشمس لا يقضيها بالاتفاق.
فإذا فاتت مع الفرض يقضيها معها قبل الزوال لما روي أن النبي عليه السلام لما فاتته صلاة الفجر غداة ليلة التعريس قضا ركعتي الفجر مع الفجر قبل الزوال.
وأما بعد الزوال يقضي الفرضة ولا يقضي السنة بالاتفاق؛ لأن الخبر ورد في القضاء في وقت مهمل ولا يقاس عليه غيره.
وأما سنة الظهر إذا فاتت وحدها يقضيها بعد الفرض في الوقت لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي عليه السلام إذا فاتته الأربع قبل الظهر قضاها بعد الظهر و يبدأ بالركعتين عندهما، وعند محمد يبدأ بالأربع. وينويها قضاء عندهما، وعند أبي حنيفة لا ينوي القضاء.
فإن خرج الوقت يقضيها وحدها ولا تبقا للفرض.
وكذلك الجواب في سائر السنن إلا في سنة العصر فإنها إذا فاتت وحدها لا يقضيها بعد الفرض في الوقت كما في الفجر.
رجل شرع في سنة الظهر، ثم أقيمت للصلاة فإنه يتمها ولايقطعها.
وكذلك في سنة الفجر.
ولو شرع في سنة العصر أو العشاء ثم أقيمت للصلاة فإنه أتم الشفع الذي هو فيه ثم يسلم فيدخل مع الإمام.
وكذلك لو شرع في التطوع ثم أقيمت للصلاة أتم الشفع الذي هو فيه ولم يزد عليه.
رجل ترك سنن الصلوات إن لم يراها حقا فقد كفر؛ لأنه تركها استخفافا. فإن رأها حقا أثم لأنه جاء الوعيد بالترك.
ولو شرع في المكتوبة وهي الظهر أو العصر أو العشاء ثم أقيمت للصلاة قبل أن يقيد الركعة بسجدة قطعها ودخل مع الإمام.
وإن كان في الشفع الثاني إن لم يقيد الثالثة بسجدة قطعها قائما بتسليمة.
وإن قيدها بسجدة أتمها ودخل مع الإمام إلا في العصر.
وإن كان في الفجر أو المغرب إن لم يقيد الثانية بسجدة قطعها ودخل مع الإمام، وإن قيدها أتمها ولا يدخل مع الإمام والله الميسر والموفق.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا أرزاقنا من أسباب الحلال، و ويوجه في أبواب البر خير نفقاتنا ويملأ من حسناتنا صحائفنا ولا تخزنا يوم القيامة بسوء أعمالنا بفضله وكرمه إنه خير المسؤولين وأكرم المأمولين.
فصل في سجود السهو
الأصل في وجوبه قوله صلى الله عليه وسلم: إذا شكّ أحدكم في صلاته فلا يدري أ ثلاثا صلى أم أربعا تحرّى أقرب ذلك إلى الصواب وسلم وسجد بسجدتي السهو وتشهد وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: لكل سهو سجدتان بعد السلام، وقوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا شكّ أحدكم في صلاته فلينظر آخرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه ثم يسجد سجدتي السهو.
الأصل في هذا الباب إنه متى سهى في صلاته عن فعل فيه ذكر مسنون أو زاد فيها فعلا من جنسها ليس منها وجبت عليه سجدتا السهو.
ثم الصلاة تشتمل على الأفعال والأذكار، فإذا وقع له السهو في الأفعال، يجب سجود السهو نحو: ما إذا قعد في موضع القيام أو قام في موضع القعود أو ركع في موضع السجود أو ركع ركوعين أو زاد على قراءة التشهد في القعدة الأؤلى أو سجد ثلاث سجدات أو ترك سجدة من صلب الصلاة أو ترك سجدة التلاوة عن موضعها.
وأما إذا سهى في الأذكار، كما إذا سهى عن الثناء والتعوذ والتسمية وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها فإنه لا يجب عليه سجود السهو إلا في خمس مواضع:
تكبيرات العيدين،
والقنوت،
وقراءة التشهد،
وقراءة القرآن،
وتأخير السلام.
وكذلك لو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر.
وأما المنفرد إذا جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر فلا سهو عليه.
ولو تذكر في الآخرين أنه لم يقرأ الفاتحة في الأوليين أو في أحدهما لم يقضيها في الأخيرين.
ولو تذكر أنه لم يقرأ السورة في الأوليين أو في إحداهما فعليه أن يقضيها في الأخيرين ويجهر بها وبالفاتحة إن كان في صلاة الجهر وهو إمام وإن كان منفردا أو في صلاة الإسرار يسر بهما ويسجد للسهو
ولو قرأ الفاتحة مرتين في الاوليين أو في إحداهما فعليه سجود السهو.
ولو قرأ الفاتحة ثم السورة ثم الفاتحة فلا سهو عليه.
وكذلك لو قرأ الفاتحة مرتين في الأخريين.
ولو قرأ التشهد مرتين إن كان في القعدة الأولى فعليه سجدتا السهو.
وإن كان في القعدة الأخيرة فلا سهو عليه.
ولو قرأ القرآن في ركوعه أو سجوده أو تشهده فعليه سجود السهو
ولو قرأ التشهد في ركوعه أو سجوده أو قيامه فلا سهو عليه.
ولو سلم فتذكر أن عليه سجدة تلاوة أو صلبية فإنه يعود ويرفض التشهد ويسجد لها، ثم يتشهد ويسلم عن يمينه ثم يسجد سجدتي السهو.
ولو تذكر بعد السلام أن عليه سجدة تلاوة أو صلبية فإنه يقضي الأول فالأول ثم يتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو.
وسجود السهو بعد السلام عندنا، وصورته أنه إذا فرغ من التشهد في آخر صلاته يسلم عن يمينه، ثم يكبر ولا يرفع يديه، ثم يسجد سجدتين ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، ويكبر بين السجدتين عند الخفض والرفع، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية، كبر وتشهد وصلى علي النبي عليه السلام ودعا بالدعوات المأثورة، ثم يسلم من الجانبين والله أعلم.
فصل في سجود التلاوة
الأصل في وجوبها قوله تعالى: {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} [فصلت:37]
وقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق:19]، أمرنا بالسجود والأمر للوجوب، وكذلك قوله تعالى: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُون} [النمل:25]، معناها الأمر وأراد بهذه الآية يا عبادي اسجدوا لله، فحذف ذكر العباد اختصارا لأن الكلام يدل عليه، وهو قراءة الكسائي رحمه الله، وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60]، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُون} [الانشقاق:21]، ذمّهم على ترك السجود وأوعدهم على ذلك، والذم والوعيد إنما يكون بترك الواجب لا بتركك السنة. وفي البقية مواظبة رسول الله سلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين تدل على الوجوب. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: السجدة على من سمعها وعلى من تلاها، و"على" كلمة إيجاب وإلزام.
اعلم بأن سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر سجدة. والسجود واجب في هذه المواضع كلها على التالي والسامع، إذا كان أهلا للصلاة إما أداءا أو قضاء، وسواء كانا قاصدين للتلاوة والسماع أو لم يكونا، وسواء كانا في الصلاة أو خارجها، أو كان أحدهما في الصلاة والآخر خارجها، إلا المقتدي إذا قرأها فإنه لا يجب عليه ولا على إمامه ولا على من شارك في صلاته، وتجب على من كان خارج الصلاة.
ولو كان التالي ليس من أهل الصلاة والسامع أهلا يجب على السامع دون التالي: بأن كان التالي كافرا أو صبيا أو مجنونا أو حائضا أو نفسا.
ولو كان على العكس تجب على التالي دون السامع.
ومن تلا آية السجدة في الصلاة لم يسجد لها وأراد أن يركع للصلاة فإنه ينوها بقلبه قبل الركوع.
ثم الركوع ينوب عنها أم السجود؟ قال بعض المشايخ رحمهم الله الركوع ينوب عنها وقال بعضهم السجود ينوب عنها.
ولو نوى لها بعد الركوع، فلا يجوز بالاتفاق وعليه قضاؤها في الصلاة، ولو لم يقضيها حتى خرج عن الصلاة سقطت عنه.
ولو نوى لها في الركوع فيه روايتان.
ولو كرر تلاوة سجدة واحدة في مجلس واحد عليه سجدة واحدة.
هيأة السجدة
وإذا أراد أن يسجد للتلاوة ينوها بقلبه، ويقول بلسانه: أسجد لله تعالى سجدة التلاوة الله أكبر، ثم يسجد ولا يرفع يديه ولا يقوم لها إذا كان قاعدا، وإذا كان في الصلاة ينويها بقلبه قبل الركوع ولا يذكر بلسانه.
فإذا سجد يقول في سجوده: سجدت للرحمن وآمنت بالرحمن فاغفر لي يا رحمن. فإن لم يعلم ذلك يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، ثم يرفع رأسه ويكبر ولا تشهد عليه ولا سلام.
فصل في صلاة المسافر
الأصل فيها قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} [النساء:101] ضربتم أي خرجتم إلى السفر، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه سأل رسول الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال عليه السلام: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، وقوله عليه السلام: إن الله فرض عليكم الصلاة على لسان نبيكم للمقيم أربعا وللمسافر ركعتين حتى يرجع، وروي عن عليّ رضي الله عه أنه قال: فرض رسول الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع.
والأصل في إباحة الإفطار في شهر رمضان للمسافر قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]، والصوم خير له من الإفطار إن قدر.
ثم اعلم بأن مدة السفر الذي يوجب قصر الصلاة ويبيح إفطار الصوم ثلاثة أيام فصاعدا دون الليالي بسير الإبل ومشي الأقدام.
والقصر له عزيمة، والإفطار له رخصة.
وإن صلّى أربعا ينظر إن قعد على رأس الركعتين جازت ركعتان عن فرضه وكانت الآخرتان له نافلة، وإن لم يقعد بطل فرضه وتحولت صلاته نفلا وعليه أن يعيد الصلاة.
ولا يصير مسافرا بالنية حتى يفارق بيوت المصر.
ويصير مقيما بأربعة أشياء:
أما الأول: فبنية الإقامة خمسة عشر يوما في موضع يصلح للإقامة.
والثاني: بالإقامة بطريق التبعية كالعبد مع مولاه والمرأة مع الزوج، وكذلك كل من كان تبعا للإنسان يلزمه طاعته من إمام أو أمير جيش أو غيره ويصير مسافرا بمسافرة المتبوع إذا كان مع المتبوع.
والثالث: بالدخول في مصره إذا كان له فيه وطن أصلي أو أهلي.
والرابع: بالعزم على العود إلى مصره إذا لم يكن بينه وبين مصره مدة سفر.
وتصير صلات المسافر أربعا بثلاثة أشياء:
(1). باقتدائه بالمقيم في الوقت.
(2). وبنية الإقامة في الصلاة سواء نوى الإقامة في أولها أو في آخرها قبل الخروج منها.
(3). وبوصول السفينة إلى مصره و هو في الصلاة.
ولو دخل مصرا لحاجة وهو على نية الخروج بعد قضاء حاجته غدا أو بعد غد لا يصير مقيما ولو مضت عليه سنون.
ولو أن صاح جيش نزل منزلا ونوى الإقامة ولم يخبر أصحابه إلا بعد أيام فإن صلاتهم فيما مضى جائزة ويتمّون صلاتهم بعد ما علموا، وكذلك هذا الحكم في الخروج إلى السفر.
والعرب والأتراك والأكراد الذين يسكنون في المفاوز في بيوت الشعر فهم مقيمون؛ لأن موضع مقامهم في المفاوز عادة.
أما إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف وقصدوا موضعا آخر للإقامة في الشتاء وبين الموضعين مدة السفر فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق.
ومن فاتته صلوات في السفر قضاها في الحضر ركعتين.
وإن فاتته صلوات في الحضر قضاها في السفر أربعا.
والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة سواء.
فصل في صلاة الجمعة
الأصل في وجوبها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [الجمعة:9]، وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: أيها الناس اعلموا أن الله كتب عليكم صلاة الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا فريضة واجبة إلى يوم القيامة فمن تركها جحودا لها أو استخفافا بحقها في حال حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله له شمله ولا أتم له أمره ألا لا صلاة له ألا لا زكاة له ألا لا صوم له ألا لا حج له إلاّ أن يتوب ومن تاب تاب الله عليه.
اعلم بأن الجمعة لا تصحّ إلاّ في مصر جامع، وهي واجبة إذا استجمعت شرائطها وهي ستة، خمسة ذكرها في ظاهر الرواية:
(1). وهي المصر الجامع.
(2). والسلطان أو من أمره السلطان.
(3). والجماعة.
(4). والوقت.
(5). والخطبة.
(6). والسادس: ذكرها في نوادر الصلاة و هو أن يكون أداؤها بطريق الاشتهار. حتى لو أن أميرا لو جمع جنده في الحصن وأغلق باب الحصن وصلى بهم الجمعة لا تجوز، وإن فتح الباب وأذن للعامة بالدخول فيه فهو جائز.
وقد تكلموا في المصر الجامع كما روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: هو بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق، وفيها والٍ يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بخشمته. وروي عن أبي عبد الله البلخي رحمه الله أنه قال: أحسن ما قيل في هذا، أنهم إذا كانوا بحال لو اجتمعوا في كبر مساجدهم لم يسعهم فهذا مصر جامع. وهذا أقرب من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما لأنّ مذهبهما أن إقامة الجمعة بمِنَى يجوز، ومِنَى قرية. وأجمعوا أنّ الجمعة بمكة والمدينة جائزة، وأجمعوا أن الجمعة بعرفات لا تجوز.
قال أبو حنيفة رضي الله عنه: فرض الوقت الظهر إلا أنه إذا أدّى الجمعة سقط عنه الظهر. وقال محمد رضي الله عنه: فرض الوقت الجمعة ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة وإن أدركه في سجود السهو.
والمستحبّ في يوم الجمعة خمسة أشياء:
(1). الاستياك.
(2). والاغتسال.
(3). وأن يدّهّن.
(4). ويمسّ طيبا.
(5). ويلبس أحسن ثيابه.
ويجتهد أن يقعد في موضع يسمع الخطبة ولا يتخطى رقاب الناس.
وإذا خرج الإمام للخطبة، ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من الصلاة عند أبي حنيفة وعندهما إذا شرع في الخطبة إلى أن يفرغ منها.
والسنة في الخطبة: أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويعظُ الناس ويقرأ القرآن ويصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك يصلي على آله وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين ويدعو للمؤمنين والمؤمنات.
يكره في حال الخطبة: التسبيح والقراءة.
فإذا قرأ الخطيب {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، صلّى القوم على النبي في أنفسهم. هذا إذا كان قريبا يسمع الخطبة ولو كان بعيدا لا يسمعها قال محمد بن سلمة: يسكت وقال نصر بن يحيى: يقرأ القرآن، وقال بعضهم: ينظر في الفقه والاختيار السكوت.
وأما كلام الدنيا فهو حرام ومعصية، ويصير الرجل به عاصيا لله تعالى؛ لأن كلام الدنيا في المساجد في غير حال الخطبة حرام، فكيف إذا كان يتكلم في حال الخطبة! وقد نهي عن الصلاة و قراءة القرآن والتسبيح، فكيف إذا كان الكلام في أمر الدنيا؛ ولأن الخطبة بمنزلة الصلاة يوم الجمعة وفي الصلاة كلام الدنيا لا يجوز، فكيف ذلك في حالة الخطبة!
قال عليه الصلاة والسلام: مثل الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب مثل الحمار يحمل أسفارا، وقال عليه السلام: ليأتينّ على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم، ليس لله تعالى فيهم حاجة فلا تجالسوهم.
نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن هذه المعصية وعن جميع المعاصي، ويختم لنا بالسعادة والشهادة بفضله وكرمه إنه عاصم من استعصمه وغافر لمن استغفره.
فصل في صلاة العيدين
الأصل فيها قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى:14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:15]، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيدين، وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: لمّا قدم رسول الله عليه وسلم المدينة وكان لهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال عليه السلام قد أبدل لكم الله تعالى خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أغدوا إلى عيدكم.
وإذا أصبح الرجل يوم الفطر، يستحب له سبعة أشياء:
(1). السواك.
(2). والغسل.
(3). وأن يلبس أحسن ثيابه.
(4). ويدهن.
(5). ويتطيب.
(6). ويذوق شيئا.
(7). ويخرج صدقة الفطر.
ثم يغدوا إلى المصلى جاهرا بالتكبير عندهما وعند أبي حنيفة رحمه الله يسر به.
فإذا انتهى إليه سكت عنه ويكره أن يتطوّع في المصلى قبل صلاة العيد وكذلك بعدها في حال الخطبة.
وأوّل وقت الصلاة في العيدين إذا ارتفعت الشمس، وآخر وقتها إذا زالت الشمس.
ويؤخّر الإمام الصلاة في الفطر ويستعجل في الأضحى؛ لأجل الأضحية.
ثم يصلي ركعتين يكبر تكبيرة الافتتاح مقرونة بالنية كما وصفنا، ثم يقرأ سبحانك اللهم إلى آخره ثم يكبر ثلاث تكبيرات، ثم يأتي بالتعوذ والتسمية والقراءة إن كان إماما.
وأما المقتدي إذا فرغ من التكبيرات سكت فإذا قام في الركعة الثانية يقرأ ثم يكبر خمسة تكبيرات، ثم يقرأ ويقبض يديه بعد التكبيرة الأولى حالة الثناء، فإذا شرع في تكبيرات العيد أرسلهما فإذا فرغ منها قبضهما، ويرفع يديه في تكبيرات العيدين ولا ذكر بينهن.
ثم يخطب بعدها خطبتين يعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها.
ويستحب في عيد الأضحى سنة أشياء:
الاستياك
والاغتسال
وأن يلبس أحسن ثيابه
ويدهن
ويتطيب
ويؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة، ويكبر تكبير التشريق في طريق المصلي جاهرا لاخلاف في الجهر من الأضحي.
ويصلي الأضحى كصلاة الفطر، ثم يخطب بعدها خطبتين يعلم الناس فيها الاضحية وتكبيرات التشريق.
ثم يضحي بعد صلاة العيد في المصر. وفي الرساتيق يجوز لهم الاضحية قبل الصلاة بعد طلوع الفجر.
[الأضحية]
وهي واجبة على الأغنياء المقيمين في الأمصار والقرى والبوادي دون المسافرين.
والغنى المعتبر في صدقة الفطر شرط فيها.
وأيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده.
وإذا مضت الأيام، فات الذبح. والليل والنهار في محله سواء إلا أنه يكره الأضحية بالليل.
ويذبح عن نفسه وعن أولاده الصغار، ويذبح عن كل واحد منهم شاة أو يذبح بقرة أو يذبح بدنة عن سبعة، فيتصدّق بثلثها على الفقراء والمساكين، ويطعم ثلثها للأغنياء، ويؤخر ثلثها لنفسه.
ولا ينقص الصدقة من الثلث، ويتصدّق بجلدها ولا يعطي أجرة الجزار منها، والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، ويستقبل بأضحيته القبلة ويقول: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر.
ثم يصلي ركعتين ويقول بعد السلام: اللهم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم هذا منك ولك وإليك، اللهم تقبله مني كما تقبلت من نبيك ابراهيم عليه السلام بفضلك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
فإذا ذبحتم فألقوا ما في أيديكم من السكين ثم اركعوا ركعتين فإنه ما ركعهما مسلم ويسأل الله تعالى فيهما شيئا إلاّ أعطاه الله تعالى إياه.
وهي جائزة يوم النحر ويومان بعده.
وتكبيرة التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة بالاتفاق، وآخره عقيب صلاة العصر من يوم النحر عند أبي حنيفة رحمه الله فيكون جملتها ثماني صلوات وعندهما إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق فيكون جملتها ثلاثة وعشرين صلاة.
والتكبير مشروع عقيب الصلوات المفروضات دون السنن والنوافل والوتر وصلاة العيد بالإجماع.
وإذا نسي الإمام التكبير، يكبر القوم. والمحرم إذا سلم كبر أوّلا ثم لبّى.
ولفظة التكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد.
فصل في صلاة الجنازة
الأصل في وجوبها قوله صلى الله عليه وسلم: صلوا على كل بر وفاجر، وكذلك مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
ويقوم الإمام على الجنازة بحذاء الصدر للرجل والمرأة جميعا.
وأولى الناس بالصلاة عليها السلطان إن حضر، ثم القاضي ثم إمام الحي ثم الولي. فإن كان الإمام غير هؤلاء يستأذن الولي فإن صلى بغير إذن الولي فللولي أن يعيد الصلاة.
وإذا أراد أن يصلي كبر تكبيرة مقرونة بنية صلاة الجنازة، وينوي كما ذكرنا والقوم ينوون كذلك والاقتداء بالإمام أيضا.
ويرفع يديه مع التكبيرة حذاء أذنيه ثم يضعهما تحت سرته، ولا يرفع يديه في التكبيرات الثلاث.
ثم يقرأ سبحانك اللهم وبحمدك إلى قوله ولا إله غيرك.
ثم يكبر تكبيرة ثانية ويقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى قوله إنك حميد مجيد.
ثم يكبر تكبيرة ثالثة ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، وخص هذا الميت بالروح والريحان والراحة والرحمة والمغفرة و الرضوان، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيأ فتجاوز عنه، ولقه الأمن والأمان والبشرى والكرامة و الزلفى برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لي ولوالديّ ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات إنك مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومنزل البركات ودافع السيئات ومقبل العثرات إنك على كل شيء قدير برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم يكبر تكبيرة رابعة ولا يقرأ فيها شيئا ويسلم من الجانبين.
وترفع الجنازة بالعجلة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في التكبيرة الثالثة اللهم اغفر لحينا وميتنا وأصلح ذات بيننا وألّف بين قلوبنا واجعل قلوبنا على قلوب أخيارنا، اللهم إن كان زاكيا فزكّه وإن كان خاطئا فغفر له وارحمه واجعله في خير مما كان فيه واجعله خير يوم جاء عليه برحمتك يا أرحم الراحمين.
وإن كان الميت غير بالغ أو مجنونا يقول في التكبيرة الثالثة: اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا ذخرا واجعله لنا شافعا ومشفّعا يشفع لنا يوم القامة لأنهما لا ذنب لهما.
ويقرأ هذا كله الإمام والقوم جميعا ويسرّون بها.
ولا يقرأ فيها فاتحة الكتاب ولا سورة من القرآن.
والمحدث إذا خاف فوتها يتيمم بها وكذلك لعيد.
ومن دفن ولم يصلّى عليه، صلي على قبره ما لم يتفسخ.
نسأل الله تعالى أن يختم لنا بالخير والسعادة، ويهوّن علينا سكرات الموت، ويجعلنا من الفائزين الآمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ويرزقنا العلم والفهم، ويوفّقنا للعمل بالعلم، ويدخلنا الجنة مع عباده الصالحين بفضله وكرمه إنه بالناس لرؤف رحيم.
باب في فضل الزكاة والصدقة
الأصل فيه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون} [المؤمنون:4]
إلى قوله: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [المؤمنون:11]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم} [المعارج:24] {لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} [المعارج:25]، وقوله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [البقرة:245]، وقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [البقرة:261]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:274، وقوله تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم} [البقرة:276]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين} [سبأ:39]، وقد نزلت في فضائلها آيات كثيرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ملكان اثنان يناديان كل يوم اللهم عجل المنفق ماله خلفا وعجل الممسك ماله تلفا، وقوله عليه السلام: الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير فيربيها كما يربى أحدكم فصيله، وفي رواية كما يربى أحدكم فُلُوّه حتى تبلغ الثمرة مثل جبل أحد، وقوله عليه السلام: الصدقة شيء عجيب، وقوله عليه السلام: الصدقة تطفئ غضب الرحمن، وقوله عليه السلام: اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة، وقوله عليه السلام: إذا سألكم سائل فلا تقطعوا مسألته حتى يفرغ منها ثم ردّوها عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو بردّ جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون إليكم كيف صنيعكم فيما خو لكم الله تعالى فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يتصدق يوما أو ليلة إلا حفظه الله تعالى من الموت من لدغة أو هدم أو موت بغتة ويقال: إن الصدقة تدفع عن صاحبها سبعين بابا من البلاء، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.
قال الفقير إلى الله تعالى: فإذا كان للصدقة هذه الفضائل والمتصدق ينال هذا الثواب بسبب الصدقة، وجب على العبد أن يتصدق من ماله بقدر وسعه قليلة كانت أو كثيرة، واجبة كانت أو نافلة، ولا يمنع الصدقة عن أربابها لأن الله تعالى أوعد العذاب الأليم لمانع الزكاة حيث قال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة:34] {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ
تَكْنِزُون} [التوبة:35]، وقوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:180]، أي: مما منعوا من الزكاة في الدنيا تكون الزكاة في عنقه كهيئة الطوق شجاعا أقرع ذو ذنبتين يلدغ بخديه يقول: أنا الزكاة التي بخلت بي في الدنيا، وقال صلى الله عليه وسلم: إن كنز أحدكم يوم القيامة يتحول شجاعا أقرع فيطوق به في عنقه فينهشه فيقيه بذراعيه فينهشها حتى يفصل بين الناس فلا يزال معه حتى يسار به إلى النار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له إبل أو بقر أو غنم لم يؤد زكاتها بطح به يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما نفذت عليه آخرها عادت عليه أوليها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلظظ في الزكاة أي لا تمنعها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته، وقال بن عباس رضي الله عنه: من فرط في زكاته حتى حضرته الموت يسأل الرجعة أي يسأل الرجوع إلى الدنيا ليصلح ما أفسده فلا يجاب إليه نعوذ بالله من هذا الحال، وقيل من منع خمسا منع الله منه خمسا من منع الزكاة منع الله منه حفظ المال، ومن منع الصدقة منع الله منه العافية، ومن منع العشر منع الله منه بركة أرضه، ومن منع الدعاء منع الله منه الإجابة، ومن تهاون في الصلاة منع الله منه عند الموت قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما منع قوم الزكاة إلا منع الله عنهم القطر.
فينبغي للعبد أن يرغب في الصدقة ويميل إليها، فإن فيها تطهير المال وتكثيره وتحصينه، ويكون فيها شكر لنعمة المنعم وسعة في الرزق وبركة في العمر وصلة للرحم ورغم للشيطان، وفيها رضى الله تعالى ومحبة الملائكة عليهم السلام والناس، وإدخال السرور في قلب المؤمن وقضاء حوائجه، ودفع العلل والأمراض عن نفسه، ودفع البلايا والآفات عن ماله، وتحصيل الأصدقاء وتطهير البدن من الذنوب كما قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:103]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وروي أنه كان إذا جاء سائل إلى أصحاب رسول الله عليه السلام قالوا: جاء القصار ليأخذ منا شيئا ويغسل ذنوبنا، وبها تهون سكرات الموت وتونس صاحبها في القبر، وتكون ظلا له يوم القيامة من شدة الحر، ونورا على الصراط وعتقا من النار، وبها يخفف الحساب ويثقل الميزان وتكثر الحسنات ويزداد في الدرجات، وهذا إنما يكون إذا تصدق لوجه الله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة، ولا يمنّ على الفقير ولا يؤذيه كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاس} [البقرة:264]، ولا يكون من مال أخذه بالظلم أو الغصب أو السرقة أو الخيانة أو الرشوة، بل تكون من مال حلال أو
كسب طيب كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة:267] أي من حلالات ما كسبتم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن أنفق من طيب ماله بطيبة نفسه وممن ختم له بالخير والسعادة بفضله وكرمه إنه غفور شكور.
فصل في الزكاة
الزكاة واجبة على الحر المسلم البالغ العاقل إذا ملك نصابا كاملا ملكا تاما من أي مال كان وحال عليه الحول.
الأصل في وجوبها قوله تعالى: {وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ} [البقرة:277]، وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:103]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم} [المعارج:24] {لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} [المعارج:25]، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم.
وقوله عليه السلام: هاتوا ربع عشور أموالكم.
وقوله عليه السلام: في خمس من الإبل السائمة شاة، وقوله عليه السلام: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة.
وقوله عليه السلام: في أربعين شاة شاة.
وقوله عليه السلام: في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي أربعين مسن أو مسنة وتعدّ صغارها وكبارها.
وقوله عليه السلام: من كل فرس سائمة دينار، وليس في الرابطة شيء.
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة في صدقة الخيل خيّر أربابها فإن شاءوا أدّوا من كل فرس دينارا وإلا قوّمها وخذ من كل مائة درهم خمسة دراهم.
وقوله عليه السلام: الورق ليست فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت ففيها خمسة دراهم.
وقوله عليه السلام في كل عشرين مثقال من الذهب نصف مثقال.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى امرأتين تطوفان حول الكعبة وعليهما سواران من ذهب فقال عليه السلام: أ تؤدّيان زكاتهما؟ فقالتا: لا، فقال عليه السلام: أ تحبّان أن يسوّركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال عليه السلام: أديا زكاتهما.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه: يا علي، ليس عليك في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغ عشرين مثقالا وحال عليها الحول ففيها نصف مثقال.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نصب العاشرين وقال: خذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر.
وروي عن سمُرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعدّه للبيع.
وقوله عليه السلام: فيما سقته السماء العشر وفيما سقي بغرب أو دالية أو ساقية ففيه نصف العشر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر.
وقوله عليه السلام: لا يجتمع على مسلم في أرضه عشر وخراج.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عمّا وجد في الأرض الميت والخراب العادية فقال عليه السلام: فيه وفي الركاز الخمس.
وقوله عليه السلام: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
فصل في صدقة الفطر
الأصل في وجوبها قوله صلى الله عليه وسلم: أغنوهم عن المسئلة في مثل هذا اليوم، وقوله عليه السلام: صدقة الفطر مطهرة للصائم من الرفث، وقوله عليه السلام: أدّوا عن كل حر وعبد وصغير
وكبير وذكر وأنثى يهودي أو نصراني أو مجنوسي نصف صاع من برّ أو صاعا من تمر أو شعير أو صاع من زبيب، وروي عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنه قال: إنّا كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير أو صاعا من زبيب وكان طعامنا الشعير، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كان النبي عليه السلام يأمرنا بإخراج صدقة الفطر قبل أن نخرج إلى المصلى، وروي عن بن عباس رصي الله عنه أنه خطب بالبصرة فقال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير.
فصل في معرفة أموال بيت المال
اعلم بأن جملة ما يجمع في بيت المال من الأموال أربعة أنواع:
(1). نوع منها الصدقات: وهي زكاة السوائم والعشور وما أخذ العاشر من تجار المسلمين الذين يمرون عليه.
(2). ونوع آخر: ما أخذ من خمس الغنائم والمعادن والركاز.
(3). ونوع آخر: ما أخذ مما أخرجته الأرض وجزية الرؤوس وما صولح عليها بنو نجران من الحلل ومع بنو تغلب من المضاعفة وما أخذ العاشر من المستأمنين من أهل الحرب وما أخذ من تجار أهل الذمة.
(4). ونوع آخر: ما أخذ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثا أو ترك زوجا أو زوجة. فهذه الجملة مال بيت المال.
فالنوع الأول: وهي الزكاة والعشور تصرف إلى ثمانية من الأصناف: وهي ما نص الله تعالى عليها في كتابه العزيز {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [التوبة:60]،
وأما النوع الثاني: وهو خمس الغنائم، والمعادن، والركاز، يصرف إلى خمسة أصناف التي ذكرها تعالى في القرآن قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41].
وأما النوع الثالث: وهو ما أخرجت الأراضي، وجزية الرؤوس، وما أخذ من المستأمنين من أهل الحرب، ومن تجار أهل الذمة وغيرها، يصرف إلى عمارة الرباطات والقناطر والجسور وسد الثغور وكرى الأنهار العظام التي لا ملك لأحد فيها كالجيحون والسيحون والفرات والدجلة وغير ذلك، ويصرف إلى أرزاق القضاة والولاة والأئمة والمحتسبة والمفتيين والمعلمين والمتعلمين والمقاتلة وذراريهم وإلى رصيد الطريق في دار الإسلام من اللصوص وقطاع الطريق. فحاصله أن هذا النوع من المال يصرف إلى عمارة الدين وصلاح دار الإسلام والمسلمين.
والنوع الرابع: وهو ما أخذ من تركة الميت الذي لا وارث له، يصرف إلى نفقة المرضى في أدويتهم وعلاجهم من الفقراء وإلى كفن الموتى الذين لا مال لهم وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب وليس له من يقضي عليه نفقته وما أشبه ذلك.
والواجب على الأئمة والأمراء والولاة والسلاطين إيصال الحقوق إلى أربابها، ولا يحبسونها عنهم على ما يرى من تفضيل وتسوية من غير أن يميل في ذلك إلى هوى، ولا يحل لهم منها إلا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم وما لا بد لهم منه.
وإذا اجتمع المال عندهم، وجب عليهم أن يوصلوه إلى أربابه ويصرفوه إليهم بقدر حقوقهم وكفافهم ولا يحبسونها عنهم ولا يجعلونه كنوزا، فإن فضل من المال شيء بعد إيصال الحقوق إلى مستحقها، قسّموه بين المستحقين المسلمين.
فإن قصروا في ذلك فوباله عليهم واستحقوا بذلك اسم الظالم.
نسأل الله تعالى أن يهدينا سبيل الرشاد ويعصمنا من مظلمة العباد إنه مجيب دعوة أهل
السداد ومهلك أهل الظلم والفساد، والله على ما يشاء قدير.
باب في فضل شهر رمضان
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حاكيا عن الله سبحانه وتعالى: كل حسنة يعلمها ابن آدم يضاعف الله له من عشرة إلى سبع مائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي والصوم جنة وللصائم فرحتان فرحة عن إفطاره وفرحة عند لقاء ربه يوم القيامة، وقال عليه السلام: من صام شهر رمضان وأقامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن للجنة بابا يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الجنة لتزين لشهر رمضان من الحول إلى الحول فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت أوراق الجنة فينظرون الحور العين إلى ذلك وقلن يا رب اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك الصالحين الصائمين أزواجا تقر أعيننا بهم ويقر أعينهم بنا فما من عبد صام رمضان إلا زوّجه الله تعالى زوجة من الحور العين في خيمة من درة بيضاء مجوفة كما نعت الله تعالى في كتابه {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام} [الرحمن:72] وعلى كل امرأة منهنّ سبعون حلة ليس منها حلة إلا على لون الأخرى ويعطي سبعون لونا من الطيب وكل امرأة منهنّ على سرير من ياقوتة حمراء منسوجة بالدر وتحت كل امرأة منهن سبعون فراشا بطائنها من استبرق ولكل إمرأة سبعون وصيفة هذا كله بيوم صامه من شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صام شهر رمضان واجتنب فيه الحرام والبهتان رضى عنه الرحمان وأوجب له الجنان.
وقال الفقير إلى رحمة الله تعالى: فإذا كان لشهر رمضان هذه الفضائل ولصوّامه هذه المراتب والمنازل فينبغي للعبد أن يبادر إلى الخيرات، ويسبق إلى الطاعات والحسنات، ويجتنب البدع والمنهيات، ويفرح بدخول شهر رمضان ويغمّ لخروجه، ويعرف حرمة الشهر ويعظمه ويغتنم أيامه ويستقبله بالصيام والصدقة والتوبة عن الذنوب والإخلاص في الأعمال والخروج عن مظالم العباد، وأن يحفظ لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وبصره عن تنظر الحرام، وسمعه من سماع اللهو والهذيان، وبطنه عن أكل الشبهة والحرام، وقلبه من الغل والحسد والحقد والعداوة، ويحفظ سائر جوارحه من الخطايا والزلل، ويصوم بجميع أعضائه حتى لا يكون من الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا الشهر والنصب،
ويوسع النفقة على عياله ويرفق على مماليكه وبمن تحت يده، ويكتسب من الحلال ويدارى الناس في البيع والشراء و سائرالمعاملات، ويوفي الكيل والميزان، ويصالح الناس ويرضى الخصماء ويقضي الديون إن كان قادرا، ويعمر المساجد بالتراويح وينورها بالقناديل والمصابيح، ويزيد في