الجزء 1 · صفحة 5
مختارات النوازل
تأليف
شيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل
الفرغاني المرغيناني (530 هـ - 593هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على رسوله المصطفى محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين أجمعين.
كتاب الطهارة
الطهارة في اللغة عبارة عن النظافة، وفي الشريعة عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.
وهي أنواع: طهارة الصغرى وطهارة الكبرى"، وهي: طهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والبدن، وهي: طهارة عن الخبث.
باب ما يجوز به الوضوء وما لا يجوز
فصل في المياه
الماء على نوعين ماء مطلق، وماء مقيد، فالماء المطلق كماء البحار، وماء الأنهار، وماء الأمطار، وماء الآبار، والعيون، والأودية، فإنه طاهر وطهور، وما دامت صفة الإطلاق باقية فيه يجوز به تطهير الأحداث والأنجاس.
وإذا زالت صفة الإطلاق ينتقل حكم التطهير إلى التيمم، وحكي عن ابن عباس"، وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: الوضوء بماء البحر مكروه.
الجزء 1 · صفحة 6
واما الماء المقيد كماء الفواكه، وماء الورد، والمائعات كالخل واللبن يجوز نطهير الانجاس به عند ابي حنيفة، وابي يوسف رحمهما الله، لأن المائع قالع، والطهورية بعلة القلع والإزالة، إلا أن الصب شرط عند أبي يوسف رحمه الله، ولا فرق بين الثوب والبدن عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز في البدن بغير الماء، وعند محمد، وزفر، والشافعي رحمهم الله لا يجوز به تطهير الأنجاس كما لا يجوز به تطهير الأحداث.
فصل في الماء الجاري
الماء الجاري يجوز به الاغتسال، والوضوء منه، ولا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يظهر أثرها فيه بلون أو طعم أو رائحة.
فإن غيّر أحد أوصافه كالزعفران، والصابون، والكافور وغيره من الطاهرات يجوز التوضي والاغتسال به.
وإن أغلي الماء بما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان، والسدر، والصابون يجوز التوضي به إذا لم يغلب على الماء؛ لأن الغرض المطلوب من الوضوء التنظيف، وقد يحصل بهذه الأشياء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغلي الماء في غسل الميت بهذه الأشياء.
ولو سد الماء الجاري من أعلاه يجوز التوضي بما يجري في النهر.
الماء الجاري بحيث لو رفع ينقطع لا خير فيه، وإن لم ينقطع فلا بأس به، والماء الجاري مالا يتكرر استعماله، وقيل: ما يذهب بتبنة.
نهر جار فيه ماء ضعيف لا تستبين فيه الحركة فتوضأ به إن كان وجهه إلى مورد الماء يجوز، وإن كان وجهه إلى سيل الماء يجوز أيضاً إذا ذهبت غسالته الأولى بالماء، ويمكث بين كل غرفتين مقدار ما
الجزء 1 · صفحة 7
يغلب على ظنه أنه ذهب ما وقع فيه من الماء المستعمل.
نهر جار وقعت فيه نجاسة يجوز التوضى به ما لم تغلب على أحد أوصافه، وإن كان يجري كل الماء على النجاسة أو أكثره فالماء تحته نجس، وإن كان يجري أقله عليها فالماء تحته طاهر إلا إذا تغير أحد أوصافه.
حوض صغير يدخل الماء من جانب ويخرج من جانب يجوز التوضي في أثنائه إذا كان أربعة أذرع، وإن كان أقل منه لا يجوز الوضوء فيه إلا في موضع جريان الماء، والأصح أن التقدير غير لازم، والاعتماد على ظنه أن الماء المستعمل قد خرج منه، يجوز التوضى منه.
وكذا العين إذا كان سبع في سبع لا يجوز التوضي فيه إلا عند مخرج الماء".
لا بأس بالوضوء بماء السيل، وإن كان الطين مختلطاً، إذا كان رقة الماء غالبا وإلا فلا.
الماء الجاري يطهر بعضه بعضا ابتداء وانتهاء بخلاف الحوض والماء الراكد.
إذا لم يكن في النهر إلا ماء المطر الجاري من السكك" فلا بأس به الوضوء.
ماء المطر يجري من الميزاب إذا كانت النجاسة عند الميزاب فالماء نجس، وإن كانت على السطح، قيل: إن كان في جانب أو جانبين فالماء طاهر، وإن كان أكثر منه بأن تغير طعمه أو لونه أو ريحه فالماء نجس، وإن زالت النجاسة بجريان الماء فما بعده من الماء طاهر.
المطر وماء الثلج يجري في الطريق وفيه نجاسة مفتتة بحيث لا يرى لونها ولا أثرها يجوز التوضيئ منه.
الجنب إذا قام في المطر الشديد بعد ما تمضمض واستنشق حتى ابتل أعضاؤه ينوب عن الغسل، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله، وفي ظاهر الرواية لابد من إسالة الماء كما في الوضوء.
والأصح أن البول في الماء الجاري مكروه، ولهذا سماه أبو حنيفة رحمه الله جاهلاً فقال: جاهل
الجزء 1 · صفحة 8
بال في الماء الجاري، وآخر توضأ به في أسفله يجوز وضوؤه ما لم يتغير أحد أوصافه.
فصل في الحوض
يجوز التوضي، والاغتسال في الحوض الكبير، قال عامة المشايخ رحمهم الله هو عشر في عشر بذراع الكرباس، وقيل: الذراع أربعة وعشرون إصبعاً، وعليه الفتوى، وذكر في شرح الطحاوي: خمسة عشر في خمسة عشر، ولا اعتبار لعمقه.
قيل: إن كان عمقه بحال لو رفع الماء منه لا ينحسر، أي لا ينكشف ما تحته فهو عميق، ولو وقعت النجاسة في طرفه لا ينجس الطرف الآخر، وكذا إذا استنجى فيه، أو غسل الثوب النجس فيه لا ينجس الطرف الآخر.
وما دون العشر فهو الماء الراكد يجوز التوضي منه ولا يجوز فيه الاغتسال فهو كالماء في الإناء.
الحوض المدور قيل: قدر حواليه ستة وثلاثون ذراعاً.
والتحريك المعتبر في الحوض تحريك المغتسل عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمد رحمه الله تحريك المتوضيء.
الوضوء في نقب الحوض المنجمد يجوز إذا كان الماء متجافياً عن الجمد، فهو كالحوض المسقف، والماء في نقب الحوض إن كان الجمد متصلاً بالماء فهو كالماء في الطشت لا يجوز التوضي فيه إلا عند الضرورة.
رجل توضأ في حوض فوقع غسالته فيه ثم رفع الماء من ذلك الموضع قبل التحريك لا يجوز عند أبي يوسف رحمه الله؛ لأن التحريك عنده شرط، وعن محمد رحمه الله رجل اغتسل في حوض يجوز لآخر أن يغتسل في هذا الموضع إذا لم يكن عليه نجاسة حقيقية.
الجزء 1 · صفحة 9
حوض صغير تنجس ماؤه فيدخل الماء من جانب ويخرج من جانب، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: يطهر؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري، ويعتبر الخروج منه حالة الدخول، وقيل: لا يطهر حتى يخرج منه ثلاث مرات مثل ما كان فيه.
حوضين صغيرين يخرج الماء من أحدهما، ويدخل في الآخر فتوضأ رجل فى خلاله جاز؛ لأنه ماء جار.
وكذا في الحوض الصغير يدخل الماء فيه يجوز التوضي منه ما لم يستقر الماء ويدور، ولا يصير الماء مستعملاً الذي دخل فيه، ألا يرى أنه لو شق منه فخرج منه الماء يجوز التوضي في الذي يخرج.
حوض أعلاه عشر في عشر وأسفله دونه، إن كان ممتلئاً يجوز التوضي والاغتسال فيه، وإن كان ناقصا يجوز منه ولا يجوز فيه.
إذا وقعت في الحوض نجاسة غير مرئية كالبول جاز الوضوء من ذلك الموضع على قول مشايخ بلخ، وعلى قول مشايخ العراق لا يجوز، هي والمرئية سواء.
حوض كبير منتن يجوز التوضي فيه إذا لم يعلم وقوع النجاسة، لأن التغير قد يكون من طول المكث.
حوض كبير وقعت فيه نجاسة ثم نقص ماؤه واجتمع وبقي أقل من عشر في عشر فالماء طاهر يجوز الوضوء منه، وإن تنجس ثم غار ماؤه ويبس ثم دخل الماء الأصح أنه لا ينجس، وإن وقع في الماء القليل نجاسة ثم انبسط ذلك الماء فصار عشرا في عشر فالماء نجس، فالمعتبر فيه وقت وقوع النجاسة، ولا فرق بين أن ترد النجاسة فيه على الماء أو الماء يرد عليها.
الغدير العظيم إذا يبس في الصيف فراثت الدواب فيه، ثم دخل الماء وامتلأ، ينظر إن كانت النجاسة في موضع دخول الماء فالماء نجس، وإن كان موضع دخول الماء طاهرا فدخل الماء واجتمع في
الجزء 1 · صفحة 10
موضع فصار عشرا في عشر ثم تعدى إلى موضع النجاسة فالماء طاهر، وكذلك إذا بقي في الحوض ماء قليل فوقعت النجاسة ثم دخل الماء وامتلاً فالحكم ما ذكرنا.
ولو كان عرض الماء ذراعين وهو طويل وطوله مع العرض صار عشرا في عشر فهو بمنزلة الحوض الكبير، وهو قول أبي القاسم الصفار، وقال عامة العلماء: لا يجوز التوضي فيه، حتى لو بال إنسان فيه يتنجس، وكذا لو كان له طول وعمق ولا عرض
نهر فيه تبن نجس فجرى عليه الماء ودخل في الحوض، وإن كان التبن يرى على وجه الماء فالماء نجس.
مسلم عدل أخبر بنجاسة الماء لا يجوز التوضي به بل يتيمم عند وجود ذلك الماء، وقول الفاسق فيه لا يعتبر إلا بعد التثبيت، أي يريق الماء، ثم يتيمم إذا كان أكثر رأيه أنه صادق، وإن كان أكثر رأيه أنه كاذب يتوضأ به ولا يتيمم بعد الوضوء، وكذلك مستور الحال، وقيل: فيه روايتان.
وقول الكافر لا يعتبر فيه إلا إذا غلب على ظنه أنه صادق، فالأولى أن يريق الماء ثم يتيمم، وقول الصبي فيه كقول الفاسق، وقيل: كقول الكافر.
وإذا أخبر واحد بنجاسة الماء واثنان بطهارته، أو على عكسه يحكم بقول الاثنين، ولو استويا فلا يحكم بقول ما، ولكن يحكم بالأصل، وهو الطهارة، إلا إذا كان أحد الفريقين حراً يحكم بقوله".
حر أخبر بنجاسة الماء والعبدان بطهارته، فلا بأس بالوضوء به، لأن طمانينة القلب بالمثنى أكثر.
والسؤال عن حال الماء ليس بشرط اعتباراً بأصله، وهو الطهارة، لقول عمر رضي الله عنه لصاحب الحوض: " لا تخبرنا عنه" وقيل: هو شرط احتياط
الجزء 1 · صفحة 11
فصل في مسائل البئر
قال مالك رحمه الله: البئر بمنزلة النهر الجاري لا يفسد ماؤه بوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير أحد أوصافه؛ لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس بوقوع النجاسة كحوض الحمام، إذا كان يصب من الأنبوب ويؤخذ من الحوض لا يتنجس بإدخال اليد النجس، وعن أبي يوسف رحمه الله: صلى الناس يوم الجمعة ثم أخبر بوجود الفارة في بئر الحمام - وقد اغتسل الناس - بعد ما صلوا وتفرقوا، فقال: نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة، وقال الشافعي رحمه الله: إذا بلغ ماؤها قلتين لا تفسد بوقوع النجاسة، وعندنا البئر بمنزلة الحوض الصغير يتنجس بوقوع النجاسة فيها.
بئر تنجس ماءها فغار ثم عاد بعد ذلك، الصحيح أنه طاهر ويكون بمنزلة النزح، حتى لو صلي في قعرها حالة الجفاف يجوز، فإن عاد الماء صار نجساً عند البعض، وكذلك بئر وجب نزح عشرين دلواً، فنزح عشرة دلاء فلم يبق الماء، ثم عاد الماء لا ينزح منه شيء.
وينبغي أن يكون بين بئر بالوعة وبين بئر الماء قدر خمسة أذرع، قيل: هذا غير لازم، وإنما المعتبر عدم وصول النجاسة إليه، وذلك يختلف بصلابة الأرض ورخاوتها.
بئر بالوعة يريد أن يجعل بئر ماء، فإن حفرها مقدار ما وصلت إليه النجاسة ما تحتها وحواليها تطهر.
الآدمي إذا وقع في البئر ثم خرج لا يتنجس الماء إذا لم يكن على أعضائه نجاسة.
وكذا كل حيوان يؤكل لحمه إذا وقع فيها ثم خرج حياً، إلا أن في الحيوان ينزح عشرون دلواً لاطمئنان القلب لا للتطهير، وكذا الحمار والبغل إذا وقع فيها ولم يصل فمه إلى الماء. أما إذا أصاب فمه
ينزح ماء البئر كله في المشكوك، وفي المكروه ينزح عشر دلاء، والمعتبر في الواقع سؤره.
أما الدجاج إذا وقع فيها ثم خرج حيا لا يتوضأ منها استحساناً، وكذا سواكن البيوت إذا وقع
الجزء 1 · صفحة 12
فيها ثم خرج حيا، وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه ينزح عشر دلاء.
انتفاخ الفارة فيها بمنزلة موت الشاة فيها، وكذا وقوع قطعة لحم الميتة فيها.
أما الكلب إذا وقع فيها سواء أصاب فمه الماء أو لم يصبه، ثم خرج حياً يتنجس ماء البئر.
وكذا الخنزير، وكذا الجنب عند أبي حنيفة رحمه الله، وكذا الحائض التي انقطع حيضها، أما الحائض التي لم ينقطع حيضها إذا وقعت فيها، وليست على أعضائها نجاسة فهي كالرجل الطاهر لا يتنجس بوقوعها فيها؛ لأنه لا تحصل الطهارة لها به فلا يصير الماء مستعملاً.
جنب دخل في البئر لطلب الدلو فانغمس فيه فالرجل بحاله والماء بحاله عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمد رحمه الله كلاهما طاهران، وعند أبي حنيفة كلاهما نجسان، أما الماء لإسقاط الفرض عن العضو في أول الملاقاة، أما في نجاسة المرء عنه وجهان: في وجه لبقاء الجنابة في بقية أعضائه، وفي وجه لإصابة الماء المستعمل عن العضو بأول الملاقاة، وعنه: أن الرجل طاهر، وهذه الرواية أوفق، وعن أبي يوسف رحمه الله: جنب أدخل يده أو رجله في البئر لا يفسد ماءها للحاجة إلى طلب الدلو. ولو أدخل يده في الإناء لا تفسد استحساناً، ولو أدخل رجله فيه تفسده لعدم الحاجة.
بعرة الإبل والغنم إذا وقعت فيها لا تفسده ما لم تفحش، وحده ما لم يستكثره الناظر، وقيل: لا يسلم كل دلو عن بعرة أو بعرتين، وقيل: إذا غطى ربع وجه الماء ويستوي فيه الرطب، واليابس، والصحيح، والمنكسر، والروث، والخثي في المصر والمفازة، وقيل: أخثاء البقر بمنزلة بوله. وبوله يفسد الماء في قول أبي حنيفة، وكذلك عند أبي يوسف.
وخرء ما يؤكل لحمه من الطيور الصغار كالعصافير، والحمامة طاهر، لا يفسد الماء ولا الثوب، وكذا كل خرء لا نتن فيه.
وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور الكبار كالبازي، والحدأة يفسد ماء البئر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إذا وقع فيها، ولا يفسد الثوب، وفي الإناء قولان.
الجزء 1 · صفحة 13
وخرء الدجاجة يفسد الماء، وكذا خرء البط والأوز في رواية، والأوز كالحدي في رواية في النزح.
وكذا الحمار إذا صار ملحا ينجس عند محمد رحمه الله خلافا لأبي يوسف رحمه الله.
ثلاث فارات بمنزلة الجرد، وفي الجرد عشرون دلواً، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله في الحلمة، والفارة الصغيرة عشر دلاء، وعلى هذا جعل النزح على خمس مراتب.
وأربع فارات بمنزلة الدجاجة ففيها أربعون دلواً.
وإذا حكم بطهارة البئر بالنزح حكم بطهارة الدلو والرشاء تبعاً لها كغسل اليد النجس إذا حكم بطهارة اليد حكم بطهارة العروة، وكحب الخمر إذا صارت خلا، ونزح ما فيها من الماء طهارة لها بإجماع السلف.
ومسائل البئر مبنية على اتباع الآثار دون القياس، والقياس فيها قول بشر يطم طماً، ويحفر في موضع آخر.
حبل البئر ودلوها، طاهر، وإن كان الصبيان والنسوان يضعون أيديهم لمكان الضرورة.
وما نزح من الماء النجس لا يطين به المسجد احتياطا ولا يرش فيه.
نزح طين البئر النجس لا يجب.
إذا وجب نزح ماء البئر لا يجب متوالياً متتابعاً" كما في غسل الثوب النجس.
رجل يتوضأ فوقع الماء المستعمل في البئر تفسد عند أبي حنيفة رحمه الله، وماء الاستنجاء إذا وقع فيها يتنجس بالاتفاق.
الجزء 1 · صفحة 14
فصل في مسائل الحمام
دخول الحمام مشروع للرجال والنساء عندنا خلافاً لما قاله بعض الناس، وروي أن النبي دخل الحمام وتنور فيه، وإنما يباح ذلك إذا لم يكن فيه مكشوف العورة، وكشف العورة بغير ضرورة حرام جداً، ويتزر بمئزر، وكذا النساء لعموم البلوى، ودخول الحمام بالغداة ليس من المروءة.
ولا بأس لقيم الحمام أن يغمز الناس جميع بدنه إلا ما بين السرة إلى العانة، ولا بأس أن يحك أفخاذه من تحت المئزر.
ويكره قراءة القرآن فيه بصوت رفيع، ولا يكره التسبيح فيه، أما الصلاة فيه إذا وجد موضعاً طاهراً، وليس فيه تماثيل لا بأس به وكان واحدا من الزهاد قد فعله هكذا، ويجوز السلام فيه إذا كان متزراً.
وينبغي للداخل فيه أن يمكث مكثاً متعارفاً ويصب صبا متعارفاً من غير إسراف.
{ولو غرف من حوض الحمام وبيده نجاسة} وكان الماء يجيء من الأنبوب، والناس يغرفون غرفا متداركاً لا يتنجس الماء هو الصحيح، فهو بمنزلة الماء الجاري.
جنب دخل الحمام ولم يجد فيه قصعة يغترف بأصابع يده اليسرى، فيصب على يده اليمنى ثم يغترف بأصابع يده اليمنى، فيصب على اليسرى ثم يغترف بكفه، وكفه بمنزلة المغرفة، وحوض الحمام بمنزلة الإناء، ويد المحدث، والحائض، والجنب فيه سواء إذا لم يكن في يدهم نجاسة، إذا أدخله في الماء لا يفسد الماء استحسانا.
جنب إذا صب الماء على الإزار يطهر هو والإزار، وإن لم يعصره، مروي عن أبي يوسف رحمه الله.
رجل دخل الحمام واغتسل وخرج من غير نعل، لا يجب غسل رجليه ما لم يعلم أنه وضع رجليه
الجزء 1 · صفحة 15
على موضع نجس، أولا يعلم أن فيه جنباً؛ لأن فيه ضرورة وبلوى، وكذا الحكم في ألواح المشرعة.
حوض الحمام إذا تنجس ثم دخل الماء فيه لا يطهر {ما لم يخرج منه مقدار ما كان فيه ثلاث مرات، وهو الأحوط، وقيل: يطهر} إذا خرج منه مقدار ما كان فيه مرة واحدة.
فصل فى ما لا يجوز الوضوء والاغتسال به
كل ما اعتصر من الشجر والثمر لا يجوز الوضوء منه، كماء البطيخ، والقثاء، والتفاح وغيرها، وأما الماء الذي يقطر من الكرم قيل: لا يجوز الوضوء به، وقال أبو يوسف رحمه الله: يجوز التوضي به، لأنه ليس بمعتصر.
ولو طرح الملح في الماء وغلب عليه، لا يجوز الوضوء به، والملح الجبلي والمائي سواء.
والماء الذي يجري في أرض سبخة يجوز التوضي به؛ لأن السبخة من أجزاء الأرض كالتراب والحماة المختلط بالماء.
وإن توضأ بالثلج لم يذكر في ظاهر الرواية، قيل: إن كان يتقاطر يجوز وإلا فلا، ولو وقع الثلج في الماء فصار ثخيناً لا يجوز التوضي به، وإن انجمد الماء إن كان الجمد رقيقاً على وجه الماء بحيث ينكسر بتحريك الماء يجوز وإلا فلا إلا عند الضرورة كما مر، وإن كان الجمد قطعا قطعا على وجه الماء بحيث لا يتحرك بتحريك الماء، لا يجوز الوضوء به، وكذا بالماء في الأجمة، والأجمة الأشجار الملتفة.
ولا يجوز الوضوء بالأشربة كالخل وماء الورد.
وأما النبيذ مختلف فيه، وهو نبيذ التمر، إذا كان حلواً يحل شربه، ويجوز الوضوء به عند أبي حنيفة رحمه الله لورود الحديث فيه، وروي عنه أنه رجع عن هذا.
والماء الذي يختلط به البزاق والمخاط يجوز الوضوء به.
الجزء 1 · صفحة 16
فصل في الآسار
السؤر بقية الماء بعد الشرب ثم يستعار في الطعام وغيره وهو أربعة: طاهر، ومكروه، ومشكوك، ونجس، سؤر كل شيء يعتبر بلعابه، واللعاب يتولد من لحمه كاللبن، وكذا العرق.
وسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه طاهر، ويستوي فيه الحائض، والجنب، والكافر، ولو شرب الخمر ثم شرب الماء من فوره يتنجس الماء.
وسؤر الخنزير نجس نجاسة العين، وسؤر الكلب نجس، يغسل الإناء من ولوغه ثلاثاً عندنا، وعند الشافعي رحمه الله يغسل سبعاً وأولهن بالتراب للحديث، وهو نجس العين أيضاً عنده، وكذا سؤر الفيل لأنه ذو ناب، وسؤر سباع البهائم نجس عندنا، وعند الشافعي رحمه الله أنه طاهر إلا سؤر الكلب والخنزير.
وسؤر الهرة مكروه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وكذا سؤر الدجاجة المخلاة، وسباع الطير، وإن أكلت الهرة فارة ثم شربت من فورها يتنجس الماء، وعن محمد رحمه الله: سؤر الفارة مكروه، ولا أرى بأساً.
وسؤر الحمار والبغل مشكوك، قيل: الشك في طهارته، وقيل: الشك في طهوريته، وهو الأصح.
وعرق الحمار طاهر وكذا لبنه، ولكن لا يؤكل، وسؤر الفرس طاهر، وكذا لبنه، ويؤكل.
والسؤر الطاهر بمنزلة الماء المطلق في حق الوضوء، وبالمكروه يجوز الوضوء مع الكراهة، وفي المشكوك يجمع بين الوضوء والتيمم أيهما قدم جاز عندنا خلافاً لزفر، والله أعلم.
فصل في ما يفسد الإناء وما يفسد الماء بوقوع شيء أو بموته فيه
الجزء 1 · صفحة 17
جنب اغتسل فانتضح من غسالته في الإناء لم يفسده، لقول ابن عباس رضي الله عنه: ومن يملك لنثر الماء وعن الحسن: أن ما لا يستطاع الامتناع عنه يكون عفواً. وإن سال فيه يفسده لإمكان الامتناع عنه، والفاصل بينهما إن كان يستبين مواضع القطرات في الإناء يكون كثيراً.
وإن وقع فيه خمر، أو عذرة، أو بول يفسده؛ لأن الماء شيء لطيف، والنجاسة إذا وقعت فيه تتفرق وتشيع في الكل.
جنب أدخل يده فى الإناء قبل أن يغسلها، وليس عليها قذر لا يفسده استحساناً، ولو أخذ الماء من الجب بالكوز، ثم وجد في الكوز فارة لا ينجس الجب، ويجوز التوضي من جب يؤخذ منه بكوز فيكون اعتباراً بالأصل.
ولو أدخل فيه الصبي يده وليس عليه قذر، فأحب إلي أن يتوضأ بغيره؛ لأنه لا يتجافى عن النجاسة.
موت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا يفسده عندنا خلافاً للشافعي كالبق، والذباب، والزنابير، والعقارب ونحوه؛ لأن المفسد هو الدم المسفوح.
وموت ما يعيش فى الماء لا يفسده أيضاً عندنا خلافاً له، كالضفدع، والسرطان ونحوه، وموت السمك لا يفسده بالاتفاق؛ لأنه مات في معدنه ومكانه فلا يحكم بنجاسة الماء كبيضة حال مخها دماً، وكدود الخل، وسوس الثمار إذا مات في موضعه؛ ولأنه لا دم له، إذ الدموي لا يدوم في الماء، وفي غير الماء مثل العصير والدبس إذا مات فيه، فيه اختلاف؛ والضفدع البري، والبحري فيه سواء في ظاهر الرواية، وما يعيش في الماء يكون توالده ومثواه فيه.
البعوضة إذا مصت دما ثم وقعت في الماء وماتت قيل: {تفسده وعن محمد رحمه الله: لا تفسده}.
البيضة إذا وقعت من الدجاجة في الماء لا يفسده وكذا السخلة.
الجزء 1 · صفحة 18
بعرة أو بعرتان إذا وقعت في المحلب، ترمى البعرة ويشرب اللبن، إذا لم تفتت فيه لمكان الضرورة.
فارة خرجت من الجب حية، يكره الشرب والوضوء من مائه.
جلد الآدمي ولحمه إذا وقع في الماء مقدار الظفر يفسده وإن كان قليلا مثل ما يتناثر من شقاق الرجل لا يفسده، وكذا عظمه إذا غسل ثم وقع في الماء، وكذا ظفره، وشعره.
الميت إذا غسل ثم وقع في الماء لا يفسده، إلا إذا كان كافرا، والكافر لا يطهر بالغسل.
رأس شاة متلطخ بالدم فأحرقه ولم يغسله يطهر ولا يفسد المرق.
فصل في الجلود
جلد الآدمي لا يجوز استعماله لكرامته، وجلد الخنزير لا يجوز استعماله لنجاسته، وجلد الكلب يطهر بالدباغ عندنا خلافاً للشافعي.
وجلد ما لا يؤكل لحمه من الحيوان مثل الفهد، والثعلب والبغل، والحمار يطهر بالدباغ عندنا خلافاً للأوزاعي. وجلد الميتة يطهر بالدباغ عندنا خلافاً لمالك.
ثم ما يمنع من النتن والفساد فهو دباغ عندنا خلافاً للشافعي كالتشميس والتتريب، ثم بعد ما أصابه ماء هل يعود نجساً؟ ففيه روايتان عن أبي حنيفة، وإذا دبغه بعد ما غسله بالماء يطهر، ولا تعود النجاسة بإصابة الماء بالاتفاق.
كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر لحمه بالذكاة كالثعلب وغيره.
المثانة تطهر بالدباغ، وكذا الكرش، وقيل: هو لحم لا يطهر بالدباغ.
نافجة المسك إذا يبست تطهر، إذا كان بحال لو أصابها ماء لا يفسده، والمسك حلال يجوز أكله.
الجزء 1 · صفحة 19
وشعر الميتة، وعظمها، وقرنها وظفرها، وظلفها، وصوفها، ووبرها، وريشها طاهر عندنا وعند الشافعي كلها نجس، وعند مالك العظم نجس، والشعر طاهر، وفي عصب الميتة اختلاف بين أصحابنا.
وشعر الآدمي وظفره طاهر عندنا خلافاً للشافعي، حتى لو أوصلت امرأة شعر غيرها بشعرها وصلّت جازت صلاتها عندنا خلافاً له.
فصل في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن
النجاسة الغليظة إذا زادت على قدر الدرهم في ثوب المصلي، أو بدنه تمنع جواز الصلاة، وقدر الدرهم وما دونه لا يمنع عندنا للضرورة، ولكن تكره الصلاة معها إذا كان عالماً بها وقادراً على غسلها.
[وغسل أكثر من القدر الدرهم، فريضة، وغسل قدر الدرهم واجب، وما دونه سنة].
واختلفوا في قدر الدرهم، والصحيح إن كان لها جرم كالروث والعذرة يعتبر فيه وزن المثقال، وفي الرقيق كالبول والخمر يعتبر فيه المساحة، وهو قدر عرض الكف، وهو الصحيح.
والنجاسة الخفيفة لا تمنع ما لم تفحش، وهو مقدار ربع كل الثوب، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه، إن كان ذيلاً فربع الذيل، وإن كان دخريصاً فربع الدخريص، وقال أبويوسف: هو شبر في شبر، وعن أبي حنيفة أنه يفوض إلى رأي المبتلى به.
وروث الحمار، وأخثاء البقر نجس نجاسة غليظة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره إلا عند زفر، وبول الحمار نجس نجاسة غليظة بالإجماع، وبول الفرس نجس نجاسة خفيفة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد هو طاهر.
خرء الدجاجة والبط نجس نجاسة غليظة، وخرء طيور ما يؤكل لحمه طاهر {كخرء الحمام والعصفور، وخرء ما لا يؤكل لحمه كالصقر، والبازي، فالصحيح أنه نجاسة خفيفة عندهما}.
الجزء 1 · صفحة 20
بول انتضح فأصاب الثوب مثل رؤوس الإبر فذاك ليس بشيء، لأنه لا يمكن الاحتراز، عنه، واختلفوا في بول الهرة، والفارة، قيل: هو نجس نجاسة غليظة وهو الظاهر، وقيل: هو خفيفة، وقيل: لا يمنع لمكان الضرورة، ذكره في الجامع العتابي.
دم البق، والبراغيث، والبعوض عفو عندنا، وعند - الشافعي هو نجس، إلا أنه لا يمنع جواز الصلاة لمكان الضرورة، والاختلاف يظهر فيمن حمل ثوب إنسان، وفيه دم البراغيث ويصلي معه يجوز عندنا خلافاً له.
ودم المستحاضة إذا أصاب ثوبها، قيل: إن كان يفيد الغسل يجب عليها الغسل بأن لا يتكرر إلى أن تصلي، وقيل: لا يجب عليها؛ لأن الرخصة مقدرة بالوقت، وقيل: يجب عليها غسله في كل وقت صلاة كالوضوء، إن كان لها ثوبان أحدهما طاهر تصلي بأيهما شاءت، إذا احتمل الدم أصابت الطاهر وقت ما تصلي.
والدم الذي بقي في عروق المذكاة طاهر، وقيل: إذا فحش يفسد الثوب، ولا يفسد المرق، والدم المسفوح الذي بقي في المذبح نجس يفسد المرق، والكبد والطحال طاهر، ومرارة كل شيء تعتبر ببوله.
والدم إذا خرج من القروح قليلا قليلا غير سائل فذاك ليس بمانع وإن كثر، وقيل: لو كان بحال لو تركه لسال يمنع، ودم الشهيد يفسد الثوب كدم صاحب العذر.
الهرة إذا لحست عضو إنسان يجب غسله.
الكلب إذا مشى على الثلج أو الطين إن كان يبتل قدمه يتنجس موضع القدم وإلا فلا.
الثوب النجس إذا غسل ثلاثاً وعصر مرة يطهر عند أبي يوسف، إذا صب الماء عليه، وهو شرط عنده أو غسله في الماء، وقيل: لا بد من العصر في كل مرة، وشرط العصر أن يبالغ فيه حتى لو عصر لا يسيل منه الماء، ويعتبر في كل شخص قوته وطاقته، دون طاقة غيره، وأما الماء الذي يتقاطر بعد ما بالغ في المرة الثالثة طاهر. الحمار إذا بال في الماء الجاري، فأصاب رشه الثوب لا يفسده، ما لم يتيقن أنه بول،
الجزء 1 · صفحة 21
وكذا لو رمى نجاسة في الماء فانتضح منه فأصاب الثوب، وإن كان الماء راكدا يفسده.
رجل استنجى بالأحجار ثم قعد في موضع الندى فابتل مقعده، ثم أصاب ثوبه فابتل ثوبه يتنجس.
الكلب إذا خرج من الماء ونفض فأصاب الثوب يفسده، وقيل: إن كان ماء المطر لا يفسده.
رجل صلى ومعه جرو كلب لا تجوز صلاته، وإن كان معه هرة أو حية يجوز ويكره، وكذا لو كان معه بيضة مذرة قد حال مخها دما، أو كان فيه فرخ ميت، {ولو كان معه قارورة فيها دم لم يجز}، وإن كان في كمه فرخ حي تجوز صلاته، ولو صلى وعليه دود قز تجوز صلاته.
صبي وعليه نجاسة إذا جلس في حجر المصلي لا يمنع جوازها وكذا الحمامة النجسة.
ثوب أصابته نجاسة فنسي ذلك الموضع يتحرى ثم يغسل موضع ما يقع عليه التحري.
رجل وجد في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، وهو قد صلى فيه يحكم بنجاسته في الحال، لا في الماضي، وقيل: هذا على الاختلاف في مسألة البئر، إذا وجد فيها فارة فإن كان طرياً يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كان باليا يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وقيل: إن كان قدام الثوب لا يعيده، لأنه مرأى عينه {وقيل: الثوب مرأى عينه لا يعيد أصلاً، وفي البئر يعيد لأنه غائب عن بصره فيفرقان}، ولو رآها في صلاته في ثوبه يمنع جوازها.
ولو رآها في صلاته في ثوبه أقل من قدر الدرهم، فإن كان في الوقت سعة فالأفضل أن يغسله، ويستقبل الصلاة، وإن كان تفوته الجماعة، ليكون مؤديا بالصلاة الجائزة باليقين، وإن كان يفوته الوقت بحيث لو اشتغل بغسله، يمضي على صلاته، لأن ما دون الدرهم لا يمنع.
ولو رآها في ثوب إمامه في صلاته أقل من قدر الدرهم وهو يرى الجواز معه، وإمامه لا يرى الجواز لا يعيد صلاته، لأن في زعمه أن صلاة الإمام جائزة، وفي عكسه يعيد؛ لأن في زعمه أن صلاة
الجزء 1 · صفحة 22
الإمام باطلة.
ولو رآها في ثوب غيره أكثر من قدر الدرهم يخبره ولا يسع تركه، إذا وقع في قلبه أنه يغسلها، وإن وقع في قلبه أنه لا يغسلها فهو في سعة، كما في الأمر بالمعروف.
ولو كان الثوب كله نجساً، ولم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة.
ولو صلى عرياناً جاز أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والأول أفضل، ولو كان ربعه طاهراً يصلي فيه، وإذا كان له ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس، فتحرى وصلى فيما وقع عليه تحريه، ثم وقع تحريه على الثوب الآخر هو الطاهر فصلى فيه، وما صلى في الثوب الأول يجوز، وفي الثاني لا يجوز.
ولا يجوز التحري في إنائين، والأفضل أن يريقهما أو يخلط أحدهما بالآخر ثم يتيمم وجنس هذه المسائل يجيء في الكراهية في فصل التحري.
إذا لحس النجاسة التي على عضوه فذهب أثرها يطهر، وكذا إذا مسحه بريقه، لأن إزالة النجاسة بغير الماء جائزة، وكذا الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص الثدي، وكذا إذا شرب الخمر ثم ردد بزاقه في فمه، وكذا إذا مسح موضع الحجامة بخرقة مبلولة يطهر، ولو قاء ملأ الفم ثم توضأ ولم يغسل فمه، جاز، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
بطانة الثوب أو حشوه نجس وصلى على ظهارته يجوز عند محمد، إذا كان غير مضرب، وإن كان مضرباً لا يجوز، وقيل: لا خلاف في الأصل.
إذا اختضب بالحناء النجس، ثم غسل ذلك الموضع ثلاث مرات يطهر، وبقاء الأثر لا يضر به، وكذا الصبغ النجس والدهن النجس.
صبغ أصابته النجاسة فإنه يصبغ الثوب ثم يغسل فيطهر، كما لو أصابت الثوب المصبوغ نجاسة يطهر بغسله.
الجزء 1 · صفحة 23
نفطة يبست ما تحتها وأمر الماء في الوضوء على الجلدة الطاهرة يجوز لأن الواجب غسل الظاهر كجلد الحشفة، واللحية.
وكل ما لا يمكن عصره كالحصير، والبواري إذا أصابته نجاسة يغسل ثلاثاً، ويجفف في كل مرة، يطهر عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، وكذا الحنطة إذا تنجست بمائع نجس يغسل ثلاثا، ويجفف في كل مرة تطهر، وإجراء الماء عليه يقوم مقام الغسل.
وإن كانت النجاسة يابسة عينية لا بد من الدلك والقشر حتى يزول عينها وقت الغسل وإن كانت رطبة غير مرئية يجري الماء عليها حتى يغلب على ظنه أنه قد طهر، وإجراء الماء عليه يقوم مقام العصر، وكذا البساط النجس إذا جرى عليه الماء يوم وليلة يطهر، وكذا الخزف القديم والأجر القديم يطهر بالثالث إذا غسله ثلاث مرات بدفعة واحدة، وكذا حب الخمر إذا لم يبق رائحة الخمر وإن بقيت لا يطهر إلا بالخل.
وإن كان جديدا إذا تشرب منها لا يطهر عند محمد أصلاً، وعندهما يطهر إذا غسله ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، أو يموه الجديد بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويدخل في النار في كل مرة فيطهر، كما في رأس شاة متلطخ بالدم فأحرق.
وإن كان الإناء عتيقاً يطهر بالغسل ثلاثاً بلا تجفف في ظاهر الرواية إذا لم يبق رائحته، والاحتياط فيه التجفيف أيضاً، وحدّه أن يترك بعد الغسل حتى يسكن تقاطره ويصير بحال حتى لو وضع يده عليه لا تبتل يده.
والبواري من القصب يطهر بالغسل بلا خلاف؛ لأنه لا ينشف النجاسة إلى نفسه، وإذا أصابت النجاسة الحديد إن كان مصقلاً يطهر بالمسح، وإلا فلا، ولهذا خص في المختصر: المرآة والسيف لأنهما مصقولتان.
أرض أصابتها نجاسة فصب الماء عليها ثلاث مرات ودلكه ثم تشف بخرقة في كل مرة، أو
الجزء 1 · صفحة 24
صب الماء كثيراً حتى لا يبقى لونه ولا ريحه ثم تشف تطهر إن كانت الأرض صلبة، وإن كانت رخوة لا تطهر بصب الماء عليها حتى تجف كالثوب لا يطهر بالصب، ولكن يطهر بالعصر بعد الصب، وإذا ذهب أثرها بالجفاف بلا غسل يطهر أيضاً عندنا خلافاً لزفر والشافعي رحمهما الله حتى تجوز الصلاة عليها. ثم إذا أصابها ماء هل يعود نجساً؟ اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يعود بخلاف المني بعد الفرك إذا أصابه ماء يعود نجساً، وقيل: الخلاف على عكسه وهو الأصح.
وإذا كانت النجاسة تحت قدمي المصلي أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة، وكذا إذا كانت النجاسة في موضع السجدة،
ولو كانت في موضع الركبتين واليدين لا يمنع عندنا خلافا للشافعي ولو كانت الأرض نجسة فخلع نعليه، وقام عليهما وصلى جاز.
ولو كانت الأرض النجسة ندية أو مبتلة إن لم يلتزق بوجهه طين يصلي عليها، وإن كان يلتزق إن وجد موضعاً آخر يصلي فيه، وإلا يصلي بالإيماء فيه بأن كان مسافراً.
التبن النجس إذا جعل في الطين إن كان يرى عينه لا تجوز الصلاة عليه، وإن لم ير تجوز إذا يبس، لأنه مغلوب وإن تندى عاد نجسا.
خشبة أصابتها نجاسة ثم أصابها مطر فزال عينها تطهر كالأرض النجسة إذا أصابها مطر تطهر، ولو قلب الخشبة فصلى على جانب آخر يجوز، ولو قلب اللبد النجس فصلى على جانب آخر لم يجز أبي يوسف رحمه الله.
والكلأ يطهر بالجفاف، وكذا الشجر والآجر المفروش، إن كانت موضوعة تقلب ويصلي على الجانب الآخر.
ولو كان بعض طرف البساط نجساً جازت الصلاة في الطرف الآخر سواء يتحرك الطرف النجس بتحريكه أو لا، لأنه بمنزلة الأرض، وقيل: إن كان يتحرك بتحريكه لا يجوز. منديل أو ملأة
الجزء 1 · صفحة 25
أحد طرفيه نجس وهو على الأرض والطرف الآخر على المصلي، إن كان الطرف النجس يتحرك بتحريكه لا تجوز صلاته.
الخف يطهر بالدلك من النجاسة المتجسدة كالروث والعذرة إذا جف عليه للحديث، وهذا استحسان، وعند محمد رحمه الله لا يطهر وهو القياس، وجه الاستحسان ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-خلع نعليه في صلاته فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته فقال: ما لي أراكم خالعي نعالكم في الصلاة؟ فقالوا يا رسول الله! خلعت نعليك فخلعنا، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أن فيه أذى، فإذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فإذا كان فيه قذر فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهور.
والمني نجس عندنا يطهر بالفرك والدلك إذا يبس على الخف والثوب، وإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل، وعن أبي يوسف إذا دلكه بالأرض حتى لا يبقى أثر النجاسة فيه يطهر أيضاً لعموم البلوى لإطلاق الحديث، وإن أصابته نجاسة لا جرم لها كالبول والخمر لا يطهر إلا بالغسل، وعن أبي يوسف إذا ألقي عليه تراب صار كالمتجسد، ثم مسحه يطهر، والثوب لا يطهر إلا بالغسل، والمني يطهر بالفرك فيه للحديث.
وإن كان الثوب ذا طاقين فالأعلى يطهر بالفرك، لأن عليه جرم، والأسفل لا يطهر بالفرك، لأن فيه بلة وهو لا يطهر بالفرك كالمذي، وفي البدن يطهر بالفرك في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة البدن لا يطهر بالفرك.
وعند الشافعي مني الرجل طاهر، وفي مني المرأة له قولان، ومني الرجل والمرأة سواء في ظاهر الرواية عندنا، وقيل: منى المرأة لا يطهر بالفرك لرقته كالبول، والمذي لا يطهر بالفرك.
وإذا ابتل أسفل خفيه بماء الاستنجاء، قالوا: رجونا سعة الأمر فيه، هذا إذا لم يكن في الخف خرق، لأنه إذا تنجس بأول مرة يطهر بالمرة الأخيرة كموضع الاستنجاء، واللفافة وطاق الخف إذا كان
الجزء 1 · صفحة 26
ثوبا لا يطهر إلا بالغسل.
الدهن النجس إذا أصاب الثوب أقل من قدر الدرهم ثم انبسط فصار أكثر منها لا يمنع جواز الصلاة عند البعض، والمعتبر وقت الإصابة، ولو نفذ إلى بطانته فصار أكثر من قدر الدرهم يمنع.
رجل امتخط في ثوبه فرأى في ثوبه دما، إن كان سائلا يتنجس ثوبه وإلا فلا.
رجل مشى على أرض نجس ورجله مبلولة لا تتنجس
رجله وعلى عكسه تتنجس.
فارة ماتت في دهن منجمد رمي حوله، وينتفع بالباقي بالأكل وغيره، وإن كان ذائباً لا ينتفع به إلا الاستصباح، ولو باعه فبين ما فيه من العيب يجوز بيعه، ولو دبغ الجلد به يطهر بالغسل بعده، لأن عينه زال بالغسل ويبقى أثره وذلك لا يضر، وعن أبي يوسف رحمه الله يصب الماء على الدهن النجس ثلاث مرات ثم يغلي الدهن، فيأخذ الدهن ويريق الماء، ثم يصب على الدهن ثم يغلي، هكذا ثلاث مرات، يطهر بالمرة الثالثة.
الكلب إذا أكل بعض عنقود العنب يغسل ما أصابه فمه ثلاثا فيؤكل.
رجل يعصر العنب برجله فأدمى رجله فيه لا يتنجس العصير ما لم يظهر أثر الدم فيه.
والروث والعذرة إذا احترق فصار رماداً يطهر عند محمد رحمه الله حتى لو وقع من الرماد شيء في البئر لا يتنجس عنده خلافاً لأبي يوسف رحمه الله.
الخمر إذا صب على حنطة تغسل ثلاثا وتجفف في كل مرة فتؤكل، ولو طبخت في الخمر لا تطهر أصلاً، وإذا وقعت خمر في القدر فلا خير في المرق، وأما اللحم إذا كان الوقوع في الغليان فلا خير فيه أيضاً.
ولو اتخذ مريا من، خمر، وخل وسكر حتى صار مري خل يحل أكله.
الجزء 1 · صفحة 27
الشعير إذا وجد في بعر الإبل والغنم يغسل ثلاثا فيؤكل، وإذا وجد في أخثاء البقر والروث لا يؤكل.
بعر الفأرة إذا وجد فى الخبز، أو الدقيق إن كان صلباً يرمى البعر ويؤكل الخبز، وإن كان متفتتا ما لم يتغير طعمه يؤكل أيضاً، وكذا بعرة الفارة إذا وقعت في وقر حنطة أو في وقر سمسم لا يتنجس الدقيق والدهن بعد ما طحن وعصر.
فصل في الوضوء
الوضوء من الوضاءة، وهي النظافة، والأصل فيه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية، وأدنى ما يكفي للوضوء من الماء مد، وللغسل صاع، والواجب فيه قدر الكفاية، إسالة الماء على أعضاء الوضوء شرط فيه، وهي معنى الغسل، والفرض فيه المرة الواحدة في الأولى إذا كانت سابغة، والتثليث فيه سنة إكمالاً للفرض.
والمضمضة والاستنشاق والسواك فيه سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب عليه، وعند فقد السواك يعالج بإصبعه، وكذا التسمية في ابتداء الوضوء سنة، وكذا تخليل الأصابع واللحية سنة.
والنية والترتيب مستحب عندنا وعند الشافعي رحمه الله فرض.
والموالاة مستحبة، وعند مالك واجب، وحد الموالاة هو أن يغسل عضواً بعد عضو قبل أن يجف الأول عند اعتدال الهواء والحال، والبداية بالميامن فضيلة.
وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، ولا يجب إيصال الماء إلى منابت اللحية إلا أن يكون الشعر قليلا تبدو المنابت، فحينئذ يوصل إليه الماء.
الجزء 1 · صفحة 28
وفرض مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس عندنا، وعند الشافعي الفرض فيه ما يطلق [عليه] اسم المسح، وعند مسح كل الرأس فرض، وإن مسح بإصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها، قيل: لا يجوز، والصحيح أنه يجوز، كالاستنجاء بحجر له ثلاثة أطراف، والمسح هو الإصابة.
ومسح ربع اللحية فرض عند أبي حنيفة رحمه الله اعتباراً الرأس، وعند أبي يوسف في رواية: مسح كلها فرض اعتباراً بمسح الجبيرة، وهو قول الشافعي رحمه الله، وفي رواية: سقط المسح عنها، لأن الفرض فيه كان غسلاً، وبالإنبات سقط فلا يجمع الغسل والمسح في عضو واحد.
والخلاف في إيصال الماء فيها ما يلاقي بشرة الوجه دون المسترسل منها، وتخليل اللحية مستحب وليس بسنة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
والبياض الذي بين العذار والأذن يجب غسله عند حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافاً لأبي يوسف، وإيصال الماء إلى منابت الشارب والحاجبين سنة.
ولا يجب إيصال الماء إلى داخل العين، لأنه شحم يضره الماء الحار والبارد، ولهذا لو اكتحل بكحل نجس لا يجب غسله، وقيل: لا تفتح العين كل الفتح ولا تضم كل الضم حتى يصل الماء إلى أشفاره.
وإذا غسل وجهه يضع الماء على جبهته حتى ينحدر الماء أسفل الذقن ولا يضرب ضرباً شديداً.
رجل شلت يده وعجز عن الوضوء والتيمم يمسح وجهه على الحائط وذراعيه على الأرض ويصلي، وكذا المريض إذا لم يقدر على الوضوء، فإن كان له امرأة أو أمة توضئه وتمس فرجه، والابن والأخ لا يمس فرجه.
إدخال الأصابع في صماخ الأذن مروي عن أبي يوسف في الوضوء، أي يدخل السبابة في أذنه ويدير بإبهامه من وراءها.
الجزء 1 · صفحة 29
مسح الرقبة قيل: هو أدب بماء جديد.
الخاتم إذا كان ضيقاً لا يدخله الماء فلا بد من نزعه أو تحريكه في الوضوء والغسل، وفي التيمم لا بد من نزعه، وإن كان واسعاً يدخله الماء فلا حاجة إلى التحريك.
ولو مسح رأسه ثم حلق شعره لا يلزمه إعادة المسح، وكذا إذا قلم أظفاره، وكذا إذا قشر الجلد بعد ما اندمل القرح.
رجل توضأ فبقيت لمعة في يده اليمنى قبلها بماء يده اليسرى لم يجز، لأنهما عضوان في حق الوضوء، أما في الغسل فيجوز، لأن جميع البدن في حق الغسل من الجنابة وغيره بمنزلة عضو واحد.
رجل توضأ وفي أظفاره عجين أو طين يمنع جواز الوضوء، والدرن لا يمنع، والقروي وغيره سواء.
وأما الطعام الباقي بين أسنانه لا يمنع جواز المضمضة.
ويسمي عند غسل كل عضو، ويدعو بالدعاء المأثور فيه، ويذكر كلمة الشهادة ويصلي على النبي، ويشرب بقية وضوئه قائما.
فصل في الاستنجاء
الاستنجاء سنة من كل خارج يخرج من السبيلين غير الريح، سواء كان معتاداً أو غير معتاد كالدم والقيح، يجزي فيه الحجر والمدر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه، ولا يعتبر فيه العدد عندنا، وإنما المعتبر هو الانقاء.
ولو أصابت نجاسة موضع الاستنجاء اختلفوا فيه، قيل: إنه لا يطهر بالمسح كما في غير موضع الاستنجاء، والأصح أنه يطهر بالمسح، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، والاستنجاء بالماء بعده أدب، وقيل:
الجزء 1 · صفحة 30
هو سنة في زماننا من غير كشف العورة، وكشف العورة من غير ضرورة يوجب الفسق، وهذا إذا لم تتجاوز النجاسة موضع الاستنجاء، أما إذا جاوزه يعتبر المجاوزة أكثر من قدر الدرهم ما وراء موضع الاستنجاء، وقال محمد رحمه الله: مع موضع الاستنجاء، والأول هو المختار.
ويغسل يده قبل الاستنجاء وبعده، وكذا التسمية، وهو الأصح.
وينبغي أن يمشي بعد قضاء الحاجة خطوات ثم يستعمل الماء إلى أن يقع في غالب ظنه أنه قد طهر، ولا يقدر المشي بالمرات إلا إذا كان موسوساً فقدر في حقه بالثلاث، وقيل: بالسبع.
ويستنجي بإصبع أو إصبعين أو ثلاثة من يده اليسرى ببطون الأصابع لا برؤوسها، والمرأة فيه كالرجل إلا أنها تقعد متفرجة، وتغسل ما ظهر منها بعرض أصابعها ولا تدخل أصابعها في فرجها، وقيل: في الرجل أيضاً كذلك، هو المختار، لأن إدخال الأصابع في الدبر يورث الباسور.
والمستحاضة لا تستنجي بالسبب الذي ابتليت به، ولكن تستنجى بسبب آخر غيره.
ويمسح موضع الاستنجاء بخرقة، ثم يقوم أو يجفف بيده، ثم يقوم، والصائم لا يقوم قبل أن يمسح موضع الاستنجاء كيلا يفسد صومه، وكذا لا يتنفس حالة الاستنجاء.
ولو خرج من قبله يستحب غسل قبله وحده.
ويكره استقبال القبلة بالفرج حال قضاء الحاجة والاستنجاء، وكذا الاستدبار في رواية.
وإذا استنجى بالماء ثم فسا قبل أن يبس موضع الاستنجاء، فالأصح أنه لا يتنجس موضع الاستنجاء، والأحب أن يعيد الغسل، وكذا الحكم في السراويل المبلولة.
فصل في الغسل
سبب وجوب الغسل الحيض والنفاس أي عند انقطاعهما بالدم السابق، لأن الانقطاع طهارة
الجزء 1 · صفحة 31
فلا يوجب الغسل، والإنزال على وجه الدفق والشهوة من غير إيلاج بأي طريق كان، وسواء خرج بالمس أو النظر، والاحتلام يوجب الغسل إذا كان من أهل وجوب الصلاة بخلاف الحائض، والمجنون، والكافر لا يجب الغسل عليهم بالإنزال.
وكذا التقاء الختانين من غير إنزال يوجب الغسل، وتحل للزوج الأول، لأنه سبب الإنزال فأقيم السبب مقام المسبب، ويجب الغسل على الفاعل والمفعول به لكمال السببية، وكذا الإيلاج في الدبر، وإنما يؤمر على المفعول به احتياطاً ذكراً كان أو أنثى، ولا تثبت به حرمة المصاهرة.
وفي البهائم لا يجب الغسل ما لم ينزل، وكذا في غير السبيلين لنقصان السببية فيه"، وكذا إذا وطي صغيرة لا تشتهى على قول محمد.
صبي جامع امرأته لا غسل عليه حتماً، ولكن يؤمر تخلقا، ولو انعكس ينعكس الجواب أيضاً.
رجل جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل ثم دخل في فرجها لا يجب الغسل عليها إلا إذا حبلت.
رجل أتى امرأته العذراء لا غسل عليها ما لم تنزل، لأنالعذرة تمنع عن التقاء الختانين.
جنب اغتسل قبل أن يبول جاز، غسله، ولو خرج بعد ذلك منه مني يعيد الغسل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن المعتبر عندهما الانفصال عن المحل بالشهوة، وعند أبي يوسف رحمه الله لا يعيد، لأن المعتبر عنده ظهوره بالشهوة، وأما المرأة لا تعيد لأنه يحتمل أن يكون مني الرجل، ولو خرج المني بعد البول فلا غسل عليه بالإجماع.
والمرأة في الاحتلام كالرجل إلا أن خروج المني يعتبر من الفرج الداخل إلى الخارج، لأن ماؤها يجيء من صدرها إلى رحمها بدون الدفق، ولهذا لو احتلمت إن وجدت شهوة الإنزال يجب الغسل، وإن لم يخرج الماء، بخلاف الرجل إذا انفصل عن محله ولم يظهر على رأس الإحليل لا يجب الغسل.
رجل استيقظ وهو يتذكر الاحتلام ولم ير بللا لا غسل عليه، وفي المرأة يجب احتياطاً، وإن وجد
الجزء 1 · صفحة 32
على فراشه بللاً إن تيقن أنه مني أو شك فعليه الغسل، تذكر الاحتلام أو لم يتذكر، لأن التفكر في النوم كالتفكر في اليقظة، وإن تيقن أنه مذي، قال أبو يوسف رحمه الله: إن تذكر الاحتلام يجب الغسل وإلا فلا بخلاف ما إذا تيقن أنه ودي لا غسل عليه، لأن سببه البول.
وينبغي للمغتسل أن يدخل إصبعه في أذنه، وسرته للمبالغة، وكذا المرأة تغسل فرجها الخارج في الغسل. والأقلف إذا اغتسل ولم يصل الماء تحت الجلد الأصح أنه لا يجوز، وقيل: تجزيه لأن ذلك خلقة والرواية فيه مضطربة.
ثم المضمضة والاستنشاق، وغسل سائر البدن فرض فيه، والشعر المسترسل من المرأة موضوع عنها في الغسل في الجنابة، بخلاف شعر الرجل، والدلك في الغسل شرط عند مالك رحمه الله. وإذا لم يصب الماء بعض جسده فمسحه بيده من البلة حتى ابتل أجزأه.
جنب تمضمض فشربه، أجزأه إن أصاب جميع فمه.
الكافر الجنب إذا أسلم يجب الغسل وهو الأصح، والكافرة الحائض إذا انقطع حيضها ثم أسلمت لا يجب، لأن انقطاع الحيض مما لا يستدام، والجنابة تستدام، فكان لدوامه حكم الابتداء، وقيل: لا غسل عليها بمجرد الإسلام، وإنما يجب بإرادة الصلاة.
رجل احتلم في المسجد يتيمم للخروج، وإن كان ليلا يتيمم للمكث فيه.
وثمن ماء اغتسال المرأة على زوجها، لأنه مؤنة الجماع سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة.
غسل يوم الجمعة سنة اليوم عند البعض، وعند البعض سنة الصلاة، وهو الأصح حتى لا يجب على المرأة، ولو اغتسل بعد صلاة الجمعة لا يعتبر بالإجماع، لأن الصلاة مختصة بالطهارة لا الوقت، والعيدان بمنزلة الجمعة فيه، وكذا يوم عرفة، ووقت الإحرام
مسلم تزوج ذمية ليس له أن يجبرها على الاغتسال، لأنها ليست بمخاطبة به، وكذا في انقطاع
الجزء 1 · صفحة 33
حيضها.
نقل البلة من عضو إلى عضو آخر في الجنابة يجوز، لأن جميع البدن كشيء واحد لدخوله تحت خطاب قوله تعالى: وإن كنتم جنباً فاطهروا جملة، بخلاف نقل البلة من عضو إلى عضو آخر في الوضوء لا يجوز، لأن الله تعالى أفرد كل عضو على حدة في الوضوء بخطاب قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية.
وروي عن محمد أن الجنب لو أخذ المصحف بكمه لا بأس به، ذكره في النوادر.
فصل في الماء المستعمل
غسالة الأعيان الطاهرة طاهرة، وغسالة الأعيان النجسة نجسة، وكذا ماء الاستنجاء إلى الثلاث وما بعده مستعمل، وقيل: نجس إلى اطمئنان القلب.
وأما غسالة أعضاء الوضوء والغسل فيه خلاف، والمتوضي والمحدث، والجنب، والحائض والنفساء فيه سواء، ولهذا سمي الاستعمال فيه تطهير، ولا فرق بين الأولى، والثانية، والثالثة في ظاهر الرواية، وما وراء الثالثة طاهر إذا لم ينو التقرب فيه. وقيل: إن أصاب من الأول لا يطهر إلا بالغسل الثالث ومن الثانية بمرتين، ومن الثالثة بمرة، وهو الصحيح "، وكذا الحكم في إصابة غسالة ثوب نجس.
والماء المستعمل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله نجس نجاسة خفيفة في الرواية المشهورة، وعن أبي حنيفة في رواية نجس نجاسة غليظة، وعند محمد هو طاهر غير طهور، والفتوى عليه، حتى لو صب في الماء الطاهر والطاهر غالب، يجوز الوضوء به، وفي رواية على قوله استثنى الجنب منه، وعند مالك يجوز، وأحد قولي الشافعي رحمه الله هو طاهر وطهور، وعند زفر رحمه الله إن كان المستعمل طاهرا
الجزء 1 · صفحة 34
فهو طهور وإن كان محدثا فهو طاهر غير طهور، والماء المستعمل في الوضوء هل يستعمل في الجنابة على قول من يقول بطهوريته، فيه خلاف.
ثم متى يأخذ حكم الاستعمال؟ الصحيح أنه إذا زال عن العضو حتى لو توضأ واحد وأمسك يده آخر تحت ذراعيه وتوضأ به لا يجوز، وكذا لو أخذ الماء من لحيته ومسح برأسه لا يجوز، وقيل: ما لم يجتمع في موضع بعد ما انفصل عن العضو لا يصير مستعملاً، حتى لو أصاب ثوبه مثلاً شيئا من الهواء لا يحكم بحكم الاستعمال.
وحكم الاستعمال يثبت بأحد الأمرين عند أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف رحمه الله: إما بإزالة الحدث أو بإقامة القربة، وعند محمد رحمه الله لا يصير إلا بإقامة القربة وعند الشافعي رحمه الله على عكسه.
وإذا غسل عضواً غير أعضاء الوضوء كالفخذ والجنب وغيرهما لا يصير مستعملاً.
وإذا غسل أطراف أصابعه ولم يغسل عضواً تاماً لا يصير مستعملاً عند أبي يوسف رحمه الله، ولو أدخل في الماء إصبعاً أو إصبعين دون الكف يريد غسله لا يصير الماء مستعملاً.
الجنب إذا شرب الماء هل ينوب عن المضمضة؟ قيل: إن كان فقيهاً لا ينوب، لأنه يمص مصاً، وإن كان غير فقيه ينوب، لأنه يعب عبا، وكذا إذا أكل الثلج.
جنب أخذ الماء بفمه ولم يرد به المضمضة وغسل ثوبه جاز.
وغسالة الميت فاسد، فما أصاب ثوب الغاسل مما لا يمكن الاحتراز عنه فهو عفو.
المنديل الذي يمسح بعد الغسل طاهر، ولو غسل يده قبل الطعام أو بعده يصير مستعملاً، ولو غسل يده من العجين، أو من الطين، أو من الدرن، لا يصير مستعملا، وغسالة الصبي يصير مستعملاً، لأن نية القربة منه معتبرة، المرأة إذا غسلت الشعر الموصولة بشعرها لا يصير مستعملاً.
الجزء 1 · صفحة 35
فصل فيما ينقض الوضوء
كل ما خرج من السبيلين فهو حدث، أراد بالسبيلين الفرج والدبر والذكر معتاداً كان الخارج أو غير معتاد، وقليلاً كان أو كثيراً، سال أو لم يسل، وعند زفر رحمه الله ظهور النجس ناقض، وعند الشافعي الخارج من غير السبيلين غير ناقض، وعندنا هو إذا جاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير ينقض الوضوء.
والريح من قبل المرأة أو من الذكر ليس بحد"، وقيل: المرأة يستحب لها الوضوء، ومن المفضاة هو حدث.
والدودة إذا خرجت من الدبر أو من الذكر أو من قبل المرأة فهو حدث، وإن سقطت من الجرح فليس بحدث.
والعرق المدني، كالدود الساقطة من الجرح، والدم والقيح إذا سال عن الجرح نقض الوضوء وإلا فلا.
ولو خرج منه شيء قليل ومسحه بخرقة حتى لم يسل لا ينقض، وقيل: لو ترك لسال ينقض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بخلاف ما لو حشا إحليله بقطنة لولاه لخرج البول لا ينقض وضوءه ما لم يبتل ظاهرها.
ولو انجمد على الجراحة لا ينقض، ولو عصره وخرج منه شيء لا ينقض الوضوء، لأنه مخرج لا خارج.
وطهارة صاحب العذر تنقض بخروج وقت الفرض عندنا أي بالحدث السابق الكائن عنده، وصاحب العذر هو الذي لا يمضي عليه وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتلي به يوجد فيه.
الجزء 1 · صفحة 36
ولو نزل الدم من الرأس فوصل إلى مارن من أنفه ينقض.
ولو بزق وخرج معه دم فالعبرة للغالب، فإذا استويا لا ينقض قياساً، لأن الشك وقع في الانتقاض، وفي الاستحسان: ينقض فهو الاحتياط.
والقيء إذا كان ملأ الفم فهو حدث، واختلفوا في حده، قيل: هو أن يكون بحال لا يمكن إمساكه إلا بتكلف ومشقة.
ولو قاء متفرقا بحيث لو جمع يملأ الفم ينقض إن اتحد المجلس عند أبي يوسف، وعند محمد رحمه الله إن اتحد السبب وهو الغثيان، ينقض وإلا فلا.
ولو قاء بلغماً فهو غير ناقض إن كان من الجوف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافا لأبي يوسف رحمه الله، أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق.
ولو قاء مرة، أو طعاما قليلاً لا ينقض الوضوء ولا يتنجس الثوب به وإن امتلأ، لأن مالا يكون حدثا من القيء وغيره لا يكون نجسا مروي عن أبي يوسف سوى دم الاستحاضة والخارج من الجرح السائل.
رجل انغمس في الماء فدخل الماء في أذنه ثم خرج بعد ساعة لا ينقض وضوءه، لأن الرأس ليس بمنزلة الجوف.
ولو ظهر البول على الإحليل ينقض بخلاف الدم الظاهر على رأس الجرح، ولو خرج البول إلى الفرج الداخل دون الخارج ينقض، وكذا الحكم في الأقلف إذا خرج من إحليله ولم يخرج من الجلدة، وإن جعل في إحليله قطنة وغيبها ثم خرجت، ينقض الوضوء ويفسد الصوم، وإن كان طرفها خارجاً لا ينقض ولا يفسد، وإن ابتل الداخل وإن نفذت البلة إلى الجانب الخارج بأن كان متسفلاً عن رأس الإحليل لا ينقض، وإن كان محاذياً أو عالياً ينقض، وكذا في قبل المرأة إن كان طرفها خارجاً لا ينقض، وإن غابت أو انتهت إلى الفرج الداخل ينقض وضوءها ويفسد صومها، وكذا الحكم في الدبر والحقنة.
الجزء 1 · صفحة 37
والغرب في العين بمنزلة الجرح.
العلقة إذا مصت وامتلأت من الدم ينقض، لأن الدم فيه سائل، وكذا في القراد الكبير، أما القراد الصغير فهو بمنزلة الذباب، الذباب إذا عض فظهر الدم لا ينقض بخلاف غرز الإبرة.
ولو عض شيئاً فرأى دماً عليه إن كان غالباً ينقض وإلا فلا، وكذا إذا رآه في الخلال لأنه ليس بسائل، وكذا لو امتخط في ثوبه فرأى دماً، وكذا لو أدخل إصبعه في أنفه أو أذنه فرآه دما.
لو أدخل إصبعه في دبره ينقض وضوءه ويفسد صومه، رأى شيئا أم لم يره، لأنه لا يخلو عن قليل البلة وهو ناقض في السبيلين، وكل شيء إذا غيبه فيه ثم أخرجه فعليه الوضوء، وقضاء الصوم، لأنه يطلق عليه الخروج والدخول.
والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود تنقض الوضوء والتيمم دون الغسل، ووضوء الصبي، ووضوء المصلي الذي نام في صلاته ثم قهقه.
والقهقهة ما كان مسموعا لجيرانه سواء بدت أسنانه أو لم تبد، والضحك ما كان مسموعا له دون جيرانه، والتبسم ما بدت أسنانه.
النوم في الصلاة ليس بحدث كيف ما كان، إلا أن يكون مضطجعاً، وإن كان الاضطجاع بالضرورة بأن صلى المريض مضطجعاً فنام فيه وقيل: فيه خلاف، والأصح أنه ينقض، وعن أبي يوسف رحمه الله: أن المصلي إذا تعمد النوم في سجوده ينقض وضوءه.
أما خارج الصلاة إن نام قاعداً مستوياً إليتيه على الأرض ولم يستند إلى شيء لا وضوء عليه، ولو وضع رأسه على ركبتيه فنام لا وضوء عليه، وإن نام مربعا قيل: ينقض وضوءه، والأصح أنه لا ينقض. وإن نام قاعداً ثم سقط إن انتبه قبل أن يزول مقعده عن الأرض لا ينقض، وإن انتبه بعد ما سقط ينقض، وقيل: لا ينقض حتى نام بعد السقوط وإن قل، وإن نام على الدابة في سرج أو أكاف لا
الجزء 1 · صفحة 38
ينقض، وإن كان معرورياً، إن كان حالة الصعود أو الاستواء لا ينقض، وإن كان حالة الهبوط ينقض.
ولو مس ذكره أو ذكر غيره بباطن كفه، أو مس امرأة أو مسته المرأة بلا حائل لا ينقض وضوءه عندنا، وعند الشافعي رحمه الله ينقض للحديث، وبأطراف الأصابع فيه عنه قولان، وعند مالك رحمه الله إن اشتهى في مس المرأة ينقض، وإلا فلا، وقبل المرأة كالذكر فيه، وفي الدبر له قولان، وفي الممسوس، والصغار، وذوات المحارم في مباشرتهن له قولان.
والمباشرة الفاحشة تنقض الوضوء ولا يفسد الصوم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله خلافاً لمحمد رحمه الله، وقول محمد استحسان.
باب التيمم
الأصل فيه قوله تعالى: فتيمموا صعيداً طيباً وقوله: التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج، ثم التراب بدل عن الماء لرفع الحدث عندنا، وعند الشافعي التيمم خلف عن الوضوء عند عدم الماء لإباحة الصلاة مع قيام الحدث كطهارة المستحاضة.
وهو طهارة حكمية بالنية قام مقام طهارة حقيقية، وهو طهارة كاملة في الحكم حتى يجوز اقتداء المتوضي بالمتيمم، ويجوز أداء الفرائض والنوافل به ويجوز التيمم قبل الوقت وبعده عندنا خلافا للشافعي رحمه الله في القضاء وقبل الوقت، ومن وجه ناقصة، حتى أن لابس الخفين على الوضوء يمسح ولابس الخفين بالتيمم لا يمسح، والتيمم شطر الوضوء، والوضوء يثلث والتيمم لا، أو هو كامل والوضوء أكمل منه.
وصورة التيمم وهو: أن يضرب يديه على الأرض ثم ينفضهما ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب مرة أخرى وينفضهما ويضع باطن كفه اليسرى على ظهر كفه اليمني، ومده من رؤوس الأصابع إلى مرفقه، ويمسح المرفق ويديرها إلى باطن الساعد، ويمدها إلى باطن الكف، وفي الكف اختلاف ثم يفعل
الجزء 1 · صفحة 39
بيده اليسرى مثل ما فعل باليمني. ولفظ الحديث جاء بالضرب والوضع أيضاً جائز ولا بد من الاستيعاب، وقيل لا يشترط الاستيعاب، لأن الباء دخلت على المحل دون الآلة، وتخليل الأصابع في ظاهر الرواية، حتى لو لم ينزع الخاتم لا يجوز تيممه.
وشرط جواز التيمم هو: العجز عن استعمال الماء، وذلك قد يكون بعدم الماء، وهو أن يكون بينه وبين الماء نحو ميل هو المختار، وهو ثلث الفرسخ وهو أربعة آلاف خطوة، وقال الحسن رحمه الله: إن كان أمامه يعتبر، ميلين وقال زفر رحمه الله: هو خروج الوقت، والصحيح المسافة دون خوف الفوت، وقد يكون بخوف الهلاك، أو خوف هلاك الطرف، وخوف زيادة المرض بمنزلة المرض، ولا فرق بين أن يشتد المرض بالتحريك أو بالاستعمال عندنا، وعند الشافعي هو خوف التلف، وإن لم يكن له ضرر في استعمال الماء ولكنه عاجز
عن استعماله فظاهر المذهب إن وجد من يعينه لا يجوز له التيمم، وقال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: يجوز له التيمم.
ولا بد له من النية في التيمم، وهي فرض فيه، لأن التيمم هو القصد لغة، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى التطهير، والاسم الشرعي فيه معنى اللغة والتراب بذاته ملوث، وإنما صار مطهراً شرعاً بنية القربة بخلاف الماء فإنه مزيل طبعاً ومطهر خلقة وشرعاً، ولا تفاوت بين نية الطهارة وبين نية استباحة الصلاة.
ولا يشترط نية التيمم للجنابة، أو للحيض، أو للحدث، وهو الصحيح، وعن أبي بكر الرازي: أن الجنب لو نوى الوضوء لا يكفي عن الجنابة.
رجل يرى التيمم إلى الرسغ مدة وهو قول مالك، ثم رآه إلى المرفقين لا يعيد ما صلى به، لأنه مختلف فيه، ولو كان جاهلاً به ثم علم يعيد ما صلى به.
رجل أكثر أعضائه صحيح وأقله مجروح، يغسل الصحيح ويمسح المجروح، وإن كان على
الجزء 1 · صفحة 40
عكسه يتيمم للجراحة، ولا يغسل الصحيح عندنا، وعند الشافعي يغسل الصحيح في الحالين ولا يترك، لأن المسح على الجراحة كالغسل لما تحتها، وعن محمد: أنه لو عجز عن غسل اليدين خاصة لا يتيمم، ولو عجز عن غسل اليدين والوجه يتيمم، وهذا إشارة أن النصف قام مقام الأكثر في بعض الصور، وقيل: يغسل الصحيح ويمسح على الجريح، لأن الغسل فيه أصل فلا يترك، والتيمم خلف عن الغسل عند عدم القدرة عليه، وإن كان جنباً فالمعتبر في الجراحة بجميع البدن أو أكثره.
مقطوع اليدين من المرفقين يمسح موضع القطع في التيمم. ولو تيمم لتعليم الغير لا يجوز أن يؤدي به الصلاة، ولو تيمم لمس المصحف أو السجدة التلاوة يجوز أن يصلي به عندنا، وكذا لو تيمم قبل الوقت يجوز عندنا.
ولو كان مع المسافر ماء زمزم قد رصص لا يجوز له التيمم، إلا إذا خاف العطش، والحيلة فيه أن يهبه آخر ثم يستودعه منه.
وخائف السبع والعدو عاجز حكماً، حتى لو أن المتيمم مر على الماء وهو لا يستطيع النزول لخوف عدو أو سبع لا ينتقض تيممه.
المسافر إذا كان في طين، ولم يجد ترابا ينفض ثوبه ويتيمم بغباره، وإن لم يكن فيه غبار لطخ ثوبه من الطين فإذا جف فتت وتيمم به ولو خاف ذهاب الوقت يتيمم بالطين عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يؤخر ويقضي.
والمعتبر في الماء: قدر ما يكفي للوضوء، ولا يعتبر بما دونه، والماء الذي يكفي للوضوء إن كان يباع بدرهم ونصف يباح له التيمم، وقيل: إن كان يباع بضعف قيمته يباح له التيمم.
جماعة تيمموا ثم وجدوا ماءاً قدر ما يكفي لأحدهم بطل تيممهم.
ماء مباح بين جنب، وحائض، وميت وهو يكفي لأحدهم فالجنب أولى، لأن غسله فريضة، وغسل الميت سنة، والمرأة تتيمم وتقتدي بالرجل، وإن كان هذا الماء مشتركا بينهم يجوز التيمم لهم. ولو
الجزء 1 · صفحة 41
قال آخر: هذا الماء مباح لكم لا يبطل تيممهم حتى قال: توضاً أيكم شاء، والماء المباح لا يمنع التيمم إلا إذا كان كثيراً.
ووجود الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يعتبر لحصول المقصود بالبدل كالمعتدة بالأشهر ثم حاضت بخلاف المريض إذا أحج عنه رجلا ثم برئ بعد ما فرغ من الحج يعيده، لأن شرط جواز أداء الحج عن الغير اليأس عن الأداء، وأنه لا يتحقق إلا بالموت، لأن جميع العمر وقته.
ولو وجد الماء قدر ما يكفي للوضوء، وفي ثوبه نجاسة، عن أبي يوسف رحمه الله: أنه يتوضأ به، وهو قول حماد رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يغسل ثوبه ويتيمم، وهو مسألة خالف أستاذه.
الأسير إذا كان فى دار الحرب إذا منعه الكافر عن الوضوء، والصلاة يتيمم ويصلي بالإيماء، ثم بعد ما خلص يعيدها، وكذا المقيد والمحبوس في موضع نجس.
يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، وأنواع الحجارة، والآجر، والخزف هو الصحيح، وكذا بدقاق الآجر، والتراب المحترق، وفي الآجر غير مدقوق خلاف أبي يوسف، وبعضهم فرقوا وقالوا: بالآجر يجوز التيمم وبالخزف لا يجوز التيمم، ولا يجوز بالغضارة التي مطلي بالآنك، ولا يجوز بالملح المائي، وفي الجبلي اختلاف، والصحيح أنه يجوز به، وذكر الاسبيجابي، يجوز التيمم بالسبخة.
وكل ما يحترق بالنار كالخشب وغيره، أو ينطبع بها كالحديد وغيره، أو يذوب بالماء كالسكر وغيره لا يجوز التيمم به.
ويجوز بأرض قد تندى، ولا يشترط الغبار على الذي يضرب يده عند أبي حنيفة رحمه الله، ويجوز بالغبار مع القدرة على التراب عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله.
رجل صلى صلاة الجنازة بالتيمم ثم أتى بأخرى إن كان مقدار ما يقدر على الوضوء من الزمان يتجدد التيمم وإلا يصلي الثاني به.
الجزء 1 · صفحة 42
رجل تيمم من موضع، يجوز لآخر أن يتيمم من ذلك الموضع، لأن المستعمل ما التزق بيده، والموضع بمنزلة فضل ماء في الإناء.
مسلم تيمم ثم ارتد - والعياذ بالله - ثم أسلم فهو على تيممه عندنا خلافاً لزفر رحمه الله.
كافر توضاً ثم أسلم فهو على وضوءه عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله، وكذا التيمم عند أبي يوسف رحمه الله.
رجل افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد سؤر الحمار يمضي عليها، وقد صح شروعه فلا ينتقض تيممه بالشك ثم إذا توضأ يعيده احتياطاً، وإن وجد قبل الشروع فيها قال أبو يوسف رحمه الله: أحب إلي أن يتوضأ ثم يتيمم.
المحبوس في المصر إذا لم يجد ماء يتيمم ويصلي ولا يعيد عند أبي يوسف رحمه الله، ولو كان في موضع نجس فإنه يتشبه بالمصلي ثم يعيده عند أبي يوسف رحمه الله، وعندهما يؤخر الصلاة.
باب المسح على الخفين
المسح على الخفين جائز بالسنة المشهورة عند عامة العلماء، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إن من السنة أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين وترى المسح على الخفين.
ومن أنكر يخشى عليه الكفر، وهو قول الكرخي، وقيل:
يكون مبتدعاً، لكن من يراه سنة ثم لم يمسح أخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما قلت بالمسح حتى جاءني منه مثل ضوء الشمس.
ويجوز من كل حدث موجب للوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة.
والطهارة الكاملة شرط عند نزول الحدث عندنا، لأن الخف مانع عن سراية الحدث إلى القدم،
الجزء 1 · صفحة 43
والمنع يظهر عند نزول الحدث، وعند الشافعي هي شرط وقت اللبس، حتى لو غسل رجليه أولاً ولبسهما ثم أكمل ثم أحدث ثم توضأ يجوز المسح عليه عندنا، خلافاً له، وكذا لو توضأ وغسل رجله اليمنى ولبس ثم غسل رجله اليسرى ولبس يجوز المسح عندنا، خلافا له.
رجل لبس خفيه بغير طهارة ثم دخل في الماء فدخل الماء في خفيه حتى غسل رجليه ثم غسل بقية أعضاءه ثم أحدث يجوز له أن يمسح على خفيه، أما لو تيمم ولبس الخفين، ثم أحدث وهو واجد الماء لا يمسح، لأن التيمم ليس بطهارة كاملة من كل وجه.
والخف الذي يستر الكعب ولا يرى منه القدم، ولو كان يرى منه قدر إصبع أو إصبعين يجوز المسح.
ولو مسح برؤوس الأصابع إن كان الماء سائلاً يجوز وإلا فلا، وقيل: البلة تكفي فيه، حتى قيل: المسح بالثلج يجوز، ولو وضع أصابعه وضعاً ثم رفعها يجوز.
ولا يجوز المسح بعد مضي المدة إلا إذا خاف المسافر ذهاب رجله من البرد يجوز أن يزيد عليه للضرورة كالمسح على الجبيرة، وإذا انقضى مدة مسحه في الصلاة وهو لم يجد الماء يمضي على صلاته، وهو الأصح، لأنه لا فائدة في قطعه.
نزع الخف قبل مضي المدة بمنزلة مضي المدة، فإذا تمت المدة وهو على الوضوء نزع خفيه وغسل رجليه، لأنه سرى الحدث السابق إليها، وليس عليه إعادة بقية الوضوء، لأنه ما وجد حدث طارئ عليه.
ولو نزع أحد الخفين يجب غسلهما عندنا خلافاً لزفر، لاستحالة الجمع بين المسح والغسل.
والخف إذا كان واسعا لو مشى زال عقبه عن موضع الكعب يبطل مسحه عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله إن خرج أكثر قدمه يبطل مسحه وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 44
المستحاضة تمسح في الوقت ولا تمسح بعده عندنا خلافاً لزفر رحمه الله، لأنه طهارة كاملة في الوقت في حقها للضرورة، وبعد الوقت يظهر أثر الحدث الذي كان وقت اللبس فلا يجوز بعده، هذا إذا كان سائلاً وقت المسح، أما إذا كان منقطعاً تمسح تمام المدة.
والخرق فوق الكعب لا يعتبر، والخرق يبدو حالة المشي ولم يبد حالة الوضع، قيل: يجوز المسح عليه، الخروق المختلفة في خف واحد يجمع، ولا يجمع في خفين بخلاف النجاسة المختلفة في ثوبي المصلي.
والمسح على الجبيرة كالغسل لما تحته، ولهذا لا يقدر بوقت ولا يكرر به أيضاً وهو الأصح، بخلاف وضوء المستحاضة، فإنه يكرر بمضي المدة، ويجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد فيه بخلاف الخف، وإنما يجوز المسح عليها إذا كان الماء يضر بالجراحة إذا غسلها، فإذا أضر يمسح على الجراحة، وإن أضر يمسح على الجبيرة، سواء شدها على وضوء أو غير وضوء، وإن أضر المسح على الجبيرة أيضاً سقط المسح، وكذا الحكم في موضع الفصد، والزيادة على موضع الجراحة تبع لها، والاستيعاب ليس بشرط في مسح الجبيرة، ويكتفي بأكثرها ذكره الحسن، وبعد البرء لا يعيد الصلاة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله إن شدها على غير وضوء يعيد، وإن شدها على الوضوء فيه قولان.
رجل في إحدى رجليه جراحة فتوضأ ومسح على المجروحة، وغسل الصحيحة ولبسه ثم أحدث لا يمسح على الصحيحة، لأنه يحتاج إلى المسح على المجروحة وذلك كالغسل فيؤدي إلى الجمع بين المسح والغسل، وذلك لا يجوز في عضو واحد، والرجلين" في حق المسح والغسل كعضو واحد، قيل: على أصل أبي حنيفة رحمه الله ينبغي أن يجوز؛ لأنه لا يرى المسح على الجبيرة واجباً، وكذا لو لبس المجروحة وحدها، أما إذا لبسهما جاز المسح عليهما، وإذا لم يلبسهما جاز المسح على المجروحة، وإن أضر المسح على المجروحة يغسل الصحيحة ولا يمسح المجروحة، لأن الغسل سقط بالجراحة للضرورة، والمسح سقط أيضاً بالضرر كما أن له رجل واحد.
الجزء 1 · صفحة 45
ولو قطعت إحدى رجليه وبقي منها أقل من ثلاثة أصابع من القدم لا يجوز المسح على الصحيحة، لأنه يجب غسل المقطوعة لفوات محل المسح، فلو جاز لوجب الجمع بين الغسل والمسح وذلك لا يجوز، وإن بقي ثلاثة أصابع من ظهر القدم إن كان يعلم أن المسح يقع على قدر ثلاثة أصابع جاز المسح عليها، ولو قطعت فوق الكعب جاز له أن يمسح غير المقطوع، لأنه ليس له إلا رجل واحد.
رجل مسح على الجبيرة، فسقطت الجبيرة وشد جبيرة أخرى، فالأحسن أن يعيد المسح عليها، وإن لم يعد أجزأه، لأن المسح عليها كالغسل لما تحتها، والمسح قائم بقيام العذر، وإن زال الممسوح كما لو مسح رأسه ثم حلق بخلاف الخف إذا خلعه، لأن الخف مانع وليس برافع.
المفصد لو انحل الرباط إن أمكنه أن يشدها بنفسه لا يمسح على موضع الفصد، وإن لم يمكنه أن يشدها بنفسه جاز المسح على الرباط، ويمسح على جميع الرباط، والفرجة الصحيحة بين العقد لا يجب غسلها للضرورة، لأنه لو غسله ربما تبتل العصابة فتنفذ البلة إلى موضع الفصد والجراحة فتضره.
واختلفوا في التكرار، والأصح أنه لا يتكرر كما في مسح الخف والرأس.
وإن كان فى رجله شقاق إن كان يضر الماء يمسح عليه، وإن كان المسح يضره يسقط ويغسل ما حوله، وإن كان عليه دواء لا يمسح بل يمر الماء عليه، وإن كان الشقاق في يده وقد عجز عن استعمال الماء يوضئه غيره، وإلا يتيمم عند أبي حنيفة رحمه الله.
باب الأذان
الأذان سنة مشروعة لأداء المكتوبة بالجماعة، وإنه من شعائر الإسلام حتى لو امتنع أهل مصر من الأذان والإقامة قال محمد رحمه الله: يؤمر بهما فإن أبوا قتلوا بالسلاح؛ لأنه من أعلام الدين، والإصرار على تركه استخفاف بالدين، وقال أبو يوسف: يؤدبون ولا يقاتلون.
الجزء 1 · صفحة 46
وتكرار الأذان لا يجوز عندنا إلا إذا وقع الأول غير مشروع بأن أذن مخافتة، والإقامة مثل الأذان عندنا.
رجل دخل المسجد والمؤذن يقيم، ينبغي أن يقعد ثم يقوم.
ويكره أداء الصلاة بالجماعة في المسجد بغير أذان ولا إقامة، وفي البيوت والكروم لا يكره، والمسافر لو اكتفى بالإقامة يجوز
لأنهم مجتمعون، وكذا الذي يقضي الصلوات.
ولا يكره الأذان مع الحدث في رواية، والإقامة تكره.
ويجوز للمسافر أن يؤذن ماشياً أو راكباً، أو أذن إلى غير القبلة بخلاف المقيم.
عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أذان ما لم يحتلم كأذان الجنب والسكران.
والمؤذن إذا انتهى إلى قوله: قد قامت الصلوة، إن شاء مكث في مقامه ويتمها، وإن شاء يتم ماشياً.
رجل أذن وأقام آخر لا بأس به عندنا إذا لم يقع بينهما وحشة.
ومن سمع النداء يقول مثل ما قال المؤذن، ومن كان في المسجد لا بأس إذا لم يجبه، وعند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعند قوله: "الصلاة خير من النوم يقول: صدقت.
ويفصل بين الأذان والإقامة بركعتين من الصلاة إلا في المغرب فإنه يفصل بينهما بالسكوت عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما بالجلسة.
ولا ينبغي لأحد أن يقول لمن فوقه حان وقت الصلاة سوى المؤذن، لأنه استفضال، ولو سمع القاري النداء يمسك عن القراءة لورود الأثر فيه.
الجزء 1 · صفحة 47
باب المساجد
رجل له مسجدان أيهما أقدم فهو أولى به أن يصلي فيه، وإن استويا فأيهما أقرب، وإن استويا فهو مخير.
دخول المسجد منعلاً من سوء الأدب.
ويكره التجرد فيه، وكذا مد الرجلين إلى القبلة فيه وفي غيره في كل حال إلا حال الضرورة.
ويكره التوضي في المسجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، إلا إذا أعد لذلك موضع لا يصلى فيه، أو توضأ في إناء لا يكره.
ولا يحفر بئر في المسجد تحرزاً عن دخول الحيض والنفساء فيه.
وغرس الشجرة فيه مكروهة تشبها بالبيعة، وإلا لكان حسنا، وإن كانت الأرض ذات نزة يجوز بلا كراهة.
ولا يبزق في المسجد فوق البواري ولا تحته، بل يأخذ بأطراف ثوبه، وعند الاضطرار الإلقاء فوق الحصير أولى من تحته، لأن الحصير ليس من أجزاء المسجد من كل وجه.
ويكره مسح الرجل بحيطان المسجد، وإن مسحه بخشبة موضوعة فيه فلا بأس به، وكذا إذا مسحه بقطعة حصير ملقاة.
ويكره للخياط أن يخيط في المسجد، وكذا الوراق إذا كتبه بأجرة، وإن كتبه لنفسه لا بأس به، وكذا المعلم.
ولا بأس للغريب أن ينام في المسجد، ويكره الجلوس فيه للمصيبة.
ولا بأس بأن يتخذ في المسجد بيت يوضع فيه البواري لتعامل الناس.
الجزء 1 · صفحة 48
المكان المتخذ لصلاة العيد أو الجنازة يجنب منه ما يجنب من المساجد.
بناء المسجد على سور المدينة بمنزلة بنائه على أرض الغصب، لأنه للعامة.
ولو افتتح الصلاة في مسجده ثم اقيم في مسجد اخر لا يخرج منه، لأن لمسجده عليه حق، والصلاة في مسجده منفرداً خير من الصلاة في مسجد آخر بجماعة.
رجل له مسجد في محلته فحضر الجامع أو مسجداً آخر ليصلي فيه بجماعة كثيرة فالصلاة في مسجده أفضل، قل أهله أو كثر، وإن فاتته الجماعة في مسجده فهو مخير إن شاء يذهب إلى مسجد آخر، وإن شاء صلى في مسجده منفردا.
تحية المسجد يكفي في كل يوم مرة واحدة.
والأحسن أن يتطوع في غير مكان الفريضة، وكذا كل السنن، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي السنن والوتر في بيته، إلا إذا خاف الفوت بأن يشتغل في بيته بشيء آخر يصلي في المسجد.
والصلاة في البيت بجماعة لا ينال فضل الجماعة في المسجد.
ويجوز أن يدرس فيه الكتاب بضوء المسجد مادام الناس يصلون فيه، ولا بأس بأن يترك سراج المسجد في المسجد بين المغرب والعشاء، وبعد العشاء لا يجوز أن يترك فيه إلا إذا جرت العادة فيه کمسجد بيت المقدس والمسجد الحرام ومسجد رسول الله.
والقيم إذا أتى بسراج إلى المسجد يجوز، وفي الرجوع إلى بيته لا يجوز إلا أن يطفأه.
كتاب الصلاة
الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء، وفي الشريعة صارت عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة والصلاة من الله تعالى: الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. ثم الصلاة
الجزء 1 · صفحة 49
مؤقتة بوقت، والوقت سبب للوجوب، وشرط للأداء، وظرف للمؤدى.
والصلاة عبادة محضة، وهي حسن لمعنى في عينه فإنه تعظيم الباريجلت قدرته.
فصل في شروط الصلاة، والأوقات المكروهة
الشرط ما يتوقف عليه وجود الشيء.
ومن شرائط الصلاة: ستر العورة، ساق المرأة عورة، فإن صلت وربع ساقها مكشوفة تفسد صلاتها عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، والأصح أن القدم ليس بعورة، وشعرها عورة، ويراد به النازل من الرأس وهو الصحيح، والذكر يعتبر بانفراده، وكذا الأنثيان وهو الصحيح.
من شرائطها الوقت، تجوز فيه الصلاة ولا تجوز قبله.
ومراعاة أوقات الصلاة شرط لجواز الصلاة، حتى قيل: إن رجلاً لو شك في وقت العشاء ومع هذا صلى العشاء ثم تبين أنه كان دخل وقت ما صلى العشاء قيل: يكفر، لأنه أهان أمر الشرع.
ولا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها للحديث إلا عصر يومه عند غروب الشمس استحساناً، والمراد بالصلاة الفرائض والواجبات دون النوافل، فإن النوافل جائز مع الكراهة لاستجماع شرائطها، كذا ذكره في المبسوط.
وما صلى من الفرائض والمنذور فيها يعاد في وقت مستحب، ولو شرع في التطوع في وقت مستحب ثم أفسدها لم يقضها بعد العصر، وكذا لو شرع في سنة الفجر ثم أفسدها لم يقضها بعد الفجر بخلاف سائر الفوائت لأن قضاء الفوائت واجبة من كل وجه، بخلاف النوافل، وقيل: لا يجوز جنس الصلاة عند طلوع الشمس حتى تبيض الشمس، ولا عند الزوال، وعند الشافعي رحمه الله يجوز أداء الفرائض والنوافل التي لها أسباب كتحية المسجد وغيره
الجزء 1 · صفحة 50
ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس للنهي الوارد فيهما، ولا بأس بالقضاء فيهما، وكذا سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة.
ولو طلعت الشمس في صلاة الفجر فسدت صلاته بخلاف العصر، لأن بالطلوع تتحقق الكراهة وبالارتفاع تزول الكراهة، وأما في الغروب الكراهة قبيله ومع الغروب تزول الكراهة.
صبي بلغ وقت الغروب أو أسلم الكافر فيه تجب الصلاة عليهما، لأنه وجد سبب الوجوب في حقهما، ويجب الأداء كما وجب عليهما.
وإذا شرع في النفل في الأوقات المكروهة فالأفضل أن يقطعه ويقضي في ظاهر الرواية، لأنه إيجاب بالقول كالنذر، بخلاف صوم يوم النحر، لأنه إيجاب بالفعل فمنه لا يجب القضاء بالشروع، ولأن الصلاة أفعال وأقوال فلا يتحقق بالجزء الأول، والصوم يتحقق بالجزء الأول.
ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الفجر، وكذا إذا خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة يكره أن يتنفل فيه قبل أن يفرغ من خطبته.
ومنها: استقبال القبلة بالنص، وحد القبلة في مكة إصابة عين الكعبة، ومن كان غائباً عنها قبلته إصابة جهة الكعبة وهو الصحيح، وهي المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين حين فتحوا البلاد وقيل الكعبة قبلة أهل المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الأرض، فالحاصل أن الكعبة وهواءها إلى عنان السماء قبلة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله الكعبة قبلة دون الهواء، حتى لو صلى على سطح الكعبة يجوز عندنا خلافاً له، وفي جوف الكعبة اختلاف أيضاً.
وقبلة العراق ما بين المشرق والمغرب، وقبلة خراسان ما بين مغرب الصيف ومغرب الشتاء، قال أبو منصور: قبلة ما وراء النهر وهو أن يترك الثلثين عن يمين المصلي والثلث عن يساره من المغربين.
والخائف يصلي إلى أي جهة وقع تحريه، لأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند عدم الدليل
الجزء 1 · صفحة 51
فوقه، ولو صلى بلا تحر لا يجوز، لترك الواجب عليه وهو التحري وإن أصاب القبلة، وفيه خلاف لأبي يوسف، وإن علم أنه أخطأ بعد ما صلى بالتحري لا يعيدها، لأن التكليف بقدر الوسع، وقال الشافعي: إذا استدبر القبلة يعيدها، وإن علم في صلاته استدار إلى القبلة، وبنى للأثر الوارد فيه.
ومن صلى إلى غير القبلة متعمداً قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر بتأويل قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله ولكن لا يجوز صلاته وإن أصاب القبلة، وكذلك لو صلى في الثوب النجس متعمداً عند قدرة الغسل، أما إذا صلى بغير طهارة متعمداً يكفر، لأنه لا يحتمل التأويل.
ومنها اشتراط النية مقارناً مع التكبير، ولو قدمها على التحريمة يجوز عندنا وعند الشافعي لا يجوز إلا مقارناً بها، ولا معتبر في النية المتأخرة عنها في ظاهر الرواية بخلاف الصوم، وينبغي أن يكون مقارناً بها، لأن حضور القلب وقت الدخول في الصلاة شرط، والتحرز عما يعترض عليه في أثنائها متعذر، فيعتبر قرانها بأول جزء منها.
والاستدامة عليها إلى آخر الصلاة ليس بشرط لما قلنا، إنه متعذر حتى لو افتتح الفرض ثم نسي أنه فرض فظن أنه تطوع فأتمها تطوعاً يقع فرضاً، لأن المعتبر هو وقت الدخول فيها، وكذا على عكسه، بخلاف ما لو كبر ونوى صلاة أخرى غير الذي فيها حيث يعتبر التي دخل فيها.
وإن نوى حين توضأ ولم يشتغل بعمل يقطع نيته تجوز الصلاة بها.
والنية هي الإرادة، وشرطها أن يعلم المصلي بقلبه أي صلاة يصلي؟ حتى لو سئل عنها يجيبه من غير فكرة، أما الذكر باللسان فلا معتبر به، وقيل: هو حسن لاجتماع عزيمة، وكذا عن بعض أصحاب الشافعي، ولأن اللسان أشرف الأعضاء فلا بد له من أن يتعلق به الذكر.
ونية القبلة ليست بشرط إلا إذا كان في الصحراء، ولو نوى الكعبة أو جهتها يجوز، ولو نوى مقام إبراهيم ولم ينو الكعبة، قيل: إن كان أتى مكة قبله لا يجوز، لأنه كان غيرها وإن لم يأت مكة يجوز، لأن في زعمه أن المقام والبيت واحد.
الجزء 1 · صفحة 52
الفرض لا يكفيه بمطلق النية ولا بنية الفرض أيضاً، لأن الفرض أنواع فلابد من التعيين أي فرض يصلي.
ولو نوى فرض الوقت أو صلاة الوقت يجوز إلا في الجمعة.
ولو نوى الجمعة في الجمعة لا فرضاً ولا واجباً يجوز، وكذا في الوتر، وصلاة العيد، ولو نوى الجمعة ولم ينو الاقتداء الأصح أنه يجوز، كذا في صلاة العيد والجنازة، ولو نوى ظهر الوقت أو عصره يجوز.
ولو نوى المقتدي صلاة الإمام، ولا يدري أنه يصلي الظهر أو العصر إن وافق صلاته صلاته جائزة عن نية الصلاة ونية المتابعة، ولا معتبر بأعداد الركعة للمقيم.
والنفل يجوز بمطلق النية، وكذا السنن في الصحيح، القضاء فلا بد له من التعيين، ولو شك في خروج وقت الظهر فنوى فرض الوقت لا يجوز، لأنه قد يكون ظهراً وقد يكون عصراً.
ولو نوى ظهر الوقت، أو عصره يجوز بناء على أن القضاء بنية الأداء، والأداء بنية القضاء يجوز، هو المختار، كذا ذكره في المحيط.
والإمام ينوي مثل ما ينوي المنفرد، ونية الإمامة ليست بشرط بالإجماع إلا في مسألة المحاذاة، حتى لو افتتح الصلاة ولم ينو فيها إمامة أحد يجوز لآخر أن يقتدي به.
والمقتدي ينوي ما ينوي المنفرد، وينوي الاقتداء بإمامه
ولو نوى الاقتداء ولم ينو الصلاة لا يجوز، لأن الاقتداء قد يكون في فرض الوقت، وقد يكون في القضاء، وقد يكون في النفل، فلا بد من نية صلاة الإمام أداءً أو قضاء أو نفلاً، وكذا لو نوى صلاة الإمام أو فرضه لا يجوز بهذا المعنى، وقيل: يجوز، وهو الأصح، ولو نوى الفرض في الفرائض والنوافل جميعاً يجوز، وفي عكسه يجوز النوافل، ولو نوى الفرض والنفل يكون فرضاً عند أبي يوسف رحمه الله،
الجزء 1 · صفحة 53
وعند محمد رحمه الله يكون لغواً.
فصل في تكبيرة الافتتاح وما يتعلق بها
قال أبو حفص الكبير رحمه الله: رفع اليدين مع التكبير سنة، هو المروي عن أبي يوسف رحمه الله، والأصح أنه يرفع أولاً ثم يكبر، لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله، والنفي مقدم.
ويضم أصابعه ضماً، فإذا آن وقت التكبير ينشرها ولا يفرج كل التفريج ولا يضمها كل الضم.
ويرفع يديه حذاء أذنيه ويمس شحمتيهما، والمرأة ترفع حذاء منكبيها كما هو قول الشافعي في الرجل، ثم يكبر وهو شرط الصلاة لا ركنها عندنا.
وإنما الركن القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وعند الشافعي تكبيرة الافتتاح ركن أيضاً، ويظهر الخلاف في شروع النفل بتحريمة الفرض بعد تمامه يصح عندنا خلافا له.
وإن قال: الله أعظم، أو أجل، أو الرحمن أكبر يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجوز، إلا أن يقول: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، وفي قوله: الله كبير اختلفوا فيه، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز إلا أن يقول: الله أكبر، الله الأكبر، وقال مالك رحمه الله: لا يجوز إلا أن يقول: الله أكبر.
ويحذف التكبير حذفاً، لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين، وفي آخره خطأ من حيث اللغة، ولا يطأطأ رأسه عند التكبير.
ويكبر مقارناً مع الإمام فإذا كبر قبل إمامه، والإمام أدركه قبل فراغه، قيل: يصح، ولو مد الإمام التكبير والمقتدي فرغ قبل إمامه، لا يصح عند أبي يوسف.
ولو كبر المقتدي قبل فراغ الإمام من الفاتحة فهو يحرز فضيلة تكبيرة الافتتاح، فإذا كبر يأخذ
الجزء 1 · صفحة 54
يديه، ولا يرسلهما إرسالاً، ويضع يمينه على يساره تحت السرة، لقوله عليه السلام: "إن من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة وهو حجة على مالك في الإرسال، وعلى الشافعي في الوضع على الصدر.
ثم الأخذ هو سنة القيام عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله حتى لا يرسل حالة الثناء، وعند محمد رحمه الله هو سنة القراءة حتى لا يأخذ حالة الثناء ما لم يشرع في القراءة عنده، والأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون يأخذ فيه، ولا يرسل هو الصحيح.
وكيفية الوضع وهو: أن يضع بطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ، ويضع أصابعه على الساعد عملاً بالأخذ والوضع، لأن كل واحد منهما مأثور.
ويأخذ حالة القنوت وصلاة الجنازة، ويرسل في العيدين بين التكبيرات في رواية أبي حنيفة رحمه الله، وعنه في القنوت أنه يرسل، وفي القومة يرسل بالاتفاق إلا رواية عن أبي القاسم السمرقندي، يأخذ أيضاً.
ثم يستفتح ويقول: "سبحانك اللهم"، إلى آخره، وهو تسبيح القيام، وهو سنة كتسبيح الركوع والسجود، ولا يقول: وجهت وجهي في الصلاة عندنا، وعند الشافعي يقول ويقدمه على الثناء، وعند أبي يوسف، هو مخير بين أن يقدمه عليه وبين أن يؤخره عنه، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله الأولى أن يقوله قبل الافتتاح، وقوله: "وجل ثناؤك" لم ينقل في الفرائض في المشاهير، وما روي فيه فهو في صلاة التهجد، ولو زاده لا يمنع، ولو سكت عنه لا يؤمر.
ثم يتعوذ والأولى أن يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لموافقة القرآن، ثم التعوذ تبع للثناء عند أبي يوسف رحمه الله.
وعندهما [تبع للقراءة حتى أن المقتدي يتعوذ عند أبي يوسف رحمه الله] وعند محمد رحمه الله لا يتعوذ.
والمسبوق إذا قام فيما سبق لا يتعوذ عند أبي يوسف رحمه الله خلافاً لمحمد رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 55
وفي صلاة العيد يتعوذ قبل تكبيرات العيد عند أبي يوسف، وعند محمد بعد تكبيرات العيد، ولو نسيه وقرأ بعض الفاتحة لا يتعوذ، وهذا الاختلاف يرجع إلى حرف واحد، وهو أن ما أدرك المسبوق أول صلاته حقيقة وآخر صلاته حكماً، وما سبق أول صلاته حكماً وآخر صلاته حقيقة، وقيل: على عكسه.
ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم هكذا نقل في المشاهير ويسر بهما لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أربع يخفيهن الإمام، منها: التسمية، ولحديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه أنه قال: إني صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلف أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا لا يجهرون التسمية.
ولا يأتي بها إلا في أول الركعة الأولى عند أبي حنيفة رحمه الله كالتعوذ، وعنه أنه يأتي بها في أول كل ركعة وهو قولهما، وهو أقرب إلى الاحتياط لما فيها من اختلاف العلماء والآثار إنها من الفاتحة.
ولا يأتي بها بين السورة والفاتحة إلا عند محمد في صلاة المخافتة اتباعاً للمصحف، وفي النوافل يأتي بها بلا خلاف.
ثم التسمية ليست بآية من أول الفاتحة ولا من أول السورة عندنا، وإنما هي للفصل بين السور، وقيل: إنها آية من القرآن وهو الصحيح ويأتي بها عند افتتاح كل شيء تبركاً وتيمناً، وعند الشافعي رحمه الله هي آية من الفاتحة حتى يجهر بها عند الجهر بالقراءة، وفي أول السورة له قولان: في قول هي آية مع من السورة، وفي قول هي: آية أول السورة.
ولو أراد بالتسمية أو بقوله: الحمد لله رب العالمين" قراءة القرآن يحتاج إلى التعوذ قبله، ولو أراد افتتاح الكلام أو الشكر لا يحتاج.
ثم تكلموا في قوله إذا قال الإمام: "ولا الضالين" قال: "آمين"، ويخفونها، والإخفاء فيه سنة في جميع الحالات، لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولأنه دعاء ومبناه على الإخفاء، وللشافعي
الجزء 1 · صفحة 56
رحمه الله فيه أقوال في قول: يجهر عند كثرة الجماعة ويخفي عند قلتها، وفي قول: يجهر إن كان إماماً، وفي قول: يجهر إن كان يجهر بالقراءة. وقوله: "أمين" بغير مد ولا تشديد، وقيل: آمين بالمد دون التشديد لغتان فمعناه قيل: اللهم استجب، وقيل فليكن ذلك، والتشديد فيه خطأ فاحش.
ثم يضم السورة إليها، أو ثلاث آيات من أي سورة شاء، وثلاث آيات مع الفاتحة واجب حتى لو قرء آية قصيرة نحو قوله تعالى: {مدهامتان} يجوز، ويكره، ويجب عليه الإعادة.
فإذا فرغ من القراءة يفصل فصلا بينها وبين الركوع، ولا يقرأ في الهوى ثم يركع ولا يرفع يديه عندنا للحديث"، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده"، ويقول الموتم: "ربنا لك الحمد"
ولا يجمع الإمام بين التسميع والتحميد عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يجمع، وعند الشافعي رحمه الله الموتم يجمع أيضاً، والمنفرد يجمع بينهما، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني رحمه الله وهو الأصح.
ثم يسجد سجدتين، وكل عضو أقرب إلى الأرض يقدمه عند الوضع، وكل عضو أقرب إلى السماء يقدمه عند الرفع، ثم اختلفوا في رفع الرأس بين السجدتين، فإنه روي عن أبي حنيفة رحمه الله إن رفع رأسه وهو أقرب إلى القعود يجوز وإلا فلا، ويضع يديه في السجود حذاء أذنيه.
ووضع اليدين في السجود ليس بواجب عندنا بل هو سنة كوضع الركبتين، وعند الشافعي رحمه الله هو واجب، وقيل: وضع الركبتين واجب وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
أما وضع القدمين فيه فريضة، ذكره القدوري رحمه الله، حتى لو رفع رجليه أو إحداهما فيها لا تجوز صلاته.
ولو سجد على أنفه أو جبهته، فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه وهو المأمور به إلا أن الخد والذقن خارج، وعنه إن سجد على كور عمامته أو
الجزء 1 · صفحة 57
فاضل ثوبه جاز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد على كور عمامته، ويتقي حر الأرض وبردها بفضول ثوبه فيه.
أما الاستواء في القومة والجلسة بين السجدتين سنة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله،، وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله هو فرض.
وأما الطمأنينة فيهما سنة في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي واجبة حتى تجب سجدة السهو بتركها.
وحد الطمأنينة في الركوع والسجود: المكث قدر ثلاث تسبيحات، وفي القومة والجلسة قدر تسبيحة، وليس في الجلسة بين السجدتين ذكر مسنون عندنا.
والقعدة الأولى واجبة، والذكر فيها سنة في رواية، وفي رواية واجب أيضاً.
والقعدة الأخيرة فريضة، والذكر فيها واجب، والفرض المروي في التشهد إلى قوله "عبده ورسوله" وهذا المقدار فرض.
والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست بفرض في الصلاة عندنا ولا واجب، وإنما الواجب خارج الصلاة إما مرة واحدة كما قاله الكرخي، أو كلما ذكر اسمه كما اختاره الطحاوي، فكفينا مؤنة الأمر خارج الصلاة، والمختار قول الكرخي، وعن النخعي أن قوله:" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يجزئ عن الصلاة عليه. وعنه أيضاً: التورك فيها ليس بسنة للرجال عندنا خلافاً للشافعي في القعدة الأولى، ولمالك في القعدتين، وهو إخراج رجليه إلى جانب اليمني ويفضي إليته على الأرض.
والخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة رحمه الله.
ثم إصابة لفظ السلام واجبة عندنا وعند الشافعي رحمه الله فرض، ويسلم عن يمينه، ويقول:
الجزء 1 · صفحة 58
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وينوي من عن يمينه ويساره من الرجال، والحفظة في تسليمه، وأما المنفرد ينوي الحفظة لا غير، ولا ينوي الحفظة عدداً محصوراً، لأن الأخبار قد اختلفت فيه، فأشبه الإيمان بالأنبياء عليهم السلام.
ثم اختلفوا أن الملائكة أفضل أم بني آدم؟ قال في الجامع الصغير: أن جملة الملائكة أفضل من جملة بني آدم، وقال بعض أهل السنة على عكسه، والمختار عندنا أن خواص بني آدم وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة، وعوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة، وهم المقربون أفضل من عوام بني آدم.
رجل نوى التطوع فكبر ثم نوى للفرض فكبر يصير فرضاً، وكذا على عكسه، لأنه انتقل من وصف إلى وصف، فيخرج من الأولى ويدخل في الثانية، وكذا بعد ما صلى ركعة منه، وكذا لو انتقل من الظهر إلى العصر في حق من لا ترتيب عليه، لأن مجرد التكبير لا يقطع الصلاة، ولو نوى الصلاة التي هو فيها وكبر فهي هي، ويلغو النية.
فصل في القراءة
القراءة في الفرض فرض فى الركعتين غير عين أيّ ركعتين كانتا، والأفضل أن يقرأ في الركعتين الأوليين عندنا، لأنهما أصل الصلاة فتجب القراءة في الأصل دون التبع، ولأن الصلاة الكاملة هي الركعتان، كما لو حلف أن لا يصلي صلاة فصلاها ركعتين حنث، ولو صلاها ركعة لا يحنث، وقال أبو بكر الأصم: القراءة في الصلاة ليس بفرض.
وأدنى ما يجزئ من القراءة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة رحمه الله كقوله: " لم يلد ولم يولد فإذا قرأ مثل هذا ولم يزد عليه، جازت صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله، وقد أساء، وإنما يجزئ لإطلاق النص، ولهذا لا يجوز مس المحدث، وقراءة الجنب بهذا القدر، ولا تنتفي الكراهة إلا بقراءة
الجزء 1 · صفحة 59
الواجبة، وهو ثلث آيات قصار مع الفاتحة.
ولو قرأ الفاتحة ولم يزد عليها شيئا جاز ويكره، وعند الشافعي قراءة الفاتحة في كل ركعة فرض، لأن كل ركعة صلاة وهو ركن مشترك كسائر الأركان في حق من يحسنها، حتى لو قرأ جميع القرآن ولم يقرأ الفاتحة لم تجز صلاته عنده، ولا فرق بين الإمام والمأموم فيجب إتيانها في كل ركعة بكل حال. وعنه أنها ساقطة عن المأموم في الصلاة الجهرية"، ولو نسيها تجزيه في قوله القديم. وضم السورة إليها مستحب في الأوليين، وفي الأخريين له قولان، وعند مالك رحمه الله القراءة في ثلاث ركعات في ذوات الأربع فرض إقامة للأكثر مقام الكل، وعند الحسن البصري في ركعة واحدة فرض، لأن الأمر بالقراءة لا يوجب التكرار.
أما تعيين الفاتحة في الأوليين وتقديمها على السورة وضم السورة إليها واجب عندنا، وليس بركن سواء كان يحسن الفاتحة أو لم يحسنها، أو هو ركن زائد، ألا ترى أن للصلاة وجوداً بدونها كصلاة المسبوق واللاحق، أو هو ركن مشترك بين الإمام والمقتدي، فحظ الإمام القراءة، وحظ المقتدي الإنصات والاستماع.
وروي عن محمد رحمه الله أنه استحسن قراءة الفاتحة خلف الإمام على سبيل الاحتياط، وعندهما لو قرأ المأموم يكره، لحديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه: "من قرأ خلف الإمام فسدت صلاته" وفي الركعتين الأخريين من الفرائض إن شاء قرأ وإن شاء سكت، وإن شاء سبح، والأفضل أن يقرأ الفاتحة. وقال الكرخي رحمه الله: الأصل فيه أن كل ركعة وجبت فيها القراءة، فالسنة فيها أن يقرأ الفاتحة معها، وكل ركعة لا تجب فيها القراءة فالسنة أن يقرأ الفاتحة خاصة، روي عن الحسن البصري أنها واجبة في الأخريين وهو الصحيح.
والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر للاحتياط، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة، ولهذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان في المشهور عن
الجزء 1 · صفحة 60
أصحابنا، ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة ويتعوذ.
ولو صلى أربعاً من النفل ولم يقرأ فيهن شيئاً يقضي أربعاً عند أبي يوسف رحمه الله، وكذا لو شرع فيه ثم قطع، وعندهما يقضي ركعتين، فالحاصل أن الأصل فيه: إن ترك القراءة في الأوليين يوجب بطلان التحريمة عند أبي حنيفة رحمه الله، وفي إحداهما لا يوجب البطلان، لأن كل شفع صلاة على حدة، وفسادها بترك القراءة في ركعة واحدة مجتهد فيه، وقال أبو يوسف: ترك القراءة في الشفع الأول لا يوجب بطلان التحريمة وإنما يوجب فساد الأداء، لأن القراءة ركن زائد، ألا ترى أن للصلاة وجوداً بدونها غير أنه لا صحة لها إلا بها، وفساد الأداء لا يزيد على تركه فلا يبطل التحريمة، وقال محمد: ترك القراءة في الأوليين أو في إحداهما يوجب بطلان التحريمة، لأنها تعقد للأفعال، فإذا فسدت الصلاة فسدت التحريمة، لأن المقصود من التحريمة الصلاة، وقد فسدت.
وأصل آخر: أن الشفع الأول إذا فسد بترك القراءة لم يلزم الشفع الثاني بمجرد القيام ما لم يأت بركعة كاملة بالقراءة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله يلزم بمجرد القيام، وهذه المسألة ثمانية أوجه: لا، لا، لا، لا قرأ، لا لا لا لا لا، قرأ، قرأ قرأ، قرأ، لا، لا لا لا، قرأ، لا قرأ، قرأ، قرأ، قرأ لا، قرأ، لا، قرأ لا، لا، لا، قرأ.
باب في الجهر
ويجهر الإمام في الفجر، والجمعة، والعيدين، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء للتوارث، وفي النوافل يخافت القراءة، والمنفرد مخير بين الجهر والمخافتة، فالجهر أفضل.
وحد الجهر أن يسمع غيره، والمخافتة أن يسمع نفسه، وقال الكرخي: هو أن يسمع نفسه، والمخافتة تصحيح الحروف، لأن القراءة فعل اللسان دون الصماخ وعلى هذا الطلاق والعتاق، والاستثناء.
الجزء 1 · صفحة 61
وكل سورة أكثرها آية أفضلها قراءة، ويقرأ في السفر الفاتحة، وأي سورة شاء من قصار المفصل، وفي الحضر في الفجر في الركعتين يقرأ طوال المفصل، وطوال المفصل من سورة "الحجرات" إلى سورة عبس، وأوساط المفصل ما بعده إلى سورة "والضحى"، وما بعده قصار المفصل، [وفي الظهر كذلك، وفي العصر كذلك، وفي العشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب قصار المفصل].
ويروى في الفجر بأربعين آية أو خمسين إلى مائة، وقيل: بالراغبين مائة، وبالكسالى أربعين، وبالأوساط خمسين إلى ستين، وقيل: ينظر إلى طوال الليالي وقصرها، وكثرة الاشتغال وقلتها.
المصلي إذا أراد أن يقرأ السورة، فجرى على لسانه سورة أخرى لا يتركها.
ولو ترك الفاتحة في الركعة الأولى لم يقض في الأخرى، لأنه لو قضى يؤدي إلى تكرار الفاتحة، وذلك غير مشروع. وكذلك لو ترك السورة فيها، لأنه محله، ومن قرأ السورة في الأوليين من العشاء ولم يقرأ الفاتحة لم يعد في الأخريين، وإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة وجهر بهما، وهو الصحيح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه لو أعاد السورة تترتب السورة على الفاتحة وهو مشروع بخلاف إعادة الفاتحة لأن تكرار الفاتحة في ركعة واحدة غير مشروع، ولأنه محل الأداء فلا يكون محلاً للقضاء، إلا أن الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة ممتنع، وتغيير النفل أولى من تغيير الفرض وهو قراءة الفاتحة جهرا، وقال أبو يوسف: لا يقضي واحدة منهما، لأن القراءة حصلت بأحدهما، وقال يحيى بن أكثم: يقضي الفاتحة دون السورة ويسجد للسهو بالاتفاق في الفصلين جميعاً إذا تركها ساهياً، هذا إذا تذكر بعد ما قيد الركعة بالسجدة، وأما قبله يعود إلى قراءة السورة وانتقض ما بينهما، لأن القراءة فرض، ومراعاة الترتيب في الفرائض ينقض ما بينهما.
ولو قرأ القرآن بالفارسية أو بأي لسان كان سواه جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا حالة الضرورة، ولا تفسد به الصلاة بالاتفاق، وهل يعتد من القراءة؟ فيه خلاف، ثم رجع أبو حنيفة إلى قولهما، وعليه الاعتماد.
الجزء 1 · صفحة 62
والتكبير، والتشهد، والخطبة على هذا الخلاف.
والتسمية عند الذبح تجوز بأي لسان كان بالإجماع.
باب الإمامة والاقتداء بالإمام وإدراكه
الإمامة ميراث الأنبياء عليهم السلام، وأداء الصلاة بالجماعة سنة مؤكدة، لقوله عليه السلام:"الجماعة من سنن الهدى ولا يتخلف عنها إلا منافق".
وهي واجبة، أو تشبه الواجب في القوة، وليست من فرض الكفاية، وهي من شعائر الإسلام لا يجوز تركها ومخالفتها، أما في الجمعة والعيدين هى من شرائطها لا يجوز أداءهما إلا بها.
وكل من تصح صلاته في نفسه يصح الاقتداء به، إلا المرأة والأمي، أما المرأة فلأن تأخيرها مأمور به، وأما الأمي فلضعف صلاته لعدم القراءة.
وكون الإمام أعلمهم بأحكام الشرع، وأورعهم في التقوى، وأقرأهم كتاب الله تعالى، وأكبرهم سناً، وهو من طريق الأولية، فالحاصل يجب تقديم الأفضل حتى يرغب الناس في الاقتداء به وتكثر الجماعة.
ثم الاقتداء بالإمام هو مشاركة في الصلاة عندنا، معناه تتضمن صلاته صلاة المقتدي أي هي مبنية عليها، ومتعلقة صلاته بصلاته صحة وفساداً، فلا بد من اتحاد بينهما، ولهذا لا يجوز أن يقتدي الطاهر بصاحب العذر، ولا القاري خلف الأمي، ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر عندنا، واختلاف الصلاتين تمنع صحة الاقتداء به، عندنا كالظهر والعصر، والقضاء والأداء، وكذا لو كانا قضائين مختلفين من يومين.
ولا يصلي الناذر خلف الناذر، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل، لأن وصف الفرضية به معدوم
الجزء 1 · صفحة 63
في حق الإمام فلا يتحقق البناء على المعدوم، بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض، لأن النفل عبارة عن أصل الصلاة، وهو موجود في حق الإمام فتصح، وعند الشافعي رحمه ذلك، الله يصح في جميع ذلك؛ وعند مالك رحمه الله لا يصح في جميع، وعند الشافعي الاقتداء به موافقة غير متصلة صلاته بصلاة الإمام، بل هو منفرد، ولهذا لا ينوب قراءة الإمام قراءة عنه، ولو ظهر الإمام أنه كان جنباً لا تفسد صلاة المقتدي عنده.
ولا يجوز اقتداء الأمي بالأخرس لعدم القراءة وهو الركن.
ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه للحديث، ولو قام عن يساره أو خلفه يجوز ويسيء، لأنه خالف السنة، ولو كان مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل بجنب الإمام والمرأة خلفه، وإن اقتدى به ثالث يتقدم الإمام إلى موضع سجوده.
ولا يجوز الاقتداء بالسكران الذي لا يعقل.
ولا يجوز اقتداء البالغ بالصبي في الصلوات كلها عندنا وهو المختار، وبعضهم جوزوا في السنن المطلقة، والتراويح، واقتداء الصبي بالصبي يجوز، لأن الصلاة متحدة بخلاف نفل البالغ حيث لا يجوز اقتداؤه، به لأن نفل الصبي دون نفل البالغ.
والاقتداء بالأعمى إنما يكره إذا كان غيره أفضل منه، وإن كان هو أفضل من غيره فهو أولى، أما [عدم] التحرز عن النجاسة فهو وهم لا يعتبر به، وعند الشافعي إمامته أولى كيف ما كان، لأنه أخشع.
إمامة الألثغ الذي لا يقدر على تصحيح الحروف لغيره اختلفوا فيه، وكذا التمتام، والذي يتنحنح كثيرا.
ويكره الاقتداء بأهل البدع ويصح بأهل الأهواء إلا الجهمية، والقدرية، والروافض الغالية. وقيل: الخطابية والمشبهة،
الجزء 1 · صفحة 64
وعن أبي يوسف لا ينبغي أن يقتدي بإمام وهو يناظر دقائق الكلام.
وأما الاقتداء بشفعوي المذهب قالوا: لا بأس به إذا لم يكن متعصباً، ولا شاكاً فى إيمانه، ولا منحرفاً عن القبلة تحريفاً فاحشاً، وبيانه أن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله إن أراد به الماضي والحال يكفر، وإن أراد به الاستقبال لا يكفر، وأن يكون متوضياً في الخارج من غير السبيلين، وأن لا يكون متوضياً بالماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة.
وروى مكحول النسفي عن أبي حنيفة: أن من رفع يديه عند الركوع، وعند رفعه منه تفسد صلاته، لأنه عمل كثير فلا يصح الاقتداء به.
رجل أم قوماً وهم له كارهون، إن كان عندهم أحق منه يكره له، الإمامة وإن كان هو أحق بالإمامة لا يكره، لأن الجاهل والفاسق يكره العالم.
رجل أم قوماً ثم قال: كنت مجوسياً، فصلاتهم جائزة، وكذا لو قال: كنت على غير وضوء، وهو ماجن لا يقبل قوله، وإن قال على وجه التورع أعادوا صلاتهم.
في منع الاقتداء
ولو اقتدى بالإمام ولم يعلم أنه زيد أو عمرو يصح اقتداؤه، ولو اقتدى بزيد ثم علم أنه عمرو لا يصح اقتداؤه، لأنه ما صلى بالذي اقتدي به.
ولو كان بين الإمام والمقتدي طريق واسع تمر به العجلة يمنع الاقتداء، وإن كان ضيقا لا يمنع، ولو كان بينهما نهر جار يجري فيه الزورق، ولا يمكن العبور منه إلا بقنطرة يمنع الاقتداء وإلا فلا، وإن كان بينهما حائل أو حائط فيه كقبة أو باب لا يمنع الاقتداء، لأن النبي -- كان يصلي في حجرة عائشة رضي الله عنها والناس يقتدون به في المسجد، فالحاصل أن العبرة فيه أن لا يشتبه عليه حال الإمام فيصح وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 65
ولو اقتدى من هو خارج المسجد بإمام في المسجد إن كانت الصفوف متصلة إلى الباب يصح اقتداؤه، وإن كان الباب مغلقاً قيل: لا يجوز.
وإن قام على حائط بين المسجد والدار واقتدى بإمامه في المسجد يصح اقتداؤه، وإن قام على سطح داره واقتدى به إن لم يكن بينهما حائل ولا شارع يصح.
وقال محمد بن سلمة: سفينتين غير مقرونتين إن كانتا بحال يقدر أن يثب من أحدهما إلى الأخرى من غير عنف فهما كالمقرونتين يصح الاقتداء.
باب في إدراك الصلاة
لو أدرك الإمام في الركوع يكبر تكبيرة الافتتاح، ويترك الثناء ثم يكبر ويركع معه ويسبح في ركوعه تسبيح الركوع، لأنه في محله بخلاف تكبيرات العيد فإنها واجبة يأتي بها فيها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولو وقف ولم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه لا يصير مدركا لتلك الركعة عندنا خلافاً لزفر رحمه الله.
ولو أدركه في الركعة فكبر قائماً ثم ركع معه يصح شروعه، ولو كبر راكعاً لا يصح شروعه، وإن كان أدركه في السجود أو في القعود لا يترك الثناء، لأنه لم يدرك هذه الركعة.
ولو افتتح بعد ما اشتغل الإمام بالقراءة لا يأتي بالثناء بل يستمع وينصت، وقيل: يأتي بالثناء عند سكتات الإمام كلمة كلمة.
وفي الجمعة إن كان بعيدا عن الإمام اختلفوا فيه.
الإمام إذا قام إلى الثالثة قبل أن يفرغ المقتدي من التشهد يتم التشهد، ثم يقوم وإن وجد منه مخالفة الإمام، لأن قراءة التشهد واجبة، بخلاف ما إذا سلم الإمام والمقتدي ما فرغ من الصلاة على
الجزء 1 · صفحة 66
النبي -صلى الله عليه وسلم- أو من الدعوات يسلم مع الإمام، لأن متابعة الإمام واجبة في هذه الحالة.
ولو رفع الإمام رأسه من الركوع أو السجود قبل أن يسبح ثلاثا، فالصحيح أنه يتابعه ويترك التسبيح، لما قلنا إن متابعته المقتدي واجبة، وكذا في دعاء القنوت.
ولو ركع أو سجد قبل إمامه إن أدرك الإمام فيه يجوز لتحقق المشاركة فيه ويكره له ذلك، ولو رفع رأسه فيها قبل إمامه يكره لورود الوعيد فيه.
ولو أدرك الإمام في القعدة يكبر تكبيرة الافتتاح ثم يكبر تكبيرة فيقعد؛ لأنه انتقل من ركن إلى ركن فلا بد من التكبير فيه، ولا خلاف أنه يتابع الإمام في التشهد، وبعد فراغ الإمام من التشهد ماذا يصنع تكلموا فيه، والأصح أنه يدعو متابعة للإمام، لأنه إنما لا يشتغل بالدعاء في خلال الصلاة لما فيه من تأخير الأركان، وهنا لا يمكنه القيام قبل فراغ الإمام فيتابعه المأموم.
ولو فرغ الإمام من صلاته ينحرف إلى يمين القبلة، ويمينها بحذاء يسار المستقبل إليها.
رجل افتتح الصلاة وركع قبل أن يقرأ، ثم رفع رأسه فقرأ وركع واقتدى به آخر فيه فهو مدرك للركعة، لأن الأول انتقض بالثاني، لأنه وقع في غير أوانه، والثاني في أوانه، وإن قرأ فركع ثم رفع رأسه فقرأ وركع، ثم اقتدى به آخر لم يدرك هذه الركعة، لأن الأول حصل في أوانه فيعتد به.
رجل فسواه إلى القبلة واقتدى به لا يصح اقتداؤه، لأن في زعمه أن صلاته على الخطأ وصلاة الأعمى جائزة، لأنه أتى ما هو في وسعه، هذا إذا لم يجد أحداً يسأله عن القبلة.
فصل في إدراك الجماعة وفضيلتها
رجل صلى ركعة من الظهر، ثم أقيمت فيضم إليها ركعة أخرى احترازاً عن البطلان، ثم يقطع، ويدخل مع الإمام إدراكاً لفضيلة الجماعة، وإن لم يقيدها بسجدة يقطع، لأنه محل الرفض بخلاف ما إذا
الجزء 1 · صفحة 67
شرع في النفل، لأن القطع ليس للتكميل، وإن صلى ثلاثاً لم يقطع بل يتمها، ثم يدخل مع الإمام ويكون نفلاً، وهو الجواب في العصر والعشاء إلا الدخول في العصر مع الإمام يكره لكراهة التطوع بعده، وكذا في المغرب، لأن النفل بالثلاث مكروه، وفي جعلها أربعا مخالفة للإمام، وفي الفجر: إن قام إلى الثانية يقطع، وإن قيدها بالسجدة لم يقطعها بل يتمها ولا يدخل في صلاة الإمام بعده لكراهة النفل بعد الفجر.
وكيفية القطع إن شاء يقعد ويسلم، وإن شاء يكبر قائماً، وينوي الدخول في صلاة الإمام.
وفي سنة الظهر لم يقطعها في كل الحال، لأنه نفل وفي النفل لا يجوز القطع لما قلنا.
ولو قطعها يقضي ركعتين عند البعض كالنفل المطلق، وقال أبوبكر محمد بن الفضل: يقضي أربعاً وهو قول أبي يوسف، لأنها بمنزلة صلاة واحدة واجبة، حتى لو انتقل الشفيع من الشفع الأول إلى الشفع الثاني بعد ما أخبر بالبيع لم تبطل شفعته بخلاف النفل المطلق.
رجل دخل في المسجد قد أذن فيه، يكره له أن يخرج حتى يصلي فيه، لأن فيه ورد وعيد، إلا إذا كان الرجل مؤذناً أو إماماً في مسجد آخر فيخرج، وإن كان هو صلى مرة قبل الأذان لا بأس بأن يخرج بعد الأذان إلا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، لأنه خلاف الجماعة عيانا، إلا في العصر والمغرب، والفجر فالخروج أولى، لأنه في هذه المواضع أقل كراهة.
ومن انتهى إلى الإمام وهو فى الفجر، وهو لم يصل سنة الفجر، إن خشي أن تفوته الركعة الأولى ويدرك الأخرى، فإنه يصلي سنة الفجر ثم يدخل مع الإمام لإمكان الجمع بين الفضيلتين، وإن خشي فوتهما يدخل مع الإمام ويترك السنة، لأن ثواب الجماعة أعظم، والوعيد بتركها ألزم.
ثم لا يقضيها بعد الفجر قبل ارتفاع الشمس؛ لأن صفة السنة قد فاتت بفوات محلها، فأشبه النفل المطلق، وذا لا يجوز بعد الفجر، وكذا لا يقضيها بعد ارتفاع الشمس عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، لأنها فاتت عن محلها فسقطت، لأن الأصل في النفل عدم القضاء بخلاف الفرض
الجزء 1 · صفحة 68
والواجب، وقال محمد أحب إلي أن يقضيها. أما إذا فاتت مع الفرض فإنها تقضى مع الفرض عند البعض قبل الزوال تبعاً للفرض سواء كان الفرض يقضى وحده أم بجماعة، إلا أن النص قد ورد في قضائها في ليلة التعريس بالجماعة.
أما في سنة الظهر يتركها في الحالين، ويدخل مع الإمام لإمكان أدائها بعد الفرض في الوقت، هو الصحيح، بخلاف سنة الفجر فإنها تفوت لا إلى خلف، واشتغال القوم بالنفل عند اشتغال الإمام بالفريضة مكروه، ثم اختلفوا في تقديمها على الركعتين، قال أبو يوسف رحمه الله: يقدمها على الركعتين وقال محمد رحمه الله: يقدم الركعتين عليهن، وهل ينوي القضاء أم الأداء؟ اختلفوا فيه أيضاً، منهم من قال: قضاء، ومنهم من قال: أداء لأنه في وقت الظهر.
ومن أدرك ركعة من الظهر، فإنه لم يصل صلاة الظهر بجماعة، ولهذا لا يحنث في يمينه فيما إذا حلف لا يصلي الظهر بجماعة.
ومن أتى مسجداً قد صلي فيه فلا بأس بأن يتطوع قبل المكتوبة ما بدا له مادام في الوقت سعة، وإن ضاق الوقت يترك، قيل: هذا في غير سنة الظهر والفجر، لأن سنتهما واجبة عملا فلا تترك، سواء صلى الفرض وحده أم بجماعة، وهو الأصح والأحوط، ولهذا لا يجوز أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام بخلاف النفل المطلق. وقيل: أراد به كل السنن يجوز تركها، لأن السنة إنما شرعت لأداء الفرض بالجماعة وقد فاتت، ويجوز إتيانها، والأولى أن يأتي بها، لأن التطوع إنما شرع لجبر النقصان في الفرائض، والذي فاتت عنه الجماعة هو أمس حاجة للجبر.
قيل: ومن ترك السنة بعذر فهو معذور، لأن الواجب يسقط بالعذر فالسنة أولى، ولو تركها استخفافا يكفر، لأنه استخف لواضعها ولو يراها حقاً ثم تركها فالصحيح أنه يأثم.
الجزء 1 · صفحة 69
فصل فيما يكره في الصلاة وفيما لا يكره
ويكره الدخول في الصلاة وهو مطالب ببول أو غائط، وإن شغله في الصلاة قطعها، وإن لم يقطعها أجزأه ويكره، وكذا إذا أصابها بعد الدخول.
وكل صلاة أديت مع كراهة تستحق أن تعاد على وجه غير مكروه.
ولا يغمض عينيه فيها، لأنه منهي عنه، ولأنه تشبه باليهود.
ولا يلتفت يميناً وشمالاً، ولو نظر بمؤخر عينه من غير أن يحول وجهه لا بأس به، وينبغي أن يكون منتهى بصره في القيام في موضع سجوده، وفي الركوع في موضع قدميه، وفي السجود في أرنبة أنفه، وفي القعود في حجره، وفي السلام في منكبيه، لأنه أقرب إلى الخشوع.
ويكره الاعتجار، وهو: أن يشد عمامته على رأسه ويبدي هامته، وقيل: أن يلف بعضها على رأسه ويرسل طرفاً منها كالمعجر للنساء.
ويكره عد الآي، والتسبيح في الصلاة عند أبي حنيفة رحمه الله.
ويكره الصلاة في إزار واحد من غير عذر وكذا في ثوب المهنة. وإن صلى حاسراً رأسه تكاسلاً يكره، وإن فعله خشوعاً لا بأس به إن سجد على ثوبه تجبراً يكره، وإن سجد عليه حتى لا ينهلك عمامته لا بأس به، لأنه لا يعد تجبراً.
وإن صلى خلف رجل يتحدث يجوز ويكره.
وإن صلى إلى وجه رجل إن كان عالما يؤدب، وإن كان جاهلاً يعلم، كما روي عن عمر رضي الله عنه فعلاهما بالدرة.
ويكره أن يصلي وبين يديه أو في ثوبه صورة، وكذا بين يديه كانون، وفيه نار موقودة، وإن كان سراجاً أو قنديلاً لا يكره، ولو كانت الصورة في البساط لا يكره.
الجزء 1 · صفحة 70
ويكره تطويل الركعة الأولى على الثانية في النوافل،
ويكره تطويل الثانية على الأولى في جميع الصلوات، وكذا تطويل الركوع والسجود على وجه يمل به القوم، لأنه يؤدي إلى تنفير الجماعة، ولا يطول الركوع والسجود لمجيء أحد، لأنه حرام جدا حتى قيل: يخشى عليه الكفر، هذا إذا عرف الشخص، أما إذا لم يعرفه لا بأس بأن يزيد تسبيحة أو تسبيحتين على المعتاد، لأنه إعانة على إدراك الطاعة، قال أبو حنيفة الخوارزمي رحمه الله: سألت أبا حنيفة رحمه الله الإمام ينتظر في ركوعه لمن يجيء خلفه؟ قال: لا، ولو فعل أخشى عليه الكفر، وكذا تطويل القراءة وتأخير الإقامة لأجله.
و يكره تكرار السورة في ركعة واحدة في الفرائض، وكذا تكرارها في ركعتين، وآخر سورتين في الركعتين، قيل: مكروه
وقيل: ليس بمكروه.
ولا يكره تكرار الجماعة في مسجد شوارع الطريق.
ولا يتثاءب في الصلاة إلا إذا غلب عليه فوضع ظهر يده على فمه.
ويكره للرجل أن يقوم خلف الصف وحده، لقوله عليه السلام: لا صلاة لمنتبذ خلف الصف أي المنفرد خلف الصف، ولا يكره للمرأة ذلك لأنه محلها، هذا إذا وجد الرجل فرجة في الصف، وإن لم يجد يأخذ الآخر من الصف إلى نفسه.
رجل صلى مع آخر فاستويا أقدامهما، ورأس المقتدي أسبق من رأس الإمام جاز، والمعتبر فيه الأقدام دون الرؤوس.
أحدب فما بلغت حدوبته يخفض رأسه في الركوع.
ولا يصلي وفي يده أو فمه دراهم أو دنانير.
الجزء 1 · صفحة 71
ويكره المرور بين يدي المصلي، ولا يكره وراء موضع السجدة ولا يكون بينهما حائل.
ويدفع المار بالإشارة بيده أو بالتسبيح، روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه صلى مع ولدي أم سلمة عمر وزينب فرجع عمر ومرت زينب.
ولو صلى في الصحراء يجعل السترة يعني يغرز خشبة مقدار ذراع على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ويكره الجمع بينهما.
ولا بأس بأن يمسح عرقه من جبينه في الصلاة، ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب بعد الفراغ.
الإشارة عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله حسن، وقيل: لا يشير وعليه الفتوى.
إمام صلى مع آخر، فجاء ثالث يتقدم الإمام موضع سجوده.
وتكره الصلاة في أرض الغير إذا كانت مزروعة أو مكروبة إلا إذا كان بينهما صداقة أو رأى صاحبها لا يكرهه فلا بأس به، والطريق أولى من أرض الغير، لأن له فيه حقاً.
لا بأس بالصلاة على العجلة إذا كانت واقفة، وإن كانت تسير تجوز حالة العذر.
ولا تجوز الصلاة على الثلج إذا كان لا يستقر، وكذا على التبن، والذرة، والدخن، والمحلوج، بخلاف الحنطة، والشعير، ويجوز على الجمد.
رجل له وظيفة من التطوع فنزل به ضيف يجوز تركه لأجل الضيف، هذا إذا نزل به أحياناً، وإن كان الضيف ينزل كثيراً لا يترك.
الجزء 1 · صفحة 72
فصل فيما يفسد الصلاة وما لا يفسد
العمل القليل لا يفسد الصلاة والكثير يفسدها، ولا فرق بين القصد والخطأ والسهو والنسيان عندنا.
ولو تكلم في صلاته ساهيا أو خاطئاً بطلت صلاته عندنا، وقال الشافعي: لا تبطل إذا كان قليلاً للحديث، واعتباراً بسلام الساهي، قلنا: معنى الحديث رفع الإثم، والسلام من الأذكار فيعتبر ذكراً في حالة النسيان، وكلاماً في حالة التعمد لما فيه من كاف الخطاب.
وقيل: كل عمل يقام بيد واحدة فهو قليل، وإن كان باليدين فهو كثير، وقيل: المعتبر فيه عرف الناس.
المصلي إذا رفع عمامته أو وضع على رأسه بيده الواحدة لا تفسد صلاته ولكن يكره، وكذا إذا استوى عمامته مرة أو مرتين وإن تعمم تفسد.
وإن حك جسده مرة أو مرتين لا تفسد، وإن حكه ثلاث مرات متوالياً تفسد، وكذا لو قتل ثلاث قملات.
ولو مشى ثلاث خطوات دفعة واحدة فسدت صلاته، ولو مشى خطوة ثم وقف ثم مشى خطوة لا تفسد، ولو مشى من صف إلى صف دفعة واحدة تفسد.
وإن شد سراويله تفسد وإن حله لا تفسد، وإن ركب الدابة تفسد وإن نزل لا تفسد.
ولو انكشف عورته فمكث بعذر لا تفسد، وإن مكث بغير عذر اختلفوا فيه، قال أبو يوسف رحمه الله: إن مكث مقدار ما يمكنه أداء ركن ثم ستره تفسد صلاته كما لو أدى معه ركناً، وقال محمد: لا تفسد ما لم يؤد به ركناً، لأن المفسد هو أداء ركن مع الانكشاف ولم يوجد.
وكذا لو افتتح الصلاة في موضع طاهر ثم انتقل إلى موضع نجس ثم انتقل إلى موضع طاهر قبل
الجزء 1 · صفحة 73
أن يؤدي به ركناً لا تفسد صلاته، وإن مكث مقدار ما يؤدي ركناً تفسد صلاته عند أبي يوسف رحمه الله خلافا لمحمد رحمه الله، ولو كان موضع القيام نجساً لا ينعقد التحريمة، وكذا لو كان في موضع سجوده، ولو كان في موضع ركبتيه أو يديه نجساً ينعقد، وتجوز الصلاة عندنا، أما لو رفعهما حالة السجود يجوز، بخلاف ما لو رفع رجليه فيه، ولو كان موضع القيام والسجود طاهراً ولكن يقع بعض أطراف ثوبه على أرض نجس جازت صلاته.
رجل صلى في الصحراء فتأخر عن موضع قيامه فالمعتبر فيه مقدار موضع سجوده في فساد صلاته.
ولو تأوّه أو بكى فارتفع بكاؤه إن كان من ذكر النار أو الجنة لم يقطعها لأنه في معنى التسبيح ويدل على الخشوع، وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها، لأنه في معنى كلام الناس، وإن كان من وجع لا يمكن الامتناع عنه لا يفسدها كالطمطمي والعطاس والجشاء، كذا لو قال: "أف" أو "تف" أو "أوه"، وكذا إذا تنحنح بعذر لا تفسد وإن حصل منه الحروف، لأنه مدفوع إليه غير مختار فيه كالنفس، وإن تنحنح بغير عذر تفسد.
ولو ابتلع ما بين أسنانه من الطعام إن وجد طعمه يفسد وإلا فلا، وإن كان في فمه سكر فذاب ودخل في حلقه يفسد.
وإن فتح المصلي على إمامه إن كان ذلك قبل أن يقرأ الإمام مقدار ما تجوز به الصلاة ولم ينتقل إلى آية أخرى جاز فتحه ولا تفسد صلاته، أخذه الإمام أو لم يأخذه، لأنه فتح لإصلاح صلاته، وشرط في الأصل لفساد صلاة الفاتح إذا كان مكرراً، وإن فتح بعد ما قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة ينظر إن كان انتقل الإمام إلى آية أخرى لا ينبغي أن يفتح عليه، وإن فتح وأراد به التعليم فسدت صلاته، وإن أخذه الإمام بفتحه فسدت صلاته أيضاً، وقال بعضهم: لا تفسد الصلاة به، لأنه لإتمام القراءة كالإمام إذا استخلف المسبوق والمسبوق استخلف] غيره ليسلم القوم به، وإنما الفساد إذا فتح على غير إمامه، لأنه
الجزء 1 · صفحة 74
لا ضرورة فيه وهو ليس من أعمال صلاته فكان مفسداً.
وإن وقف الإمام ولم ينتقل إلى آية أخرى حتى فتح المقتدي اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يفسد صلاة الفاتح والمفتوح، وللإمام أن لا يلجئهم إليه بل يركع إذا جاء أوانه، أو ينتقل إلى آية أخرى.
لو صلى وجرى على لسانه نعم، إن كان عادته ذلك خارج الصلاة فسدت صلاته؛ لأنه من كلام الناس، وإلا لا تفسد؛ لأنه كلمة من كلمات القرآن.
ولو قرع الباب فقال المصلي: "ومن دخله كان آمناً" أراد
به الجواب والإذن تفسد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، وإن سبح، أو كبر، أو هلل يريد به إعلامه أنه في الصلاة لا تفسد، لقوله عليه السلام: "إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح".
وكل دعاء يستحيل سؤاله من العباد كسؤال المغفرة والرحمة لا تفسد الصلاة، وما لا يستحيل منهم يفسدها.
ولو قرأ في ركوعه وسجوده لا تفسد.
ولو قرأ وركع وسجد وهو نائم لا تجوز صلاته؛ لأنه أدى ركعة بغير اختياره، والاختيار شرط لأداء العبادة، ولو ركع وهو نائم، أو قرأ وهو نائم، ينوب عن القراءة، والركوع، لأن الشرع جعل النائم كالمنتبه فى حق الصلاة، ولهذا لا ينقض وضوءه بهذا، ولو سجد وهو نائم لا ينوب، والفرق أن السجدة ركن أصلي من كل وجه، والقيام والركوع وسيلة إليها، والأصح أن قراءته لا تنوب عن القراءة لعدم الاختيار منه، لأن التواضع بالقيام يتحقق، وبالركوع يزداد، وبالسجود ينتهي.
رجل صلى العشاء فسلم على الركعتين على ظن أنه ترويحة، أو صلى الظهر فسلم على ظن أنه جمعة فسد العشاء، والظهر، لأنه سلم عازماً، ولا شك في سلامه.
ولو قرأ التوراة والإنجيل في الصلاة فسدت صلاته، سواء يحسن القرآن أو لم يحسنه؛ لأنه مأمور
الجزء 1 · صفحة 75
بقراءة القرآن لا غيره.
ولو زاد ركوعاً أو سجدة لم تفسد صلاته عندنا، ولو زاد ركعة تفسد الفريضة لأجل ترك قعدة الأخيرة.
فصل
ولا معتبر بالوقف في القرآن في جواز الصلاة وفسادها، حتى لو وقف وابتدأ بقوله: "وإياكم أن تؤمنوا"، أو وقف وابتدأ بقوله: "المسيح ابن الله"، أو وقف وابتدأ بقوله: "إن الله فقير"، أو وقف وابتدأ بقوله: "أنا ربكم الأعلى"وأمثالها، لا تفسد الصلاة. أما الخطأ في الإعراب إن لم تغير المعنى تغييراً فاحشاً لا يفسدها، كقوله: "الحمد لله" بالنصب، وإن غيّره تغييراً فاحشاً يفسدها كقوله: "وعصى آدم ربه" بنصب الميم ورفع الباء، وقال المتأخرون: لا يفسدها أيضاً، لأن العوام لا يميزون الإعراب، وهو اختيار أبي يوسف، وهو أوسع، والأول أحوط، وقال الشافعي رحمه الله: الخطأ في غير الإعراب لا تفسد الصلاة، ولو قرأ الحمد لله بالهاء، أو قرأ الرحمن الرحيم" بالهاء، أو سمع الله لمن حمده بالهاء، إن بذل جهده فلم يقدر تجوز صلاته، لأنه عاجز، وإن ترك جهده في تصحيحه فسدت صلاته، وكذا لو قرأ: "بسم الله بالثاء فإن أمكنه أن يجد آيات من القرآن ليس فيها تلك الحروف التي لا يطاوع لسانه بها يتخذها قراءة وإلا، فيسكت، هذا في غير فاتحة الكتاب فإنه لا يترك قراءتها في الصلاة، ولو قرأ: "إياك نعبد وإياك نستعين" بالوصل لا تفسد، وكذا فى قوله "إنا أعطيناك الكوثر" بالوصل.
لو قرأ: "آمين" بالتشديد وهو خطأ فاحش، ولا تفسد به الصلاة، ولو قرأ: غير المغضوب بالظاء، أو بالزاء، أو بالذال تفسد، وقال محمد بن سلمة بالظاء لا تفسد وقوله "ولا الضالين" بالظاء أو بالزاء أو بالذال لا تفسد، ولو قرأ: "إذا جاء نصر الله بالسين"، قال: أكثرهم لا تفسد، وكذا قوله: "اللهم صل على محمد" بالسين، ولو قال: "التحيات لله" بالطاء أو بالدال لا تفسد.
الجزء 1 · صفحة 76
فصل في الوتر
عن أبي حنيفة ثلاث روايات فيه، في رواية: هو سنة، وهو قولهما، وفي رواية: هو فرض، وفي رواية: هو واجب وهو الصحيح، حتى أن من تذكر في الفجر أنه لم يؤتر لا يصح فجره عنده.
والوتر فرض عند أبي حنيفة رحمه الله لقوله عليه السلام: "إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، فإنه أضاف الزيادة إلى الله تعالى وهو فرض". والثاني: أن الزيادة من جنس المزيد عليه وهو فرض، لأن الفرض مقدر والزيادة يتصور على المقدر بخلاف النوافل فإنها غير مقدرة، ولا تتصور الزيادة عليها والثالث أمر، والأمر للوجوب، وأبو حنيفة رحمه الله ألحقه إلى الفرائض، لأن له نظيراً في الفرائض وهو المغرب، وإلحاق الشيء إلى نظيره أولى من إلحاقه إلى ما لا نظير له، أو نقول: إن فريضة النهار جملته عشر ركعات، وفريضة الليل مع الوتر يكون عشر ركعات وهو إمارة الوجوب، أو نقول: إن فرض النهار بدئ بالشفع ويختم بالشفع، وفرض الليل بدئ بالوتر، فينبغي أن يختتم بالوتر أيضاً، وعندهما هو سنة لظهور آثار السنة فيه، من حيث أنه لا يكفر جاحده، ولا يؤذن لأجله، ولو فات عن وقته يقضى بالإجماع.
وهو ثلاث ركعات بتسليمة واحدة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله في قول: "ركعة واحدة" وفي قول "ثلاث مفصولة"، وفي قول: "ثلاث موصولة" كما هو مذهبنا، والوصل عنده أفضل وأولى، حتى يخرج عن الخلاف، وقيل: إن صلى بالجماعة فالوصل أفضل، لأن فيها أقواماً مختلفين حتى يقع متفقاً عليه.
ولو صلى الوتر ركعة واحدة، ثم رآه ثلاثاً لا يعيد ما صلى، لأنه مختلف فيه، ولو كان جاهلاً ثم تعلّم يعيد.
اجتمع أهل قرية على ترك الوتر، أدبهم الإمام، وإن امتنعوا عنه قاتلهم، وكذا في ترك السنن،
الجزء 1 · صفحة 77
حتى قيل: لو أنكروا سنة السواك يقاتلهم.
ويصلى الوتر في رمضان مع الجماعة، وهو الصحيح، لورود الأثر فيه، ولو صلاها في غير رمضان مع الجماعة يجوز، ولا يستحب ذلك.
الإمام إذا قنت والمقتدي إن شاء قنت معه، لأنه تسبيح، وإن شاء قنت إلى قوله: "إن عذابك بالكفار ملحق"، يروى هذا بروايتين بالفتح والكسر، والكسر أولى، ثم يسكت عند أبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله يؤمن بعده في رواية، وفي رواية يسكت؛ لأنه بمنزلة القراءة فيتحمله الإمام عن المقتدي.
واختلفوا في الجهر فيه، قال بعضهم: إن كان القوم يعلمون دعاء القنوت أو أكثرهم لا يجهر الإمام، لأنه تسبيح ودعاء، ومحلها الإخفاء، وإن كانوا لا يعلمون يجهر إعانة لهم، وقيل: يتوسط لا يجهر جداً ولا يخفى جداً.
ويأخذ يديه عند القنوت، وهو المختار.
رجل شك في الوتر أن هذه الركعة ثانية أو ثالثة، يقنت في هذه الركعة، لجواز أن تكون ثالثة، ثم يقعد ويقوم ويضم إليها ركعة أخرى، ويقنت فيها أيضاً، وهو المختار، بخلاف المسبوق فيه في رمضان إذا قنت مع الإمام لا يقنت فيما سبق؛ لأن القنوت وقع في موضعه، وكذا إذا قنت في الثانية ساهيا لا يقنت في الثالثة.
ثم قراءة القنوت في الوتر قبل الركوع سنة مؤكدة في جميع السنة عندنا، وعند الشافعي لا يقنت فيه، إلا في النصف الأخير من رمضان، وعند مالك رحمه الله لا يقنت فيه إلا في رمضان.
ولو قضى الوتر يقنت أيضاً؛ لأنه إن كان عليه قضاءه كان عليه القنوت وإن لم يكن عليه قضاءه، فالقنوت يكون في التطوع وهو لا يضر، ومن لا يحسن القنوت يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الجزء 1 · صفحة 78
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وإن لم يحسن هذا يقول:" اللهم اغفر لي" ثلاث مرات أو أكثر.
والقنوت في صلاة الفجر منسوخ عندنا، وقال الطحاوي رحمه الله: إذا وقعت بلية أو فتنة لا بأس بأن يقنت فيه.
ولو قنت في الوتر بعد الركوع والمقتدي لا يرى ذلك يتابعه، لأنه مختلف فيه، وكذا في سجدة السهو قبل السلام، بخلاف ما إذا قنت في الفجر، فإنه لا يتابعه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ثم قيل: يقوم قائماً ليتابعه فيما يجب متابعته فيه، وقيل: يقعد تحقيقاً للمخالفة.
فصل في التراويح
التراويح سنة للرجال والنساء، توارثها الخلف عن السلف، كذا روى الحسن رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله لما أنه واظب عليها الخلفاء الراشدون، وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- العذر في ترك المواظبة، وهو خشية أن يكتب علينا.
وأداؤها بالجماعة مستحب، وقال قوم من الروافض: هي سنة للرجال دون النساء، وقال قوم منهم: هي ليست بسنة أصلاً، وإنما أحدثه عمر رضي الله عنه، ولأهل السنة قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقد أثنى علي رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه، وقال: " نور الله مضجع عمر كما نور مساجدنا".
والسنة في أدائها الجماعة على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقام البعض بها فالمتخلّف عنها تارك الفضيلة، وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: أداؤها بالإفراد أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، والصحيح أن الجماعة أفضل، اقتداءً بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
الجزء 1 · صفحة 79
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أن الأفضل أن يصلي في بيته، وتارك الجماعة فيه تارك الفضيلة.
ولو صلى التراويح في مسجد واحد مرتين في ليلة واحدة يكره وفي مسجدين لا يكره إذا لم يكن إماماً، أما إذا أمّ في مسجد فيه ثم اقتدى بآخر في مسجد آخر جاز.
ويقعد بين كل ترويحتين مقدار ترويحة واحدة، وكذا بين ترويحة الخامسة والوتر، واستحسن بعض المشائخ الاستراحة على خمس تسليمات فليس بصحيح.
ولو صلى أربعاً بتسليمة واحدة إن قعد على كل رأس الركعتين يجوز وينوب عن الركعتين، وقيل: ينوب عن الأربع هو الصحيح، وإن لم يقعد يفسد صلاته عند محمد وزفر، وهو القياس، وكذا لو صلى الكل بتسليمة واحدة. ثم هو مخير في القعدة إن شاء سبح، وإن شاء هلل، وإن شاء صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن شاء سكت، وأهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً.
ولو صلى التراويح قبل العشاء فالصحيح أنه لا يجوز، ولو صلاها بعد الوتر فالصحيح أنه يجوز.
ولو صلى العشاء مع إمام، وصلى التراويح مع إمام آخر ثم تبين أنه صلى العشاء بغير وضوء، يعيد العشاء والتراويح؛ لأن التراويح وقع قبل العشاء.
ولو دخل المسجد والإمام في التراويح وهو لم يصل العشاء يجوز أن يصلي التراويح مع الإمام على قول من يجوز التراويح قبل العشاء، لأنه لا ترتيب بين الفرائض والنوافل وإن كان الإمام في الوتر لا يجوز أن يصلي الوتر قبل العشاء.
وينوي فيها التراويح أو سنة الوقت أو صلاة الإمام، فلو نوى التطوع أو صلاة مطلقة اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يجوز كما في سنة الفجر، والأصح أن النية لا تحتاج في كل شفع، انتظار الإمام في أشفاع التراويح إلى أن يكبر فهو نية منه، ولو نوى المقتدي سنة العشاء، إن كان لم يصل السنة بعد العشاء
الجزء 1 · صفحة 80
جاز.
وإذا فاتت التراويح عن وقتها لا تقضى، وإن فاتته بعضها عن الجماعة يؤدي بعد الوتر. ويقرأ فيها مقدار ما يقرأ في المغرب، وقيل: يقرأ في كل ركعة عشر آيات، وهو الصحيح؛ لأن السنة فيها الختم، وبه يحصل الختم، لأن جميع عدد الركعات في جميع الشهر ست مائة ركعات، وجميع آيات القرآن ستة آلاف وشيء، ولا يترك هذا لكسل القوم، بخلاف الدعوات بعد التشهد حيث يتركها لأجلهم إذا استثقلوا، وقيل: يقرأ فيها مقدار مالا يؤدي إلى تنفير القوم.
إمامة الصبي في التراويح قيل: يجوز، التراويح قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وهو المختار؛ لأن نفل الصبي دون نفل البالغ من حيث أنه لا يلزمه القضاء بالإفساد بخلاف المظنون، لأنه مجتهد فيه، وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي، لأن الصلاة متحدة.
والصحيح أن أداء التراويح قاعداً من غير عذر لا يستحب، والأصح أنه يجوز، والله أعلم.
فصل في النوافل
قال القاضي أبو زيد رضي الله عنه: إنما شرعت النوافل والسنن لجبر نقصان تمكن في الفرائض؛ لأن العبد وإن علت رتبته لا يخلو عن تقصير في عبادته، حتى أن واحداً لو قدر أن يصلي الفرائض من غير نقصان لا يلام بترك السنن.
ثم السنن الرواتب أن يصلي قبل صلاة الفجر ركعتين، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، أما الأربع قبل العصر، حسن، والأربع قبل العشاء مستحب، وجاء بعد المغرب ست أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 81
والنفل في الليل والنهار أربعاً أربعاً أفضل عند أبي حنيفة رحمه الله وعند الشافعي رحمه الله مثنى مثنى أفضل، وعندهما في الليل كما قال الشافعي، وفي النهار كما قال أبو حنيفة رحمه الله.
والنفل لا يلزم إلا بالنذر، أو بالشروع فيه، ولو شرع في النفل ثم أفسده يلزمه القضاء عندنا، ولو شرع فيه ونوى أربعاً ثم أفسده يلزمه أربعاً عند أبي يوسف رحمه الله، لأن الشروع ملزم كالنذر، لأنه يجب أداؤه بعد ما شرع فيه، وعندهما يلزمه قضاء ركعتين، لأن الشروع ليس بملزم بذاته، وإنما اللزوم ثبت بضرورة صيانة المؤدى عن البطلان، والشفع الأول لا يتعلق بالثاني، ولهذا لو شرع في النفل ولم ينو العدد يلزمه ركعتين، ولو قام إلى الشفع الثاني يستفتح.
ولو صلى أربعاً وترك القعدة الأولى فسدت صلاته عند محمد وزفر رحمهما الله، وهو القياس؛ لأن كل شفع صلاة على حدة، فلا بد من القعدة في كل شفع، وعندهما لا تفسد كما في الفرائض، لأن الفرض هي القعدة الأخيرة، والأربع إذا أديت بتحريمة واحدة، كان الكل كصلاة واحدة، فيفترض فيها قعدة واحدة.
ولو شرع في النفل ونوى أربعاً، ثم سلم على رأس الركعتين، لا شيء عليه في ظاهر الرواية.
ولو نذر أن يصلي أربعاً بتسليمة واحدة لا يخرج عن العهدة بتسليمتين، وعلى القلب يخرج.
ويصلي النافلة قاعدا مع القدرة على القيام، وإن افتتحها قائماً ثم قعد بغير عذر، يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن القيام وصف له، وله أن يصلي قاعداً ابتداء فيجوز بقاء أولى، ولأن البقاء أسهل من الابتداء، وعندهما لا يجوز، لأن الشروع ملزم كالنذور.
والوتر لا يجوز على الدابة، وفي سنة الفجر عن أبي حنيفة رحمه الله روايتان في رواية ينزل، وفي رواية: لا ينزل.
الجزء 1 · صفحة 82
باب قضاء الفوائت
الترتيب بين الفوائت القليلة وبين فرض الوقت شرط عند سعة الوقت عندنا، لأن الوقت مستحق بأداء الفوائت فيجب تقديم الفوائت على الوقتية، لقوله عليه السلام "من نام عن صلاته أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، جعل وقت التذكر وقتاً للفائتة فلا يكون وقتاً لغيرها.
وتذكر الفائتة في الوقتية يمنع أداء الوقتية عندنا، وعند الشافعي تقديم الفوائت مستحب.
فإذا كثرت سقط الترتيب، وحد الكثرة هو أن تصير الفوائت ستا بخروج وقت السادسة، وهو الصحيح، وقيل: بدخولها، وقيل: بدخول السابعة، وقال زفر هي صلاة شهر، وقيل: صلاة سنة، لكن لو بدأ بالفائتة عند سعة الوقت أجزأه ألا ترى أنه يجوز التطوع فتجوز الفائتة بخلاف ما إذا ضاق الوقت حيث لا يجوز الفائتة؛ لأنه لا يجوز التطوع. وكذا يسقط الترتيب بضيق الوقت والنسيان عندنا خلافا لمالك، وتفسير ضيق الوقت وهو أن يبقى الباقي من الوقت مقدار ما لا يسع الفوائت مع الوقتية فيه، وإن كان يسع بعضها لا تجوز الوقتية ما لم يقض ذلك البعض.
ولو فاته ظهر ثم تذكر في وقت العصر، حتى لو اشتغل بالظهر يقع العصر بعد تغير الشمس يقدم الظهر ثم يصلي العصر في الوقت المكروه، وعند محمد يقدم العصر ثم يقضي الظهر بعد غروب الشمس، وهو قول الحسن، ولو تذكر بعد احمرار الشمس يقدم العصر بالاتفاق، ولو افتتح العصر في أول الوقت وهو ذاكر أنه لم يصل الظهر، وأطال حتى غربت الشمس لا يجوز عصره، لأن شروعه وقع فاسداً بخلاف ما إذا شرعه وقت الغروب فإنه يصح شروعه فيه، فلما احمرت الشمس وجب أن يقطع هذا العصر الذي شرع فيه ثم يستقبلها شروعاً آخر، وتذكر الظهر في الوقت المكروه لا يمنع شروع العصر فيصح شروع العصر في هذا الوقت ثم يقضي الظهر بعد الغروب.
ولو صلى العصر مع تذكر الظهر الفائت وفي الوقت سعة يقع العصر فاسداً موقوفاً عند أبي حنيفة رحمه الله، حتى لو صلي ست صلوات ولم يعد الظهر، انقلب العصر جائزا عنده، لأن الترتيب
الجزء 1 · صفحة 83
سقط بالكثرة، والكثرة تثبت بالكل، فإذا سقط الترتيب يستند الحكم إلى أول السبب كما هو الأصل، كالظهر المؤدى يتوقف على إدراك الجمعة وكالمغرب المؤدى في طريق المزدلفة، يتوقف إلى طلوع الفجر، وعندهما يقع العصر فاسداً فساداً باتا لا جواز له، لأنه أدى العصر مع قلة الفوائت فيفسد، فإن أعاد الظهر قبل أن يصلي ست صلاة يعيد العصر بالاتفاق.
ولو فاتت صلاة من يوم وليلة، ولا يدري أي صلاة هي روى محمد بن مقاتل عن علمائنا الثلاثة أنه يعيد صلاة يوم وليلة احتياطاً، وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله، ولو كانت الفائتة صلاتان من يومين الظهر من يوم والعصر من يوم ولا يدري أيهما الأول فإنه يصلي صلاتين ثم يعيد الأولى عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يصلي صلاتين على ما وقع تحريه ولا يعيد الأول.
ولو صلى صلوات كثيرة وهو عالم بفوات فرض واحد يقضي الفائت وحده عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يقضي خمساً بعده.
ولو قضى بعض الفوائت حتى قل، عاد الترتيب عند البعض، وهو الأظهر، فإنه روي عن محمد رحمه الله فيمن ترك صلاة يوم وليلة، وجعل يقضي من الغد مع كل صلاة فائتة، والفوائت جائزة على كل حال، والوقتيات فاسدة إن قدمها، وإن أخرها فكذلك إلا العشاء الأخيرة، لأنه أداها وفي ظنه أنه لا فائتة عليه، وقال بعضهم: لا يعود الترتيب وهو المختار.
ثم الفوائت الحديثة هل تلحق بالفوائت القديمة؟ قيل: تلحق لوجود الكثرة، وقيل: لا تلحق ويجعل الماضي كأن لم يكن احتياطاً زجراً عن التهاون في أمر الصلاة وهو الصحيح.
رجل نسي صلاة ثم ذكرها بعد شهر فصلى الوقتية مع تذكرها أجزأه الوقتية لأن المتخلل بينهما كثير، وهو اختيار الطحاوي رحمه الله.
فإذا سقط الترتيب بكثرة الفوائت سقط الترتيب في نفس الصلاة أيضاً، كمن فاتته صلاة شهر إن شاء قضى صلاة يوم وليلة، وإن شاء قضى ثلاثين فجرا، ثم ثلاثين ظهرا، ثم العصر، ثم المغرب، ثم