مجموع الحوادث والنوازل والواقعات
لأحمد بن موسى الكشي الحنفي
توفي سنة (550هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مجموع الحوادث والنوازل والواقعات
لأحمد بن موسى الكشي الحنفي
توفي سنة (550هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرفنا بسيد الأصفياء وخيرته من أهل الأرض والسماء، صلى الله عليه وعلى آله الأنقياء، والحمد لله الذي رفع درجة العلماء، وجعلهم ورثة الأنبياء ومحل الاقتداء، ووفقهم للمجاهدة في الله حق جهاده، حتى حفظوا سواء صراطه على عباده، فاعتنوا في طلب الدلائل والمعاني، ثم دوّنوا الصور والأسامي، هذه حال المتقدمين رضوان الله عليهم أجمعين، ثم انتم بهم المتأخرون في جوابات حوادث نشأت بعدهم، بعد ما بلغوا الغاية القصوى جهدهم فسلمت جواباتهم عن الزيغ والمحال، فَنَالوا بها غاية الآمال، وما ذلك إلا ثمرة اجتهادهم وحسن صدق اعتقادهم، فقد قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت،).
فلهذا يقول العبد الضعيف أحمد بن موسى بن عيسى بن مأمون الكشي: أحببث أن تنالني بركتهم وتدركني ثمرتهم بجمع فتاوى صدرت عنهم في حوادث وقعت في أيامهم من شهورهم وأعوامهم، منها:
- فتاوى الشيخ الإمام الزاهد أبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمه الله، وعيونه؛ إذ هو أوردهما على ترتيب العبادات والطاعات من الصلاة والزكاة والحج والصيام، ثم ما سواها من المعاملات والعقوبات، فأوردت كل مسألة في موضعها على التمام، ثم فتّشت كتب غيره، فسلكت مسائلها في هذا النظام.
- وفتاوى الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله.
- وفتاوى الشيخ الإمام أبي عبد الله أحمد بن الشيخ الإمام أبي حفص الكبير البخاري رحمه الله.
- وواقعات الناطفي.
- وفتاوى محمد بن الوليد السمرقندي.
- وفتاوى الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي الحسن عطاء بن حمزة السغدي، التي تولى جمعها
أستاذي الشيخ الإمام الأجل الزاهد الحجاج نجم الدين زين الأئمة، جمال الإسلام والمسلمين أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي رضي الله عنه ونور روضته.
- وفتاواه التي أجابها هو في أيامه وجمعها.
- ومنها مختصر كتاب المنتقى.
- ومنها مختصر اختلاف زفر ويعقوب.
- ومنها مختصر فوائد الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن سعيد الرستفغني. ومنها مختصر غريب الرواية للسيد الإمام الأجل الزاهد محمد بن أبي شجاع العلوي رحمة الله عليه.
- ومنها مسائل المعضلات، ومسائل حيرة الفقهاء.
انتظمت هذه الفصول عن خمسة عشر من الأصول، غير أَنِّي لما كتبت مسألة من أصل وقع لي عليها الاعتماد والتعويل ما كتبتها من أصل آخ، مخافة السامة والتطويل.
ولا يُقال هذا تقليد؛ لأنهم ما أجابوا إلا بعد جهد جهيد، ألا ترى أن واحدًا من أهل زماننا وإن امتاز في علم النظر عن أقرانِنا ليس له أن يفتي بخلاف قول أصحابنا، إلا ما صار عرفا ولا يخالف شرعًا. وما روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا يسع لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا، كان ذلك تحريضا منه على طلب الدلائل والمعاني.
فإنّ واحدًا من العلماء وإن جمع أوقارًا من الكتب وحفظ أقاويل المتقدمين والمتأخرين فربما تقع حادثة لا يجدها في كتبه ولا فيما حفظه بل يحتاج إلى الاجتهاد، وذلك لا يُحصل إلا بمعرفة الدلائل والمعاني، ولم يكن ذلك نهيًا عن حفظ الصور والأسامي، فإنّ من حفظ أقاويلهم ودرس كتبهم يزيد له قوة وبصيرة.
وقد حكي عن أبي عبد الله الثلجي رحمه الله أنّه قال: لا تستخفّوا بكلام هؤلاء، فإنِّي ربما أتيت بمسألة لو لا أنّى أحفظ أقاويلهم ما دريت كيف أضع قدمي فيها.
وقال السيّد الإمام الأجلّ محمد بن أبي شجاع رضي الله عنه في خطبة غريب الرواية الذي جمعه: إنّما تبعث جوابات المشايخ المتأخرين لأكون مُقتديًا بهم في الحوادث لا مبتدئًا. وروي عن محمد بن الحسن رحمه الله أنّه قال: ينبغي أن يكون أكثر اجتهاد الرجل في الحلال والحرام وما لا بدّ منه من معالم الدين والأحكام.
وإنما جمعتُ هذا الكتاب بمعونة أستاذي الشيخ الإمام الأجل الزاهد الحجاج نجم الدين زين الإسلام والمسلمين رضي الله عنه، وبحله المشكلات، وسمّيته مجموع الحوادث والنوازل والواقعات، والله ولي التسديد، وهو الولي الحميد.
باب الطهارات والصلاة
وابتدأت بمسألة اختلف فيها المتأخرون لخلوّ نصها فى المبسوط عن المتقدمين، وفي العيون وجدتُ لها رواية مشهورة التبيان، وهي ما قال مقاتل بن حيّان سألتُ أبا حنيفة رحمه الله عمّن أسلم وهو شيخ كبير ولم يكن اختتن ويخاف على نفسه إذا اختتن قال: إذا نزل البول إلى قلفته انتقض وضوؤه وإن لم يخرج من القلفة، وإذا أجنب وجب عليه غَسْل ما وارته الجلدة وقال بعض المشايخ: إذا خرج البول إلى قلفته انتقض وضوؤه، وفي الاغتسال لا يجب عليه غسل ما وارته الجلدة، والفرق بينهما أنّ القلفة ظاهرة من وجه، فإِنَّكَ إذا نزعتَ الجلدة منه صارت ظاهرة وإذا تركت كانت باطنة، فصار كالفم إذا فتحته صار ظاهرًا وإذا سددته صار باطنًا، ثم الفم لم يجعل ظاهرًا من كل وجه ولا باطنًا من كل وجه بل يُعمل بالدليلين، فكذا ههنا.
فسألت نجم الدين رضي الله عنه وقلت: أي الجوابين أصح عندكم؟
قال: القلفة لها حكم الظاهر من كل وجه، ومن قاسها بالفم لا يصح قياسه؛ لأنه إذا أعطي لها حكم الباطن من وجه، ينبغي ألا ينتقض وضوؤه بالخروج إلى القلفة ما لم يكن ملأ القلفة كما قلنا في الفم إذا قاء إنه ما لم يكن ملأ الفم لا ينتقض الوضوء، كذلك ههنا.
سُئِلَ نجم الدين رضي الله عنه عن رجل استيقظ وهو يذكر أنه رأى في منامه مباشرة امرأة ولم ير بللا على ثوبه ولا على فراشه ومكث ساعةً فخرج منه مذي، هل يلزمه الغسل؟
قال: لا لظاهر الحديث: «من احتلم ولم ير بللا فلا شيء عليه»، وليس هذا كما إذا استيقظ ورأى مذيًا أنه يلزمه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما خلافًا لأبي يسوف رحمة الله عليه؛ لأنهما يحملان ذلك على أنه كان منيًا ورق بمرور الزمان، وههنا يعاين خروج المذي دون المني، وذاك يوجب الوضوء دون الغسل.
فسألت نجم الدين رضي الله عنه عن مسألة ذكرت في كتاب حيرة الفقهاء، وهي أن رجلا احتلم ليلا فاستيقظ ولم ير بللا فتوضأ وصلى صلاة الفجر ثم نزل المني؟
قال: يجب عليه الغسل وجازت صلاة الفجر، فعلى قياس هذه المسألة ينبغي أن يكون خروج المذي بعد ما استيقظ يوجب الغسل أيضا عندهما، وعلى قياس الحديث: من احتلم ولم ير بللا فلا شيء عليه ينبغي ألا يجب الغسل فيهما جميعًا كما قال أبو يوسف رحمة الله عليه، وما قال: إنهما يحملان ذلك على أنه كان منيًا ورق بمرور الزمان يتصوّر أيضا أن يرق في الباطن بمرور الزمان ثم يخرج، يبين وجه الفرق بينهما يثب عليه، قال: إذا نزل المني بعد ما استيقظ يلزمه الغسل لا بالاحتلام - ولهذا لا يعيد الفجر - وإنما يلزمه الغسل بنزول المني وقد زال عن موضعه بالشهوة، وإذا نزل المذي وهو يراه لم يلزمه الغسل؛ لأنه مذي وليس فيه احتمال أنه كان منيًا، والتغير في الباطن لا عبرة به.
وسُئلَ نجم الدين رضي الله عنه عن رجلٍ لبس خفا خراسانيًّا صرمه موشًّى بالغزل بحيث صار ظاهره كله غزلا فأصابته نجاسات فحتّها وصلى فيها؟
قال: لا تجوز صلاته، إلا أن يُغسل ثلاثاً ويُجفّف كل مرّة، وحكمه حكم الثوب دون الْجلد.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن امرأةٍ بها باسور، فهي إذا جلست للطهارة واستنجت خرج سُرمها وإذا قامت دخل وهي صائمة، هل يفسد صومها بدخول بلّة الاستنجاء؟
قال: لا؛ لأنّه أثر لا عين.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن امرأة تغتسل من الجنابة أو الحيض، هل تتكلّف لإيصال الماء إلى نقب القرط؟
قال: إن كان القرط فيه وتعلم أنّ الماء لا يصل إليه إلّا بتحريك فلا بد من التحريك كما في الخاتم، وإن لم يكن القرط فيه إن لم يصل الماء إليه من غير تكلف لم تتكلّف، وإن انضمّ ذلك بعد نزع القرط وصار بحيث لا يدخل القرط فيه إلّا بتكلف لا تتكلّف أيضًا؛ لأنّه لا حرج في الدين، وإن كان بحيث إذا أمرّت الماء عليه دخله وإن غفلت عنه لم يدخله أمرّت الماء عليه حتى يدخله، ولا تتكلف إدخال شيء فيه سوى الماء من خشب ونحوه لإيصال الماء إليه.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن عظم تلطّخ بنجاسة ووقع في البئر ولم يمكن ستخراجه؟
قال: إذا نزفوا مائها فقد طهرت، وصار كغسل العظم فلا يضرّ بقاؤه فيها، وإن أعجزهم نزفها نزحوا ثلاثمائة دلو.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن بئر تنجست بوقوع النجاسة فيها فأُجري فيها الماء من النهر وجعل لها منفذ من وجه آخر حتى خرج بعض الماء.
قال: يُحكم بطهارة البئر لوجود سبب الطهارة وهو جريان الماء، وهذا على قياس قول الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله في الحوض الصغير إذا تنجّس ماؤه ثم دخل الماء فيه وخرج فَفِيه ثلاثة أقاويل، وقول أبي جعفر فيه أنّه إذا أجري الماء فيه وخرج بعضه يُحكم بطهارته ولا يُشترط خروج قدر ما كان فيه من الماء أو ثلاث مرّات تيسيرًا للأمر على الناس.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه موشى بخم نشاسته فروفتادست و مرده و اين نشاسته رسيده بوده است بشستن پاك شود؟ فقال شود بسه بار فسألته رضي الله عنه اگر باول افتاده است که آب فروريختند و يك روز سر گشاده بود مرين خم را باز آب ديگر فروريختند و سر بستند ده شباروز چون سر بگشادند موش يافتند در وي
آماسيده، معلوم شد که باول افتادست و گندم بآب پليد نرم شده، كيف يغسل حتى يطهر؟ يبيّن يثب عليه، قال: الاحتفاظ في هذا أن يراق ولا يشتغل بغسله؛ لأنّ القلب لا يسكن إلى طهارته وزوال نجاسته ولو بذر في الأرض فحسن.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه بنسف عن رجل وجد في كوزه فأرة ولا يدري أنّ الفأرة وقعت في هذا الكوز ابتداءً أو في الجرّة التي جعل الماء منها في الكوز أو في البئر التي نزحوا الماء منها،
قال: إذا لم يتيقن بشيء منها فالنجاسة لهذا الكوز خاصة.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن فأرة ميتة كانت يبست وهي في خابية فجعل فيها الرب فظهرت على رأس الخابية، ما حالها؟
وكان شيخ الإسلام علي بن محمد الاسبيجابي رحمه الله أجاب أنّ الربّ نجس، فأجاب هو أيضا أنّ جوابه صحيح؛ لأنّ الفأرة الميتة إذا يبست وإن قالوا: إنّها تطهر باليبس حتى لو كانت في ثوبِ صُلّي
فيه جازت صلاته، لكن إذا أصابها رب عادت نجاستها في أصح الروايتين عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، وهي مسألة الأرض إذا تنجّست ثمّ يبست وذهب أثرها طهرت، فإن أصابها بلل عادت النجاسة في أصح الروايتين، ولها نظائر.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن رجل توضاً فعض الذباب بعض أجزائه فظهر منه دم، قال: لا ينتقض وضوؤه لقلّته.
قال: وهكذا رأيت جواب قاضي القضاة محمود بن عبد العزيز بداية القرن السادس (الثاني عشر).
وسئل عمّن غُرز في عضوه شوك أو إبرة أو نحوهما فأخرج ذلك فظهر منه دم ولم يسل ظاهرا؟
قال: ينتقض وضوؤه ههنا؛ لأنّ الظاهر أنّه سال عن رأس الجرح.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن الخارج من الجرح الذي يقال له رشته؟
قال: لا ينقض الوضوء استدلالا بالدودة الساقطة عن الجرح؛ لأنّه يتولد من اللحم والبلة عليه قليلة.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن جرح ليس فيه شيء من دم أو قيح أو صديد أو ماء دخل صاحبه الحمام فدخل ماء الحمام الجرح فلما خرج من الحمّام عصر الجرح فخرج منه ماء الحمام وسال، هل ينتقض وضوؤه؟
قال: لا؛ لأنّ الخارج ماء الحمّام لا ما حصل من الجرح.
وقال نجم الدين رضي الله عنه: وردت مسألة، قالوا: إنّ أهل بلخ اختلفوا فيها ثم اتفقوا على جواب واحدٍ، وهي أنّ اثنين في سفر انتهيا إلى ماء فقال أحدهما: هو نجس وتيمّم، وقال الآخر: هو طاهر وتوضأ به، ثمّ جاء رجل توضأ بماء مطلق وأمهما فصلى بعض الصلاة ثمّ سبقه الحدث فذهب ولم يستخلف أحدهما فأتما صلاتهما وكل واحد منهما لم يقتد بالآخر، هل تجوز صلاتهما؟
اتفقوا أنّه تجوز صلاتهما؛ لأنّ كلّ واحد منهما يعتقد أن صاحبه غير طاهر وأنّ الإمام لو استخلفه لم يصلح إمامًا لي وأنّ خلف الإمام واحد وهو نفسه، والواحد متعيّن للخلافة من غير استخلاف، قال: وهذا حسن.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن إمام سبقه الحدث فانصرف واستخلف غيره، وذاك في حالة القيام وكان في صلاة المخافتة ولا يدري الخليفة أين انتهى الإمام ما يصنع في القراءة؟
قال: إن مضى من القيام قدر ما يفرغ من الفاتحة فالخليفة يقرأ أي سورة شاء، وإن كان مضى قدر ما يمكن قراءة نصف الفاتحة فالخليفة يقرأ النصف الباقي؛ لأنّ الظاهر واجب العمل به عند تعذر العمل بالحقيقة، ولا ينبغي للإمام أن يقرأ الآية التي انتهى إليها؛ لأنه قراءة بعد الحدث وهو أداء بعض الصلاة مع الحدث فتفسد صلاتهم.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن رجل في المفازة أصابته جنابة ومعه ماءً يكفي لوضوئه لا لغسله، فتيمم وشرع في الصلاة ثم سبقه الحدث فانصرف وتوضأ بذلك الماء وبنى على صلاته، قال: جازت صلاته. قيل له: أليس هذا بناء الصلاة بالوضوء على الصلاة بالتيمم؟
قال: نعم، وهو جائز ههنا؛ لأنّ كلّ واحد منهما طهارة صحيحة وهو مأمور بها، وليس هذا كمن تيمّم للوضوء عند عدم الماء وافتتح الصلاة ثم وجد الماء؛
لأنه في هذه الصورة عاد محدثًا من حين أحدث وبطل تيممه بوجود الماء، فصار كأنّه افتتحها من غير طهارة؛ أما ههنا كان تيممه للغسل وكان صحيحًا مع وجود هذا الماء، وحين أحدث وتوضأ بالماء لم يبطل تيممه الأول بل بقي معتبرًا لعدم الماء الذي يكفيه للغسل فلم يصر محدثًا من الأصل فجاز له البناء.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "إذ الأعناق في أغلالهم " خطأ؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ المعنى لم يتغيّر؛ لأنّ الأغلال إذا كانت في الأعناق كانت الأعناق في الأغلال.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته "لتفترن عمّا كنتم تسألون"؟
فقال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ المعنى لم يبتعد؛ لأنّهم كانوا يفترون في أنّهم لا يسألون يوم القيامة كما أنّهم يسألون عن افترائهم يوم القيامة.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن لا يعرف العربية ولا يقدر على تعلم القرآن بالنظم العربي ويقدر على التكلّم بالفارسيّة أو بلغة أخرى يتأدّى به معنى القرآن، هل يكلّف تعلّم تلك اللغة التي هي
غير العربية؟
قال: نعم؛ لأنّ تعلم القرآن فرضٌ لإقامة الصلاة ومذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه أنّ القرآن لا يختص بالنظم العربي، فيفترض عليه تحصيل ذلك كما يفترض تعلّم القرآن بالنظم العربي لمن قدر عليه، وعندهما يجوز قراءة القرآن بغير العربية لمن لا يحسن العربيّة، فقد وافقاه في أنّه يصير قرآنًا عند العجز عن أدائه بالعربيّة.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن كبّر يوم العيد قبل تكبير الإمام وهو يظنّ أنّه كبّر الإمام، ثمّ كبّر سائر التكبيرات مع تكبيرات المكبّرين حتى أتم الصلاة؟
قال: لا تجوز صلاته؛ لأنّه صار شارعًا في صلاة نفسه بتكبيره فلم يصر بتكبيرٍ آخر شارعًا في صلاة الإمام؛ لأنّه لم يقصد الافتتاح بل قصد البناء على الأول، ثمّ صار بترك القراءة في الركعتين مفسدًا صلاته فيلزمه قضاء ركعتين.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته "وأسرّوا واستكبروا"؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ قوله: "وأسروا" أي أظهروا، قال الله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} يونس:؛ سبأ:، جاء في التفسير أن معناه أظهروها، فيكون معناه ههنا أظهروا الكفر" فلا يبعد المعنى.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قعد في آخر صلاته مع الإمام وهو يقرأ التشهد مترسلا والمقتدي يقرأ متعجّلًا، فلما فرغ الإمام من التشهد كان هو قرأ الصلوات والدعوات.
قال: لا يكره ذلك؛ لأنّه مما لا يمكن مراعاته، فيُشترط الموافقة في أصل الفعل وهو القعود، وكذا سائر الأفعال، فأما الأذكار المشروعة في ركن فإنَّه لا يمكن اشتراط الموافقة في كل كلمة فلا يُشترط ذلك.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "أُحلّ لكم صيد البرّ" مع أنه قرأ بعد هذا: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة،.
قال: لا تفسد صلاته إذا لم يصل هذا ممَّا بعده إلى قوله: (مَا دُمْتُمْ حُرُما)، فإنّ الحلّ ثابتٌ في صيد البرّ في غير حالة الإحرام فلم يصر مخالفًا حكم القرآن.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "فألهمها فجورها وطغواها"؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّه صار كأنّه كرّر قوله: "فجورها "؛ لأنّ "طغواها" بمعنى: "طغيانها" وهو كالفجور. قال: ولو قرأ في هذه السورة: "كذبت ثمود بتقواها " تفسد صلاته؛ لأنّهم كذَّبوا بطغيانهم لا بتقواهم.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته ولو نشاء لطمسناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيَّا ولا يرجعون.
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ الطمس مذكور في حق هؤلاء أيضًا بقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) (يس،).
قال: فقال ولدي مجد الأئمة سلّمه الله وأتقاه وبلّغه أقصى مناه وهو يومئذ ابن اثنا عشر سنة: ذُكر (طَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) مع كلمة "على" فكانت اللفظة متعدّية بالصلة، وهذا الرجل ترك الصلة فينبغي أن تفسد صلاته.
قال: قلت: هي متعدّية في الأصل، قال الله تعالى: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَت) المرسلات، والطمس المحو وإذهاب الأثر، وهو في معنى المسخ، فكأنّه قرأ "المسخناهم"، ويدل عليه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا) الآية النساء، وهو مسخ، فقد عدّاه أيضًا بغير صلة.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته "ليدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور" (مكان لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا) (الطلاق،).
قال: لا تفسد صلاته وإن كان الإخراج ضدّ الإدخال؛ لأن قوله: (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور) الطلاق، يقتضي إخراجًا من الظلمات وإدخالا في النور، فكان ذكرُ أحدهما ذكر الآخر بقضيّة الصلتين وهو "من" و "إلى"؛ لأنه يفهم ذلك وإن لم يصرّخ به، فكذا بذكر الإدخال في النور يصير الإخراج من الظلمة مذكورًا اقتضاء ودلالةً، وهي نظير مسألة سئل عنها: من قرأ في صلاته: "ضرب الله مثلا للذين كفروا" مكان "آمنوا" أو "آمنوا" مكان "كفروا"؟
قال: لا تفسد صلاته وإن كان الإيمان ضدّ الكفر لهذا المعنى، أنّ الآيتين في مثل المؤمن مع
الكافر والكافر مع المؤمن، فذكر أحدهما يقتضي الآخر.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته كثيبًا "مهيبًا"؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ المعنى لم يتغيّر فإنّه يكون مهيبًا يومئذ.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "قالوا يا موسى إنا اصطفيتك"،
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ الله تعالى أخبر عن نفسه بكلمة الجمع بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ يوسف، الدخان، القدر، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) البقرة،؛ الأحزاب،، (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ) الكوثر،، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) يوسف،؛ الحجر،.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن إمام أمّ في المغرب على الوجه، فلما قعد في الثالثة قدر التشهد ظنّ بعض القوم أنها ثانية فسبح، فقام الإمام وصلى ركعة أخرى وأتم الصلاة؟
قال: جازت صلاتهم والمغرب يكون ثلاثًا والزيادة وقعت بعد تمام التشهد.
قيل له: فإن كان خلفه مسبوق وتابعه في الركعة الزائدة؟ قال: فسدت صلاته لاقتدائه بالإمام فيما ليس من صلاته.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن شرع مع الإمام في صلاة الفجر وتفاءل بقلبه أنّ الإمام لو قرأ في الركعة الأولى سورة رحمة تمّ مرادي في كذا، ولو قرأ في الثانية سورة رحمة أيضا تم لي مرادي في كذا لمراد آخر، وإن قرأ سورة عذاب لم يتم لي ذلك؛ فقرأ في الأولى "عم يتساءلون" وفي الثانية "والسماء والطارق"، كيف يكون حاله؟ يتم له المرادان أو لا يتمان، أو يتم أحدهما دون الآخر؟
فكتب في جواب الفتوى: القرآن كله رحمة وبركة، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِين} الإسراء، وقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) ص،، وعلى المؤمن أن يقوّي رجاه في حصول مراداته إذا استعان فيها بالله تعالى، فأما البناء على المذكور في السورة فالدلالة متعارضة؛ لأنّ كلّ واحدة من السورتين فيها وعد ووعيد.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "وجد عندها قومًا " مكان "رزقًا"،
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّه لا يبعد المعنى، فإنّه إذا وجد عندها قومًا فإنّ رزقهم يكون عندهم.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن يقول بلسانه عند الشروع في الصلاة قبل التكبير: در آمدم
بنماز (دخلت الصلاة)، يا مي گويد: اقتداء کردم بامام، (معناه: أو يقول اقتديت بالإمام) هل يصح؟ فإنّا نسمع بعض العلماء يقول: هذا لا يصح؛ لأنّه إخبار عن الماضي؟
قال رضي الله عنه: المعتبر هو قصد القلب، فإن كان من قصده أن يدخل في صلاة نفسه أو يشرع في الصلاة متابعًا للإمام فيها يكفيه ذلك ولا يضره خلل اللفظ كما لا يضره عدم اللفظ.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن يصلّي التراويح مع الإمام ولا يجدّد النية عند كلّ شفع؟
قال: تكبيرة شروع في مطلق الصلاة، والتراويح لا يحتاج فيها إلى نيّة الصفة بل يكفي مطلق النيّة، وانتظاره قائمًا إلى أن يكبّر الإمام نيّة منه متابعته، فقد وُجدت نيّة الصلاة والاقتداء جميعًا بهذا الطريق فيصحّ.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن الإمام يقوم في المحراب ينوي القوم الاقتداء به قبل تكبيره وبعض أهل العلم يقول: ما لم يصر الإمام إمامًا بالشروع لا يصح نيّة الاقتداء به؟
قال: نيّتهم الاقتداء به قبل تكبيره ليس إلّا قصدهم متابعته إيّاه في أداء هذه الصلاة إذا شرع فيها، وهذا تقديم النيّة على العمل وهذا هو المشروع المشروط، فإنّه تقديم النيّة على الشروع متّصلًا بالشروع.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "فصبّ عليهم ربّك صوت عذاب"،
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّه في معنى: فأخدتهم الصحّة.
قيل له: فإن قرأ: "صوط عذاب"؟
قال: لا تفسد أيضًا، والصاد تقوم مقام السين لقرب المخرج.
قيل: فإن قرأ: "سوت عذاب" بالتاء؟ قال: لا تفسد أيضًا، وتقوم التاء مقام الطاء لقرب المخرج.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "وقيل اتخلا النار مع الداخلين"؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ التاء يقوم مقام الدال لقرب المخرج وهو بخلاف من قرأ: "رحلة الشتاء والسيف" بالسين أو "نصر الله" بالسين، فإنّه تفسد صلاته عند المحققين من مشايخنا؛ لأنّه يصير
اسم شيء آخر فيتغيّر به المعنى، وهذا هو الأصل أنه متى صار الاسم لشيء آخر ويبعد به المعنى أوجب فساد الصلاة، ومتى لم يصر عبارة عن شيء آخر فإن كان الحرف من مخرج الحرف الآخر قام مقامه فلم يوجب الفساد، وإن كان من غير مخرجه أفسد، ولو بعُد المخرج ولم يتغيّر به المعنى لم تفسد أيضًا كالحليم مكان الحكيم والعظيم مكان العليم.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّا يُحكى أنّ الكعبة كانت تزور واحدًا من الأولياء، هل يجوز القول بذلك؟
قال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنّة والجماعة.
قيل له: فإن انتقلتْ بنْيةُ الكعبة إلى وليٍّ من موضعها فكيف حكم القبلة للمصلّين إليها والطائفين بها في تلك الحالة؟ قال: القبلة موضع الكعبة لا بناء الكعبة وهو بحاله.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته "ولا يغني من جيع"؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنه ذكر الفعل على وزن الفعل وهو غير مفسد، وصارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، وهو كما لو قرأ: "القيل" مكان "القول".
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "ألست بربّكم قالوا نعم"؟
قال: تفسد صلاته؛ لأنّه يصير نفيًا في موضع الإثبات.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "أفرأيتم ما تخلقون" مكان قوله: (تُمْنُونَ)؟
قال: تفسد صلاته، ويحتمل ألّا تفسد ويحمل على مثل قوله: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) العنكبوت،، وعلى مثل قوله: (أنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطَّين) آل عمران،، لكنّ الأظهر هو الفساد.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن متطوّع خلف مصلّي المغرب ظنّ الإمام الثالثة ثانية فضمّ إليها ركعة أخرى؟
قال: لا تجوز صلاة المقتدي؛ لأنّ الرابعة غير مضمونة في حق الإمام وللمقتدي مضمونة فلم يصح الاقتداء.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عن قوم جلوس في المسجد الداخل وقوم جلوس في المسجد الخارج، أقام المؤذن فقام إمام من أهل الخارج فأمهم، وقام إمام من أهل الداخل فأمّهم فالكراهة
لأيّهم؟
قال: من سبق بالشروع فهو والمقتدون به لا كراهة في حقهم.
وسئل نجم الدين رضي الله عنه عمّن قرأ في صلاته: "ذق إنك أنت العزيز الحكيم"،
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّ الآيةَ تُفسّر على وجهين، أحدهما: أنت العزيز الكريم عند نفسك، فعلى هذا أنت العزيز الحكيم عند نفسك، فلا يتغير به المعنى؛ والثاني: المراد هو العكس: أنت العزيز الكريم أي المهان الذليل، فعلى هذا الحكيم السفيه أيضًا، فلا يتغير المعنى، والله أعلم.
فتاوى شيخ الإسلام أبي الحسن عطاء بن حمزة السعدي رضي الله عنه
سئل شيخ الإسلام رضي الله عنه عن رجل دخل المسجد وقت صلاة المغرب فصلاها والمسجد مظلم، فلما فرغ جيء بالسراج فإذا هو قد صلّى إلى غير القبلة؟
قال: إن صلاها بالتحري جازت صلاته ولا إعادة عليه.
قيل له: أليس أن التحري إنما يجوز عند العجز عن معرفة القبلة بالاستدلال وذاك أولًا بالمحاريب المنصوبة ثم بالسؤال عن أهل المحلّة، وههنا كلاهما ممكنان؟
قال: أما السؤال عن أهل المحلة فذاك عند حضرتهم وخروجهم عن منازلهم، فأما ما داموا في البيوت والأبواب مغلقةً فليس عليه أن يقرع أبوابهم ويسأل خروجهم ليُروه القبلة، وعن الفقيه الإمام أبي جعفر البلخي رحمه الله أنه يقرع أقرب الأبواب إلى المسجد ويسأل صاحب البيت ولو لم يفعل لا يجزئه، وهكذا أشار في كتاب التحرّي من الأصل أنه إنما تجوز الصلاة إذا أعجزه من يعلمه.
قال: وهكذا أحفظه عن السيد الإمام الأجل الأستاذ أبي شجاع رضي الله عنه أنه قال: من القبيح " أن تستخرجهم عن منازلهم تسألهم أين قبلتكم؟ وأما الاستدلال بالمحاريب فعند النظر إليها عيانا والوقوف عليها، فأنا إذا دخل الليل المظلم وأظلم المسجد وخفيت القبلة فغير ممكن معرفة المحاريب نظرا، وفي تكليفه ممن الجدران لمعرفة المحراب حرجٌ، فقد تقع يده في تلك الحالة على بعض الهوامّ اللاصقة اللاسعة على الجدار، وقد تكون في أطراف الزوايا طاقات توهمه أنها المحاريب فيشتبه عليه الأمر، وقد يكون المحراب معلمًا بالخطوط والنقوش دون الطاقات الداخلة في الحوائط من خشب فلا يُعرف ذلك بالمس دون الرؤية، على أنه تدلّ على صحة ما نقول مسألة ذكرها محمد رحمة الله عليه في
كتاب الصلاة: «لو أنّ جماعة صلوا في المفازة عند اشتباه القبلة في ليلة مظلمة بالجماعة بالتحري وتبين أنهم صلوا إلى جهات مختلفة، قال: من تيقن بمخالفته إمامه في الجهة حالة الأداء لم تجز صلاته، ومن لم يعلم عند الأداء أنه يخالف إمامه في الجهة فصلاته صحيحة»، ولم يشترط للجواز مسه إمامه ليعلم إلى أي جهة يصلي، فثبت أن طلب ذلك ليس بشرطٍ، وكذا المذهب عند أصحابنا أن طلب الماء ليس بشرط لجواز التيمم، فهذا نظيره.
وحكى في هذا المجلس أنّ أبا حنيفة رحمة الله عليه لما حج حجه الأخير قال في نفسه: لعلّي لا أقدر على أن أحج مرة أخرى، فسأل حجبة البيت أن يفتحوا له باب الكعبة ويأذنوا له بالدخول ليلًا ليقوم فيه، فقالوا: إنّ هذا أمر لم يكن لأحد ولك زيادة حرمة لسبقك وتقدمك في العلم واقتداء الناس كلهم بك، ففتحوا له فدخل، فقام بين العمودين على رجله اليمنى ووضع قدمه اليسرى على ظهر رجله اليمنى، حتى قرأ القرآن إلى المنصف، وركع وسجد، ثم قام على رجله اليسرى، ووضع قدمه اليمنى على ظهر رجله اليسرى، حتى ختم القرآن، فلمّا سلّم بكي وناجي ربه وقال: إلهي، ما عَبَدَك هذا العبد الضعيف حقّ عبادتك، لكن عرفك حق معرفتك، فهب نقصان خدمته بكمال معرفته فهتف هاتف من جانب البيت يا أبا حنيفة أخلصت المعرفة وخدمت فأحسنت الخدمة، وقد غفرنا لك ولمن اتبعك ولمن كان على مذهبك إلى يوم القيامة.
وقال شيخ الإسلام: سألت السيد الإمام الأجلّ الزاهد الأستاذ أبا شجاع والشيخ القاضي الإمام الأجل الحسن الماتريدي" عن المصلي إذا فرغ من التشهد في القعدة الأولى من الظهر ونحوه وشرع ناسيا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تذكر فقام إلى الثالثة، هل عليه سجود السهو؟ قالا: نعم، كما هو جواب مشايخنا، إلا أن السيد الإمام الأجل قال: إذا قال: "اللهم صل على محمد" فهو كلام تام ويحصل به تأخير القيام، والشيخ القاضي الإمام الأجل الحسن قال: ما لم يقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه يحصل به التكثير فيتحقق التأخير.
وقال نجم الدين رضي الله عنه: حكى شيخ الإسلام في السبق عند ذكر هذه المسألة: "ويوضع على اللحد اللبن والقصب ويكره الآخر والخشب: إنّ السيد الإمام الأجل الزاهد الأستاذ أبا شجاع رضي الله عنه كان يدرس في المدرسة الخاقانية ويمكث في الحجرة التي كانت فيها كتبه، فقال لي يوما بعد الفراغ من السبق: إن بي وحشة فأخرج وأنطلق إلى داري، فاستتبعني فخرجنا، فإذا نحن بجنازةة، فسألنا عن صاحبها فإذا هو عثمان البنفسجي السمرقندي مريد السيد الإمام الأجل ومريد الأئمة
والفقهاء المعتنى بشأنهم والمهدي إلى جميع الأئمة ذهنَ البنفسج وغيرها، فاغتنمنا الصلاة عليه وشهدنا دفنه، فإذا نحن بأجزات اتَّخذها بنفسه وقرأ على كل واحدة منها أكثر من عشرة آلاف مرة سورة الإخلاص تحمل لتوضع على لحده، فقال السيد الإمام يكره ذلك، فقالوا: إنَّه أوصى بذلك راجيًا بركة ما قرأ عليها، فقال رضي الله عنه: أما إذا كان كذلك فضعوا على لحده اللبن واجعلوا عليه شيئًا من التراب حتى يتم القبر ولا يحصل شيء من المكروه، ثم ضعوا فوقه الأجزات تنفيذا لوصيته وتحقيقا لأمنيته، ثم قال: ظهر لي أنه ما كانت وحشتي في حجرتي وميلي إلى الخروج إلا لهذه الحادثة، حتى صلينا عليه ومنعنا هؤلاء عما كان لا يحل في الشرع وخلصنا عن ارتكاب المحظور هذا الشيخ المحسن إلى أهل العلم، وذلك ببركة اعتقاده فيهم وإحسانه إليهم واعتنائه بهم، والله لا يضيع أجر المحسنين.
وسئل شيخ الإسلام رضي الله عنه عن مسجد دخله بعض أهله وأذنوا أو أقاموا في المسجد على المخافتة بحيث لم يسمعه أحدٌ خارج المسجد وصلوا فيه بجماعة، ثم حضر الباقون وأذنوا وأقاموا على الوجه وهم غير عالمين بحال الأولين ثم علموا به، هل لهم أن يصلوا فيه بجماعة؟
قال: نعم، ولا عبرة للجماعة الأولى؛ لأنها أقيمت لا على وجه السنة بإظهار الأذان والإقامة، فلا يبطل حق الباقين.
قال: وسمعت السيد الإمام الأجل الزاهد الأستاذ أبا شجاع رضي الله عنه يقول: كنت أرى كسالى القوم ببخاري، يدخلون المسجد عند طلوع الشمس يصلون الفجر، وكنت على أن أمنعهم عن ذلك، فسألت أولا عن هذا الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة أبا محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني وقلت: هل أزجرهم عن ذلك؟ قال: لا، لأن الغالب من هؤلاء أنهم إذا منعوا عن ذلك وأمروا أن يمكثوا في المسجد إلى ارتفاع الشمس أو يرجعوا لم يحضروا إذا ارتفعت الشمس ولم يصلوا في موضع آخر بل تركوها أصلا، ولو صلوها في هذه الحالة فقد أجازه أصحاب الحديث، ولا شك أن الأداء في وقت يجيزه بعض الأئمة أولى من الترك أصلا.
وسئل شيخ الإسلام عن افتتاح الصلاة بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، هل يصح على قول أبي حنيفة رحمة الله عليه؟
قال: لا؛ لأنّ فيه معنى الدعاء، فإنّ قوله: "أعوذ بالله" بمعنى قوله: "اللهم أعذني"، والتسمية للتبرك، فكأنّه قال: اللهم، بارك لي في هذا.
فقيل له: لو قال: "سبحانك اللهم وبحمدك" وأراد به الافتتاح، هل يصحّ على قول أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما؟
قال: نعم، وهذا وقوله: "سبحان الله" سواء.
وفي فتاوى الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله: إذا افتتح الصلاة بقوله: "الرحمن" يصير شارعًا عند أبي حنيفة رحمة الله عليه بمنزلة قوله: "الله"، ولو افتتح بقوله: "الرحيم" لا يصير شارعًا؛ لأنّه من الأسماء المشتركة.
وسئل شيخ الإسلام عن المصلي إذا تحوّل من الشمس إلى الظل ومشى خطوةً أو خطوتين؟
قال: في زمان الصيف لا يكره وإن كان في زمان الشتاء يتحوّل من الظل إلى الشمس يكره؛ لأنّ في الأول دفع الأذي، وفي الثاني جلب الراحة.
وسئل شيخ الإسلام رضي الله عنه عمّن صلى حاسر الرأس بلا عمامة وهو يجد ذلك؟
قال: إن كان ذلك تهاونا بحال الصلاة كُره ذلك، وإن كان يفعل ذلك تذلّلًا وتضرعًا إلى الله تعالى يُستحب له ذلك.
وسئل رحمه الله عمّن تفكّر في صلاته فتذكَّر حديثًا أو سبقًا أو شعرًا قد نسيه أو أنشأ كلامًا مرتبا من خطبة أو رسالة ولم يتكلّم بلسانه؟
قال: لا تفسد صلاته؛ لأنّه من عمل القلب وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يعملوا به»، ولكن يكره ذلك كله لترك الخضوع والخشوع، قال رضي الله عنه: ولأنه يفوت به الإخلاص، وقد قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة،).
وسئل رحمه الله عمّن قرأ آية السجدة بين قوم وسمعوها؟
قال يسجدونها معه إذا سجد، ولا يشترط تقدّمه ولا تسويتهم الصفت خلفه؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال لذلك الرجل: "كنت إمامنا، لو سجدت لسجدنا"، وذلك يحصل بأن يسجدوا معه، لا قبله ولا بعده.
وسئل رحمه الله عن المقتدي إذا نام في القعدة الأخيرة ثم استيقظ بعد ما فرغ الإمام وسلّم؟
قال: يقرأ ما بقي عليه من التشهد ويسلّم إن علم بذلك، فإن لم يتذكَّر إلى أيّ موضع انتهى فإنّه لا يستقبل التشهد بل يسلّم بناءً على ظاهر الحال.
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عمّن قرأ آية السجدة في صلاة وقبل أن يسجد لها فعل فعلا تفسد به الصلاة، هل عليه أن يسجد لما تلا؟
قال: نعم؛ لأنّه لمّا فسدت صلاته بقي مجرّد تلاوة ليست من أفعال الصلاة، فكانت السجدة غير صلاتيّة فيؤديها خارج الصلاة.
قيل له: فإن تلاها فيها فسجد لها ثمّ فسدت تلك الصلاة العارض هل تفسد تلك السجدة؟
قال: لا؛ لأنّ التلاوة قد صحّت وأداء السجدة قد صحّ فيسقط به الواجب، وما وُجد من المفسد فإنّه لا يفسد كلّ جزء بحياله، لكن يفسد الجزء الذي يلاقيه فيمنع بناء الباقي عليه، فأما السجدة المؤداة فلا تفسد بعينها ولكن يسقط اعتبارها في حق الصلاة؛ لأنّها لم تتم، ودليل ذلك أنّ الخليفة المسبوق إذا قهقه في موضع سلام الإمام وعليه من صلاة نفسه ركعة أو أكثر، تفسد صلاته لعجزه عن بناء الباقي عليه ولا تفسد صلاة الذين أدركوا أوّل الصلاة وصلوا معه، فدلّ أنّ كلّ فعل من أفعال الصلاة لا يفسد عينه، لكن فساد صلاته بما قُلنا.
وسئل شيخ الإسلام رضي الله عنه عن رجل صلّى مع الإمام ما أدرك معه وقد فاته شيء، فلمّا سلّم الإمام سلّم معه ساهيًا، ثم قام وكبّر ينوي استقبال الصلاة؟
قال: لا يكون استقبالا بل يكون بناء؛ لأنّ السلام لم يخرجه عن حرمة الصلاة.
وسئل رضي الله عنه عمّن خلف وقال: إن صلّيتُ الظهر اليوم بجماعة فامرأته طالق وإن لم أصلّها بجماعة فعبده حرّ، فأدرك الآخرين مع الإمام وقضى الأوليين بعد فراغ الإمام في أيّ اليمينين يحنث؟
قال: إن كان عنى عند اليمين أداء كلّ الظهر مع الإمام لم يحنث في يمين الطلاق وحنث في يمين العتاق، وإن عنى أداء البعض فعلى القلب، وإن لم يكن عنى شيئًا لم يحنث في أحدهما؛ لأنّه إن أدرك ركعة لم يكن مصلّيًا بجماعة ولم يقع الطلاق، فإن للأكثر حكم الكل، فأما الشطر فقد اشتبه فيه الأمر، فتعذر إلحاقه بالكل؛ لأنه ليس بالأكثر، وتعذر إعدامه؛ لأنه ليس بالأقل.
قال نجم الدين رضي الله عنه: فقلت له: وكان أقنى بعض أئمة أهل العصر بوقوع الطلاق دون العتاق، قال: لأنه حانث لا محال؛ " لأنه لا واسطة بين الأداء بجماعة وبين عدم الأداء بجماعة، والطلاق أسرعهما ثبوتا، فكان أولى بالقضاء به.
قال: قلت: وكان أفتى بعضهم بوقوعهما احتياطاً لإثبات الحرمة، وألحق الموجود من وجه بالموجود من كل وجه، وجواب القول الأول: إنّ بين الأمرين واسطة و هو أداء البعض، ولأنه إن جعل حانثًا في أحدهما فالمستحق من الشخصين مجهول تعذر القضاء وجواب القول الثاني: إنّ الاحتياط إنَّما يجب بعد تحقّق سبب الحرمة، ولم يوجد لعدم كمال الشرط.
وسئل شيخ الإسلام رضي الله عنه عن الجنازة يُصلّى عليها وهي خارج المسجد والإمام والقوم في المسجد، هل يكره ذلك كما يكره عندنا الصلاة عليها وهي في المسجد؟
قال: كان مشايخ سمرقند لا يكرهون ذلك ويصلون في الجامع والجنازة على باب المسجد حتى ورد عليهم السيّد الإمام الأجل الأستاذ أبو شجاع فرأى ذلك منهم فقال: ما لهم، يصلون على الجنازة في المسجد؟ قالوا: إن مشايخنا استجازوا ذلك، قال لهم: وقد تقدمهم مشايخ لنا لم يجوزوا ذلك، قالوا: ومن هم؟ قال: إمام الأئمة أبو حنيفة وأصحابه، قال فاتفقوا على أن بنوا وراء المقصورة سقيفة توضع الجنازة فيها ويقوم الإمام وصفوف من الناس في هذه السقيفة، ثم يتصل بهم الصفوف التي في الجامع، والحاصل أن إدخال الجنازة في المسجد والصلاة عليها يكره عندنا، ووضع الجنازة على باب المسجد والإمام والقوم في المسجد فيه اختلاف المشايخ، ووضع الجنازة خارج المسجد وقيام الإمام وصفوف معه ثم اتصال صفوف المسجد بهم غير مكروه.
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل ضرب يده على الأرض للتيمم ورفعهما فقبل أن يمسح بهما وجهه وذراعيه أحدث بريح أو صوت أو نحو ذلك ثم مسح بهما وجهه، هل يجوز ذلك التيمم؟
قال: وقعت هذه المسألة أيام أستاذنا فقال الشيخ القاضي الإمام المنتسب إلى اسبيجاب: يجوز التيقم بمنزلة من ملأ كفيه ماء للوضوء فأحدث ثم استعمله في بعض أعضاء الوضوء صح ذلك، وقال السيد الإمام الأجل أبو شجاع رحمه الله: لا يجوز؛ لأن الضربة من التيمّم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين"، فقد أتى ببعض التيمم ثم أحدث فينقضه كما ينقض الكل إذا حصل بعده بمنزلة الوضوء إذا حصل الحدث في خلاله نقض ما وُجد كما ينقضه بعد
تمامه إذا حصل، والله أعلم.
فتاوى الشيخ الإمام الزاهد أبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمه الله
قال: سئل محمد بن مقاتل الرازي عن بعر الفارة وقع في الحنطة فطُحنت الحنطة وهو فيها، قال: الدقيق طاهر ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وكذا لو وقع في دهن أو نحوه لا يتنجس ما لم يتغير الطعم أو اللون أو الريح دفعا للحرج.
وقال: رُوي عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه قال: أكره سؤر الفارة ولا أرى ببولها بأسًا؛ لأنه لا يمكن الامتناع عنه.
وسئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن بول السنور،
قال: من يقدر على الامتناع عنه؟ وقال غيره: إنه نجس يجب الامتناع عنه.
وسئل شاذان عمن عصر عنبا فأدمى رجله فسال في العصير والعصير سائل ولا يتبين أثر الدم فيه؟
فقال: لا ينجس، وهذا على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما كما في الماء الجاري.
وسئل أبو نصر عن عنقودٍ أكل بعضه كلب، قال: يُغسل ثلاثًا ويطهر، وكذا يُفعل بعد يبس العنقود.
وسئل أبو نصر رضي الله عنه عمّن يغسل الدابّة فيصيبه من مائها أو عرقها؟
قال: لا يضره ذلك. قيل له: فإن كانت مرغت في بولها وروثها؟ قال: إذا جت وتناثر منه وذهب عينه لا يضره أيضًا.
وقال أبو نصر بن سلّام: رُوي عن أبي يوسف في لحمٍ طُبخ بخمرٍ أو بماءٍ نجس؟
قال: يُغلى بالماء الطاهر ثلاث مرات ويبرّد في كلّ مرّة، وتبريده بمنزلة عصر الثوب في كلّ غسلة، وبمنزلة انقطاع التقاطر في غسل ما لا يمكن عصره.
وسئل محمد بن سلمة رحمه الله عن المستحاضة أو صاحب الجرح السائل إذا أصاب الثوب أو
العضو ولا ينفع الغسل للإصابة ثانيًا وثالثًا،
قال: يسقط الغسل وتجوز الصلاة معه دفعًا للحرج.
وسئل أبو جعفر عن خفٍّ بطانتُه من الكرباس فدخل في خروقه ماء نجس، قال: يملؤه ماءً طاهرًا ثلاث مرّات ويهريق في كلّ مرّة ويمكث حتى ينقطع التقاطر ويطهر، وقال: هذا أبلغ من العصر في كلّ مرّة؛ لأنّه إنّما يُحتاج إلى العصر لأنّ الثوب مجموع غير مبسوط، فلا يطهر إلّا بالعصر.
وسئل أبو القاسم أحمد بن حم رحمه الله عن ثوب نجس غُسل ثلاث مرّات وعُصر مرّة، قال: يطهر، وأهل الحمّام يفعلون كذلك فصار عرفًا، وهذا إذا كانت النجاسة غير مرئية، فأما إذا كانت مرئية فإنّه لا يطهر إلّا بزوال العين، ولا يضرّ بقاء الأثر.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن وضع العجين على القرحة، فقال: لا بأس إذا عُرف منه الشفاء، وكذا أمثاله، ولا فرق بين هذا وبين الأكل؛ لأنّه لشفاء الجوع.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن وضع القدم الرطبة على الأرض اليابسة النجسة،
فقال: لا بأس إذا كانت صلبة، وكذا على اللبد النجس، ولو كان على العكس يتنجس، والفرق ظاهر.
وسئل أبو القاسم رضي الله عنه عن جِرَّة البعير، قال: هو كسرقينه؛ لأنّه واراها في جوفه ثم أعادها، وما خرج من موضع النجاسة فهو نجس.
وفي العيون عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه في امرأةٍ صلّت ومعها صبيٌّ ميّت، فإن كان لم يستهلّ فصلاتها فاسدة غُسل أو لم يُغسل، وإن استهلّ فإن لم يغسل فصلاتها فاسدة أيضًا، وإن غُسل فصلاتها تامة؛ لأنّه قد طهر بالغسل.
وفي العيون إذا خرج رأس الولد وصاح، ثم خرج بعد ذلك ميّنا لا يحكم فيه بحكم من خرج أكثر البدن.
وقال نجم الدين رضي الله عنه: يُحكم بحياته؛ لأنّ الرأس أصل في هذا الباب، وجواب الكتاب فيما إذا ولد منكوسًا وخرج مقدار الرأس واستهل في البطن فإنّه لا يحكم بحياته، وأما إذا خرج أكثر البدن واستهل يحكم بحياته وإن كان الاستهلال في البطن؛ لأنّ الأكثر له حكم الكل.
وحكم الحياة: التسمية والغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن على وجه السنّة؛ وفي بحياته لا يُسمّى ولا يغسل على وجه السنّة ولكن يُلف في ثوب ويدفن في موضع.
وإذا تحرّك بعد الولادة أو تنفّس ولم يستهلّ يحكم بحياته أيضًا، وإذا استهل في البطن أو تحرّك فيه لا يحكم بحياته إذا وُلد ميّتًا.
وسئل نصير بن يحيى رحمه الله عن قطرة من خمر وقعت في الماء القليل ثم صُبّ ذلك الماء في الخمر ثم صارت خلًّا،
قال: لا يطهر؛ لأنّ الماء إذا تنجس لا يتغيّر عن نجاسته أبدًا.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله هذا الجواب إنّما يصلح لو كانت في الماء نجاسة غير الخمر، فأما نجاسة الخمر تزول إذا صار خلًّا.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عن فأرة وقعت في الخمر وماتت فيها ثم أُخرجت فصارت خلًّا،
قال: قال بعضهم: الخلّ طاهرا مباحًا، وقال بعضهم: لا يصير مباحًا، وقال بعضهم: إذا لم تتفسّخ فيها صار طاهرا، وإن تفسخت فيها لا يصير مباحًا؛ لأنّه قد بقي فيها جزء منها.
فسألتُ نجم الدين رضي الله عنه وقلت: أيّ الجوابات أصح عندكم؟ يُبيِّن مأجورًا، فقال: الصحيح عند عامة مشايخنا أنّه لا يطهر؛ لأنّ الخمرية تزول بالتخلّل، فأما نجاسة الفأرة فلا تزول به، فتبقى النجاسة لبقاء المُنجس.
وسئل نصير بن يحيى رحمه الله عمّن اغتسل من الجنابة وبين أسنانه طعامٌ لم يصل الماء إليه.
قال: أرجوا ألا بأس به، وهذا عندي بمنزلة الوسخ الذي في الأظافير ولم يصل الماء تحته؛ لأنّ هذا قليل، وفي إيصال الماء إلى ذلك حرجٌ.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وقد قال بعض الناس في الوسخ الذي بين الأظفار: إن كان قرويًّا يجوز، وإن كان مدنيًّا لا يجوز؛ لأنّ القروي يكون بين أظفاره طين، والطين يجاوزه الماء، والمدني يكون بين أظفاره دسومة، فلا يصل الماء تحته.
ورُوِي عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنّه قال في ماء المطر: إذا مرّ بعذراتِ ثم استنقع في موضع فخاضه إنسان ثم دخل المسجد فصلّى، قال: لا بأس به، وهذا إذا لم يظهر أثر النجاسة فيه باللون
أو الطعم أو الريح على ما مرّ.
وسئل أبو بكر الإسكاف رحمه الله عن رجل جامع امرأته فيما دون الفرج فدخل من مائه فرج المرأة، هل عليها غسل؟ قال: لا.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن غُسالة الميّت إذا أصاب الإنسان، ما حكمه؟ قال: الغاسل ما دام في معالجة الغسل فإنّه لا ينجّسه؛ لأنّه لا يمتنع عنه، وأما المستنقع منه فما أصاب منه فإنّه ينجسه؛ قال: ولا فرق بين غُسالة الحيّ وبين غُسالة الميت، فما ترشّش منه في حالة المعالجة فلا بأس به، والمستنقع منه نجسٌ.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن الماء الذي يسيل من فم النائم وأصاب الثوب؟
قال: إن كان ذلك من ماء الفم فهو طاهر وهو ريقٌ، وإن كان منبعثًا من الجوف فهو قيء، إذا كان ملأ الفم ينجس ما أصاب، ويُعرف ذلك باللون.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: الغالب أنّ الماء الذي يخرج من الفم في حال النوم يتولّد من البلغم، ويكون ذلك طاهرا عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما وبه نأخذ.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن رجل دخل المشرعة وتوضّأ ولم يكن له نعلان فوضع رجله على ألواح المشرعة،
قال: لا يجب عليه غسل القدمين ما لم يعلم أنّه وضع رجله على الموضع النجس؛ لأنّ فيه ضرورةً وبلوًى، ألا ترى أنّ من دخل الحمام واغتسل ثم خرج منه بغير نعل لا بأس به ما لم يعلم أنّه وضع قدمه على موضع نجس؟ كذلك ههنا.
قال الفقيه رحمه الله: وبه نأخذ.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن كلب مشى على الثلج، فوضع رَجُلٌ قدمه على ذلك الموضع؟
قال: هو طاهر.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إن لم يكن الثلج رطبًا فلا بأس به، وإن كان رطبًا صار نجسا.
وسئل أبو نصر منصور بن جعفر رحمه الله بسمرقند عن الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو ثوبه، هل يُنجس؟
قال: إن أخذ في حال الغضب لا ينجس؛ لأنّه يأخذ بأسنانه، وفي حال المزاح ينجس؛ لأنه يأخذ بشفتيه فتصل الرطوبة إليه، والمعني الصحيح فيه أنّه إن ظهر لعابه على الثوب أو على العضو ينجس، وإلّا فلا.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عمّن غمس يده في سمنٍ نجسٍ ثم غمس يده في الماء الجاري ثلاث مرات ويبقى أثر السمن عليه؟
قال: زالت النجاسة وبقي السمن على يده طاهرًا، كما رُوي عن أبي يوسف رحمة الله عليه في الدهن تصيبه النجاسة فجُعل في إناءٍ فصُبّ فيه الماء ثلاث مرّات ويُحرّك فيه فيعلو الدهن على الماء فيطهر بالمرة الثالثة، كذا ههنا.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عمّن رعف أو سال من جرحه دمٌ ولا ينقطع، هل يجوز له أن يتوضأ ويصلّي مع سيلان الدم؟
قال: ينبغي له أن ينتظر إلى آخر الوقت، فإن لم ينقطع الدم توضأ وصلى قبل خروج الوقت وإن كان الدم سائلًا، وإذا توضأ وصلّى فإن خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى وانقطع الدم يتوضأ ويعيد الصلاة، وإن لم ينقطع في وقت صلاة الثانية حتى خرج الوقت جازت صلاته؛ لأنّ الدم إذا كان سائلًا مقدار وقت صلاة صار صاحب عذر.
وروي بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله في رجل غرف من حوض الحمّام وعلى يده نجاسة وكان الماء ينصبّ من الأنبوب في الحوض والناس يغترفون من الحوض؟
قال: لا ينجس، وكان بمنزلة الماء الجاري، وهكذا قال محمد بن سلمة رحمة الله عليه.
وسئل محمد بن مقاتل رحمه الله عن بول الصبيّ على الأرض كيف يُغسل؟
قال يُصب الماء عليه ويُدلك ويُنشف ذلك الماء بصوف أو خرقة، يُفعل ذلك ثلاثًا ويطهر، ولو لم يُفعل ذلك ولكن صُبّ عليه ماءٌ كثيرٌ ثم تنشّفه الأرض فهي طاهرةٌ، وهو على نحو ما جاء به الأثر أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بصبّ ذنوبٍ من ماء على بول الأعرابيّ في المسجد؛ قال: ورُوي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل ذلك.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عن بساطٍ نجس أو ثوبٍ نجس كبير جُعل في نهر كبير وتُرك فيه حتى
جرى الماء عليه، قال: صار طاهرًا.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عن البول في الماء الجاري، هل يكره ذلك؟
قال: قد رخص فيه بعض العلماء، ويُحكى عن بعض العلماء أنّه كانت داره بقرب النهر وكان يبول في النهر ويقول: أكثر ماء أهل الرساتيق.
قال: ورُوي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه ما يدلّ على أنّه كره ذلك؛ لأنّه قال في جاهلٍ بال في الماء الجاري: فيتوضأ إنسان أسفل منه، جاز وضوؤه إن لم يظهر فيه أثر البول، فقوله: "في جاهل بال في الماء" دليل أنّ ذلك فعل الجاهل وأنّ العالم لا يفعل ذلك.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن مريض لا يمكنه الوضوء والتيمم وله امرأة أو جارية، أيجب عليهما أن توضياه؟
قال: أما مملوكته فعليها طاعته وخدمته من الوضوء وغيره، وليس على امرأته ذلك، فإن لم تكن له مملوكة وله امرأة فهي كسائر المسلمين في ذلك، وجب عليها إعانته لقوله تعالى: (تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) المائدة،.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن السكران إذا أفاق هل يجب عليه الوضوء؟
قال: نعم.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إن سكر بحالٍ لا يعرف الرجل من المرأة انتقض وضوؤه.
وسئل محمد بن مقاتل رحمه الله عن حمارٍ شرب من العصير؟
قال: لا بأس بشربه.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا خلاف قول أصحابنا، ولو أخذ إنسان بهذا القول أرجو ألّا بأس به.
وسئل أبو بكر الإسكاف رحمه الله عن رجل امتخط في ثوبه فوجد في ذلك أثر الدم، هل يُنجس الثوب؟ قال: نعم.
قيل له: إن أبا عبد الله القلاس كان يقول: إنّ الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح فهو طاهر، فقال
أبو بكر: إياك وزلّة العالم.
قال الفقيه أبو الليث كان الفقيه أبو جعفر رحمهما الله يقول: هو نجس سواء كان الدم سائلًا أو لم يكن كما قال أبو بكر، وقد قال جماعة من أصحابنا: إنّ كلّ دم لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، وكذا القيء إذا كان أقل من ملء فيه.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن الدم إذا خرج من أنفه ولم يظهر فأدخل إصبعه فيه فظهر الدم على إصبعه، قال: إذا خرج الدم إلى موضعٍ يجب إيصال الماء في الجنابة إليه، يجب عليه الوضوء.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن بئرٍ في الطريق يحضرها الصبيان والرستاقيّون والمُكاريون، ويضعون أيديهم على الدلو، هل يجوز أن يُتوضأ من ماء تلك البئرِ؟
فقال للسائل: أرأيت لو كانت قصعة ثريد، أكنت تأكل مع الصبي والرستاقي والمكاري؟ قال: نعم؛ قال: فلمّا كنت لا تمتنع عن الأكل معهم فكذلك الوضوء بذلك الماء، فما لم تظهر النجاسة على يده فهو طاهرٌ.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن رجلٍ يستنجي فيجري ماء استنجائه تحت رجليه، أيصلّي مع الخت؟
قال: إن لم يكن خفه متخرّقًا رجوتُ أن يتّسع الأمر في ذلك، وإن كان الخف متخرّقًا فدخل خفّه فإنّ ذلك يُنجس رجله ولفافته وداخل خفّه.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: لأنّ الخفّ إذا لم يكن متخرّقًا فإنّ الماء الآخر يطهّر خفه كما يطهر موضع استنجائه.
ورُوي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنّه كان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسُمع صوت حدث، فقال عمر رضي الله عنه: من فعل هذا فليُعد الوضوء، فقال جرير رضي الله عنه: بل كلنا نتوضأ، فقال عمر رضي الله عنه: يا جرير، كنتَ سيّدًا في الجاهليّة، فقيهًا في الإسلام.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا على وجه الاستحباب، فأما على طريق الحكم إذا تيقن كلّ واحد منهم أنّ الحدث لم يكن منه لا وضوء على واحدٍ منهم، وهذا كما قالوا في كتاب التحرّي في عشرة
نفر لكل واحد منهم جارية فأعتق واحد منهم جاريته، ثم نسوا جميعًا المعتق والمعتّقة: فلكل واحد منهم أن يطأ جاريته، كذا هذا.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن رجل أصابته نجاسة في بعض أعضائه فلحسها بلسانه حتى ذهب أثرها؟
قال: يطهر، وكذلك الهرّة إذا أكلت الفأرة ثم شربت الماء من إناءٍ، فإن كانت شربت بعد ما تردّد الريق في فمها فهو طاهر، وإن شربت في فورها ذلك صار الماء نجسًا، ومن شرب الخمر ثم شرب الماء فهو على هذا، وكذا الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص بعد ذلك مرارًا فإنّه يطهر.
قال الفقيه أبو الليث رحمة الله عليه: وأصل هذا ما رُوي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يصغي الإناء للهرة فتشرب منه ثم يتوضأ منه، وقد علم أنّ الهرّة قد أكلت الفأرة قبل ذلك، فلو لا أن فمها صار طاهرًا بريقها لما فعل ذلك، فكذا كلّ ما كان على نحو هذا.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن بول الهرّة إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم؟
قال: لا تجوز الصلاة معه.
قيل له: من لم يغسله وصلّى فيه، هل نأمره بالإعادة؟
قال: لا، وقال بعض الفقهاء حين سئل عن بول الهرة من يقدر على الامتناع عنه؟
قال الفقيه أبو الليث: وقد رُوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر رحمهم الله أنّ الهرة إذا بالت في البئر ينزف ماء البئر كله، وقال شدّاد: سألت محمد بن الحسن عن بول الهرّة إذا أصاب الثوب، قال: يفسده، وبهذا نأخذ.
وسئل نصير بن يحيي رحمه الله عن بيضةٍ وقعت من الدجاجة، فوقعت في الماء من ساعتها؟
قال: يُنتفع بالماء ما لم يُعلم عليها قذر.
وقال أبو بكر الإسكاف رحمه الله: إذا وقعت في الماء وهي رطبة فسد الماء، وإذا وقعت بعدما يبستْ لا يفسد، والسخلة ونحوها على هذا.
قال الفقيه أبو الليث: هذا الجواب يوافق قول أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما، فأما على قياس قول أبي حنيفة رحمة الله عليه فالبيضة طاهرة رطبةً كانت أو يابسةً، وكذا السخلة؛ لأنها كانت في معدنها ومضانها، كما قال في الإنْفَحَة إذا خرجت بعد موتها.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن حيّة تموت في الإناء، قال: إن كانت بريّةً تفسد الماء، وإن كانت مائية لا تُفسده.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله إن كان لها دم سائل يفسد الماء، وإن لم يكن لها دم سائل لا يفسد الماء، وكذا الضفدع، وبه نأخذ.
وقال نصير رحمه الله: سألتُ شدّادًا عن حوض فيه عصير عشرة في عشرة بال فيه إنسان، قال: هو كالماء، ما لا يُفسد الماء لا يفسده.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن عظام اليهود، هل لها حرمة إذا وجدت بعد وفاته في قبورهم؟
قال: من كان في ذمتنا في حياته فبعد موته وجب صيانة نفسه عن الكسر والنبش.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عن رجلٍ أصاب بعض جسده بولٌ فبلّ يده ثلاث مرّات ومسحها على ذلك الموضع، قال: إن كانت يده متقاطرة يطهر الموضع.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن جلد الإنسان وظفره وقع في الماء القليل، قال: إن كان قليلا لا يفسد والكثير يفسد، والكثير مقدار الظفر.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن امرأة سعّرت التنّور ثم مسحت التنور بخرقة مبتلّة نجسة ثم خبزت فيها، قال: إن أكلت النار تلك البلّة قبل إلصاق الخبز بالتنور رجوتُ أن يكون الخبز طاهرًا، وإن كانت البلة قائمة حين ألصقت الخبز بالتنور فالخبز نجس.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: كان الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليه يقول: إذا صلّى الرجل ومعه شعر إنسان أكثر من قدر الدرهم لم تجز صلاته، وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول: يجوز، و به نأخذ.
وسئل عبد الله بن المبارك رحمه الله عمّن بإصبعه قرحة فأدخل المرارة في إصبعه وهي تجاوز موضع القرحة ويمسح عليها؟
قال: هذا مما لا بدّ منه.
قال الفقيه: وبه نأخذ، وعلى هذا أمثالها، وإذا مسح على العصابة فله أن يمسح على موضع الجرح وعلى جميع العصابة، وإذا سقطت العصابة ثم بدّل بعصابة أخرى، إن لم يمسح عليها أجزأه.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن رجلٍ أقعده المرض فلا يستطيع الحركة وعنده من المال مقدار ما يستأجر أجيرًا يوضئه، أو كان بحضرته من المسلمين من لو استعان به أعانه ولا يدخل عليه الضرر، قال: لا يعذر في ترك الوضوء وليس له أن يتيمم، وهو بمنزلة المسافر معه رفقاء ومعهم ماء، فلو كان بحال لو سألهم أعطوه لا يجوز له التيمم، كذا هذا، بخلاف المريض الذي لا يقدر على الصلاة قائمًا ومعه قوم لو استعان بهم أعانوه على الإقامة، يجوز له أن يصلّي قاعدًا؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان صلى قاعدًا لشكواه، ولو استعان بالناس لأعانوه؛ ولو وضأه رجلٌ بغير إذنه صار متطهّرًا ويصير فعل غيره كفعله، ولو أقامه رجل في الصلاة وحرّكه بغير إذنه في جميع أفعال الصلاة لا يجوز عن صلاته، وحكم العريان كحكم الماء عليه أن يستعين بمن يكسوه.
ورُوي عن بعض السلف أنّه قال في المرأة الحائض يُستحب لها أن تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة، وتجلس عند مسجد بيتها وتسبّح وتهلّل؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ورُوي عن بعض الصحابة أنّه قال: «إذا فعلت ذلك كُتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي في حال الطهر».
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وإنّما يُستحبّ لها ذلك كيْلا تزول عنها عادة العبادة.
وسئل أبو بكر رحمه الله عن الولد إذا خرج بعضه، هل يكون حكمها حكم النفساء؟
قال: إذا خرج أقله لا يكون حكمها حكم النفساء ولا تسقط عنها الصلاة.
قال: وتعلّمتُ من نصير مسألة مررتُ بمسجده يوما فرأيتُ امرأتين تسألانه عن امرأةٍ خرج بعض ولدها، قال: إذا خرج أقلّه يُؤتى بقدرٍ فيُجعل تحتها أو تُحفر تحتها حفيرة فتجلس هناك، وتجعل رأسه في ذلك القدر أو الحفيرة وتصلي كيلا تؤذي الولد.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله جاءت امرأة فسألتني عن امرأة حامل خرج الولد من قبل سرتها، فقلتُ لها: كيف يخرج من قبل سرتها؟ قالت: ظهرت قرحة عند سرّتها فانشقت وخرج منها الولد، فقلت لها: أتعيش هذه المرأة؟ قالت: نعم، أتصلي أم تدع الصلاة؟ فقلت لها: أتخرج الدم من أسفلها؟ قالت: لا، فقلت: عليها أن تصلي، فرجعت المرأة.
فقال لي أصحابي: أرأيت لو خرج الدم من ذلك الموضع أو من الأسفل، ما حكمه؟ فقلتُ: أما إذا خرج الدم من السرّة وهو يسيل فعليها أن تتوضأ لوقت كلّ صلاة ولا غسل عليها ولا تصير نفساء، ولو سال من الأسفل صارت نفساء.
ثم قالوا: أرأيت لو كانت هذه معتدّة، أتمضي عدتها بهذا الولد؟ قلت: نعم؛ لأنّها وضعت حملها.
ثم قالوا: أرأيت لو كانت هذه أمةً أتصير أم ولد لو كان الولد من المولى؟ قلتُ: نعم.
ثم قالوا: أرأيت لو كان الزوج قال: إذا ولدت فأنت طالق هل تطلق بهذا الولد؟ فقلت: نعم؛ لأنّه لمّا استحق هذا اسم الولد فتستحق هي أيضًا اسم الولادة.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إنّه إذا كان المأموم أطول من الإمام وصلّى بجنبه فسدت صلاته؛ لأنه تقدّم إمامه في ركن وهو السجدة، والصحيح أن لا تفسد؛ لأنّ عبد الله بن مسعود صلّى بعلقمة وأسود رضي الله عنهم وقام وسطهما، وكانا أطول منه، حتى نقل أنّهما كانا يقولان له: أنت فيما بيننا كمثل نون في "لنا".
وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إمامة الأحدب للمستوين لا تجوز، أما في حق نفسه إذا بلغت حدوبتُه الركوع يخفض قليلا في الركوع، حتى يقع التفاوت بين حاله القيام والركوع.
فسألتُ نجم الدين رضي الله عنه وقلت: ينبغي أن تجوز إمامته لهم على قياس قول أبي حنيفة
وأبي يوسف رحمة الله عليهما كإمامة القاعد للقائمين فقال: القياس ألّا تجوز إمامة القاعد لهم أيضًا كما قال محمد رحمه الله، إلّا أنّهما جوّزا إمامة القاعد للقائمين لورود الأثر، فلا يُقاس عليه غيره.
ومن طلق امرأته ثم نظر إلى فرجها بشهوة وهو في الصلاة فقد راجعها ولم تفسد صلاته؛ لأنّ النظر ليس بعمل كثير، ولو لمسها بشهوة فسدت صلاته؛ لأنّ المس بالشهوة عمل كثير.
وسئل أبو نصر رحمه الله عمّن نتف شعره في الصلاة؟
قال: إذا نتف ثلاث مرات فسدت صلاته، وإذا كان أقل من ذلك لا تفسد صلاته؛ قال: وحُكي عن أبي يوسف رحمه الله: المصلّي إذا شدّ إزاره فسدت صلاته وإذا حلّها لا تفسد.
فقيل لأبي نصر: إن كان مؤونة شدّه مثل مؤونة حلّه؟ قال: لا تفسد صلاته.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن امرأةٍ ماتت وتركت صلاة عشرة أيّام ولم تترك مالا، قال: لو استقرض ورثتها قفيز حنطة ودفعت مسكينًا ثم إنّ المسكين تصدّق على ورثتها ثم يتصدّق هو على المسكين فلم يزل يفعل ذلك حتى يتمّ لكلّ يوم اثنا عشر منَّا من الحنطة، جاز ذلك عنها.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن رجل مات في مسجد قوم فقام أحدهم وجمع دراهم على أن يكفنه ويدفنه ففضل من ذلك شيءٌ ولا يُعرف له وارث، أو كفنه رجل آخر، ما يُصنع بهذه الدراهم المجموعة؟
قال: يُصرف ذلك إلى كفن مثله من أهل الحاجة.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إن عرف الذين أخذ منهم يردّ عليهم، وإن لم يعرف صرفها إلى كفن مثله، فإن لم يقدر على صرفها إلى كفن مثله تصدّق بها على الفقراء.
وسئل أبو نصر رحمه الله عمّن جمع مالًا من الناس على أن يُنفقه في بناء المسجد ثم ينفق بعض ذلك في حوائج نفسه ويرد بدلها في نفقة المسجد من ماله؟
قال: لا يسعه أن يستعمل من ذلك شيئًا إلى حاجة نفسه، وإن فعل ذلك فإن عرف صاحب ذلك المال ردّه عليه وسأله تجديد الإذن فيه، وإن لم يعرفه استأمر الحاكم ليأمره بالإنفاق في ذلك، فإن تعذر عليه ذلك رجوْتُ في الاستحسان أن يجوز له أن ينفق مال نفسه في المسجد.
وقال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: رُوي عن أبي يوسف رحمه الله أنّه قال: لو أنّ إمامًا خرج مع أهل المصر بحاجة لهم مقدار ميل أو ميلين فحضرت الجمعة جاز له أن يصلّي بهم الجمعة؛ لأنّ فناء المصر بمنزلة المصر، وبه نأخذ.
وقال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: سئل أبو أحمد العياضيّ بسمرقند عمن نوى مقام إبراهيم، قال: إن كان الرجل لم يأتِ مكّة أجزأه؛ لأنّ عنده أنّ المقام والبيت واحد، وإن كان الرجل قد أتى مكة لم تجز صلاته؛ لأنّه عرف أنّ المقام غير البيت.
وسئل أبو نصر رحمه الله عن رجل عريان ومعه ميت ومعه ثوب واحد؟
قال: الحي أولى بالثوب يُؤمم الميت ويواريه في التراب، ثم يصلّي عليه لابسًا، وكذا لو كان جنبًا ومعه صاع من ماء ومعه ميت يغتسل هو ويؤمم الميت.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: هذا إذا كان الثوب للحيّ أو كان مباحًا، وكذا الماء، أما إذا كان للميت فالميّت أولى به وإن كان الحيّ وارثَه؛ لأنّه يُبدأ بحاجة الميّت أولًا ثم بالميراث.
وسئل محمد بن سلمة رحمه الله عمّن كفّن ميّتًا ثم وجد الكفن مع رجل؟
قال: له أن يأخذ منه وهو أحق به؛ لأن كسوته للميّت ليس بتمليك منه، فإن وهبه للورثة وهم كفنوه فالورثة أحق به.
وعن محمد بن الحسن رحمه الله أنّه قال: أوّل من علّمني توقير العلماء أبو يوسف رحمه الله، وذلك أنّي دنوت من المجلس فقمت إليهم وقلت: أيّكم أبو حنيفة؟ فوضع أبو يوسف إصبعه على فيه وأشار إلي أن أجلس فجلستُ، ثم أشار إلى أبي حنيفة رحمه الله فقمت وقلت يا أبا حنيفة، ما تقول في غلامٍ احتلم بالليل بعد ما صلّى العشاء؟ قال: عليه أن يُعيد صلاة العشاء، فقمت إلى زاوية من زوايا المسجد وصلّيْتُ العشاء.
وسئل أبو بكر رضي الله عنه عمّن يصلي التطوّع قاعدًا فإذا أراد أن يركع قام وركع؟
قال: الأفضل أن يقوم ويقرأ شيئًا ثم يركع حتى يكون موافقًا للسنّة، ولو استوى قائمًا ثم ركع أجزأه، ولا ينبغي أن يقوم بركوع قبل أن يستتم قائمًا؛ لأنّ ذلك لا يكون ركوع قائم ولا ركوع قاعد.
وسئل محمد بن مقاتل عن رجل يدعو وهو ساهي القلب؟
قال: لا يدع الدعاء وإن كان ساهي القلب.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: إن كان دعاؤه مع الرقة فهو أفضل وإن لم يمكنه ذلك، فالدعاء أفضل من تركه، وكذا من أراد أن يصلّي أو يقرأ القرآن فيخاف أن يدخل عليه الرياء فلا ينبغي له أن يتركه.
وسئل محمد بن مقاتل رحمة الله عليه عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلّا بعدًا»؟
قال: يحتمل هذا عندي أن يكون مستحلًا للفحشاء والمنكر فيحبط عمله، فأما إذا لم يستحل ذلك فإنّه ينفعه؛ لأنّ الصلاة أفضل الأعمال، فيُرجى أن تنفعه.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: معناه عندي أنّ صلاته لو كانت خالصة لله تعالى تمنعه عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تمنعه ظهر أنّ صلاته لم تكن خالصة فلم تكن مقبولة.
وقال محمد بن مقاتل رحمه الله: إذا بلي المصحف فإنّه يُدفن.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: إذا صار بحال لا يُقرأ فيه لا بأس بأن يُجعل في خرقة طاهرة ويُدفن في موضع طاهر.
فسألت نجم الدين رضي الله عنه عن استعمال ذلك في ظهر الكتب والمصاحف للوراقين، قال: يجوز ذلك بعد المحو، ولا يجوز قبل ذلك.
وسئل الحسن رحمه الله عن الخضخضة، أيُؤجر عليها؟
قال: أما ترضى أن تنجو رأسًا برأسٍ، وروي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه مثله.
وقال نصير: إن خاف على نفسه أن يقع في الحرام رجوت أن يُؤجر.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: لا أقول بهذا، وأقول ما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم المؤمنون،؛ المعراج،، ومع ذلك جاء الأثر في النهي عن ذلك.
وسئل محمد بن مقاتل رحمه الله عمّن يقرأ القرآن كله في يوم وليلة، والآخر يقرأ "قل الله أحد" خمسة آلاف مرّة؟
قال: إن كان قارئًا فقراءة القرآن كله أفضل.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن أكل الطين؟
قال: لا أعرف له كراهيّة إلّا أنّ الأطباء يقولون: إنّه يورث الدود وصفرة الوجه، فأما من جهة الحل والحرمة فلا.
قال الفقيه أبو الليث: وقد كرهه بعضهم وقال: من أكل الطين فقد أعان على هلاك نفسه، فالاحتراز عنه واجب.
وسئل محمد بن سلمة رحمه الله عن قراءة القرآن في الصلاة على التأليف؟
قال: لا بأس به وهو حسن، وكان ليث بن مساور) وأبو عبد الله يقرآن على التأليف، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورضي الله عنهم كانوا يقرؤون القرآن في الفرائض على التأليف.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عن رجل صلّى على جنازة والولي خلفه ولم يرض بذلك؟
قال: إن صلى معه فلا يُعيد، وإن لم يتابعه فعليه الإعادة.
وقال شدّاد بن حكيم: كتبت إلى محمد بن الحسن رحمه الله في رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ؟
قال: يجب على مولاه أن يوضئه.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: لأنّه يمكنه أن يبيعه أو يعتقه، فلما أمسكه وجب عليه تعاهده.
وقال أبو القاسم رحمه الله: من سبقه الحدث في الصلاة فذهب ليتوضأ فإنّه يتوضأ مرةً سابغة ولا يزيد على ذلك، فإن زاد فسدت صلاته؛ لأنّ الزيادة فضلٌ والفرض أولى بإتمامه من الفضل.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: هذا قول أبي القاسم خاصة، وفي قول علمائنا رحمهم الله: له أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثا، وبه نأخذ.
وسئل محمد بن سلمة رحمة الله عليه عن الخطّ الذي يخطّه المصلّي أمامه إذا صلّى في الفضاء، أيخطّه طولا أو عرضًا؟ قال: يخطّه طولا؛ لأنّه بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه، وكذلك السوط يُلقى بين يديه طولًا، وبه كان يقول الفقيه أبو جعفر رحمه الله، وقال بعضهم: يُجعل الخطّ بمنزلة المحراب، وبه نأخذ.
وسئل محمد بن سلمة رحمه الله عن مقدار الذي لا ينبغي للماشي أن يمرّ بين يدي المصلي، قال: مقدار الصفين.
وقال أحمد بن محمد القاضي: مقدار موضع سجوده.
وسئل بعضهم عمّن أوتر فقرأ في الثالثة القنوت ونسي القراءة، أو قرأ الفاتحة ونسي السورة، أو قرأ السورة ونسي الفاتحة حتى ركع، قال عليه أن يرفع رأسه ويقرأ ما نسي ويُعيد القنوت ويسجد سجدتي السهو.
وروي منصور عن إبراهيم أنّه قال: من عطس في صلاة مكتوبة يحمد الله في نفسه.
قال الفقيه أبو الليث رضي الله عنه: وبه نأخذ، ولا ينبغي أن يشمّت العاطس، فإنّ ذلك يقطع الصلاة.
وسئل أبو جعفر رحمه الله عن رجلٍ صلى خلف الإمام فزاد الإمام في صلاته سجدةً ناسيًا، هل يجب على القوم أن يتابعوه؟
قال: لا؛ لأنّه خطاً، بخلاف ما إذا ترك القعدة في الركعة الثانية فإنّ عليهم أن يتابعوه.
فسألت نجم الدين رضي الله عنه عن الفرق بينهما، فقال: السجدة الثالثة من الإمام خطأ بيقين ولا متابعة على المقتدي في خطأ الإمام، بخلاف ما إذا ترك القعدة في الثانية فإنّهم يتركونها أيضا؛ لأنّ القعدة واجبة ومتابعة الإمام في القيام فرض فالمتابعة أولى والله أعلم.
فتاوى الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري وفتاوى الشيخ الإمام أبي عبد الله أحمد بن الشيخ الإمام الأجل أبي حفص الكبير البخاري رحمة الله عليهم أجمعين
خمسة وعشرون نومًا بمنزلة اليقظة في الحكم:
الأول: مصلّ نام وتكلّم في النوم في الصلاة، فسدت صلاته.
والثاني: مصلّ نام و قرأ في قيامه، اعتُبرت قراءته في رواية.
والثالث: نائم قرأ آية السجدة في النوم، فعلى السامع السجدة بالإجماع، فلو انتبه النائم وأُخبر بقراءته نائما، قال شمس الأئمة الحلوائي رحمه الله: يلزمه السجود عند بعضهم، ولا يلزمه في أصح الأقاويل. ولو قرأ اليقظان آية السجدة عند نائم فانتبه فأخبر به فعلى هذا الاختلاف، وهو الرابع.
والخامس: راكب نائم مرّ على ماء وهو متيمم وبعد عنه، انتقض تيممه عند محمد خلافًا لأبي يوسف
رحمة الله عليهما.
والسادس: إذا كان الصائم نائما على قفاه وفمه مفتوح، فقطرت في فيه قطرة مطر أو إنسان أقطر
في فيه فوصل إلى جوفه فطّره
والسابع: نائمة جومعت، فقد أفطرت.
والثامن: مُحرمة نائمة جو معت، فعليها الكفّارة.
والتاسع: مُحرم نائم حلق إنسان رأسه، فعليه الجزاء.
والعاشر محرم على بعير وهو نائم فمرّ البعير بعرفات، فهو وقوف منه بعرفات وصار مدركًا للحج. والحادي عشر: رجل رمى صيدًا فجرحه فوقع عند نائم ومات الصيد، لا يحلّ أكله كما لو وقع عند يقظان ومات حرم لفوات ذكاة الاختيار.
والثاني عشر: نائم مد رجليه فكسر شيئًا لإنسان، يضمن كاليقظان.
والثالث عشر: النائم إذا انقلب على مورثه فقتل، حرم مراثه عند بعضهم.
والرابع عشر: النائم إذا حمله أربعة نفر ووضعوه تحت جدار واه فسقط عليه الجدار فمات، لم يضمنوا كما لو حملوا يقظان و هو ساكت.
والخامس عشر: امرأة دخلت على زوجها وهو نائم ومكنت ساعة، فهو خلوة صحيحة عند بعضهم.
آية السجدة.
والسادس عشر: الزوج إذا خلا بامرأته وهناك نائم، لم تصحّ خلوته كما لو كان هناك يقظان.
والسابع عشر: إذا دخل الزوج عليها وهي نائمة فمكث ساعة، فهو خلوة صحيحة بالاتفاق.
والثامن عشر: صبي ارتضع من نائمة، تثبت حرمة الرضاع.
والتاسع عشر: رجلٌ حلف لا يكلّم زيدًا، فجاء إلى زيد وهو نائم فقال: قم، فلم يستيقظ، اختلف المتأخّرون فيه، والأصح أنّه يحنث.
والعشرون: رجلٌ طلق امرأته طلاقًا رجعيًا فجاءت المرأة وهو نائم فقبلته، صار مراجعا عند أبي يوسف.
والحادي والعشرون: نائمٌ عارٍ فجاءت امرأة ووضعت فرجها على ذكره حتى غابت الحشفة، تثبت حرمة المصاهرة.
والثاني والعشرون: النائم إذا ضحك في صلاته، انتقضت صلاته وطهارته عند البعض.
والثالث والعشرون: مصل احتلم في صلاته، فسدت صلاته ولا يجوز له البناء.
والرابع والعشرون: إذا استوعب النوم أوقات ستّ صلوات، لم يُسقطها بخلاف الاغماء.
والخامس والعشرون: رجل حلف لا يدخل كرم فلان فنام على الدابّة فأدخلته، فإن كان ساقها حنث وإلّا فلا.
مصلٍّ نظر أمامه فسدت صلاته، ونظر خلفه لزمه الحجّ، ونظر عن يمينه طلقت امرأته، ونظر عن يساره عتق عبده، ونظر فوقه فوجب عليه صوم شهر؟
جوابه هذا: متيمم نظر أمامه فوجد الماء فسدت صلاته لانتقاض تيممه؛ ونظر خلفه، فقدم رجل فأخبره بموت مورثه فورث ماله وكان فقيرا قبل ذلك، فلزمه الحج لغناه؛ وكان حلف بالطلاق
لا ينظر إلى فلان، فنظر عن يمينه فرأى فلانا؛ وحلف بعتق عبده لو نظر إلى فلان، فنظر عن يساره فرأي فلانا، فعتق عبده؛ ونظر فوقه فرأى هلال رمضان، فوجب عليه صوم شهر رمضان.
امرأة مع زوجها في السفر، فطهرت من حيضها، ولا يوجد الماء إلا بثمن، فإن كانت أيام حيضها عشرًا فثمن الماء على المرأة؛ لأنها تحتاج إلى الصلاة والزوج لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنّ له أن يقربها للحال قبل الاغتسال، فإن كانت أيامها دون العشرة، فثمن الماء على الرجل لحاجته إلى ذلك، فإنّه لا يحلّ له قربانها للحال حتى تغتسل، وثمن ماء الشرب على الزوج؛ لأنّه من النفقة، وثمن ماء الوضوء والغسل فيه اختلاف المشايخ.
ثلاثة أشياء تفسد الوضوء والصلاة: القهقهة والإغماء والاحتلام في النوم في الصلاة؛ وثلاثة تفسد الوضوء دون الصلاة: القيء والريح والرُعاف؛ وثلاثة تفسد الصلاة دون الوضوء: الكلام والأكل والعمل الكثير؛ وثلاثة لا تفسدهما: التبسم والقيء ما دون ملء الفم وسقوط اللحم أو الدودة من الجرح.
متيمم يصلّي فقال له يهودي أو نصراني: خذ هذا الماء، فإنّه لا يقطع الصلاة بل يُتمها ثم يسأله الماء، فإنْ لم يعطه ظهر أنّه كان مستهزئًا به فلم يبطل تيمّمه، وإنْ أعطاه ظهر أنّه كان صادقًا فصار قادرًا على الماء فبطل تيممه.
قتيلٌ وُجِد في دار الحرب وهو مختون غير مقصوص الشارب أو على العكس، قال: إن كان مقصوص الشارب غير مختون صلي عليه، وإن كان على العكس لم يُصلَّ عليه؛ لأنّ من الكفرة من يختتن وليس منهم من يقص الشارب، وإذا وُجد هناك قتيل في وسطه زنّار وفي حجره مصحف صلّي عليه؛ لأنّ الكافر في دار الحرب لا يأخذ المصحف في حجره قط، ولكن يحتمل أنّ المسلم في دار الحرب يعقد الزّنار على وسطه تلبيسًا على الكفرة، ولو وجد هذا في دار الإسلام لا يُصلّى عليه؛ لأنّ المسلم في دار اللإسلام لا يعقد الزنّار على وسطه، والنصراني قد يتعلم القرآن ويكون نصرانيًّا.
النوم على هيئة الركوع في غير حالة الصلاة حدثٌ في رواية؛ لأنّه يسترخي أعضاؤه فيصير كالمضطجع، وليس بحدثٍ في أصحّ الروايتين؛ لأنّه كالنُعاس، فإنّه لو استحكم النوم سقط.
إذا تذكَّر ظهرًا وعصرًا فاتناه وهو في آخر وقت المغرب ولم يصل المغرب أيضًا وعلم أنه لو قضاهما أمكنه أداء المكتوبة في الوقت فعليه الترتيب، ولو علم أنّه لو قضى إحداهما يمكنه ولا يمكنه قضاؤهما يسقط الترتيب عند أبي حنيفة رحمه الله فيؤدي الوقتية، وعندهما يقضي إحداهما ثم يؤدي الوقتية ثم يؤدي الأخرى.
رجل يصلّي، فجيء بولدٍ وُلد من ساعته ملفوفًا بخرقة ووضع في حجره، إن كان مغسولا والخرقة طاهرة لم يضره، وإن كان غير مغسول أو الخرقة نجسة، فإن رفعه من حجره من غير لبث لم يضره أيضًا، وإن أدّى ركا مع ذلك فسدت صلاته، فإن لم يؤد شيئًا لكن مكث مقدار ما يمكن فيه أداء ركن فكذا عند أبي يوسف، عند محمد ولا تفسد.
ولو جاء صبي بلغ السعي عليه نجاسة كثيرة فجلس على حجر المصلي لم تفسد صلاته بالإجماع؛ لأنّه لا فعل ههنا من المصلي، وكذا حمام معلَّم على جناحه نجاسة فجاء وجلس على رأسه أو منكبيه لم تفسد صلاته لهذا، أما الصبي الذي لا يستمسك فقد وجد من المصلّي عمل من إمساكه وحفظه فكان مستعملًا للنجاسة، وصار كثوب نجس وقع على حجره فتركه المصلي أو كان هناك ثوب معلق وقع على رأسه أو منكبيه فتركه فسدت صلاته.
إمامٌ صلّى الفجر وسلّم ساهيًا واستقبل القوم، وفعل بعض القوم ما يقطع التحريمة ولم يفعله بعضهم، وتذكّر الإمام سجدة تلاوة فعاد إليها، فلمّا رفع رأسه قام وذهب قبل أن يقعد، فصلاة مَنْ فعل ما يقطع التحريمة قبل عود الإمام جائزة لانقطاع الشركة، وترك سجدة التلاوة غير مفسد وصلاة الإمام فاسدة لارتفاع القعدة الأخيرة، وصلاة من لم يفعل ما هو قاطع كذلك لفساد صلاة الإمام.
رجلٌ صلى صلوات يوم وليلة، ثمّ تذكّر أنّه ترك القراءة في ركعة واحدة منها ولا يدري من أيهما ذلك، فعليه قضاء الفجر والوتر؛ لأنّ ترك القراءة في هاتين مفسد؛ فإن تذكّر أنّه تركها في ركعتين، فعليه قضاء الفجر والوتر والمغرب لهذا؛ فإن تذكّر أنّه ترك القراءة في ثلاث جاز الفجر وعليه قضاء سائرها؛ فإن تذكّر أنّه ترك في أربع جاز الفجر والمغرب والوتر ولم يجز سائرها.
ثمان مسائل، اثنتان منها حكمُهما موقوف عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد رحمة الله عليهم:
سلامُ مَن عليه سجود السهو يخرجه خروجًا موقوفًا عندهما، إن عاد إلى سجدتي السهو يعود إلى
حرمة الصلاة، وعند محمد رحمه الله لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلًا.
ومسافر صلّى الظهر ركعتين ولم يقرأ فيهما فهو موقوف عندهما، إن نوى الإقامة وقرأ في الأخريين جازت وإلا فلا، وعند محمدٍ فسدت صلاته أصلًا.
واثنتان حكمهما موقوف عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما:
رجل فاتتْه صلاة فصلّى بعدها خمسا وهو ذاكرُها فحكمها موقوف عنده، إن صلّى السادسة عادت الخمس إلى الجواز عنده.
والحاج إذا صلّى المغرب ليلة المزدلفة في وقت المغرب إن انتهى إلى المزدلفة قبل الفجر يعيد المغرب ويصلي العشاء، فإن طلع الفجر عادت المغرب جائزة عنده، وعندهما المغرب جائزة بكل حال.
واثنتان حكمهما موقوف عند أبي يوسف خلافًا لهما:
إذا سجد على موضع نجس فعند أبي يوسف رحمه الله هو موقوف إن أعادها على مكان طاهر جازت صلاته وإلا فلا، وعندهما فسدت صلاته بكلّ حال.
ومن صلّى الفجر وسلّم ثم تذكّر سجدة تلاوة فقبل أن يسجد طلعت الشمس فسدت صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله بكلّ حال وعند محمد رحمه الله لا تفسد بكل حال، وعند أبي يوسف رحمه الله هو موقوف، إن سجد فسدت وإلا فلا.
واثنتان حكمهما موقوف عند محمد خلافًا لهما:
من صلّى الظهر خمسا ولم يقعد في الرابعة وقيّد الخامسة بالسجدة فسدت صلاته عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد هو موقوف، إن سبقه الحدث فيها وتوضأ وبنى وقعد قدر التشهد جازت وإلا فلا.
وإمام سبقه الحدث وإذا خرج من المسجد وهناك صفوف متصلة فإن استخلف إنسانًا قبل أن يجاوزهم جازت وإلا فلا، وعندهما فسدت بكلّ حال حين خرج من غير استخلاف من المسجد.
قال القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله: إذا أصاب قرنجاب الخفَّ جاز عن المسح؛ لأنه ماء.
المقتدي في الجمعة إذا نام وانتبه بعد فراغ الإمام وقد خرج الوقت فسدت جمعتُه؛ لأنّه لو أتمّ صار قاضيًا، والجمعة لا تُقضى في غير وقتها، بخلاف ما إذا فرغ الإمام والوقت باق؛ لأنّه مؤةٍ بصلاة الإمام في الوقت.
وقال القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله: إذا قام من الثانية إلى الثالثة في التراويح ولم يقعد وأتمها أربعًا جاز عن تسليمتين، وهذا على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد فسدت.
قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله: المرأة إذا كانت تصلي في البيت فظنّت أنّها أحدثت فاستدبرت القبلة ثم علمت أنّها لم تحدث، فإن برحت عن مصلاها فسدت وإن لم تخرج من البيت، وليس البيت في حقها كالمسجد؛ لأنّه لم يُبْنَ للصلاة.
وقال القاضي الإمام علي السغدي: البيت كالمسجد كما في سجدة التلاوة.
وقال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل من ضحك في صلاته وهو نائم تفسد صلاته وينتقض وضوؤه؛ لأنّ الضحك في حق الصلاة كالكلام وفي حق الوضوء كالحدث، والأمران جميعًا يستويان في القصد وعدم القصد.
وقال القاضي الإمام علي السعدي رحمه الله: تفسد صلاته ولا ينتقض وضوؤه؛ لأنّ الكلام مفسد وإن لم يكن عن قصد، والضحك لا يكون حدثًا إلّا عن قصد؛ لأنّ انتقاض الطهارة جزاء التهاون بالصلاة، ولا يكون ذلك إلّا عن قصد.
إمام سبقه الحدث فاستخلف رجلًا واستخلف الخليفة غيره، إن كان قبل خروج الأول عن المسجد وقبل أن يأخذ الخليفة مكانه جاز، كأنّه تقدّم بنفسه، وإن كان بعد ذلك فسدت صلاتهم؛ لأنّه صار إمامًا لهم ثم هو استخلف من غير عذر.
السنة في غسل اليدين والرجلين البداية من الأصابع؛ لأنّ الله تعالى جعل المرفقين والكعبين غاية فيكون الختم بهما.
وعن محمد بن الحسن رحمه الله أنّ ما بين السرّة والعانة عضو على حدّه أي ما دار منه حول البدن، فانكشاف ربعه مفسد عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما، وانكشاف نصفه وما فوقه عند أبي
يوسف رحمة الله عليه.
وقال الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله صاحب الجرح السائل إذا منع الجرح عن السيلان بالعلاج خرج من أن يكون صاحب جرح سائل.
إذا حلف لا يؤمّ أحدًا فافتتح الصلاة وحده فاقتدى به رجل حنث؛ لأنّه قد أمّ، وعن أبي يوسف رحمة الله عليه أنّه قال: إذا قال بعد الفراغ نويْتُ عند الافتتاح ألّا أؤمّ أحدًا صُدّق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء، وإذا أشهد عند الافتتاح أنّه لا يؤمّ أحدًا صدق فيما بينه وبين الله تعالى وبين القضاء أيضًا.
إذا جُعل الشمع في شقاق الرجل وغسل رجليه ولم يصل الماء إليه جاز ذلك إذا كان يضره إيصال الماء إليه، فإن خرزه جاز بكل حال ضرّه أو لم يضره، ولا يجوز تركه في حواليه لعدم الضرورة فيها، بخلاف الربط على الجبائر والفصد؛ لأنّ فيها ضرورة.
إذا صلّى أربعًا في آخر الليل تطوّعًا وظهر أنّ نصفه كان بعد طلوع الفجر، إن كان قيامه إلى الثالثة بعد طلوع الفجر كان عن ركعتي الفجر، وإن كان قبله لم يكن.
مريض صلّى بالإيماء، فظنّ في حال التشهد أنّ هذا موضع القيام فاشتغل بالقراءة، ثمّ تذكّر بعد القراءة أنّه في موضع التشهد إن كان هذا في التشهد الأول فالقراءة تقوم مقام القيام ولا يعيد التشهد، وإن كان في التشهد الأخير يرجع إلى التشهد، وعليه سجدتا السهو في الحالين.
إمامٌ صلّى أربع ركعات ولم يقعد في الرابعة وقام إلى الخامسة وركع وتابعه القوم، ثم علم في الركوع فعاد إلى القعدة ولم يعلم القوم حتّى سجدوا، فإنّ صلاتهم جائزة؛ لأنّه لما رجع من الركوع إلى القعود فقد بطل ركوعه، وإذا بطل ركوعه بطل ركوع القوم، فصار لهم زيادة سجدتين، وذلك لا يوجب فساد الصلاة.
إذا أُرمي الشيء النجس في الماء فانتضح على الإنسان من ذلك الماء فهو نجس، وعن الفقيه أبي الليث رحمه الله أنّه ليس بنجس ما لم يظهر أثر النجاسة فيه.
إذا لم يقدر المريض على الوضوء والتيمم وليس له من يفعل ذلك، فإنّه لا يصلّي عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما، وعند أبي يوسف رحمه الله يصلّي ثمّ يعيد.
وقال القاضي الإمام علي بن الحسين السغدي: من قُطعت يداه ولا يمكنه الوضوء ولا التيمم، فعلى قول أبي يوسف رحمه الله: يصلّي بالإيماء، وعندهما لا يصلّي.
وفي الجامع الصغير عن الكرخي) أنّ مقطوع اليدين والرجلين يصلي بغير وضوء ولا تيمم، وهو الأصحّ.
إذا رأى إنسان على ثوب إنسان نجاسةً أكثر من قدر الدرهم لا يسعه ألّا يخبره، إلّا إذا كان عنده أنّه لا يلتفت إلى إخباره.
وعن محمد بن سلمة رحمه الله في رجل مات وترك ثلاثة أثواب هو لابسها وعليه دين، قال: يكفّن فيها ولا يباع ثوباه ويكفّن في ثوب واحد، ألا ترى أنّه لو أفلس في حياته وعليه دين ولا شيء له غير ثلاثة أثواب هو لابسها فإنّه لا يُنزع منه شيءٌ فيُباع، وألا ترى أنّه يجب على المسلمين أن يكفّنوه وليس عليهم أن يقضوا دينه؟
إذا كان في السفر وهو عار ومع رفيقه فضل ثوب ويعلم العاري أنّه لو سأله أعطاه وجب عليه أن يسأله، وكذلك الماء للوضوء على هذا.
إذا زال الدم عن رأس الشاة بإحراقه بالنار لا بأس باتخاذ المرقة منه، كما لو زال ذلك بالغسل.
الجبيرة إذا زالت على موضع الجراحة لم يضرّه ذلك وجاز المسح، وفي الجبيرة لا فرق بين الشدّ على وضوء أو غير وضوء بخلاف الخفّ، ويستوعب المسح على جميع العصابة على موضع الجرح وغيره، ولو ظهر الشيء بين الخرقتين كما يكون في عصابة الفصد كان بمنزلة المربوط عليه ويمسح الكل؛ لأنّ ذلك المكشوف صار تبعًا له.
وإذا انقضت مدة المسح على الخفين وهو عاجز عن النزع من شدة البرد في السفر، فإنّه يمسح الخفين كما يمسح على الجبائر.
إذا حمل الرجل من ماء زمزم وهو في البادية، فإنّه لا يتيمّم إذا كان لا يخاف العطش، والحيلة في ذلك أن يجعل فيه الزعفران و نحوه مقدار ما يصير الماء مقيّدًا.
رجلان في السفر، مع أحدهما إناء يغترف به الماء وليس مع الآخر، وإن انتظره حتّى يتوضأ هو ثمّ يأخذ الإناء خرج الوقت فإنّه ينتظره إذا وعده صاحب الإناء أن يعطيه؛ لأنّ الظاهر من حال المسلم
الوفاء بالوعد، وخوف فوات الوقت لا يطلق له التيمم، هذا إذا كان يتيقن أنّه يعطيه أو أكبر رأيه أنّه يعطيه، فأمّا إذا شكّ أنّه يعطيه أو لا يعطيه روي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنّه إذا تيمّم وصلّى جاز؛ لأنّه غير مالك فلا يلزمه الطلب من غيره بغير عوض، وعن أبي يوسف رحمه الله أنّه لا يجوز له التيمم؛ لأنّ الماء يُبذل عادة.
وعن أبي الحسن الكرخي رحمه الله فيمن افتتح الصلاة بالتيمم في السفر فرأى رجلًا معه ماء كثيرٌ لا يدري أيعطيه أم لا يعطيه، فإنّه يمضي على صلاته ثمّ يسأله، فإن أعطاه أعاد الصلاة وإن منع جازت صلاته؛ فإن أعطاه بعد المنع لزمه الوضوء لصلاة أخرى والأولى جائزة.
الاستنجاء بالأحجار يكفي إذا لم تجاوز النجاسة الشرْج بالإجماع، فإن جاوز ينظر، إن كان المجاوز أكثر من قدر الدرهم يفترض إزالته بالماء بالإجماع، فأما إذا كان المجاوز قدر الدرهم أو دونه وبالجمع يزيد على قدر الدرهم فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما لا يفترض إزالته بالماء، وعند محمد يفترض.
إذا خطب يوم الجمعة وهو جنب فاغتسل ثمّ صلّى الجمعة جاز ولا يكون فصلاً، ولو صلّى ركعتين بعد الخطبة ثمّ صلّى الجمعة لم يجز وصار فصلًا.
روي عن عبد الله بن المبارك عن أصحابنا فيمن صلّى وبين يديه سراج أنّه لا يُكره؛ لأنّ النهي عن الصلاة وبين يديه نار إنّما وقع لأجل تعظيم النار، والمجوس إنّما يعظمون النار إذا كانت في الكانون أو التنور فيعبدونها، فأما السراج فإنّهم لا يعظمون ذلك فلا يقع التشبه بهم، واستحسن هذا الإمام أبو بكر محمد بن الفضل.
وسئل أبو بكر محمد بن الفضل عمّن يصلّي فدخل عليه آخر فقال: كم صلّيتم؟ فأشار بيده أنّهم صلّوا ركعتين قال: لا تفسد صلاته بالإشارة، ألا ترى أنّ الإنسان مأمور بالإشارة إلى من يمر بين يديه؟
المرأة في البناء مثل الرجل، وإليه أشار في الجامع الكبير، فإن قيل: إنّ المرأة إذا صلت وعضوٌ منها مكشوف فسدت صلاتها وههنا لا بدّ من كشف الذراع والرأس، الجواب عنه أنّه إنّما فسدت صلاتها إذا أدّت ركنًا منها في تلك الحالة، وفي حالة الوضوء لا تؤدّي ركنًا.
المسلم الميّت المغسول إذا وقع في الماء القليل لم يفسد الماء، والكافر الميت المغسول يفسده؛ لأنّ بعد الموت زال رجاء حمل الأمانة فصار شرًّا من الخنزير فلا يطهر بالغسل بخلاف حالة الحياة؛ لأنّ رجاء حمل الأمانة قائم.
إذا وجد المسلم الميت في الماء الكثير فإنّه يُغسل ثانيًا؛ لأنّ غسله واجب على الأحياء، إلَّا إذا حرّكوه في الماء بنية الغسل، فحينئذ كفى ذلك.
ولو غُسل الميت ثم انفصل منه شيء بعد ما كفّن أو قبله لا يعاد الغسل ولكن يمسح ذلك بخرقة إن أمكن، وهذا تصحيح قول أبي علي الجوزجاني وعامة مشايخ العراق: إنّ غسل الميت إنّما وجب بالموت لا لنجاسة الحدث، خلافًا لما قاله أبو عبد الله الثلجي إنّ وجوب الغسل لأجل الحدث فإنّ الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له وإن كان فيه الدم المسفوح خلافًا لسائر الحيوانات، والقول الأول أقيس، فإنّ من صلّى حاملا للميت قبل غسله لم تجز صلاته، ولو كانت نجاسته نجاسة الحدث لجازت كما في حالة الحياة، فعلم أنّ نجاسته بالموت لكن يطهر بالغسل كرامة له بخلاف سائر الحيوانات.
مقيم ومسافر يقضيان الظهر أو العصر أو العشاء والمسافر إمام فأحدث المسافر وبقي المقيم لا يصير إمامًا للمسافر؛ لأنّه ليس من أهل إمامة المسافر في هذه الحالة، فكان كمن يصلّي بامرأة فسبقه الحدث وبقيت المرأة، وقال الإمام أبو بكر بن الفضل: وتفسد صلاة المقيم؛ لأنّه لم يصر خليفة للمسافر وبقي بلا إمام.
إذا كان مع الرجل ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس فتحرّى وصلّى في أحدهما الفجر ثم وقع تحرّيه على الآخر وصلّى فيه الظهر، جملته أنّ ما صلّى في الثوب الأول جاز وما صلّى في الثاني لا يجوز، وفي القبلة إذا تحرّى فوقع تحرّيه إلى جهة في صلاة ثم إلى جهة أخرى في صلاة أخرى، الكل جائز؛ والفرق
أنّ أمر القبلة يحتمل التحوّل كما في بيت المقدس مع الكعبة، فأما نجاسة الثوب لا يحتمل التحوّل، وما لا تحقق له لا يقدر.
الإمام إذا سبقه الحدث فاقتدى به رجل قبل أن يخرج من المسجد صح الاقتداء؛ لأنّه في حكم تلك الصلاة في حكم الإمامة ما لم يخرج من المسجد، ولو كان الأول مسافرًا فنوى الإقامة قبل أن يخرج من المسجد تغيّر فرضه أربعًا وفرض القوم يصير أربعًا أيضًا، وبه قال محمد بن الحسن رحمة الله عليه.
فإن قيل: لما صح الاقتداء والمقتدي يؤدّي ركنًا من الأركان خلف الإمام والإمام محدث؟ قلنا: التحريمة شرط وليست بركن، والاقتداء لإثبات الشرط في التحريمة لا لأداء الركن، وهو بعد الحدث أهلٌ لذلك.
إذا منع إنسان إنسانًا بوعيد تلف أو حبس عن الوضوء يتيمّم ويصلّي ثم يعيد الصلاة، كما قال محمد بن الحسن رحمة الله عليه في كتاب الصلاة في المحبوس في السجن، وكمن صلى قاعدًا مقيّدًا أعاد قائمًا، ولو كان مريضًا لم يعد.
إذا صلّى حنفي المذهب خلف شفعويّ المذهب وعلى ثوب الإمام نجاسة دون الدرهم جازت صلاة المقتدي وفسدت صلاة الإمام بناء على زعمهما.
من رأى التيمم إلى الكرسوع والوتر واحدةً وصلّى على ذلك زمانًا ثم رأى التيمم إلى المرفقين والوتر ثلاثًا لا يعيد ما صلّى، بخلاف ما إذا فعل ذلك جهلا فإنّه يعيد ما صلّى.
روى بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنّ الولي لا يصلّي على الجنازة بالتيمم مع وجود الماء؛ لأنه لا يخشى فواتها؛ لأنه إن صلّى غيره عليها يمكنه الإعادة.
التحريمة للصلاة شرط من شرائط الصلاة، وهي كالإحرام شرط الحجّ وليس من أركانه عندنا وعند الشافعي ركن.
وثمرة الاختلاف في الحجّ ظاهرة، وهو أنّه إذا أحرم للحج قبل أشهر الحج لا يجوز عنده، وكذا إذا أغمى عليه في طريق الحج فأحرم عنه رفقاؤه جاز عند أبي حنيفة رحمة الله عليه كما لو طهروه وستروا عورته، وفي حق أداء الأركان لا يتأدّى بغيره، حتّى لم يكن بد من أن يوقف بعرفات ويطاف به بالبيت ليتحقق التفاوت بين الشرط والركن؛ لأنّ الشرط يقام بغيره والركن لا يقام بغيره.
وثمرة الاختلاف في الصلاة أداء النفل بتحريمة الفرض، وقال بعض المتأخرين: يتأدّى الفرضان بتحريمة واحدة، حتى لو بني العصر على تحريمة الظهر يجوز، ولكن مع هذا تحريمة الصلاة لا يتأدّى بفعل الغير بالإجماع بخلاف الإحرام عند أبي حنيفة رحمة الله عليه، وإنّما افترقا لأنّ التحريمة في الصلاة أشبهت الأركان من وجه، ولهذا شرط لها جميع ما يُشترط لأداء الصلاة من ستر العورة والوضوء وغير ذلك لاتصاله بالركن وهو القيام، وهذا الاتصال معدوم في الإحرام، ولهذا لم يُشترط الوقت، فأمّاهما شرطان غير أنّ أحدهما اتصل بالركن دون الآخر، ولهذا لم تتكرّر التحريمة في كل ركعة، ولو كان ركنًا لتكرّر كما في سائر الأركان.
ومن قرأ في صلاته ما ليس في مصحف الإمام ولكنّه في المصاحف المنسوخة مثل مصحف عبد الله بن مسعد ومصحف أبيّ وغيرهما رضوان الله عليهم من المصاحف التي نسخت القراءة بها، فإن لم يكن في القرآن مثله معنى تفسد الصلاة بلا خلافٍ إذا لم يكن ذكر اسم الله تعالى؛ لأنّه ليس بقرآن فكان كلام الناس، وإن كان مثله في القرآن من حيث المعنى وليس بذكر الله تفسد الصلاة على قياس قول أبي يوسف، وعلى قياس قولهما لا تفسد.
ومن لم يقدر أن يتكلم ببعض الحروف لا ينبغي له أن يؤم الناس بالإجماع وهل تجوز صلاته إذا صلى وحده؟ فإن كان يجد آيات يقرأها ليس فيها تلك الحروف التي لا يقدر أن يتفوه بها فقرأ فيها آيات فيها تلك الحروف فأكثر أصحابنا رحمهم الله قالوا: لا تجوز صلاته؛ لأنّه قادر على القراءة الصحيحة بخلاف الأخرس إذا صلّى وحده تجوز صلاته وإن كان يقدر أن يقتدي بالقارئ؛ لأنّه قد يجد وقد لا يجد؛ وأما إذا كان لا يجد آية ليست فيها تلك الحروف جازت صلاته؛ لأنّه عاجز عن إخراج تلك الحروف عن كلامه.
وهل تجوز صلاته بدون القراءة؟ بعضهم قالوا: تجوز؛ لأنّه لا يقدر أن يقرأ القرآن فصار كالأمي، وقال بعضهم بل تفترض عليه القراءة؛ لأنّه يقدر على أداء أكثر الحروف كما هي، وما لا يقدر عليه من تلك الحروف إذا كان قصده أداء تلك الحروف يجعل كالآتي بها حكمًا نظرًا له.
من قرأ القرآن بالألحان إن كان لا يغيّر الكلمة عن وضعها لا تفسد صلاته، وهو مأذون به عندنا والشافعي، وقال مالك: لا يؤذن له بذلك؛ لأنّ الترتيل هو المأمور به ولكن جوّز أصحابنا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم»، وقال عليه السلام: «من لم
يتغنّ بالقرآن فليس منا» وظاهرهما إذنٌ بالألحان التي لا تغيّر الكلمة، وهكذا الكلام في الأذان.
ولو طوّل الركعة الثانية على الأولى، فإن كان بقليل لم يكره، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قرأ في صلاة الجمعة في الأولى بالأعلى وفي الثانية بالغاشية وآخرهما أطول بقليل، ولو كثر كره في الفرائض ولا يكره بالنوافل، فإنّه ورد ذلك في الأحاديث.
المسبوق إذا شكّ في صلاته فكبّر ونوى الاستقبال وحده خرج من صلاة الاقتداء وإن كان المسبوق منفردًا فيما يقضي، ومن كان في صلاته وحده فشكّ ثم استقبل فهو في الأولى وإن كان منفردًا في الحالين، ولا يكون كذلك في المسبوق؛ لأنّهما يختلفان في الحكم، فإنّ الاقتداء بالمنفرد جائز وبالمسبوق لا يجوز، فصار كمن انتقل من فرض إلى نفل أو عكسه.
من صلّى في الصحراء فتأخّر عن موقع قيامه قبل تفسد صلاته، وقال القاضي الإمام علي السغدي: عندي يعتبر مقدار موضع سجوده من الجوانب كلها، فقيل له: أرأيت رجلين في الصحراء يصلّيان وائتم أحدهما بالآخر
وقام عن يمينه فجاء ثالث واجتذب المؤتم إلى نفسه قبل أن يكبر هو، ما تقول فيه؟ فقال: قال بعض المتأخرين: صلاة المؤتم فاسدة، وقال الشيخ الإمام أبو بكر بن الطرخان: صلاته جائزة سواء اجتذبه قبل التكبير أو بعده؛ لأن توجّهه للصلاة وتهيأه لها صيّر ذلك الموضع مسجدًا لهم؛ لأنه كان كالداخل في صلاته حكمًا وإن لم يكبر بعد كما قالوا في الجمعة: إنّ الإمام كبّر ولم يكبروا بعد، وإن كانت الجماعة شرطًا لصحة التكبير؛ لأن التهيأ لها قام مقام الدخول.
إذا مد الإمام التكبير وفرغ المقتدي قبله، جاز عند أبي حنيفة رحمة الله عليه إذا لم يكن أول كلامه قبل الإمام؛ لأن عنده يصير شارغا في صلاته بقوله: الله.
إذا عطس رجل في الصلاة فقال مصل آخر: الحمد الله، لا تفسد صلاته وإن أراد به جوابه؛ لأن جواب غير العاطس للعاطس ليس هو التحميد، فلم يأت بما يصير جوابًا للعاطس، وقيل: لو أراد استفهامه يعني: "قل: الحمد الله" فسدت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما خلافًا لأبي يوسف رحمه الله.
إذا انتهى الإمام في الركوع إن علم أنه لو اشتغل بالثناء لا يفوته الركوع معه يجمع بينهما، وإن علم أنه يفوته الركوع مع الإمام اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: يثلي؛ لأنه يفوت لا إلى خلف، " والركوع يفوت إلى خلف والصحيح أنه يركع؛ لأنّ أداء الركوع بالجماعة يفوت لا إلى خلف، وفضيلة الجماعة أكد من فضيلة الثناء.
ولو أدرك الإمام في القيام وهو يقرأ فالمختار من الجواب فيه أنه إن كان صلاة يجهر فيها بالقراءة لا يثني؛ لأن الاستماع والإنصات قد وجبا عليه، وإن كانت صلاة يخافت فيها فإنه يثني.
إذا انتهى إلى الإمام وهو ساجد وقد كبر الإمام في السجدة الأولى، إن لم يرفع الإمام رأسه شاركه في هذه السجدة وفي التي بعدها؛ لأن الواجب على المقتدي متابعة الإمام، وقد أدركه في الأولى فيشاركه فيها إن أمكنه، فإن رفع الإمام رأسه لا يتبعه فيها بعد ذلك؛ لأنه لم يدرك الطرف الأول من السجدة الأولى، فلو تبعه فيها كان قضاء لما سبق به في حق الطرف الأول قبل فراغ الإمام وهو منسوخ وإن كان متابعة في اعتبار الطرف الأخير؛ لأن ترك المتابعة فيما لا يعتد به جائز، والعمل المنسوخ باطل، ويتبعه في السجدة الثانية ما لم يركع الإمام الركوع الثاني؛ لأنه أدركها من أولها إلى آخرها بخلاف السجدة الأولى؛ لأنه لم يدرك أولها فلا يقضي " ولكن إذا أمكنه المشاركة يشاركه؛ لأن الاشتغال قضاء ما سبق به لأجل متابعة الإمام الممنوع عنه، وههنا المتابعة في قضاء ما سبق به،
فلو أنّه أتى بالركوع مع ذلك وشارك الإمام في السجدتين لم تفسد صلاته؛ لأنّه انفرد بركوع واحدٍ، والمقتدي إذا انفرد بأقل من ركعة لا تفسد صلاته.
ولو أدرك الإمام في السجدة الثانية فكبر فركع وسجد سجدتين فسدت صلاته؛ لأنّه زاد في صلاته ركعة بسجدة.
روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله في رجل قرأ وركع وسجد وهو نائم فسدت صلاته، ولو سجد سجدة وهو نائم، أعادها وجازت صلاته.
الإمام المسافر إذا أحدث فاستخلف مسافرًا غيره فنوى الخليفة، الإقامة، لم يتغيّر فرض مَنْ خلفه من المسافرين، بل عليه إتمام صلاة الأول، كما إذا قدم المسافر مقيمًا لا يتغيّر فرضهم أربعًا.
إذا كتب المصلّي خطًا لا تستبين حروفه لا تقسد صلاته، وكذا إذا كان خطَّا تستبين حروفه، إلّا أن يطول ذلك وهو زيادة على ثلاث كلمات.
إذا قدم الإمام رجلًا من آخر الصفوف وخرج من المسجد، إن نوى الخليفة الإمامة من ساعته جازت صلاتهم، وإن نوى الإمامة حين قام مقام الأول فسدت صلاتهم إذا كان خروج الإمام قبل نيّته الإمامة أو قبل أن يصل إلى مقامه.
محلول الجيب إذا صلّى في قميص واحدٍ وكان بحال يقع بصره على عورته إذا نظر في حال الركوع فسدت صلاته وإن لم ينظر.
إذا شكّ في ثانية الوتر أنّها ثالثته فقنت فيها ثم علم أنّها ثانيته اختلف المتأخّرون فيه، قال بعضهم: لا يقنت في الثالثة؛ لأنّ تكرار القنوت غير مشروع، وأكثر ما في الباب أنّ القنوت ما حصل في موضعه ولكن يعتبر ذلك كما في المسبوق بركعتين في الوتر في رمضان فقنت مع إمامه وذلك أوّل صلاته من جهة الفعل ومع هذا لا يعيد القنوت وكذا ههنا، وقال أكثر مشايخنا: إنّ التكرار مشروع في هذه المسألة؛ لأنّ الأول كان في غير موضعه فلا يعتبر فلا يحصل التكرار من حيث المعنى، كمن سجد سجدتي السهو في غير موضعهما ساهيًا فعليه الإعادة كذا ههنا، بخلاف المسبوق؛ لأنّه مأمور بأن يقنت مع الإمام فصار ذلك موضعًا له فلا يجب عليه ثانيًا، وقال القاضي الإمام علي السغدي رحمه الله: هذا أصح عندي.
ولو صلى التراويح كلها بتسليمة أو تسليمتين أو ثلاث جاز؛ لأنّ الواجب عليه تحصيل عشرين ركعةً وهي كصلاةٍ واحدةٍ ولا نص في الكراهة، والصحيح أنّه لو تعمّد ذلك كره؛ لأنّه ترك السنّة المتوارثة.
ولو أنّ الإمام صلى من الشفع الأول من التراويح ركعة وسلّم ساهيًا ثم أدّى ما بقي على وجهها ركعتين ركعتين، إن تكلّم بعد ما سلّم أو أكل أو نحو ذلك ليس عليه إلّا قضاء الشفع الأول بالإجماع، فأما إذا لم يتكلّم ولم يعمل عملًا يـ يخرجه عن حرمة الصلاة قال مشايخ سمرقند التراويح كلّها فاسدة؛ لأنّ ذلك السلام لم يخرجه عن حرمة الصلاة، فإذا قام إلى الشفع الثاني صح الشروع فيها، فإذا قعد فكان القعود على رأس الثالثة لا في موضعها، فإذا سلّم كان ساهيًا أيضًا فلم يخرجه عن حرمة الصلاة على هذا التفصيل إلى آخرها، فقد انعدم القعود على ركعتين في الأشفاع كلها وذلك فرض في التطوع.
وقال مشايخ بخاري عليه قضاء الشفع الأول لا غير؛ لأنّ كلّ شفع من التراويح كالصلاة على حدّه، فإذا كبّر ودخل في الشفع الآخر خرج عن الأول كالفرضين المختلفين.
ولو صلّى التراويح كلّها ثلاثا ثلاثًا ساهيًا ولم يقعد على رأس الركعتين، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما عليه قضاء ركعتين لا غير، وعند محمد رحمة الله عليه يعيد التراويح كلّها عشرين ركعة ولا يلزمه بالقيام إلى الثالثة شيء، والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما؛ لأنّه لمّا صلّى ثلاث ركعات ولم يقعد في الثانية وسلّم ساهيًا على رأس الثالثة فهذا السلام لم يخرجه عن حرمة الصلاة، فلما قام وكبّر وصلّى ثلاث ركعات أخر صارت ست ركعات فقام مقام ثلاث تسليمات ثم
ثلاث ثلاث هكذا، فيكون اثنتي عشرة ركعة ثم ثلاث ثلاث فيصير ثماني عشرة ركعة، فيجب عليه ركعتان أخروان.
فإذا صلّى ثلاث ركعات فقد ترك القعدة على رأس الركعتين فعليه قضاء ركعتين، حتى قيل له: لو تذكّر ذلك وضمّ إليها ركعة أخرى جازت صلاته وليس عليه شيء آخر.
إذا علم الإنسان فرضيّة كلّ صلاة من الصلوات الخمس ولكن لا يدري أنّ في كلّ وقت الفريضة ماذا والسنّة ماذا فيه أقاويل المشايخ والأصوب أنّه لو نوى في الكل الفريضة تجوز وما لا فلا. ولو أنّه أم قومًا يُنظر، إن كانت صلاة قبلها مثلها من التطوّع كالفجر والظهر جازت صلاة الإمام ولا تجوز صلاة المقتدي؛ لأنّه لما أدّى الكلّ بنيّة الفرض صارت هذه التي كان إمامًا فيها تطوّعًا له وللقوم فريضة فيكون اقتداء مفترض بمتنفّل.
رجل انتهى إلى المسجد ليصلي الظهر فوجد الإمام في القعدة ولم يدر أية قعدة. هي الأولى أو الأخيرة فاقتدى به ونوى إنها إن كانت الأولى اقديث به في الفريضة وإن كانت الأخيرة فما اقتديت به، لا يصح الاقتداء أصلا، وإن قال: إن كانت الأولى اقتديت به في الفريضة و وإن كانت الأخيرة اقتديت به في التطوع لا يصح اقتداؤه اقتداؤه في الفريضة ويصح اقتداؤه في التطوع، ويقع الفرق بين الصلاة والصوم في هذا الفصل، ووجه ذلك أن الجهتين تبطلان فيهما فيبقى نية أصل الصلاة ونيّة أصل الصوم، فصوم رمضان يتأذى بأصل النية والصلاة لا تتأدى في حق الغرض بمطلق النية ونظير هذه المسألة من انتهى إلى الإمام وقت العشاء فوجده في الصلاة فلم يدر أنها صلاة العشاء أو التراويح فاقتدى به ونوى إنه إن كان في الفريضة اقتديت به وإن كان في التراويح فما اقتديت به لا يصح اقتداؤه أصلا، ولو كان نوى: إنّه إن كان في الفريضة اقتديت به وإن كان في التراويح اقتديت به أيضا، فإن ظهر أنه في التراويح صح الاقتداء وإن ظهر أنه في الفريضة لم يصح الاقتداء في الفريضة.
رجل صلى راكبًا على الدابة فساقها باللسان فقال: "هر هر" فصدت صلاته، وإن ساقها على الصفة المعتادة. من الناس أنهم يسوقون الحمر بتلك الصفة لا تفسد صلاته؛ لأنه غير مهجّئ.
رجل صلى في المفازة بالتحري فاقندى به آخر من غير تحر، إن أصاب الإمام القبلة جازت صلاتهما، وإن أخطأ جاز صلاته وفسدت صلاة المقتدي؛ لأن تحرّي الإمام لا يصير تحريا له فصار المقتدي مصليا بغير تحر عند اشتباه القبلة فلا تجوز صلاته.
إمام قرأ الفاتحة ونسي الصورة وركع وركع القوم معه ثم تذكر فعاد إلى القيام وقرأ السورة فحسب القوم أنه سجد فسجدوا سجدتين ثم ركع الإمام فرفعوا رؤوسهم وتابعوه في الركوع لا تفسد صلاتهم؛ لأن الإمام لما عاد إلى القيام وقرأ انتقض ركوعه الأول فبقي للقوم زيادة سجدتين وذلك لا يوجب فساد الصلاة.
إذا قدم المولى عبده وهو مسافر ومعه قوم مسافرون فاقتدوا به فلما صلى العبد ركعة نوى المولى الإقامة صار العبد مقيما تبعًا لمولاه في حق نفسه وفي حق مولاه، ولا يصير مقيمًا في حق القوم عند محمد رحمة الله عليه بل يبقى مسافرًا في حقهم يصلي بهم صلاة المسافرين، فإذا انتهى إلى موضع السلام يستخلف رجلا من المسافرين حتى يسلّم بهم ثم يقوم هو ومولاه ويتم كل واحد منهما تمام صلاة المقيمين، وعند أبي يوسف رحمة الله عليه يصير العبد مقيمًا في حق الكل، قال محمد رحمة الله عليه: يجوز أن يكون للإمام حالتان، مقيم في حق نفسه، مسافر في حق
القوم، والمولى إنّما يعلّم عبده نيّته الإقامة بالإشارة، يشير أوّلًا بإصبعين ثم بأربعة أصابع، يعني: إلى الآن كانت ركعتين والآن صارت أربعًا.
رجل له ثلاث نسوة فقال: من لم تدر منكنّ أن في اليوم والليل كم ركعة فريضة فهي طالق،
فقالت إحداهنّ: سبع عشرة ركعة، وقالت أخرى: خمس عشرة ركعة، وقالت الثالثة: إحدى عشرة ركعة، لم تطلق واحدة منهنّ؛ لأنهنّ صدقن، التي قالت: سبع عشرة ركعة لا تشكل، ومن قالت: خمس عشرة ركعة تعني يوم الجمعة، ومن قالت إحدى عشرة ركعة تعني صلاة المسافرين في يوم وليلة.
مريض قال: إن شفاني الله تعالى قدر أن أصلي ركعة فالله عليّ أن أتصدق بدرهم، وإن شفاني قدر أن أصلي ركعتين فلله عليّ أن أتصدق بدرهمين، وإن شفاني قدر أن أصلي ثلاث ركعات فلله عليّ أن أتصدق بثلاثة دراهم وإن شفاني قدر أن أصلي أربع ركعات فلله عليّ أن أتصدق بأربعة دراهم؛ فبرأ وصلى أربع ركعات، فإنَّه يتصدّق بعشرة دراهم، والتخريج أنّ الواحد داخل في الاثنين، والاثنان داخلان في الثلاث، والثلاث داخلة في الأربع، يعني إذا صلى ركعة يلزمه درهم، وإذا صلى ركعتين لزمه در همان فصار مع الدرهم الأول ثلاثا، وإذا صلى ثلاثًا لزمه ثلاثة دراهم فصار مع الثلاث الأول ستّا، وإذا صلّى أربعًا لزمه أربعة دراهم فصارت مع السنّة الأولى عشرة.
إذا قال المقتدي: اقتديتُ بهذا الشيخ فإذا هو شاب صح الاقتداء، وإذا قال اقتديتُ بهذا الشاب فإذا هو شيخ لم يصح الاقتداء، والفرق أنّ الشاب قد يسمّى شيخًا باعتبار فضله وعلق حاله كما هو متعارف بين الناس.
قوم صلّوا في المفازة بالتحرّي وفيهم مسبوق ولاحق، فلما فرغ الإمام من الصلاة قاما للقضاء فظهر لهما القبلة خلاف رأي الإمام أمكن للمسبوق إصلاح صلاته دون اللاحق؛ لأنّ المسبوق فيما يقضي كالمنفرد إلّا أنّه لا يصح اقتداء غيره به وللمنفرد أن ينتقل إلى ما تحوّل رأيه بخلاف اللاحق؛ لأنّه كأنّه خلف الإمام فليس له أن يخالف إمامه في الجهة.
الإمام إذا قام إلى الثالثة ولم يفرغ المقتدي من التشهد أتمّ التشهد ولا يتّبع الإمام، قال القاضي الإمام علي السغدي: وإن فاته الركوع أيضًا، وكذا إذا سلّم في آخر الصلاة قبل فراغ المقتدي من التشهد
أتمّ ما بقي من التشهّد؛
لأنّ سلام الإمام لا يخرج المقتدي عن الصلاة ما بقي عليه شيء، وهذا في قراءة التشهد، فأما إذا انتهت إلى الدعوات للمؤمنين والمؤمنات سلّم وتابع الإمام، وكذا إذا انتهت إلى الصلوات تابع الإمام في السلام؛ لأنّ صلاة على النبي عليه السلام سنّةٌ في الصلاة، وأمّا في تسبيحات الركوع والسجود لا يتابع الإمام؛ لأنّ من الناس من يقول: إنّها واجبة، منهم أبو مطيع البلخي رحمة الله عليه.
المختار من الجواب في الفداء للصلوات لكل صلاة نصف صاع من حنطة، ولكن يوم من رمضان نصف صاع من حنطة إذا أدرك العدّة، فأما إذا مات في رمضان أو يوم العيد أو بعد شهر ولكن لم يبرأ ولم يقدر على القضاء لا يجب عليه شيء.
إذا أحدث الإمام في المسجد وفي المسجد ماء فانتظر القوم فتوضأ وبنى إمامًا جاز، وإن لم يكن معه إلّا واحد ينبغي له أن يأتمّ بالثاني؛ لأنّه حين أحدث وانصرف تعيّن الثاني للإمامة.
صبي مسلم ونصراني خرجا مسافرين للسفر ثلاثة أيام، فلمّا سارا يومين أسلم النصراني وبلغ الصبي، قصر النصراني الذي أسلم دون الصبي الذي بلغ لصحة نيّة السفر من الكافر دون الصبي.
إذا نُبش قبر الميت وسُرق الكفن بعد قسمة الميراث يجبر الورثة على أن يكفّنوه من التركة، ولو كان عليه دين مستغرق وقد سُرق الكفن بُدئ بالكفن أيضًا، إلّا أن يكون الغرماء قد قبضوا فلا يُسترد منهم، ولكن على الورثة على قدر المواريث إلّا على الزوجين.
رجل انتهى إلى الإمام والإمام قام إلى الخامسة بعد ما قعد قدر التشهد يصح اقتداؤه به في تلك الصلاة؛ لأنّ الإمام في حكم تلك الصلاة بعد ما لم يقيد الخامسة بالسجدة.
إمام قام إلى الخامسة فتبعه المسبوق، قال: إن كان الإمام قعد في الرابعة قدر التشهد فسدت صلاته، وإن لم يكن قعد لم تفسد صلاته حتّى يقيد الإمام الخامسة بالسجدة، والفرق بين المسألتين أنّ الإمام إذا تمت صلاته لا ينبغي للمسبوق أن يقتدي به بعد ذلك، فأما غير المسبوق وإن اقتدى بمن تمت صلاته فإنّه باقٍ بعدُ في حكم تلك الصلاة كمن قعد وقرأ قدر التشهد غير أنّه لم يسلّم بعد.
من طلق امرأته ثم نظر إلى فرجها بشهوة وهو في الصلاة فقد راجعها ولم تفسد صلاته؛ لأنّ النظر ليس بعمل كثير، ولو لمسها بشهوة فسدت صلاته؛ لأنّ المس بشهوة عمل كثير.
ومن خرج من المصر مسافرًا وبقربه قرية، إن كانت المسافة بينهما مقدار طول سكة لم يقصر ما لم يجاوز القرية، وإن كان أكثر من ذلك قصر إذا جاوز عمران المصر.
إذا افتتح التطوّع في وقتٍ مستحبّ ثمّ أفسدها فقضاها بعد العصر قبل تغيّر الشمس لم يجز بخلاف قضاء الفوائت في هذه الحالة، ألا ترى أنّه لو افتتح في هذه الحالة قطعها وإن لزمه بالشروع؟
إذا كان في السفر في طينٍ وردغةٍ لا يؤخّر الصلاة عن وقتها ولا يلطخ وجهه وثيابه بالطين أيضا، لكن يذهب إلى موضع آخر، فإن لم يجد صلى قائمًا بالإيماء؛ لأنّ أداء العبادة في وقتها مع النقصان خيرٌ من أدائها في غير وقتها مع الكمال، ولا إعادة عليه بعد ذلك؛ لأنّ العذر بآفة سماويّةٍ، وإن كان راكبًا صلّى على الدابة بالإيماء.
إذا صلّى وفي كمّه فرخ طير حي فلما فرغ من الصلاة وجدها، ميتة، إن علم أنّها ماتت في الصلاة
أعادها، وإن لم يسبق إلى قلبه أنّه ماتت في الصلاة لم يُعدها، وكذا إن شكّ في أنّها متى ماتت؛ لأنّ الصلاة لا تفسد بالشك، والله تعالى أعلم بالصواب.
فتاوى الشيخ الإمام الأجل أبي الحسن علي بن سعيد الرستفغني مع فوائده رحمه الله تعالي
سئل عن الحوض الصغير، يدخل الماء من جانب ويخرج من جانب، أيجوز التوضؤ فيه؟ قال: إن كان أربعًا في أربع فما دونه يجوز، وإن كان أكثر من ذلك لا يجوز، إلّا في موضع دخول الماء وخروجه؛ لأنّ الحوض إذا كان أربعًا في أربع فما دونه فالماء يدخل من جانب ويخرج من جانب على جهة الغلبة؛ لأنّه لا يستقرّ الماء فيه بل يدور حوله فيخرج منه الماء المستعمل بدخول الماء الجديد فيه، فصار محله محلّ الماء الجاري؛ وإن كان أكثر من ذلك فإنّ الماء يستقرّ فيه فلا يخرج منه الماء المستعمل بدخول الماء الجديد فيه، فصار حكمه حكم الماء الراكد.
فقيل له: ما مقدار الحوض الذي يجوز التوضؤ فيه؟ قال: عشرة في عشرة عند أبي حنيفة) وأبي يوسف (ت.) رحمة الله عليهما، وثمانٍ في ثمان عند محمّد) رحمة الله عليه.
فقيل له: تقديره بذراع الكرباس أو بذراع المساحة؟ قال: بذراع الكرباس؛ لأنّ هذا التقدير شرع عن أصحابنا للتوسعة، والتقدير بذراع الكرباس أليق بالتوسعة؛ لأنّ ذراع المساحة يزيد على ذراع الكرباس.
وقال الشيخ الإمام عبد الكريم): يُعتبر هذا بذراع المساحة؛ لأنّه إلى الحياض أقرب، ألا ترى أنّ الخُت إذا كان فيه خرقُ مقدار ما يظهر ثلاث أصابع لا يجوز المسح عليه؟ واعتبر ذلك بأصابع الرجل للقرب إلى الخف.
وسُئل رحمه الله عن عين ماء وهي سبع في سبع ينبع الماء من أسفلها ويخرج من منفذها، أيجوز التوضؤ فيها؟
قال: لا، إلّا في موضع خروج الماء منها.
وسُئل رحمه الله عمّن حفر نهرًا من هذا الحوض الصغير وأجرى الماء في ذلك النهر وتوضاً بذلك الماء في حال جريانه، ثم اجتمع ذلك الماء في مكانٍ آخر وقرّ فيه فحفر رجل آخر في ذلك المكان وأجرى الماء من ذلك المكان في ذلك النهر، ثم اجتمع ذلك الماء في مكان آخر ففعل رجلٌ ثالث كذلك؛ قال: يجوز وضوء الأول والثاني والثالث بذلك الماء وإن توضأ هكذا مائة مرّة؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم توضأ بالماء في حال جريانه، والماء الجاري لا يحتمل النجاسة ما لم يظهر أثر النجاسة فيه.
قال: وإذا كان الرجل في المفازة و عنده إداوة من ماء وهو على طمع من وجود الماء ولكن لا يتيقن به، فإنّه ينبغي له أن يتخذ ميزابًا واسعًا ويجعل أحد طرفي الميزاب في إناءٍ طاهر، ويصب أحدٌ من رفقائه
من إداوته في طرف الميزاب وهو يتوضأ في الميزاب، ويجتمع الماء في إناء طاهر وهو طاهر؛ لأنه توضأ في ماء جار.
وسئل رحمه الله عن نهرٍ عرضه ذراعان وطوله طويل ولا يتبيّن جريان الماء فيه، أيجوز التوضؤ فيه؟
قال: إن كان بحيث لو جمع الطول والعرض صار عشرًا في عشر، يجوز التوضؤ فيه، وإلا فلا.
وسئل رحمه الله عن حوض عشر في عشر جمد ماؤُه، أيجوز التوضؤ فيه؟ قال: إن كان رأس الحوض عشرًا في عشر وما تحت الجمد كذلك، يجوز التوضؤ فيه وإن كان الماء ملتزقًا بالجمد. قال: وكان الشيخ أبو أحمد العياضي يقول: يجوز إذا حرّك المتوضئ الماء في الثقب تحريكًا عنيفًا؛ لأنّ الماء قد يجري تحت الجمد إذا حرّكه المتوضئ. قال: وكان يقع عندي أنّ الماء لا يجري تحت الجمد ولا يجوز التوضؤ فيه حتى جرّبتُه، فجِئْتُ بِصِبْغ فصبيته في ثقب الجمد، ثم أدخلت يدي فيه وحرّكت الماء تحريكا عنيفًا فذهب أثر الصبغ وتلاشى وصار بحيث لا يُرى، فعلمت أنّ الأمر على ما قاله الشيخ أبو أحمد العياضي رحمة الله عليه.
وسئل عمن قدر على الماء الجاري وماء الحوض، فالتوضؤ بأيّهما أفضل؟
قال: أما في هذا الزمان فالتوضؤ بماء الحوض أفضل؛ لأنّ مذهب الاعتزال قد ظهر في هذا الزمان وهم لا يرون التوضأ في الحياض، فيتوضأ بماء الحوض رغمًا لأنفهم.
وسئل رحمه الله عمّن أراد أن يدخل الحمام بالسنّة، كيف يدخلها؟
قال: دخول الحمام بنفسه ليس بسنّة، وما لم يكن بنفسه سنّةً كيف يمكنه ذلك؟ ولكن من دخل الحمام يفترض عليه شيئان ألّا ينظر إلى عورة أحد، ولا يُبدي عورته لأحد.
قيل له: فإذا أراد أن يخرج من الحمام لا بد له من غسل الإزار ولا يمكنه ذلك إلا بعد إبداء عورته،
فهل يأثم بذلك؟ قال: لا؛ لأنّه لا بد له من غسله ثلاثًا، فصار مأذونا بذلك، وإنّما يلحق الإثم من ينظر إلى عورته في ذلك الوقت؛ لأنّه لا ضرورة في حقه.
قيل له: ألَيْسَ روي عن رسول الله أنّه قال: لعن الله الناظر والمنظور إليه»، عمّ ولم يخص؟ قال: الخبر منصرف إلى حالة الاختيار.
قيل له: كيف ينبغي له أن يخرج من الحمّام طاهرا؟ قال: ينبغي له أن يأخذ الماء من آري الحمام؛ لأنّ الماء الذي في آري الحمام بمنزلة الماء الجاري، حتى لو وقع في الآري ماء مستعمل أو غيره من النجاسة لا يُفسده؛ لأنّ الماء يدخل من جانب و يُرفع من جانب، فيتجدّد الماء في الآري كلّ ساعة، وهذا هو صورة الماء الجاري؛ لأنّه لو لم يكن صورة الماء الجاري هكذا لما طهرت بئر بالنزح بوقوع النجاسة فيها، ولكنّ البئر لما كانت بحيث ينزح الماء من أعلاها نبع ماءٌ آخر من أسفلها، أعطي لذلك الماء حكم الجريان وحُكم بطهارة البئر،، كذلك ههنا لاشتراكهما في المعنى.
ولا يأخذ الماء من النقب؛ لأنّ الماء في الآريّ يصير راكدًا، بحيث لو وقع فيه ماء مستعمل أو نجاسة سواه ينجس الماء في الآريّ.
قيل له: إذا كان في الحمام خادم هل يباح له أن يجلس بين يديه حتى يدلكه و يغمر أعضاءه؟ قال: يباح له ذلك ما دون الركبة وما فوق السرّة، ولا يباح له ذلك فيما بينهما؛ لأنّ ما بينهما عورة.
وقال بعضهم: يجوز هذا بشرطين ألّا يغسل لحيته؛ لأنّ فيه إهانته، ولا يغمر رجليه؛ لأنّ فيه إهانة الخادم.
قيل له: ما تقول في يهودي دخل الحمام، هل يباح للخادم المسلم أن يخدمه؟ قال: إن يخدمه طمعا في فلوسه فله ذلك؛ لأنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قد كانوا يكونون أجراء
اليهود في بدء الإسلام،
ولو كان ذلك مكروها لما فعلوا ذلك، وكان النبي يشتري منهم الطعام بالنسينة؛ وإن خدمه تعظيمًا له يُنظر، إن فعل ذلك ليميل قلبه إلى الإسلام فلا بأس به؛ لأن النبي بسط رداءه الدحية الكلبي حين دخل عليه طمعا في إسلامه فأسلم؛ وإن فعل ذلك تعظيمًا لليهودي دون أن ينوي شيئًا مما ذكرنا كره له ذلك.
قيل له: فما تقول في مسلح دخل عليه يهودي فقام له، هل يكفر؟ قال: لا، ولكن يُنظر، إن قام طمعًا في إسلامه فلا بأس بذلك، وإن فعل ذلك تعظيمًا لغناه كره له ذلك لقول النبي: «من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه».
قيل له: إنما يفعل ذلك عسى أن يميل قلبه إلى الإيمان فيُسلم قال: لا يباح له ذلك في زماننا، وإنما كان ذلك في بدء الإسلام، ألا ترى إلى قول الله تعالى: (ولا تهنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعلون) آل عمران،
قيل له: فما معنى قول النبي: من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه؟ قال: قال الشيخ الإمام أبو القاسم الحكيم) رحمة الله عليه ليس المراد من الخبر نفس الإيمان، بل المراد منه أن الدين إنّما يظهر بثلاثة أشياء باللسان والجوارح والقلب، فالذي يكون باللسان هو الإقرار بوحدانية الله تعالى والإقرار بنبوة محمد، والذي بالقلب هو المعرفة، والذي بالجوارح هو إقامة الشرائع، فهو إذا تواضع للغني بالجوارح ومدحه باللسان فقد ذهب من دينه الثلثان ولم يبق له إلا الثلث وهو القلب.
فإن قيل: أ ليس روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»، فلما لا يحل له التواضع للغني بعموم هذا الخبر؟ قلنا: إنما يباح ذلك لحرمة الإسلام ولا يباح له ذلك عند الطمع.
وحكي عن الشيخ أبي القاسم الحكيم رحمه الله أنه إذا كان دخل عليه أحدٌ من الأغنياء كان يقوم له ويعظمه ويجله ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم، فقيل له في ذلك، فقال: إن الدهاقين والأغنياء يتوقعون مني بدخولهم علي القيام والتعظيم لهم، وأفعل ذلك بهم؛ إذ لو لم أفعل ذلك بهم خرجوا من عندي غير راضين، ولا
أستجيز من نفسي أن يخرج من عندي أحد غير راض عنّي، وأما الفقراء وطلبة العلم فلا يتوقعون منّي بدخولهم عليّ القيام لهم، وإنما يتوقعون منّى الجواب السلامهم والجواب لمسألتهم، وأفعل ذلك بهم فيخرجون منّى راضين.
قال: وكان الشيخ الإمام الحكيم رحمة الله عليه يقول: «لا يدخل عليّ أحد إلا ويخرج من عندي راضيا عني؛ لأنّ الذي يدخل عليّ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون صديقا لي أو عدوا إليّ، فإن كان صديقًا فأتذكَّر بين يديه من إحسان الله تعالى وفضله و آلائه ونعمائه بمكاني فيفرح بذلك؛ إذ الصديق يفرح بالإحسان إلى صديقه، فيخرج من عندي فرحًا مسرورًا؛ وإن كان عدوا إلي فأتذكّر بين يديه ما يكون بي من الوجع والمصائب؛ إذ النعمة والمحنة، فيفرح بذلك عدوّي ويخرج من عندي مسرورًا؛ وأتوقع بذلك. كله الثواب من العبد لا يخلو عن الله عز وجل؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن أفضل الأعمال فقال: «إدخال السرور في قلب المسلم».
وسئل عن دخول الحمام بالغداة، قال: ليس من المروءة ذلك؛ لأنّه لو كان في الحمام أحد من أقرباء المرأة وأوليائها فكأنّه يُظهر إليهم أنّه فعل بها الفعل الذي أحوجه إلى الاغتسال، ولو أظهر ذلك بالقول كان قبيحا، فكذا إذا أظهر بالفعل؛ ولو لم يكن أحد من أقربائها كان فيه قوم آخرون لا محالة فكأنّه يُريهم من نفسه أنّه فعل مع زوجته الفعل الذي أحوجه إلى الاغتسال، فيكون في ذلك ترك المروءة، وقد قيل: لا دين لمن لا مروءة له»، وليس المراد من المروءة زينة الدنيا كما فهم بعض الناس، وإنّما المراد من المروءة حفظ الأدب، والأدب وفاء عهد المولى؛ ولأنّ من دخل الحمام بالغداة تفوته الصلاة بالجماعة في الغالب، وليس من المروءة تفويت الصلاة عن الجماعة.
وسئل عمن توضأ على شط النهر ومشى كذلك حافيًا إلى المسجد وصلّى، قال: يُحكى عن أبي بكر الورّاق () رحمة الله عليه أنه قال:
كاد أن ينكسر ظهري في غمّ بعض الناس يتوضؤون على شطوط الأنهار ويغسلون أقدامهم
ويمشون حفاةً إلى مساجدهم، فينجسون الحصير والبواري وتفسد صلاتهم ويكون وبالُ ذلك عليهم، ثمّ ينصرفون كذلك حفاةً إلى منازلهم وينامون مع أزواجهم، فتتنجس فرشهم وأيدي أزواجهم وأرجلهن وجميع أعضائهنّ، فيصلين ولا يشعرن بذلك، فتفسد صلاتهنّ ووبالُ ذلك عليهم.
وكذلك الرجل يدخل المربط ويمشي في منزل النجاسة فيقع السرقين أو غير ذلك من النجاسة في مكعبه وقدمه، فإذا أصاب البلل ذلك الموضع ينجس، فإذا دخل المسجد ينجس بساط المسجد فتفسد صلاته وصلاة من صلى في ذلك الموضع.
ومن كانت عادته هذا فصلاته فاسدة وطعامه وشرابه حرام؛ لأنّه إذا صلّى وقدماه مبتلتان فتصيب تلك البلّة ثيابه لا محالة، فيتنجّس ثيابه، وربّما هو لا يغسل يديه من الطعام ويمسحهما بثيابه فتتنجبس يداه، وإذا أدخلهما في قصعة الطعام وإناء الشراب تنجست القصعة لا محالة، والطعام النجس والشراب النجس حرامان. قال: وأخوف ما أخاف من ذلك على أرباب الدواب وأهل الرساتيق الذين يحتاجون إلى الدخول على الدواب في المرابط في كل يوم كذا كذا مرّة.
قيل له ولما لا تظنّ به الظن الحسن فتقول: إنّه مسلم عدل و الظاهر من حاله أنّه يتحامى النجاسة؟ قال: إنّما أظنّ به الظنّ الحسن إذا كان الموضع موضع الإشكال، فأما إذا كان الموضع رأي العين مشاهدة فلا معنى لتحسين الظنّ به.
قال: وحاصل الجواب في مثل هذه المسائل: إنّ الله تعالى لو عن عامل عباده بفضله وعفى عنهم برأفته ورحمته، وإلّا فالأمر في هذا الباب على خطر عظيم، ونعوذ بالله من ذلك.
قيل له: أرأيت لو كان السرقين مختلطًا بالطين؟ قال ما دام يُرى عين السرقين فيه فهو نجس، وإن صار بحيث لا يُرى عين السرقين فيه فهو طاهر؛ لأنّ السرقين صار مغلوبًا والعبرة للغالب.
قيل له: أرأيت لو دخل المسجد متنعلا؟ قال: لا يجوز؟
ذلك وهو من سوء الأدب.
قيل له: لما؟ قال: لأن الله قال لنبيه موسى صلوات الله عليه: (فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طوى) طه،، فأمره بخلع النعلين حين دعاه إلى مناجاته، وتعظيم المسجد وحرمته أعظم من حرمة الوادي؛ ولأن المشي بالنعلين بين يدي ملك من ملوك الأرض يُعد من سوء الأدب، فلأن يكون المشي بين يديا الملك الجبار من سوء الأدب أولى.
قال الشيخ رضي الله عنه: لما شرعت في طلب العلم أوجبت على نفسي شيئين: تعظيم المشايخ وتعظيم اسم الله تعالى، فوضعت في منزلي صندوقا، فأينما وجدت كاغذة مكتوبًا فيها اسم الله عزّ وجل رفعتها ووضعتها في ذلك الصندوق، قال: واستقبلني يوما الشيخ أبو القاسم الحكيم رحمة الله عليه في بعض سكك سمرقند وكنت أنا متنعلا، فخلعتهما ومشيث بين يديه حافيًا تعظيمًا له، فقال لي: بارك الله في علمك! فبُورك في علمي لبركة دعائه، فارتفع لي من العلم في مدةٍ يسيرة ما لم يرتفع مثله لأصحابي في مدة طويلة، ليُعلم أن المشي بين يدي الأشراف مع النعلين ليس من حسن الأدب، فلأن لا يكون من حسن الأدب بين يدي الملك الجبار أولى. فسألت نجم الدين) رضي الله عنه عما روي عن رسول الله آله أنه رفع نعليه في الصلاة، الخبر، يبين وجه ذلك مأجورًا، فقال: خلع النعلين عند دخول بيت الله والقيام بخدمة الله واحترام خواص عباد الله خشوع كامل وخضوع وافر، والتخفف والتنعل والنغل طاهر والخف طاهر مباح مرخص والصلاة كذلك جائزة، والذي لا يُلام عليه أن يدخل المسجد ويمشي على الأرض البارزة متخففًا متنعلا، فإذا انتهى إلى الحصير أو اللبد أو الحشيش خلعهما، وإذا شرع في الصلاة وهو على الأرض البارزة متخففا أبيح له ذلك، ولو خلعهما ثم شرع يُستحب له ذلك.
قال الشيخ: إلا أن يكون داخل المسجد حصاة كما في المسجد الجامع بسمرقند فيخاف أن يصيب قدمه الأذي أو كان أصاب أرض المسجد شيء من النجاسة فيخاف أن تتنجس قدماه فحينئذ لا بأس به. وروى في ذلك حديثا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان له زوجان من نعل، إذا توضأ تنغل بإحديهما ومشى إلى أن ينتهي باب المسجد، ثم يخلعهما ويتنعل بالأخرى ويدخل المسجد ويمشي إلى موضع صلاته، وإنما فعل ذلك لأنه ربما يصيب نعله شيءٌ من النجاسة فإذا دخل المسجد مع ذلك أدخل النجاسة في المسجد، وإنما يتنعل بالأخرى لأنه ربما كانت هناك حصاة يتأذى بها.
وسئل رحمه الله عن التوضئ بنبيذ التمر، قال: يجوز في حال عدم الماء خارج المصر بخبر ليلة
الجن قيل له ولما استصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخرج بنفسه وحده؟ قال: كانت الحكمة فيه من ثلاثة أوجه أحدها أنّه اقتدى بأخيه موسى حين أمره الله تعالى بدعاء فرعون إلى الإسلام فلم يخرج بنفسه وحده ولكن طلب رفيقًا يذهب معه إليه بقوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي الآية طه،، فأمر الله هارون بالخروج معه بقوله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) طه،.
فكذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله تعالى بدعاء الجنّ إلى الإسلام، اقتدى بأخيه موسى عليهما السلام لنفسه رفيقًا يذهب معه ولم يذهب وحده؛ والثاني ليقتدي به أمته فلا يخرج أحد منهم من بيته مسافرًا إِلَّا ومعه رفيق مساعد كما يُقال في المثل: «الرفيق ثمّ الطريق»؛ والثالث أن ينقل ذلك الصاحب ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُقتدى به؛ إذْ أقواله وأفعاله شريعة لنا، ألا ترى أنّاؤاستفدنا جواز التوضئ بنبيذ التمر بنقل عبد الله بن المسعود رضي الله عنه إلينا؟
قيل له: ولأيّ حكمة خطّ حوله خطَّا ونهاه عن الخروج عن الخطّ؟ قال: كانت الحكمة في ذلك أنّ النبي علم أن الكفار من الجن لو قدروا على ابن مسعود أخذوه وأسروه وذهبوا به، فخطّ حوله خطًا حتى كانوا يدورون حول الخط ولا يقدرون على إيذائه لبركة دعاء رسول الله، ونهاه عن الخروج عن الخطّ كيْلا يقدروا عليه.
قيل له ولأي حكمة لم يذهب به إلى موضع المخاطبة؟ قال: كانت الحكمة في ذلك من وجهين، أحدهما أن النبي الله علّم أن ابن مسعود لا يحتمل رؤية الجنّ؛ والثاني أنه عليه السلام علم أن الجن ربما يجيبون رسول الله بجواب لا يحتمل قلب ابن مسعود فيشق عليه ذلك ويشتغل قلبه بذلك.
قيل: له وأيش كانت الحكمة في تخصيصه عليه السلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من بين سائر الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم بقوله: «ليقم معي من ليس في قلبه حبة من خردل من كبر»،، ثم قال: «قم، يا ابن أم عبد فهل يجوز لأحدٍ أن يقول: إن عبد الله بن مسعود كان هو المخصوص بهذه الخصوصية وهي صفة التواضع دون غيره من الصحابة؟ أجاب عن هذا من وجهين، أحدهما أن تخصيصه من بين سائر الجملة بقوله: «قم» يا ابن أم
عبد» لا يدل على أن غيره من الصحابة لم يكونوا بهذه الصفة، ألا ترى أن من قال لجماعة من المتوضئين: من كان منكم متوضئا فليقم معي، ثم قال لواحد منهم قم أنت يا فلان لا يدل ذلك على أن المخصوص بهذه الصفة هو دون غيره؟ قال: والذي يدل على أن غيره من الصحابة كانوا موصوفين بصفة التواضع ما روي أن سلمان رضي الله عنه خطب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنته، وكان عمر رضي الله عنه من رؤساء العرب وأشرافها وسلمان رجل فارسي من الموالي، توقف عمر رضي الله عنه ساعة ثم أجابه، فقال له سلمان: لا حاجة لي في ابنتك، إنما أردت بذلك لأنظر: هل بقي فيك من كبر الجاهلية شيء، أو قال: من كبر آبانك شيء، وقد علمت أنه لم يبق؛ والثاني أنه وإن ثبت أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان مخصوصا بهذه الصفة بحيث لا يشاركه غيره، فهذا لا يدل على أنه كان أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين؛ لأنه يجوز أن يكون الرجل مخصوصا بخصلة محمودة وغيره يكون مخصوصا بخصال محمودة؛ ثم لا يدل على أن صاحب الخصلة الواحدة يتفاضل على صاحب الخصال، ألا ترى إلى قول النبي في خبر التلقيح: «أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمور آخرتكم»؟ ثم اختصاصهم بالعلم في أمور الدنيا الذي لم يشاركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لا يدل على أنهم كانوا أفضل منه، فكذا ابن مسعود مع سائر الصحابة.
قيل له: أليس في قيام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من بين الجملة تزكية نفسه، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: إنّما يكون تزكيةً أن لو قام بنفسه، فأما إذا كان قيامه بأمر النبي فلا يكون في ذلك تزكية نفسه وإنّما يكون ائتمارًا بأمر النبي وائتمار أمره كان فرضًا عليه، وقد أمره النبي عليه السلام بقوله: «قم، يا ابن أم عبد»؛ ولئن صحّ أنّ قيامه بدون أمره فيحتمل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أخبره بذلك، فلما قال ذلك علم أنّه هو المأمور بالخطاب فقام.
قيل له: إنّ الآدميين خُلقوا من التراب ودفنوا في التراب بعد الموت، والجنّ خُلقوا من النار فإذا ماتوا في ماذا يُدفنون؟ فقال: إنّ الله تعالى أخبرنا بخلقهم بقوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) الحجر،، ولم يخبرنا أنّهم في ماذا يُدفنون، ولم يُرو أنّ النبي سأل ربه عن ذلك، فدل أنّه ليس علينا معرفة ذلك.
قيل له: إنّ مَنْ أسلم مِن الجنّ ومات على الإسلام، والذي أبى أن يُسلم ومات على الكفر، ما حالهم في الآخرة؟ فقال: أما من لم يُسلم منهم فلا شك أن مصيره إلى النار لقوله تعالى: (لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود،، وأما من أسلم منهم فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما يكون لهم الثواب في الجنّة كما يكون للآدميين، وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لا يُحكم بأنّ لهم حظًّا في الجنان التي أعد الله تعالى للآدميين؛ لأنّ الله تعالى لم يبيّن في القرآن ذلك، ولو قال قائل بأنّ حالهم في الآخرة كحالهم في الدنيا، فتكون الجنان للآدميين فهم ينتفعون بجنانهم وبساتينهم ويستظلون بأشجارها، كما في الدنيا الجنان والبساتين ملك الآدميين ولهم الانتفاع من جهة السكنى والاستظلال تحت الأشجار، كذا في الآخرة استدلالا بالشاهد على الغائب؛ ولأنّ الله تعالى لم يبين لهم ثوابًا في القرآن، ونعلم يقينًا أنّه لا يُضيع إيمانهم فيعطيهم ما شاء، وهو يعلم بذلك ونحن لا نعلم.
قال رضي الله عنه قال محمد في الأصل: الحَلَم إذا مات في الماء القليل أوجب تنجس الماء؛ لأن الحلم له دم سائل، فمن أصحابنا من قال: معنى تعليل محمد أن الحلم له دم سائل يعني الحلم استخرج الدم من بدن الحيوان الذي له دم سائل؛ إذ الحلم ليس في نفسه عروق يسيل فيه الدم من عرق إلى عرق، لكنه استخرج الدم من بدن حيوان له دم سائل لاجتماع الدم في بطنه، وإلّا فهو من جنس حيوان ليس له دم سائل إن لم يكن في بطنه ذلك كالعلق ونحوه.
قال رضي الله عنه: وهذا لا يعجبني؛ لأن الأصل عندنا أن كل شيء جعل غذاء للحيوان حرامًا كان ذلك الشيء أو حلالا فتناوله حيوان يصير ذلك المتناول بطبع المتناول ويقطع حكم الأول، ألا ترى إلى ما روي عن محمد رحمة الله عليه أنه قال: إذا شرب الرجل الخمر أو أكل الميتة ثم قاء من ساعته عين الخمر وعين الميتة أقل من ملء الفم لا ينقض وضوءه، ولو أصاب ثوبه لا يوجب تنجسه، ولو وقع في الماء القليل لا يفسده؟ ألا ترى أنه كيف قطع حكم الأول وأعطى له حكم القيء؟ فبطل بهذا قول من قال بأن معنى تعليل محمد رحمه الله هذا.
والوجه الصحيح عندي من تعليل محمد أن الحلم له دم سائل أن يُقال بأن الدماء في الجلمة ثلاثة أنواع: دم يسيل في بدن الحيوان من عرق إلى عرق وهو نجس؛ ودم له حكم اللحم وليس من طبعه السيلان مثل الكبد والطحال، قال صلى الله عليه وسلم: «أحل لنا ميتتان و دمان»؛ و دم واسط بينهما
وهو الدم الذي يكون في اللحم من حيث لا يخلو. اللحم من ذلك الدم وهو بنفسه سائل لكثرته، فكذلك الدم الذي في الحلم، فهذا معنى تعليله في الكتاب. قيل له: هل للفأْرة عروق يسيل فيها الدم؟ فتبسم وقال چون من قصابي موشان نکرده ام چه
ومثل رحمه الله عن إمساك دود القز لاتخاذ الفيلق، قال: لا بأس به، وإنَّما يُكره للنساء الخروج من منازلهن لطلب ورق الفرصاد؛ وهذا لأن هذا من المكاسب التي جرى بها العمل من لدن رسول الله إلى يومنا هذا؛ إذ القزّ والإبريم كانا موجودين في زمن النبي وفي زمن التابعين، وذاك لا يحصل إلا بإمساك دود القزّ، ولم يُرو عنهم النكير على فاعله.
فإن أشكل على إنسان أنّها تُطرح في الشمس حتى تموت وفي ذلك تعذيب الحيوان من غير جريمة وذلك الظلم والظلم حرام عقلا وشرعًا، فيقال له: أليس السمك يُصاد فيُطرح في الشمس ولا يُلام فاعله؟
وسئل رحمه الله عن بحار الكنيف والاصطبل، إذا صعد السقف وتقاطر شيء منه في الماء القليل أو أصاب الثوب، أيوجب التنجيس؟ قال: نعم؛ لأنّه متولد من النجس.
وسُئل رحمه الله عن رجل أدخل يده في إزاره ومس ذكره بباطن كفّه وهو يصلّي، قال: لا تفسد صلاته، ولكن فيه ترك المروءة وسوء الأدب؛ لأنّه لو فعل ذلك وهو قائم بين يدي ملك من ملوك الأرض كان ذلك منه سوء الأدب وترك المروءة، فما ظنّك فيمن فعل ذلك وهو قائم بين يدي ملك السماوات والأرض؟!
وسُئل عمن نام قاعدًا، قال: لا وضوء عليه.
قيل له: فإن نام متّكئًا مستندًا إلى شيء بحيث لو رُفع المسند يسق؟ قال: لا ينقض أيضًا، والعبرة عندنا إذا كانت أليتاه مستقرتين لا ينقض وضوءه وإن كان بحيث لو رُفع المسند يسقط؛ لأنّه لا يوجد استرخاء المفاصل واستطلاق ما يتوهّم خروج الحدث عنه، والعبرة لهذا.
وسئل رحمه الله عن امرأةٍ ركبت فرسًا أو حمارًا، أينتقض وضوؤها؟ قال: إن خرجت من قبلها بلّة انتقضت طهارتها.
ثم قال: اعلم أن النساء لا يباح لهن الركوب على السروج لقوله «من أشراط الساعة ركوب الفروج على السروج».
قيل له: أيش الحكمة في تخصيص ذكر الفرس دون غيره من المراكب؟ قال: لأن المرأة منهية عن الخروج من بيتها إلا في حالة الضرورة، وتخرج في حالة الضرورة كأمر ما يكون لها إما عند العشاء أو عند السحر راكبة حمارًا أو في محمل لا يقع بصر الأجانب عليها، ثم النبي علم ألهن يخرجن في آخر الزمان متكشفات غير مستترات يركبن الفرس والبراذين للكبر والفخر والخيلاء، فألحق هذا التوبيخ بركوب الفرس دون سائر المراكب.
وسُئلَ رحمه الله عمن ضحك في صلاته قهقهةً، قال: انتقض وضوؤه، ومعنى قوله في الكتاب "انتقض وضوؤه" أي انتقض حكم وضوئه لا عينه، وإنما قلنا ذلك لأن الضحك استخفاف بالصلاة، وهو قائم بين يدي الله تعالى، والاستخفاف بالصلاة التي مندوب فيها إلى الخشوع والخضوع نوع من المعصية، ومن ارتكب معصية تجب عليه الكفارة، وبيان تلك الكفارة بالشريعة، والشرع جعل كفارة هذه المعصية الطهارة بقوله: «ألا، من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعًا».
والدليل أن الطهارة تجوز أن تكون كفارة للمعصية قوله: «من توضأ فغسل أعضاء وضونه ثلاثا ثلاثا تناثرت خطاياه حتى صار كيوم ولدته أمه»، وروي أن رجلا جاء إلى النبي وقال: يا رسول الله، إلي وجدت امرأة في بستاني فأصبت منها كل شيء إلا الزنا، فأمره النبي بإعادة الوضوء، فثبت بهذين ظ الدليلين أن الوضوء يجوز أن يكون كفارة للمعصية.
فإن قيل: إذا لم ينتقض وضوؤه، لما لا تجوز صلاته بذلك الوضوء؟ فقال: منعنا إياه عن إقامة الصلاة بذلك الوضوء ما لم يكفر أي يجدّد الوضوء لا يدل على انتقاض الطهارة الأولى، ألا ترى أن من ظاهر من امرأته فإنَّه يُمنع عن قربانها ما لم يكفر؛ ثم منعنا إياه عن قربانها ما لم يكفر لا يدل على انتقاض النكاح وبطلائه.
فإن قيل: هذا الخبر ورد مخالفًا للأصول فلا يعمل به، والدليل على ذلك أنه لو ضحك في صلاة الجنازة أو في سجدة التلاوة لا ينتقض وضوؤه؛ فقال: لا، بل ورد موافقا للأصول لما ذكرنا أن الضحك في ا الصلاة معصية والشرع جعل إعادة الوضوء كفارة لتلك المعصية، والكفارة إنما تجب بهتك حرمة كاملة، ألا ترى أنه لو أفطر في قضاء رمضان لم تلزمه الكفارة لعدم هنك حرمة كاملة وصلاة
الجنازة ليس لها ركوع وسجود، وسجدة التلاوة ليس لها تحريم وتحليل، فلا يكون الضحك فيهما هتك حرمة كاملة
وسئل رحمه الله عن بلة يراها المتوضئ بعد الوضوء على عضوه، قال: إن كان ذلك أول مرة يعيد الوضوء، وإن كان يُريه الشيطان ذلك كثيرًا لا يعيد الوضوء؛ لأنّ الظاهر أنه من ماء الاستنجاء لا من البول؛ لأنّ البول كان منقطعا فلا يحكم بسيلانه إلا بيقين، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للذي سأله عن هذا: «انضخ فرجك بالماء»، فإذا أتاك الشيطان وقال: هذا من البول، فقل له: لا، بل هو من الماء.
قيل له: وهل يدخل الشيطان المسجد حتى يوسوس إلى المصلي؟ قال: إنِّي أعلم أن الشيطان يوسوس إلى المصلي ولكن لا أعلم أنه يدخل المسجد أو لا.
قيل له: وبما يعرف العبد وسوسة الشيطان من إلهام الملك حتى يعرض عن الوسوسة ويتبع إلهام الملك؟ فقال: ما لي ومعرفة إلهام الملك من وسوسة الشيطان، فإنّ الله تعالى أنزل كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنّ رسوله المصطفى الذي لا يرد عليه نقض ولا وهنّ، وأمرنا الله تعالى باتباع ذلك كله بقوله تعالى: (أطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُول) (محمد،)، فكل ما خطر ببالنا أو تصوّر في أوهامنا فنعرضه على كتاب الله تعالى وعلى سنة رسول الله، فما وافق كتابه وسنّة رسوله قبلناه وعملنا به، وما خالف ذلك أعْرضنا عنه.
وهذا كما حكي أن بعض الخلفاء كتب إلى عامله كتابًا، فلما ورد عليه الكتاب جمع العلماء والأعيان وعرض عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين ورد علي، فاتبعوه واعملوا بما فيه! فأجابه الحسن البصري وقال: أيها الأمير، إنه ورد علينا قبل هذا كتاب من الله تعالى، فعرض كتاب أمير المؤمنين كتاب الله تعالى فما وافق من ذلك كتاب الله تعالى نقبله بالرأس والعين وما خالف لا نقبل ولا نعمل به.
فقال له السائل: إني رجل جاهل عامي لا أدري هذه الأشياء التي ذكرتها، فقال له: لا جَرَمَ جَهَنَّمَ لك بحدودها الأربع وأنت غير معذور في جهلك؛ لأنك إن عجزت عن التعلم ما عجزت عن السؤال، فتحضر عالما يعلم الكتاب والسنة فتسأله حتى يُخبرك العالم بذلك، حتى لا يصير مثلك مثل عابدٍ وقعت بصره ذات يوم على حرام وخاف على نفسه أن طبعه يميل إليه ولم يكن يعلم ما يجب عليه
ولم يسأل عن ذلك فقيها حتى يخبره فخطر بباله أن يعاقبها بعقوبة حتى لا تعود لمثله، فطيّنها عقوبة لها، ومضى على ذلك زمان فاستقبله
فقيه فقال له ما لي أراك على هذه الحالة؟ فقال: إن عيني هذه وقعت على حرام فعاقبتها حتى تعتبر بها العين الأخرى، فقال له الفقيه: ومنذ كذا كذا؟ فقال له: منذ كذا يومًا، فقال له وهل غسلتها عند وضونك لصلاتك؟ فقال: لا، فقال له: اغسل عينك وأعد صلواتك التي صليتها على تلك الحالة.
وحكي أيضا عن فقيه آخر أنه استقبله عابد قد لطخ لحيته وشاربه بالعذرة، فقال له الفقيه: ما لي أراك على هذه الحالة؟ فقال: إن أنفي ربما تشم رائحة الدنيا وطيبها، فخفت على نفسي أن يميل قلبي إلى الدنيا فأحبها ففعلت هكذا، فقال له الفقيه ومنذ كذا فعلت هكذا؟ قال: منذ كذا كذا، فقال: وهل غسلتها عند وضونك لصلاتك؟ قال: لا، فقال له: اغسلها وأعد صلواتك التي صليتها وأنت على هذه الحالة.
قال رضي الله عنه: لا تقنع بالجهل واشتغل بالتعلم، وإن كنت عاجزًا عن التعلم فلا تكن عاجزا عن السؤال، قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل،، حتى لا تهلك كما هلك هذان العابدان؛ إذ لو سألا فقيها أخبرهما بموجب جريمتهما فلم يزيغا عن الطريق المستقيم، ولا عذر لهما؛ لأنّ الله تعالى قطع العذر في ذلك كله بقوله: (فَاسْأَلُوا أهل الذكر إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النحل،.
قيل له: إن هذه الخواطر الفاسدة والوساوس الرديئة أكثرها تقع في الصلاة، فمن أين هذا؟ قال: إنَّما يجيء هذا العيب من خارج الصلاة؛ لأنّ المصلي لو كان يحفظ قلبه خارج الصلاة ولا يتركه حتى يخطر مثل هذه الخواطر والوساوس فيمكنه محافظته في الصلاة، فأما إذا لم يتعرض لحفظه وحراسته خارج الصلاة ولم يُروّضها وأراد حفظها في الصلاة فقل ما يمكنه ذلك. قال: والسلف الصالح كانوا يحفظون أنفسهم وقلوبهم خارج الصلاة حتى أمكنهم. حفظها في ا الصلاة، حكي عن خلف بن أيوب) أنه كان لا يذب الذباب خارج الصلاة مخافة أن يعتاد ذلك فيجري الصلاة على تلك العادة فيكون فيه إزالة اليد عن الموضع المسنون، فلهذا قال النبي لعمر رضي الله عنه «إذا أخذت طريقًا يأخذ الشيطان طريقًا آخر»، قال: وليس المراد من الخبر ما فهمه بعض الناس أن عمر إذا سلك طريقا يسلك الشيطان طريقًا آخر، لكن المراد منه أنه إذا شرع في عبادة تركه الشطان وتلك العبادة، لما يعلم أنه لا يجد إليه سبيلا في تلك العبادة، لما أنه كان يحفظ نفسه وقلبه خارج الصلاة.
ولو فعل في زماننا واحد مثل ما فعل السلف أمكنه أيضا حفظ القلب في الصلاة، لكن مثلنا في زماننا ومثل السلف الصالح مثل الرجليْن يريدان مجاوزة العقبة، فتعاهد أحدهما دابته قبل انتهاء العقبة والآخر عند العقبة، فكيف يوازي صاحبها في المجاوزة؟ ولهذا قيل بالفارسية «خر را بپايان عقبه جو دهي سود ندارد» (¬1).
قيل له: ما تقول في رجلين يصليان، أحدهما يحضر قلبه وبدنه في الصلاة والآخر يحضر بدنه دون قلبه، أيهما أفضل؟ قال: صلاة الذي يحضرهما جميعا.
فقيل له: إذا كان الرجل في المسجد وقلبه في السوق، هل يجوز أن يقال: إنه ليس في المسجد ولا في الصلاة؟ قال: كيف لا يجوز والله تعالى سمّى الكفرة صما وبكمًا وعميا، ونحن نعلم أنهم يبصرون ويتكلمون ولكن لما لم ينظروا بعين العبرة في الملكوت ليروا ما فيها من العجائب حتى يدلهم ذلك. على وحدانية الله تعالى سماهم عميًا وإن كانوا يبصرون، ولما لم يتكلموا بالحق - وهو شهادة ألا إله إلا الله - سماهم بكما، فكذلك ههنا: إذا صلى وقلبه مشغول بالدنيا، ومع هذا تجوز صلاته.
وعلى أن سؤالك أنه لا يحضر قلبه محال؛ لأن لو لم يحضر قلبه لاشتغل بعمل آخر من أعمال الدنيا ولم يركع ولم يعرف الركوع من السجود ولا أعداد الركعات، ولما لم يشتغل بذلك ولكن توجه نحو القبلة وأتى بأركان الصلاة دل على أنه أحضر قلبه
وبعض الناس الذين يدعون طريق الزهد ولا حظ لهم في " الفقه يقولون: من لم يكن قلبه في الصلاة مع الصلاة لا قيمة لصلاته، وهذا ليس بشيء؛ لأن الله تعالى أمرنا بإقامة الصلاة، وتحت هذا الأمر أمور: كالطهارة وستر العورة والنية، ولو أن واحدا من الملوك أمر عبدًا من عبيده بأوامر فأتى العبد بأكثرها وقصر في بعضها، فإنه يقبل ما أتى به على التمام ويُرجى العفو عما وقع فيه من التقصير: كذا ههنا.
قيل له: قد سمعنا أن المصلي إذا كان بحيث يعلم من عن يمينه وعن يساره فلا صلاة له، قال: معناه: التحريض على حفظ القلب لا نقصان الصلاة، ألا ترى النبي كان في بيت زوجته ميمونة خالة عبد الله بن عبّاس، فقام الصلاة الليل فقام ابن عباس رضي الله عنه وتوضأ واقتدى برسول الله وقام
¬
(¬1) في عبادة تركه الشطان في تلك العبادة لما يعلم أنّه لا يجد إليه سبيلًا في تلك،
عن يساره فأخذ رسول الله ببعض جسده وأداره خلفه وأقامه عن يمينه؟
وسئل رحمه الله عن امرأةٍ تغتسل من الجنابة، هل يجب عليها إدخال الإصبع في قبلها؟ وما مقدار يجب عليها أن تغسل من داخل قبلها؟ فقال: اعلم أنّ للنساء نقب ودون النقب مكان مستتر باللحم والجلد، فهو كنقب الفم والحلق وراءه، فيلزمها تطهير ما دون النقب كما في الفم ولا يجب تطهير الباطن.
وحكي عن الفقيه أبي الليث رحمه الله أنّه ذكر في كتابه حاكيًا عن أبي القاسم أنّه قال: لا يجب عليها إدخال الإصبع في قبلها، قال: وبهذا نأخذ.
وسئل رحمه الله عمّن اغتسل وبين أسنانه طعام فلم يبلغ الماء ذلك الموضع وصلّى، قال: يُنظر، إن
كان موضعًا يصل الماء إليه بالإمرار لو لا هذا الطعام لا تجوز صلاته، وعليه أن يُوصل الماء إلى ذلك الموضع ويعيد الصلاة.
وسئل رحمه الله عن رجلٍ أذهن رجله ثم غسلها في الطهارة ولم يلتزق الماء بها، أيجزئه؟ قال: نعم؛ لأنّه مأمورٌ بالغسل، والغسل يقتضي الإسالة والإمرار على الأعضاء دون الالتزاق، وقد حصل.
وسئل رحمه الله عمّن توضأ وشاربه طويل لا يصل الماء تحته قال: يجوز؛ لأنّ الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه اسم لما ظهر لا لما بطن، وقال بعضهم: لا يجوز ما لم يصل الماء تحته.
قال: وروي أنّ خالد بن الوليد كان صاحب الجيش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الصحابة، وكان يطول شاربه لكي يكون أهيب في عيون الأعداء وأكثر للرعب في قلوبهم، والنبي كان يرى ذلك ولا ينهاه، دلّ أنّ تطويل الشارب للغزاة بهذه النيّة يجوز، ولا يجوز لغيرهم ذلك؛ لأنّ ذلك من فعل الفسقة.
وسئل رحمه الله عن الكافر، هل يجب عليه غُسل الجنابة؟ قال: لا؛ لأنّ الكفّار غير مخاطبين بالشرائع عندنا.
قال: ولو أسلم بعدما جامع ويريد الصلاة، اختلف المشايخ في وجوب الاغتسال عليه، قال بعضهم: يجب عليه كما يجب عليه الوضوء.
وسئل عن رجل توضأ و به جراحة فقشر جلده من رأس الجراحة وصلّى كذلك ولم يغسله،
قال: إن قشره بعد ما برأ بحيث يألم بذلك فعليه أن يغسل ذلك الموضع ويعيد الصلاة، وإن قشر قبل البرء بحيث يألم به يُنظر، إن خرج منها شيء وسال نقض وضوءه، وإلا فصلاته تامة.
وسئل عن امرأة صلّتْ وظهر قدمها مكشوفة، قال: صلاتها فاسدة؛ لأنّها عورة، وكذا لو كان ربعها مكشوفا، وفي ظاهر الرواية ظهر القدم ليس بعورة في حق الصلاة.
وسُئل رحمه الله عن مسافر يصلي على دابته وسرجها نجس، قال صلاته جائزة؛ لأن النجاسة المانعة عن جواز الصلاة أن تكون في موضع القيام، والراكب لا قيام عليه.
وسئل رحمه الله عمن يصلي على كوهستان يرعى الناس فيها الدواب ويبولون فيها الدواب ويروثون ولا يعاينها، قال: جازت صلاته لعموم قوله عليه السلام «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وإن صلى في موضع تيقن بالنجاسة فيه يُنظر، إن لم تمطر السماء ولم يسل عليه الماء لم تجز صلاته، وإن مطرت السماء أو جرى عليه الماء وذهبت عين النجاسة عن الإذخر جازت صلاته؛ لأن الإذخر يظهر بجريان السيل عليه، والأرض قد طهرت بالييس والجفاف لقوله عليه السلام: «زكاة الأرض يُبسها».
وسئل عمن سجد في الصلاة على يديه، قال: يجوز لكنّ الأفضل ألا يفعل ذلك؛ لأن أفضل الأعضاء الوجه وأمرك الله تعالى بوضع أفضل الأعضاء على أهون الأشياء - وهو التراب - تواضعًا الله تعالى وخضوعا له.
ثم قال: كافران بدين جهان سجده نکردند روي بر خاک ننهادند و تواضع نکردند، لاجرم روز قيامت فرشتگان را بفرمايند تا بگردنشان و بروي اندر گشان بدوزخ برند، (¬1) قال الله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) {القمر،} و مؤمنان تواضع کردند و روي بر خاک بهادند لاجرم روز قيامت بروشناي روي خوش مي روند تا بهشت، (¬2) قال الله تعالى: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تمشون به الحديد،.
ثم قال: لا ينبغي للمصلي أن يمسح التراب عن موضع سجوده ولا يفترش شيئًا يسجد عليه،
¬
(¬1) معناه: الكافرون لم يسجدوا في هذا الدنيا، لم يضعوا وجوههم على التراب ولم يتواضعوا، لا شكّ أنّ يوم القيامة سيُؤمر الملائكة أن يأتوا بهم في النار على وجوههم.
(¬2) معناه: والمؤمنون قد تواضعوا ووضعوا وجوههم على التراب، فلا شكّ أنّهم سيذهبون يوم القيامة إلى الجنّة في سرور وسعادة.
بل ينبغي أن يسجد على التراب؛ لأن ذاك أقرب إلى التواضع.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا سافر في البحار استصحب التراب مع نفسه، وإذا صلى سجد على التراب، فعلم أن ذاك أفضل؛ إلا أن المؤذن أو غيره لو احتسب وكنس المسجد والحصير فهو حسن؛ لأن فيه تعظيم بيت الله تعالى.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من كنس مسجدًا من مساجد الله فكأنّما أعتق أربعمائة رقبة وكأنما حجّ أربعمائة حجّة وكأنّما غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة غزوة».
وسئل عن حصيرٍ أصابته نجاسة، كيف يُغسل؟ قال: اختلف المشايخ في هذا، منهم من قال: يغسله مرّة ثمّ يتركه حتى يجت، ثم يغسله ثانيًا و يتركه حتى يجت، ثم يغسله ثالثًا ويتركه حتى يجت؛ لأنّ الحصير لا يمكن عصره، فأُقيمَ كلّ جفاف مقام العصر فيما يعصر؛ وقال بعضهم: يغسله مرّة ويتركه حتى يمتنع الماء عن التقاطر والسيلان، ثم يغسله ثانيًا وثالثًا كذلك ولا ينتظر الجفاف.
قيل له: والشيخ على أي القولين يعتمد؟ قال: على القول الثاني.
وسئل رحمه الله عن دَنّ كانت فيه خمر فأهريقت الخمر ثم جُعل فيه الخَلّ، هل يطهر الدن؟ وهل يباح شرب ذلك الخلّ؟ قال: نعم.
قيل له وما تقول في قطرة من خمر وقعت في دنّ من خل وهي بحيث لا تُرى ولا تُشاهد ولا يوجد طعمها ولا رائحتها، هل يُباح أكل ذلك الخل من ساعته؟ قال: لا، حتى تمضي عليه ساعة.
قال: وبمثله لو صبّ فيه كوز من خمر أو أكثر وهي بحيث لا يُرى عينُها ولا يوجد طعمها ولا رائحتها.
قال: يحلّ أكل ذلك الخلّ من ساعته، والفرق بينهما أنّ القطرة الواحدة إذا وقعت في دنٍ من خلّ، فيحتمل أنّها صارت خلا من ساعته ويحتمل بعد على حالها لم تصر خلا لكن لا يوجد طعمها ولا
رائحتها لقلتها وغلبة الخل عليها، وقد يُتصوّر مثل هذا كقطرة من خمر وقعت في إناءٍ من ماء أو لبن، فالخمر فيها على حالها نجسة ولا يجوز أكل ذلك، ذلك لا يوجد طعمها وريحُها لقلّتها وغلبة ذلك الشيء عليها، فإن اعتبرنا المعنى الأول حلّ، ومع وإن اعتبرنا المعنى الثاني لا يحلّ، وما كان سبيله هذا فالاحتياط في ترك تناوله حتى يتيقن، وتيقنه بمضي المدة؛ وهذا المعنى فيما إذا كان كثيرًا معدوم؛ لأنّ الخل لا يغلب عليها، وإنّما ذهب ريحُها وطعمها لما أنّها صارتْ خلًّا يقينًا.
قيل له: أليس لو وقعت نجاسة في دنّ خمرٍ سوى الخمر يتنجس الدنّ والخمر جميعًا حتى لا يطهر الدنّ إِلَّا بالغسل؟ فإذا تنجس بنجاسة الخمر لما حكمت بطهارته بدون الغسل؟ قال: اعلم بأنّ الآلة متى تنجست بنجاسة عين فإنّها تطهر بطهارة تلك العين بدون الغسل، ومتى تنجّست لا بنجاسة عين التي فيها لكن بنجاسة سواها لا يطهر إلّا بالغسل، ألا ترى أنّ جلد الميتة لمّا كان نجسًا بنجاسة عينه، فإذا زالت النجاسة عن عينه بالدباغ حكم بطهارته ولا يُحتاج إلى غسله؟ وبمثله لو دبغ الجلد بدهن نجس لا يطهر إلّا بالغسل لما أنّه تنجس بنجاسة غيره، كذا ههنا.
وسئل رحمه الله عن شعرة من شعرات الرأس أو اللحية وقعت في الماء القليل، هل ينجس الماء؟ قال: من العلماء من قال بأنّ ذلك يوجب تنجيس الماء؛ لأنّها ميتة ووقوع الميتة في الماء يوجب تنجيس الماء.
قيل له: فما مذهبك في هذه المسألة؟ قال: إذا كان قليلا نحو شعرتين أو ثلاثة لا يوجب التنجيس، وإن كان أكثر من ذلك يوجب تنجيسه؛ لأنّ في القليل ضرورةً خصوصا في وقوع شعر النساء في الأطعمة والأشربة التي يتولين طبخها، وما ضاق على الناس فحكمه ساقط لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج،.
قال: والأصل عندنا أنّ كلّ ما يطهر لحمه بالذكاة فشعره وعظمه طاهرٌ وما لا فلا، وما يطهر بالذكاة كلّ ما يأكل لحمه والحمار والبغل ونحوهما ما خلا الآدمي والخنزير، فإنّهما لا يطهران بالذكاة فشعرهما وعظمهما نجس، واختلفوا في الكلب، قال بعضهم: يطهر لحمه بالذكاة، وقال بعضهم: لا يطهر.
وسئل عمّن كسر عظمه فوصله بعظم الكلب، أتجزئه صلاته؟ قال: إن ثبت العظم بحيث لا يمكن انتزاعه إلّا بضررٍ جازت صلاته، كمن كان معه ثوب نجس وليس معه ثوب آخر طاهر جازت صلاته للضرورة، كذا هذا.
وسئل عن معنى قول النبي: «الوضوء قبل الطعام بركة وبعده ينفي اللمم، واللمم الجنون»، فأي جنون في هذا الطعام حتى ينفي عنه غسل اليدين؟ قال: ليس المراد منه نفي الجنون، وإنما المراد منه نفي التشبيه بالمجانين؛ لأنه إذا لم يغسل يديه يصير مجمع الذبان، وذلك صفة المجانين، وقال «من تشبه بقوم فهو منهم»، والمجنون يتبعه الصبيان ليصيبوا. من كلامه فيضحكون منه، والذي لم يغسل يديه تبعه الذبان ليصيبوا من رائحة الطعام فيشتون، فلا فرق بينهما من هذا الوجه.
وقد كان الشيخ ضيفًا بودار في منزل واحد من تلاميذه، فلمّا قُرب الطعام أمر أصحابه بغسل الأيدي، فامتنع واحد منهم عن غسل اليدين تعظيما له، فقال له: اغسل يدك لدفع الأذي عن جارك، ثم قال: الناس اعتادوا البداية بالأشراف في غسل الأيدي قبل الطعام وبعده، والصواب عندي البداية بالأوساط قبل الطعام وبالأشراف بعد الطعام ثم بالأوساط؛ لأنّ الأدب فيمن غسل يديه للطعام أن يمسكهما، كذلك لا يأخذ بهما شيئًا ولا يممن بهما ثوبًا حتى يضعهما على الطعام، فإذا بدئ بالأشراف فلا بد له من إمساكهما كذلك؛ إذ لا يمكنه البداية بالطعام دون أصحابه، فيبقى موقوفا وليس ذلك من المروءة، وربما تقع له الحاجة إلى وضعهما على الأنف ولا يمكنه ذلك لما فيه من إساءة الأدب، فأما بعد الطعام فإنه يُبدأ بالأشراف؛ لأنّ الأدب والمروءة ألا يضع الرجل اليد على شيء بعد الطعام حتى يغسلهما، فإذا بدأ بالأوساط يبقى الشريف موقوفا لأجلهم.
وسئل عن المسح على الخفين يراه الرجل إلا أنه يحتاط فينزع خفيه عند كل وضوء ولا يمسح
عليهما، قال: أحب إلي أن يمسح على خفيه لمعنيين، أحدهما أن المسح على الخفين رخصة، والله جل وعزَّ يحب أن يؤتى ظ برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه»؛ والثاني لنفي التهمة؛ لأن الروافضة لا يرونه، والنية عمل القلب لا يطلع عليها العباد، وإنما يطلعون على ترك المسح فيتهمونه، والله تعالى قَالَ: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأرجلكم) المائدة،، والآية قرنت بقراءتين، فينبغي أن يغسل رجليه في حال عدم اللبس ويمسح عليهما في حالة اللبس ليصير عاملا بالقراءتين.
قيل له: أرأيت لو كان الخت واسعا بحيث لو نظر ناظر من أعلى الخفت يرى رجله في الخت؟ قال: يجوز، ألا ترى أن من لبس القميص بغير سراويل جاز وإن كان بحال لو نظر واحد من أسفل القميص يرى عورته؟ ليُعلم أن هذا غير معتبر، والمعتبر ستر الظاهر.
وسئل رحمه الله عمّن كان في السفر وليس معه ماءً ومع رفيقه ماءً، قال: إن كان باعه بثمن كثير يتيمم، وإن باعه بثمن مثله لا يتيمم، ولا يباح له أخذ الماء على كرم منه إذا لم يكن له ثمن؛ لأنه بالإحراز ملكه، بدليل أنه يجوز بيعه ولا ضرورة له؛ لأن التراب بدل عنه، ويُباح له الأخذ للشرب لتحقق الضرورة.
وكذا الجواب فيما إذا باع بثمن كثير: إن احتاج إليه لمعنى العطش جاز له أن يشتري، وإن احتاج إليه لمعنى الطهارة فإنَّه يتيمم ولا يشتري؛ لأن هذا يُعد إسرافًا.
وسئل رحمه الله عن ثلاثة نفرٍ أحدهم جنب والأخرى حائض طهرت من حيضها والثالث ميت وعندهم من الماء ما يكفي لأحدهم، قال: إن كان الماء مملوكًا لأحدهم فصاحب الملك أولى، وإن كان مباحًا اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: الجنب أولي، وقال بعضهم الميت أولى؛ لأنّ هذه آخرُ طهارة الميت كي يلقى الله تعالى بها، والغسل طهارة كاملة والميت متى لقي الله تعالى بطهارة كاملة أولى.
قيل له: وما قولك فيه؟ قال: قولي: إنّ الجنب أولى؛ لأن غسل الجنب فريضة وغسل الميت سنة، فصرف الماء إلى إقامة الفريضة أولى.
قيل له: الغسل من الحيض فرض أيضا كالجنابة، فلما كان صرفه إلى الغسل من الجنابة أولى؟ قال: لأن الجنب إذا اغتسل يصلح أن يكون إمامًا للمرأة في صلاة الجنازة، والمرأة لا تصلح لذلك، ولو كان مكان الحائض محدثا فصرف الماء إلي الجنب أولى؛ لأنّ التيمم يُزيل الحدث بالإجماع، ويُزيل الجنابة على الاختلاف، ورُوي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما لا يجيزان التيمم للجنب فلذلك قلنا: إن صرف الماء إلى الجنب أولى.
وسئل رحمه الله عمن تيمم ولم يستوعب أعضاء التيمم، قال: يجزئه إذا تيمم أكثر الوجه واليدين لقوله صلى الله عليه وسلم: «التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، فالنبي أمر بضربة واحدة للوجه، فلا يخلو إما أن يمسح بهما وجهه مضمومة الأصابع أو متفرّقة الأصابع، فإن كان مسح بهما مضمومة الأصابع فكفاه لا يستوعبان جميع وجهه وإنما يأخذان الأكثر، وكذا إذا كان متفرّق الأصابع، دل أن الأمر
انصرف إلى الأكثر دون الاستيعاب؛ ولأن هذه طهارة شرعت مسخا، فلا يكون الاستيعاب فيها شرطا كالمسح على الرأس.
قيل له: وأيش الحكمة في تخصيص هذين العضوين بالتيمم دون الرأس والرجلين؟ قال: الحكمة فيه أنّ الله تعالى إنَّما أمرنا بالتيمم تعبدًا وتواضعًا، والتعبد والتواضع إنما يحصل من العبد بإصابة الغبار إلى الوجه واليدين لا بالرأس والرجلين؛ لأن الرأس والرجلين قد يصيبهما الغبار في العادة، فإن الرجل إذا مشى في الغبار حافيًا أغبرت قدماه، وإذا ارتفع الغبار ثم تساقط يتساقط على رأسه إذا كان مكشوفًا، فإذا كان الغبار يصيبهما في غير حالة التيمم فلا يكون في إصابتهما في حالة التيمم إظهار التواضع والتعبد، والوجه واليدان بخلافه.
وسئل رحمه الله: هل كانت فاطمة رضي الله عنها تحيض أم لا؟ قال: يجوز أنها كانت تحيض كغيرها من النساء، ولا يلحقها بذلك عيب ونقصان من حيث ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، وإنما يكون عيبًا إن لو كانت هي مخصوصة بذلك دون غيرها من النساء، ومثال هذا أن واحدًا من بني آدم لو أراد العروج إلى السماء ولم يمكنه ذلك لا يُعد ذلك عيبًا به لما أنه لم يخص بشيء
دون جنسه من بني آدم، والواحد من الملائكة إذا أراد العروج إلى السماء ولم يمكنه ذلك يُعدّ ذلك عيبًا به لما أنه اختص بشيء دون جنسه.
قيل له: أليس أن المرأة إذا كانت طاهرة تصوم وتصلي وتقرأ القرآن وتفعل غيرها من الطاعات، وإذا كانت حائضا لا يمكنها تحصيل هذه العبادات، فيما لا يُعد عيبًا؟ قال: اعلم أنّ الذي يأتي بالطاعات والخيرات فإنَّه لا يستحق الثواب بتحصيل عين الطاعات، وإنما يستحق الثواب بالانتمار، ألا ترى أنّ العبد إذا صام وصلى في أوقات منهية فإنه لا يستحق الثواب مع وجود عين الفعل لما أنه لم يأت بموافقة أمر الله تعالى؟ ثم الحائض إنما تترك العبادات في حالة الحيض بأمر الله تعالى كما أمرها بإتيانها في حالة الطهر، ففي كلي الحالين هي مؤتمرةً بأمر الله تعالى فلا فرق.
وسئل عن الحكمة في غسل بعض الأعضاء ومسح بعضها في الوضوء، قال: وجب بالآية والأخبار والإجماع، ثم قال الحكمة إنّما تطلب في أمر. من يتردد أمره بين أن يكون فيه حكمة وبين ألا يكون كأوامر العباد، فأما أوامر الله تعالى فإنا نعلم يقينا أنها لا تخلو عن الحكمة عرف العباد وجه تلك الحكمة أو لم يعرفوا؛ لأنه حكيم لا يجري غلط في تدبيره ولا يلحقه خطأ في تقديره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، إلا أن العبد لو اشتغل بطلب الحكمة في أوامر الله تعالى لطمأنينة القلب وزيادة اليقين جاز له ذلك كما في قوله تعالى خبرًا عن إبراهيم صلوات الله عليه: أرني كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) البقرة،.
ووجه الحكمة أنه لو افترض عليه غسل الرأس كما افترض الوجه وسائر الأعضاء ربما يورث ذلك آفةً في رأسه إذا غسله بالماء البارد في الشتاء، فرخص الله تعالى المسح وأقام ذلك مقام الغسل رأفة ورحمة على عباده، ألا ترى أنه لما تعذر عليهم نزع الخفين وغسل القدمين عند كل وضوء رخص لهم المسح على الخفين يومًا وليلة في الحضر وثلاثة أيام ولياليها في السفر لئلا يلحقهم الضيق والحرج؟ كذا هذا.
قيل له: وأيش الحكمة في تخصيص هذه الأعضاء بالغسل والحدث وجد من مكان آخر؟ قال: الحكمة فيه أن العبد إذا توضأ يحترز بعد الوضوء عن نقض الطهارة، فلا يُحدث عمدًا كيلا يكون في ذلك استخفاف بالحفظة، ومتى تفكر في نفسه أنه لو أحدث يلزمه غسل عضو واحد لا غير، فلا يبالي
من نقض الطهارة والحدث في كل وقت.
قال: وذكر الحكمة في هذا وغيره من الأشياء ليس على وجه الاغتلال حتى يشتغل أحدنا بالمناقشة فيها وبالسؤال والمعارضة، بل ذلك لمعرفة وجه الحكمة دون الحجّة ومنهم من قال: وجه الحكمة في ذلك أن أوّل من أمر بالوضوء آدم عليه السلام؛ لأنه لما نظر إلى تلك الشجرة بعينه وشمها بأنفه وتناولها بيده ومشى إليها برجله أمر بغسل هذه الأعضاء، ولما جلس تحت الشجرة " نادمًا على فعله باسطا يديه على رأسه من الندامة والغم أمر: بمسح الرأس، قال: وكما لم يكن آدم صلوات الله عليه مأمورًا بغسل هذه الأعضاء قبل الزلة وإنَّما أمره به بعدها كان ذلك تكفيرًا لزلته، كذلك ابن آدم إذا غسل هذه الأعضاء بعد الحدث كان ذلك تكفيرًا لخطاياه وزلته.
وسئل عن معنى قول النبي: «المؤذنون أطول أعناقاً في يوم القيامة»، قال: ليس يعني بذلك طول أعناقهم و غلظ رقابهم، وإنما يعني به أنهم يتطاولون ويتفاخرون بصنيعهم ويغتبطون بها يوم القيامة لكثرة ما يعطيهم الله تعالى من الثواب بفضله، قال: وهذا كما يقال بالفارسية: فلان گردن گزدست بر ما (¬1)، ليس يعنون به غلظ الرقبة وطول عنقه، وإنّما يعنون به التفاخر والتطاول، كذا هذا.
وضرب لهذا مثلا وقال: إن واحدًا من ملوك الدنيا إذا أراد أن يرفع عبدًا من عبيده فيرفعه درجدةً فدرجة، وأعلى الدرجات أن يجعله حاجبًا ويقعده على بابه، حتى إذا حان وقت زيارة الملك والدخول عليه لرفع الحوائج يأذن لهم الحاجب بالدخول، فيدخلون ويرفعون حوائجهم إليه، كذلك المؤذنون رفعهم الله أعلى الدرجات وأقعدهم على بابه، حتى إذا حان وقت إقامة خدمة الله تعالى يأذنون للناس بالدخول في بيوته، حتى يرفعوا حوائجهم إليه.
قيل له: أيش الحكمة في أن النبي لم يتول أمر الأذان بنفسه لإحراز فضيلة الأذان مع كونه
¬
(¬1) عنق فلان يدور حولنا