أسباب الاختلاف بين الإمام أبي حنيفة والصاحبين
في كتاب الشهادات من كتاب الاختيار لتعليل المختار
د. أريج أمين شديفات
كلية الفقه الحفني، جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
أسباب الاختلاف بين الإمام أبي حنيفة والصاحبين
في كتاب الشهادات من كتاب الاختيار لتعليل المختار
د. أريج أمين شديفات
كلية الفقه الحفني، جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
ملخص:
تناول البحث أسباب الاختلاف بين الإمام أبو حنيفة وصاحبيه أبو يوسف ومحمد في مسائل من باب الشهادات من كتاب الاختيار، وقد ظهر أن الاختلاف بين الإمام وصاحبيه مبني على أصول ثلاثة، وهي: أصول الاستنباط، وأصول البناء، وأصول التطبيق، فالاختلاف بينهم اختلاف أصولي مبني على قواعد لكل مجتهد منهم اتبعها في تقرير الأحكام.
Abstract:
The research dealt with the reasons for the difference between Imam Abu Hanifa and his two companions Abu Yusuf and Muhammad in issues of testimonies from the book of choice. Rules for each of them industrious followed in the determination of provisions.
مقدمة:
الحمدلله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين، وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين:
الاختلاف ابتداء هو فطرة وطابع بشري خلق الله الإنسان عليه، فالناس يختلفون في نمط حياتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور، لذا هذا الاختلاف الفطري ينبني عليه الاختلاف بين الفقهاء في النظر للنصوص واستخراج الأحكام منها وتطبيقها على الواقع المعاش منذ العصر النبي-صلى الله عليه وسلم-.
هذه الاختلافات المعتبرة في الفروع الفقهية دون أصول الإيمان والثوابت جعلت كل منها طريقة نسلكها لنصل بها لمرضاة الله تعالى، فالله لم يجعل تطبيق الدين طريقة واحدة ثابتة يلتزم الجميع بتطبيقها، بل جعل لها أكثر من طريقة لتطبيق الأحكام الفقهية، لتناسب مع كل أحوال المكلف وأحوال الزمان بكامل متغيراتها وتقلباتها، ليكون ديناً مرنا عمليا يواكب كل التطورات، دستوراً ملازما للمبتغي مرضاة ربه طيلة حياته.
مشكلة البحث:
ظهر من خلال كتاب الاختيار عند كتاب الشهادات وجود اختلافات عديدة في مسائل الشهادة، واهتمت كتب المذهب بنقل هذا الاختلاف بين الإمام وصاحبيه، لذا جاء السؤال عن أسباب الاختلاف، فالمشكلة تكمن في السؤالين التاليين:
-ما أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وهل الاختلاف بينهم أصولي؟.
-ما أسباب الاختلاف بين الإمام وصاحبيه في فروع باب الشهادات المختلف فيها؟.
أهمية البحث:
من خلال الإجابة على النقاط السابقة، تتبين أهمية البحث كالتالي:
-بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وأنها مبينة على أصول لا هوى مجرد، أو عدم وصول دليل.
-توضيح مسائل الاختلاف بين الإمام وصاحبيه أو أحد صاحبيه في كتاب الشهادات.
-توضيح وتصنيف أسباب الاختلاف بين الإمام وصاحبيه في الفروع المختلف فيها في كتاب الشهادات.
الدراسات السابقة:
كثرت المؤلفات في بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، واذكر منها هاتين:
-صلاح محمد أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي، مجلة دراسات للشريعة والقانون، مج43، ع22،سنة 2016: تمحورت فكرة الدراسة على سبب الاختلاف بين الفقهاء، وتوصلت الدراسة إلى سبب الاختلاف هو سبب واحد أن الاختلاف بينهم بسبب اختلاف أصولهم، أي أن الاختلاف بينهم لم يكن لعدم وصول الحديث أو الجهل بالدليل بل الاختلاف بينهم أصولي، فكل منهم اجتهد في أصول اعتمد عليها في استنباط الأحكام من الأدلة، والأصول التي اختلف فيها الأئمة على ثلاثة أقسام: أصول الاستنباط، وأصول البناء، وأصول التطبيق.
-عصام علي خان، أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الحج، جامعة القلم للعلوم الإنسانية والتطبيقية، ع16،عام 2020:ذكرت هذه الدراسة أسباب الاختلاف بشكل عام ثم عرجت على ذكر أمثلة من باب الحج كتطبيق لأسباب الاختلاف.
-أحمد نبيل محسن، أسباب الاختلاف وأثره عند الفقهاء، مجلة العلوم والبحوث الإسلامية، ع6،جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، سنة 2013:تناول هذا البحث أسباب الاختلاف بين الفقهاء وحكمه وكيفية التعامل معه، والآداب التي يجب مراعاتها أثناء الخلاف والفرق بين الخلاف والاختلاف، والنتائج المترتبة على هذا الاختلاف.
وقد قمت بهذه الدراسة التأكيد بشكل تطبيقي على أن أسباب الاختلاف بين المجتهدين المطلقين هي أسباب منهجية منطقية تنبني على أصول وقواعد وإبراز أسباب الاختلاف في مسائل مختارة.
منهجي في البحث:
اتبعت عدة مناهج متتابعة:
-المنهج الاستقرائي: فقد قمت بجمع الفروع والجزئيات المختلف فيها في باب الشهادات من كتاب الاختيار، وبيان صورة المسألة ومحل الاختلاف.
-المنهج التحليلي: قمت فيه بتحليل سبب الاختلاف وتصنيفه وتوضيحه من خلال التدبر والتأمل في الفروع.
خطة البحث:
وقد قسمت البحث إلى مقدمة ومبحثين وخمسة مطالب:
المبحث الأول: تعريف الاختلاف وأسباب الاختلاف بين الفقهاء.
المطلب الأول: تعريف الاختلاف.
المطلب الثاني: أسباب الاختلاف بين الفقهاء.
المبحث الثاني: تطبيقات على أسباب الاختلاف بين الفقهاء.
المطلب الأول: الاختلاف في أصول الاستنباط.
المطلب الثاني: الاختلاف في أصول البناء.
المطلب الثالث: الاختلاف في أصول التطبيق.
المبحث الأول: تعريف الاختلاف وأسباب الاختلاف بين الفقهاء:
الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا بد ابتداء من تعريف الاختلاف، وبيان أسبابه ومنطلقاته، ليتم تحديد الاختلافات في الفروع وفق أسباب الاختلاف التي سيتم تحديدها ابتداء:
المطلب الأول: تعريف الاختلاف:
الاختلاف لغة: يأتي بمعنيين أولهما مجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، أو يأتي بمعنى التغيير (¬1).
الاختلاف في الاصطلاح الشرعي: منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حقٍّ أو لإبطال باطل (¬2)، أوهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه (¬3).
¬
(¬1) ((ابن فارس، مقاييس اللغة،، (ج2/ 210).
(¬2) ((الجرجاني التعريفات، (ص101)، المناوي، التوقيف شرح مهمات التعاريف، (ص158).
(¬3) المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، (ص41).
ويوجد ترابط بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي بأن كليهما فيه تغيير من شيء لشيء، ويمكن أن يحل الثاني مكان الأول، فيمكن أن يترك قول من الأقوال ويؤخذ بقول آخر بديل له.
ولم يفرق أهل اللغة (¬1) ما بين الخلاف والاختلاف، وعرفوها أنها بمعنى واحد، ومنهم من فرق بينها وقال أن الاختلاف يكون عن دليل وحق، وأن الخلاف يكون عن باطل أو دون دليل (¬2)، ولا مشاحة في الاصطلاح فيعبر عن الأقوال في المسألة الواحدة بالخلاف والاختلاف (¬3)، ومن النماذج التطبيقية على الاختلاف، الاختلاف بين الإمام الأعظم أبو حنيفة وصاحبيه أبو يوسف ومحمد بكون أن كل واحد منهم مجتهد مطلق (¬4) أهل للنظر في النصوص واستنباط الأحكام منها؛ لاعتماد كل واحد منهم على أصول اجتهدها بنفسه ويبنى عليها الأحكام (¬5)، والاجتهادات ليست واحدة لاختلاف العقول، فينبي عليها اختلافهم في حكم الفروع، واعتمدت في اختلاف فروع من كتاب الاختيار لكون مؤلفه دائما ما يذكر الخلاف في المسائل وينبه على العلل والأدلة في اتجاه كل إمام مما يساعد على معرفة سبب الاختلاف وتصنيفه وتوضيحه وإبرازه.
المطلب الثاني: أسباب الاختلاف بين الفقهاء:
¬
(¬1) فكانوا كثيرا ما يذكرونهما بمعنى واحد، الفيروزآبادى، القاموس المحيط، (ص807)، الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، (ج23/ 275).
(¬2) الكفوي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (ص61).
(¬3) ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، (ج3/ 322)، الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج3/ 37)، السرخسي، المبسوط، (ج6،ص108)، السمرقندي، تحفة الفقهاء، (ج1/ 28)، الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج1/ 17)، المرغيناني، الهداية في شرح بداية المبتدي، (ج1/ 173)، الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج1/ 147).
(¬4) المجتهد المطلق: هو استقل بإدراكه للأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها مع حفظه لأكثر الفقه ولا يقلد أحدا ولا يتقيد بمذهب أحد (ابن حمدان، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ص16).
(¬5) ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، ج1/ 77).
وبما أن الاختلاف سنة كونية، وفطرة فطر الله الناس عليها نوقش في العديد من المؤلفات في القديم والحديث أسباب اختلاف الفقهاء (¬1)،ولن أدخل في أسباب الاختلاف التي ذكرها من سبق من المؤلفين في أسباب الاختلاف لكون الدراسات السابقة غطت هذا الجانب (¬2)، لذا سأذكر الأسباب الرئيسة في الاختلاف، فتعزى أسباب الاختلاف بين الفقهاء إلى ثلاثة أسباب: اختلاف يرجع إلى الدليل"أصول الاستنباط"، واختلاف يرجع إلى الفهم"أصول البناء"، واختلاف يرجع إلى التقرير"أصول التطبيق" (¬3)، والتي سيتم توضيحها كالتالي:
الفرع الأول: الاختلاف في أصول الاستنباط:
ومعناه القواعد الأصولية التي يتم من خلالها استخراج الحكم من النص، أو " هو القواعد التي يتوصل بها إلى استخراج الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي" (¬4)، وهذا هو أول الأسباب وأهمها في الاختلاف بين الفقهاء لكون الحكم الشرعي في أصله يعود لدليل سماوي ينظر فيه لاستنباط حكم الله من النص؛ ولأن الأنظار تختلف لاختلاف عقول البشر، فينشأ بناء على ما سبق الاختلاف بين أقوال الفقهاء، ويتفرع الاختلاف الذي يرجع إلى الدليل إلى عدة اختلافات فرعية، منها:
1 - الاختلاف من جهة اللغة: نصوص اللغة العربية معروفة بتنوعها وغزارة أساليبها وألفاظها ومعانيها وسياقاتها، وهذه اللغة باقية ببقاء نصوص الشارع الحكيم وأوامره؛ لكون نصوص الشارع الحكيم نزلت بالعربية؛ وكل هذا التنوع في هذه اللغة ينعكس على فهم الفقهاء للنصوص
¬
(¬1) فمن القديم:"الأنصاف" للبطليوسي، "ورفع الملام عن الأئمة الأئمة الأعلام الأعلام" لابن تيمية. ومن الحديث: أسباب اختلاف الفقهاء لعبد الرازق عفيفي، وذلك العنوان لأحمد الحجي، ووهبة الزحيلي.
(¬2) صلاح محمد أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي، مجلة دراسات للشريعة والقانون، مج43، ع22،سنة 2016.
(¬3) ومن هم من قسم أسباب الاختلاف إلى اختلاف في قواعد القرآن الكريم، واختلاف في قواعد السنة ... إلخ، عصام حسن خان، أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الحج، ع16،جامعة أم القرى، معهد خادم الحرمين الشريفين، سنة 2022، ومن الدراسات اقتصرت على ذكر بعض أسباب الاستنباط، غلام محمد قمر، الاختلافات الفقهية وأسبابها وضوابطها، ع6مجلة كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، سنة 2014،عبد الفتاح إدريس، اختلاف الفقهاء: ماهيته وأسبابه، ع 80،مجلة البحوث، سنة 2018، ومنهم من قسمها إلى أصول استنباط وبناء وتطبيق كما في دراسة صلاح أبو الحاج"اختلاف الفقهاء أصولي".
(¬4) التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، (ج1/ 19).
خاصة مع وجود مدرستين مشهورتين لفهم هذه اللغة، وهما المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية (¬1)، فهذا التعدد من شأنه أن يحدث الاختلاف في فهم هذه اللغة، فممكن أن يكون سبب الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو حمله على المجاز (¬2)، أو يكون الاختلاف في الإعراب النحوي (¬3) كالاختلاف في رفع كلمة أو نصبها وبناء على هذا الاختلاف في المقدمات تختلف النتائج فيما بينهم في الأحكام، ويمكن أن يكون في معاني الحروف (¬4) الواردة في النص اختلف الفقهاء في معناها فاختلفوا في الحكم بناء على الاختلاف في معنى الحرف ... إلخ.
2 - الاختلاف من جهة الدلالات: كاختلافهم في حجية مفهوم المخالفة واختلافهم في حمل المطلق على المقيد، ودلالة العام والخاص (¬5).
3 - من جهة الأدلة المختلف فيها: كاختلافهم في حجية الاستصحاب والمصالح المرسلة وقول الصحابي، شروط القياس وحجية الإجماع السكوتي، وسدر الذرائع (¬6).
4 - من جهة التعارض والترجيح: كاختلافهم في الترجيح بين العام والخاص والترجيح بين الدليل النافي والمثبت، وطرق حل التعارض بين الآيتين (¬7).
¬
(¬1) قال شوقي ضيف:"إذ نراهم دائما يعرضون في المسائل المختلفة وجهتي النظر المتقابلتين في المدرستين: الكوفية والبصرية" شوقي ضيف (ت 1426هـ)،المدراس النحوية، ص155.
(¬2) البطليوسي، الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، (ص43)، ابن جُزَي، تقريب الوصول إلي علم الأصول، (ص203).
(¬3) البطليوسي، الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، (ص37)، ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (ج1/ 12)،ابن جزيء، تقريب الوصول إلى علم الأصول، (ص203).
(¬4) السرخسي، أصول السرخسي، (ج1/ 200).
(¬5) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (ج1/ 12)، السمعاني، قواطع الأدلة في الأصول، (ج1/ 136)، ابن جزيء، تقريب الوصول إلى علم الأصول، (ص203)، البطليوسي، الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، (ص143)،ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ج1،ص197.
(¬6) التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، (ج1/ 38)،الطوفي، روضة الناظروجنة المناظر، (ج1،ص457)، ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (ج1/ 11).
(¬7) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1،ص12،، صلاح محمد أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي، (ص20).
الفرع الثاني: الاختلاف في أصول البناء:
وجود الاختلاف الأصولي بين الفقهاء يترتب عليه الاختلاف الفقهي لأنه يندرج تحته، والبناء الفقهي معناه القواعد الفقهية المتعلقة بالمسائل والأبواب، والاختلاف في البناء الفقهي يقوم على محورين أساسين، وهما (¬1): القواعد الفقهية المتعلقة بالمسائل: وهي عبارة عن مفهوم كلي يجمع عدد من المسائل الفقهية المتشابهة والقواعد عبارة عن كلمات قصيرة تحمل زبدة وجوهر هذه المسائل، ويمكن أن تكون في موضوع واحد مثل قاعدة: الجنسية تحرم النساء، وخالفه فيها الشافعي أن الجنس بانفراده لا يحرم النساء (¬2)، أو مواضيع متعددة: الأصل بقاء ما كان على ما كان (¬3).
والمحور الثاني: القواعد المتعلقة بالأبواب: وهذه القاعدة هي الفكرة الرئيسية التي يدور حولها الباب، وتمسى القياس أو القاعدة العامة، كقاعدة كل خارج نجس ينقض الوضوء في باب الطهارة.
الفرع الثالث: الاختلاف في أصول التطبيق: وهو علم وأصل يعنى بكيفية تطبيق الحكم على الواقع (¬4)، بما يسمى بقواعد رسم المفتي (¬5)، وهو روح الفقه، فمن خلاله يستطيع المكلف تطبيق الحكم الذي يريده الله، وقواعد الرسم لها أصول: كالتيسير، ورفع الحرج، والضرورة، والمصلحة (¬6)، كالاختلاف بين الإمام أبو حنيفة وصاحبيه في شرط تزكية الشاهد لقبول شهادته، فهو اختلاف بسبب تغير النفوس من زمن إلى زمن.
المبحث الثاني: تطبيقات على أسباب الاختلاف بين الفقهاء:
المطلب الأول: مسائل لاختلاف راجع لأصول الاستنباط:
¬
(¬1) صلاح محمد أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي، مجلة دراسات للشريعة والقانون، ص55.
(¬2) السبكي، الأشباه والنظائر، (ج2/ 260).
(¬3) الحموي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، (ج1/ 198).
(¬4) صلاح محمد أبو الحاج، اختلاف الفقهاء أصولي، مجلة دراسات للشريعة والقانون، مج43، ع22،سنة 2016،ص58.
(¬5) ابن عابدين، أرجوزة عقود رسم المفتي.
(¬6) ((الدبوسي، تقويم الأدلة، (ص408)،ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، (ج2/ 388) / (ج3/ 52)، الخفيف، أحكام المعاملات المالية، (ص13)،ابن عابدين، عقود رسم المفتي، (ص34) وما بعدها.
المجتهد المطلق الذي يقرر الأحكام باستخراجها من الأدلة الشرعية المعتبرة بناءً على أصول وقواعد منضبطة للاستنباط تختلف ما بين مجتهد آخر فينشأ الاختلاف على النص الواحد باختلاف وجهات النظر فيه.
الفرع الأول: عدد المزكين للشاهد:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
الغاية العظمى من وجود القضاء تحقيق العدل بين الناس وإيصال الحقوق لأصحابها، ومن مهام القاضي لتحقيق العدل السؤال عن الشهود، فينصب القاضي مزكين للتحقق من حال الشهود، فهل يكتفى بمزكٍ واحد لقبول الشهادة (¬1)، أم لابد من العدد في التزكية؟
ومحل الخلاف في تزكية السر دون العلانية، فتزكية العلانية بالإجماع تحتاج اثنين ولفظ الشهادة لقبولها (¬2).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
تكفي تزكية الواحد للشهود عند الإمام أبي حنيفة (¬3)، ولا حاجة لتعدد التزكية لإثبات الشهادة، وخالف محمد في عدد المزكين، فقال لابد من وجود مزكين اثنين رجلين أو رجل وامرأتين لقبول شهادة الشاهد في الحقوق العادية، وأربع مزكين ذكور في الزنا، واثنين من المزكين الرجال في باقي الحدود (¬4).
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 143).
(¬2) الزَّبِيدِيّ، الجوهرة النيرة، (ج2/ 236).
(¬3) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 89)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 143)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 212)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 227).
(¬4) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 89)، الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 143)، الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 212)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 227)، ابن الهمام الحنفي، فتح القدير، (ج7/ 381).
وسبب الاختلاف أن الإمام محمد قاس التزكية على الشهادة في العدد، كما أن الشهادة جاءت لإثبات الحق، فالتزكية جاءت لإثبات الشهادة التي يثبت بها الحق، فنحتاج في كليهما إلى العدد، فحكم القاضي لأحد الخصمين مبني على التزكية والشهادة معاً، فلا يفرق في العدد فيهما (¬1) ,
وأما قول الإمام أن التزكية لا تأخذ أحكام الشهادة حتى لا يشترط أن تكون في مجلس القضاء ولا يشترط فيها لفظ "أشهد" فلا تقاس عليها التزكية في باقي الأحكام أيضاً، فالعدد في الشهادة تعبدي، فلا يتعدى في حكمه إلى التزكية، فتقاس على باقي أمور الدين بأن يكفى فيها الواحد العدل (¬2)، وهذا اختلاف في أصول الاستنباط فهل الشهادة يمكن أن نقيس عليها غيرها من الأحكام، أم أن أحكام الشهادة تعبدية لا تتعدى أحكامها إلى غيرها، وبناء على الاختلاف في الأصل وهي الشهادة أن أحكامها تعبدية أم معقولة المعنى فتتعدى أحكامها إلى التزكية.
الفرع الثاني: عقوبة شاهد الزور:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا شهد شاهد شهادة زور بحق أحدهم على آخر، ثم رجع عن شهادته أو تبين للقاضي كذبه، فما تكون عقوبته؟
ويكمن محل الاختلاف في من أقر على نفسه بتعمد الكذب، أما البينات لا تثبت بها شهادة الزور لأن البينات للإثبات لا لنفي الشهادة (¬3).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 89)، الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 143)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 212)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 227)،ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 381).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 143)، الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 212)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 227)،ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 381).
(¬3) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 131).
شاهد الزور يشهر في السوق أمام الناس (¬1) بأنه كاذب وشهد زوراً ليحذر الناس منه ولا يضرب ولا يسجن عند الإمام أبو حنيفة، وخالفه صاحبيه أبو يوسف ومحمد فلا يكتفى عندهما بتشهيره وفضح أمره أمام الناس بل يضرب ويسجن (¬2).
وسبب الاختلاف في فعل عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- فقد روي عنه-: (أنه ضرب شاهد الزور وسخم وجهه) (¬3)، فالإمام قال أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- ضرب شاهد الزور سياسة؛ لأن الشاهد لا يردعه التشهير فقط، أما في زمن الإمام فكان كافياً تشهيره في السوق بعلم الناس أنه كاذب إضافة إلى أن شهود الزور يخافون الرجوع إن علموا أن هناك عقوبة، فمجرد التشهير أدعى لهم للرجوع والتوبة، خالف صاحبيه باتباع فعل عمر-رضي الله عنه- لأن شهادة الزور فيها إضرار بالناس والإعانة على أكل حقوقهم، ولا حد فيها فيعزر بالضرب والتوجيع (¬4).
الفرع الثالث: حكم شهادة الفروع بوجود الأصول:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إن وجد شاهدان في دعوى مرفوعة للقاضي، فهل يجوز أن ينيبا غيرهما لأداء الشهادة في مجلس القضاء، أم أن شهادة النائب-الفرع- لا تقبل بوجود الأصل؟
يكمن الخلاف في اعتبار شهادة النساء مع رجل بدلية عن شهادة الشاهد الثاني الرجل، فيجوز القول بقبول شهادة الفروع بوجود الأصول قياسا على الأصول، أم أن شهادة النساء مع الرجل أصل؛ فلا يجوز قياس البدل عليها؟.
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 145)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 289).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 145)، أبو يوسف، اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى، (ص77)، السُّغْدي، النتف في الفتاوى، (ج2/ 803)، السرخسي، المبسوط، (ج16/ 145)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 289)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 131)،الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج8/ 457).
(¬3) البيهقي، السنن الكبرى، كتاب القاضي، باب ما يفعل بشاهد الزور، (ح20494،ج10/ 239)،والحديث ضعيف كما في إرواء الغليل، (ج8/ 58).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 145)،السرخسي، المبسوط، ج16/ 145)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 289)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 131)، الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج8/ 457).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
اختلف الإمام مع أبو يوسف في قبول شهادة الفروع بوجود الأصول، فقال الإمام أن شهادة الفروع لا تقبل مع حضور الأصول وعدم غيابهم دون عذر (¬1).
فقال الإمام أنه لا حجة للبدل مع وجود الأصل، فالأصل في الشهود الأصول الحضور للإدلاء بالشهادة أمام القاضي، ولا تقبل شهادتهم بنيابة أحد عنهم، ولا يصح قياس قبول شهادة الفروع باعتبارها بدل على شهادة النساء مع رجل واحد، فشهادة المرأتين عبارة عن خطاب من الشارع للقضاة والحكام (¬2)، فشهادتهن أصل كما شهادة الرجلين أصل، بخلاف شهادة الفروع فهي بدل عن أصل، فلا تقبل إلا للحاجة، أي بحصول عذر للشهود الأصول كمرض أو سفر (¬3).
واتجه أبو يوسف تلميذ الإمام أن شهادة الفروع التي نقلوها عن الشهود الأصول تقبل مطلقا، واستدل لذلك بالقياس، فقاس قبول شهادة الفروع بوجود الأصول على شهادة المرأتين مع الرجل الواحد في حال تعذر وجود الشاهدين من الرجال والجامع أن كليهما بدل عن أصل (¬4).
ويظهر مما سبق أن سبب الاختلاف بين الإمام وأبي يوسف راجع إلى اختلافهم في الاستنباط من النص والقياس عليه وهل أن شهادة المرأتين أصل أم بدل، وهذا مثال يظهر اختلاف الإمام مع صاحبيه في الأصول.
الفرع الرابع: حكم الرجوع عن الشهادة عند زيادة عدد الشهود النساء عن نصاب الشهادة:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا شهدت عشر نسوة ورجل في دعوى وحكم في الدعوى بناء على هذه الشهادة، ثم رجعن جميعهن مع الرجل عن هذه الشهادة (¬5)، فكيف تكون كيفية توزيع الضمان عليهم جميعا؟
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152).
(¬2) البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 426).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152)، البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 426) ,
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 426).
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 154).
ويكمن محل الاختلاف في أن شهادة كل النساء بشهادة رجل واحد، أم أن شهادة كل امرأتين بشهادة رجل؟
الفرع الثاني: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
اختلف الإمام وصاحبيه في كيفية تضمين النساء مع الرجل، فقد الإمام أن الضمان يقسم على ستة أسهم أو ستة أسداس، فيضمن الشاهد الرجل السدس، والنساء خمسة أسداس، وذلك لأن شهادة كل امرأتين بشهادة رجل، فيتقاسمن كل امرأتين منهن سهم في الضمان (¬1)، واستدل الإمام لذلك بقوله الله- ?-:"فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان" [سورة البقرة، آية 282]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" عدلت شهادة كل اثنتين بشهادة رجل واحد" (¬2)، فكان فهم الإمام من خلال النص أن الرجل أحد الشهود، والذي شهادته بشهادة امرأتين، لذا يتحمل ضمان سهم كامل، والنساء كل اثنتين منهن بشهادة رجل، فتتحمل كل واحدة منهن نصف سهم (¬3).
وأما أبو يوسف ومحمد فقالا أن الرجل يتحمل نصف الضمان، والنصف الأخر يتحملنه النساء، ونظروا في ذلك إلى النساء وإن كثرن وزاد عددهن عن نصاب الشهادة، فكلهن بمقام رجل واحد (¬4)، وتقوم بهن نصف الشهادة، والنصف الآخر منها يقوم بالرجل، فذلك حملا الرجل نصف
¬
(¬1) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (ج7/ 133)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 187)،
(¬2) يبدو أن هذا الحديث مذكور بالمعنى، فوجدت فيما معناه: عن أبي سعيد الخدري قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها)،البخاري، صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ح304، (ج1/ 68).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 154)، العينى، البناية شرح الهداية، (ج9/ 206)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 246)،ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (ج7/ 133)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 187).
(¬4) ((الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 154)، السرخسي، المبسوط، (ج16/ 187).
الضمان عند الرجوع عن الشهادة، والنساء النصف الآخر، فيكون الضمان بمقابلة حيز كل منهم في الشهادة (¬1).
ويظهر مما سبق أن سبب الاختلاف راجع لأصول الاستنباط، فالإمام نظر من خلال النص أن شهادة الرجل بشهادة امرأتين، فجعل الضمان عليه ضعف ما على النساء، والصاحبان نظرا أن نصف الحق قائم بالرجل، فيحمل نصف الضمان.
الفرع الخامس: شهادة النساء في استهلال الصبي:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
استهلال الصبي عند ودلاته -أي صراخه دلالة أنه حي أو تحرك عضو من أعضائه حين انفصاله عن الأم (¬2) ثم موته، هل يكتفى فيه بشهادة القابلة أو النساء الحاضرات أثناء الولادة، أم تجب شهادة الرجال في استهلال الصبي ولا تقبل شهادة النساء منفردة (¬3).
محل الخلاف يمكن في أن في إرث الصبي، هل يثبت ميراثه بشهادة النساء، أم لابد من شهادة الرحال، وأما أمور الدين كالصلاة على الصبي فلا خلاف في قبول شهادة النساء وحدهن فيه (¬4).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
استلال الصبي في ثبات الحقوق له لا تقبل فيه شهادة النساء وحدهن بلابد من شهادة الرجال فيه عند الإمام، وخالفه صاحبيه فقالا بقبول شهادة النساء وحدهن في استهلال الصبي (¬5).
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 154)، العيني، البناية شرح الهداية، (ج9/ 205)،ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (ج9/ 205)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 187).
(¬2) الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج8/ 310).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 141).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 141)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 209).
(¬5) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 144)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 375)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 226)،ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 374)،
وسبب الاختلاف بينهما أن الإمام قاس الشهادة على استهلال الصبي على باقي الحقوق العادية والتي يجب فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا ضرورة للاكتفاء بشهادة النساء والعدول عن القياس، لأن الرجال يمكن أن يسمعوا صوت الصبي والشهادة على سماعه، وأما الصاحبان فقررا العدول عن القياس استحساناً للضرورة ولفعل علي:" أنه قبل شهادة القابلة في الولادة" (¬1)، فمحل الولادة يكون خالٍ من الرجال عادة، فلزم ضرورة القول بالالتزام بشهادة النساء، وتلحق هذه المسألة بباقي المسائل التي استثنيت من أصل شهادة الرجال كالشهادة على عيوب النساء والبكارة (¬2).
المطلب الثاني: اختلاف راجع لأصول البناء:
وكما قلنا هي قواعد صيغت وكانت أساس لكل قاعدة متفرعة عنها، وصنفت تحت هذا البند ست مسائل في الاختلاف:
الفرع الأول: شهادة الأعمى:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
الشهادة على نوعين: شهادة تحمل، وهي رؤية الحادثة وسماعها، وشهادة أداء تكون بتأدية ما رأى وما سمع أمام القاضي، فالأعمى إذا عاين شهادة وهو بصير وتحملها، ثم عمي قبل أداء الشهادة في مجلس القضاء (¬3)، فهل تقبل شهادته لكونه كان بصيراً وقت التحمل، أم أنها لا تقبل لأن العبرة بأداء الشهادة.
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 144)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 375).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 141)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 144)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 375)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 226)، ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 374).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
اتفق الإمام وصاحبيه على أن الشاهد إن لم يكن بصيراً وقت التحمل لا تقبل شهادته أمام القاضي (¬1)؛ لأن الشهادة من المشاهدة والمعاينة فلا مشاهدة دون بصر، ومحل الاختلاف يمكن في إن كان الأعمى بصيراً وقت التحمل أعمى عند الأداء، هل تقبل شهادته أم لا؟.
ثانياً: حكم شهادة الأعمى وسبب الاختلاف:
خالف الإمام أبو يوسف شيخه والإمام محمد في شهادة الأعمى في مجلس القضاء إن كان بصيراً وقت التحمل، فقبل الإمام أبو يوسف شهادته في حين لم يقبل أبو حنيفة ومحمد شهادته سواء أكان مسموعاً أم منقولاً (¬2).
وسبب الاختلاف بين أبو يوسف والطرفين اختلافهم في القاعدة المتعلقة بقبول الشهادة، وهي الاعتبار بالشهادة هو حال تحملها أمام حال أدائها.
فقرر القاضي أبو يوسف أن العبرة بالشهادة حال تحملها؛ لأن المشاهدة والمعاينة قد تمت وقت التحمل لا وقت الأداء، والأداء مجرد نطق أمام القاضي في مجلس القضاء، فلا حاجة للبصر وقت الأداء، والدليل أنه يجوز الشهادة على الميت وعلى الغائب مع غيبته دون معاينة لهما، وليس بأقل منهما العمى الحائل بين الشاهد والمشهود عليه (¬3).
وأما الإمام ومحمد فالعبرة بالشهادة حال أدائها لا حال تحملها، والأعمى يشهد بناءً على اجتهاد وغلبة ظن لا حقيقة علم ويقين، وحتى وإن كان بصيراً وقت التحمل، فالصبر دليل وشاهد على صحة أدائه أمام القاضي، والأداء هو آكد وأشد في الشروط المتوفرة في الشاهدة من التحمل دليل أن الصبي والكافر يقبل تحملهما؛ لكن لا يقبل أداؤهما إلا إذا بلغ الصبي وأسلم الكافر؛ لذا أن لا
¬
(¬1) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 58).
(¬2) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 58)،السغدي، النتف في الفتاوى، ج2،ص797،السمرقندي، تحفة الفقهاء، (ج3/ 363)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 268)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3،ص121)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
(¬3) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 129)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 268)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 121)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
يقبل تحمل الأعمى فمن باب أولى لا تقبل شهادته، والميت والغائب لا تقبل الشهادة عليهما إلا بوجود خصم ينوب عنهما، ولا منابة عن البصر في مجلس القضاء (¬1).
الفرع الثاني: حكم إقرار الشهود الأصول بخطئهم وقت رواية الشهادة للفروع:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا وكل الشهود الأصول غيرهم في نقل الشهادة وهم ما يسمون بالفروع، وبعد الحكم بالشهادة أقر شهود الأصول بخطئهم بالشهادة (¬2)، فهل يضمنون ما ترتب على تنفيذ الحكم؟
ومحل الخلاف فيما إذا رجع شهود الأصل دون شهود الفرع، أما إن رجع شهود الأصل والفرع فعند الإمام وأبو يوسف يضمن شهود الفرع، ويخير عند الإمام محمد في تضمين شهود الأصل أو الفرع (¬3)، وليس الخلاف فيما إذا رجع شهود الفرع لوحدهم فإنهم يضمنون بالاتفاق (¬4).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
اختلف الإمام والصاحبان في تضمين الشهود الأصول عند خطئهم في الشهادة، فقال الإمام أن الشهود الأصول غير مباشرين للشهادة في مجلس القضاء، ولا يضمن إلا من باشر الشهادة، وهم الفروع، والفروع لم يرجعوا عن شهادتهم، فلا يضاف الحكم إليهم؛ لذا لا يصح تضمينهم، وبذلك لا يضمن شهود الأصل ولا الفرع (¬5).
¬
(¬1) الجصاص شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 59)، الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 268)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 121)، الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155).
(¬3) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 134)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155).
(¬4) البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 454).
(¬5) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 134)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج2،ص155،الزيلعي، تبيين الحقائق سرح كنز الدقائق، (ج4/ 251)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 239)،العيني، البناية على الهداية، (ج9/ 212).
وخالف محمد إمامه بأن الأصول وإن كانوا غير المباشرين للقضاء إلا أن الفروع نقلوا الشهادة عنهم؛ فكانوا كأنما حضروا مجلس القضاء، والدليل أننا نعتبر عدالتهم (¬1)، فمباشرة الشهادة ليست بشرط عند محمد للتضمين، وهذا اختلاف في القواعد الفقهية المتعلقة بالمسائل.
الفرع الثالث: رجوع المزكين عن التزكية:
أولاًصورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا زكى أحدهم الشهود، وبعد الحكم بالشهادة رجع عن تزكيته (¬2)، فهل يضمن ما ترتب على هذه الشهادة؟
ومحل الاختلاف يكمن في أن التزكية سبب للضمان بتعمد الكذب في التزكية أو علم المزكين بعدم أهلية الشهود، أما إن أخطأوا فبالإجماع لا يضمنون (¬3).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
اختلف الأمام والصاحبان في تضمين المزكي إذا رجع عن تزكية الشاهد الذي حكم بشهادته، فقال الصاحبان أن التزكية شرط محض في قبول الشهادة وليس بعلة كالإحصان شرط محض (¬4) في تنفيذ حد الرجم، فمن شهد بإحصان، ثم رجع عن شهادته قبل تنفيذ الحكم، فلا ضمان عليه؛ لأن الإحصان شرط محض لتنفيذ الحكم وليس بعلة، وإنما العلة كانت في فعل الزنا المرتبط بهذه العقوبة،
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 134)، الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155)،الزيلعي، تبيين الحقائق سرح كنز الدقائق، (ج4/ 251)،الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 239)،العيني، البناية على الهداية، (ج9/ 212).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155).
(¬3) شيخي زاده، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، (ج2/ 220).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 252)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 497)،ابن نجيم، البحر الرائق، (ج5/ 26).
وكذا التزكية فإنها شرط لقبول الشهادة، وليست علة لتنفيذ الحكم، فالعلة ذات الشهادة، لذلك نضمن الشهود، أما التزكية فشرط، فلا نضمنهم بتحقيق الشرط (¬1).
وقال الإمام بتضمين المزكين؛ لاعتباره التزكية علة يضاف الحكم إليها، فهي علة العلة (¬2)، فكما أن الشهادة علة لإصدار الحكم وتنفيذه، فكذا التزكية علة لقبول الشهادة التي علة أولى لتنفيذ الحكم، وتختلف عن الإحصان الذي هو شرط لثبوت حد الزنا؛ لكونه شرطا محضا (¬3)، والعلة في ثبوت الحد الزنا وليس الإحصان.
ومبنى الخلاف بين الإمام وصاحبيه راجع إلى شرط مباشرة الشهادة للتضمين، فمع اعتبار الإمام مباشرة الشهادة شرط للتضمين إلا أن المزكين هم المتسببون في قبول الشهادة فيضمنون، بخلاف أبو يوسف ومحمد فعندهما غير مؤدي الشهادة لا يضمن لكونه غير مباشر.
الفرع الرابع: سكوت شهود الفرع عن تعديل شهود الأصل:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا نقل شهود الفرع عن شهود الأصل شهادة أمام القاضي- وشهود الفرع هم نائبون عن الأصول في نقل الشهادة-، وسكتوا عن تزكية الشهود الأصول الذين نقلوا عنهم الشهادة (¬4)، فهل تقبل شهادتهم ويبحث القاضي عن تزكية الشهود الأصول عند غيرهم، أم أن شهود الفرع لا تقبل إلا إذا عدلوا شهود الأصل وزكوهم؟.
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 252)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 497)،ابن نجيم، البحر الرائق، (ج5/ 26).
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 287)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 134)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155).
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 287)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 134)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 155)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 252)،البابرتي، العناية شرح الهداية، (ج7/ 497)،ابن نجيم، البحر الرائق، (ج5/ 26).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152).
ويكمن محل الاختلاف في أن شهود الفرع هم مجرد ناقلين للشهادة، أم أنهم مسؤولون عن تزكية الشهود وتعديلهم أمام القاضي أو الحاكم؟
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
اختلف الإمام مع محمد في تعديل شهود الفرع لشهود الأصل، فقال الإمام تقبل شهادة شهود الفرع حتى وإن سكتوا عن تعديل شهود الأصل (¬1)، فوظيفتهم هي نقل الشهادة دون التعديل.
وقال محمد أن شهود الفرع لا تقبل شهادتهم إن سكتوا عن تعديل شهود الأصل (¬2)، واستدل لذلك أن نقلهم للشهادة دون تعديل شهود الأصل دليل على أنهم شاكين في الشهادة (¬3).
وخلافهم هذا راجع لأصول البناء، فالإمام من أصول البناء عنده أن شهود الفرع هم ناقلين للشهادة فقط، وعند محمد أن الفروع بما أنهم هم من قاموا بمباشرة القضاء وأداء الشهادة أمام القاضي، فعليهم أداء الشهادة عن شهود الأصل وتعديلهم أيضا، وإلا ترد شهادتهم.
الفرع الخامس: حكم الشهادة المكتوبة إذا لم يذكرها الشاهد:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
الشاهد مؤتمن فيما يدليه أمام القاضي من شهادة لأن بها يحكم القاضي وتفصل المخاصمة، فما الحكم إذا الشاهد كتب شهادة بخطه ثم نسيها (¬4)، فهل يشهد بما هو مكتوب أم يجب أن يكون متذكراً للشهادة ولا تعتمد كتابته دون الحفظ، ومثله القاضي إن وجد في ديوانه شهادة مختومة بختم القاضي ولا يذكرها، فهل يحكم بها أم لا تعتمد لعدم تذكرها.
¬
(¬1) الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 236)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 130)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152).
(¬2) الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 236)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152).
(¬3) الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 236)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 130)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 152).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2،ص145).
محل الاختلاف يكمن في إن كان المكتوب محفوظاً عن التغيير والزيادة والنقصان، أما إن كان معرضاً للتزوير وغير محفوظ، فلا تقبل هذه الشهادة المكتوبة إن لم يتذكرها الشاهد (¬1).
ثانياً: حكم المسألة سبب الاختلاف:
الشاهد إن وجد شهادة مكتوبة بخطه ولم يتذكرها (¬2)، فلا يجوز أن يشهد بها ولا تقبل شهادته عند الإمام، وخالفه القاضي أبو يوسف والإمام محمد بأن شهادة الشاهد المكتوبة تقبل وإن لم يذكرها وكذا الشهادة في ديوان القاضي.
وسبب الاختلاف أن الأمام قاس الشهادة على رواية الأحاديث، فالراوي إن كتب حديثاً وعاد إليه ولم يتذكره، فلا يحل له أن يروى هذا الحديث، فشرط الرواية عند الإمام هو الحفظ (¬3)، وعند الصاحبين الحفظ ليس بشرط للرواية، إضافة إلى أن توهم التزويد أمر في غاية الندرة؛ لأنه يكون محفوظاً عادة (¬4)، وهذا اختلاف في قاعدة اعتبار رواية الحديث، وبناء إليه اختلف حكم هذه المسألة.
وإضافةً لاختلافٍ في أصول التطبيق فقول الإمام عزيمة وهو الأصل إلا أنه يؤخذ بالرخصة، وهو قبول الروايات المكتوبة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، لكثرة الأحاديث، وصعوبة حفظها جميعها، فتقبل الكتابة لئلا تضيع الأحاديث فللضرورة ترك هذا الأصل (¬5)، ومثله أداء الشهادة، فقد كثرت القضايا وزادت الخصومات، فحتى لا تضيع الحقوق تقبل الشهادة المكتوبة في ديوان القاضي، وتقبل شهادة الشاهد المكتوبة، فزمن الإمام كان زمن خير تقل فيه النزاعات وأكل الحقوق،
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 145)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 214)،
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 145).
(¬3) الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ج8،ص51،نظام وآخرون، الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية، مصر، المطبعة الكبرى الأميرية،1310هـ (ط2)،ج8،ص50،الموصلي، الاختيار، ج2،ص145.
(¬4) الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ج8،ص51،نظام وآخرون، الفتاوى الهندية، ج8،ص50،الموصلي، الاختيار، ج2،ص145.الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج4،ص214، ابن الهمام، فتح القدير، (ج7،ص387.
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 145) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 214)، ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 387).
فكان يسهل حفظ القضايا والشهادة عليها، أما بعد زمن فسدت فيه الذمم وجب ضرورة الأخذ بالضرورة وقبول الشهادة المكتوبة (¬1).
الفرع السادس: اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى:
أولاًصورة المسألة ومحل الخلاف:
لو شاهد أن رجل طلق زوجته طلقة، وشاهد آخر شهد أنه طلق زوجته طلقتين (¬2)، فهل لابد من تطابق الشاهدتين في اللفظ والمعنى، فترد شهادتهما لعدم الاتفاق، أم ينظر إلى اتفاقهما في المعنى بأنهما اتفاقا على وقوع طلقة بغض النظر عن اللفظ والزيادة لأحدهما؟.
ومحل الخلاف مقيد بالعدد دون الألوان والصفات، ففي اختلاف الشاهدين في الصفات، فإن اختلف الشاهدان في لون أو صفة فترد شاهدتهما عندهما (¬3).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
لابد من اتفاق الشهادين في اللفظ والمعنى ولا يعتبر المقدار المتفق فيه بينهما عد الإمام أبو حنيفة (¬4)، وخالفه صاحبيه بأن الشاهدين إذا اتفقا بمقدار في المعنى في شهادتيهما يقبل وإن اختلفا في اللفظ، فمن شهد لخصم بألف وآخر شهد له بألفين تقبل الشهادة في ألف واحدة لاتفاقهما عليها (¬5).
وسبب الاختلاف أن الإمام اعتبر التخالف والتغاير في اللفظ تخالفاً وتغايراً في المعنى (¬6)، وأن الجزء الزائد مانع من التطابق بين الشهادتين، وأما أبو يوسف ومحمد نظرا إلى أنهما اتفقا في جزء لفظاً
¬
(¬1) الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج8/ 51)،العيني، البناية شرح الهداية، (ج9/ 129)،ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 387).
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146).
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج4،ص229،الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 154).
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 229)،الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 154)،السرخسي، المبسوط، (ج24/ 52)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 126)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 230).
(¬6) السرخسي، المبسوط، (ج24/ 54)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 126).
ومعنى (¬1)، وأن العطف الزائد يقرر ويؤكد المعطوف عليه وإن كان المعطوف زائداً في نفسه فلا يؤثر على تطابق الشهادة (¬2).
المطلب الثالث: اختلاف راجع لأصول التطبيق:
الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنصف مهارة الإفتاء في إدراك المفتي للواقع والواقعة المسؤول عنها بما يسمى "قواعد رسم المفتي"،فمن أسباب الاختلاف بين الفقهاء اختلاف الظروف والأحوال التي تختلف من زمان لزمان زمن مكان لمكان، فيمكن أن يتغير الحكم رفعاً للحرج، أو للضرورة أو للعرف أو لتغير الزمان، وقد أدرجت مسألتين في الاختلاف مبنيتين على أصول التطبيق:
الفرع الأول: حكم تزكية الشهود في الحقوق عدا الحدود والقصاص:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
إذا شهد في الحقوق التي لا تؤثر فيها الشبهات كالحقوق المالية، هل تقبل شهادته دون سؤال الناس عنه ويكتفى بظاهره بأن المسلم عدل أو كان مستور الحال، أم يجب أن يسأل القاضي عن الشاهد ويتأكد من عدالته فيعدله الناس أو يجرحونه.
ويمكن محل الاختلاف في مستور الحال وغير المشهور بالكذب أو الفسق أو شهادة الزور، أما من كان من الصنف الأخير، فيتأكد القاضي من حال الشاهد إن تاب ورجع عن فسقه (¬3)، وهذا المحل المختلف فيه يكون في الحقوق العادية، أما في الحدود والقصاص فبالاتفاق يسأل عن حال الشاهد (¬4)؛
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146)،الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 154)،
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 146)،الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 154)،الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4/ 230).
(¬3) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي (ج8/ 32).
(¬4) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 118).
لأن هذه الدعاوى تسقط بالشبهة ووجود شاهد دون معرفة إن كان عدلاً شبهة تسقط الحد وتقدح في الدعوى، فوجب الاحتياط فيها عند الجميع (¬1).
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف فيها:
اختلف الإمام وصاحبيه في تزكية الشهود والسؤال عنهم، فقال الإمام: من كان ظاهره الإسلام فهذا يكفي لقبول شهادته لأن ظاهر المسلم العدالة، والإسلام سبب كاف لتعديله دون السؤال عنه، وأما تلميذي الإمام أبو يوسف ومحمد فقد خالفا الإمام، فعندما الشاهد لا تقبل شهادته إلا بالسؤال عنه سراً وعلانية، فإن زكوه الناس قبلت شهادته، وإن طعنوا فيه ردت شهادته (¬2).
وسبب هذا الاختلاف بين الإمام وصاحبيه يرجع إلى أصول تطبيق الحكم على الواقع، وما يناسب الواقع من أحكام تحقق العدل الإنصاف بين الناس.
فالإمام أبو حنيفة النعمان عاش القرن الثالث قرن الخيرية، فعن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام: تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) [البخاري، صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، ح2652]، دليل أن الناس في الثلاثة القرون الأولى كانوا أهل خير وورع تقوى، وكانت مخافة الله هي السائدة فيما بينهم، حتى قال عمر-رضي الله عنه-: (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في فرية) [الدارقطني، علي بن عمر، سنن الدارقطني، كتاب الأقضية، كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، ح4471]، فكان ظاهر أمرهم العدالة، والأصل في ذلك الزمان العدالة حتى يأتي ما يوجب زوالها، والعبرة بالغالب الشائع، فما قاله الإمام في تزكية الشهود محمول على زمانه، ويدل نظر من الإمام للواقع قبل إصدار الأحكام (¬3).
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، (ج16/ 88)، الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 270).
(¬2) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 32)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 88)، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3،ص118)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 142)،الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 270).
(¬3) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 30)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 88)،المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 118)،الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، (ج2/ 142)، الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (ج6/ 270).
وبعد قرون الخيرية فسدت الذمم وفشا الكذب، ولم يعد الأصل في الناس العدالة، بل على الحاكم التحري والتأكد قبل قبول شهادة الشاهد، فشرط العدالة في الشهود هو حق لله قبل أن يكون حقاً للبشر، لذا لو بقي الصاحبان على رأي إمامهم في هذه المسألة لضاعت الحقوق، وزالت هيبة القضاء وما عاد الفيصل الحق في الخصومات وقطع المنازعات، ولكان أسهل ما على الناس أن يأكلوا حقوق بعضهم البعض، فوجب الاحتياط في قبول الشهادة بالسؤال عن الشهود كما في دعاوى الحدود والقصاص، فلكل هذا خالف أبو يوسف ومحمد إمامهم الأعظم للاختلاف بين واقعهم المعاش عن زمن الإمام، ولو كان الإمام عاش زمانهم ورأى ما سار عليه الناس من الفساد وقلة الورع لحكم بما قال به الصاحبان، فظاهر العدالة حجة للدفع لا للاستحقاق-أي دليل مقبول لإثبات براءة الذمة وعدم اشتغالها بحق، وليست بدليل لإثبات حق (¬1).
الفرع الثاني: الاكتفاء بتزكية الشاهد في السر:
أولاً: صورة المسألة ومحل الاختلاف:
عندما يحضر شاهد إلى مجلس القضاء ليشهد مع أحد الخصمين لا تقبل شهادته حكماً ظاهره الخير كما هو المفتى به، بل يسأل القاضي الناس عنه فإن زكوه قبلت شاهدته وإن جرحوه وكذبوه ردت شهادته، فهل يسأل القاضي الشهود سراً (¬2) فقط دون علم الشاهد من المزكين، أم تجب التزكية سراً وعلانية أمام الشاهد لمزيد الاحتياط حتى لا يخلط المزكي عند تزكيته بين شاهد وآخر؟
ومحل الخلاف في تزكية العلانية أي أمام الشاهد يسأل عنه القاضي ويعلم الشاهد من زكاه أو جرحه، فهل التزكية للشاهد لا تقبل إلا عند السؤال علانية ولا اعتبار بشهادة السر، أم شهادة السر كافية ومعتبرة لقبول شهادة الشاهد أو ردها؟.
ثانياً: حكم المسألة وسبب الاختلاف:
¬
(¬1) ((الجصاص، شرح مختصر الطحاوي، (ج8/ 32)،السرخسي، المبسوط، (ج16/ 88)،الكاساني، بدائع الصنائع، (ج6/ 270)
(¬2) تزكية السر: أن يبعث القاضي رسولا إلى المزكي ويكتب إليه كتابا فيه أسماء الشهود حتى يعرفهم ويكون المكتوب إليه عدلا له خبرة بالناس (الزبيدي، الجوهرة النيرة، ج2،ص227،انظر أيضاً: البابرتي، العناية شرح الهداية، ج7،ص379).
تزكية السر غير معتبرة وحدها دون تزكية العلانية كما تقرر في الصدر الأول، فالقاضي يسأل عن الشاهد سراً وعلانية ليبين أمره وبناءً على هذه التزكية يقبل الشهادة أو يردها، وخالفهم الإمام محمد بأن القاضي يكتفي بتزكية السر في معرفة حال الشاهد، فتعتبر تزكية السر ويعتمد عليها لمعرفة حال الشاهد دون اللجوء لتزكية العلانية.
سبب الاختلاف بين الإمام ومحمد أن الإمام هو اختلاف زمان (¬1)، فقال الإمام محمد أن تزكية العلانية أصبحت سبب في نشر الفتنة والبلاء وهتكٌ ستر (¬2)، وأنها سبب في الوقوع في إثم غيبة المزكى فلوجود كل هذه الآثار الضارة لتزكية العلانية أفتى محمد-رضي الله عنه- بالاكتفاء بسؤال السر دون إعلان الجرح أو التعديل أمام المسؤول عنه لئلا يظهر الكره بين الناس، ولئلا يؤدي ذلك لقطع الأرحام (¬3).
خاتمة: وفيها أهم النتائج:
1 - الاختلاف بين الفقهاء اختلاف أصولي مجرد عن الهوى مبني على قواعد اجتهدها كل إمام ليصل بها إلى حكم الله من خلال النظر في النصوص، لا أن النصوص الشرعية وصلت بعض الفقهاء دون غيرهم.
2 - الاختلاف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اختلاف في أصول الاستنباط كالاختلاف في فهم اللغة والاختلاف في حجية الدليل، واختلاف في القواعد الفقهية التي تكون زبدة وخلاصة المسائل وتنبني عليها المسائل، وخلال في أصول التطبيق التي مردها إلى العرف، ورفع الحرج وغيرها.
3 - ركزت الدراسة على أسباب الاختلاف بين الإمام أبو حنيفة وتلميذيه أبو يوسف ومحمد بكون كل واحد له أصوله واجتهاداته المستقلة والتي اعتمد عليها في تقرير الاحكام، فتبين أن
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ج3/ 118)،ابن مازة الصدر الشهيد، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، (ج8/ 95).
(¬2) الزبيدي، الجوهرة النيرة، (ج2/ 227)،العيني، البناية شرح الهداية، (ج9/ 118)،ابن الهمام، فتح القدير، (ج7/ 380)،نظام وآخرون، الفتاوى الهندية، (ج3/ 372)
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار (ج2/ 142) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (ج4،211)،،ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (ج7/ 67)،ملا خسرو خسرو (ت 885هـ)،درر الحكام شرح غرر الأحكام، (ج2/ 373).
الاختلاف بناء على التحليل والتطبيق اختلاف مرده إلى اختلاف إما في أصول الاستنباط أو البناء والتطبيق كما بين في ثنايا البحث، وبما أن العقول مختلفة، فقطعاً سيتكون عندنا تنوع في النتائج التي تثري الفقه الإسلامي.
التوصيات:
1.التوصية بعمل دراسات تطبيقية لأسباب الاختلاف الواردة عند الفقهاء على المسائل المختلف فيها هل كان بسبب اللغة أو النص آحاد أو غيره مما يرجع لأصول الاستنباط أم قواعد البناء الفقهي أو في قواعد التطبيق، مما يثري الملكة الفقهية عند الدارس ويزيده تمكناً من مسائل الخلاف الوارد في مذهب واحد أم أكثر من مذهب.
2. توصي الباحثة بالتركيز على التمرس على الجانب التطبيقي لكل القواعد الأصولية مما يجعله أسهل للفهم وأقرب للذهن.
المصادر والمراجع
أولاً: المراجع العربية:
المصادر والمراجع:
البابرتي (1970 م)،محمد بن محمد بن محمود، جمال الدين الرومي، العناية شرح الهداية، مطبوع بهامش: فتح القدير للكمال ابن الهمام، ط1، بيروت: دار الفكر.
البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة (1311 هـ)، صحيح البخاري، تحقيق: جماعة من العلماء، الطبعة: السلطانية، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية بأمر السلطان عبد الحميد الثاني، ثم صَوّرها بعنايته: د. محمد زهير الناصر، وطبعها الطبعة الأولى عام 1422 هـ لدى بيروت: دار طوق النجاة، مع إثراء الهوامش بترقيم الأحاديث لمحمد فؤاد عبد الباقي.
البطليوسي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد (1403هـ) الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، ط2،بيروت: دار الفكر.
البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي (2003 م.)، السنن الكبرى، (تحقيق: محمد عبد القادر عطا)،ط3،دار الكتب العلمية: بيروت.
التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر (بدون تاريخ)، شرح التلويح على التوضيح، بدون ط، مصر: مكتبة صبيح، بدون تاريخ.
الجرجاني، علي بن محمد بن علي (1983م)،التعريفات، تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن جزيء، محمد بن أحمد بن جُزَي الكلبي الغرناطي المالكي (2003م)، تقريب الوصول إلي علم الأصول، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، ط2،بيروت: دار الكتب العلمية.
الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي (2010 م)، شرح مختصر الطحاوي، تحقيق: د. عصمت الله عنايت الله محمد - أ. د. سائد بكداش - د محمد عبيد الله خان - د زينب محمد حسن فلاتة، أعد الكتاب للطباعة وراجعه وصححه: أ. د. سائد بكداش، ط1،بيروت: دار البشائر الإسلامية - ودار السراج.
ابن حمدان، أحمد بن حمدان النمري (1397هـ)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ط3،بيروت: المكتب الإسلامي.
الحموي، أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني (ت 1985م)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، ط1،بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي، البغدادي الدمشقي الحنبلي (2001م)،جامع العلوم والحكم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، بيروت: مؤسسة الرسالة.
ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (2004 م)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بدون ط، القاهرة، دار الحديث.
الزبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق (1994م)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، بدون ط، بيروت: دار الفكر.
الزبيدي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي (1322 هـ)، الجوهرة النيرة، ط1،القاهرة: المطبعة الخيرية.
الزيلعي، عثمان بن علي بن محجن (1313 هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ، ط1،القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية.
السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (1991 م)، الأشباه والنظائر، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود - علي محمد معوض، ط1،بيروت: دار الكتب العلمية.
السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل (1993م)، المبسوط، ط: بدون، بيروت: دار المعرفة – بيروت.
السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل (بدون تاريخ)،أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني (رئيس اللجنة العلمية لإحياء المعارف النعمانية)،حيدر آباد: لجنة إحياء المعارف النعمانية.
السُّغْدي، أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد (1984م)، النتف في الفتاوى، بيروت: مؤسسة الرسالة.
السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد (1994 م)، تحفة الفقهاء، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية.
شيخي زاده، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان (بدون تاريخ)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، بدون ط، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
الصدر الشهيد، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر (2004 م)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، ط1، بيروت دار الكتب العلمية.
ضيف، أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (بدون تاريخ)،المدراس النحوية، بدون ط، القاهرة: دار المعارف.
ابن عابدين، محمد بن أمين (1976م)،عقود رسم المفتي، ط2،حيدر آباد، مركز توعية الفقه الإسلامي.
ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (1966)،حاشية ابن عابدين، ط2،القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
العينى، محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين (2000 م)، البناية شرح الهداية، ط1،بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي (1979م)،مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت: دار الفكر.
الفيروزآبادى، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (2005 م)، القاموس المحيط، ط8،بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع.
الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود (1986م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2،بيروت: دار الكتب العلمية.
الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (بدون تاريخ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، بيروت: مؤسسة الرسالة،
محمد، أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (بدون تاريخ)، الأصل، المحقق: أبو الوفا الأفغاني، دون ط، كراتشي، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية.
المرغيناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل (بدون)،الهداية في شرح بداية المبتدي، تحقيق: طلال يوسف الهداية في شرح بداية المبتدي، بيروت: دار احياء التراث العربي.
ملا خسرو، محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا - أو منلا أو المولى - خسرو (بدون تاريخ)،درر الحكام شرح غرر الأحكام، بدون ط، بيروت: دار إحياء الكتب العربية.
المناوي، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (1990م)، التوقيف على مهمات التعاريف، ط1،القاهرة: عالم الكتب.
الموصلي، أبو عبد الله بن محمود بن مودود (1937 م)، الاختيار لتعليل المختار،،تحقيق: محمود أبو دقيقة، القاهرة: مطبعة الحلبي.
ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، (بدون تاريخ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط2،القاهرة: دار الكتاب الإسلامي.
ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد (بدون تاريخـ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط2.
نظام وآخرون (1310هـ)، الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية، ط2،مصر: المطبعة الكبرى الأميرية.
ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي ثم السكندري (1970)، فتح القدير، ط1،القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصفى البابي الحلبي.
أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (بدون تاريخ)، اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، ط1،الهند: لجنة إحياء المعارف النعمانية.
ثانياً: المراجع الأجنبية:
Sources and references
Al-Babarti,M (1970 AD). Inayat Sharh Al-Hidaya, printed in a margin: Fath Al-Qadeer for Kamal Ibn Al-Hammam, 1st Edition, Beirut: Dar Al-Fikr.
Al-Bukhari, M, (1311 A.H.), Sahih Al-Bukhari, investigation: a group of scholars, Edition: Sultaniya, Cairo: The Grand Amiri Press by order of Sultan Abdul Hamid II, then photographed by him: Dr. Muhammad Zuhair Al-Nasser, printed by the first edition in 1422 AH in Beirut: Dar Touq Al-Najat, with enriching the margins with the numbering of hadiths by Muhammad Fouad Abdul Baqi.
Al-Batusi, Am (1403 A.H.) Fairness in Alerts to Meanings and Reasons for Difference, Investigation: Dr. Muhammad Radwan Al-Daya, 2nd Edition, Beirut: Dar Al-Fikr.
Al-Bayhaqi, A, (2003 AD), Al-Sunan Al-Kubra, (Investigated by: Muhammad Abdul Qadir Atta), 3rd Edition, Dar Al-Kutub Al-Ilmia: Beirut.
Al-Taftazani, S, (without date), explaining the waving on the explanation, without I, Egypt: Sobeih Library, no date.
Al-Jurjani, A,(1983 AD), The Definitions, Investigation: Edited and corrected by a group of scholars, 1st Edition, Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyya.
Ibn Juzi’, M,(2003 AD), Approximate access to the science of origins, investigation: Muhammad Hassan Muhammad Hassan Ismail, 2nd Edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya.
Al-Jassas, A, (2010 AD), an explanation of Al-Tahawi’s summary, investigation: Dr. Ismat Allah Enayat Allah Muhammad - a. Dr .. Saed Bakdash - Dr. Muhammad Obaidullah Khan - Dr. Zainab Muhammad Hassan Fallata, prepared the book for printing, reviewed and corrected it: a. Dr .. Saed Bakdash, 1st Edition, Beirut: Dar Al-Bashaer Al-Islamiyyah - Dar Al-Sarraj.
Ibn H,(1397 AH), The Description of Fatwa, Mufti and Mufti, 3rd Edition, Beirut: Islamic Office.
Al-Hamwi, A,(d. 1985 AD), wink in the eyes of insights in the explanation of analogies and analogies, 1st ed., Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya.
Ibn Rajab, Z, (2001 AD), Jami’ al-Ulum and al-Hakam, investigation: Shuaib Arnaout - Ibrahim Bagis, Beirut: Al-Resala Foundation.
Ibn Rushd,d M, (2004 AD), The Beginning of the Mujtahid and the End of the Economical, without i, Cairo, Dar al-Hadith.
Al-Zubaidi, M,(1994 AD), the crown of the bride from the jewels of the dictionary, investigated by: Ali Shiri, without I, Beirut: Dar Al-Fikr.
Al-Zubaidi, A,Hadadi (1322 AH), Al-Jawhara Al-Nayra, 1st Edition, Cairo: Al-Khayriyah Press.
Al-Zayla’i, O,(1313 AH), explaining the facts, explaining the treasure of the minutes and Al-Shalabi’s footnote, footnote: Shihab Al-Din Ahmed bin Muhammad bin Ahmed bin Younis bin Ismail bin Younis Al-Shalabi, 1st floor, Cairo: The Grand Amiri Printing Press.
Al-Subki, T,(1991 AD), Al-Shabah and Al-Nazaer, investigation: Adel Ahmed Abdel-Mawgod - Ali Muhammad Moawad, i 1, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmia.
Al-Sarakhsi, M,(1993 AD), Al-Mabsout, i: Bedoon, Beirut: Dar Al-Maarifa - Beirut.
Al-Sarakhsi, M,(no date), The Origins of Al-Sarakhsi, Investigated by: Abu Al-Wafa Al-Afghani (Chairman of the Scientific Committee for the Revival of Nu’mani Knowledge), Hyderabad: Committee for the Revival of Nu’mani Knowledge.
Al-Sogadi, A,(1984 AD), Plucking in Fatwas, Beirut: Al-Resala Foundation.
Al-Samarqandi, M,(1994 AD), Tuhfat al-Fuqaha, 2nd Edition, Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyya.
Sheikhi Z,(no date), Al-Anhar Complex in explaining the Al-Abhar Forum, without I, Beirut: House of Revival of Arab Heritage.
Al-Sadr the Martyr, B ,(2004 AD), Al-Muhit Al-Burhani in Nu’mani Jurisprudence, Jurisprudence of Imam Abu Hanifa, may God be pleased with him, investigation: Abdul Karim Sami Al-Jundi, 1, Beirut, Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya.
Guest, A, (without date), Al-Madras Grammar, without I, Cairo: Dar Al-Maaref.
Ibn Abidin, Mm(1976 AD), Contracts of Drawing of the Mufti, 2nd Edition, Hyderabad, Islamic Jurisprudence Awareness Center.
Ibn Abdeen, M,(1966), Hashiyat Ibn Abdin, 2nd Edition, Cairo: Mustafa Al-Babi Al-Halabi and Sons Library and Press Company.
Al-Aini, M,(2000 AD), The Building, Sharh Al-Hidaya, 1st Edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya.
Ibn Faris, A,(1979 AD), language standards, investigated by: Abd al-Salam Muhammad Harun, Beirut: Dar al-Fikr.
Al-Fayrouzabadi, M,(2005 AD), Al-Muhit Dictionary, 8th edition, Beirut: Al-Resala Foundation for Printing, Publishing and Distribution.
Al-Kasani, A,(1986 AD), Badaa’ al-Sana’i in the Order of the Laws, 2nd Edition, Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyya.
Al-Kafwi, A,(no date), colleges, a glossary of terms and linguistic differences, investigated by: Adnan Darwish, Muhammad Al-Masri, Beirut: Al-Resala Foundation,
Muhammad, A,(no date), original, verified: Abu al-Wafa al-Afghani, without I, Karachi, Department of the Qur’an and Islamic Sciences.
Al-Marginani, A,(without), Al-Hidaya fi explaining the beginning of Al-Mubtadi, investigation by: Talal Youssef Al-Hidaya fi
explaining the beginning of Al-Mubtada, Beirut: House of Revival of Arab Heritage.
Mulla Khusraw, M,(without date), Durar al-Hakam Sharh Gharar al-Ahkam, without I, Beirut: House of Revival of Arabic Books.
Al-Manawi, Z,(1990 AD), Detention on Definitions Tasks, I 1, Cairo: Alam Al-Kutub.
Al-Mawsili, A,(1937 AD), The Choice for the Explanation of the Mukhtar, Edited by: Mahmoud Abu Dhaqiqa, Cairo: Al-Halabi Press ..