بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة
لعدد من الكتب المعتمدة في فقه المذهب الحنفي
بحث قُدم وألقي مختصره في أسبوع أبي حنيفة
المنعقد في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري
في الفترة 31/ 5/2016 - 2/ 6/2016 م
بقلم
د. محمد مطيع الحافظ
كبير باحثين أول
جارٍ تحميل الكتاب…
بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة
لعدد من الكتب المعتمدة في فقه المذهب الحنفي
بحث قُدم وألقي مختصره في أسبوع أبي حنيفة
المنعقد في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري
في الفترة 31/ 5/2016 - 2/ 6/2016 م
بقلم
د. محمد مطيع الحافظ
كبير باحثين أول
المقدمة
علم الفقه: هو علم يبحث عن الأحكام الشرعية الفرعية العملية، من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية، ويستمد تفريعاتها من سائر العلوم الشرعية والعربية. وفائدته حصول الحكم على الوجه المشروع. والغرض منه لطالب العلم أو الفقيه تحصيل ملكة الاقتدار على فهم الأعمال الشرعية.
وذكر الغزالي تطور مصطلح الفقه وتبديل أسامي العلوم أن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على دقائقها وعللها، واسم الفقه في العصر الأول كان يطلق على علم الآخرة وحقارة الدنيا قال تعالى: ((لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا)) (التوبة: 122). والإنذارُ بهذا العلم دون تفاريع الفقه كالإجارة والبيوع وغيرها.
والمذاهب المشهورة في الفقه التي تلقتها الأمة بالصحة هي المذاهب الأربعة للأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى.
وسادت في العالم الإسلامي هذه المذاهب الأربعة، وأجمعت الأمة على قبولها واعتمادها، وهؤلاء أكرمهم الله بتلامذة تابعوا نهجهم، وقاموا بتسجيل فقههم ونشر مؤلفاتهم.
والمذهب الحنفي الذي هو موضوع بحثنا هو مدرسة من المدارس التي اجتهدت في بيان أحكام الشرع في أعمال الناس وتصرفاتهم في عباداتهم ومعاملاتهم.
واعتمدت هذه المدرسة بالأصل على كتاب الله عز وجل، وما بينته السنة المطهرة، وأقوال الصحابة وعملهم، ثم اجتهدوا اعتماداً على ذلك في المسائل المحدثة.
قام الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون ومن تبعهم من العلماء بمهمة الفتوى، والتنقيب عن حكم الحوادث الجديدة من خلال اجتهاداتهم.
وكثر في هذه الأمة المجتهدون وتبعهم جماعة مقلدون، صرفوا أوقاتهم في خدمة الشريعة تعلّماً وتعليماً. ولا يخلو مئة من المئات من المجددين يسيرون على نهجهم وطريقتهم. وهذا من كمال فضل الله على الأمة يجب شكره.
وانتشر المذهب الحنفي انتشاراً واسعاً في العراق وبلاد الشام ومصر والحجاز وباكستان وفي الشرق الإسلامي وتركيا.
وأما طبقات أئمة الحنفية فقد اعتمد فقهاؤنا في تقسيمهم على ست طبقات:
1 - الأولى: طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام.
والثانية: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا راوية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوي والكرخي والسرخسي والحلواني والبزدوي وغيرهم، وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول لكنهم يستنبطون الأحكام التي لا رواية فيها على حسب الأصول.
والثالثة: طبقة أصحاب التخريج وهم القادرون على تفصيل قول مجمل، وتكميل قول محتمل، من دون قدرة على الاجتهاد.
والرابعة: طبقة أصحاب الترجيح كالقدوري وصاحب الهداية وهم القادرون على تفضيل بعض الروايات على بعض بحسن الدراية.
والخامسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القوي والضعيف، كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة.
والسادسة: من دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين، والشمال واليمين.
وأما طبقات المسائل والكتب في المذهب الحنفي:
وهي عندهم على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول وتسمى ظاهر الرواية، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ويلحق بهم زفرو الحسنُ بن زياد وغيرُهما ممن أخذ من أبي حنيفة ويُسمى هؤلاء المتقدمين، ثم هذه المسألة التي سميت مسائل الأصل وظاهر الرواية هي ما وجدت في كتب الإمام محمد التي هي في المبسوط والزيادات والجامع الصغير والكبير والسير، وإنما سميت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي إما متواترة أو مشهورة عنه.
الثانية: مسائل النوادر وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، لكن ليست في الكتب المذكورة بل إما في كتب غيرها تنسب إلى محمد كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات، وإنما قيل لها غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة صحيحة ثابتة كالكتب الأولى وإما في كتب غير محمد ككتاب المجرد لحسن بن زياد، وكتب الأمالي لأصحاب أبي يوسف وغيرهم، وإما بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة ورواية علي بن منصور وغيرهما في مسألة معينة.
الثالثة: الفتاوى والواقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب المتقدمين وهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد وأصحاب أصحابهما وهلم جراً، وهم كثيرون فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد مثلُ ابن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجوزجاني وأبي حفص البخاري، ومن أصحاب أصحابهما، ومن بعدهم مثل محمد بن مسلمة ومحمد بن مقاتل ونصر بن يحيى وأبي نصر القاسم بن سلام كما في الطبقات والتواريخ.
وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل ظهرت لهم، وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي فإنه جمع صور فتاوى جماعة من المشايخ بقوله سئل نصر بن يحيى في رجل كذا وكذا فقال كذا وكذا، وسئل أبو القاسم عن رجل كذا. ثم جمع المشايخ بعده كتباً أُخر كمجموع النوازل والواقعات للصدر الشهيد. ثم ذكر المتأخرون بهذه الطبقات المسائل في كتبهم مختلفة غير متميزة كما في قاضيحان والخلاصة وميز بعضهم كرضي الدين السرخسي في المحيط فإنه يذكر أولاً مسائل الأصول ثم مسائل النوادر ثم مسائل الفتاوى ونعم ما فعل. فحيث يطلق في كتب المذهب: المشايخ والمتأخرون فالمراد ما ذكرنا وما نقل عنهم في الكتب إما الاجتهادات كما نقلنا وإما تخريجات أقوال العلماء المتقدمين، كما يقال: هذا القول اختاره مشايخ ما وراء النهر وافتى بهذا مشايخ سمرقند والغالب على القدماء منهم الاجتهاد والترجيح وهم الذين كانوا ما بين مئتين إلى أربع مئة من الهجرة، والغالب على المتأخرين منهم وهم الذين كانوا بعد الأربعمائة الترجيح فقط. ومن كتب مسائل الأصول كتاب الكافي للحاكم الشهيد وهو معتمد في نقل المذهب والمنتقى له وفيه النوادر ذكره رضي الدين في المحيط ولا يوجد المنتقى في هذه الأعصار.
وفي المنثورة الكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد خمسة الجامع الصغير والمبسوط والجامع الكبير والزيادات والسير الكبير، وغير ظاهر الرواية أربعة وهي الهارونيات والجرجانيات والكيسانيات والرقيات والنوادر وهي نوادر هشام ونوادر ابن سماعة ونوادر ابن رستم ونوادر داود بن رشيد ونوادر المعلا ونوادر بشر ونوادر ابن شجاع البلخي ونوادر أبي نصر ونوادر أبي سليمان.
ومن مؤلفاته زيادات الزيادات والمأذون الكبير وكتاب العتاق.
والمبسوط هو الأصل سمي به لأنه صنفه أولاً ثم الجامع الكبير ثم الزيادات وأملى المبسوط على أصحابه ورواه عنه الجوزجاني وغيره والجامعين والسير الكبير والصغير، والزيادات عبارة عن الأصول وظاهر الرواية ويعبر بغير الظاهر عن الأمالي والنوادر والجرجانيات والهارونيات والرقيات.
وروي أن الإمام الشافعي استحسنه وحفظه، وأسلم حكيم من كفار أهل الكتاب بسبب مطالعته حيث قال: هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف بكتاب محمدكم الأكبر صلى الله عليه وسلم؟!
ملاحظة:
1 - عند بعض متقدمي المؤلفين في الفقه الحنفي المزج بين الأصل والشرح ويسمى شرحاً ممزوجاً مثل المبسوط وبدائع الصنائع.
2 - كتب الفقه والأصول عند الأقدمين يغلب عليه السهولة واللغة البسيطة والأسلوب الممتع.
3 - أما عند المتأخرين وخاصة في العهد العثماني، دخل في تأليفهم المنطق واللغة الصعبة وعودة الضمائر بكثرة.
أهم مميزات الفقه الحنفي:
- أئمة المذهب كان رائدهم التقوى والتحري والتدقيق والتتبع بدءاً من الإمام أبي حنيفة وأصحابه ومقلديهم
- الاهتمام بمقاصد الشريعة وبناء أسس الفقه على ذلك، بحيث وصلوا إلى غاية الأحكام وفلسفوها لتؤدي المقصود منها.
- تولى الحنفية القضاء والفتوى في الدولة العباسية ثم في عدة دول وتركيا ومصر وبلاد الشام، والشرق الإسلامي، وهذا ما جعل الفقه الحنفي يعيش مع الناس في أحوالهم عامة، ويتعرف إلى واقعهم وما يحتاجون.
- التفريع في المسائل حتى سُموا الأرأيتيين، وقد عيب عليهم ذلك ولكنهم ردوا بأن القرآن استعمل ذلك في قوله: ((أرأيت)).
- التوسع في الفروع بحيث إن طالب العلم يحتاج إلى وقت طويل لمعرفة المذهب وسعته والوصول إلى المفتى به.
- بنوا أحكامهم بمنهج واضح في الفتوى وذلك لشهرة الأقوال المعتمدة.
- كانت لهم جهود كثيرة ومتعددة الجوانب في التأليف في الفقه وتفريعاته وأصوله، وتخريج أحاديث الأحكام.
- اعتنوا ببناء فروعهم على قواعد عامة، ولذلك ألفوا فيها كتب القواعد، وفرعوا عليها بالأشباه والنظائر كما فعل ابن نجيم في كتابه (الأشباه والنظائر).
- وهذا ما جعل الفقه الحنفي صالحاً للتقنين أكثر من غيره من المذاهب التي اعتنت بالأدلة الشرعية الجزئية، فقد قامت محاولات من فقهاء الحنفية لوضع قوانين لتطبيقها في المحاكم والفتوى كان منها (المجلة العدلية) في العهد العثماني التي قام بتأليفها عدد من العلماء منهم العلامة علاء الدين عابدين
وقد طبعت وترجمت إلى عدة لغات ولها شروح كثيرة، وقام الشيخ محمد قدري باشا بتأليف كتابين مشهورين مفيدين الأول: الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، والثاني مرشد الحيران، وكلاهما مطبوع.
- الالتزام بالأصول المعتمدة.
- اعتمدوا في الأحكام على التعليلات والأدلة في سبيل الوصول إلى الحق.
- قد يعيب بعضهم على المذهب الحنفي وجود (الحيل الشرعية) وهذا ليس عيباً لأنهم أرادوا اليسر والسماحة للمكلفين، ويدل على سعة تفكيرهم وقدرتهم على الاطلاع والتمييز الواسع، ولكنهم حرَّموا الحيل التي تخالف النصوص وتبتعد عن مقاصد الشريعة، وقسموها إلى محرمة ومكروهة ومباحة، وقال أئمة الحنفية: إن الإمام محمد بن الحسن لم يؤلف كتاباً في الحيل، وهو منسوب إليه زوراً وبهتاناً.
الكتب المؤلفة في المذهب الحنفي:
وهي تشمل أنواعاً كثيرة منها ما يضم فروع المذهب عامة، ومنها ما هو موسع كـ (المحيط البرهاني)، ومنها المتوسطُ كـ (تحفة الفقهاء) للسمرقندي، ومنها المختصر كـ (الكتاب) للقدوري، و (كنز الدقائق) للنسفي.
ومنها ما هو شرح لكتاب، والكتب في ذلك كثيرة مثل (المبسوط) للسرخسي، و (بدائع الصنائع) للكاساني، ومنها ما هو شرح على الشرح كـ (حاشية ابن عابدين)، ومنها كتب في تخريج أحاديث الأحكام ككتاب (الموطأ) للإمام محمد بن الحسن، و (نصب الراية) للزيلعي، و (الجواهر المنيفة) للزَّبيدي صاحب شرح القاموس، و (إعلاء السنن) للتهانوي.
ومنها ما يتعلق بالقواعد الفقهية مثلُ كتاب (الأشباه والنظائر) لابن نجيم، و (شرحِ القواعد الفقهية) للشيخ أحمد الزرقاء.
ومنها ما يتعلق بكتب أصول الفقه، كأصول البزدوي، وشرحه (كشف الأسرار) لعبد العزيز البخاري.
ومنها ما يتعلق بالوقف وأحكامه ككتاب (الوقف) للخصاف.
ومنها ما يتعلق بكتب تتعلق بموضوع واحد كالعبادات مثل (نور الإيضاح) وشرحِه (مراقي الفلاح) للشرنبلالي، و (منية المصلي) وشرحه للحلبي في الصلاة فقط.
المبسوط:
تأليف أبي بكر شمس الأئمة محمد بن أحمد السَرَخْسي المتوفى سنة 438 هـ.
يعد كتابُ المبسوط من أكبر كتب الفقه الحنفي عند الأقدمين، وهو شرح لكتاب الكافي للحاكم الشهيد المروزي، وهو مطبوع في ثلاثين جزءاً، ثم طبع مؤخراً محققاً.
أملى السرخسي كتابه المبسوط وهو في الجب وأصحابه في أعلى الجب يكتبون، وهو مقيّد الحرية وبعيد عن أهله ومراجعه، أملاه محبوساً بسبب كلمةٍ نصح بها الأمراء، وعلى الرغم من ذلك فقد أورد في كتابه الكثير من الأحاديث النبوية التي تميّز بها الكتاب، وأورد أقوال الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم والأئمة من بعدهم. وأقوالَ الإمام أبي حنيفة وشيوخه وتلاميذه مما يدل على قوة حفظه واستحضاره للأدلة والمناقشات، كما حوى فقه السلف ومرجع الخلف، وعبارته سهلة يسيرة بحيث يسهل للمبتدئين الرجوع إليه.
ويعد المبسوط من كتب الأصول المعتمدة في المذهب، أو ما يسمى بظاهر الرواية كما قال ابن عابدين.
تحفة الفقهاء وشرحه بدائع الصنائع وطرف من دور المرأة في الفقه الحنفي:
تحفة الفقهاء في الفروع تأليف الشيخ الإمام الزاهد علاء الدين محمد بن محمد السمرقندي المتوفى سنة 539 هـ. تفقه على صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي وغيره.
زاد فيه على مختصر القدوري ورتبه أحسن ترتب. وطبع محققاً بدمشق في ثلاثة أجزاء.
شَرَحَ الكتاب تلميذهُ أبو بكر مسعود الكاساني المتوفى سنة 587 هـ شرحاً عظيماً وسماه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) وهو شرح ممزوج متناً وشرحاً، ولما أتمه عَرَضَه على شيخه السمرقندي فاستحسنه وزوَّجه ابنته فاطمة الفقيهة وجعل مهرَها شرحَه للتُحفة وكانت من حسان النساء وطلبها للزواج الملوك والأمراء وكانتْ تفقهت على أبيها وحفظت (تحفته) فقيل شرح تحفته وزوجه ابنته.
وكانت الفتوى تأتي فتخرُج وعليها خطُّها وخط أبيها فلما تزوجت بصاحب البدائع كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها، وكان زوجُها ربما يعرض له شيء من الوهم في الفتيا فتردُّه إلى الصواب، وتعرفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولها.
ثم إن الكاساني وزوجته غادرا بخارى إلى بلاد الروم أي تركيا اليوم، ثم سكن حلب فاتصل به السلطان نور الدين محمود بن زنكي ولقي منه كل احترام وتقدير وأُعجب فقهاء حلب بالكاساني وسعةِ علمه، فطلبوا منه أن يوليه المدرسة الحلاوية فتولاها، وكان حريصاً على تعليم العلم ونفع الطلبة، وكان فقيهاً عالماً صحيح الاعتقاد، جمع بين الحديث والفقه والتفسير ولا عجب في ذلك فبلاده كانت مجمع المحدثين والفقهاء، وكان حاضر الحجة قوياً في حفظه ودرايته.
تمتع الكاساني بحب نور الدين الشهيد وتقديره، فمن أخلاقه العزةُ والمروءة ومما يُروى عنه أنه أقعد من رجليه لنقرس عرض له فيها فنزل إليه نور الدين ودخل إليه ليعوده فتحرك علاء الدين الكاساني، فظن نور
الدين أنه يحاول القيام له فقال له بالفارسية: بنشي بنشي أي اقعد لا تقم، فقال له: مولانا بنشي من الله، أي أن هذه الحركة بسبب المرض والحاجة للتقلب.
ومما يذكر عن وفاء الكاساني لشيخه أنه كان يستجيب لرغبات زوجته لأنها ابنةُ شيخه فعندما وصلا إلى حلب كانت تحث الكاساني على مغادرتها والعود إلى بلادها، فلما علم نور الدين برغبة الشيخ في المغادرة استدعاه وسأله عن حقيقة الأمر، وأبدى له رغبته ورغبة العلماء أن يقيم بحلب فعرَّفه السبب، وأنه لا يقدر أن يخالف زوجتَه ابنةَ شيخه، فأرسل الملك رسالة إليها مع امرأة يرجوها البقاء في حلب فأجابته إلى ذلك، وأقامت بحلب إلى أن توفيت قبل وفاة زوجها بست سنين في عام 581 هـ ودفنت في مسجد إبراهيم الخليل، ولم يقطع الكاساني زيارة قبرها كل ليلة جمعة إلى أن مات سنة 587 هـ ودفن إلى جانب زوجته فاطمة رحمهما الله.
يتميز كتاب البدائع باللغة السهلة وإيراد الشواهد الحديثية، وطبع في سبع مجلدات كبار في القاهرة سنة 1327 هـ.
الهداية شرح بداية المبتدي:
تأليف برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني المتوفى سنة 593 هـ.
كان إماماً فقيهاً محدثاً مفسراً جامعاً للعلوم، محققاً مدققاً زاهداً ورعاً.
ويعد من الأئمة المجتهدين في المذهب فيما لا نص فيه عن الإمام، أخذ العلم عن النسفي، والصدر الشهيد وغيرهم، وأقرّوا له بالعلم لا سيما بعد تصنيفه لكتاب الهداية.
وكتاب الهداية أشهر مؤلفاته، وقد قُرئ ودُرِّس في حياته جمع بين الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن، ومختصر القدوري، ورتبه ترتيب الجامع الصغير فيورد الأدلة من القرآن والحديث.
وكان المرغيناني قد شرح بداية المبتدي وسماه كفاية المنتهي في ثمانين مجلداً، ولما تبين للمؤلف الإطناب فيه وخشي أن يهجر شرح المتن ثانياً، وابتدأ بتأليفه سنة 570 هـ، وبقي في تصنيفه ثلاث عشر سنة، وكان صائماً في تلك المدة لا يفطر أصلاً، وكان يجتهد ألا يطلع على صومه أحد، فإذا أتى خادمة بطعامه يقول: خله ورُح، فإذا راح يطعمه أحد الطلبة أو غيرهم، فكان ببركة زهده وورعه وصلاحه - كتابُه مباركاً مقبولاً عند العلماء.
كتاب الهداية كتاب أصيل في فقه السادة الحنفية، وعليه اعتماد جلِّ من جاء بعده وتوافرت عليه جهود أئمة كبار: فقهاءَ ومحدثين، منهم الشارح له ومنهم المختصر، ومنهم المخرّجُ لأحاديثه، والمتتبعُ للكتب المتعلقة بالهداية يرى أنها نافت على المئة، وهذا دليل على أهمية الكتاب وفضله. والمرغيناني يعتمد على القول الأخير من أقوال الأئمة الأوائل مثل أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
للكتاب شروح أهمها: البناية في شرح الهداية، للإمام العيني المتوفى سنة 855 هـ، والتوشيح للغزنوي المتوفى سنة 773 هـ، والعناية للبابرتي المتوفى سنة 786 هـ، والدراية شرح الهداية للهروي المتوفى سنة 954 هـ، وفتح القدير لابن الهمام المتوفى سنة 861 هـ.
وخرّج أحاديثه: الإمام علي بن التركماني، والإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة 722 هـ، في كتابه نصب الراية لأحاديث الهداية.
وقالوا في كتاب الهداية:
قال الإمام محمد أنور الكشميري: ليس في أسفار المذاهب الأربعة كتاب بمثابة كتاب الهداية في تلخيص كلام القوم وحسن تعبيره الرائق، والجمع للمهمات، بكلمات كلها درر وغرر.
وقالوا: لم يُخدم كتاب في الفقه من المذاهب الأربعة مثل كتاب الهداية، ولم يُتَّفق على شرح كتاب في الفقه من الفقهاء والمحدثين والحفاظ المتقنين مثلُ ما اتفقوا على كتاب الهداية.
نصب الراية لأحاديث الهداية:
تأليف عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة 762 هـ، أصله من الزيلع في الصومال، ووفاته بالقاهرة، وهو تخريج لأحاديث الهداية، وهو من الكتب النافعة، يدل على تبحر مؤلفه في علم الحديث، ويدل على إنصافه فهو يذكر أدلة المخالفين، من غير اعتراض ولا تعقب غالباً.
ويدل على أهميته كثرة الناقلين عنه، والآخذين بأقواله، ويعد موسوعة ضخمة لتخريج أحاديث الأحكام، سواء التي استدل بها الحنفية أو غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى، حاول جمع جُلِّ ما يَستدل به الفقهاء من سائر أصحاب المذاهب المتبوعة، وهذه ميزة عظيمة يمتاز بها هذا الكتاب الجليل.
- يذكر نص الحديث الذي أورده الإمام المرغيناني في كتابه الهداية.
- رتب الإمام الزيلعي كتابه نصب الراية حسب ترتيب الكتب الفقهية الموجودة في كتب الفقه، متابعاً لكتاب الهداية.
- قام بتخريج أحاديث المخالفين للمذهب، فذكر من أخرجها ومواطنها في كتب الحديث بكمال النزاهة. والإنصاف.
- إن كانت المسألة التي ورد فيها الحديث في كتاب الهداية خلافية يذكر الإمام الزيلعي الأحاديث التي استشهد بها العلماء والأئمة المخالفون لما ذهب إليه الحنفية.
- يذكر طرق الحديث ومواضعه.
طبع الكتاب بعناية المجلس العلمي في الهند مع مقدمة للشيخ محمد زاهد الكوثري وحاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، في بيروت سنة 1393 هـ - 1973 م.
وطبعة مؤخراً طبعة محققة مع مقدمة نفسية للشيخ محمد عوامة.
ولخصه الحافظ ابن حجر في كتابه الدراية في تخريج أحاديث الهداية.
العلامة ابن عابدين وحاشيته:
ابن عابدين: إمام الحنفية بالشام وصاحب الحاشية على الدر المختار المسماة رد المحتار على الدر المختار.
ترجمته: هو العلامة محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين، وهي شهرة تعود إلى جده محمد صلاح الدين الذي أطلق عليه هذا اللقب لصلاحه، ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ولد بدمشق في حي القنوات سنة 1198 هـ، ونشأ في رعاية أبوين معروفين بالصلاح والتقوى، وكان والده تاجراً.
قرأ القرآن الكريم وجوّده بوجوهها وطرقها، ثم لزم الشيخ شاكراً العقاد فقيه الحنفية في عصره، ولزمه سبع سنوات، وكان يتفرس فيه الخير، ويحبه حباً جماً ويكرمه، ويقول له: أنت أعز علي من أولادي، وأحضره دروس أشياخه واستجازهم له، عرض عليه شيخه العقاد أن يزوجه ابنته، ولكن أباه عارض وقال: أخاف عليك من غضب شيخك إن أغضبت ابنته يوماً، وشجعه على تحرير المسائل وجمع الرسائل ليتقوى على الممارسة في التأليف، وأجازه بإجازتين وشرع في قراءة كتاب (الدر المختار) على الشيخ العقاد، ثم إن الشيخ العقاد توفي سنة 1222 هـ، ولم تتم قراءة الكتاب، فأتمه من أوله على الشيخ سعيد الحلبي أكبر طلاب حلقة الشيخ العقاد.
تولى أمانة الفتوى في عهد المفتي الشيخ حسين المرادي، وحج سنة 1235 هـ، وتحرى في حجه الطعام غاية التحري مع قلة تناوله.
كتابه الحاشية:
وتسمى (ردَّ المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار) وهي عمدة المذهب الحنفي وهي أعظم مؤلفاته نفعاً وأكثرُها شهرة طبعت طبعات كثيرة أهمها: في بولاق سنة 1272 هـ، 1276 هـ، 1299 هـ، وفي مصر الميمنية سنة 1307 هـ، وسنة 1323 هـ، وفي استانبول سنة 1307 هـ. وطبعت بمطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1386 هـ - 1966 م، ثم قام الدكتور الشيخ محمد حسام الدين الفرفور بطبعها محققة تحقيقاً علمياً في أجزاء متتالية وصدر منها حتى تاريخه سبعة عشر جزءاً وصدرت التكملة للحاشية لمؤلفها الشيخ محمد علاء الدين عابدين في جزأين سنة 1290 هـ، وعلى الحاشية تقريرات مطبوعة للإمام عبد القادر الرافعي، وذكر الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت أن على الحاشية تقريرات للشخ البحراوي المصري.
واشتهر هذا الكتاب باسم حاشية ابن عابدين وتقع في خمسة مجلدات كبار، وعليها المعول في الفقه الحنفي في الفتوى، ذكر الشيخ أبو اليسر عابدين في دائرة المعارف أن ابن عابدين بدأ بتأليف حاشيته هذه من آخرها (باب الإجارة) حتى أتمها، ثم عاد من أولها فتوفي في أثناء ذلك، فبقيت مخرومة من أول ثلثها الأخير تقريباً، والذي أكمله ولده، وقد أخبرني والدي المرحوم الشيخ أبو الخير عابدين عن سبب ذلك فقال إنه يوجد من كتب الحنفية الكبار كفتح القدير فهو محرر إلى باب الإجارة ثم إنه يموت المؤلف أو أستاذ الدرس فقال ابن عابدين: (إن لم يساعد الأجل يكون كتابي هذا إتماماً لنواقص غيره وإن ساعد الأجل أعود لإكمالها)، فلما انتهى إلى آخرها عاد من أولها فتوفي قبل الوصول لما بدأ به.
وقال الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت نقلاً عن شيخه الشيخ عطا الكسم مفتي الشام عن الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني تلميذ ابن عابدين: إن سبب تأليفه لها أن الشيخ سعيد الحلبي شيخ ابن عابدين بحث مع تلاميذه بحوثاً متعددة مشكلة، فكان ابن عابدين يتفوق في الإجابة دوماً، وكان من أبرز المسائل مسألةُ المتحيِّرة في باب المستحاضة وأعجب الشيخ الحلبي بتقريره للمسألة، فأمره بوضع حاشيته على كتاب (الدر المختار) الذي كان
الشيخ الحلبي يقرره، وعندما بدأ بالتأليف كان شيخه يدعوه بين الآونة والأخرى ليطلع على عمله ويقول له: (هات الصبّرة) يقول هذه العبارة كيلاً يغتر ابن عابدين بنفسه وعلمه، ولكنه كان عندما يقرأ ما كتب يسر سروراً عظيماً ولا يفصح عما في نفسه ويقول: اللهم افتح عليه ويُسَرّ له.
الدر المختار:
قال ابن عابدين: لقد حوى من الفروع المنقحة والمسائل المصححة ما لم يحوه غيره من كبار الأسفار، بيد أنه لصغر حجمه ووفور علمه قد بلغ حد الإيجاز إلى حد الألغاز ... ثم يقول: وقد كنت صرفت في معاناته برهة من الدهر وصرت في الليل والنهار سميره.
بدأ ابن عابدين قراءة الدر المختار على شيخه الشيخ محمد شاكر العقاد ثم توفي شيخه المذكور سنة 1222 هـ، فأتمه على أكبر تلامذة العقاد الشيخ سعيد الحلبي، وفي إجازته التي كتبها الشيخ الحلبي سنة 1224 هـ بيان واضح لذلك، ثم قرأه مرة ثانية إلى كتاب الإجارة، وكان الفراغ سنة 1230 هـ.
وكان ابن عابدين قد كتب على حاشية نسخته من الدر تقريرات وفوائد تعد هذه المسودة الأولى للحاشية.
ومن منهج ابن عابدين في الحاشية:
1 - زاد فروعاً مهمة من الوقائع والحوادث والفوائد والأبحاث والنكت، وحلِّ العويصات، وكشف المسائل المشكلة.
2 - دفعُ الإيراداتِ من أصحاب الحواشي على الدر والانتصارُ له.
3 - إذا وقع في كلام الحلبي والطحطاوي في حاشيتهما على الدر ما خلافهُ الصواب أو الأحسنُ فشأنه في ذلك أنه يقرر ما يناسب المقام ويشير بذلك إلى ذلك بقوله (فافهم) وربما قال (فليتأمل) ولا يُصرح بالاعتراض عليهما تأدباً معهما.
4 - ما كان من فهم ابن عابدين أشار إليه ونبه عليه.
5 - بذل جهده في بيان ما هو الأقوى وعليه الفتوى وبيان الراجح من المرجوح.
6 - توضيح رموز الدر من إشاراته وبيان ما هو الصحيح المعتمد، وتحرير المسائل المشكلة.
7 - هي إغناء طالب العلم والفقيه للمسائل الفقهية.
ومن أهميته:
1 - أنه لم ينل كتابٌ في الفقه كحاشية ابن عابدين فنال شهرة واسعة في العالم الإسلامي وعم نفعها في الشرق والغرب.
2 - قال الشطي: لو لم يكن له من الفضل سوى حاشيته التي سارت الركبان زماناً بعد زمان لكفته فضيلة الذكر ومزية الشكر.
امتازت الحاشية:
1 - بحسن التبويب وجمال التقسيم.
2 - الأدب عند ابن عابدين فحاشيته تدل على مقدار أدبه، وذلك واضح في مناقشاته.
3 - دفاعه عن الشارح علاء الدين الحصكفي.
4 - أمانة النقل وعزوه إلى صاحبه عزواً صحيحاً.
5 - السعة والشمول لفروع المذهب.
6 - الوضوح في العبارة الفقهية.
7 - كثرة الاستطراد وهي من خصائص المؤلفين في ذلك العصر.
8 - العناية بتصوير المسائل وتفريعِها.
9 - كثرة التراجم والتعريف بالكتب.
10 - تحقيق الأقوال والروايات.
11 - العناية بمشكلات المجتمع.
12 - اعتنى بمقاصد الشريعة العامة والخاصة.
13 - مرآة عصره.
14 - التجديد في الفقه المذهبي ضمن قواعد أصوله وفروعه.
15 - استقرار الفتوى على ابن عابدين في المذهب الحنفي.
ما سمعت من عمي الشيخ عبد الوهاب عن العلامة ابن عابدين وغيره من فقهاء الحنفية:
أذكر فيما يلي أهم الأمور التي تلقيتها من عمي رحمه الله:
1 - ابن عابدين ألف كتابه نسمات الأسحار على شرح المنار في الأصول، وعمره سبع عشرة سنة، وألّفه في الأسحار قبل الفجر.
2 - اتخذ دولاباً للكتب بشكل دائري يدور ليسهل عليه تناول الكتاب.
3 - كانت أمه تأتي بالطعام وهو منشغل بتأليف حاشيته على الدر المختار فتضطر أن تطعمه لقمة بعد لقمة ليكسب الوقت.
4 - عاشت أمه بعده سنتين وصبرت واحتسبت، ومن محبتها له أنها كانت تتلو كل أسبوع مئة ألف مرة سورة الإخلاص وتهب ثوابها له.
5 - كان متأدباً مع والديه وشيوخه. فقد عرض عليه شيخه العقاد أن يزوجه ابنته، ولكن أباه عارض ونصح ابنه وقال: أخاف عليك من غضب شيخك وعقوقه إن أغضبت ابنته يوماً. وكان إذا رافق أحد شيوخه إلى مجلس أو زيارة يقف في العتبة بين يدي شيخه حاملاً نعله وكان لا يجلس إلا إذا أمره شيخه بالجلوس.
6 - لم يَقبل التولي على وقف جه لأم أبيه العلامة المحبي الذي كان شرط نظره على الوقف أن يكون الأرشد من ذريته، وأعطى ذلك لأخيه الشيخ عبد الغني.
7 - كان يختم كل ليلة ختمة في شهر رمضان.
8 - كان دائماً في كل أحواله ملازماً الوضوء.
9 - خصَّص الليل للتأليف فلا ينام إلا قليلاً.
10 - كان يأكل من تجارة له مع شريكه من غير أن يتعاطى هو ذلك بنفسه، فقد ورث التجارة عن أبيه.
11 - كان متأدباً مع المؤلفين السابقين، وأحب الشيخ علاء الدين الحصكفي ومنهجه في التأليف، ووصفه بأوصاف فيها الإكبار والإعجاب، وسمّى ابنه باسمه، وأوصى أن يدفن إلى جنبه وإلى جانب العلامة الزاهد الشيخ صالح الجينيني وتم له ذلك وكان إذا وجد نصاً لأحد السابقين واعتمد غيره في الحاشية المترجمين له يتأدب معه ويقول: (فليفهم)، أو (فتأمل).
عناية العلماء بحاشية ابن عابدين تدريساً وتأليفاً:
اعتنى العلماء بها في تدريسهم واعتمدوها وعدُّوا مَنْ أتقنها من الفقهاء:
1 - العلامة المفتي الشيخ الطبيب أبو اليسر عابدين، قرأها على والده وأتقنها، ثم إنه اعتنى بها تدريساً وتأليفاً، فكان ينقل عنها في تدريسه بالجامعة السورية في مادة الأحوال الشخصية والوقف خاصة واعتنى بها غاية العناية فكان يحفظ كل صغيرة وكبيرة فيها، ويعرف مواطن المسائل، وقد أشار إلى ذلك الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته. وقد حضرت عليه جانباً من هذه الدروس عندما خصَّص لي موعداً لدرس اللباب، بعد درسه المخصص للحاشية، فكنت أحضر مبكراً لأستمع درس الحاشية، وكان هذا الدرس مخصصاً للشيخ أديب الكلاس والشيخ نزار الخطيب. وقد علمت أن الشيخ أبا اليسر أقرأها مرات كثيرة.
2 - كتاب الهدية العلائية لطلاب المدارس الابتدائية لعلاء الدين ابن عابدين اعتمد فيه على حاشية والده، وهو في العبادات والحظر والإباحة. أقرأه عمي وتلقيته عليه بجلسة خاصة، ودرّسه الشيخ محمد سعيد البرهاني درساً عاماً، وطبعه وعلق عليه.
3 - عمي الشيخ عبد الوهاب رحمه الله عندما بدأ التلقي على الشيخ محمد عطا الله الكَسْم أحبه الشيخ ولمس فيه نبوغه وتميّزه وصدقه في طلب العلم فأهداه نسخته الخاصة من الحاشية وأقرأه الكتاب مباشرة من باب الإجارة حتى آخر الكتاب، ثم أعادها عليه مرتين. ثم إن عمي رحمه الله أقرأها تلاميذه في جامع التوبة في غرفته الخاصة عدة مرات وكنت منذ صغري أعهد الطلبة يأتون إليه من أمكنة بعيدة ليقرأوا عليه الحاشية.
4 - الشيخ محمد صالح الفرفور رحمه الله، درّسها عدة مرات في دروس خاصة
5 - كذلك الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله.
أما ما سمعته منه من فوائد وتوجيهات فمنها:
1 - أن كتاب اللباب في شرح الكتاب، للعلامة عبد الغني الغنيمي الميداني الذي هو شرح لكتاب القدوري، كتاب معتمد لتمكن مؤلفه في الفقه، ولورعه وزهده، ولتلقيه العلم عن ابن عابدين، فلذلك هو يعتمد ما اعتمده ابن عابدين، وكثيراً ما يقول: (قال شيخنا) أي ابن عابدين.
2 - كان الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني يأتي لتلقي العلم على الشيخ ابن عابدين، من آخر منطقة الميدان التي تبعد عن دمشق (المدينة) أكثر من ساعة مشياً على الأقدام، قبل الفجر بساعة، وينتظر أمام الباب حتى يفتح الشيخ له الباب، وربما كان المطر والثلج والبرْد، وربما تأخر الشيخ في فتح الباب.
3 - لا يُعتمد في أحكام المذهب على كتب الفقه المقارن أو كتب الأصول، ولا يؤخذ قول مذهب من كتب مذهب آخر؛ لأن أحدهما قد ينقل مسألة بكون الأرجح فيها غير المنقول، ومن ذلك كتاب بداية المجتهد لابن رشد، وكتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري فكان لا يَعْتَمِدَ إلا الجزء الأول منه.
4 - كتاب منية المصلي وشرحه غنية المتملي للعلامة الحلبي، بدأ تدريسه واستمر فيه قليلاً، ثم قال: إن الأقوال في بعضها غير محررة، والمعتمد سواها، ثم توقف عن تدرسه.
5 - كان المعتمد عنده من كتب الفتاوى كتاب تنقيح الفتاوى الحامدية للعلامة حامد العمادي تنقيح ابن عابدين، والفتاوى التاتارخانية لعالم بن علاء الدين الحنفي بطلب من السلطان تاتارخان.
ومن كتب الأصول كتاب المنار وشرحه وحاشيته لابن عابدين.
المنهج في تدريس الفقه الحنفي بالبلاد الشامية في الفترة المتأخرة، أي بعد وفاة ابن عابدين:
1 - يدرس الطالب مختصر نور الإيضاح للعلامة الشرنبلالي، وربما يكلف بحفظه غيباً.
2 - ثم يقرأ شرحه (مراقي الفلاح) للشرنبلالي ومعه حاشية الطحطاوي. ويقرأ أيضاً (الهدية العلائية) لعلاء الدين ابن عابدين.
3 - ثم كتاب (اللباب في شرح الكتاب) أي شرح القدوري.
4 - كتاب (الاختيار في شرح المختار) للإمام الموصلي، أو كتاب (ملتقى الأبحر) وشرحه (مجمع الأنهر) كلاهما للحلبي.
5 - كتاب الهداية شرح البداية للمرغيناني.
6 - حاشية ابن عابدين.
في الصفحة اليمنى: صورة إجازة الشيخ سعيد الحلبي لابن عابدين
وفي الصفحة اليسرى: تملك الكتاب وتاريخ ولادة الشيخ علاء الدين بخط والده
المصادر والمراجع
- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى الشهير بحاجي خليفة، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1/ 372، 2/ 280 - 1281، 1581.
- الفوائد البهية في تراجم الحنفية، محمد عبد الحي اللكنوي - بيروت، دار الأرقم، 1418 هـ، 260، 261.
- ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة بالقانون، د. محمد عبداللطيف الفرفور، دار البشائر بدمشق، 1422 هـ - 2001 م، 2/ 659.
- فقه الحنفية محمد أمين عابدين - حياته وآثاره، د. محمد مطيع الحافظ، دمشق - دار الفكر، 1414 هـ - 1994 م.
- سجلات المحاكم الشرعية بدمشق.
- الدر المختار ومسودة حاشية ابن عابدين.
- المدخل إلى المذهب الحنفي، محمد رشاد منصور شمس، دار النهضة - دمشق، 1427 هـ - 2006 م.
- الطراز المذهَب في ترجيح الصحيح من المذهب، الإمام محمد بدر الدين الشهاوي، تحقيق حق النبي السندي الأزهري، الكويت، دار الضياء، 1434 هـ - 2013 م.
الفهرس
المقدمة 3
أهم مميزات الفقه الحنفي: 9
الكتب المؤلفة في المذهب الحنفي: 11
المبسوط: 12
تحفة الفقهاء وشرحه بدائع الصنائع وطرف من دور المرأة في الفقه الحنفي: 13
الهداية شرح بداية المبتدي: 15
نصب الراية لأحاديث الهداية: 17
العلامة ابن عابدين وحاشيته: 18
كتابه الحاشية: 19
الدر المختار: 20
امتازت الحاشية: 22
عناية العلماء بحاشية ابن عابدين تدريساً وتأليفاً: 25
المصادر والمراجع 29