الجزء 1 · صفحة 3
الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع
في شرح القُدُوريّ
للفقيه محمد بن رمضان الرُّوميّ
توفي بعد سنة (616) هـ.
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم
ظوما توفيقي إلا بالله
الحمد لله الذي أوضح السبيل للسالكين، ونوَّر بنوره قلوب الشاكرين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
قال العبد المذنب أبوعبدالله محمد بن رمضان، أصلح الله باله، وتقبل أعماله: أما بعد؛ فإن القلوب مجبولة على ادخار الزاد ليوم المعاد، ونشر الثناء إلى يوم التناد، وقد دعتني نفسي إلى القسم الأول؛ إذ هو من الذخر الأجزل أن أجمع كتابًا حاويًّا لما يسبق إليه فهم المبتدئ وجامعًا لما يفتقر إلى معرفته المنتهي مع مضمرات مختصر القدوري وأتباعها وكثير من الواقعات وأنواعها؛ لكثرة سواد طالبها، وعُسْر إجابة سائلها، فقد بذلت جهدي حتى وجدت المسائل مسطورة وأصولها وفروعها منقولة، ثم نقلتها على ما هي عليه، ونبهت عنها، كما أومأت إليه، واستخرت الله على إتمامه، فأخار لي إلى اختتامه، وأنا في ذلك معبر وسفير، والله بالتجاوز عن زللي قدير، وسميته كتاب «الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع». وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، نعم المولى ونعم النصير، وهو المستعان على اختتامه.
الجزء 1 · صفحة 5
كتاب الطهارة
قوله: - سبحانه وتعالى -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} الآية.
قال المفسرون معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وقد دل عليه ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه صلى خمس صلوات بوضوء واحدٍ، وانعقد عليه الإجماع.
قوله: ومسح الرأس.
فقد روي في ذلك عن أصحابنا -رحمهم الله- ثلاث روايات؛ في رواية الكرخي والطحاوي مقدار الناصية؛ وهي الشعور المائلة إلى الجبهة، وذُكر في شرح الطحاوي أن المراد بها إذا بلغت مقدار ثلاثة أصابع، وفي رواية هشام عن أبي حنيفة مقدار ثلاثة أصابع موضوعة من غير مد، وفي (اختلاف زفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف. .) مقدار ربع الرأس، فإنهما قالا فيه لا يجزئه حتى يمسح بثلاثة أصابع مقدار ثلث رأسه أو ربع رأسه. فإن مسح بأصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها فقد قال بعض مشايخنا: لا يجزئه.
والصحيح أنه يجزئه، كالاستنجاء بحجر له ثلاثة أحرف. هكذا روي عن أبي حنيفة.
فإذا مسح رأسه ما فوق أذنيه أجزأه على اختلاف الروايات. وإن مسح تحتها لا يجزئه.
الجزء 1 · صفحة 6
وإن أصاب رأسه مقدار ثلاثة أصابع من ماء المطر أجزأه، سواء مسحه بيده أو لم يمسحه.
فإن حلق رأسه أو لحيته بعدما مسح عليه أو مسح على خفيه، ثم قشّر موضع المسح؛ لا يجب عليه أن يمسح ثانيًا.
والمسح أن يضع الخنصر والبنصر من كل يد على مقدم الرأس من منبت الشعر، ويجرهما إلى نصف رأسه، ثم يرفعهما ويضع الوسطين في وسط رأسه ويجرهما إلى منبت الشعر من القفا، ثم يعيدهما إلى وسط رأسه، ثم يضع الخنصر والبنصر في وسط رأسه ويمدهما إلى مقدم رأسه، ثم يعيدهما إلى وسط رأسه، ويمدهما إلى القفا. وعند الحسن البصري السنة: أن يبدأ من الهامة فيضع يده علىها، ويمدها إلى مقدم رأسه، ثم يعيدها إلى القفا، والأول أصح. ثم يدخل السبابة في أذنه ويديرها في زوايا أذنيه ويدير إبهاميه من ورائهما.
وإن توضأ بالثلج، لم يُذكر في ظاهر الرواية، ولكن قيل: إن كان الماء متقاطرًا جاز، وإلا فلا.
وإن توضأ ولم يصل الماء تحت حاجبيه، أجزأه، وعليه الفتوى.
وتسييل الماء في الوضوء والغسل شرط عندنا، خلافًا لأبي يوسف -رحمه الله- ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء من الإصبع الزائدة، والكف الزائد.
وإن خُلِقَ على العضد، غُسِلَ ما يحاذي محل الفرض، ولا يلزم غسل ما فوقه.
الجزء 1 · صفحة 7
فإذا توضأ غسل وجهه ومسح لحيته، ثم عند أبي حنيفة لو مسح ثلث لحيته أو ربعها أجزأه، وإن مسح أقل من ذلك لم يجزئه. وعن أبي يوسف روايتان في رواية: المسح كلها. وفي رواية: يجزئه ترك الكل.
واللحية هي التي تلاقي بشرة الوجه. أما المسترسل لا يجب إيصال الماء إليه بحال.
قوله: أتى سُبَاطة قومٍ.
أي: خربة قوم.
قوله: قبل إدخالهما في الإناء إذا استيقظ المتوضيء من نومه.
احترازًا عن تنجس الماء على سبيل الاحتمال، وإخراجه عن أن يكون سنة.
قوله: وتخليل اللحية.
فالمذكور إنما هو قول أبي يوسف.
وقال أبوحنيفة ومحمد: تخليل اللحية ليس بسنة،. ... وإنما هو مستحب.
قوله: والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين.
احترازًا عن بعض الخارج من غير السبيلين؛ كالدمع، والمخاط، والعرق، واللبن، واللحم الساقط من الجرح، والدم السائل عن الجراحة من غير أن يصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ أعني به موضعًا يجب عليه غسله في الجنابة، وعلى هذا الماء الصافي إذا خرج من النُّفْطَةِ.
فإن أقطر دهنًا في إِحليله ثم سال منه؛ لا ينقض الوضوء عند أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 8
وروي عن محمد فيمن أدخل الحقنة في دبره ثم أخرجها لا وضوء عليه. وكل شيء غيَّبه في دبره ثم أخرجه، أو خرج بنفسه؛ نقض الوضوء والصوم. وكل شيء أدخل بعضه وطرفه خارج؛ لا ينقض الوضوء والصوم.
وتكلموا في الدم السائل عن الجراحة ولم يتجاوز عنها إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ قال بعضهم: هو نجس. وقال بعضهم: هو طاهر حتى لو صلى رجل بجنبه فأصابه من ذلك الدم أكثر من قدر الدرهم؛ جازت صلاته. وبه أخذ الكرخي، وهو الأظهر.
وعلى هذا كل ما لا ينقض الوضوء من القيء، وغير ذلك، خلا دم الاستحاضة، وما يظهر حكم الحدث السابق بخروج الوقت.
فإن مسح الدم من رأس الجُرح بقطنة ثلاث مرات، ولو لم يمسحه لتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ ينقض الوضوء عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف.
وفي نوادر ابن رستم عن محمد في رجل حشا إحليله بقطنة، ولولا القطنة لخرج البول، لا بأس بذلك، ولا ينقض وضوءه حتى يظهر على القطنة. ولو ابتل داخل القطنة دون ظاهرها؛ فلا وضوء عليه. ولو ابتل ظاهرها؛ فعليه الوضوء. فإن باشر امرأته فانتشر ذكره، وليس بينهما ثوب؛ انتقض وضوؤه استحسانًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا ينقض ما لم يخرج منه شيء، وهو القياس. ولم يشترط في ظاهر الرواية مسَّ الفرج بالفرج، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يُشترط مس الفرج بالفرج هكذا ذكره الكرخي وهو أظهر.
الجزء 1 · صفحة 9
قوله: والقيء إذا ملأ الفم.
يريد به: إذا قاء مِرَّةً، أو طعامًا، أو صفراء، أو ماء، أو سوداء. أما إذا قاء بلغمًا؛ إن نزل من الرأس لا ينقض الوضوء، وإن صعد من الجوف فكذلك عندهما، خلافًا لأبي يوسف.
وإن كان دمًا إن نزل من الرأس وهو سائل؛ نقض الوضوء. وإن كان علقًا لا ينتقض وضوؤه، وإن صعد من الجوف؛ .. .إن كان علقًا لا ينقض الوضوء ما لم يملأ الفم. وإن كان مائعًا، وقد خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق؛ نقض الوضوء عندهما، وقال محمد: لا ينقض ما لم يكن ملأ الفم. وتكلموا في تقدير ملء الفم؛ قال بعضهم: إن كان بحال يمنعه من الكلام فهو ملء الفم. وقال بعضهم: إذا بلغ نصف الفم. وقالبعضهم: إن كان لا يقدر على إمساكه، وهو الصحيح. فإن قاء قليلاً قليلاً، حتى لو جُمع يبلغ ملء الفم؛ قال أبويوسف: إن اتحد المجلس جُمع، وإلا فلا. وقال محمد: إن اتحد السبب جُمع، وإلا فلا. وتفسير اتحاد السبب أنه إذا قاء ثانيًا قبل سكون النفس من الهيجان والغثيان؛ كان السبب متحدًا. وإن قاء ثانيًا بعد سكون النفس من الهيجان والغثيان؛ كان السبب مختلفًا. ثم القليل إذا لم يكن حدثًا لا يكون نجسًا حتى لو امتلأ الثوب منه لا يمنع جواز الصلاة، كما يكون لأصحاب القروح، فإنه يصيب الثوب منه قليل قليل غير سائل، فذاك ليس بمانع جواز. الصلاة وإن كثر مروي عن ابن عمر، فحكي عن أبي يوسف، ولم يرو عن غيرهما، خلاف ذلك، فكان إجماعًا.
قوله: والنوم مضطجعًا. أو متكئًا أو مستندًا.
الجزء 1 · صفحة 10
يريد به: خارج الصلاة، أما في الصلاة، اختلفوا فيه. وكذلك المريض إذا نام في الصلاة مضطجعًا. ذكره في عمدة المفتي. والأصح أنه ينتقض، وبه نأخذ. فإن نام في الصلاة لا ينتقض وضوؤه، سواء نام قائمًا أو راكعًا أو قاعدًا أو ساجدًا متجافيًا بطنه عن فخذيه. إلا أنه روي عن أبي يوسف: إذا تعمد النوم في السجود نقض الوضوء. وإن نام خارج الصلاة قائمًا أو قاعدًا مثبتًا مقعده على الأرض مؤكدًا نفسه عليه؛ لا ينقض وضوؤه. ولو أسند ظهره إلى سارية فنام، أو كان مريضًا فأمسكه إنسان وهو بحال لو زالت السارية أو تخلى الرجل عن الإمساك لسقط وإليتاه مستويتان؛ لا ينقض الوضوء، رواه خلف بن أيوب عن أبي يوسف وروى الطحاوي عن أصحابنا -رحمهم الله- أنه إذا نام مستندًا؛ ينتقض وضؤوه. ولو نام قائمًا أو قاعدًا فسقط؛ لا ينتقض وضوؤه حتى يستقر على الأرض نائمًا. فإن استيقظ حالما سقط، فلا وضوء عليه. وعن أبي يوسف أنه قال: ينتقض وضوؤه. وقال بعض مشايخنا: إذا زال مقعد النائم من الأرض انتقض وضوؤه.
والسكران الذي لا يعرف الأرض من السماء فحكمه في انتقاض الطهارة كالمغمى .. عليه.
قوله: والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
احترازًا عن صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة. والقهقهة أن يسمع لضحكه صوت، سواء بدت أسنانه أو لم تبد.
ذكره في «الصلاة» الحسن عن أبي حنيفة، .. .. سواء قهقه عامدًا أو ناسيًا، متوضئًا كان أو متيممًا؛ فلا يبطل طهارة الغسل. وذكره في «الهاروني» أنه لو ضحك في صلاة فريضة يومئ فيها لعذر قهقهة؛ فعليه الوضوء. وأجمعوا أن
الجزء 1 · صفحة 11
الضحك يقطع الصلاة، ولا ينقض الوضوء. والضحك أن يسمع نفسه. والتبسم لا ينقض الوضوء، وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره. وإن قعد قدر التشهد ثم قهقه؛ فعليه الوضوء لصلاة أخرى عند علمائنا، خلافًا لزفر.
قوله: ثم يتنحَّى عن ذلك المكان، فيغسل رجليه.
يريد به: إذا اغتسل في مكان يستقر الماء المستعمل تحت قدميه. أما إذا اغتسل على حجر صلب، أو على خشبة وهو بحال لا يستقر الماء المستعمل؛ غسل رجليه بعد ما مسح على رأسه، وليس عليه غسلهما ثانيًا.
قوله: وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر.
اختلف المشايخ في هذه المسألة؛ قال بعضهم: إذا بلغ الماء أصول الشعر ولم تبلغ في داخل الضفائر؛ لم يخرجها عن الجنابة. وقال بعضهم: يخرجها، وهو اختيار صاحب الكتاب، وهو الصحيح.
والرجل كالمرأة. وقيل: يجب على الرجل إيصال الماء إلى أثناء شعره كيف ما كان. كذا ذكره في «المحيط».
وإن اغتسل الأقلف من الجنابة، ولم يغسل ما وراء الجلد من رأس ذكره؛ يجزئه ويخرج من الجنابة؛ لأن ذلك خلقة.
قوله: والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة.
الجزء 1 · صفحة 12
اختلف أصحابنا -رحمهم الله- في هذه المسألة؛ قال أبوحنيفة ومحمد: الشرط هو الانفصال عن مكانه بشهوة. وقال أبويوسف: الشرط هو إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، فإن وجد أحدهما وعُدِمَ الآخر؛ لا غسل عليه.
وثمرة الاختلاف إنما تظهر في مسألتين:
إحداهما: إذا احتلم فاستيقظ، فقبض على رأس إحليله حتى سكنت شهوته، ثم سال المني؛ فعندهما يجب عليه الغسل، وعند أبي يوسف لا يجب عليه الغسل.
والثانية: إذا جامع امرأته، فأنزل، ثم اغتسل من ساعته قبل أن يبول، ثم خرج بقية المني؛ قال أبوحنيفة ومحمد: يجب عليه إعادة الغسل، وقال أبويوسف: لا يلزمه ذلك.
فإن خرج المذي قبل البول فالكلام فيه كالكلام في المني فإن خرج المني بعد البول؛ لا غسل عليه في قولهم جميعًا.
فإن استيقظ من منامه فرأى مذيًا على فراشه أو على فخذيه، وقد تذكَّر الاحتلام أو لم يتذكر؛ فعليه الغسل عندهما. وقال أبويوسف: لا غسل عليه حتى يتيقن بالاحتلام.
وأجمعوا أنه لو كان منيًّا يجب عليه الغسل، وإن لم يتذكر الاحتلام. وإن كان وديًا فلا غسل عليه في قولهم.
الجزء 1 · صفحة 13
وإن غُشي عليه أو كان سكران، ثم أفاق فوجد على فراشه، أو فخذه مذيًا؛ لم يلزمه الغسل. ولا يشبه النائم إذا استيقظ فوجد على فراشه مذيًا؛ فإنه يجب عليه الغسل.
فإن وطئ امرأته في دبرها أو عَمِلَ عمل قوم لوط، وتوارت الحشفة وجب الغسل على الفاعل والمفعول، ذكرًا كان أو أنثى، أنزل أو لم ينزل. ذكره في «الزيادات»، وفي «نوادر المعلّى»، وهو الصحيح. ولا يثبت حرمة المصاهرة بالوطء في الدبر.
فإن بال رجل فخرج منه منيٌّ؛ إن كان ذكره منتشرًا يجب عليه الغسل، وإلا فلا، خلافًا للشافعي -رحمه الله-.
قوله: والتقاء الختانين من غير إنزال.
يريد به: أن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة. وقد قال محمد -رحمه الله-: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل، وهي بكر؛ لا يلزمه الغسل؛ لأن الحشفة لم تغب، فإذا التقى الختانان وتوارت الحشفة ترتب عليهما أحكام الجماع من إيجاب الغسل عليهما وتحليلها للزوج الأول.
وفي «نوادر هشام» عن محمد: إذا وطئ جارية لا يوطأ مثلها؛ لا غسل عليه.
قوله: وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء.
فالمذي هو ماء رقيق أصفر يخرج عند ملاعبة أهله، و عند الفكرة.
والودي ماء أبيض يخرج عقيب البول تبعًا له.
الجزء 1 · صفحة 14
فإن قيل: فلم أوجبتم انتقاض الوضوء بخروج الودي، والانتقاض حاصل بخروج البول؟
قيل: المسألة ممنوعة، فإن بعض مشايخنا ذكر أنه يخرج قبل البول وبعده. ولئن سلم، نفرض الكلام في رجل به سلس البول؛ لأنه لا يعذر عن غيره من الأحداث.
قوله: والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء. إلى آخر ما ذكره في الأصل.
احترازًا عن سائر المائعات الطاهرات، كالخلِّ، وماء الورد، وما أشبه ذلك، فإنه لا يفيد في إزالة النجاسة الحكمية بالإجماع .. ... أما إزالة النجاسة الحقيقية بهذه المائعات جائزة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد وزفر: لا يجوز كما في النجاسة الحكمية.
قوله: ولا بماء غلب عليه غيره.
اختلف أبويوسف ومحمد في الغلبة؛ فمحمد راعى الغلبة بلون الماء، وأبو يوسف راعى الغلبة بالأجزاء، وهو الصحيح.
فإن نَقَعَ الحِمَّص أو الباقلاء، جاز الوضوء به، وإن تغيَّر طعمه ولونه وريحه. فإن طبخه، فهو على وجهين؛ إن كان بحال إذا برد يثخن لا يجوز الوضوء به. وإن كان لا يثخن ورقّة الماء باقية، جاز الوضوء به.
قوله: ولم ير لها أثر.
الجزء 1 · صفحة 15
يريد به: نجاسة يذهب عينها بجريان الماء فإن كان مما لا يذهب عينه بجريان الماء، كما إذا وقعت فيه ميتة واستقرت في مكان، فإنه ينظر: إن كان الماء كله يجري عليها أو نصفه؛ لم يجز الوضوء أسفل منه، وإن لم يُرَ لها أثرٌ. وإن كان يجري أكثره في مكان طاهر؛ جاز الوضوء أسفل منها. والعذرات على السطح بمنزلة الميتة في الماء. فإن كان يجري على العذرات أكثره أو نصفه، والعذرات على رأس الميزاب؛ فهو نجس، وإن كانت متفرقة وأكثر الماء يجري في مكان طاهر؛ فإنه لا ينجس، بمنزلة الماء الجاري، إلا أن يظهر فيه طعمه أو لونه أو ريحه.
وروى محمد بن سلمة عن أبي يوسف بن العاصم أنه قال: إذا كان الماء يجري في جوف الجيفة إن كان أكثره لا يلاقي الجيفة؛ فهو طاهر. وإن كان أكثره يلاقي الجيفة؛ فهو نجس. قال أبونصر: هذا القول أشبه بقول أصحابنا.
وقال أبويوسف في ساقية صغيرة فيها كلب ميت قد سَدَّ عرضها، فيجري الماء فوقه وتحته أنه لا بأس بالوضوء أسفل من الكلب إذا لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه. وقيل بأن هذا ينبغي أن يكون قول أبي يوسف وحده. أما عند أبي حنيفة ومحمد ينبغي أن لا يجوز الوضوء أسفل من الكلب.
وقد ذكر محمد في كتاب الأشربة لو أن خابية من خمر صب في ماء الفرات ورجل أسفل منه يتوضأ؛ إن وجد طعمها أو لونها أو ريحها ينجس الماء؛ ولا يجوز الوضوء به، وإن لم يوجد شيء من ذلك؛ جاز الوضوء منه، وهو طاهر.
قوله: والغدير العظيم.
الجزء 1 · صفحة 16
قال أبوحنيفة: هو الذي لا يخلص بعضه إلى بعض، ولم يفسره في ظاهر الرواية، وفوَّضه إلى رأي المبتلى به، فإن كان أكثر رأيه أنه لا يخلص بعضه إلى بعض؛ جاز استعماله، وإلا فلا.
وقد روي عنه في غير رواية الأصول أنه لو اغتسل الجنب في جانب ولم يضطرب الجانب الآخر؛ جاز الاغتسال به، وإلا فلا. وعنه أن يُحرِّكه باليد حتى يضطرب الماء كله. وقال أبويوسف: لو حَرَّك إنسان يده في جانب ولم يضطرب الجانب الآخر؛ فهو عظيم لا ينجسه شيء إلا أن يظهر فيه لون النجاسة، كما في الماء الجاري. وقال محمد: لو توضأ رجل في جانب، ولم يضطرب الجانب الآخر؛ فهو عظيم، والصحيح ما قال أبوحنيفة أنه مُفوَّض إلى رأي المبتلى به، وبه أخذ الكرخي.
وسئل محمد -رحمه الله- عن الغدير العظيم، فقال: مثل مسجدي هذا، وكان داخل مسجده ثمانية في ثمانية، وخارجه عشرة في عشرة، وقال أبومطيع البلخي: إذا كان خمسة عشر في خمسة عشر؛ يجوز الوضوء منه، وإن كان عشرين في عشرين؛ لا أجد في قلبي شيئًا، أي لا أشك فيه.
وقال نصير: سألت شدادًا عن حوض فيه عصير مقدار عشرة في عشرة، فبال فيه إنسان، فقال: هو كالماء يفسده ما يفسد الماء. وروي عن جماعة مثل المعلّى وأبي سليمان وغيرهما أن الغدير العظيم عشرة في عشرة وقال الفقيه أبوالليث: إن أكثر أقاويل أصحابنا إذا كان عشرة في عشرة، لا ينجِّسه شيء، إلا أن يظهر فيه لون النجاسة، وعليه الفتوى.
الجزء 1 · صفحة 17
وذكر عن نصر أنه قال: سألت أبا سليمان عن الماء إذا كان طوله مائة وعرضه ذراعين، قال: لا يتوضأ فيه. وإن بال فيه إنسان أو توضأ منه فإنه يتنجس من كل جانب عشرة أذرع. هذا كله في حد الطول والعرض. أما العمق؛ لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: ينبغي أن يكون عمق الماء ذراعًا أو أكثر، وقال بعضهم: ينبغي شبرًا. وقال بعضهم: زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال. وقال أبوجعفر الهندواني
-رحمه الله-: إن كان بحال لو رفع بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل؛ لا يجوز استعماله، وإن كان لا ينحسر أسفله، فلا بأس باستعماله. فإن كان له طول وعمق وليس له عرض كأنهار مدينة بلخ وغيرها، لم يذكر في ظاهر الرواية.
وقال أبو نصر محمد بن سلام: يجوز الوضوء فيه إذا كان طول الماء لا يخلص بعضه إلى بعض. وقال أبوسليمان الجوزجاني: لا يجوز. وعلى قوله إذا بال فيه إنسان أو توضأ فيه ينجس من كل جانب عشرة أذرع.
وإن كان الماء في المسجد فأراد الدخول فيه وهو جنب، فإنه يتيمم ويدخل في المسجد، فإن كان الماء لا يخلص بعضه إلى بعض اغتسل فيه، وإن كان يخلص بعضه إلى بعض؛ لم يغتسل فيه، ولكن يرفع الماء ويغتسل خارج المسجد.
وفي «كتاب الصلاة» لحسن بن زياد في غدير كثير الماء إذا اغتسل في جانب منه، وهو مما لا يضطرب كله يجوز للجنب أن يغتسل في جوفه ويستنجي فيه، ويغسل ثوبه من النجاسة في قول أبي حنيفة، سواء كان ذلك في البادية أو على قارعة الطريق، إلا أنه إذا كان على قارعة الطريق يكره.
الجزء 1 · صفحة 18
وقال أبويوسف: لو كان الماء في الحمَّام ينصبّ من الأنبوب، والناس يغترفون منه بالقصاع النجسة؛ حُكم بطهارته؛ لأن حكمه حكم الماء الجاري. ولو حكم بنجاسة الحوض الصغير، ثم دخل الماء فيه من جانب وخرج من جانب آخر؛ قال أبوبكر الأعمش: لا يطهر الحوض حتى يخرج منه مثل ما فيه ثلاث مرات. وقال أبوجعفر الهندواني: يطهر، وإن لم يخرج منه مثل ما فيه؛ لأن الماء الجاري اتصل به، فصار الحكم للغلبة، وبه أخذ الفقيه أبوالليث -رحمه الله-. فلو نضب ماؤه وجف أسفله، ثم دخل فيه الماء؛ فعن أبي حنيفة روايتان؛ في رواية يعود نجسًا، وفي رواية لا يعود نجسًا، وهو الأصح.
وعلى هذا المني إذا جفَّ على الثوب وفرك ثم أصابه الماء، وجلد الميتة إذا دبغ دباغة حكميَّة بالتتريب والتشميس، ثم أصابه ماء البئر إذا غار ماؤها بعد ما تنجست، ثم عاد الماء. قال نصر بن يحيى: يحكم بطهارتها، وهو أوسع للناس. وقال محمد بن سلمة -رحمه الله-: هي نجسة على حالها، وهذا أوثق. وروى هشام عن محمد أنه نجس، كما قال محمد بن سلمة -رحمه الله-.
قوله: فإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة ... إلى آخر ما ذكره في الأصل.
فالواقع في البئر من ذوات الروح إذا مات فيها على ثلاث مراتب:
إن كان فأرة أو عصفورة وما أشبههما في الجثة يُنزح منها إذا ماتت عشرون دلوًا أو ثلاثون.
وإن كانت حمامة أو دجاجة أو ما أشبههما في الجثَّة ينزح منها أربعون دلوًا أو خمسون دلوًا. وإنما قال أصحابنا إنه ينزح منها ما بين أربعين دلوًا إلى ستين؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: ينزح منها أربعون دلوًا أو نحو من أربعين
الجزء 1 · صفحة 19
دلوًا؛ ولهذا سلك أصحابنا هذا المسلك: وكذلك روى أنس ابن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: في فأرة ماتت في البئر ولم تنتفخ ولم تنفسخ: ينزح منها عشرون دلوًا أو ثلاثون دلوًا.
وإن كان شاة أو ما أشبه ذلك؛ ينزح الماء كله، فما كان بين الفأرة والدجاجة بمنزلة الفأرة، وما كان بين الدجاجة والشاة؛ فهو بمنزلة الدجاجة، وهذا في ظاهر الرواية.
وفي رواية الحسن جعل ذلك على خمس مراتب في الحَلَمَة وولد الفأرة عشر أدلاء.
وفي الفأرة والعصفور عشرون دلوًا. وفي الحمامة وما أشبه ذلك في الجثة ثلاثون دلوًا. وفي الدجاجة والسنور أربعون دلوًا. وفي الشاة والآدمي جميع الماء.
وعن أبي يوسف ومحمد أنه على ثلاث مراتب: في الحلمة والفأرة عشرون دلوًا. وفي الحمامة والدجاجة أربعون دلوًا. وفي الشاة والآدمي كله.
وعن أبي يوسف في أربع فأرات: ينزح عشرون دلوًا. وفي الخمس إلى التسع أربعون. وفي العشر كله.
وعن محمد في فأرتين كهيئة الدجاجة أربعون دلوًا.
هذا كله إذا ماتت في البئر وليس بها جراحة. فإن كانت بها جراحة، أو هربت الفأرة من الهرة، أو الهرة من الكلب؛ ينزح جميع الماء، سواء أخرجت من البئر حية أو ميتة. وكذلك في ذنب الفأرة، وكل ما أخرج من البئر حيًّا ولم يصب فمه الماء؛ فإنه لا يُنزح منها شيء، إلا في الكلب والخنزير، فإن أصاب فمه الماء
الجزء 1 · صفحة 20
ينظر: إن كان سؤره نجسًا؛ فالماء نجس وإن كان سؤره مكروهًا، فالماء مكروه، ويستحب أن ينزح منها عشرة دلاء.
وإن كان سؤره مشكوكًا كالبغل والحمار ينزح الماء كله. هكذا ذكره في «الفتاوى» عن أبي يوسف.
وذكر الفقيه أبوالليث في «خزانته»: ثمانية من الحيوان إن وقعت في البئر وانغمست فيه ينزح ماء البئر كله، وإن أخرجت حية، كالبغل، والحمار، والكلب، والخنزير، والفهد، والنمر، والأسد، والذئب، وكل ذي ناب من السباع.
وفيه أيضًا في الإبل والبقر إذا أخرجت حية؛ يُنزح منها عشرون دلوًا. وفي الغنم إذا أخرجت حية، ينزح منها عشرة دلاء.
وقال بعض أصحابنا في هذه الدَّواب: لا ينزح منها شيء, وقيل ينزح كله؛ لأنها لا تخلو عن بول في أفخاذها.
وروى الحسن عن أبي حنيفة في الشاة والجمل إذا كان يتلطخ أفخاذها ببولها ينزح منها عشرون دلوًا. وقال أبويوسف: ينزح الماء كله.
ولو أن سخلة وقعت من أمها فأخذها الراعي وهي مبتلة، فأصاب ثوبه من بلتها أكثر من قدر الدرهم؛ لم تجز الصلاة في ذلك الثوب. والسخلة نجسة، فإن يبست فقد طهرت، حتى إنها لو وقعت بعد ذلك في البئر لا ينجس الماء. قال الفقيه: هذا يوافق قولهما. أما على قياس قول أبي حنيفة السخلة طاهرة، كما قال في الإنفحة وفي الدجاجة إن كانت محبوسة؛ لا ينزح منها شيء. وإن كانت مُخلَّاة ينزح منها عشرة دلاء. وكل هذا احتياط. وفي السنور عشرة دلاء، كما في الدجاجة.
الجزء 1 · صفحة 21
وإن كان آدميًّا إن كان طاهرًا من الجنابة والحدث وسائر النجاسات؛ لا ينزح منها شيء. وعن أبي حنيفة ينزح منها عشرون دلوًا. وإن كان محدثًا، ينزح منها أربعون دلوًا. وإن كان جنبًا، ينزح كله.
ولو أن بئرًا وجب النزح منها عشرون دلوًا، فَنُزح الدلو الأول، وصُبَّ في بئر طاهر، ينزح منها عشرون دلوًا. وكذلك إذا صب في بئر وجب النزح منها عشرين؛ فإنه لا يجب أن ينزح منها أكثر من عشرين دلوًا. وأصله أن البئر الثاني يطهر بما يطهر به الأول. فإن كان الواجب في إحدى البئرين أكثر من الآخر، يدخل الأقل في الأكثر، حتى لو نزح من بئر عشرون دلوًا، وهو الواجب منها، وصب في بئر؛ وجب أن ينزح منها أربعون دلوًا؛ فإنه يطهر بنزح أربعين دلوًا. وكذا لو صُب الأربعون في بئر العشرين. ولو صُبَّ الدلو العاشر في بئر طاهر، وكان الواجب منها عشرين دلوًا؛ ينزح منها عشرة دلاء في رواية أبي سليمان، وأحد عشر دلوًا في رواية أبي حفص، وهو الأصح.
ولو ماتت الفأرة في الحُبّ، ثم صُبَّ في بئر أخرى؛ أُخرِجَ مقدار ما كان في الحب، وثلاثون دلوًا بعده في رواية عن أبي يوسف، وفي رواية عشرون دلوًا. وعند محمد ينزح الأكثر مما كان في الحب، ومن عشرين دلوًا.
هذا كله إذا كان الواقع في البئر من ذوات الروح.
فإن كان الواقع فيها سرقينًا ينزح الماء كله، قليلاً كان أو كثيرًا.
وروي عن أبي يوسف في التبنة والتبنتين المختلطتين بالسرقين؛ لا ينجس الماء.
الجزء 1 · صفحة 22
فإن وقعت فيها من بعر الغنم أو الإبل: إن كان رطبًا فهو بمنزلة السرقين، قليلاً كان أو كثيرًا. وإن كان يابسًا متكسرًا؛ فكذلك. وإن كان صحيحًا؛ لا يوجب تنجس الماء حتى يكون كثيرًا فاحشًا. واختلفوا في الكثير الفاحش؛ قال بعضهم: إذا غطى وجه الماء كله فهو كثير فاحش. وقال بعضهم: إذا أخذ ربع وجه الماء، وهو قول محمد. وروي عن أبي يوسف أنه قدَّره شبرًا في شبرٍ وقال بعضهم: مقدار ما يستكثره الناظر ويستفحشه، وهو مروي عن أبي حنيفة، وعليه الاعتماد. وقال محمد بن سلمة: إذا كان بحال لا يسلم كل دلوٍ عن بعرة أو بعرتين؛ فهو كثير فاحش. وقال بعضهم: إن كان ثلاث بعرات؛ فهو فاحش، وهذا أظهر؛ لأن محمدًا ذكر في «الجامع الصغير»: بعرة أو بعرتين من بعر الإبل أو الغنم يسقطان في البئر؛ لا يفسد الماء، وسكت عن الثلاث؛ فدل ذلك بأن الثلاث كثير فاحش.
وروى الحسن في اليابس لا يوجب تنجس الماء، وإن كان كثيرًا فاحشًا، وإن كان رطبًا وهو ثلاث فكذلك؛ لما فيه من الضرورة والبلوى؛ ولهذا قالوا في بعرة الفأرة إذا وقعت في وِقر حنطة، فطحنت أو دهن؛ لا يفسد ذلك ما لم يتغير طعمها.
ولو وقع عظم الميتة في الماء؛ إن كان عليه لحم أو دسم؛ ينجس الماء عند أبي يوسف، وإلا فلا. وإن كان عظم الحنزير، ينجس الماء بكل حال.
ولو توضأ في طست، فَصُبَّ ذلك في البئر، فعند أبي يوسف ينزح الماء كله، وعند محمد ينزح منها عشرون دلوًا.
الجزء 1 · صفحة 23
قوله: وإن كانت البئر مَعِينًا لا تُنزح، ووجب نزح ما فيها من الماء؛ أَخْرَجُوا مقدار ما كان فيها من الماء.
فهذا الذي ذكره إنما هو قول أبي يوسف. وطريق معرفة إخراج جميع الماء عنده من وجهين: أحدهما أن يحفر بجنبها حفيرة مقدرة بعمق البئر المصاب من الماء، ويجصّص على قول بعض المشايخ، فإذا امتلأت الحفيرة يحكم بطهارتها. والثاني: أن ينصب قصبة في وسط البئر، ويُعلّم مبلغ الماء في القصبة، ثم ينزح منها مقدار عشرة دلاء مسرعًا من غير توقف، ثم ينظر إلى ما نقص من العلامة، فإن كان شبرًا ينزح منها عن كل شبر عشرة دلاء إلى أن تنتهي القصبة. وروي عن محمد أنه ينزح منها مائتا دلوٍ إلى ثلاثمائة دلوٍ، وفي رواية مائتان وخمسون. وعن أبي حنيفة ينزح مائتا دلو، وفي رواية مائة دلو. وفي رواية ينزح حتى يغلبهم الماء من غير تقدير، وهو الصحيح. وعنه أيضًا أن ذلك مُفوَّض إلى رأي المبتلى به.
وذكر الكرخي أنه يحكم بالاجتهاد، فإذا سكن قلبه حكم بطهارته.
وروي عن محمد بن سلمة أنه قال: يؤتى برجلين لهما بصارة في أمر نزح الماء، فينزح منها مقدار ما حكما فيه, وهذا القول أظهر وأشبه بقول الفقهاء.
واختلفوا في اعتبار الدلو؛ قال صاحب الكتاب: يعتبر الدلو الوسط المستعمل في كل بلد. وقال بعضهم: يعتبر في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو معروف و روي عن أبي حنيفة أنه يقدر لها دلو يسع ثمانية أرطال. وفي رواية عشرة أرطال.
الجزء 1 · صفحة 24
فإذا نزح من البئر مقدار الواجب، لا يجب عليه غسل الرِّشا والبكرة ونواحي البئر، ويكون طهارة هذه الأشياء بطهارة البئر، ونجاستها بنجاسة البئر. وكذلك من توضأ من الكوز وفي يده نجاسة.
ولو انفصل الدلو الأخير عن وجه الماء، ولم يتنحّ عن رأس البئر والماء يتقاطر، فأراد رجل أن يستعمل من ذلك الماء؛ ليس له ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافًا لمحمد وزفر.
قوله: وسؤر الهرة والدجاجة المخلَّاة.
يريد به: أنه لم يعلم بأن الهرة أكلت الفأرة وشربت منه على فورها؛ إن علم ذلك؛ فقد تنجس الماء، ولا يجوز استعماله. أما في الدجاجة؛ إن علم أن في منقارها نجاسة تنجس الماء، وإن لم يعلم وهي مخلاة؛ فإن الماء مكروه. وإن كانت محبوسة في مكان، ولا تأكل النجاسات، فإن سؤرها طاهر من غير كراهية. والله أعلم.
باب التيمم
قوله: ومن لم يجد الماء وهو مسافر، أو خارج المصر، بينه وبين المصر نحو الميل ... إلى آخر ما ذكره في الأصل.
اختلف المشايخ في المسافة المبيحة للتيمم خارج المصر؛ قال بعضهم: إذا كان خارج المصر نحو الميل، جاز له التيمم، وهو اختيار صاحب الكتاب. والميل: ثُلث فرسخ، وذلك أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وذلك أربعة وعشرون إصبعًا بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال بعضهم: إذا بُعد من المصر بحيث لا يسمع أصوات الناس؛ جاز له التيمم، وبه أخذ الكرخي.
الجزء 1 · صفحة 25
وقال بعضهم: إذا كان بحال لو نودي من أقصى المصر لا يسمع النداء هناك؛ جاز له التيمم. وقال بعضهم: إذا كان بحال لا يسمع الأذان. وقال بعضهم: إذا خرج مقدار فرسخ؛ أبيح له التيمم. والفرسخ: اثنا عشر ألف خطوة. وعن محمد: إذا خرج مقدار ميل أو ميلين؛ أبيح له التيمم.
قوله: والتيمم ضربتان.
وكيفية التيمم أن يضرب يديه على الصعيد الطيب؛ أي الطاهر، مُفرِّجًا أصابعه، ويقبل بهما ويدبر، ثم يرفعهما وينفضهما مرة واحدة في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف ينفضهما مرتين، ولا يجب عليه أن يُلطّخ عُضوي التيمم بالتراب، ثم يمسح بهما وجهه، ويستوعب جميع وجهه، حتى لو بقي شيء منه، ولم يمسحه لا يجوز التيمم، كما في الوضوء. هكذا ذكره الكرخي في «مختصره»، وعلى هذه الرواية يكون تخليل الأصابع في التيمم فرضًا. وذكر في «الفتاوى»: إن تيمم ومسح أكثر وجهه وذراعيه وكفيه؛ أجزأه. رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر -رحمهم الله-. وعلى هذه الرواية لا يكون تخليل الأصابع فرضًا كما في الوضوء. ثم يضرب بيديه ثانيًا على ذلك الموضع أو على موضع آخر كما ذكرنا، ويمسح بباطن كفه اليسرى ظاهر ذراعه الأيمن، ويمر باطن إبهامه الأيسر على ظاهر إبهامه الأيمن، ولا يترك شيئًا، على ما سبق ذكره، ويفعل بيده اليسرى مثل ما فعل بيده اليمنى. وذكر في موضع آخر أنه يبدأ من أطراف الأصابع، ويمسح بباطن أصابع يده اليسرى ظاهر ذراعه الأيمن إلى المرفق. ثم يقلب بطن كفه اليسرى ويمسح بهما ظاهر ذراعه الأيمن إلى الرسغ ويمسح ظاهر إبهامه اليمنى بباطن إبهامه الأيسر، ويفعل بيده اليسرى مثل ذلك.
الجزء 1 · صفحة 26
فإن كان المتيمم مقطوع الذراع؛ يمسح موضع المرفق عندنا، خلافًا لزفر. وعلى هذا مقطوع الرجل من الكعب في الوضوء.
فإن تيمم على حائط، أو على صخرة صماء لا غبار عليها؛ جاز عندهما.
وقال أبويوسف: لا يجوز حتى يكون عليها من الغبار مقدار ما تبين هكذا ذكر أبوالليث في «مختلفه».
فإن نفض لِبْدَه وتيمم بغباره، أو هبت الريح وارتفع الغبار في الهواء، وأصابت يداه الغبار وتيمم به؛ جاز عندهما، سواء كان قادرًا على التراب، أو لم يكن. وقال أبويوسف: لا يجوز التيمم بالغبار إلا عند العجز عن التراب والرمل. وذكر في «شرح الكرخي»: قال أبويوسف: يتيمّم بالغبار ثم يعيد، ثم رجع وقال: الغبار عندي ليس من الصعيد، ويجوز التيمم على الأرض الندية في قول أبي حنيفة خاصة.
وإن تيمم بالملح؛ إن كان مائيًا؛ لا يجوز بالإجماع. وإن كان جبليًا؛ فكذلك عند أبي يوسف. وقال أبوحنيفة ومحمد: جاز تيممه.
وإن تيمم بالآجُرّ؛ لا يجوز عند أبي يوسف؛ خلافًا لزفر. وذكر الكرخي: إنما يجوز التيمم بالآجر إذا كان مدقوقًا. وإنما هذا على قولهما، أما عند أبي حنيفة يجوز. وإن لم يكن مدقوقًا، وعلى هذا يحمل قول أبي يوسف في غير المدقوق. والمشهور من أصحابنا أن التيمم بالآجر جائز من غير فصل.
ولو كان معه ماء فظن أنه فني فتيمم وصلى، ثم ظهر؛ إن كان الماء معلقًا في عنقه أو على ظهره أو مقدم الرَّحل وهو راكب، أو مؤخره وهو سائق؛ لم تجز صلاته. وإن كان في مقدم الرَّحلِ وهو سائق أو في مؤخره وهو قائد؛ جازت
الجزء 1 · صفحة 27
صلاته. وإن كان الماء في رحله وقد وضعه غيره وهو لا يعلم به، فتيمم وصلى، ثم وجده بعد ذلك في رحله؛ فهو على الاختلاف الذي ذكره فيما إذا نسيه بعد ما وضعه بنفسه.
وإن دخل وقت الصلاة وليس معه ماء، و كان معه من يسأله عن الماء فلم يسأله حتى تيمم وصلى، ثم سأل عنه، فأخبره بقرب الماء؛ توضأ وأعاد صلاته. فإن لم يخبره جازت صلاته ولا إعادة عليه.
فإن سأل عنه ولم يخبره، فتيمم وصلى، ثم أخبره بقرب الماء؛ لم يلتفت إلى قوله وصلاته جائزة.
وعلى هذا إذا كان مع رفيقه ماء ولم يطلبه منه حتى تيمم وصلى، ثم طلب منه ذلك، فأعطاه؛ فإنه يعيد صلاته. فإن طلبه منه ابتداء، فمنعه منه، فتيمم وصلى، ثم أعطاه بعد ذلك؛ لم تجب عليه إعادة الصلاة. فإن طلبه منه بثمن، ولم يعطه إلا بأكثر من ثمن المثل؛ جاز له أن يتيمم. وإن كان مع رفيقه ماء، ولم يطلبه، فتيمم وصلى؛ جاز في قول أبي حنيفة. وقال أبويوسف ومحمد: لا يجوز. وكان أبوبكر الجصاص يقول: بأنه لا خلاف بينهم في هذه المسألة؛ لأن أبا حنيفة أجاب فيما إذا لم يغلب على ظنه أنه لا يمنعه إياه، وهما أجابا فيما إذا غلب على ظنه أنه لا يمنعه إياه.
وسئل نصر بن يحيى عن ماء موضوع في المفازة في الحبّ ونحو ذلك، أيجوز للمسافر أن يتوضأ به أم لا؟. قال: يتيمم ولا يتوضأ به؛ لأن ذلك ما وضع إلا للشرب، إلا إذا كان الماء كثيرًا بحيث يستدل أنه وضع للوضوء والشرب، فحينئذٍ يتوضأ به، ولا يتيمم.
الجزء 1 · صفحة 28
وذكر في «الفتاوى»: لو أن الرجل يعلم أن بقربه ماء أقل من ميل، ولكن يعلم يقينًا لو ذهب هناك خرج وقت الصلاة، فله أن يتيمم ويصلي.
وذكر محمد في «المنتقى» أن المسافر إذا قرب من المصر، فدخل وقت الصلاة وهو يعلم يقينًا أنه لو دخل المصر خرج وقت الصلاة. قال: ليس له أن يتيمم، بل يدخل المصر ويصلي بالوضوء.
وكذلك رجلان على أحدهما ثوب والآخر عريان، فدخل وقت الصلاة. فقال صاحب الثوب للآخر: امكث حتى أصلي، وأدفع إليك الثوب، وهو يعلم يقينًا أنه لو مكث خرج وقت الصلاة. قال: لا يجوز له أن يصلي عريانًا، بل يمكث حتى يصلي، ويدفع إليه الثوب، ويصلي معه.
وقال بعض أصحابنا، منهم الحسن بن زياد: يطلب الماء في الميمنة ميلاً، وفي الميسرة ميلاً، وفي الإقبال ميلين.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- في المسافر إذا أخبر بالماء أو طمع فيه يطلب الغلوة والغلوتين، ولا يبلغ ميلاً، فيضرّ بنفسه وبأصحابه.
والغلوة: قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وعن محمد: يبلغ ميلاً.
ولو أن غريبًا دخل بلدة، فأجنب في ليلة باردة، أو في يوم بارد، وليس عنده ما يسخن به الماء؛ جاز له أن يتيمم عند أبي حنيفة -رحمه الله- وقالا لا يجوز.
وإن كان مريضًا وبه حمى، ويضرّه استعمال الماء، وليس هناك أحد يوضّئه، جاز له التيمم. وإن كان له خادم أو مال يمكنه أن يستأجر مَنْ يوضّئه أو كان
الجزء 1 · صفحة 29
بحضرته أحد يعينه لو استعان به، وهو بحال لا يضره الوضوء؛ فإنه لا يجوز له أن يتيمم. ذكره في «الفتاوى».
ولو أجنب الرجل، وعلى جميع جسده جراحة، أو على أكثره، أو به جدري؛ فإنه يتيمم، ولا يغسل الموضع الذي لا جراحة به. وإن كان أكثر بدنه صحيحًا، فإنه يغسله، ويربط الجبائر على الجراحة ويمسح عليها، وإن ترك المسح، وهو لا يضره؛ جاز عند أبي حنيفة. وقال أبويوسف ومحمد -رحمهما الله-: لا يجوز ترك المسح على الجبائر إلا أن يلحقه بذلك ضرر.
ولو كان نصف أعضاء الوضوء صحيحًا، ونصفه جريحًا؛ لم يذكر في ظاهر الرواية. وروي عن محمد أنه قال: إذا كان على بدنه جراحة؛ لا يمكنه غسلها، وبوجهه كذلك؛ فإنه لا يتوضأ، ويتيمم. ولو كان بيده خاصة؛ غسل ما بقي، فثبت بهذا أنه في النصف يتيمم إذا كان أعضاء الوضوء أربعة، فإن كان بأكثر أعضاء الوضوء جراحة تيمم، ولا يغسل الصحيح. وإن كان أكثره صحيحًا غسله، وربط على المجروح جبيرة، ومسح عليها.
فإن مرَّ المتيمم بالماء، وهو لا يعلم بذلك أو كان نائمًا؛ لا ينتقض تيممه. وقال محمد بن مقاتل الرازي في المتيمم مرَّ على الماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف عدوٍ أو سبع؛ فهذا غير واجد للماء؛ فلا ينتقض تيممه وقال هذا قول أصحابنا قياسًا، ذكرها في «العيون».
وإن رأى سرابًا فظنه ماء، وهو في الصلاة، فانصرف ليتوضأ به، ثم تبين أن ذلك ليس بماء؛ استقبل صلاته، سواء علم بذلك في المسجد أو بعد ما خرج منه.
الجزء 1 · صفحة 30
ولو صلى المحبوس في المصر بالتيمم في السجن ثم خرج؛ فإنه يعيد صلاته عندنا استحسانًا. وروي عن أبي يوسف أنه لا يعيد.
ولو كان محبوسًا في السفر؛ فلا إعادة عليه. فإن قدر المتيمم على ماء مكروه ونبيذ تمرٍ؛ توضأ بالماء المكروه. وإن قدر على ماء مشكوك وصعيد طيب ونبيذ تمر؛ قال أبوحنيفة: يتوضأ بنبيذ التمر وقال في كتاب «الصلاة»: وإن تيمم معه أحب إليَّ، وقال أبويوسف أحب إليّ أن يتوضأ بالماء المشكوك، ثم يتيمم. وقال محمد: يجمع بين الثلاثة، وأي الثلاثة ترك لا يجزئه.
وهذا إذا كان نبيذ التمر حلوًا أو قارصًا، أما إذا كان غلى واشتد وقذف بالزبد؛ لا يجوز بالإجماع. وإن طبخ، أدنى طبخة، فما دام حلوًا أو قارصًا؛ فهو على الاختلاف؛ فلو غلى واشتد، قال أبوحنيفة: شربه حلال والتوضؤ به جائز. وقال أبويوسف: شربه حلال والتوضؤ به غير جائز. وقال محمد: شربه حرام والتوضؤ به غير جائز. أما الاغتسال به من الجنابة؛ قال بعضهم: لا يجوز. وقال بعضهم: يجوز، وهو الأظهر.
وصورة نبيذ التمر أن تلقى تمرات في الماء حتى تخرج حلاوتها وعذوبتها. أما لو عصر وصار دبسًا؛ لا يجوز الوضوء والاغتسال به. وروى نوح ابن أبي مريم عن أبي حنيفة أن التوضؤ بنبيذ التمر منسوخ بآية التيمم.
وذكر محمد في الزيادات: خمسة من المتيممين وجدوا من الماء مقدار ما يتوضأ به أحدهم؛ انتقض تيممهم جميعًا. وكذلك لو قال رجل لهم: خذوا هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء. ولو قال: هذا الماء لكم جميعًا لا ينتقض تيممهم. أما عند
الجزء 1 · صفحة 31
أبي حنيفة؛ فلأنه لم تصح الهبة؛ لأنه مشاع. وأما عندهما وإن صحت، فنصيب كل واحد منهم لم يكفه.
وإن تيمم لصلاة الجنازة مخافة الفوت، وصلى ثم حضرت أخرى قال أبوحنيفة وأبويوسف -رحمهما الله-: لا يعيد. وقال محمد: يتيمم ثانيًا. والفتوى إذا كان بينهما مقدار ما لا يمكنه أن يتوضأ؛ لا يعيد التيمم. وروي عن أبي حنيفة أن الوليَّ لا يتيمم؛ لأنه لا يخاف الفوت. والله أعلم.
باب المسح على الخفين
قوله: المسح على الخفين جائز بالسنة.
أي: بالخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: من كل حدث موجبه الوضوء.
احترازًا من الجنابة، والنفاس، والحيض على أصل أبي يوسف إذا كانت المرأة مسافرة؛ لأن أقل الحيض عنده يومان وليلتان، وأكثر اليوم الثالث.
قوله: إذا لبس الخفين على طهارة.
وفي بعض النسخ «على طهارة كاملة». وكل واحد منهما ليس بشرط، وإنما الشرط أن يحدث وهو على طهارة كاملة. وبيانه: وهو أنه إذا غسل رجليه ولبس خفيه، ثم قطع مسافة على ما يفعله المسافر، من غير أن يحدث، ثم غسل بقية أعضائه، فأحدث بعد ذلك؛ فله أن يمسح على خفيه، وإن لم يكن لبسهما على طهارة كاملة. وكذلك إذا لبس خفيه على غير طهارة، ثم خاض ماء عظيمًا، فدخل الماء في خفيه حتى غسل رجليه،
الجزء 1 · صفحة 32
ثم غسل بقية أعضاء الوضوء، فأحدث؛ فله أن يمسح عليهما، وإن كان لبسهما على غير طهارة من كل وجه؛ فثبت أن الشرط ما ذكرنا.
قوله: ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل.
صورته: رجل لبس خفيه وهو على طهارة كاملة، فأجنب وعنده من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء، فدخل وقت الصلاة، وهو في مدة المسح؛ فإنه يتيمم حتى يخرج عن حكم الجنابة، فإذا أحدث بعد ذلك وعنده من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء وهو في مدة المسح، فإنه يتوضأ، ولا يمسح على خفيه؛ لأنه حين وجب عليه الغسل، ترك الحدث على الرجل؛ فلابد من رفع ذلك بالغسل، فإذا غسله ولبس خفيه، ثم أحدث بعد ذلك، فدخل وقت الصلاة وعنده من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء، فإنه يتوضأ ويمسح على خفيه؛ لأنه حين أحدث استقرَّ به الحدث على الخفين، فإن مرَّ بماء كثير ولم يغتسل من الجنابة مع القدرة على الاغتسال، عاد جنبًا؛ كأنه أجنب الآن، فإذا دخل وقت الصلاة، وليس له من الماء إلا مقدار الوضوء؛ فإنه يتيمم على ما ذكرنا ولا يتوضأ به، فإن أحدث بعد ذلك وليس معه من الماء إلا مقدار الوضوء فإنه يتوضأ ويغسل رجليه، ولا يمسح على خفيه، وإن كان في مدة المسح. فإن أحدث بعد ذلك وعنده من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء؛ توضأ ومسح على خفيه، وعلى هذا يجري الباب.
قوله: ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه.
يريد أنه لم يحدث بعد ما لبس خفيه، ولا مسح عليهما حتى لبس الجرموق. فإن لبسهما على الخفين ثم أحدث ومسح عليهما، فنزع أحدهما، فعليه أن يمسح على الخف ويعيد المسح على الجرموق الباقي هكذا ذكره في بعض الكتب، وذكر
الجزء 1 · صفحة 33
في بعضها أنه ينزع الجرموق الآخر، ويعيد المسح على الخفين. فإن نزع بعض خفه: روي عن أبي حنيفة أنه إذا خرج أكثر العقِب من الخف؛ انتقض مسحه. وروي عن محمد أنه قال: إذا بقي من الخف مقدار ما يجوز المسح عليه بقي مسحه.
وروي عن أبي يوسف: إذا خرج أكثر القدم انتقض مسحه. وقال بعض مشايخنا يستمشي؛ فإن قدر على المشي لا ينتقض. وإن لم يقدر عليه انتقض المسح.
وكل ما ستر الكعب فهو بمنزلة الخف؛ يجوز المسح عليه. ويجوز المسح على الخف المشقوق الذي يقال له في العَجَم: بيش بند، وفي ديار الغرب: زربول، وكذا يقال له في العَجَم: جاروق.
قوله: والمفروض في مسح الخفين مقدار ثلاثة أصابع، سواء مدَّها من رأس الأصابع إلى الساق أو وضعها ثم رفعها.
العتاق والأيمان والحدود والسرقة والجهاد والكراهيةهذا كله فيما إذا كان صحيح الرجل، فإن كان بإحدى رجليه جراحة وعليها جبيرة، فتوضأ وغسل رجله الصحيحة، فأدخلها في الخف ومسح على جبيرة الأخرى، ثم أحدث وتوضأ وأراد أن يمسح على الجبيرة والخف؛ ليس له ذلك؛ لأنه يصير جامعًا بين المسح والغسل. وهذا لا يجوز؛ لأن المسح على الجبيرة بمنزلة غسل ما تحتها، ولهذا لو سقطت الجبيرة من غير برءٍ؛ لا يبطل المسح. فلو لم يكن بمنزلة غسل ما تحتها لبطل المسح، كما في الخف. وقيل بأن هذا على أصلهما، أما على أصل أبي حنيفة، ينبغي أن يجوز؛ لأنه لا يرى المسح على الجبيرة واجبًا، ولهذا لو ترك المسح على الجبيرة من غير ضرر يلحقه؛ جاز عنده، خلافًا لهما. وإن كان يلحقه ضرر؛ جاز له أن يمسح على الخف وحده بالإجماع، وأجمعوا أنه لو أدخل رجله
الجزء 1 · صفحة 34
الصحيحة والمجروحة في الخفين بعدما مسح عليهما، ثم أحدث؛ جاز له أن يمسح عليهما. فإن كان مقطوع الرجل من الكعب فربط هذا المقطوع بجلد؛ لا يجوز له أن يمسح عليها أبدًا؛ لأنه فات موضع المسح، فلو مسح عليهما؛ يكون جامعًا بين الغسل والمسح على ما ذكرنا، فإن كان رجله مقطوعة فوق الكعب؛ جاز له أن يمسح على الخف الواحد؛ لأنه ليس له إلا رجل واحدة. فإن كان له جبيرة في موضع، وليس تحت جميع الجبيرة جراحة؛ كان ذلك تبعًا للجراحة. ولو كان القطع أسفل من الكعب ينظر إن بقي من القدم قدر ثلاثة أصابع أو أكثر يجوز المسح عليهما، وإن لم يبق مثل ذلك فلابد من غسله هذه القدم مثلما وجب عليه غسل رجله الأخرى.
قوله: ولا يجوز المسح على الجوربين ... إلى آخر ما ذكره.
روي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما قبل موته بسبعة أيام. وفي «النوازل» بثلاثة أيام، قال الفقيه أبوالليث: وبه نأخذ. واختلفوا في المُنْعَل. قال بعضهم أن يكونا إلى الكعب. وقال بعضهم: أن يكونا مقدار القدمين. والله أعلم بالصواب.
باب الحيض
قوله: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها.
يريد به: ليالي تقع في بعض هذه الأيام، لا يريد به ثلاث ليالٍ مقدرة به، كتقديره بثلاثة أيام. وعلى هذا قال أبوحنيفة: إن رأت المرأة في أول اليوم غدوة دمًا، ثم انقطع، ثم رأته في اليوم الثاني ساعة، ثم رأته في اليوم الثالث ساعة، ثم انقطع بالعشي؛ هذا حيض كله.
قوله: إلا أن يكون بغلافه.
الجزء 1 · صفحة 35
اختلف أصحابنا في الغلاف؛ قال بعضهم: هو الكِمُّ. وقال بعضهم: هو الجلد. وقال بعضهم: هو الخريطة، وهو الأصح، وقال بعضهم: الأصح هو الجلد. والأول أولى. وذكر الشهيد في «الجامع الصغير»: إن كان الجلد مشرَّزًا لا يحل أخذه، وإن لم يكن مشرَّزًا يحل وهذا أحق من الخريطة والغلاف.
قوله: وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل.
يريد به: إذا انقطع الدم بعد تمام العشرة، والانقطاع بعد تمام العشرة ليس بأمر لازم حتى يحل له أن يطأها والدم سائل؛ لأن ذلك استحاضة. وإن انقطع قبل تمامها لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تتيمم أو يمضي عليها وقت صلاة يجب عليها قضاء تلك الصلاة.
قوله: والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض؛ فهو كالدم الجاري.
وهذا على الإطلاق إنما هو قول أبي يوسف وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. أما عند محمد إن كان الطهر المتخلل بين الدمين أقل من ثلاثة أيام ولو بساعة، فهو كذلك، وإن كان ثلاثة أيام فصاعدًا، يفصل بينهما إن كان الطهر مثل الدمين، أو الدمان أكثر بعد، إن كان في العشرة فهو أيضًا كالدم الجاري، وإن كان الطهر أكثر من الدمين فصل بينهما، ثم ينظر إن كان أحد الجانبين ما يمكن أن يجعل حيضًا فهو حيض والآخر استحاضة، وإن كان في كلا الجانبين ما لا يمكن أن يجعل حيضًا فذلك كله استحاضة ولا يتصور أن يوجد في كلا الجانبين ما لا يمكن أن يجعل حيضًا؛ لأنه إذا كان كذلك يكون الطهر أقل من الدمين، إلا إذا رأت قبل أيامها دمًا أيضًا، فيجعل الأول حيضًا.
الجزء 1 · صفحة 36
ثم الأصل عند أبي يوسف وهو آخر أقوال أبي حنيفة في مسائل الحيض أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا انتقص عن خمسة عشر يومًا؛ لم يفصل بينهما ويكون كالدم المستمر، ثم ينظر إن كان ذلك كله في العشرة؛ فهو حيض، سواء كانت المرأة مبتدأة أو صاحبة عادة. وإن كان يزيد على العشرة: إن كانت المرأة صاحبة عادة؛ ردت إلى أيام عادتها، وما زاد على ذلك استحاضة، وإن كانت مبتدأة؛ فالعشرة من أول ما رأت حيض، ويستوي في ذلك ما رأت من الدم، وما لم تر، وما زاد على ذلك فالذي فيه دم فهو استحاضة، والباقي طهر. فعلى هذا لو رأت يومًا دمًا فانقطع ثلاثة عشر يومًا، ثم رأت يومًا آخر دمًا؛ فالعشرة كلها من أول ما رأت حيض، مبتدأة كانت أو صاحبة عادة، ويوم من الخمسة الباقية استحاضة والباقي طهر، وهذا عندهما. وقال محمد: ليس شيء من ذلك حيضًا. وأصل آخر أن عند أبي يوسف يبدأ الحيض بالطهر ويختم به بشرط أن يكون قبل ابتدائه دم، وبعد انتهائه دم ويجعل الطهر حيضًا بإحاطة الدمين. ومن أصل محمد أنه لا يبدأ الحيض بالطهر ولا يختم به.
وثمرة الأصلين تظهر في مسائل، منها: أن المرأة إذا كانت عادتها عشرة أيام من كل شهر، وطهرها عشرون يومًا، فرأت مرة قبل عشرتها يومًا دمًا وطهرت عشرتها كلها، ثم رأت بعدها يومًا دمًا؛ فأيامها العشرة كلها حيض، واليومان اللذان رأت فيهما الدم استحاضة في قول أبي يوسف، وفي قول محمد -رحمه الله-: لا يكون شيء من ذلك حيضًا.
ومنها: لو رأت قبل عشرتها يومًا دمًا ورأت يومًا من أول عشرتها طهرًا ثم رأت ثمانية أيام من عشرتها دمًا، ورأت اليوم العاشر طهرًا، ثم رأت اليوم الحادي عشر دمًا، فعشرتها في قول أبي يوسف حيض وإن كان ختمها وابتداؤها بالطهر، وعند محمد
الجزء 1 · صفحة 37
يكون حيضًا الثمانية الأيام التي رأت في أيامها. ولو لم تر قبل عشرتها يومًا دمًا، والمسألة بحالها؛ فحيضها تسعة أيام عند أبي يوسف. ولا يبدأ الحيض هاهنا بالطهر؛ لأنه ليس قبله دم، وتختم به؛ لأن بعده دمًا.
ومنها: إذا رأت قبل أيامها يومًا دمًا وطهرت في أول يوم من أيامها، ولم تر بعد أيامها شيئًا، وطهرت في آخر يومٍ من أيامها، والمسألة بحالها، فحيضها أيضًا تسعة أيام عند أبي يوسف، ولا تختم الحيض بالطهر؛ لأنه ليس بعدها دم وعند محمد: حيضها ثمانية أيام على ما ذكرنا ولو لم يكن قبلها ولا بعدها دم والمسألة بحالها يكون حيضها ثمانية أيام بالإجماع.
واتفق أصحابنا جميعًا أنه لا يكون حيضًا من الجانبين جميعًا حتى يكون بينهما خمسة عشر يومًا من الطهر فصاعدًا، وهذا معنى قوله: وأقل الطهر خمسة عشر يومًا. فإن كانت المرأة صاحبة عادة، فرأت قبل أيامها ما لا يكون حيضًا، ورأت في أيامها ما يكون حيضًا، إلا أن المجموع لم يجاوز العشرة؛ فذلك كله حيض بالإجماع.
وإن رأت قبل أيامها ما يكون حيضًا، ولم تر في أيامها شيئًا، أو رأت قبل أيامها ما يكون حيضًا، ورأت في أيامها يومًا أو يومين، أو رأت قبل أيامها ما لا يكون حيضًا وفي أيامها كذلك، ولو جمع بينهما بلغ ما يكون حيضًا، فإن في هذه الفصول الثلاثة اختلف أصحابنا فيه: قال أبوحنيفة: الأمر موقوف: إن رأت في المرة الثانية مثله يكون كله حيضًا، وإن لم تر في المرة الثانية مثله لا يكون حيضًا، ويجب عليها قضاء ما تركت فيها من الصلوات. وقال أبويوسف ومحمد -رحمهما الله-: يكون ذلك حيضًا. غير أنَّ
الجزء 1 · صفحة 38
عند أبي يوسف يكون ذلك عادة لها بمرة واحدة، وعند محمد لا يكون عادة لها حتى ترى مثله مرتين كما قال أبوحنيفة -رحمة الله عليه-.
فإن رأت قبل أيامها ما يكون حيضًا وفي أيامها كذلك غير أن المجموع لم يتجاوز العشرة؛ فالمرئي في عادتها يكون حيضًا بالإجماع، والمرئي قبل عادتها: فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية أبي يوسف عنه -وهو قوله- أن ذلك كله حيض، وفي رواية محمد عنه أن حكمه موقوف حتى ترى في المرة الثانية مثله. فإن رأت في أيامها ما يكون حيضًا، وبعد أيامها ما يكون حيضًا أو لا يكون حيضًا، إن لم يجاوز العشرة؛ فجميع ما رأت يكون حيضًا، وإن جاوز العشرة، فإنه يرد إلى أيام عادتها. ويكون حيضًا، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. وإن رأت بعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضًا، ولم تر في أيامها شيئًا أو رأت في أيامها ما لا يمكن أن يجعل حيضًا، وبعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضًا، أو رأت بعد أيامها ما لا يمكن أن يجعل حيضًا، وفي أيامها كذلك، وبالجمع بينهما يبلغ حيضًا؛ فعن أبي حنيفة في هذه الفصول الثلاثة روايتان: في رواية الحكم فيها موقوف، كما قال في المتقدم على أيامها، وفي رواية يكون حيضًا بدلاً عن أيامها، وهو قولهما، غير أن عند محمد لا يكون عادة لها بالمرة الواحدة كما هو قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يكون ذلك عادتها.
ويظهر الاختلاف فيما إذا رأت خلاف عادتها مرة أخرى، ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني، فإنها ترد إلى أيام عادتها القديمة عندهما، وعند أبي يوسف ترد إلى آخر ما رأت، ولو أنها رأت ذلك مرتين، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث؛ فإنها ترد إلى ما رأت مرتين بالإجماع.
الجزء 1 · صفحة 39
فلو كانت للمرأة عادة معروفة في كل شهر خمسة أيام ثم استحيضت فحيضها خمسة أيام من كل شهر، والباقي استحاضة.
قوله: ومن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر.
يريد به: عشرة أيام من أول ما رأت، سواء كان ذلك في العشر الأول، أو الثاني أو في الثالث. واختلف المشايخ في تقدير بلوغ المبتدأة.
قال أبوعبدالله الزعفراني: إذا تم لها تسع سنين وهو قول محمد بن مقاتل الرازي وأحد قولي أبي نصر محمد بن سلام وقال بعضهم: إذا تم لها سبع سنين. وعن أبي نصر أيضًا أنه قال في رواية أخرى في ابنة ست سنين إذا رأت الدم قال: هو حيض إذا لم يكن ... سبب نزول ذلك عن آفة. وهكذا قال أبويوسف.
وأجمعوا أن ابنة خمس سنين وما دونها إذا رأت الدم لا يكون حيضًا، وابنة تسع سنين وما فوقها إذا رأت الدم يكون حيضًا. واختلف المشايخ في ابنة ست، وسبع، وثمان إذا رأت الدم: قال بعضهم: يكون ذلك حيضًا. وقال بعضهم: لا يكون حيضًا.
قوله: والمستحاضة ومن به سلس البول ... إلى آخر ما ذكره.
فالمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد في ذلك الوقت، وكذلك سائر ذوي الأعذار.
الجزء 1 · صفحة 40
قوله: والانقطاع الموجب لزوال العذر أن ينقطع وقت صلاة كامل، فإن انقطع لأقل من وقت صلاة كامل؛ لا يكون ذلك موجبًا لزوال العذر، ولا مانعًا من اتصال الدم الثاني بالدم الأول.
وبيان ذلك: المستحاضة إذا زالت عليها الشمس، والدم سائل فتوضأت على السيلان، ثم انقطع عنها الدم قبل الشروع في صلاة الظهر أو بعد ما تشرع فيها قبل أن تقعد قدر التشهد أو بعدما قعدت قدر التشهد قبل التسليم، فعند أبي حنيفة لم يتم ذلك الانقطاع حتى إذا خرج وقت الصلاة؛ فإنه تنتقض طهارتها؛ لأن وضوءها كان ناقصًا، فينتقض بخروج الوقت، فإذا توضأت للعصر، وصلت، فتم ذلك الانقطاع حتى تغرب الشمس؛ فإنه لا تنتقض طهارتها؛ لأن وضوءها كان كاملاً، ولا ينتقض بخروج الوقت، ولكن يجب عليها إعادة الظهر؛ لأن الدم منقطع وقت صلاة كامل، وهو وقت العصر فتبين أنها صلت صلاة ذوي الأعذار، والعذر زائل، وعلى هذا سلس البول والرعاف الدائم والجرح السائل؛ لاستوائهم في العذر.
فإذا ثبت هذا، قال الشيخ أبوالفضل الكرماني -رحمه الله- في «الجامع الكبير»: إن صاحب الجرح السائل إذا توضأ وصلى ثم انقطع الدم فهذه المسألة على أربعة أوجه: إن توضأ وصلى على الانقطاع ودام الانقطاع لا يعيد شيئًا. وكذلك إذا فعلهما على السيلان، ثم انقطع وتم الانقطاع. وكذلك إذا كان الوضوء على الانقطاع والصلاة على السيلان، وإن توضأ على السيلان وصلى على الانقطاع، وانقطع في خلال الصلاة، وتم الانقطاع؛ أعادت، ولا تعيد الصلاة التي صلت بعدها. ولو توضأت للعصر والدم سائل وشرعت في الصلاة، ثم دخل وقت المغرب؛ توضأت واستقبلت.
الجزء 1 · صفحة 41
ثم طهارة المستحاضة تنتقض بخروج الوقت عندهما، وبدخول الوقت عند زفر -رحمه الله-. وبأيهما كان عند أبي يوسف.
وثمرة الخلاف إنما تظهر في موضعين؛ أحدهما: إذا توضأت قبل طلوع الشمس، ثم طلعت تنتقض طهارتها عندهم؛ لخروج الوقت. وعند زفر لا تنتقض؛ لعدم دخول الوقت. والثاني: إذا توضأت قبل زوال الشمس ثم زالت؛ لا تنتقض طهارتها عندهما لعدم خروج الوقت، وعند أبي يوسف وزفر تنتقض لوجود دخول الوقت. وقال محمد بن مقاتل: يجب على المستحاضة أن تغسل الثوب من الدم لكل صلاة.
وقال ابن سلمة: ليس عليها ذلك؛ لأن أمر الثوب ليس آكد من أمر البدن.
وقال أبوالقاسم في المبطون: إذا كان بحال لا يُبسط تحته ثوب إلا نجسّه من ساعته؛ فإن له أن يصلي على حاله.
ولو كانت المرأة لها عادة معروفة في النفاس وهي التي ولدت غير مرة فكل ما رأت من الدم ولم يجاوز الأربعين، فذلك كله نفاس بالإجماع، كما في الحيض إذا لم يجاوز العشرة.
قوله: والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة.
فإن خرج بعد خروج بعض الولد؛ ذكر في «الفتاوى» أنه إذا خرج أقله لا يصير حكمها حكم النفساء، حتى إن الصلاة لا تسقط عنها. فإن أسقطت سقطًا إن استبان خلقه أو بعض خلقه، فإنه يكون له حكم الولد، وتصير المرأة به نفساء، وتنقضي به العدة، وتصير الجارية أم ولد إذا كان العلوق من المولى، وأما إذا لم
الجزء 1 · صفحة 42
يستبن شيء من الخلقة لا يكون له حكم الولد. فإن رأت الدم عقيبه، إن أمكن أن يُجعل حيضًا؛ جعل حيضًا. وإن لم يمكن؛ جعل استحاضة.
ثم الطهر المتخلل بين دمي النفاس لا يوجب الفصل عند أبي حنيفة
-رحمه الله-، قليلاً كان أو كثيرًا حتى إنها لو رأت بعد الولادة ساعة دمًا، فطهرت، ثم رأت الدم عند تمام الأربعين ساعة، فالأربعون كلها نفاس عنده. وقال أبويوسف ومحمد -رحمهما الله-: إن كان الطهر المتخلل بين دمي النفاس أقل من خمسة عشر يومًا فكذلك، وإن كان خمسة عشر يومًا فصاعدًا فإنه يوجب الفصل، فيكون الأول نفاسًا والآخر حيضًا إن كان ثلاثة أيام فصاعدًا، وإن كان أقل من ثلاثة أيام؛ فهو استحاضة. والله أعلم بالصواب.
باب الأنجاس
قوله: تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه ... إلى آخر ما ذكره.
فالنجاسة على ضربين: نجاسة غليظة، ونجاسة خفيفة. فالنجاسة الغليظة كالخمر، والغائط، والبول، والدم، والقيح، والصديد وما أشبه ذلك.
والنجاسة الخفيفة كبول ما يؤكل لحمه عندهما. أما عند محمد فبول ما يؤكل لحمه طاهر وشربه حلال.
الجزء 1 · صفحة 43
فإن كانت النجاسة غليظة، وهي أكثر من قدر الدرهم؛ فغسلها فريضة، والصلاة معها باطلة. وإن كانت مقدار الدرهم فغسلها واجب، والصلاة معها جائزة، وإن كانت أقل من قدر الدرهم فغسلها سنة.
وإن كانت النجاسة خفيفة، فإنها لا تمنع جواز الصلاة حتى تفحش، واختلفوا في تقدير الفاحش قال أبوحنيفة ومحمد -رحمهما الله-: إذا بلغت ربع الثوب. وقال أبويوسف: شبر في شبر، وفي رواية ذراع في ذراع. وقد قيل مقدار القدمين. واختلفوا على قول أبي حنيفة في ربع الثوب؛ قال بعضهم: ربع كل عضو من الثوب؛ إن كان ذيلاً فربع الذيل، وإن كان كمًا فربع الكم. والصحيح أنه ربع جميع الثوب. واختلفوا أيضًا في الثوب، فمنهم
من قال: ربع الثوب يصلي فيه. ومنهم من قال: ربع أقل الثوب الذي يجوز فيه الصلاة كالإزار ونحوه، فإن كانت النجاسة الغليظة على الأرض تحت قدميه، وهي أكثر من قدر الدرهم؛ لا تجوز صلاته. وإن كانت في موضع سجوده، فكذلك عندهما. وعن أبي حنيفة روايتان. وإن كانت في موضع يديه أو ركبتيه؛ جازت صلاته عند علمائنا الثلاثة، خلافًا لزفر.
فإن أصاب اللبِن، والآجرَّ، والخشب نجاسة، فقلبها وصلى على الوجه الطاهر؛ جازت صلاته، بخلاف البساط.
ولو أصاب البساطَ النجاسةُ في ناحية منه؛ إن كانت في موضع قيامه يمنع جواز الصلاة، وإن كانت في موضع سجوده، فعن أبي حنيفة روايتان، كما في الأرض، وإن كانت في غير ذلك الموضع؛ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يجوز سواء كان البساط صغيرًا أو كبيرًا، وقال بعضهم: إن كان البساط صغيرًا لا يجوز، وإن كان
الجزء 1 · صفحة 44
كبيرًا؛ جاز. والحد الفاصل بين الكبير والصغير أنه إذا رفع أحد طرفيه لا يتحرك الطرف الآخر، وإن كان يتحرك؛ فهو صغير.
ثم الأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة، والزيادة على قدر الدرهم تمنع جواز الصلاة، وعندهما نجسة نجاسة خفيفة، ولا تمنع جواز الصلاة حتى تفحش. ولا فرق عندهم بين روث ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه، ووافق زفر أبا حنيفة فيما لا يؤكل لحمه ووافقهما فيما يؤكل لحمه.
أما خرء الطير، فعلى ثلاث مراتب: طاهر بالاتفاق كخرء الحمام، والعصفور، وغيرهما من الطيور الصغار مما ليس لخرئه رائحة خبيثة. ونجس بالاتفاق، كخرء الدجاج، والبط، وغيرهما من الطيور الكبار التي لخرئها رائحة كريهة. ومختلف فيه، كخرء ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير، كالصقر، والبازي، والحدأة، والغراب الكبير الذي يأكل الجيف، وما أشبه ذلك، قال أبوحنيفة - رضي الله عنه -: لا يمنع جواز الصلاة ما لم يكن كثيرًا فاحشًا. وقال محمد -رحمه الله-: إذا زاد على قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة، وذكر الهندواني قول أبي يوسف مع محمد والكرخي مع أبي حنيفة وقال بأن ذلك طاهر عندهما كخرء ما يؤكل لحمه فحصل عندهما في هذه المسألة روايتان، والصحيح أنه نجس نجاسة خفيفة عندهما، حتى إنه لو وقع في الماء القليل أفسده. وقد قيل: لا يفسده؛ لتعذر صون الأواني عنه.
ولو تنجس ما لا ينعصر بالعصر، قال أبويوسف: يغسل ثلاث مرات ويجفف في كل مرة، ويحكم بطهارته، وقال محمد: لا يطهر بهذا أبدًا.
الجزء 1 · صفحة 45
وثمرة الاختلاف تظهر في مسائل منها: الحنطة إذا تنجست بمائع نجس، والخشبة الجديدة، والخزف الجديد، والسكين المموّه بالماء النجس، والحصير إذا تنجس، واللحم إذا غلى في الماء النجس. قال محمد: لا تطهر هذه الأشياء أبدًا. وقال أبويوسف: تغسل الحنطة ثلاثًا وتجفف في كل مرة، وكذلك الحصير، ويغسل الخزف، حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ولا لون ولا رائحة، وكذلك كل ما يطهر بالغسل، وإن وجد بعد الغسل أحد هذه الأشياء لا يحكم بطهارتها. ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات ويطبخ اللحم ثلاث مرات ويجفف في كل مرة ويبرد من الطبخ.
ولو صب على اللحم مائع نجس يغسل ثلاثًا ويؤكل. ولو صب الخمر على الحنطة تغسل ثلاثًا، فإذا جفت وطحنت، فإن لم يوجد فيها طعمه ولا ريحه يحل أكلها وإلا فلا، وعن أبي حنيفة في الحنطة إذا طبخت بالخمر لا تطهر أبدًا، كما قال محمد. وعلى قول أبي يوسف تطبخ بالماء الطاهر ثلاثًا وتبرد في كل مرة، ويحكم بطهارتها. ولو وقعت في الخمر وانتفخت ثم قليت، فإنها لا تطهر أبدًا.
وروي عن أبي يوسف في دهن أصابته النجاسة، فإنه يجعل في إناء فيصب عليه الماء فيعلو الدهن على الماء، فيرفعه بشيء، فإذا فعل ذلك ثلاث مرات يطهر في المرة الثالثة.
ولو أن فأرة ماتت في السمن، إن كان السمن جامدًا يُقوّر ما حوله ويؤكل الباقي.
وفي العَسل إذا ماتت الفأرة، يُجعل في إناء فيصب عليه الماء ويُغلى حتى يعود إلى قدر العسل، هكذا يفعل ثلاثًا. والدبس على هذا الحكم إذا تنجس،
الجزء 1 · صفحة 46
ويؤكل الباقي، وإن كان مائعًا؛ لم يؤكل ويُنتفع به في غير الأكل، كالاستصباح، ودبغ الجلود، وغيرهما. وله أن يبيعه، ويبين ما فيه من العيب، وإن لم يبين ذلك فالمشتري بالخيار: إن شاء ردَّه على البائع وإن شاء أمسكه، والجامد إذا قوّر بقي المقور على حاله، وإن لم يبق المقور على حاله، فهو مائع.
ولو أن دنًّا من خمر وقعت فيه فأرة وماتت، ثم أخرجت الفأرة، وصار الخمر خلًّا؛ قال بعضهم: يحل أكله. وقال بعضهم: لا يحل. وقال الفقيه أبوالليث -رحمه الله-: إن لم تنتفخ يحل أكله، وإن انتفخت لا يحل. وهذا القول أصح.
قوله: ويجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر ... إلى آخر ما ذكره.
فالمذكور إنما هو على أصلهما. أما على قول محمد لا تجوز إزالة النجاسة إلا بالماء خاصة.
قوله: والماء المستعمل.
إنما هو قول محمد؛ لأن ذلك عنده طاهر، وبه أخذ مشايخ العراق، أما على قولهما: الماء المستعمل نجس لا يجوز استعماله. ثم عن أبي حنيفة في الماء المستعمل ثلاث روايات. قال محمد: -وهو رواية عن أبي حنيفة- إنه طاهر، وقال أبويوسف: -وهو رواية عن أبي حنيفة- إنه نجس نجاسة خفيفة كبول ما يؤكل لحمه، وبه أخذ مشايخ بلخ، وقال الحسن بن زياد: -وهو رواية عن أبي حنيفة- إنه نجس نجاسة غليظة كالخمر.
وروى المعلى عن أبي يوسف: المتوضئ إن كان محدثًا صار الماء نجسًا. وإن كان طاهرًا، لم ينجس الماء.
الجزء 1 · صفحة 47
وأجمعوا أنه غير طهور، إلا عند زفر إذا استعمله الطاهر، فإنه طهور يجوز الوضوء به. والفتوى على رواية محمد على ما ذكرنا حتى إنه لو صب في الماء الطاهر والطاهر غالب؛ جاز الوضوء به. وإنما يصير الماء مستعملاً إذا كان من غُسالة بني آدم، أما غسل القصاع والثياب الطاهرة وغيرهما؛ لا يصير الماء مستعملاً بالإجماع.
واختلفوا في سبب استعماله؛ قال أبوحنيفة وأبويوسف -رحمهما الله-: إنما يصير الماء مستعملاً بأحد أمرين: إما بنية القربة، أو بإسقاط الفرض. وقال محمد -رحمه الله-: لا يصير الماء مستعملاً إلا بنية القربة حتى إن من اغتسل أو توضأ يريد به التقرب إلى الله تعالى، صار الماء مستعملاً بالاتفاق.
ولو اغتسل الجنب أو توضأ المحدث يريد به التبرد وليس على بدنه نجاسة حقيقية؛ صار الماء مستعملًا عندهما، وعند محمد لا يصير الماء مستعملًا. وهذا الاختلاف عرف باختلافهم في الجنب الواقع في البئر أو الداخل فيها لطلب الدلو؛ قال محمد: الماء طاهر، والرجل طاهر، وقال أبويوسف: الماء طاهر والرجل نجس؛ لعدم صب الماء، وقال أبوحنيفة: كلاهما نجسان. واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة أن الرجل نجس بنجاسة الماء المستعمل، أو بنجاسة الجنابة والصحيح أنه نجس بنجاسة الجنابة؛ لأن الماء صار مستعملاً بملاقاة أول عضو منه. ثم إنما يأخذ الماء حكم الاستعمال إذا انفصل عن العضو، فيجتمع في مكان، أمّا ما دام على العضو، لا يأخذ حكم الاستعمال، وكذلك إذا لم يجتمع في موضع بأن انفصل عنه متلاشيًا. فإن توضأ وبقي في يده اليمنى لمعة لم يصبها الماء فبلَّها بالماء الذي على يده اليسرى؛ لم يجز؛ لأنهما عضوان في حق الوضوء، فيتحقق
الجزء 1 · صفحة 48
الانفصال، وإن اغتسل من الجنابة وبقي على بدنه لمعة لم يصبها الماء فبلها بالماء الذي على رأسه أجزأه؛ لأن جميع البدن في الجنابة بمنزلة عضو واحد.
ولو غسل يده للطعام، أو من الطعام، صار الماء مستعملاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء قبل الطعام بركة وينفي الفقر وبعده ينفي اللمم».
ولو اغتسل الجنب في بئر ثم في بئر أخرى، هكذا إلى عشرة آبار أو أكثر قال أبويوسف: يُنجس المياه كلَّها، سواء كانت على بدنه نجاسة عينية أو لم تكن، وقال محمد: يخرج من البئر الثالثة طاهرًا، والمياه الثلاثة إن كانت على جسده نجاسة عينية صارت نجسة، وإلا صارت مستعملة، وما وراء الثلاثة إن وجدت النية صارت المياه كلها مستعملة، وإلا فلا.
وإن غسل الثوب في ثلاث إجانات أو أكثر، خرج من الثالث طاهرًا بالاتفاق. وهو استحسان.
ولو أدخل رأسه أو خُفَّه في إناء فيه ماء للمسح قال محمد: لا يجوز المسح، والماء مستعمل. وقال أبويوسف -رحمه الله-: جاز المسح، ولا يصير الماء مستعملاً، ولو لم يقصد المسح؛ فإنه يجوز المسح، ولا يصير الماء مستعملاً في قولهم جميعًا.
قوله: مقدار الدرهم.
اختلف المشايخ في مقداره؛ قال بعضهم: مقدار بسط الدرهم الشهليلي، حتى لو أصاب ثوبه دهن نجس مقدار الدرهم، فصلى به الظهر، ثم ازداد حتى صار أكثر من قدر الدرهم، فصلى به العصر، فإن صلاة الظهر جائزة، وصلاة العصر
الجزء 1 · صفحة 49
فاسدة. وقال بعضهم: مقدار الدرهم السواد الزبرقانية. وذُكر في «الأصل» أنه إذا أصابه مثل عرض الكف من البول ونحوه؛ يمنع جواز الصلاة.
وفي العذرة ونحوها إن زادت على قدر المثقال وزنًا يمنع جواز الصلاة، وإلا فلا. وهذا القول أصح، وبه أخذ أبوجعفر الهندواني -رحمه الله-. وقال بعضهم مقدار المقعد، وإليه أشار صاحب الكتاب حيث قال: فإن تجاوزت النجاسة مخرجها، لم يجز فيه إلا المائع. وذكر في «المحيط» بأن النجاسة إذا تجاوزت مخرجها وجب غسلها عند محمد، وعندهما يكفيه الاستجمار إذا كان المتجاوز أقل من قدر الدرهم، ولو لم تتجاوز النجاسة مخرجها، وقد أصابته في موضع آخر نجاسة يسيرة؛ فهو بمنزلة ما إذا تجاوزت مخرجها. وذكر أبوبكر الجصاص في «شرح الطحاوي»: أن مقدار الدرهم تقدير لموضع الاستنجاء والاستبراء جميعًا، وقال: لأنهم كانوا يستنجون ويستبرئون فقدَّروا الموضعين جميعًا بالدرهم. وقال إبراهيم النخعي: أرادوا أن يقولوا مقدار المقعدة، فاستفحشوا ذلك في مجالسهم فقالوا مقدار الدرهم، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقدار الدرهم حديث رواه غطيف عن الزهري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وذكر القدوري في «شرح الكرخي» عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن صلى وفي ثوبه من الدم أكثر من مقدار الدرهم: أعاد الصلاة، ولأن الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- رأوا موضع الاستنجاء معفوًّا عنه. ولو أصاب مع موضع الاستنجاء نجاسة أكثر من قدر الدرهم، واستنجى بثلاثة أحجار ولم يغسله، ذكر الاختلاف بين المشايخ في «الفتاوى» قال بعضهم: لا يجوز ما لم يغسله؛ لأن النجاسة أكثر من قدر الدرهم فلا تطهر بالحجارة، وقال
الجزء 1 · صفحة 50
بعضهم: إذا مسحه بثلاثة أحجار وأنقاه أجزأه، وهذا القول أصح، وبه أخذ الفقيه أبوالليث -رحمه الله-. وفي غير موضع الاستنجاء لا يطهر إلا بالغسل.
وما كان علفها نجسًا كالبقرة الجلاَّلة والإبل، يحبس كل واحد منهما عشرة أيام، وفي رواية: يحبس شهرًا. وفي الشاة تحبس أربعة أيام، وفي رواية: عشرة أيام. وتحبس الدجاجة ثلاثة أيام.
ثم الجلالة ما كان علفها كله أو أكثره من العذرات. وإن كان أكثر علفها طاهرًا، فليست بجلالة. والله أعلم.
كتاب الصلاة
قوله: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال.
صورة: معرفة فيء الزوال: أن تغرز عودًا طويلاً في أرض مستوية وتخط في مبلغ ظله خطًّا، فمهما رأيت الظل نقص عن الخط اعلم أن الشمس لم تزل؛ لأن الظل يقصر إلى وقت الزوال. فإذا رأيت الظل قد طال اعلم بأن الشمس قد أخذت في الزوال، فإن اتسع عن القصر، ولم يأخذ في الطول؛ اعلم بأن هذا ظل الأصل، فتحتاج إلى مثلي ظل الأصل في قول أبي حنيفة. ومثل ظل العود في قولهما، وهو رواية عن أبي حنيفة.
قوله: إذا خرج وقت الظهر على القولين.
يعني إذا صار ظل كل شيء مثله ما عدا ظل الأصل يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر عندهما وعند الحسن بن زياد وهو رواية عن أبي حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 51
وإذا صار مثليه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر عند أبي حنيفة. والشفق هو الحمرة عندهما. وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قولهما.
قوله: وأول وقت الوتر بعد العشاء.
فالمذكور إنما هو قولهما، أما عند أبي حنيفة أول وقت الوتر إذا غاب الشفق غير أنه مأمور بتقديم العشاء على الوتر.
وثمرة الاختلاف تظهر فيمن صلى العشاء ثم أحدث فتوضأ وصلى الوتر ثم علم أنه صلى العشاء على غير طهارة؛ فإنه يصلي العشاء ولا يعيد الوتر عند أبي حنيفة، وعندهما: يعيده.
قوله: ما لم تتغير الشمس.
قد اختلفوا في تغيُّرها قال بعضهم: هو أن يتغير الشعاع على الحيطان. وقال بعضهم: يوضع الطست، فإن ارتفعت الشمس على جوانبه؛ فهو الوقت المتغير المكروه. وإن وقعت في جوف الطست فهو الوقت المباح. وقال بعضهم: إذا تمكن من النظر إلى القرص من غير كلفة ومشقة فقد تغيرت الشمس. وقال بعضهم: أن يتغير القرص. وهو الأصح.
الجزء 1 · صفحة 52
باب الأذان
قوله: الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها.
احترازًا عن الأذان للتراويح والوتر، وصلاة الجنائز، والعيدين، والكسوف، والاستسقاء، وصلاة الأفزاع، وغير ذلك، فإن الأذان ليس بسنة في شيء منها.
قوله: ولا ترجيع فيه.
صورته: أن يذكر الشهادتين، ويخفض بهما صوته، ثم يرجع ويمُدّ بهما صوته. وهو مذهب الشافعي.
قوله: ويترسل في الأذان، ويحدر في الإقامة.
فالترسل أن يقول الله أكبر الله أكبر ويقف ثم يقول مرة أخرى مثله ويقف، وكذلك يقف بين كل كلمتين إلى آخر الأذان. ويقول السامع مثل ما يقول المؤذن، وعند الحيعلة والحيفلة يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وإن كان يقرأ القرآن قَطَعَه، ويقول مثل ما يقول المؤذن.
ويستحب أن يعاد أذان أربعة نفر: الجنب، والمرأة، والسكران، والمجنون.
وروي عن أبي حنيفة أنه كره أن يكون المؤذن فاجرًا. وكذلك قال: أكره أذان من لم يحتلم.
ويكره أن يؤذن في المصر على الدابة، وعن أبي يوسف أنه قال: لا يكره. وأما المسافر يجوز أن يؤذن وهو راكب من غير كراهية، وينزل للإقامة، ويفصل بين
الجزء 1 · صفحة 53
الأذان والإقامة بجلسة خفيفة أو بركعتين من الصلاة إلا في المغرب، فإنه يفصل بينهما بالسكوت عند أبي حنيفة، وعندهما بجلسة خفيفة والله أعلم.
باب شروط الصلاة التي تتقدَّمها
قوله: وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل.
فالنية عمل القلب، وهو أن يعلم أي صلاة يصلي. والذكر باللسان أفضل. وقال بعضهم: إذا كان بحال لو سئل أي صلاة يصلي أجاب على الفور من غير تكلف جازت صلاته. وقيل: بأن هذا أصح.
وقال بعضهم: إذا توضأ بنية الصلاة، ولم يشتغل بشيء من أعمال الدنيا حتى دخل في الصلاة تكفيه تلك النية، وقال أبويوسف ومحمد -رحمهما الله-: إذا خرج من بيته بنية الصلاة وتوضأ وصلى الظهر جازت صلاته. وذكر ابن مقاتل عن أبي يوسف فيمن خرج من منزله يريد صلاة الظهر أو صلاة من صلوات الفرض ليصليها مع الإمام في جماعة، فلما انتهى إلى الإمام دخل معه في تلك الصلاة ولم يحضر النية في تلك الصلاة، أنه يجزئه، ولا أعلم أحدًا خالف أبايوسف في ذلك. وذكر ابن شجاع في «نوادره» مثله.
قوله: ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد.
يريد به: ما دام ربع ثوبه طاهرًا أو أكثره، فإن كان كله نجسًا أو الأكثر من ثلاثة أرباعه؛ فهو مخيّر عندهما إن شاء صلى معها، وإن شاء صلى عريانًا قاعدًا يومئ بالركوع والسجود، وأما عند محمد يصلي في ذلك الثوب بركوع وسجود. فإن كان له ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس؛ تحرى وصلى فيما يقع عليه تحريه.
الجزء 1 · صفحة 54
فإن صلى بأحدهما الظهر بالتحري ثم وقع رأيه على أن الثوب الباقي هو الطاهر، فصلى فيه العصر؛ لم يجزه العصر.
وكذلك إن صلى بأحدهما الظهر وبالآخر العصر ثم بالأول المغرب وبالثاني صلاة العشاء، فالظهر والمغرب جائزتان، والعصر والعشاء فاسدتان، وعلى هذا كلما صلى في الثوب الأول جازت صلاته، وما صلى بالثاني لم يجزه.
ولا يجوز التحري في الإناءين، ولكنه يتيمم، والأفضل أن يريقهما أو يخلط أحدهما بالآخر. وإن كانت الغلبة للطاهر؛ تحرى وأراق الذي وقع عليه التحري بأنه نجس ويستعمل الباقي، ولا يجوز ترك التحري، وعلى هذا في الدهن والسمن وجميع المائعات.
فإن اختلطت الذكية بالميتة، وليس بينهما علامة تعرف بها؛ فإن كانت الغلبة للميتة، أو كانا سواء؛ فإنه لا يتحرى إلا في حال المخمصة، وإن كانت الغلبة للذكية يتحرى ويرمي الذي وقع أكثر رأيه أنه حرام، ويأكل البقية.
ولو أن مسافرًا معه ثوبان أحدهما فيه النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وفي الآخر مقدار الدرهم؛ صلى في الذي نجاسته قدر الدرهم، ولا تجوز صلاته في الذي نجاسته أكثر من الدرهم. ولو كان في أحدهما قدر درهمين وفي الآخر قدر ثلاثة دراهم؛ جاز له أن يصلي في أيهما شاء، والأفضل أن يصلي في الثوب الذي نجاسته أقل. ولو كانت نجاسة أحدهما مقدار الربع ونجاسة الآخر أقل من الربع، والنجاسة مخففة صلى في الذي نجاسته أقل من الربع، ولو صلى في الآخر لا يجوز. ولو كانت نجاسة أحدهما قدر ثلاثة أرباعه، ونجاسة الآخر أكثر من ثلاثة أرباعه؛ فإنه يصلي في الأقل منهما، ولو صلى في الأكثر لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 55
ولو صلى وفي كمه بيضة مذرة قد استحالت دمًا؛ فصلاته جائزة لأنه في معدنه ومظانه، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كانت مضغة لم تجز صلاته.
ولو صلى وفي كمه قارورة فيها دم، وهي مضمومة الرأس لم يجز، وروي عن محمد أنه قال: إن كان رأسها أقل من قدر الدرهم جازت صلاته وإن كان أكثر من ذلك لم تجز.
ولو صلى في ثوب وفي طرفه نجاسة، وهو على الأرض؛ فإنه روي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت لا تتحرك النجاسة؛ جازت صلاته، وإلا فلا.
ولو صلى الرجل في سراويل ليس عليه غيرها، وقد بدا مقدار الربع ما بين سرته وبين عانته؛ فإن صلاته فاسدة.
ولو نظر في صلاته في فرج نفسه؛ لم تفسد صلاته. وذكر محمد: أن من صلى في قميص واحد محلول الجيب فنظر إلى عورته فسدت صلاته.
وقال أبويوسف: إذا صلى في إزار واحدٍ، وكلما ركع وسجد بدت عورته؛ فصلاته تامة.
ولو اطلع في ثوبه نجاسة؛ أجمعوا أنه لا يعيد شيئًا. وقال المعلى من ذات نفسه: إن كانت النجاسة رطبة يعيد صلاة يومٍ وليلة، وإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها. وقال بعضهم: إن كانت النجاسة قُدَّام الثوب يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كانت من دبره يعيد صلاة ثلاثة أيامٍ بلياليها. وفرَّق بعضهم بين الصيف والشتاء، قال: إن كان في الصيف والنجاسة يابسة يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كان في الشتاء؛ أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها.
الجزء 1 · صفحة 56
وروى هشام عن محمد فيمن رأى في ثوبه أثر المني، قال: يعيد الصلاة من أقرب النوم إليه.
ولو أن امرأة صلت وربع ساقها مكشوف أو ثلثه تعيد الصلاة، وإن كان أقل من الربع لم تعد. وقال أبويوسف: إن كان المكشوف أكثر من النصف أعادت، وإلا فلا، وإن كان النصف مكشوفًا ففيه روايتان. والشعر والبطن والفخذ على هذا الاختلاف. وأراد بالشعر: ما كان على الرأس. وفي كون المسترسل عورة روايتان. وأما العورة الغليظة فعلى هذا الاختلاف. مذكور في «الزيادات».
والذكر يعتبر بانفراده عضوًا. وكذا الأنثيان. وقد قيل إن الذكر مع الأنثيين عضو واحد فيعتبر ربع الجميع في حق الانكشاف. والأول أصح. وعلى هذا كل عضو هو عورة. والله أعلم.
باب صفة الصلاة
قوله: وإن قال بدلاً من التكبير: الله أجل، أو أعظم، أو الرحمن أكبر؛ أجزأه.
يريد به: إذا قرن اسم الله بهذه الكلمات، وهذا في ظاهر الرواية. فإن قال ابتداءً أجل، أو أعظم، ولم يزد على ذلك لا يصير شارعًا في الصلاة بالإجماع.
وإن قال: الرحمن الرحيم ولم يزد عليه جاز عند أبي حنيفة ومحمد
-رحمهما الله- في رواية الحسن بن زياد. وكذلك لو اقتصر على قوله: الله؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 57
ذكر. في «العيون»: أن الإمام إذا مدَّ التكبير وأحرم رجل خلفه و فرغ قبله أن في قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: يجوز؛ لأنه لو قال (الله) ولم يزد على هذا جاز، فكذلك إذا كان قوله (أكبر) قبل فراغ الإمام يجوز إذا لم يكن أول كلامه قبل الإمام، وقال أبويوسف: لا يجوز؛ لأنه لا يجيز التكبير إلا بعد قوله أكبر. ثم عند أبي يوسف لا يصح الشروع في الصلاة إلا بقوله الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله الكبير معرَّفًا أو منكرًا. ولا يجوز الدخول في الصلاة بغير هذه الألفاظ الثلاثة، إلا أن يكون لا يحسن التكبير، وعندهما يجوز بجميع ما ذكرنا. وكذلك بقوله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، سواء كان يحسن التكبير أو لم يحسن.
ولو قال: (اللهم اغفر لي)، أو قال: (استغفر الله)؛ لا يصير شارعًا في الصلاة بالإجماع.
وإن قال: (اللهم) ولم يزد على ذلك؛ قال بعضهم: يصير شارعًا. في الصلاة بالإجماع، وقال بعضهم: لا يصير وهذا أظهر.
ولو كبَّر بالفارسية، أو قرأ القرآن بالفارسية، أو خطب يوم الجمعة بالفارسية، أو تشهد بالفارسية، أو بأي لسان كان. قال أبوحنيفة: يجوز سواء كان يحسن العربية أو لم يحسن، وقالا: لا يجوز إلا إذا كان لا يحسن العربية. وذكر أبوبكر الرازي أنه رجع إلى قولهما في القراءة. وعليه الاعتماد.
ولو أذن بالفارسية قيل: إنه على الاختلاف، وقال بعضهم: لا يجوز بالاتفاق، إلا إذا كان في موضع اعتادوا الأذان بالفارسية.
الجزء 1 · صفحة 58
وأجمعوا أنه إذا أمَّن بالفارسية، أو لبَّى عند الإحرام بالفارسية، أو ذبح وسمى بالفارسية، أو بأي لسان كان جاز، سواء كان يحسن العربية أو لا.
فإذا فرغ من التكبير يضع يمينه على شماله، ولم يذكر في ظاهر الرواية موضع الوضع، وقال بعضهم يضع كفه الأيمن على ظاهر كفه الأيسر، وقال بعضهم: يضع كفه على ذراعه الأيسر، والأصح أن يضعه على المفصل، ثم قال أبويوسف: يقبض بيده اليمنى رسغه الأيسر، وقال محمد: يضعه وضعًا. وقال الفقيه أبوجعفر -رحمه الله-: قول أبي يوسف أحب إليَّ؛ لأن في ذلك وضعًا وزيادة.
قوله: ولا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن»، فثلاثة منها في الصلاة؛ أحدها: عند الافتتاح، والثانية: عند القنوت في الوتر في الركعة الثالثة قبل الركوع، والثالثة: عند تكبيرات العيدين، يرفع يديه حذاء أذنيه كما رفعهما عند الافتتاح، وروي عن أبي يوسف أنه قال: لا يرفع يديه في تكبيرات العيدين إلا عند الافتتاح. وأربعة منها في الحج: أحدها: عند استلام الحجر عند عجزه عن الاستلام؛ لازدحام الناس، فيجعل وجهه نحو الحجر الأسود، ويرفع يديه حذاء منكبيه، ويجعل باطنهما نحو الحجر، وظاهرهما نحو وجهه، وهلل وكبر وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -. والثانية: على الصفا والمروة، يرفع يديه، ويجعل باطن كفيه نحو السماء، كما يفعل في الدعاء، ويستقبل القبلة، ويفعل كما فعل عند الحجر. والثالثة: بعرفة والجمع؛ أما بعرفة فبعدما صلى الظهر والعصر مع الإمام ووقف بعرفة، يرفع يديه ويجعل باطن كفيه نحو الكعبة في ظاهر الرواية. وروي
الجزء 1 · صفحة 59
عن أبي يوسف أنه يجعل باطنهما نحو السماء، ودعا إلى غروب الشمس، وأما بالجمع وهو المزدلفة بعدما صلى الفجر بغلسٍ في أول يوم النحر ووقف فإنه يرفع يديه ويجعل باطن كفيه نحو السماء. والرابعة: عند الجمرتين؛ الجمرة الأولى، و الجمرة الوسطى، دون جمرة العقبة، ... .. ورفع يديه حذاء منكبيه، وجعل باطنهما نحو الكعبة في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه يجعل باطنهما نحو السماء.
ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره.
فإن كان مقتديًا لا يزيد على ذلك، وإن كان إمامًا أو منفردًا يسمى ويتعوذ مع ذلك.
وهل يأتي بالتسمية بعد ذلك؟. لم يذكر في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي -رحمه الله- أنه لا يأتي بها، وذكر في غير رواية الأصول عن أصحابنا الثلاثة -رحمهم الله- أنهم قالوا يأتي بالتسمية في الركعة الثانية والثالثة والرابعة، حتى قال محمد: أحب إليَّ أن يأتي بها في أول كل سورة.
والمسبوق خلف الإمام إذا قام إلى قضاء ما سُبق به؛ لم يكن عليه أن يقرأ بسم الله، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله- وعن محمد أنه قال: يتعوذ ويأتي بالتسمية، وقال أبو الحسن الكرخي -رحمه الله-: وبه نأخذ.
ثم البسملة عندنا ليست بآية في كل سورة، وإنما هي آية من القرآن في سورة النمل.
فإذا انحط إلى السجود فكل عضو هو أقرب إلى الأرض يقدمه في الوضع، فإذا أراد أن يرفع، فكل عضو هو أقرب إلى السماء يقدمه في الرفع. فلما رفع رأسه سجد مرة أخرى، فإنه روي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان إلى القعود
الجزء 1 · صفحة 60
أقرب جاز سجوده، وإن كان إلى الأرض أقرب لا يجوز. وقال محمد بن سلمة: إذا رفع رأسه مقدار ما لا يشكل على الناظر أنه رفع رأسه جاز. والمفروض في السجود أصل الوضع، وفي الركوع أصل الانحناء. وفرض السجود يتأدَّى بوضع الجبهة والقدمين. والسجود على الركبتين واليدين ليس بواجب عندنا، خلافًا لزفر والشافعي. وذكر أبوالليث في «نوازله» أنه إذا لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجودقد روي عن أبي يوسف أنه جاز. وذكر بعضهم بأنه لا يجوز. وقال الفقيه أبوالليث وبه نأخذ، ولا نأخذ بما روي عن أبي يوسف.
قوله: ودعا بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس.
فالذي يشبه ألفاظ القرآن أن يدعو بما يستحيل سؤاله من العباد، كالمغفرة وما أشبه ذلك، مثل أن يقول: «اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل». وما يشبه كلام الناس أن يدعو بما لا يستحيل سؤاله من الناس كقوله: «اللهم زوجني فلانة، وما أشبه ذلك، فإن وجد مثل هذا الدعاء في أثناء الصلاة؛ بطلت صلاته، وإن وجد بعد ما قعد قدر التشهد؛ فقد تمت صلاته.
قوله: وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن.
يريد به: ما دون الآية، مثل قوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد} [الإخلاص:3] قال القدوري: وهو الصحيح. وذكر في «الأصل» عنه آية تامة. أما عندهما لا يجوز حتى يقرأ ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وهو قول أبي حنيفة الأول.
الجزء 1 · صفحة 61
ثم الآية القصيرة جدًّا مثل قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَان} [الرحمن:64] ومثل قوله تعالى: {ثُمَّ نَظَر} [المدثر:21] فإذا قرأ مثل هذا في ركعة، ولم يزد عليه جازت صلاته عند أبي حنيفة، وقد أساء والآية الطويلة مثل: آية الكرسي، وآية الدين.
قوله: ويقنت في الركعة الثالثة قبل الركوع في جميع السنة.
احترازًا عن مذهب الشافعي، فإنه لا يرى القنوت في الوتر إلا بعد نصف رمضان.
فإذا قنت الإمام في الوتر في رمضان فإن القوم يتابعونه إلى قوله: «بالكفار ملحق». وروي هذا بروايتين: (مُلْحِق، ومُلْحَق) بالكسر والفتح، والكسر أصح.
ويجهر في القنوت دون جهره بالقراءة في الصلاة. وإذا شرع الإمام في الدعاء، قال أبويوسف: يتابعونه ويقرأون معه. وقال محمد: لا يتابعونه، ويؤمِّنون. وقال بعضهم: إن شاء القوم سكتوا. وإن كان لا يحسن الدعاء في الوتر، يتعلم: اللهم اغفر لنا، ويقول ذلك ثلاث مرات أو أكثر ثم يركع.
قوله: فإن قامت امرأة إلى جنب رجل وهما مشتركان في صلاة واحدة، أفسدت صلاته.
يريد به: إذا نوى الإمام إمامتها، وهي قد اقتدت به من أول صلاته. وكذلك الذي حاذته، أما إذا لم ينو الإمام إمامتها؛ لا يصح اقتداؤها. ولو نوى إمامتها إلا أنهما لم يقتديا به في أول صلاته؛ فصلاتهما جائزة؛ لأن الاقتداء صح؛ لوجود النية، ولا تفسد صلاتهما؛ لأن الشركة لم توجد من كل وجه، حيث انفردا في بعض الصلاة. فإن وجدت الشركة من أول الصلاة، فإنه ينظر؛ إن كانت بجنب الإمام، أفسدت صلاته وفسدت صلاة القوم أيضًا بفساد صلاة الإمام.
الجزء 1 · صفحة 62
ولو قامت خلف الإمام في وسط الصف، فإنه تفسد صلاة ثلاثة نفر: واحد عن يمينها، وواحد عن يسارها، وواحد خلفها.
ولو كانت امرأتان؛ قال محمد: تفسدان صلاة أربعة نفر: واحد عن يمينهما، وواحد عن يسارهما، واثنان خلفهما.
وإن كن ثلاثًا، يفسدن صلاة خمسة رجال واحد عن أيمانهن وواحد عن يسارهن، وثلاثه ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف. وعليه الفتوى.
وقال أبو يوسف في المرأتين: تفسدان صلاة أربعة نفر، وفي الثلاثة صلاة خمسة. وفي رواية في المرأتين تفسدان صلاة اثنين اثنين من خلفهما إلى آخر الصفوف. وفي الثلاث ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف.
ولو دخلت امرأة في صلاة الإمام ووقفت خلفه، ولم ينو الإمام إمامة النساء؛ فإن كان بجنبها رجل لا يصح اقتداؤها، وإن لم يكن بجنبها رجل صح وقد وقفت في مكانها، فإن دامت على ذلك حتى فرغ الإمام من الصلاة؛ فصلاتها جائزة. وإن أوجبت فساد صلاة أحد بأن تقدمت إلى صف الرجال حتى حاذتهم؛ بطل اقتداؤها.
ولا يصح اقتداء من هو خارج المسجد بإمام في المسجد إن لم تكن الصفوف متصلة، والمسجد ملآن لا يسعهم. هكذا ذكره في «المحيط». وذكر في «الفتاوى» أن المانع من الاقتداء ثلاثة أشياء: طريق عام، ونهر عظيم، وهو الذي لا يمكن العبور منه بدون علاج، و قنطرة ونحوها، أو تجري فيه سفينة، وما دون ذلك لا يمنع الاقتداء.
الجزء 1 · صفحة 63
ولو كان بين الصفين حائط؛ يمنع من الاقتداء إن كان الحائط طويلًا عريضًا ليس له نقب يسع فيه رجلاً واحدًا أو باب مفتوح. وإن كان له باب مردود غير مغلق؛ يجوز عند أبي بكر الإسكاف. وقال أبوسعيد: لم يجز، وإن كان مغلقًا يمنع من الاقتداء. وقال أبونصر في حدِّ الطريق الذي يمنع الاقتداء: أقله أن تمر فيه العجلة والأوقار، يعني إذا كان أقل من ذلك جاز. وكذا قال أبوالقاسم: أنه لو اصطف القوم على طول الطريق، ولم يكن بينهم وبين الإمام مقدار ما يمر فيه الجمل؛ فصلاتهم تامة، وكذلك فيما بين الصف الأول والثاني. وقال أيضًا: إذا صلوا في فلاة، وكان بينهم وبين الإمام مقدار ما لا يمكن أن يصف فيه قوم، جازت صلاتهم، قيل له: وإن كان في المصلى. قال: هو كالمسجد؛ لأن ذلك إنما جُعل للصلاة؛ يعني: إن كانت الصفوف غير متصلة؛ جازت صلاته، وبه أخذ أبو جعفر.
وقال ابن سلمة في سفينتين غير مقرونتين إذا كانتا بحال يقدر أن يثب من إحداهما إلى الأخرى من غير عنف، فهما بمنزلة المقرونتين، يجوز اقتداء من في إحداهما بمن في الأخرى.
وإن كان صف الرجال على الحائط، وصف النساء أمامه؛ إن كان الحائط مقدار قامة الرجل؛ جازت صلاتهم، وإن كان أقل من ذلك لم تجز.
ولو كان صف تام من النساء وليس بين الصفين حائل؛ فإنهن يُفسدن صلاة من خلفهن، وإن كانوا عشرين صفًا.
والصف التام من النساء إذا كان بينهن وبين صف الرجال فاصل، لا تفسد صلاة واحد من الرجال، وذلك مقدار مؤخرة الرحل، أو مقدار خشبة منصوبة،
الجزء 1 · صفحة 64
أو حائطٌ مقدار ذراع. ولو كان أقل من ذراع فسدت صلاة رجل واحد، ثم ذلك الرجل يكون حائلاً.
ولو كان صف النساء على الحائط وصف الرجال خلفهن، إن كان الحائط مقدار قامة الرجل؛ جاز اقتداؤهم بالإمام، وإن كان أقل من ذلك، لم يجز.
ثم الإمام يحاذيه من هو أفضل وأبصر من الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناث، ثم الإناث، ثم المراهقات. وعلى هذا وضع جنائزهم. ويوضع الرجال في القبر مما يلي القبلة، ثم سائرهم، ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب.
ولو نوى المقتدي صلاة الإمام ولا يدري أنها ظهر أو عصر، فوافق صلاته، أجزأه عن نية الصلاة ونية المتابعة.
ومعرفة القبلة عند الشروع في الصلاة، لم يذكر في ظاهر الرواية. قال بعضهم: معرفة القبلة فرض. وقال بعضهم: إن أتى بها فحسن، وإن تركها لا يضر.
ولو كان المأموم أطول من الإمام وهو في جنبه جازت صلاته.
وقال بعضهم لا تجوز، والأول أصح؛ لما روي عن ابن مسعود
- رضي الله عنه - أنه صلى بعلقمة. والأسود، فقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وكان ابن مسعود رجلاً قصيرًا؛ فعلم أن سجودهما كان أمامه.
قوله: ولا بأس بأن تخرج العجوز ... إلى آخر ما ذكره في الأصل.
فالمذكور إنما هو قول أبي حنيفة، أما عندهما لا بأس بأن تخرج في جميع الصلوات.
الجزء 1 · صفحة 65
قوله: ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين.
فالمذكور إنما هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز. وعلى هذا الخلاف صلاة القائم خلف القاعد.
قوله: ولا يَتَخَصَّر.
يريد به: أنه لا يضع يده على خاصرته.
قوله: ولا يسدل ثوبه.
فالسدل أن يلقي ثوبه على رأسه أو على كتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه.
قوله: ولا يَعْقِصُ شعره.
فالعقص أن يجمع شعره في وسط رأسه ويشده.
قوله: ولا يَكُفُّ ثوبه.
يريد به: رفعه من بين يديه أو من خلفه عند الانحطاط للسجود.
قوله: ولا يُقْعِي.
فالإقعاء أن ينصب رجليه ويقعد على عقبيه، وقيل الإقعاء أن يعتمد بيديه على الأرض ويجمع ركبتيه إلى صدره. وإن ردَّ السلام بلسانه فسدت صلاته.
قوله: أو عمل عملاً ينافي الصلاة.
اختلف أصحابنا -رحمهم الله- في تحديد ذلك؛ قال بعضهم: الزائد على ثلاث مرات كثير. وقال بعضهم: الثلاث كثير، حتى لو رمى بأصبعيه حجرًا ثلاث مرات فسدت صلاته.
الجزء 1 · صفحة 66
وروي عن أبي يوسف أنه قال: لو أسرج الدابة فسدت صلاته، ولو أخذ السرج منها لم تفسد. قال الفقيه أبوالليث -رحمه الله-: وبهذا نأخذ.
وسئل أبوسليمان عن العمل في الصلاة مثل حلِّ الإزار، أو شدِّه، أو حلِّ السراويل أو شدِّها، أو حلِّ المنطقة أو شدِّها. قال: لا تفسد صلاته في هذه كلها وقد أساء، سمعت أبا يوسف يقول ذلك.
وقال بعضهم: لو عمل عملاً بحيث لو رآه إنسان لعلم أنه ليس في الصلاة فسدت صلاته، وإن شك لا تفسد؛ لأنه قليل، وهذا أصح.
ولو مشى في صلاته فقد ذكر في «الفتاوى» عن محمد بن سلمة أنه قال: إذا مشى مقدار صف واحدٍ لا تفسد صلاته، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت. وقال بعضهم: إن مشى خطوة فوقف ثم مشى خطوة، لا تفسد صلاته، وإن مشى خطوتين مرة واحدة فسدت صلاته.
وكذلك المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق به فتقدم لئلا يمر الناس بين يديه، فإن مشى قدر صف واحد لا تفسد صلاته، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت، وهو اختيار الفقيه أبي الليث -رحمه الله-. وسواء كان ذلك في المسجد أو في الصحراء.
ولو مشى مقدار صف فوقف، ثم مشى مقدار صف آخر فوقف لا تفسد صلاته. وقدَّر مشايخنا في ذلك موضع سجوده، وقدَّره بعضهم مقدار الصفين، فإن زاد على ذلك فسدت صلاته. وقال أبونصر: هذا كما روي عن سلفنا فيمن ينوي السفر يومًا ويقيم هناك ثم يخرج يومًا أو يومين، فهو في حكم المقيم ما لم
الجزء 1 · صفحة 67
يتصل بذلك نية مسيرة سفر، فكذلك هاهنا ما لم يتصل مشيه حتى يكثر، لا تفسد صلاته. وإن كان يفهم بذلك اتصال الخطوة الأولى بالثانية فسدت صلاته.
قوله: أو كان أميًّا فتعلم سورة.
يريد به: إذا كان يصلي وحده. أما لو كان خلف الإمام، قال بعضهم: إنه على هذا الخلاف. وقال بعضهم: إن صلاته جائزة بالاتفاق. قال الفقيه أبوالليث: وبه نأخذ.
ولو صلى الأمي ركعتين من ذوات الأربع بغير قراءة، ثم تعلَّم سورة فقرأها في الأخرتين، جاز عند أبي يوسف -رحمه الله-. وقال أبوحنيفة، ومحمد -رحمهما الله-: لا يجوز.
قوله: أو تَذَكَّر أنَّ عليه صلاة قبل هذه.
يريد به: أن يتذكر صلاة فائتة، وهي في الترتيب، وفي الوقت سعة.
قوله: أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميًّا.
قال بعضهم: لا خلاف في هذه المسألة، صلاته جائزة بالإجماع. أما عندهما فظاهر، وأما عند أبي حنيفة؛ فلوجود الخروج بصُنعه، وهو الاستخلاف.
قوله: أو خلع خُفَّيه بعمل رفيق.
أي يسير، فإن خلعهما بعمل كثير جازت صلاته بالإجماع.
قوله: أو دخل وقت العصر في الجمعة.
فهذه المسألة لا تتصور إلا على رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله كما هو قولهما.
الجزء 1 · صفحة 68
ولقب الفقهاء هذه المسائل بالإثني عشرية، وهي هاهنا إحدى عشرة مسألة. والثانية عشرة: صاحب العذر إذا خرج وقت صلاته.
قوله: ولو سبق الرجل الحدث في آخر الصلاة توضأ وبنى.
فإن فعل بعد انصرافه للوضوء فعلاً؛ لاتفسد صلاته، ويفسد ما بقي من صلاته، ولا إعادة عليه. ذكره في «شرح الكرخي».
وقال محمد فيمن يسبقه الحدث: إذا احتاج إلى الاستنجاء، فإن استنجى من تحت ثيابه أجزأه البناء، وإن انكشف عن ثيابه لم يجزه البناء. ثم الذي سبقه الحدث وانصرف وتوضأ، إن شاء أتم صلاته في ذلك المكان، وإن شاء رجع إلى مصلاه فيبني على صلاته إلا أن يكون مقتديًا وإمامه في الصلاة. وإن كان إمامه فرغ من صلاته جاز بناؤه في مكانه.
ولو أحدث الإمام فانصرف ليتوضأ واقتدى به رجل قبل أن يخرج من المسجد، صح اقتداؤه رواه ابن سماعة عن أبي يوسف، وقال بشر المريسي، لا يصح اقتداؤه.
ولو سلَّم الإمام ولم يسلم القوم حتى ضحكوا فسدت صلاتهم ووضوؤهم.
ولو قعد قدر التشهد فسلم قبل الإمام ثم قهقه؛ فلا وضوء عليه، وصلاته تامة.
الجزء 1 · صفحة 69
باب قضاء الفوائت
قوله: ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها وقدَّمها لزومًا على صلاة الوقت.
الأصل في هذا الباب أن الترتيب في الفوائت شرط عندنا، حتى لا يجوز أن يُقدم بعضها على بعض. ثم الترتيب يسقط بالنسيان، أو بما هو في معنى النسيان، كمن صلى الظهر على ظن أنه على طهارة، ثم صلى العصر على طهارة، وهو ذاكر للظهر، ثم علم أنه صلى الظهر على غير طهارة.
ويسقط أيضًا بضيق الوقت وكثرة الفوائت. ثم حدُّ الكثرة أن تزيد على ست صلوات، فتجوز السابعة، وروي عن محمد أن السادسة جائزة أيضًا. وكذا روى أبو عبدالله الثلجي عن أصحابنا -رضوان الله عليهم أجمعين-. وهذا إذا كانت الفوائت حديثة، أما إذا كانت قديمة بأن كان على الرجل صلوات فائتة، وتركها واشتغل بالأداء في مواقيتها، ثم ترك صلاة أخرى واشتغل بما عداها من الأداء، وهو ذاكر هذه الفائتة اختلف المتأخرون فيه، قال بعضهم: يجوز وتلحق هذه الفائتة بما قبلها من الفوائت، وقال بعضهم: لا يجوز وتجعل القديمة كأن لم تفت، وهو الصحيح؛ لأن الإنسان لا يخلو عن صلوات فائتة في جميع عمره.
وإن صلى الفجر وهو ذاكر للوتر وفي الوقت سعة لا يُجزئه الفجر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وقالا: يجزئه.
ثم عند أبي حنيفة في الوتر ثلاث روايات: في رواية هو سنة، وهو قولهما، وفي رواية هو فريضة، وفي رواية هو واجب، وهو الصحيح، ويُقضى إذا فات بالإجماع، وإن كثرت.
الجزء 1 · صفحة 70
وروى ابن سماعة عن محمد -رحمه الله- في رجل ترك صلاة يوم وليلة، وصلى من الغد مع كل صلاة صلاة، فالفوائت كلها جائزة سواء قدَّمها أو أخرها. أما الوقتية إن قدمها فهي فاسدة كلها، وإن أخرها فكذلك، إلا العشاء، فإنها جائزة، هذا إذا لم يكن عالمًا بالترتيب، وأما إذا كان عالمًا بالترتيب لم يجزه العشاء أيضًا.
ولو فاتته صلاة من يوم وليلة ولا يدري أي صلاة هي.
قال سفيان: عليه أن يصلي الفجر والمغرب، ثم يصلي أربع ركعات، فإن كانت الفائتة ظهرًا أو عصرًا أو عشاء أجزأه.
وقال بشر بن غياث: يصلي أربع ركعات ويقعد في الركعتين وفي الثالثة وفي الرابعة. وبه قال محمد بن مقاتل. وذكر في «النوادر»: قال أبوحنيفة وأبويوسف ومحمد -رضوان الله عليهم أجمعين-: يعيد صلاة يوم وليلة احتياطًا. قال الفقيه: وبه نأخذ.
ولو فاتته صلاتان من يومين: الظهر من يوم والعصر من يوم آخر، ولا يدري أيتهما الأولى؛ فإنه يصلي إحداهما ثم الأخرى بعدها، ثم يعيد ما صلى أولاً عند أبي حنيفة وقالا: يجزئه وصلى ما وقع عليه تحريه، ثم يصلي الأخرى، ولا يعيد شيئًا.
وإن فاتته ثلاث صلوات من ثلاثة أيام: الظهر من يوم، والعصر من يوم، والمغرب من يوم؛ قال أبوجعفر -رحمه الله-: يبدأ أولاً بأيّتهن شاء؛ لأنه زاد على ست صلوات، بخلاف الأولى. قال الفقيه: وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 71
ومن فاتته صلاة واحدة ومضت على ذلك أيام، سقط عنه الترتيب. هكذا ذكره أبويوسف في «الأمالي»، فإن فاتته صلاة الفجر فصلى بعدها صلوات كثيرة، وهو ذاكر للفائتة؛ فعليه أن يقضي الفائتة عند أبي حنيفة، وقالا: يقضيها ويقضي خمسًا بعدها. والله تعالى أعلم.
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة
قوله: الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة.
ثلاثة منها يكره فيها التطوع، والفرض، والواجب، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة وسجدتا السهو، وذلك عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند تغيير الشمس في كتاب الصلاة، واحمرارها في كتاب النوادر، واصفرارها عند الطحاوي، وعند زوالها. فإنه لا يصلي في هذه الأوقات الثلاثة شيئًا من الصلوات إلا عصر يومه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها».
ولو صلى في هذه الأوقات الثلاثة واجبًا كان عليه، أو فرضًا، أو منذورًا؛ فإنه يعيدها إلا عصر يومه، وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة التي تلاها في هذه الأوقات، والأولى أن لا يسجد لها حتى يدخل الوقت المستحب، فإن تلاها في وقت مستحب فسجدها في هذه الأوقات، لم تجز.
ولو صلى التطوع في هذه الأوقات الثلاثة يجوز ويكره، والأولى أن يقطعها ويقضيها في وقت مباح.
ولو أوجب على نفسه صلاة في هذه الأوقات، فالأفضل أن يؤخرها إلى وقت مباح، ولو صلى في هذه الأوقات أجزأه، ويسقط عنه.
الجزء 1 · صفحة 72
وعلى هذا لو أوجب على نفسه الصوم في الأيام المنهية، والأيام المنهية خمسة: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، فلو لم يوجبه على نفسه وصام في هذه الأيام، ثم أفطر، لا يلزمه القضاء عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.
وأجمعوا أنه لو شرع في صلاة التطوع في الأوقات المكروهة، ثم أفسدها؛ يلزمه القضاء.
وأما الوقتان الآخران فبعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس، وبعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، فإنه يكره في هذين الوقتين صلاة التطوع، غير ركعتي الفجر قبل صلاة الفجر، ولا يصلي فيها منذورًا، ولا ركعتي الطواف، ولا بأس بأن يصلي على الجنازة، ويصلي الفوائت، وسجدة التلاوة، وسجدتي السهو، وغير ذلك؛ فإنه يجوز من غير كراهة.
ولو تذكَّر بعد احمرار الشمس أنه لم يصل الظهر؛ فإنه يصلي العصر، ولو صلى الظهر لا يجوز. ولو افتتح العصر وهو ذاكر أنه لم يصل الظهر؛ إن كان في الوقت سعة لا يجوز العصر، وعليه أن يصلي الظهر ثم العصر، وإن لم يكن في الوقت سعة ويخاف خروج الوقت لو اشتغل به، فإنه يمضي عليه ثم يصلي الظهر بعد الغروب.
وإن كان بحال لو اشتغل بالظهر دخل عليه الوقت المكروه لم يذكر في ظاهر الرواية، قال بعضهم: تفسد العصر وعليه أن يصلي الظهر ثم العصر، وقال بعضهم: تجوز صلاة العصر وعليه أن يصلي الظهر بعد غروب الشمس. قال الفقيه أبوجعفر: هذا عندي على الاختلاف الذي قالوا في صلاة الجمعة، وهو أن الرجل إذا تذكر في صلاة الجمعة أنه لم يصل الفجر؛ إن كان بحال لو اشتغل
الجزء 1 · صفحة 73
بالفجر يفوته الوقت والجمعة جميعًا؛ فإنه يمضي على الجمعة ثم يصلي الفجر بعدها، وإن لم يخف فوتهما جميعًا يقضي الفجر ثم يدخل مع الإمام، وإن كان يخاف فوت الجمعة ولا يخاف فوت الوقت؛ فإن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يصلي الفجر ثم الظهر في وقتها، وقال محمد: يصلي الجمعة ثم يقضي الفجر بعدها، فأبوحنيفة وأبويوسف لم يجعلا فوت الجمعة عذرًا لترك الترتيب، ومحمد جعله عذرًا. كذلك ها هنا على قولهما يجب أن يفسد العصر وعليه أن يصلي الظهر ثم العصر في الوقت المكروه، وعلى قول محمد يمضي على صلاته.
ولو افتتح العصر في أول الوقت وهو ذاكر أن عليه الظهر، وأطال القيام والقراءة حتى دخل عليه الوقت المكروه، لا تجوز صلاته.
ولو افتتح العصر في أول الوقت وهو لا يعلم أن عليه الظهر، وأطال القيام والقراءة حتى دخل الوقت المكروه، ثم تذكر أن عليه الظهر، له أن يمضي على صلاته. وإن صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس، فتذكر فائتة، لم تفسد العصر.
باب النوافل
قوله: والقراءة في الفرض واجبة في الركعتين الأوليين.
اختلف العلماء في القراءة في الصلاة على خمسة أقوال:
قال أبوبكر الأصم، وهو -إمام بغداد-: إن القراءة في الصلاة ليست بفرض في الركعات كلها.
وقال الشافعي: القراءة فرض في الركعات كلها.
الجزء 1 · صفحة 74
وقال زفر والحسن البصري: القراءة فرض في الركعة الواحدة.
وقال مالك: القراءة فرض في ثلاث ركعات.
وقال علماؤنا: القراءة فرض في ركعتين من غير تعيين، وله أن يقرأ في أي الاثنتين شاء، والأفضل أن يقرأ في الأوليين.
والقراءة واجبة في الأوليين من ذوات الأربع والثلاث وفيما زاد على ذلك فهو مخيَّر إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وإن سبح في الأخريين بثلاث تسبيحات في كل ركعة ولم يقرأ القرآن؛ أجزأه. رواه الحسن عن أبي حنيفة، وقد ذكرنا فيما تقدم مقدار ما يتعلق به الجواز مع الكراهية، أما مقدار ما يخرجه عن حد الكراهية بأن يقرأ الفاتحة وسورة معها، أو ثلاث آيات، فإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها، أو قرأ معها آية أو آيتين قصيرتين؛ فهو مكروه.
والمستحب أن يقرأ في الفجر أربعين أو خمسين أو ستين آية، هكذا ذكره في «الجامع الصغير»، وذكر في «كتاب الصلاة» أنه يقرأ فيها أربعين آية مع فاتحة الكتاب. ومعناه سوى الفاتحة.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه يقرأ ما بين الستين إلى المائة سوى فاتحة الكتاب. ... ووفَّق بعضهم بين الروايات فقال: المساجد ثلاثة؛ مسجد ليس على مارة الطريق وفيه زهَّاد وعبَّاد؛ فيقرأ فيها على رواية الحسن، ومسجد على مارة الطريق كمساجد الرباطات والطرق الجادة؛ فيقرأ فيها أربعين آية، ومسجد ليس فيه زهاد وعباد وليس على طريق الجادة؛ فيقرأ فيها ستين آية.
الجزء 1 · صفحة 75
ويقرأ في الظهر مثل ما قرأ في الفجر أو دونه. وفي العصر والعشاء يقرأ في الركعتين مقدار عشرين أو ثلاثين آية سوى الفاتحة. وفي المغرب يقرأ قصار المفصَّل، أو نحو خمس أو ست آيات.
وأجمعوا أن للإمام أن يطول القراءة في الفجر في الركعة الأولى، فيقرأ فيها مقدار ثلاثين آية، وفي الثانية قدر عشر أو عشرين آية. أما في سائر الصلوات يسوي القراءة فيهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحبُّ إليَّ أن يطول الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات كلها. هذا إذا كان في الوقت سعة، وإن كان الوقت ضيقًا فإنه يقرأ مقدار ما لا يفوته الوقت.
وإن كان الرجل مسافرًا يقرأ الفاتحة وما تيسر من السورة.
قوله: ومن دخل في صلاة النفل ثم أفسدها؛ قضاها.
يريد به: أنه يقضي ركعتين لا غير، سواء نوى ركعتين بالتحريمة أو أكثر، وهذا في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف فيه ثلاث روايات: في رواية يلزمه قضاء جميع ما نوى عند التحريمة وإن كان مائة ركعة، وفي رواية يلزمه قضاء ثماني ركعات، وفي رواية أربع ركعات.
قوله: وإن صلى أربع ركعات وقعد في الأوليين ثم أفسد الأخريين، قضى ركعتين.
يريد به: إذا قام إلى الثالثة ثم أفسدها. ولو كان قبل القيام إلى الثالثة لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يلزمه قضاء ركعتين على ما ذكرنا. والأصل في هذه المسألة أن الشفع الأول متى فسد بترك القراءة لا ترتفع التحريمة
الجزء 1 · صفحة 76
ولا يوجب فساد الشفع الثاني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: ترتفع التحريمة ويوجب فساد الشفع الثاني.
وأصل آخر أن الشفع الأول إذا فسد بترك القراءة، فالشفع الثاني لا يلزمه بمجرد القيام حتى يأتي بركعة كاملة بالقراءة.
وأجمعوا أن الشفع الأول إذا صح فالشفع الثاني يلزمه بمجرد القيام.
ويتفرع من هذين الأصلين ثمان مسائل:
الأولى: رجل صلى أربع ركعات تطوعًا، ولم يقرأ فيهن شيئًا؛ فعند أبي حنيفة ومحمد يجب عليه قضاء ركعتين. أما على قول محمد؛ فلأن التحريمة قد ارتفعت بفساد الشفع الأول بترك القراءة، فلا يكون شارعًا في الشفع الثاني. وأما على قول أبي حنيفة لم يفسد؛ لأنه لما فسد الشفع الأول بترك القراءة فالشفع الثاني لا يلزمه ما لم يأت بركعة كاملة بالقراءة، ولم يوجد.
وأما على قول أبي يوسف يجب عليه قضاء أربع ركعات؛ لأن الشفع الأول وإن فسد بترك القراءة فالشفع الثاني يلزمه بمجرد القيام.
والثانية: إذا قرأ في إحدى الأوليين لا غير؛ فعندهما يجب عليه قضاء ركعتين، وعند أبي يوسف يجب عليه قضاء أربع ركعات.
والثالثة: إذا قرأ في إحدى الأخريين فعندهما يقضي أربع ركعات، وعند محمد يقضي ركعتين.
والرابعة: إذا قرأ في الأوليين لا غير.
والخامسة: إذا قرأ في الأوليين وإحدى الأخريين.
الجزء 1 · صفحة 77
والسادسة: إذا قرأ في الأخريين لا غير.
والسابعة: إذا قرأ في الأخريين وإحدى الأوليين.
ففي هذه المسائل الأربع يجب عليه قضاء أربع ركعات بالإجماع، إلا أن في المسألتين الأوليين المقضي هما الأخريان، وفي المسألتين الأخريين هما الأوليان، ثم الأخريان تكونان صلاة عندهما، وعند محمد لا تكونان صلاة.
والثامنة: إذا قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين فعليه قضاء أربع ركعات عندهما، وعند محمد قضاء ركعتين.
قوله: ومن كان خارج المصر يتنفل على دابته إلى أي جهة شاء.
سواء افتتح الصلاة وهو متوجه إلى القبلة أو إلى غيرها.
وقال محمد: يفتتح الصلاة متوجهًا إلى القبلة ثم يحول رأس دابته إلى حيث شاء. وهذا غير سديد.
وهل ينزل في ركعتي الفجر؟ عند أبي حنيفة روايتان؛ في رواية لا ينزل كسائر النوافل، وفي رواية ينزل كما في الوتر.
باب سجود السهو
قوله: سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان.
فالزيادة مثل أن يركع ركوعين، أو يسجد ثلاث سجدات، أو يقرأ الفاتحة في الركعتين الأوليين مرتين متواليتين، فلو قرأ الفاتحة ثم السورة ثم الفاتحة، فليس ذلك بزيادة، ولا يجب عليه سجود السهو.
الجزء 1 · صفحة 78
ولو قرأ الفاتحة ونسي بعضها، ثم قرأ السورة، إن قرأ أكثر الفاتحة فلا سهو عليه، وإن كان أقلها فعليه السهو.
ولو زاد على قراءة التشهد في القعدة الأولى وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب عليه سجود السهو. ثم قال بعضهم: مقدار الزيادة إذا قال: الله أكبر يجب عليه سجود السهو. وقال بعضهم: لا يجب السهو ما لم يتم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولو قرأ التشهد مرتين في قعدة واحدة، فلا سهو عليه. ذكره في «النوادر» عن محمد، وكذلك لو قرأ الفاتحة مرتين في الركعتين الأخريين.
وإن قرأ فاتحة الكتاب وسورة معها في الأخريين لا يجب عليه سجود السهو.
والنقصان مثل أن يترك قيامًا أو ركوعًا أو سجودًا، ثم أتى بها.
قوله: بعد السلام يسجد سجدتين.
اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم منهم أبوالحسن الكرخي: يسجد بعد تسليمة واحدة، وقال بعضهم: يسجد بعد التسليمتين، وهو الأصح.
ولو سجد قبل السلام أجزأه.
قوله: أو ترك فعلاً مسنونًا.
يريد به ترك فعلاً واجبًا عرف وجوبه بالسنة؛ أعني بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي القعدة الأولى، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ونسي القعدة الأولى فقام إلى الثالثة فسبح به أبوبكر - رضي الله عنه -، فلم يقعد حتى أتم الصلاة، ثم سجد للسهو؛ ولهذا سمي فعلاً مسنونًا.
الجزء 1 · صفحة 79
ولو قعد قدر التشهد في القعدة الأخيرة، ولم يتشهد، فعن أبي يوسف روايتان: في رواية يجب عليه سجود السهو، وفي رواية لا يجب.
ولو ترك قراءة التشهد في القعدة الأولى، أو في القعدة الأخيرة ناسيًا فعليه سجدتا السهو.
ثم القعدة الأولى في المكتوبات واجبة، وقراءة التشهد فيها أيضًا واجبة عند البعض، وهو المختار. وقال بعضهم: قراءة التشهد فيها سنة. وهذا أقيس، وهو خلاف ظاهر الرواية.
والقعدة الأخيرة فرض، وقراءة التشهد فيها واجبة.
ولو أخر إحدى سجدتي الركعة الأولى إلى آخر صلاته، أو ترك القعدة الأولى، فإنه يجب عليه سجود السهو، سواء كان عامدًا أو ناسيًا. ذكره الناطفي مستشهدًا في «الأجناس».
فإن رفع إليتيه من الأرض قبل أن يقعد في التشهد وركبتاه على الأرض، لم يرفعهما بعد، فلا سهو عليه.
ولو قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده أو في تشهده؛ يجب عليه سجدتا السهو. ولو تشهد في قيامه أو في ركوعه أو في سجوده ... فلا سهو عليه، وروى هشام أن من صلى قاعدًا فتشهد في حال قيامه فلا سهو عليه، وإن قرأ الفاتحة في حال تشهده فعليه السهو. فإن نسي بعض قراءة التشهد فعليه السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 80
ولو ترك القنوت ساهيًا فتذكر بعدما رفع رأسه من الركوع، لا يعود ويسجد للسهو، وإن تذكر وهو في الركوع، فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية يعود ويقنت، وفي رواية لا يعود، ويسجد للسهو في. .الوجهين جميعًا.
ولو ترك السورة في الركعتين الأوليين ثم تذكر، فإنه يعود ويقرأ السورة ما لم يسجد، وعليه سجدتا السهو، وكذلك لو ترك الفاتحة دون السورة.
ولو صلى الوتر وقنت في الثالثة، وركع، ثم تذكر أنه ترك السورة؛ فإنه يرفع رأسه ويقرأ السورة ويعيد القنوت والركوع. ولا يعيد الفاتحة ويسجد للسهو، وإن قرأ الفاتحة وترك السورة، فإنه يرفع رأسه، ويقرأ السورة ويعيد القنوت والركوع، وكذلك إن قرأ السورة وترك الفاتحة، فإنه يرفع رأسه ويقرأ الفاتحة ويعيد السورة والقنوت والركوع.
قوله: أو جهر الإمام فيما يُخافت، أو خافت فيما يجهر.
روي عن محمد -رحمه الله-: أن الجهر والمخافتة التي يتعلق بهما سجود السهو مقدار ما تجوز به الصلاة، وروي عنه أنه إن جهر بأكثر الفاتحة يجب عليه سجود السهو، وإن جهر بغير الفاتحة فعليه السهو إذا قرأ آية طويلة. وذكر في «النوادر»: إن جهر فيما يخافت فيه، يجب عليه السهو، ولم يقدر لذلك تقديرًا. وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا جهر بحرف واحد سجد للسهو.
أما إذا خافت فيما يجهر فيه، فإن كان فاتحة الكتاب فقرأ أكثرها؛ يجب عليه سجود السهو، وإلا فلا، وإن كان من غير الفاتحة، إن قرأ ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة يجب عليه سجدتا السهو وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 81
وتأخير السلام، وهو ما إذا ظن أنه سلم وبقي قاعدًا ثم علم أنه لم يسلم، فإنه يسلم ويسجد للسهو، وكذلك إذا كبر وظن أنه لم يكبر فكبر ثانيًا، فإنه يجب عليه سجود السهو.
واختلف مشايخنا في حد الجهر والمخافتة؛ قال الكرخي -رحمه الله-: أدنى الجهر أن يُسمع نفسه، وأقصاه أن يسمع غيره، وأدنى المخافتة تحصيل الحروف. وقال أبوجعفر الهندواني والشيخ أبوبكر محمد بن الفضل البخاري -رحمهم الله-: أدنى الجهر أن يسمع غيره، وأدنى المخافتة أن يسمع نفسه إلا لمانع، وما دون ذلك مجمجة وليست بقراءة، وهو المختار. وقال بعض مشايخنا: إن كان الرجل بحال لو وضع الصماخ على فمه. سمع منه القراءة، جازت صلاته وإلا فلا.
وإن كان الرجل منفردًا لا يجب عليه سجود السهو، سواء جهر في موضع المخافتة أو خافت في موضع الجهر.
قوله: وتحولت صلاته نفلاً ... إلى آخر ما ذكره في الأصل.
فالمذكور إنما هو قولهما، أما على قول محمد: إذا بطلت فرضية الصلاة لا تتحول نفلاً.
قوله: ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا ... إلى آخر ما ذكره في الأصل.
إن كان له ظن في هذه المسألة بنى على غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين؛ أعني الأقل، كما إذا وقع الشك بين ركعة وركعتين؛ فإنه يبني على ركعة، وإن وقع شكه في الركعتين والثلاث يبني على الركعتين، وإن وقع شكه بين الثلاث والأربع يبني على الثلاث، ويتم صلاته على ذلك الوجه، وعليه أن يتشهد
الجزء 1 · صفحة 82
عقيب الركعة التي وقع شكه أنها آخر صلاته احتياطًا، ثم يقوم ويضيف إليها ركعة أخرى ويتشهد ويسجد للسهو.
فصل
ومن أيقن بالطهارة وشك في الحدث؛ فهو على الطهارة، ومن أيقن بالحدث وشك في الطهارة، فهو محدث. وإن شك في بعض وضوئه، إن كان ذلك أول ما عرض له غسل ذلك الموضع، وإن كان يعرض له كثيرًا لا يلتفت إلى ذلك.
ولو توضأ ورأى بللاً سائلاً من ذكره؛ أعاد الوضوء، وإن كان الشيطان يريه ذلك كثيرًا، أو يعلم بأنه بول، مضى على صلاته.
والأصل في هذا أن الشك لا يبطل اليقين، وما ثبت بيقين لا يبطل إلا بيقين مثله، ولهذا نظائر منها: أنه لو شك أنه طلق امرأته، أو أعتق عبده، أو شك في تنجس الماء الطاهر، فإن المرأة منكوحته، والعبد مملوكه، والماء طاهر.
وهذا الأصل يعم جميع الصور، إلا في موضعين: أحدهما: إذا شك في الصلاة أنه صلاها أم لا؛ فإن كان ذلك في الوقت، فالظاهر أنه لم يصلها، وإن شك بعدما خرج الوقت فالظاهر أنه صلاها فلا يعيدها.
والثاني: إذا شك في ركوع أو سجود، إن كان بَعْدُ في الصلاة، فإنه يأتي بهما، وإن كان بعدما خرج من الصلاة، فالظاهر أنه ما تركهما.
ولو أن رجلاً صلى بالناس شهرًا، ثم قال: صليت على غير وضوء؛ فإنه لا يُصدَّق إلا أن يغلب على ظنهم صدقه، فيجب عليهم القضاء فرق بين هذا وبين