الكراهة التحريمية والتنزيهية وتطبيقاتها في كتاب الطهارة
عند الحنفية
الباحث: الدكتور محمود عناد الفلاح
محاضر متفرغ
الأردن- جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الرتبة الأكاديمية: محاضر متفرغ في كلية الفقه الحنفي
mahmoudnaemat3@gmail.com
جارٍ تحميل الكتاب…
الكراهة التحريمية والتنزيهية وتطبيقاتها في كتاب الطهارة
عند الحنفية
الباحث: الدكتور محمود عناد الفلاح
محاضر متفرغ
الأردن- جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الرتبة الأكاديمية: محاضر متفرغ في كلية الفقه الحنفي
mahmoudnaemat3@gmail.com
الملخص
يتناول هذا البحث الكراهة التحريمية والتنزيهية عند السادة الحنفية وتطبيقاتهما في كتاب الطهارة عند الحنفية، من حيث تعريف كل منهما لغة واصطلاحا والألفاظ المستعملة عند الحنفية في الكراهة، والفرق وبين الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، وأقسام الكراهة وحكم كل قسم منها، واستعمال الفقهاء لها، ثم عرض لبعض تطبيقات الكراهة عند الحنفية، وقد اختصر الباحث على كتاب الطهارة؛ لعدم الإطالة، حيث قام الباحث بجمع المادة العلمية من كتب متفرقة للسادة الحنفية، وترتيبها ترتيبا علميا منطقيا، بحيث يستطيع القارئ فهم الكراهة بقسميها وأحكامهما والتعرف على تطبيقاتهما عند السادة الحنفية رضوان الله عليهم.
ويهدف هذا البحث إلى بيان أهمية الكراهة بقسميها عند الحنفية، بما أنها قريبة أو بعيدة من الحرام ويجب الاحتراز عنها؛ لأن في ارتكابها يقع المسلم في الإثم، وفي اجتنابها له الأجر والثواب، فيجب على كل مسلم التعرف عليها معرفة صحيحة، فالعبد مبتلى بين أن يترك المكروه باختيار منه فيثاب على هذا الترك، وبين أن يأتي به فيعاقب عليه، فكان الفقهاء يتحرون الدقة في بيان هذه الأحكام الشرعية.
ويظهر البحث أن الكراهة أحد أقسام الحكم الشرعي التكليفي عند الحنفية، وأن الفقهاء قد قسموها بحسب مستندها الشرعي الى قسمين، وقد استعملها الفقهاء بقسميها في كثير من فروعهم الفقهية، سواء كان باستخدام مصطلح الكراهة، أو المكروه، أو بعض الألفاظ التي تؤدي عملها أو تقوم مقامها، مثل: لا ينبغي، ولا يجوز، والإساءة وغيرها، كما بين البحث تطبيقات للكراهة في كتاب الطهارة، مثل الماء الذي أدخل المستيقظ من نومه يده في الإناء قبل غسلها، والاستنجاء بماء زمزم، وسؤر الدجاجة المخلاة، والإبل والبقر الجلالة، وسؤر سواكن البيوت مما كان لحمها نجس، وسؤر سباع الطير، ويكره لغير المتوضئ مس المصحف، ويكره لغير المتوضئ طواف التطوع بالبيت الحرام.
الكلمات المفتاحية: الكراهة، أصول الفقه، الفقه الإسلامي، الشريعة.
Abstract
This research deals with the prohibitive hatred of the Hanafi gentlemen in terms of defining it as a language and idiomatically and the terms used by the tap, in hatred, the difference between it and the forbidden, the sections of hatred and the rule of each part of it, and the use of it by the jurists, then he presented some of the applications of hatred at the tap, and the researcher summarized a book Purity; Not to be prolonged, as the researcher collects the scientific material from separate books of the Hanafi masters, and arranges them in a logical scientific order, so that the reader can understand the prohibitive hatred and its provisions and learn about its applications with the Hanafis, may God be pleased with them.
This research aims to demonstrate the importance of the prohibitive hatred at the tap, since it is close to the forbidden and must be guarded against. Because in committing it the Muslim falls into sin, and in avoiding him the reward and the reward, then every Muslim must know it properly, so the slave is cursed between leaving the abominable by choosing him and being rewarded for this abandonment, and that he brings it and is punished for it, so the jurists were careful in explaining this Sharia provisions.
The research shows that hatred is one of the sections of the mandatory Sharia ruling of the Hanafi, and that the jurists have divided it according to its legal document into two parts. Such as: It should not, and may not, and abuse and others.
المقدمة
تعتبر الكراهة قسماً من أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية، ولا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه إلا وهي داخلة فيه، لأنه حكم متوسط بين الحلال والحرام في الغالب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراعٍ يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " (¬1).
قال صوفجي زاده: " رحم الله امرءً شدد العارية وخفف الكراهية" (¬2).
مشكلة البحث
سيقوم الباحث في بحثه هذا التوصل إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1 - ما مفهوم الكراهية عند الحنفية، وما هي الالفاظ الدالة على حكمها عند الحنفية؟
2 - ما هي صيغ حكم الكراهة عند الحنفية؟
3 - ما هي أقسام الكراهة؟
4 - ما أثر الكراهة في مسائل الطهارة عند الحنفية؟
أهمية البحث
¬
(¬1) البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، (ت 256)، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة: الأولى، 1422هـ، دار طوق النجاة، (كتاب: الأيمان) [باب: فضل من استبرأ لدينه] (حديث رقم: 5063) ج1، ص: 20.
(¬2) القونوي، قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي الرومي الحنفي (المتوفى: 978هـ) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، تحقيق: يحيى حسن مراد، الطبعة: 2004م-1424هـ، دار الكتب العلمية، ص:104.
تكمن أهمية البحث في معرفة أثر الكراهة بقسميها على الأحكام الشرعية، والتمييز بينها وبين الحرام، وبينها الفرق بين الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية، وانعكاس ذلك على النظر في الأحكام من قبل الباحثين في الحقل العلمي الشرعي.
أهداف البحث: يهد البحث إلى:
1 - بيان مفهوم الكراهة عند الحنفية والالفاظ الدالة على الحكم عند الحنفية.
2 - بيان صيغ حكم المكروه.
3 - بيان أقسام الكراهة عند الحنفية.
4 - بيان أثر الكراهة في مسائل الطهارة.
الدراسات السابقة
- رحيم، أيمن فوزي، حكم الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية في فقه الجمهور، مجلة الأنبار للعلوم الإسلامية المجلد:8، العدد: 33 (حيث بينت هذه الدراسة تعريف الحكم الشرعي وأقسامه كما بينت تعريف الكراهة عند الجمهور والفرق بينهما في التقسيم عند المذاهب الأربعة، إلا أنها قد أغفلت المصطلحات المستخدمة في الكراهة عند الحنفية، وكذلك تعريف الكراهة عند الحنفية بشكل خاص والخلاف الوارد في حكمها بين الإمام محمد بن الحسن والإمام أبي حنيفة وما ينبثق عن هذا الاختلاف من تغير في الأحكام، كما أغفلت التطبيقات الواردة عند الفقهاء، وتغير الكراهة عند الحنفية.)
- السحار، عبد الرحيم أحمد، الكراهة عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيها على الفروع الفقهية، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية- غزة، 2008م (حيث بينت هذه الدراسة تعريف الحكم التكليفي وع?قته بالحكم الوضعي وطريق ثبوته، و تناولت أقـسام الحكـم التكليفـي عند الحنفية والمتكلمين والفرق بينهما، كما تناولت حقيقة الكراهة وبعض صيغها في المذاهب الأربعة، لكنها أغفلت الخلاف الوارد فيها بين الإمام محمد والإمام أبي حنيفة وما ينبثق عن هذا الاختلاف من تغير في الأحكام، ولم تذكر تغير الكراهة في كثير من الحالات، كما أغفلت الجانب التطبيقات الواردة عند الفقهاء.)
نطاق البحث
- يقتصر البحث على بيان مفهوم الكراهة.
- يقتصر البحث على بحث أثر الكراهة في المذهب الحنفي.
- يقتصر البحث على بيان أقسام الكراهة و الألفاظ المستخدمة فيها
- يتناول البحث نماذج من مسائل الكراهة لبيان أثروها في كتاب الطهارة في المذهب الحنفي.
منهج البحث
أولاً: المنهج الوصفي: من خلال البحث في مفهوم الكراهة، وبيان ماهيتها ومفرداتها وتعريفها بشكل واضح، لبناء التصوّر السليم.
ثانياً: المنهج التحليلي: من خلال تحليل النصوص المجموعة لمرحلة الوصف، وتبويبها، وتحليلها بشكل منهجي سليم.
ثالثاً: المنهج الاستنباطي: من خلال الوصف والتحليل لبناء مفهوم واضح للمصطلح وإبراز مفاهيمه.
أمّا منهجي في البحث كالآتي:
1 - عرّفت المصطلحات التي تحتاج إلى توضيح.
2 - ذكرت متعلقات الموضوع التي لها ربط وثيق بالكراهة.
3 - ذكرت اقسام الكراهة عند الحنفية.
4 - وضعت عناوين للفروع التي ذكرتها في هذا البحث.
5 - اعتمدت على المذهب الحنفية فقط كون البحث متعلق بالكراهة عند الحنفية.
6 - الرجوع إلى المصادر الأصلية في البحث ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
7 - الحرص على إلتزام الأمانة العلمية في عزو الأقوال إلى قائليها، وبذل الجهد في نقل كل قائل من مصدره على قدر المستطاع.
8 - الحرص على تدعيم الرسالة بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ونصوص العلماء، مع تمييز كل ذلك بعلامات التنصيص, والأقواس.
9 - بيان مواضع الآيات القرآنية الكريمة في المصحف الشريف وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
10 - تخريج الأحاديث التي استدل بها الفقهاء من مصادرها الأصلية مع بيان الجزء والصفحة، وأقوال العلماء في الحديث إن لم يكن في الصحيحين قدر المستطاع.
11 - بيان أدلة الحنفية على الكراهة من المنقول، والمعقول.
12 - تقسيم المسائل في المبحث الثاني الى مطالب مقسمة الى فروع على النحو الآتي:
الفرع الاول: صورة المسألة.
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة.
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
خطة البحث
المبحث الأول: تعريف الكراهة وأقسامها وحكم كل قسم والألفاظ المستعملة عند الحنفية
المطلب الأول: تعريف الكراهة
المطلب الثاني: أقسام الكراهة وحكم كل قسم منها
المطلب الثالث: ألفاظ الكراهة
المبحث الثاني: تطبيقات الكراهة في الطهارة
المطلب الأول: الماء الذي أدخل المستيقظ من نومه يده في الإناء قبل غسلها
المطلب الثاني: الاستنجاء بماء زمزم
المطلب الثالث: سؤر الدجاجة المخلاة، والإبل والبقر الجلالة
المطلب الرابع: سؤر سواكن البيوت مما كان لحمها نجس
المطلب الخامس: سؤر سباع الطير
المطلب السادس: يكره لغير المتوضئ مس المصحف
المطلب السابع: يكره لغير المتوضئ طواف التطوع بالبيت الحرام
المبحث الأول:
تعريف الكراهة وأقسامها وحكم كل قسم والألفاظ المستعملة عند الحنفية
المطلب الأول: تعريف الكراهة
الفرع الأول: الكراهة التحريمية
بما أن الكراهة التحريمية مركب وصفي من كلمتين (الكراهة، التحريمية)، يستحسن بنا أولاً أن نقوم بتعريف كلاً منهما على حدة، ثم بتعريفها باعتبارها لقبا وعلما.
أولاً: الكراهة التحريمية باعتبارها مركبا وصفيا:
أ- الكراهة لغةً:
الكراهة لغة: مصدر من كره يكره كراهة، ومنها كَرُهَ الأمر والمنظر كراهة فهو كَريه مثل قَبُحَ قباحة فهو قبيح وَزْناً ومعنى وكَراهِية بالتخفيف أيضا وكَرِهته أكرهه من باب تعب كُرها بضم الكاف وفتحها ضد أحببته فهو مكروه. والكره بالفتح المشقة وبالضم القهر وقيل بالفتح الإكراه وبالضم المشقة. (¬1)
والمكروه: ضد المحبوب مأخوذ من الكراهة التي هي ضد المحبة (¬2)
ب الحرمة لغة:
¬
(¬1) الفيومي، أبو العباس، أحمد بن محمد بن علي المتوفى (770?) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، بيروت، المكتبة العلمية، ج2، ص: 532.
(¬2) الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (ت: 1094هـ) الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ص:871.
الحرمة في اللغة: مصدر من حَرُمَ، و حَرُمَ الشَّيء بِالضم محُرْمًا وَحُرُمًا: امتنع فعله، وَالْحُرْمَةُ بالضم: هي ما لا يحل انتهاكه، والحرام ضد الحلال، والتحريم ضد التحليل. وعين حرام: أي منع عنا التصرف فيها (¬1).
ثانياً: الكراهة التحريمية كونها لقبا وعلما على شيء مخصوص:
أ المكروه في اصطلاح الفقهاء الحنفية: هو ما ثبت النهي فيه مع المعارض. أي ما تعارض دليلان في إباحته وحرمته، فالمكروه التحريمي إلى الحرام أقرب لتعارض الأدلة، وتغليب جانب الحرمة، فيلزم تركه؛ لما روي: «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال» (¬2) (¬3).
وقال العيني:" تكلمت العلماء في معنى الكراهية فقيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله وقيل: ما يكون الأولى أن لا يفعله (¬4) ".
¬
(¬1) الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت: 666هـ)، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، الطبعة: الخامسة، 1999م، بيروت، المكتبة العصرية - الدار النموذجية، صيدا، ص:71. والكفوي، الكليات، ص:404.
(¬2) أبو الحاج، صلاح، المرقاة شرح مقدمة الصلاة، الطبعة الثالثة:1441?- 2020م، مركز أنوار العلماء، ص:155.
(¬3) أبو الفداء، إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء (ت: 1162هـ)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، الطبعة: الأولى، 1420هـ - 2000م، المكتبة العصرية، حديث رقم: 2186 - ، ج2، ص:212. قال ابن السبكي في "الأشباه والنظائر" نقلًا عن البيهقي: رواه جابر الجعفي عن ابن مسعود وفيه ضعف وانقطاع.
(¬4) االعيني، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (ت: 855هـ) البناية شرح الهداية، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، ج12، ص: 65، والفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ج1، ص: 131.
فالكراهة التحريمية: هي ما كان الترك فيها أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل ظنيّ، وبذلك تكون إلى الحرام أقرب، وهي تقابل ترك الواجب عند الحنفية، وهي المرادة عند الاطلاق عند الحنفية أي بلا تقييد بكراهة التحريم أو التنزيه (¬1).
مناقشة التعريف:
يتبين من خلال التعريف السابق أن المسلم مأمور بترك المكروه حيث قال والترك فيه أولى من الفعل؛ لكن هذا النهي غير جازم؛ لأن دليله ظني، وهو دون النهي عن الحرام الثابت بدليل قطعي.
وقد جعلت الكراهة مقابلة للواجب من حيث أن كلاهما ثبت بدليل ظني، بحيث أن الدليل الأقوى وهو القطعي يثبت به الفرض والحرام.
فنرى أن السادة الحنفية قد فرقوا في الأحكام بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بدليل ظني وبناء على هذا ميزوا بين التحريم وبين كراهة التحريم.
ويوضح ذلك أن الأدلة أربعة، النوع الأول: قطعي الثبوت والدلالة كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي. والنوع الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة. والنوع الثالث: ظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. والنوع الرابع ظني الثبوت والدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني، فبالنوع لأول يثبت الفرض والحرام، وبالنوع الثاني والنوع الثالث يثبت الإيجاب وكراهية التحريم؛ وبالنوع الرابع يثبت المسنون والمستحب (¬2).
ويظهر من خلال التعريف أن الكراهة لا يشترط أن تبين في كتب الحنفية من خلال تقييدها بالكراهة التحريمية أو التنزيهية، بل إذا أريد بها الكراهة التحريمية فتذكر بلا قيد، وإذا أريد بها التنزيهية فتقيد بالتنزيه.
¬
(¬1) محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، معجم لغة الفقهاء، الطبعة: الثانية، 1408 هـ - 1988 م، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 379. وأبو الحاج، المدخل المفصل الى للفقه الحنفي، الطبعة الأولى، 2015، دار الفاروق، ص: 18.
(¬2) ابن عابدين، قره عين الأخيار لتكملة رد المحتار علي «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» بيروت – لبنان دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ج7، ص: 338.
الفرع الثاني: الكراهة التنزيهية
سبق وأن بينا معنى الكراهة من حيث اللغة عند الحديث عن الكراهة التحريمية، ونكتفي هنا بتعريف معنا التنزيه من حيث اللغة، ثم بيان تعريف الكراهة التنزيهية كونها لقبا وعلما على شيء مخصوص.
أولا: التنزيه لغة: مصدر نَزَهَ، من نزَّه تنزيهاً، ونزَّه الله عن السوء تنزيها: بعَّده وقدَّسه. ويقال: فلان يتنزَّه عن المطامع الدنية والأقذار: أي يباعد نفسه ويتصون. قال ابن السكيت: ومما يضعه الناس في غير موضعه قولهم خرجنا نتنزه إذا خرجوا إلى البساتين. قال: وإنما التنزه التباعد عن المياه والأرياف، وهذا مكان نزيه أي خلاء بعيد من الناس ليس فيه أحد. (¬1).
ونزه نفسه عن القبيح: نحاها. ونزه الرجل: باعده عن القبيح. والنزاهة: البعد عن السوء. وإن فلانا لنزيه كريم: إذا كان بعيدا من اللؤم، وهو نزيه الخلق. والتنزه رفعه نفسه عن الشيء تكرما ورغبة عنه. والتنزيه: تسبيح الله عز وجل وإبعاده عما يقول المشركون، ويقال: هم قوم أنزاه أي يتنزهون عن الحرام. (¬2)
ثانيا: الكراهة التنزيهية اصطلاحا: هي ما كان تركه أولى من فعله والبعد عن السوء، وترك ما لا يليق (¬3).
¬
(¬1) المطرزي، أبو الفتح ناصر الدين بن عبد السيدبن علي بن المطرز، المغرب في ترتيب المعرب، (تحقيق: محمود فاخوري و عبدالحميد مختار) الطبعة الأولى، 1979، حلب - مكتبة أسامة بن زيد، ج2، ص:298، والرازي، مختار الصحاح، ص:308.
(¬2) ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ) لسان العرب، الطبعة: الثالثة - 1414 هـ، بيروت - دار صادر، ج13، ص:549.
(¬3) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المصري (المتوفى: 970هـ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ، ج1، ص:30.
قال ابن الهمام: (¬1) " المكروه كراهة التنزيه فليس بحرام ولا إلى الحرام أقرب عند أحد، وهذا كله يظهر بمراجعة كتب الأصول، ... وهي مغايرة للحرمة".
مناقشة التعريف:
من خلال ما سبق من تعريف للكراهة التنزيهية يتبين أن مرجعها إلى ترك الأولى، وما يستحب تركه ولا يليق بالمسلم فعلة فلا يترتب على فعلها إثم بل يترتب على تركها الأجر والثواب.
فهي مطلوب تركها لكن طلب الترك هنا دون طلب الترك في الكراهة التحريمية، بحيث يثاب تاركها التنزيهية ولا يعاقب فاعلها، فهي مقابلة للمستحب كما أن الكراهة التحريمية مقابلة للواجب، والتنزيه ما يستحب تركه، فمرجعها لخلاف الأولى (¬2).
فالمكروه كراهة التنزيه: كل شيء كان تركه أولى من الفعل، ولا يوجد منع عن الفعل.
ولتحديدها أو تفريقها عن كراهة التحريم فلا بدّ من النظرِ في الدليل الذي قامت به، فإن كان نهياً جازما يحكمُ أنها تحريمية، وإن لم يكن جازماً، بل كان مفيداً للترك غيرِ الجازم، فهي الكراهة التنزيهية (¬3).
فهي أيضاَ بحسب تأكّد السنة، فإنّ مراتبَ الاستحبابِ متفاوتة، كمراتبِ السنّة والواجبِ والفرض، فكذا أضداده من الحرام وكراهة التحريم وكراهة التنزيه (¬4).
الفرع الثالث: الفرق بين الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية:
هناك أوجه اتفاق وأوجه افتراق بين الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية نبينها على النحو الآتي:
¬
(¬1) ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (المتوفى: 861هـ)، فتح القدير، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار الفكر، ج10، ص: 102.
(¬2) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1، ص:30.
(¬3) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27.
(¬4) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27.
أولاً: أوجه الاتفاق (¬1):
1 - من حيث طلب الترك فكل من الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية مطلوب تركها.
2 - كل من الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية تدخل في جميع أبواب الفقه دون استثناء.
3 - كل من الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية تثبت بدليل ظني.
4 - الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية كلاهما يثاب تاركها.
ثانياً: أوجه الاختلاف (¬2):
1 - تفترق الكراهة التنزيهية عن الكراهة التحريمية في الشدَّة والقرب من الحرام، أو القرب من الحلال، فالكراهة التحريمية أقرب الى الحرام بينما الكراهة التنزيهية اقرب الى الحلال.
2 - كما يترتب على فعل الكراهة التحريمية الاثم، بخلاف الكراهة التنزيهية فلا يترتب على فاعله الاثم.
3 - تعتبر الكراهة التحريمية مقابلة للواجب عند الحنفية، بينما تعتبر الكراهة التنزيهية مقابلة للمستحب.
4 - قد تتغير الكراهة التحريمية بحيث تصل الى حد الكراهة التنزيهية أي انتفاء الإثم وذلك في مواطن الضرورة والحاجة.
5 - ترك الواجب عمداً مكروه تحريماً، فيجب إعادته، كمن ترك واجبا من واجبات الصلاة عمداً وجب إعادة الصلاة، بخلاف ترك السنن والمستحبات فإنه مكروه كراهة التنزيه فلا يبب إعادة ذلك الفعل.
المطلب الثاني: أقسام الكراهة وحكم كل قسم منها
¬
(¬1) الرازي، محمد بن أبي بكر الحنفي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، (المحشي: صلاح أبو الحاج)، الطبعة: الأولى، دار الفاروق، 2006، ص:263. واللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27. وابن الهمام، فتح القدير، ص: 102.
(¬2) الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ) الاختيار لتعليل المختار، تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م، القاهرة- مطبعة الحلبي، 4ج، ص:.153 والرازي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، ص:263. واللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27. وابن الهمام، فتح القدير، ص: 102.
تقسم الكراهة عند الحنفية الى قسمين بحسب قوتها وضعفها، أو نقول بحسب قربها من الحرام، وبعدها عنه.
أولاً: الكراهة التحريمية: وهي المقصودة إذا أطلقت الكراهة في كتب الحنفية، فيذكرون الكراهة بلا قيد ويقصد بها الكراهة التحريمية كما ورد في التعريف السابق.
وهي في رتبةِ الحكم الواجب ويثبتُ بما يثبتُ به الوجوب، أي بالنهي بالدليل الظنيّ الثبوت وظني الدلال (¬1).
حكمها:
ما يترتب على الكراهة التحريمية من الإثم والعقوبة في النار وحرمان الشفاعة يوم القيامة، أو هي تترك احتياطا عن الوقوع في الحرام، ففيه التفصيل عند علماء الحنفية على النحو الآتي:
صورة المسألة: لو أن رجلاَ باع أو اشترى وقت صلاة الجمعة، فإنه مكروه لقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (¬2)، فإن النهي هنا متعلق بترك تلبية النداء، وهي صفة طارئة غير جوهرية من صفات البيع، ولذلك فهي تدل على الكراهة فقط دون الحرمة، فهل يكون الحكم هنا بنقصان الأجر والدرجات وحرمان الشفاعة، أم هي عقوبة تستحق دخول النار؟ (¬3).
تحرير محل النزاع: اتفق فقهاء المذهب الحنفي على أن المكروه تحريماً يجب تركه شرعاً، وأن مرتكبه آثم، وأنه ثبت بدليل ظني، وأن النهي إن لم يكن في صلب العقد أو في شرط من شرائط الصحة يكون مكروه، كما اتفقوا على أن المنكر والجاحد للكراهة التحريمية لا يكفر، كما يكفر جاحد الحرام.
محل الخلاف:
¬
(¬1) اللكنوي، عبد الحي اللكنوي الحنفي (ت1304هـ) عمدة الرعاية على شرح الوقاية، (تحقيق: صلاح أبو الحاج) الطبعة الأولى، 2009م، دار الكتب العلمية، ج3، ص:54.
(¬2) سورة الجمعة (الآية: 9).
(¬3) المرغناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، أبو الحسن برهان الدين (المتوفى: 593هـ)، الهداية في شرح بداية المبتدي، (تحقيق: طلال يوسف)، لبنان- بيروت- دار احياء التراث العربي، ج1، ص:26.
اختلف أئمة المذهب في حكم الكراهة التحريمية، من حيث إلحاقها بالحرام أو عدمه، وسبب الخلاف بينهم هو النظرة الأصولية لكل إمام، فبعضهم نظر الى تعارض الأدلة، وبعضهم نظر الى قوة الدليل من حيث القطع والظن، على النحو الآتي:
فقد ذهب الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله تعالى- الى القول بأن المكروه تحريماً إلى الحرمة أقرب، ولا يكون حراما، وليست عقوبته كعقوبة الحرام.
فما قرب من الحرام تعلّق به المنع دون أن يستحق العقوبة بالنار، بل العتاب، مثل الإصرار على ترك السنة المؤكدة، فليس حكمها يتعلّق به عقوبة في النار، وإنما يتعلّق به الحرمان من الشفاعة، أي شفاعة النبي- صلى الله عليه وسلم – وهي رفع الدرجات أو الخروج من النار، أو حرمان مؤقت أو أنه يستحق ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم -: (فمَن رغب عن سنتي فليس منِّي) (¬1)، (¬2).
والمقصود عند الفقهاء سنن الهدى، مثل الأذان والجماعة والإقامة، ومع الإصرار على تركها، ويقاتلون على ذلك؛ لأنها من شعائر الاسلام، والإصرار على الترك استخفاف بالدين (¬3).
فالحاصل عند الإمامين –رضي الله عنهما- أن ترك السنة المؤكدة ليس بحرام ولكن قريب من الحرام؛ فهو مكروه تحريماً؛ لأنه قريباً من الحرام،.
واستدلوا على ما ذهبوا اليه:
لوجود التعارض بين الأدلة المحرمة والمبيحة لذلك الفعل، لأنه لو لم يكن حقيقة يجعل كذلك احتياطاً (¬4).
¬
(¬1) الرازي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، ص:263.
(¬2) البخاري، صحيح البخاري، (كتاب: النكاح) [باب: الترغيب في النكاح] (حديث رقم: 5063) ج7، ص: 2.
(¬3) الرازي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، ص: 265.
(¬4) ابن مَازَةَ، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (المتوفى: 616هـ)، المحيط البرهاني، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م، لبنان - بيروت - دار الكتب العلمية، ج5، ص:499.
فإن هذا حد المكروه كراهة تحريم، فلا يصل الى حد الحرام؛ بل يكون قريباً منه، وأما كراهة المكروه كراهة تنزيه فإلى الحل أقرب.
وذهب الإمام محمد بن الحسن الشيباني،-رحمه الله تعالى- الى القول: بأن المكروه هو حرام، وعقوبته عقوبة الحرام، لكن لم يطلق عليه اسم الحرام لأنه لم يجد فيه نصا يقطع بحرمته فأطلق عليه مكروه (¬1).
واستدل على ذلك:
لوجود النهي الجازم كما هو النهي عن الحرام؛ لكن الحرام ثبت بدليل قطعي والمكروه ثبت بدليل ظني، فلا يخرجه عن كونه حراماً.
فمحمد نص على أن كل مكروه حرام؛ إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام فكان نسبة المكروه إلى الحرام عنده كنسبة الواجب إلى الفرض في أن الأول ثابت بدليل قطعي والثاني ثابت بدليل ظني (¬2).
فالحاصل عند الإمام محمد – رحمه الله تعالى– في حكم كراهة التحريم:
هي حرام: أي مثل الحرام في العقوبة بالنار، وذلك لأنه لم يجد فيه نصّاً قاطعاً فلم يسميه حرام. فإن وجد نصا محرما أو نصا محللأ قال بها، وإلا قال في الحل: لا بأس، وفي الحرمة: أكره، فكل شيء منع من فعله بدليل ظني، أو قطعي، فهو محرم (¬3).
وقال الكاساني: (¬4) " والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به إلا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نص الكتاب العزيز أو غير ذلك فعادة محمد أنه يسميه حراما على الإطلاق وما تثبت حرمته بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وأقاويل الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - وغير ذلك
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، 4ج، ص:.153
(¬2) ابن الهمام، فتح القدير، ج10، ص: 102.
(¬3) الرازي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، ص: 265.
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج5، ص:499.
يسميه مكروها وربما يجمع بينهما فيقول حرام مكروه إشعارا منه أن حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع".
الترجيح:
الراجح ما عليه الفتوى في المذهب وهو ما ذهب اليه الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف من القول بأن المكروه ليس بحرام، ولا يعطى حكم الحرام في العقوبة، فقد جاء في المحيط البرهاني:" وأما المكروه ... المختار ما قاله أبو حنيفة، وأبو يوسف" (¬1).
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن هذا الاختلاف بين الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف مع الإمام محمد -رضي الله عنهم جميعاً- في الكراهة التحريمية، هو في أصل استحقاق العقوبة في النار، مع اتفاقهم على أنه لا يكفر جاحد الكراهة التحريمية، كما يكفر جاحد الحرام، وإن كان الإمام محمد يسميها حرام، ولكن عذابه دون العذاب على الحرام القطعي (¬2).
وخلاصة القول في حكمها: هو أن يثاب العبد بتركها، والخوف من العقاب والإثم بفعلها، وعدم الكفر باستحلالها (¬3).
ثانياً: الكراهة التنزيهية: وهي القسم الثاني من أقسام الكراهة، ومرجعها إلى ترك الأولى كما سبق ذكره عند التعريف بها، ولتحديدها أو تفريقها عن كراهة التحريم فلا بدّ من النظرِ في الدليل الذي قامت به، فإن كان نهياً ظنيَّاً يحكمُ أنها تحريمية، وإن لم يكن نهياً، بل كان مفيداً للترك لغيرِ الجازم، فهي الكراهة التنزيهية (¬4).
¬
(¬1) ابن مازة، المحيط البرهاني، ج1، ص:126.
(¬2) بن عابدين، رد المحتار، ج6، ص: 338.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار. وأبو الحاج، صلاح، المرقاة شرح مقدمة الصلاة، ص:155.
(¬4) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27.
وتفترق الكراهة التنزيهية عن الكراهة التحريمية في الشدَّة والقرب من الحرام، أو القرب من الحلال وبحسب تأكّد السنة، فإنّ مراتبَ الاستحبابِ متفاوتة، كمراتبِ السنّة والواجبِ والفرض، فكذا أضداده (¬1) ا.
فالمكروه كراهة التنزيه: كل شيء كان تركه أولى من الفعل، ولا يوجد منع عن الفعل.
حكمها:
وحكمها أنها تعتبر إلى الحل أقرب باتفاق أئمة المذهب؛ فلا يعاقب من فعلها أصلاً، لكن يثاب تاركه أدنى ثواب؛ لأنه ليس من الحلال, ولا يلزم من عدم الحل الحرمة ولا كراهة التحريم؛ لأن المكروه تنزيهاً مرجعه إلى ترك الأولى (¬2).
قال ابن الهمام: (¬3) " وأما المكروه كراهة التنزيه فليس بحرام ولا إلى الحرام أقرب عند أحد، وهذا كله يظهر بمراجعة كتب الأصول".
تغير الكراهة من التحريمية الى التنزيهية:
وقد تتغير الكراهة التحريمية في بعض الأحيان حتى تصل الى حد الكراهة التنزيهية؛ وذلك بسبب تخفيف لوجود ضرورة أوحرج، وقد عرف ذلك بالاستقراء من خلال تتبع عبارات الفقهاء، فعلا سبيل المثال: الحركة في الصلاة بلا عذر مكروهة كراهة التحريم، وبعذر فمكروهة كراهة التنزيه، ولذلك كثيرا ما نجد الفقهاء في المذهب يطلقونها بدون تقييد بكراهة التحريم أو التنزيه، ليكون في الحكم سعة، والله أعلم.
ومنه ما في الاختيار: (¬4) " ويكره أن يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة".
¬
(¬1) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص: 27.
(¬2) التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: 793هـ)، شرح التلويح على التوضيح، بدون طبعة وبدون تاريخ، مصر- مكتبة صبيح، ج2، ص:253. وأبو الحاج، البيان ص: 174 - 175.
(¬3) ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (المتوفى: 861هـ)، فتح القدير، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار الفكر، ج10، ص:102.
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص:96.
قال في البيان: " فإذا كانت الكراهة تحريمية، وسقطت الحرمة لعارض، فله وجهان"
أن يكون مما تعم به البلوى وكانت الضرورة قائمة في حق العامة، فالكراهة تنزيهية: كسؤر الهرة.
أن يكون مما لا تعم به البلوى، ولم تبلغ الضرورة المبلغ السابق, فالكراهة تحريمية: كلبن ولحم الحمار.
إن كان حكم الأصل فيه الإباحة وعرض ما أخرجه عنها، فللعارض وجهان:
أن يكون غلب على الظنّ وجود المحرم فالكراهة تحريمية كسؤر البقرة الجلالة.
أن لا يكون غلب على الظنّ وجود المحرم فالكراهة تنزيهية: كسؤر سباع الطير" (¬1).
المطلب الثالث: ألفاظ الكراهة
أولاً: الكراهة في القرآن الكريم والسنة النبوية:
جاء لفظ كره في عدة مواضع في القرآن الكريم وفي السنة ومن أمثلة ذللك:
جاء لفظ كره في القرآن والسنة بمعنى "لا يحب، ويبغض" على سبيل الإخبار وذلك في قوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (¬2)}.
وفيما جاء عن أبي هريرة قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره الشكال من الخيل» (¬3).
والشكال: يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى بياض أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى (¬4).
¬
(¬1) أبو الحاج، البيان، ص: 174 - 175. والتفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج2، ص:253.
(¬2) سورة الأنفال (الآية: 8).
(¬3) أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، سنن أبي داود، (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد) المكتبة العصرية، بيروت- صيدا، [كتاب: الجهاد] [باب: ما يكره من الخيل] (حديث رقم: 2547):ج3، ص:23.
(¬4) الرازي، مختار الصحاح، ج1، ص: 168.
وقد ورد لفظ الكره متضمناً معنى طلب الترك والابتعاد على سبيل التحريم مثل:
ما جاء في قوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} (¬1) -.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يتناجى اثنان دون واحد، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله عز وجل يكره أذى المؤمن» (¬2).
وقد ورد التفريق في بعض المواضع بين المحرم والمكروه:
كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كره لكم ثلاثا، وحرم عليكم ثلاثا، كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وحرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات» (¬3).
وقد ورد لفظ المكروه في موضع آخر بمعنى المشقة كما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} (¬4).
قال القرطبي: "لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في هذه الآية، وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، أي قهرا وغصبا، وإنما كان الجهاد كرها؛ لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك" (¬5).
¬
(¬1) سورة الاسراء (الآية: 37 - 38).
(¬2) الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى (ت: 279هـ)، سنن الترمذي، (تحقيق: أحمد محمد شاكر، واخرون)، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م، مصر- شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، (كتاب: الأدب)، [باب: ما جاء لا يتناجى اثنان دون ثالث]، (حديث رقم: 2825): ج5، ص: 128.
(¬3) ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (ت: 311هـ) صحيح ابن خزيمة، (تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي) المكتب الإسلامي – بيروت. (كتاب: الوضوء) [باب: الرخصة في قراءة القرآن]، (حديث رقم: 208): ج1، ص:104.
(¬4) سورة البقرة (الآية: 216).
(¬5) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ) الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي (تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش) الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م، دار الكتب المصرية - القاهرة، ج16، ص:193.
ثانياُ: الألفاظ الدالة على حكم الكراهة عند فقهاء الحنفية
يستخدم فقهاء الحنفية بالإضافة الى لفظ الكراهة ألفاظ متعددة للتعبير عن الكراهة وخاصة بالتعبير عن الكراهة التنزيهية، ومنها:
1 - قولهم: لا يجوز، ويقصد به المكروه تحريماً كما استعمله الإمام الموصلي -رحمه الله- في باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة، فقال: (¬1) " لا تجوز الصلاة، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة عند طلوع الشمس وزوالها وغروبها" والمقصود الكراهة التحريمية.
2 - قولهم في بعض المسائل: لا ينبغي، ويقصد به ما كان خلاف الأولى، وخلاف الأولى يعتبر مكروه تنزيهًا، كما ذكر ذلك ابن عابدين رحمه الله (¬2).
3 - قولهم في بعض المسائل: تركه أولى: قال الطحاوي: (¬3) " ومكروه تنزيها وهو تركه أولى من فعله".
4 - قولهم في بعض المسائل: لا بأس، أو لا بأس به، والتعبير بهذه الكلمة كثيرا ما يستعمله الفقهاء في المباح وأيضا ما كان تركه أولى من فعله (¬4).
5 - قولهم في بعض المسائل: يجوز، إذا كانوا يقصدون بها الصحّة المقابل للبطلان من غير القصد إلى الإباحة أو نفي الكراهة (¬5).
قال اللكنوي: (¬6) " يجوز؛ قد يقال بمعنى: يصح، وقد يقال بمعنى: يحل. كذا في شرح المهذب للنووي؛ ولذلك تراهم يطلقون على الصلاة المكروهة ونحوها: جاز ذلك أو صح ذلك، ويريدون به نفس الصحة المقابل للبطلان من غير القصد إلى الإباحة أو نفي الكراهة، ولهذا فسر الشراح
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص:40.
(¬2) ابن عابدين، قره عين الأخيار لتكملة رد المحتار علي «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»، ج8، ص:399.
(¬3) الطحطاوي، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، ص:80.
(¬4) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ص: 6. وابن عابدين، رد المحتار، ج2،ص:241.
(¬5) المحبوبي، صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ)، نهاية النقاية على شرح الوقاية،
(تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج)، الطبعة: الأولى،2005م، الأردن- عمان- دار الوراق، ج1، ص:94.
(¬6) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج1، ص:5.
والمحشون كثيرا قولهم: جاز وصح؛ بقولهم: أي مع الكراهة، كما لا يخفى على وسيع النظر، وقال في حلبة المجلي شرح منية المصلي: إنه؛ أي الجواز قد يطلق ويراد به ما لا يمتنع شرعا، وهو يشمل المباح والمكروه والمندوب والواجب".
6 - الكراهة: بلا تقييد بكراهة التحريم أو التنزيه فإذا أطلقت المراد كراهة التحريم؛ إلا إذا نصّوا على كراهة التَّنزيه، أو دل دليل على أن المراد غير هذا (¬1).
قال في مجمع الأنهر: " واعلم أن الكراهة على قسمين: كراهة تحريم وكراهة تنزيه فمشايخنا تارة يقيدونها وتارة يطلقونها فأما المقيدة فلا كلام فيها والمطلقة فتجعل على التحريم" (¬2).
7 - الإساءة، في قولهم: فقد أساء، أو مع الإساءة أي: في الأدب، إذا ترك السنة، والتأدب بآداب
الشرع، وقد تسبب لنفسه بالظلم لأنه أنقص من ثوابها (¬3).
وفي المبسوط: " فأما السعي في بطن الوادي، والمشي فيما سوى ذلك أدب أو سنة فتركه لا يوجب إلا الإساءة، كترك الرمل في الطواف" (¬4).
المبحث الثاني
تطبيقات الكراهة في الطهارة
المطلب الأول: الماء الذي أدخل المستيقظ من نومه يده في الإناء قبل غسلها.
¬
(¬1) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج3، ص:51.
(¬2) شيخي زاده، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، ج2، ص:523.
(¬3) العيني، شرح سنن أبي داود، (تحقيق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري)، الطبعة: الأولى، 1420 هـ -1999 م، الرياض- مكتبة الرشد، ج1، ص:322.
(¬4) السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ) المبسوط، بيروت، دار المعرفة، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1414هـ-1993م، ج4، ص:50.
لا يكون وضوء المسلم صحيحا حتى يتوضأ بماء طاهر، وقد حدد فقهاء الحنفية متى يكون الماء طاهرا، ومتى يكون نجسا، كما بينوا مقدار الماء الذي لا يتنجس بقليل النجاسة، وهو المعروف بالماء الكثير والماء القليل. فالماء على ثلاثة أقسام:
طاهر طهور: وهو الباقي على أوصاف خلقته وهو الذي يعتبر طاهر في نفسه وطهور لغيره، وطاهر في نفسه فقط غير مطهر لغيره: وهو الماء الذي استعمل في الوضوء أو الغسل، وماء نجس: وهو الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة بغض النضر عن قليلها وكثيرها حتى وإن لم تغير في الماء شيء، ومن الماء النجس أيضاً الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة فأحدثت فيه تغيير في أحد أوصافه ولو كان جاريا أو واقفاً (¬1).
الفرع الاول: صورة المسألة:
لو أراد إنسان أن يتوضأ للصلاة بعدما استيقظ من نومه، فالأفضل غسل يديه أولاً ليزيل ما يحتمل أنها تنجست خلال النوم وهو لا يشعر؛ لأن النائم لا يدري ماذا أصابت يدهه خلال النوم.
قال في درر الحكام: " يكره بالماء الذي أدخل المستيقظ يده فيه لاحتمال النجاسة كماء وضع صبي فيه يده" (¬2).
ولأن من سنن الوضوء: غسل اليدين إلى الرسغين ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في الإناء وهذا لمن استيقظ من نومه (¬3).
¬
(¬1) الرازي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، ص:3 - 4.
(¬2) ملا خسرو، محمد بن فرامرز بن علي (المتوفى: 885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، ج1، ص:8
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص:8
قال الموصلي: " إن كان الإناء صغيرا يرفعه بيده اليسرى ويصب على اليمنى، ثم باليمنى فيصب على اليسرى، لتقع البداءة باليمنى كما هو السنة، وإن كان الإناء كبيرا يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة دون الكف، ويأخذ الماء فيغسل يديه لوقوع الكفاية بذلك، ولا يكتفي بدون ذلك في العادة" (¬1).
والكراهة هنا هي الكراهة التنزيهية؛ لورود السنة في الحديث الشريف عن ادخال اليد في الإناء للمستيقظ من نومه.
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا استيقظ أحدكم من منامة فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا» (¬2).
وجه الدلالة في الحديث هو احتمال وجود النجاسة على يد النائم وهو لا يشعر.
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
عبر فقهاء الحنفية عن النهي في هذه المسألة بصيغ متعددة منها: لا ينبغي، ولا يستحب، وفقد اساء، ومكروه تنزيها (¬3).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
وبما أن سبب النهي ورود الحديث وهو ظني الدلالة، وأفاد السنية، لا الفرضية وليس مقطوع به فيكون الحكم فيها الكراهة التنزيهية؛ لأن غسل اليدين في بداية الوضوء سنة عند الحنفية وتركها يوجب الإساءة وهي الكراهة التنزيهية، فإنه لابد له في الوضوء من تطهير أعضاء البدن، ويكون ذلك بيديه، فيغسلهما احتياطاً عن وجود النجاسة، لتحصل له الطهارة الكاملة المطلوبة (¬4).
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص:8
(¬2) مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، صحيح مسلم، (المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي)، بيروت - دار إحياء التراث العربي، [كتاب الطهارة]، [باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا]، حديث رقم: (278)،ج1، ص:233.
(¬3) اللكنوي، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، ج3، ص: 19.
(¬4) السرخسي، المبسوط، ج1، ص:5
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة كراهة تنزيهية فالأثر المترتب عليها الثواب لمن غسل يديه في بداية الوضوء، ولأنه أتى بسنة من سنن الوضوء، وعدم الاثم بتركها بناء على أن تارك السنة والمستحب لا يأثم، إلا من اعتاد أو اعتقد عدم السنية، والإثم إنما يلزم بترك الواجب (¬1).
المطلب الثاني: الاستنجاء بماء زمزم.
الفرع الاول: صورة المسألة: لو أن رجلا استنجى بماء زمزم مع وجود غيره فهل في لك إثم أو مخافة شرعية؟
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
يعتبر ماء زمزم من المياه المباركة والذي ففضله لا ينكر، فلقد ورد في فضله أحديث كثيرة، وكذلك عبارات الفقهاء تبين ذلك.
ومن ذلك ما روى البخاري في سننه: «كان أبو ذر رضي الله عنه، يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل» (¬2).
وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم» قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير» (¬3).
لذلك كان من سنن الحج الشرب من ماء زمزم ويمسح به جسده، ويكثر الدعاء عنده، كما جاء في مجمع الأنهر، في كلامه عن فضل ماء زمزم، والدعاء عنده، ووداع البيت الحرام، فقال: "ثم يأتي زمزم ويشرب من مائه، ويصب على جسده، ويقول: اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً وعلماً نافعاً وشفاءً من كل داء يا أرحم الراحمين، ثم ينصرف ويمشي وراءه، ووجهه إلى البيت متبكياً متحسراً على
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:147.
(¬2) البخاري، صحيح البخاري، (كتاب: الحج) [باب: ما جاء في زمزم] (حديث رقم: 1636)،ج 2، ص:156.
(¬3) البخاري، صحيح البخاري، (كتاب: الحج) [باب: ما جاء في زمزم] (حديث رقم: 1637)، ج 2، ص:156.
فراق البيت، ويقول عند رجوعه: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منا، ولا تجعله آخر العهد منا، وارزقنا العود إليه حتى ترضى برحمتك يا أرحم الراحمين" (¬1).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
ومن الصيغ الواردة في كتب الحنفية في النهي عن الاستنجاء بماء زمزم، ويكره الاستنجاء بماء زمزم لا الاغتسال، كما عبر الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار، وغيره (¬2).
ومن هذا التكريم لماء زمزم أنهم كرهوا أن يستنجي أحد بهذا الماء المبارك، أو يغسل به نجاسة، تقديرا لما جاء بفضله، جاء في رد المحتار: " يكره الاستنجاء بماء زمزم، وكذا إزالة النجاسة الحقيقية من ثوبه أو بدنه، حتى ذكر بعض العلماء تحريم ذلك" (¬3).
كما يستحب حمله إلى البلاد، فقد روى الترمذي: «عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تحمله وتخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحمله» (¬4).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
تحمل الكراهة في مسألة الاستنجاء بماء زمزم مع وجود غيره على كراهة التحريم؛ لأنهم يطلقونها بلا تقييد وهذه عادتهم في الكراهة التحريمية، ولورود التكريم لماء زمزم الثابت بأدلة ظنية وهي الأحاديث السابقة، والله أعلم (¬5).
¬
(¬1) شيخي زاده، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، ج1، ص:283.
(¬2) الحصكفي، محمد علاء الدين بن علي (المتوفى: 1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة، 1386، بيروت، دار الفكر، ج2، ص625.
(¬3) بن عابدين، رد المحتار، ج2، ص: 625.
(¬4) الترمذي، سنن الترمذي، (كتاب أبواب الحج)، [باب: ما جاء في الحجر الأسود]، (حديث رقم: 963): ج3، ص: 286. وقال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه».
(¬5) الحصكفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج2، ص625.
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة تحريمية فالأثر المترتب عيها هو الإثم لمن تعمد الاستنجاء بماء زمزم، وعدم الإثم بالاغتسال به (¬1).
المطلب الثالث: سؤر الدجاجة المخلاة (¬2)، والإبل والبقر الجلالة (¬3).
السؤر في اللغة: السؤر جمعه أسآر وقد أسأر، يقال: إذا شربت فأسئر. أي أبق شيئا من الشراب في قعر الإناء (¬4).
اصطلاحا: السؤر هو الماء الذي تبقى بعد شرب الشارب من الماء وغيره وقد يطلق على بقية الطعام أيضاً (¬5).
الفرع الاول: صورة المسألة: لو أن رجلا توضأ من بقية ماء قليل وقد شربت منه دجاجة مخلاة أو من الإبل والبقر الجلالة فما حكم وضوئه؟
اتفق فقهاء الحنفية على طهارة سؤر الآدمي سواء في حالة الجنابة أو الحض، وكذلك الفرس وما يؤكل لحمه، كما اتفقوا على كراهة الوضوء بسؤر الدجاجة المخلاة والجلالة من البقر والإبل، قال
¬
(¬1) الحصكفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج2، ص626.
(¬2) المخلاة: هي الجائلة في عذرات الناس والمحبوسة على خلافها، والمحبوسة على وجهين: أحدهما أن تكون محبوسة في بيت نفسها، والثاني أن تكون محبوسة للتسمين ويكون رأسها وأكلها وشربها خارج البيت، والأولى تجول في عذرات نفسها دون الثانية، بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها، فإنها إذا كانت كذلك وقع الأمن عن مخالطة النجاسة بخلاف غيرها. البابرتي، العناية شرح الهداية، ج1، ص:112.
(¬3) الجلالة: التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط فيتعين لحمها، ويكون لحمها منتنا فحرم الأكل؛ لأنه من الخبائث، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه يظهر أثر ذلك من لحمه، فلا بأس بأكله، والعمل عليه حتى ذكر في النوادر: لو أن جديا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله؛ لأنه لم يتغير لحمه وما غذي به صار مستهلكا ولم يبق له أثر، وعلى هذا نقول: لا بأس بأكل الدجاجة وإن كانت تقع على الجيف؛ لأنها تخلط، ولا يتغير لحمها ولا ينتن، وقيل: هي تنقش الجيف تبتغي الحب فيها لا أن تتناول الجيف، السرخسي، المبسوط،، ج 11، ص:255.
(¬4) الرازي، مختار الصحاح، ج1، ص: 140.
(¬5) البابرتي، محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين (المتوفى: 786هـ)، العناية شرح الهداية، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار الفكر، ج1، ص: 107.
في الاختيار: " سؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه طاهر، الأسآر أربعة: طاهر غير مكروه، وهو سؤر الآدمي جنبا كان أو حائضا أو مشركا" (¬1).
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يصافح أبا هريرة فقال: إني جنب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» (¬2).
وقال - عليه الصلاة والسلام - لعائشة - رضي الله عنها -: «ناوليني الخمرة، قالت: إني حائض، قال: ليست حيضتك في يدك» (¬3).
إشارة إلى أن النجس موضع الحيض، ولأن بدن الإنسان طاهر مسلما كان أو كافرا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل وفد ثقيف في المسجد (¬4).
ولو كانت أبدانهم نجسة لم ينزلهم فيه تنزيها له وكذا سؤر ما يؤكل لحمه ; لأنه متولد من لحمه فيكون طاهرا كاللبن (¬5).
وروي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - «نهى عن أكل لحم الجلالة (¬6)، وفي رواية أن يحج على الجلالة ويعتمر عليها وينتفع بها» " (¬7).
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص: 18.
(¬2) البخاري، صحيح البخاري، (كتاب: الوضوء) [باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره] (حديث رقم: 285)، ج1، ص:65.
(¬3) مسلم، صحيح مسلم، [كتاب: الحيض]، [باب: الحائض تناول من المسجد]، حديث رقم: (298)،ج1، ص:244.
(¬4) أبو داود، سنن أبي داود، [كتاب: الخراج والإمارة والفيء] [باب: ما جاء في خبر الطائف] (حديث رقم: 3026):ج3، ص:163.
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص: 18.
(¬6) أبو داود، سنن أبي داود، [كتاب: الجهاد] [باب: في أكل لحوم الحمر الأهلية] (حديث رقم: 3811)، ج3، ص:357.
(¬7) أبو داود، سنن أبي داود، [كتاب: الجهاد] [باب: في ركوب الجلالة] (حديث رقم: 2558)، ج3، ص:25.
وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بسؤر بعير، أو شاة، وقال ما يؤكل لحمه فسؤره طاهر» (¬1). وما خلا الدجاجة المخلاة فإن سؤرها مكروه؛ لأنها تفتش الجيف، والأقذار فمنقارها لا يخلو عن النجاسة، ولكن مع هذا لو توضأ به جاز؛ لأنه على يقين من طهارة منقارها (¬2).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
من الصيغ الواردة في كتب الحنفية في النهي عن الوضوء بسؤر الدجاجة المخلاة، والجلالة من البقر والإبل، يكره، ولا يجوز. قال السرخسي: " وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها، وتلك حالها إلى أن تحبس أياما" (¬3).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
تحمل الكراهة في هذه المسألة على الكراهة التحريمية اذا توضأ به مع وجود غيره، جاء في الهداية: " وسؤر الدجاجة المخلاة مكروه لأنها تخالط النجاسة ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها لا يكره لوقوع الأمن عن المخالطة وكذا سؤر سباع الطير لأنها تأكل الميتات فأشبه المخلاة وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها إذا كانت محبوسة ويعلم صاحبها أنه لا قذر على منقارها لا يكره واستحسن المشايخ هذه الرواية" (¬4).
وسبب الكراهة: هو أنها لا تتحامى عن النجاسات، فيظهر لنا مما سبق في قول الحنفية في سور الحيوانات مأكولة اللحم، يحكم بطهارة سؤرها اذا كانت لا تأكل النجاسات، أو تخلط بين النجس وغيره، والتي تأكل النجاسات فقط يحكم بنجاسة سؤرها، فيعد سؤر الدجاجة المخلاة والإبل والبقر الجلالة وجميع الحيوانات مأكولة اللحم طاهر، والوضوء والاغتسال بالماء الذي شربت منه جائز؛
¬
(¬1) البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458هـ)، السنن الكبرى، (تحقيق: محمد عبد القادر عطا)، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م، لبنان- بيروت-دار الكتب العلمية، (كتاب: الطهارة)، [باب: الخبر الذي ورد في سؤر ما يؤكل لحمه]، (حديث رقم: 1189): ج1، ص:381.
(¬2) المرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي، ج1، ص:26.
(¬3) السرخسي، المبسوط، ج11، ص:255.
(¬4) المرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي، ج1، ص:26.
لأن السؤر يتولد من اللحم، إلا في حالة أن يُعرف عن هذا الحيوان أنه اعتاد أن يأكل النجاسات، كما هو الحال في البقرة الجلالة، أو الإبل الجلالة، أو يغلب على الظن كما في الدجاجة المخلاة (¬1).
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة تحريمية فالأثر المترتب عيها هو الإثم لمن تعمد الوضوء بماء قليل شربت منه دجاجة مخلاة أو حيوان مأكول اللحم وقد اعتاد أكل النجاسات (¬2).
المطلب الرابع: سؤر سواكن البيوت مما كان لحمها نجس (¬3).
من عادة بعض الحيوانات أن تسكن البيوت، كالهرة والفأرة وغيرها، ومنها ما هو نجس اللحم، فيكون نجس السؤر كذلك لأنه متولد من اللحم، إلا أننا نجد في عبارات الفقهاء، يؤكدون على أن مثل هذه الحيوانات سؤرها معفو عنه، وذلك لعدم الاحتراز عنها، فإن وجد ماء طاهرا غيرها فيكره له أن يتوضأ بما شربت منه الهرة وغيرها من سواكن البيوت، كما سيأتي:
الفرع الاول: صورة المسألة: لو أن رجلا توضأ من بقية ماء قليل وقد شرب منه حيوان من سواكن البيوتمثل: الحية والعقرب والهرة والفأرة، فما حكم وضوئه؟
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، ومن ولوغ الهرة مرة» (¬4) ".
¬
(¬1) الطحطاوي، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، ص:14.
(¬2) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص: 18.
(¬3) سواكن البيوت: وهي التي تسكن البيوت، كالفأرة والحية والوزعة فمكروهة؛ للزوم طوافها وحرمة لحمها النجس، بخلاف العقرب والخنفس والصرصر؛ لعدم نجاستها فلا كراهة فيه. الشرنبلالي حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي (المتوفى: 1069هـ)، مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح، الطبعة: الأولى، 1425 هـ - 2005 م، المكتبة العصرية، ج1، ص:18.
(¬4) الترمذي، سنن الترمذي، (كتاب: الطهارة)، [باب: ما جاء في سؤر الكلب]، (حديث رقم: 91): ج1، ص:151. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات: أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة» (¬1).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الهرة ليست بنجسة» (¬2).
وفي سنن أبي داود، عن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة، دخل فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (¬3).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
ومما عبر عنه الحنفية عن كراهة الوضوء بسؤر سواكن البيوت: الكراهة، وأحب إلي أن يتوضأ بغيره، وسؤر الهرة طاهر مكروه، والأولى أن يتوضأ بغيره، المستحب أن لا يتوضأ بسؤر الهرة (¬4).
قال الكاساني: " سؤر سواكن البيوت كالفأرة والحية والوزغة والعقرب ونحوها، وكذا سؤر الهرة في رواية الجامع الصغير وذكر في كتاب الصلاة: أحب إلي أن يتوضأ بغيره ولم يذكر الكراهة" (¬5).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
¬
(¬1) الترمذي، سنن الترمذي، (كتاب: الطهارة)، [باب: ما جاء في سؤر الكلب]، (حديث رقم: 91):ج 1، ص: 151. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(¬2) البيهقي، السنن الكبرى، (كتاب: الطهارة)، [باب: سؤر الهرة]، (حديث رقم: 1161)، ج1، ص:373. في لفظ: " إنها ليست بنجسة إنما هي من الطوافين والطوافات ".
(¬3) أبو داود، سنن أبي داود، [كتاب: الطهارة] [باب: سؤر الهرة] (حديث رقم: 75)، ج1، ص:19.
(¬4) ابن مازة، المحيط البرهاني، ج1، ص:126.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:65.
لا خلاف عند فقهاء الحنفية في كراهة سؤر سواكن البيوت، لكن هناك اختلاف قي سبب هذه الكراهة، مما يترتب على هذا الخلاف هل هي كراهة تحريمية أم هي كراهة تنزيهية، على النحو الآتي:
القول الأول: أن بعض الفقهاء مثل الطحاوي ذكر أنها نجسة؛ وذلك لنجاسة لحمها، والعفو عن نجاسته وجود الضرورة؛ لأنها من الطوافات في البيوت فتبقى مكروهة، لأن الإنسان يمكنه أن يحفظ هذه الأوعية، لكن مع وجود مشقة في ذلك (¬1).
القول الثاني: أن بعض الفقهاء ذكر أنها طاهرة مثل الإمام الكرخي وذلك لورود الحديث بطهارتها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الهرة ليست بنجسة» (¬2).
فنفى الكراهة عنها، ولكن الكراهة جاءت من توهم أكلها للنجاسات، فمثلا الهرة تأكل الفأر وهو نجس، فيتنجس فمها، فأصبحت كيد المستيقظ من نومه فأنه يغسلها احتياطاً عن النجاسة (¬3).
وقد رد من قال بأن سؤر الهرة طاهر، على دليل من قال بأنه نجس، وأنه عفي عن كراهة سؤرها لوجود الضرورة والحرج، أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قد أخبره الوحي بأن هذه الهرة ليس على فمها نجاسة (¬4).
والفتوى في المذهب على أنها كراهة التنزية، وإنما يكره الوضوء بسؤرها إذا وجد غيره أما إذا لم يوجد لا يكره (¬5).
وهذا الحكم مستفاد من خلال عبارات الفقهاء فيستدل على أن المقصود بالكراهة الكراهة التنزيهية؛ وذلك لوجود المشقة في الاحتراز عن مثل هذه الحيوانات.
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص: 65.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:66.
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:66.
(¬5) الحدادي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني الحنفي (المتوفى: 800هـ)، الجوهرة النيرة، الطبعة: الأولى، 1322هـ، المطبعة الخيرية، ج1، ص:20.
وقد أكد هذا المعني في أن كراهة سؤر ما يسكن البيوت تنزيهية، صاحب المحيط البرهاني فقال: "سؤر ما يسكن البيوت من الحشرات كالفأرة والحية والوزغة مكروه، والقياس أن يكون نجساً باعتبار أن عينها نجسة ولعابها يتولد من عينها، إلا أننا أسقطنا اعتبار القياس ضرورة الطواف علينا على ما نبين في سؤر الهرة، وأثبتنا الكراهة لأن الضرورة ليست بماسَّة. وكذلك سؤر الهرة مكروه ... وذكر في صلاة «الأصل»: المستحب أن لا يتوضأ بسؤر الهرة، وإن توضأ به أجزأه" (¬1).
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن هناك خلاف في التكييف الفقهي عند الفقهاء فقد صرحوا بالخلاف في هذه المسألة فمنهم الطحاوي، فمن مال إلى أنها كراهة تحريم نظر إلى حرمة لحمها، ومن مال إلى كراهة التنزيه نظرا إلى أنها لا تتحامى عن النجاسة قالوا بالكراهة التنزيهية، وهو الصحيح وعليه الفتوى، وكذلك أشار محمد في كتاب الأصل، فقال: وإن توضأ بغيره أحب (¬2).
المطلب الخامس: سؤر سباع الطير.
السبع: هو كل حيوان جارح ومنتهب وقتال ومن عادة التعدي مثل: الفهد والأسد والذئب والثعلب والنمر والدب والقرد والفيل وابن عرس والسنور البري والأهلي واليربوع، وأما ذو المخلب (¬3): فهو كل طائر ذو مخلب، مثل البازي والشاهين والحدأة والنسر والباشق والنعاب والصقر والعقاب وما أشبه ذلك (¬4).
الفرع الاول: صورة المسألة: لو أن رجلا توضأ من بقية ماء قليل وقد شرب منه حيوان من سباع الطير، فما حكم وضوئه؟
¬
(¬1) ابن مازة، المحيط البرهاني، ج1، ص:126.
(¬2) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1، ص:137.
(¬3) المخلب بكسر الميم وهو للطائر والسبع كالظفر للإنسان لأن الطائر يخلب بمخلبه الجلد أي يقطعه ويمزقه والمخلب بالكسر أيضا منجل لا أسنان له. الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ج1، ص:176.
(¬4) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج5، ص:39.
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
نهي النبي - عليه الصلاة والسلام - عن كل صاحب مخلب من الطيور فعن ابن عباس، قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» (¬1).
فكان الحكم في لحما أنه نجس وكذلك سؤرها، ولكن لم يقولوا بنجاسته لأن لعابها لا يصل الى الماء، فقالوا بالكراهة، فالوضوء بسؤر سباع الطير مكروه؛ لنجاسة لحمها، ولأنها تأكل النجاسات (¬2).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
ومما عبر عنه الحنفية عن كراهة الوضوء بسؤر سباع الطير: طاهر مكروه، والأفضل أن يتوضأ بغيره، وسؤر، والأولى أن يتوضأ بغيره، والمستحب أن لا يتوضأ به (¬3).
ففي المبسوط": فأما سؤر حشرات البيت كالفأرة، والحية، ونحوهما في القياس فنجس؛ لأنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب من لعابها، ولعابها يتحلب من لحمها، ولحمها حرام، ولكنه استحسن فقال طاهر مكروه؛ لأن البلوى التي وقعت الإشارة إليها في الهرة موجودة هنا فإنها تسكن البيوت، ولا يمكن صون الأواني عنها.
وأما سؤر سباع الطير كالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، وما لا يؤكل لحمه من الطير في القياس نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبر بما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش، ولكنا استحسنا فقلنا بأنه طاهر مكروه؛ لأنها تشرب بمنقارها، ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش فإنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب بلعابها" (¬4).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
¬
(¬1) مسلم، صحيح مسلم، [كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان]، [باب: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير]، حديث رقم: (1934)، ج3، ص:1534.
(¬2) الحدادي، الجوهرة النيرة، الطبعة، ج1، ص:20.
(¬3) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج5، ص:39.
(¬4) السرخسي، المبسوط، ج1، ص:50.
المراد بالكراهة هنا كراهة التنزيه؛ لما صرحوا به من أن الوضوء به خلاف الأولى، ولأنها ثبتت بأدلة ظنية تفيد الاستحباب لا الوجوب.
قال ابن عابدين: " وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلم أر من ذكر خلافا في المراد من الكراهة، بل ظاهر كلامهم أنها كراهة التنزيه بلا خلاف؛ لأنها لا تتحامى النجاسة، وكذا في سباع الطير وسواكن البيوت" (¬1).
وسبب الكراهة: هو ما أكدوا أن لعابها لا يصل الى الماء، لوجود الواسطة الطاهرة، وهي المنقار الخشبي، فقد بين صاحب الهداية سبب هذه الكراهة بقوله": لأنها تأكل الميتات فأشبه المخلاة وعن أبي يوسف -رحمه الله تعالى- أنها إذا كانت محبوسة ويعلم صاحبها أنه لا قذر على منقارها لا يكره واستحسن المشايخ هذه الرواي" (¬2).
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة كراهة تنزيهية فالأثر المترتب عليها الثواب لمن ترك الوضوء بسؤر سباع الطير إذا وجد غيره، وعدم الاثم بالوضوء بسؤر سباع الطير بناء على أن فاعل الكراهة التنزيهية لا يأثم (¬3).
المطلب السادس: يكره لغير المتوضئ مس المصحف:
من أحدث حدثاً أصغر فللحدث الأصغر أحكام، منها ما يكون العمل باطلا، أو يكون مكروها، أو يكون مباح، ومن أمثلة العما الباطل: لا يجوز للمحدث أداء الصلاة لفقد شرط جوازها، وهو الوضوء قال - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة إلا بوضوء» (¬4)، ومن أمثلة المكروه: مس المصحف، والطواف بالبيت الحرام، كما سيأتي، ومن أمثلة المباح: الأكل والشرب وغيرها.
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج1، ص: 224.
(¬2) المرغناني، الهداية في شرح بداية المبتدي، ج1، ص:26.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:147.
(¬4) الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم (المتوفى: 360هـ)، المعجم الأوسط، (تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، وآخرون)، القاهرة- دار الحرمين، [باب: الألف]، حديث رقم: (1115)، ج2، ص: 26.
الفرع الأول: صورة المسألة: لو أراد مسلم أن يرفع المصحف الشريف، أو يحوله من مكان الى آخر، ويحمله في يده، هل يشترط له أن يكون على طهارة كاملة من الحدثين الأصغر والأكبر؟
اتفق السادة الحنفية على كراهة مس المصحف الشريف للمحدث، سواء كان هذا الحدث حدثا أكبر، كالحيض والجنابة، أو حدثا أصغر، كعدم الوضوء، فلا يجوز للمحدث والجنب مس المصحف إلا بغلافه (¬1).
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
قوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} (¬2).
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يمس القرآن إلا طاهر» (¬3).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
ومن الصيغ المعبرة عن كراهة مس المصحف الشريف لغير المتوضئ: يكره، ولا يجوز، قال في الاختيار: " ولا يجوز للمحدث والجنب مس المصحف إلا بغلافه، غير المشرز (¬4) " (¬5).
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
¬
(¬1) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص: 13.
(¬2) الواقعة: (الآية: 79).
(¬3) الأصبحي، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)، الموطأ، (تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي)، الطبعة: الأولى، 1425 هـ - 2004 م، الإمارات، أبو ظبي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، [كتاب: العيدين]، [باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن]، حديث رقم: (680)،ج2، ص:278. قال في بلوغ المرام: ضعيف، ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، (تحقيق: سمير بن أمين الزهري)، الطبعة: السابعة، 1424 هـ، الرياض- دار الفلق، ج1، ص:27.
(¬4) المشرز، كمعظم: المشدود بعضه إلى بعض المضموم طرفاه، فإن لم يضم طرفاه فهو مسرس، بسينين، وليس بمشرز، مشتق من الشيرازة وهي أعجمية استعملها العرب، وحديدة مشارزة: تقطع كل شيء مرت عليه، وهو مجاز. الزَّبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، (المتوفى: 1205هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، (تحقيق: مجموعة من المحققين)، دار الهداية، ج15، ص:177.
(¬5) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج1، ص: 13.
المراد بالكراهة في مس المصحف للمحدث الكراهة التحريمية؛ لإطلاقها بلا تقييد؛ ولإنها اذا لم تقيد بما يشعر أنها تنزيهية تحمل على التحريمية، ولورود النهي عن ذلك، لكن هذا النهي ثبت بأدلة تفيد الظن لا القطع فقالوا بكراهته ولم يقولوا بحرمته، ويستفاد أيضا من عبارات الفقهاء على أن المراد كراهة التحريم (¬1).
وكذلك مس كتاب التفسير؛ لأنه يصير بمسه ماسا للقرآن، بخلاف مس كتب الفقه فإن كراهة مسها لغير المتوضئ كراهة تنزيه، فإنهم يعبرون عن مسها بقولهم: فلا بأس به، والمستحب له أن لا يفعل (¬2).
ولأن الواجب علينا تعظيم القرآن، ولا يقاس على القراءة لغير المتوضئ فأنها تجوز، قال في بدائع الصنائع: " وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث، واعتبار المس بالقراءة غير سديد، لأن حكم الحدث لم يظهر في الفم وظهر في اليد بدليل أنه افترض غسل اليد، ولم يفترض غسل الفم في الحدث فبطل الاعتبار، ولا مس الدراهم التي عليها القرآن، لأن حرمة المصحف كحرمة ما كتب منه فيستوي فيه الكتابة في المصحف، وعلى الدراهم، ولا مس كتاب التفسير، لأنه يصير بمسه ماسا للقرآن، وأما مس كتاب الفقه، فلا بأس به" (¬3).
ثم لا يجوز حمل المصحف أو مسه لغير المتوضئ إلا بشيء منفصل عن المصحف وعن الحامل كما ذكر ذلك في العناية فقال: " اختلف المشايخ في الغلاف فقال بعضهم هو الجلد الذي عليه، وقال بعضهم هو الكم، وقال بعضهم هو الخريطة، وهو الصحيح؛ لأن الجلد تبع للمصحف والكم تبع للحامل والخريطة ليست بتبع لأحدهم" (¬4).
ويباح لغير المتوضئ قراءة القرآن، دون مسه، كما يباح له دخول المسجد (¬5).
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:34.
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:34.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:33.
(¬4) البابرتي، العناية شرح الهداية، ج1، ص:169.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج1، ص: 32.
واستدلوا على ذلك بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة» (¬1).
ففرقوا بين في القراءة بين المحدث حدثا أصغر والمحدث حدثا أكبر، فيجوز للأول القراءة ولا يجوز للثاني، وأما المس فلا فرق بين حدث أصغر أو أكبر، وقد بين صاحب المحيط سبب هذا التفريق ذلك في قوله: " والوجه في ذلك: أن الجنابة تشمل الفم واليد والحيض كذلك، ولهذا يجب إيصال الماء إلى الفم في الغسل عن الحيض والجنابة، فلا يجوز المس له كما لا يجوز لهما القراءة، وأما الحدث يحل باليد أما لا يحل بالفم، ولهذا لا يجب إيصال الماء إلى الفم في الوضوء عن الحدث، فيقرأ ولا يمس، فإن غسل الجنب الفم أو اليد، وأراد أن يقرأ القرآن، أو يمس المصحف لا يحل له ذلك، وكذلك المحدث إذا غسل اليد، وأراد أن يأخذ المصحف ليس له ذلك؛ لأن الجنابة لا تتجزأ ثبوتاً وزوالاً، والحدث كذلك. وكما لا يحل لهؤلاء مس الكتابة، لا يحل لهم مس البياض" (¬2).
وقال صاحب الجوهرة: " ولا يكره للجنب والحائض والنفساء النظر إلى المصحف؛ لأن الجنابة لا تحل العين ألا ترى أنه لا يفرض إيصال الماء إليها فإن قلت فلو تمضمض الجنب فقد ارتفع حدث الفم فينبغي أن تجوز له التلاوة فهل هو كذلك؟ قال بعضهم يجوز والصحيح أنه لا يجوز؛ لأن بذلك لا ترتفع جنابته وكذا إذا غسل المحدث يديه هل يجوز له المس الصحيح أنه لا يجوز" (¬3).
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
¬
(¬1) رواه في المستدرك بلفظ: قال علي رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الخلاء فيقضي الحاجة ثم يخرج فيأكل معنا الخبز واللحم ويقرأ القرآن ولا يحجبه - وربما قال: ولا يحجزه - عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة - أو إلا الجنابة -»، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم (المتوفى: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، (تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا)، الطبعة: الأولى، 1411 – 1990، بيروت - دار الكتب العلمية، [كتاب: الأطعمة]، حديث رقم: (7083)، ج4، ص:120.
(¬2) ابن مازة، المحيط البرهاني، ج5، ص:320.
(¬3) الحدادي، الجوهرة النيرة، الطبعة: ج1، ص:31.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة تحريمية فالأثر المترتب عيها هو الإثم لمن مس المصحف الشريف بلا طهارة من الحدثين، والثواب لمن لا يحمله إلا على طهارة كاملة (¬1).
المطلب السابع: يكره لغير المتوضئ طواف التطوع بالبيت الحرام:
الفرع الأول: صورة المسألة: لو أن رجلا أراد أن يتطوع بالطواف حول الكعبة المشرة، فهل يشترط له أن يكون على طهارة كاملة من الحدثين الأصغر والأكبر؟.
الفرع الثاني: النصوص الشرعية الواردة في المسألة من القران والسنة:
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الطواف بالبيت صلاة» (¬2).جاء في البدائع: " وإن طاف جاز مع النقصان لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة" (¬3).
وعن عائشة-رضي الله عنها-، أن النبي صلى الله عليه وسلم، أول شيء بدأ به حين قدم مكة «توضأ، ثم طاف بالبيت» (¬4).
الفرع الثالث: صيغة المكروه الدالة على الحكم.
ومن الصيغ المعبرة عن كراهية طواف المحدث: والمستحب له أن لا يفعل، والأولى أن يكون على طهارة، وقد أساء (¬5).
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:34.
(¬2) النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، (المتوفى: 303هـ)، السنن الصغرى للنسائي، (تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة)، الطبعة: الثانية، 1406 – 1986، حلب - مكتب المطبوعات الإسلامية، [كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان]، [باب: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير]، حديث رقم: (2922)، ج5، ص:222. قال في الامتناع: "هذا حديث حسن" ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852هـ)، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، (المحقق: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي)، الطبعة: الأولى، 1418هـ - 1997م، لبنان - بيروت – دار الكتب العلمية، ج 1، ص:62.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص: 34.
(¬4) البيهقي، السنن الكبرى، (كتاب: المناسك)، [باب: الطواف على طهارة وإقلال الكلام فيه إلا بذكر الله عز وجل]، (حديث رقم: 1638)، ج2، ص:178.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:34.
الفرع الرابع: نوع الاكراه في المسألة والحكم المترتب عليه.
المراد بالكراهة في طواف التطوع للمحدث الكراهة التنزيهية؛ لأن المنع الوارد في عبارات الفقهاء يفيد استحباب الطهارة في طواف التطوع مع عدم المنع من الطواف بلا طهارة، كما افاد ذلك ابن الكاساني في معرض كلامه عن طواف التطوع فقال: والمستحب له أن لا يفعل، ولا يطوف بالبيت (¬1).
الفرع الخامس: الاثر المترتب على الكراهة.
وبما أن الكراهة في هذه المسألة كراهة تنزيهية فالأثر المترتب عليها الثواب لمن يطوف التطوع على طهارة كاملة، وعدم الإثم لمن طاف بلا وضوء، جاء في الجوهرة: " الأحداث ثلاثة حدث صغير وحدث وسط وحدث كبير فالصغير ما يوجب الوضوء لا غير كالبول والغائط والقيء إذا ملأ الفم وخروج الدم والقيح من البدن إذا تجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير والحدث الوسط هو الجنابة والحدث الكبير الحيض والنفاس فتأثير الحدث الصغير تحريم الصلاة وسجدة التلاوة ومس المصحف وكراهة الطواف، والحدث الأوسط تأثيره تحريم هذه الأشياء المذكورة ويزيد عليها بتحريم قراءة القرآن ودخول المسجد والحدث الكبير تأثيره تحريم هذه الأشياء كلها ويزيد عليها بتحريم الصوم وتحريم الوطء وكراهة الطلاق" (¬2).
الخاتمة:
في الختام يرى الباحث أن الكراهة التحريمية عند الحنفية من الاحكام المهمة؛ لأنها تدخل في أبواب عديدة، وفروع لا تحصى، فكانت لها مكانة خاصة لتوسطها بين الحلال والحرام .... ومن خلال ما مضى يرى الباحث:
1 - أن مفهوم الكراهية يختلف بحسب اقسامها، فالتحريمية: هي إلى الحرام أقرب والترك فيها واجب، ودليلها ظنيّ، والتنزيهية: ما كان تركه أولى وأحب من فعله، وهي الى الحلال أقرب.
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج1، ص:34.
(¬2) الحدادي، الجوهرة النيرة، الطبعة: ج1، ص:31.
2 - أن هناك صيغ مستخدمة تدل على حكم الكراهة لكل قسم منها، ففي التحريمية يستخدم لفظ المكروه، ولا يجوز، وفي التنزيهية يعبر بألفاظ أخرى مثل، خلاف الأولى، ولا يستحب، ولا ينبغي.
3 - أن الكراهة تقسم الى قسمين عند الحنفية، كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهية.
4 - أن أثر الكراهة في مسائل الطهارة ذو أهمية كبيرة حيث أنه يدخل في أغلب المسائل الفقهية، حيث يترتب عليها الثواب بالترك بقسميها، والعقاب بفعل الكراهة التحريمية فقط.
التوصيات:
يوصي الباحث الدارسين لعلوم الشريعة، والمتصدرين للإفتاء بما يأتي:
أ عدم المجازفة في الفتوى، والنظر العميق لمعرفة الحكم المراد من خلال تتبع عبارات الفقهاء وعدم الجمود على ظاهر المذهب في الفتوى.
ب معرفة اصطلاحات الفقهاء من قبل طالب العلم الشرعي، والحكم المترتب عليها.
ج- توصية طلبة العلم بالكتابة في موضوعات لها علاقة في اصطلاحات الفقهاء في المذاهب الفقهية كمذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
وفي الختام أسأل الله تعالى القبول، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله صدقة جارية لي ولوالدي، إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والحمد لله رب العالمين.
قائمة المصادر و المراجع
1 - الأصبحي، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)، الموطأ، (تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي)، الطبعة: الأولى، 1425 هـ - 2004 م، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي – الإمارات.
2 - البابرتي، محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين (المتوفى: 786هـ)، العناية شرح الهداية، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار الفكر.
3 - البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، (ت 256)، صحيح البخاري، (تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر)، الطبعة: الأولى، 1422هـ، دار طوق النجاة.
4 - بن عابدين، قره عين الأخيار لتكملة رد المحتار علي «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان.
5 - البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458هـ)، السنن الكبرى، (تحقيق: محمد عبد القادر عطا)، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
6 - الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، سنن الترمذي، (تحقيق: أحمد محمد شاكر، واخرون)، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر.
7 - التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: 793هـ)، شرح التلويح على التوضيح، بدون طبعة وبدون تاريخ، مكتبة صبيح بمصر.
8 - أبو الحاج، المدخل المفصل الى للفقه الحنفي، الطبعة الأولى، 2015،دار الفاروق.
9 - أبو الحاج، صلاح، المرقاة شرح مقدمة الصلاة، الطبعة الثالثة:1441?- 2020م، مركز أنوار العلماء.
10 - ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، (تحقيق: سمير بن أمين الزهري)، الطبعة: السابعة، 1424 هـ، دار الفلق – الرياض.
11 - ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852هـ)، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، (المحقق: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي)، الطبعة: الأولى، 1418هـ - 1997م، دار الكتب العلمية - بيروت – لبنان.
12 - الحدادي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني الحنفي (المتوفى: 800هـ)، الجوهرة النيرة، الطبعة: الأولى، 1322هـ، المطبعة الخيرية.
13 - أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، سنن أبي داود، (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد) المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.
14 - الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: 666هـ) مختار الصحاح (تحقيق: يوسف الشيخ محمد)، الطبعة: الخامسة، 1420هـ / 1999م، المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت – صيدا.
15 - الرازي، محمد بن أبي بكر الحنفي، نفحات السلوك على تحفة الملوك، (المحشي: صلاح أبو الحاج)، الطبعة: الأولى2006 م، دار الفاروق.
16 - الزَّبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، (المتوفى: 1205هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، (تحقيق: مجموعة من المحققين)، دار الهداية.
17 - السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ) المبسوط، تاريخ النشر: 1414هـ-1993م بدون طبعة، دار المعرفة – بيروت.
18 - الشرنبلالي حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي (المتوفى: 1069هـ)، مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح، الطبعة: الأولى، 1425 هـ - 2005 م، المكتبة العصرية.
19 - شيخي زاده، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان (المتوفى: 1078هـ)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وبدون تاريخ.
20 - الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم (المتوفى: 360هـ)، المعجم الأوسط، (تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، وآخرون)، دار الحرمين – القاهرة
21 - الطحطاوي، أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي - توفي 1231 هـ، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، (تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي) الطبعة الأولى 1418هـ - 1997م، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.
22 - ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار. وأبو الحاج، صلاح، المرقاة شرح مقدمة الصلاة.
23 - العيني، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (المتوفى: 855هـ) البناية شرح الهداية، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان.
24 - العيني، شرح سنن أبي داود، (تحقيق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري)، الطبعة: الأولى، 1420 هـ -1999 م، مكتبة الرشد – الرياض.
25 - أبو الفداء، إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء (المتوفى: 1162هـ)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، الطبعة: الأولى، 1420هـ - 2000م، المكتبة العصرية.
26 - الفيومي، أبو العباس، أحمد بن محمد بن علي المتوفى (770?) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية- بيروت.
27 - القونوي، قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي الرومي الحنفي (المتوفى: 978هـ) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، تحقيق: يحيى حسن مراد) الطبعة: 2004م-1424هـ، دار الكتب العلمية.
28 - الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي (المتوفى: 587هـ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة: الثانية، 1406هـ - 1986م، دار الكتب العلمية.
29 - الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094هـ) الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري) مؤسسة الرسالة – بيروت.
30 - اللكنوي، عبد الحي اللكنوي الحنفي (ت1304هـ) عمدة الرعاية على شرح الوقاية، (تحقيق: صلاح أبو الحاج) الطبعة الأولى، 2009م، دار الكتب العلمية.
31 - ابن مَازَةَ، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (المتوفى: 616هـ)، المحيط البرهاني، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
32 - المحبوبي، صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ)، نهاية النقاية على شرح الوقاية، (تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج)، الطبعة: الأولى،2005م، دار الوراق، عمان، الأردن.
33 - محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، معجم لغة الفقهاء، الطبعة: الثانية، 1408 هـ - 1988 م، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع.
34 - المرغناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، أبو الحسن برهان الدين (المتوفى: 593هـ)، الهداية في شرح بداية المبتدي، (تحقيق: طلال يوسف)، دار احياء التراث العربي - بيروت – لبنان.
35 - مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، صحيح مسلم، (المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
36 - المطرزي، أبو الفتح ناصر الدين بن عبد السيدبن علي بن المطرز، المغرب في ترتيب المعرب، (تحقيق: محمود فاخوري و عبدالحميد مختار) الطبعة الأولى، 1979، مكتبة أسامة بن زيد – حلب.
37 - ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ) لسان العرب، الطبعة: الثالثة - 1414 هـ، بيروت - دار صادر.
38 - ملا خسرو، محمد بن فرامرز بن علي (المتوفى: 885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية.
39 - الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ) الاختيار لتعليل المختار، تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م، مطبعة الحلبي – القاهرة.
40 - ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المصري (المتوفى: 970هـ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ.
41 - النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، (المتوفى: 303هـ)، السنن الصغرى للنسائي، (تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة)، الطبعة: الثانية، 1406 – 1986،مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب.
42 - النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم (المتوفى: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، (تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا)، الطبعة: الأولى، 1411 – 1990، دار الكتب العلمية - بيروت.
43 - ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (المتوفى: 861هـ)، فتح القدير، بدون طبعة وبدون تاريخ، دار الفكر.