جامعة العلوم الإسلامية العالمية
السلطة المختصة بالتنفيذ نظرة تاريخية
إعداد
د. صهيب عبد الله بشير الشخانبه
قاضي شرعي - دائرة قاضي القضاة
مادبا - الاردن
د. محمود عناد حمدان الفلاح
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان - الاردن
2023
جارٍ تحميل الكتاب…
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
السلطة المختصة بالتنفيذ نظرة تاريخية
إعداد
د. صهيب عبد الله بشير الشخانبه
قاضي شرعي - دائرة قاضي القضاة
مادبا - الاردن
د. محمود عناد حمدان الفلاح
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان - الاردن
2023
الملخص
السلطة المختصة بالتنفيذ - نظرة تاريخية
تناولت هذه الدراسة المراحل التاريخية التي مرت بها السلطة المختصة بالتنفيذ، وبينت ما كان عليه التنفيذ في الشرائع القديمة، حتى قيام الدولة الحديثة، التي نشأت على فكرة عدم جواز الاقتضاء الذاتي للحق، وتنظيم إجراءات التنفيذ كما عليه الحال في قوانين التنفيذ المعاصرة، وعملت الدراسة على ابراز ملامح السلطة المختصة بالتنفيذ خلال بعض الحضارات الانسانية، لتضع تصوراً علمياً للمشرع في العصر الحاضر، بأهمية السلطة التي تتولى مهمة التنفيذ، ويوليها اهتماما خاصاً ومراجعة دائمة، بما يكفل تحقيق العدالة وعدم ايقاع الظلم على أي من أطراف التنفيذ، وهذا كله لا يتأتى إلا من خلال النظر الى ما اعترى التشريعات القديمة والمتتالية، لنتمكن من الوقوف على اشكالية تطبيقاته في كل مرحلة مر بها، ثم يتمكن القائمون على وضع القوانين من تقييم السلطة المختصة بالتنفيذ في تلك المراحل، ثم تكييفه على واقع تشريعي ملائم.
Summary
The enforcement authority - a historical view
This study dealt with the historical stages that the authority competent with implementation went through, and showed what implementation was like in the ancient laws, until the establishment of the modern state, which arose on the idea of the non-permissibility of the self-enforcement of the right, and the organization of implementation procedures as is the case in contemporary implementation laws. Showing the features of the authority competent in implementation during some human civilizations, to develop a scientific perception for the legislator in the present era, of the importance of the authority that undertakes the task of implementation, and gives it special attention and permanent review, in a way that guarantees the achievement of justice and not inflicting injustice on any of the parties to implementation, and all this can only come from By looking at what happened to the old and successive legislations, so that we can stand on the problematic of its applications in each stage it went through, then those in charge of setting the laws can evaluate the competent authority for implementation in those stages, and then adapt it to an appropriate legislative reality.
الكلمات الدالة: تنفيذ، السلطة، قضاء، محاكم
المقدمة
لم تكن السلطة المختصة بالتنفيذ عبر تاريخ نشوء الحضارات الانسانية على ما هو عليه الحال الان، فقد تولى الفرد حماية حقه بنفسه وبتضامن القبيلة التي ينتمي إليها، ولأن الانسان مدني بطبيعته يعيش ضمن جماعات، فقد ظهرت السلطة لتوفير حماية الحقوق، ورد هذه الحقوق لأصحابها عند الاعتداء عليها من قبل الاخرين، وكان على الدائن إذا رغب بالحصول على حقه، أن يستعين بالسلطة المختصة، لاتخاذ الاجراءات اللازمة لتحصيل الحق، التي تستعين بكافة سلطات الدولة لغاية معاونتها على تحصيل الحق للدائن.
وتظهر هذه الدراسة من خلال دراسة تاريخية لسلطة المختصة بالتنفيذ شابها بعض الاضطراب في مواجهة تحقيق العدالة في مراعاة مختلف الاعتبارات في اجراءات التنفيذ، فقد راعت بعض التشريعات مصلحة الدائن، وقدمتها على مصلحة المدين، مما أرهق المدين بإفقاره وتجريده من جميع ممتلكاته، بينما راعت أخرى مصلحة المدين، مما أدى ذلك إلى تأخير تنفيذ الحقوق وتحصيلها، وبعض تلك التشريعات بالغت في مراعاة مصلحة الدائن، مما أدى إلى إهدار حياة المدين وانسانيته.
وبعد التطور الفكري والقانوني للبشرية استقر الأمر إلى عدم جواز أن يقوم الدائن بتحصيل حقه بنفسه، ولم تجز له التشريعات ذلك، والمجتمع المتحضر يرفض أي اجراء فيه اساءة للفرد حتى ولو كان الدائن يملك سنداً تنفيذياً يؤكد وجود هذا الحق، بل أن التشريعات استطاعت أن توجه السلطة المختصة بالتنفيذ لمراعاة المصلحة لجميع أطراف التنفيذ، حماية للمجتمع، ومراعاة الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية للمدين، وحماية للمدين من تعسف الدائن في المطالبة الجائرة، مع ضمان حق الدائن وعدم اضاعة حقه، وهذه المراعاة في المحصلة تهدف إلى المحافظة على الأمن والنظام العام، وفي حال قيام الدائن بتحصيل حقه بنفسه، فان عمله هذا يعد جريمة في القانون.
مشكلة الدراسة
تكمن مشكلة الدراسة في ابراز ملامح السلطة المختصة بالتنفيذ من خلال بعض التشريعات، وإظهار أثرها المباشر على أطراف التنفيذ، والتي من الممكن في كثير من الاحيان ان تساهم السلطة المختصة بالتنفيذ إلى وقوع الظلم على شخص المدين بإرهاقه اقتصادياً وانسانياً.
أهمية الدراسة:
وتكمن أهمية الدراسة في كونها من الدراسات التي تسلط الضوء على موضوع السلطة المختصة بالتنفيذ عبر بعض المراحل التاريخية، وهذا من شأنه أن يُكون تصوراً للمشرع في العصر الحاضر، إلى أهمية السلطة التي تتولى مهمة التنفيذ، ويوليها اهتماماً خاصاً ومراجعات دائمة، بحيث تكون هذه السلطة قادرة على الاحاطة بجميع الاعتبارات التي قد تؤثر بشكل خاص على أطراف التنفيذ، وعدم اهمال النظرة المعتبرة في مراعاة مصلحة الغير، والتأكيد على مراعاة المصلحة العامة، والمحافظة على النظام العام، وهذا من خلال القوانين التي تحكم القواعد الخاصة التي تحرص على تحقيق العدالة،
وهذا كله يستفاد من خلال دراسة بعض التشريعات القديمة والمتتالية، لواقع السلطة المختصة بالتنفيذ فيها.
الدراسات السابقة
لم يجد الباحثان حسب اطلاعهما، أن أحداً من الباحثين أفرد هذا الموضوع ببحث مستقل، على النحو الذي قاما به، إلا أن هناك دراسة بعنوان: "اختصاصات قاضي التنفيذ وتطبيقاتها في النظام السعودي دراسة تأصيلية مقارنة"، رسالة ماجستير للطالب عبد العزيز بن صالح البراهيم، جامعة نايف للعلوم الأمنية، 2008م، إلا ان الدراسة المذكورة تطرقت إلى المقارنة بين النظام السعودي والقانون المصري فقط، وفي بحثنا هذا قمنا بإلقاء الضوء على تاريخ السلطة المختصة بالتنفيذ.
خطة الدراسة
تقع الدراسة في خمسة مباحث على النحو الآتي:
المقدمة
المبحث الأول: مفهوم التنفيذ
المبحث الثاني: السلطة المختصة بالتنفيذ في الشرائع القديمة
المبحث الثالث: السلطة المختصة بالتنفيذ في صدر الإسلام
المبحث الرابع: السلطة المختصة بالتنفيذ في عصر الخلافة الإسلامية
المبحث الخامس: السلطة المختصة بالتنفيذ في النظام القضائي الأردني
النتائج
التوصيات
المبحث الأول: مفهوم التنفيذ
المطلب الأول: تعريف التنفيذ في اللغة:
التنفيذ مصدر (نَفَذَ)، وللفعل نفذ معان متعددة في اللغة، فقد يأتي بمعنى: الإمضاء، والجواز، والجريان، والخلوص، والاختراق، والمخالطة، وأقرب هذه المعاني لموضوع بحثنا، هو أنه إمضاء الشيء، يقال: نفذ الأمر بمعنى مضى، وتنفيذ الحكم يعني: إخراجه إلى العمل على حسب منطوقه (¬1).
والتنفيذ إخراج الشيء من نطاق التصور إلى نطاق العمل، والواقع الملموس (¬2).
¬
(¬1) الفيومي، أحمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، (بيروت: المكتبة العلمية، دون تاريخ)، دون طبعة، ج:2، ص:616، وابن منظور، محمد، لسان العرب، (بيروت: دار صادر، 1414هـ)، ط3، ج:3، ص:514وما بعدها، والرازي، محمد، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، (بيروت: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، 1999م)، ط 5، ص:315، والفيروز آبادي، محمد، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م)، بدون طبعة، ص:298، والزيات، أحمد، وآخرون، المعجم الوسيط، (استانبول: المكتبة الإسلامية، 1972م)، ط 2، ج: 2، ص: 939.
(¬2) الزيات، المعجم الوسيط، ج: 2، ص: 939.
المطلب الثاني: مفهوم التنفيذ في الاصطلاح الشرعي:
المعنى العام للتنفيذ في الاصطلاح الشرعي هو: ((إمضاء ما حكم به)) (¬1).
أما المعنى الخاص لمفهوم التنفيذ، فيختلف باختلاف الجانب العملي للتنفيذ: فيمكن أن نستخلص مفهوم التنفيذ، من خلال ما بينه الفقهاء من إجراءات عملية للتنفيذ، عند حديثهم عن اختصاص القاضي الذي يتولى مهمة التنفيذ، فقد يتولى التنفيذ القاضي الذي أصدر الحكم، وقد يتولى التنفيذ غيره من القضاة، وقد يتولى التنفيذ والي المظالم (¬2).
وقد عرف ابن فرحون والطرابلسي والقرافي التنفيذ، من خلال حديثهم عن تنفيذ القاضي للحكم الذي يصدره، فقالوا: التنفيذ هو ((الإلزام بالحبس، وأخذ المال بيد القوة، ودفعه لمستحقه، وتخليص سائر الحقوق، وإيقاع الطلاق على من يجوز له إيقاعه عليه، ونحو ذلك)) (¬3).
وكذلك عرف آخرون التنفيذ، من خلال حديثهم عن تنفيذ القاضي لحكم غيره من القضاة، واختلافهم في اعتبار التنفيذ حكم أم لا، فقد ذهب ابن الشِّحْنَة، إلى عدم اعتبار التنفيذ حكماً (¬4).
وذهب ابن عابدين إلى أن الأصل في التنفيذ أن يكون حكماً، إذ من صيغ القضاء قول القاضي، أنفذت عليك القضاء (¬5)، وبين ياسين في نظرية الدعوى أن الفائدة من اعتبار التنفيذ حكماً آخر، هو تأكيد الحكم الأول (¬6)، ويتعين على القاضي المنفذ أن يقول: ((حكمت بما حكم به الأول))، ولا يتصور منه ذلك، إلا إذا جرت بين يدي القاضي المنفذ خصومة صحيحة، من خصم على خصم، ثم يمضيه وينفذه ويلزمه العمل بمقتضاه (¬7).
وتعرض في تبصرة الحكام لمفهوم التنفيذ عند الحديث عن قيام والي المظالم بتنفيذ الأحكام التي يعجز القضاة عن تنفيذها، فالحاكم الضعيف يصدر الحكم ويعجز عن تنفيذه، مثل الحاكم الضعيف
¬
(¬1) الرصاع، محمد، شرح حدود ابن عرفة، (المكتبة العلمية، 1350هـ)، ط 1، ص:434.
(¬2) ابن فرحون، إبراهيم، تبصرة الحكام في أصول الاقضية ومناهج الاحكام، (بيروت: دار الكتب ... العلمية، 1301هـ)، ط 1، ج:1، ص:132، والطرابلسي، علي، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، (مصر: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، 1973م) ط 2، ص:11و52، والقرافي، أحمد، الفروق، تحقيق: خليل منصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م)، بدون طبعة، ج:4، ص:125.
(¬3) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج:1، ص:132، والطرابلسي، معين الحكام، ص: 52، والقرافي، الفروق، ج:4، ص: 125.
(¬4) ابن الشحنة، إبراهيم، لسان الحكام في معرفة الأحكام، (مصر، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، 1973م)، ط 2، ص: 222.
(¬5) ابن عابدين، محمد، رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين"، (بيروت: دار الفكر،1992م)، ط 2، ج:5، ص: 353.وابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (دار الكتاب الاسلامي، بدون تاريخ)، ط 2، ج:6، ص 281، والبهوتي، منصور، كشاف القناع عن متن الإقناع، تحقيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، (السعودية، وزارة العدل، 2000م)، ط1، ج: 15، ص: 171 وما بعدها، والسيوطي، مصطفى، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، (المكتب الإسلامي، 1994م)، ط 2، ج: 6، ص: 488.
(¬6) ياسين، محمد، نظرية الدعوى، (عمان: دار النفائس، 2005م)، ط 3، ص: 656.
(¬7) ابن الشحنة، لسان الحكام، ص: 222، والسيوطي، مطالب أولي النهى، ج: 6، ص: 488.
القدرة على الملوك والجبابرة، فهذا لا يملك إلا إنشاء الإلزام بالحكم وليست عنده القدرة على تنفيذه، مثله مثل المحكم ليست له قوة التنفيذ (¬1).
وقد أشار الماوردي لمفهوم التنفيذ عند حديثه عن اختصاصات القاضي العامة، فقالوا: هو ((استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها)) (¬2)، وإجبار المحكوم عليه بأداء الحق المحكوم به، لا يكون إلا بعد إصدار القاضي للحكم بين طرفين في خصومة، وكذلك ذكر ابن فرحون من اختصاصات القاضي: إقامة الحدود على مستحقيها (¬3).
ويتضح لنا من خلال بيان أقوال الفقهاء السابقة في التنفيذ، أنه يغلب عليها الجانب العملي للتنفيذ، من خلال بيان الشخص المختص بالتنفيذ، وفي جميع الأحوال يقوم القاضي بإمضاء الحكم، وذلك بإعمال الوسائل المتاحة للتنفيذ على الأشخاص من حبس وحجز وغيره.
وعليه فانه يمكن تعريف التنفيذ عند الفقهاء بأنه: إمضاء ما وجب على شخص معين بأدائه جبراً، لمصلحة شخص آخر.
المطلب الثالث: تعريف التنفيذ في الاصطلاح القانوني:
لم يعرِّف القانون ((التنفيذ))، وقد ترك هذه المهمة لاجتهادات شراح القانون، وعلى إثر ذلك تعددت تعريفات التنفيذ عند شراح القانون، وبالنظر إليها نجد بأنها تدور في فلك واحد، وتتفق في المعنى والهدف، رغم أنها اختلفت في الصياغة، فهي تدور حول الحديث عن أطراف التنفيذ، وذلك ما بين إعمال قواعد القانون، وبإشراف السلطات العامة، وما بين حصول الدائن على حقه، بإجبار المدين على الوفاء، والغاية بأن يحصل الدائن على حقه (¬4).
المبحث الثاني: السلطة المختصة بالتنفيذ في الشرائع القديمة
المطلب الأول: الشريعة اليهودية:
¬
(¬1) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج:1، ص: 132، والطرابلسي، معين الحكام، ص: 52، والرصاع، شرح حدود ابن عرفة، ص:436، وابن العربي، محمد، أحكام القران، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ط 3، ج: 4، ص: 61.
(¬2) الماوردي، علي، الأحكام السلطانية، (القاهرة: دار الحديث، بدون تاريخ) بدون طبعة، ص: 119، وأبو يعلى، محمد، الأحكام السلطانية، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م)، ط 2، ص: 66.
(¬3) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج: 1، ص: 18.
(¬4) وقد عرف قانون التنفيذ الجبري اليميني التنفيذ بأنه: ((ما تقوم به محكمة التنفيذ من إجراءات لإجبار المدين أو المحكوم عليه بالوفاء بما تضمنه سند تنفيذي يؤكد حق طالب التنفيذ منه وفقاً للشرع والقانون)). بديوي، عبد العزيز، قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظ في قانون المرافعات بالمقارنة بأحكام الشريعة الاسلامية، (مصر: دار الفكر العربي، 1970م)، ط 2، ص:7، ومبارك، سعيد، أحكام قانون التنفيذ، (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1989م)، ط 1، ص:73، والمادة (314) من قانون التنفيذ الجبري في قانون المرافعات والتنفيذ اليمني رقم (40) لسنة (2002م)، نقلاً عن الجبلي، الجبلي، نجيب، الوسيط قي قانون التنفيذ الجبري، ط 1، (الإسكندرية: مكتبة الوفاء القانونية، 2014م)، ط 1، ص: 16.
اهتمت الشريعة اليهودية في وضع التشريعات والقواعد، التي تكفل للمحكوم له الحصول على أمواله، وأعطت للمحكوم له الحق باقتضائها بالقوة الجبرية، في حال امتنع المحكوم عليه عن الوفاء (¬1).
وتُعطي هذه القواعد للمحكوم له الحق بطلب تنفيذ الحكم الصادر لصالحه، ويحق للمحكوم له فور صدور الحكم لمصلحته، إلزام المحكوم عليه بدفع الدين، إذا كان المحكوم عليه لا يملك عقارات، أما إذا قدم المحكوم عليه كفيلاً مليئاً يكفل المحكوم عليه، فانه يُمهل مدة شهر على الأكثر، ويتعين على المحكوم له انتظار مدة الإمهال، فان امتنع عن الوفاء بالدين يحجز على أمواله وتباع جبراً عنه حتى يستوفي المحكوم له حقه من ثمنها (¬2).
وكان للمحكوم عليهم من الأرامل والأيتام معاملة خاصة، وذلك بخصوص مدة إمهالهم، فانهم يتمتعون بمهلة الشهر ولو لم يملكوا عقاراً، فاذا أثبتوا أنهم يملكون عقاراً، فانهم يمهلون ثلاثة أشهر (¬3).
والذي يختص بأعمال التنفيذ في الشريعة اليهودية ممثل للقاضي ويسمى رسول القاضي، وهو ممثل شخصي له (¬4)، وعند قيام رسول القاضي بإجراءات التنفيذ وجب على جميع الناس احترام رسول القاضي كما يحترمون القاضي نفسهُ، ومن تعدى عليه بالقول أو آذاه بالفعل أثناء تأدية وظيفته فعقابه كعقاب من يتعدى على نفس القاضي سواء بسواء، ويتوجب على الرسول أن يتنحى عن القيام بواجبه إذا كان على علاقة مصاهرة أو قرابة بأحد أطراف خصومة التنفيذ (¬5).
وعليه فان الدائن في الشريعة اليهودية، لا يقتضي حقه بنفسه، ولكنه يلجأ إلى السلطة العامة كي تنتصف له، وممثل السلطة العامة الذي يقوم بالتنفيذ يسمى رسول القاضي، ولم يكن في الشريعة اليهودية قاضٍ مختص يقوم بالأعمال التنفيذية، حيث كان قاضي الموضوع هو المختص بمسائل التنفيذ، ويرجع له رسول القاضي في حال صادفت إجراءات التنفيذ عقبات قانونية.
المطلب الثاني: التشريع الجرماني:
الشكلية الجامدة كانت سمة واضحة في الشريعة الجرمانية، وكانت تستخدم وسائل غير منطقية، كالامتحان الإلهي أو القسامة، وكان من يأتي الامتحان الإلهي أو القسامة لمصلحته يشرع فوراً بالتنفيذ بنفسه، بالإضافة إلى ان القانون الجرماني كان يعطي مجالاً واسعاً للأفراد لاقتضاء حقوقهم بالقوة ومن تلقاء أنفسهم دون التجاء سابق إلى القضاء، وكان الدائن يقوم بالتنفيذ قبل إصدار الحكم في الموضوع (¬6).
وعلى هذا فان التنفيذ في هذه المرحلة كان بيد الدائن، الذي كان يقوم بالتنفيذ لاقتضاء حقه من المدين، بتدخل شبه محدود من النظام القضائي، ثم وفي مراحل لاحقه لم يكن دور القضاء إصدار
¬
(¬1) عبد الفتاح، عزمي، نظام قاضي التنفيذ، (القاهرة، دار النهضة العربية، 1978م)، بدون طبعة، ص: 9.
(¬2) صبري، محمد، المقارنات والمقابلات بين أحكام المرافعات والمعاملات والحدود، (القاهرة: مطبعة هندية، 1902م)، ط1، ص: 78 وما بعدها، وعبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ، ص: 10.
(¬3) صبري، المقارنات والمقابلات، ص: 78 وما بعدها.
(¬4) والقاضي يسمى بالعبرية "راب" إذا كان حاصلا على العالمية، ويسمى "دينا" إذا لم يكن حاصلا عليها، ويسمى ممثل القاضي بالعبرية "شليح بيت دين".
(¬5) صبري، المقارنات والمقابلات، ص: 81 وما بعدها.
(¬6) عمر، محمد، مبادئ التنفيذ الجبري، (القاهرة، 1978م)، ط4، ص: 43 وما بعدها.
حكم يؤكد حق الدائن، وإنما إصدار الأوامر لإلزام المدين بالتنفيذ، وبهذا فقد انحاز القانون الجرماني لمصلحة الدائن دون مصلحة المدين (¬1).
المطلب الثالث: التشريع الروماني:
لقد مر القانون الروماني بمراحل وعصور متعددة، وذلك حسب مراحل التطور الحضاري للمجتمع الروماني، وتتميز كل مرحلة منها بخصائص تميزها عن المرحلة الأخرى، وينطبق الأمر كذلك على طرق التنفيذ فقد مرت بالمراحل نفسها (¬2).
وفي المراحل الأولى كان يحق للدائن ان يرهن جسم المدين إذا امتنع عن الوفاء، بحبسه مدة ستين يوماً، ويُعرض للبيع في الأسواق، فإذا لم يستوف الدائن الدين خلال هذه المدة، فان المدين يباع كعبد خارج روما، ليستوفي الدائن حقه من ثمنه (¬3).
وفي المرحلة التالية قيدت سلطة الدائن بحيث لا يستطيع مباشرة دعوى إلقاء اليد على المدين قبل صدور حكم ضد المدين أو إقراره بالدين، فإذا صدر حكم أو وجد سند تنفيذي يتضمن إقرار المدين بالدين، فإن المدين يلحق بالدائن ليقضي حقه من شخصه، ثم بعد ذلك تم تقييد سلطة الدائن في التنفيذ على شخص المدين، حيث سمح القانون للمدين بوفاء دينه عن طريق العمل، ثم بعد ذلك أصبح استرقاق المدين بسب الدين محرماً، واقتصر حق الدائن على حبس المدين فقط، وبعد ذلك أعطى القانون للمدين تفادي الحبس في حال تخلى عن أمواله، ثم لما تهذبت الأخلاق وتنوعت المعاملات تم إدخال الوسائل التي قضت على مبدأ التنفيذ على شخص المدين، وظهر مبدأ التنفيذ على مال المدين (¬4).
وعليه فان دور القضاء لم يكن معدوماً في الاشراف على التنفيذ في القانون الروماني، أما وجود قاض متخصص يشرف على إجراءات التنفيذ ويفصل في منازعاته فلا مجال للحديث عنه في القانون الروماني (¬5).
المطلب الرابع: عند العرب قبل الإسلام:
وهي الفترة التي كانت قبل بعثة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، والمسماة بعصر الجاهلية، ويمكن القول وبالجملة أن النفوس والأموال والأعراض لا حرمة لها عند العرب إلا في القليل النادر قبل ظهور الإسلام، فليس عندهم في أخذ الأموال حدٌّ ينتهون إليه، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد، فكانوا قبائل متنازعة وفيما بينها حروب مشتعلة، وكانت أسباب النزاع بين القبائل العربية اختلافهم على السيادة أو التسابق على موارد الماء ومنابت الكلاء، فوقعت بينهم حروب كثيرة أريقت فيها الدماء وأيام معدودة عرفت بأيام العرب ووقائعها (¬6).
¬
(¬1) حميد، هيكل، الحكم القضائي كسند تنفيذي، (جامعة القاهرة، رسالة دكتوراة، 2010م)، ص:40.
(¬2) الفتلاوي، صاحب، تأريخ القانون، (عمان: دار الثقافة،1998م)، ط 1، ص:106.
(¬3) السعدني، محمود، حضارة الرومان، (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1998م)، ط 1، ص: 190، وبدر، محمد، القانون الروماني، (دار النشر الحديث، 1937م)، بدون طبعة، ص:24.
(¬4) بدر، القانون الروماني، ص:24، وعبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ، ص:14، وجوستنيان، فلافيوس، مدونة جوستنيان في الفقه الروماني، ترجمة: عبد العزيز فهمي، (القاهرة: دار الكاتب المصري، 1946م)، ص:304.
(¬5) عبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ، ص: 16.
(¬6) حسن، حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1967م)، ط 1، ص: 51 وما بعدها.
وعليه فانه يمكن القول أنه لم يكن للعرب في الجاهلية قضاء يحتكمون إليه، على الرغم من انه عرف في الجاهلية نظام المحكمين كثيراً، واشتهر عدد منهم، وصدرت عنهم بعض الأحكام القضائية والحكم المأثورة، وقد كان لكل قبيلة حكم يحكم بين المتنازعين بحسب العادات القبلية والأعراف العربية والبدوية، والتقاليد الموروثة، وكانوا تارة يتحاكمون إلى شيخ القبيلة و تارة إلى من عرف من العرب بالحكماء وتارة إلى الكاهن وتارة إلى من عرف من العرب بحسن رأيه وفهمه، وتبعاً لذلك فانه يتضح لنا أن العرب في الجاهلية لم يكن لديهم نظام يطبقونه في تنفيذ الأحكام (¬1).
المبحث الثالث: السلطة المختصة بالتنفيذ في صدر الإسلام
المطلب الأول: العهد النبوي:
عند ظهور الإسلام لم يكن هناك سلطة تختص بتنفيذ الأحكام، فقد انصب اهتمام الرسول- صلى الله عليه وسلم- في بداية بعثته على الدعوة إلى الله تعالى، وتبليغ رسالة ربه قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} (¬2).
وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بتبليغ كل الأحكام، والأمر المطلق يقتضي الفور، فيكون تأخير تبليغ الأحكام يؤدي إلى مخالفة الأمر بالتبليغ، ومخالفة الأمر لا يجوز، فيكون تأخير التبليغ غير جائز (¬3).
وقد بعث النبي- صلى الله عليه وسلم- في مكة، وأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ولما أُذن له- صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى المدينة، انتشرت هناك دعوته، وكثر متبعوه، ويظهر أن بداية حركة التشريع والتي تلاها القضاء والتنفيذ بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، فقد كان ذلك في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، وكما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- مأموراً بالدعوة والتبليغ، كان مأموراً بالحكم والفصل في الخصومات (¬4)، وقد ورد في القرآن ما يشير إلى ذلك (¬5)، منها قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (¬6)، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَكُن تَسْلِيمًا} (¬7)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (¬8).
وجه الدلالة في الآيات الكريمة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا هنا باتباع حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبالدعوة والتبليغ (¬9).
¬
(¬1) الزحيلي، محمد، تاريخ القضاء في الإسلام، (دمشق: دار الفكر،1995م)، ط 1، ص: 30، وواصل، نصر، السلطات القضائية ونظام القضاء في الاسلام، (مصر: المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ طبعة)، بدون طبعة، ص: 35.
(¬2) سورة المائدة، آية: (67).
(¬3) النملة، عبد الكريم، الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ، (مكتبة الرشد – الرياض)، ط1، 1999 م، ج3، ص 1276.
(¬4) ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا واخرون، (مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1955م)، ط 2، ج: 1، ص: 508.
(¬5) عرنوس، محمود، تاريخ القضاء في الإسلام، (القاهرة: المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، 1934م)، بدون طبعة، ص: 10، وخلاف، عبد الوهاب، السلطات الثلاثة في الإسلام، (الكويت: دار القلم، 1985م)، ط 2، ص: 27 وما بعدها.
(¬6) سورة المائدة، آية: (48).
(¬7) سورة النساء، آية: (65).
(¬8) سورة النساء، آية: (105).
(¬9) النملة، عبد الكريم، الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ، ج5، ص 2347.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم- هو القاضي الأول في الدولة الإسلامية، فقد تولى القضاء بنفسه وولاه غيره من الصحابة -رضي الله عنهم-، وكذلك أعمال التنفيذ تولاها الرسول - صلى الله عليه وسلم- بنفسه وولاها غيره، وقد أدى اتساع الدولة الإسلامية في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى أن يستعين ببعض أصحابه -رضي الله عنهم- في القضاء، منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري والعلاء الحضرمي -رضي الله عنهم-، وكان القضاء جزءً من الولاية، فكان الولاة هم الحكام والقضاة والدعاة، ينوبون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- في فصل الخصومات وإقامة الحدود بين المسلمين، وإيصال الحقوق لمستحقيها .. الخ (¬1).
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مأموراً بالآيات السابقة، من الله تعالى، بالحكم والفصل في الخصومات، ومارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عملياً هذه الوظيفة، وفصل في المنازعات، وحكم في الدعاوى والخلافات العديدة، في العقوبات والحدود والقصاص، وفي الأموال والحقوق، وفي المعاملات والأحوال الشخصية وفي الديون والأراضي والمياه والعقارات والمواريث (¬2).
والذي يفهم من جملة الآثار أنه لا يوجد طريقة معينة تتخذ لتنفيذ الأحكام التي كانت تصدر في الحلال والحرام والفرائض والحقوق المدنية، فبعضها كان ينفذ بواسطة أصحابها وبرضاهم، فأكثر القضاء في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان نوعاً من الإفتاء إذ كان غرض المتقاضين منه أن يعرفوا حكم الله -جل جلاله- فيه لينفذوه، فإذا عرف أحدهم حكم الله -جل جلاله- في أمر من الأمور نفذه، ولم تكن أكثر الخصومات نزاعاً حقيقياً، لكنها كانت صورة من صور السؤال والاستفتاء لمعرفة الحق وتنفيذه.
ومن أمثلة ذلك: ما روي عن أم سلمة هند زوج النبي- صلى الله عليه وسلم-، أنها قالت: "جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم- في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته"، أو قد قال: "لحجته من بعض"، "فإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاماً (¬3) في عنقه يوم القيامة"، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، قالت: فقال - صلى الله عليه وسلم-: "أما إذ قلتما، فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" (¬4).
¬
(¬1) الزحيلي، تاريخ القضاء، ص: 42.
(¬2) الزحيلي، تاريخ القضاء، ص: 42.
(¬3) الاسطام بكسر الهمزة: المسعار الذي يحرك به النار.
(¬4) رواه أحمد في مسنده، (كتاب: الملحق المستدرك من مسند الأنصار بقية خامس عشر الأنصار)، حديث رقم (26717) ج: 44، ص: 307، وقال الزيلعي: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، (تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد)، الطبعة: الأولى، 1414هـ، دار ابن خزيمة – الرياض، ج1، ص 118.
وفي صحيح البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله-جل جلاله- قال: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، بقوله: فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها"، رواه البخاري في صحيحه، (كتاب: الشهادات)، (باب من أقام البينة بعد اليمين)، حديث رقم (2680) ج: 3، ص:180.
وجه الدلالة في الحديث الشريف: أن النبي – عليه الصلاة والسلام- أمرهما بالتوخي في مقدار الحق ثم لم يقنع عليه السلام بالتوخي حتى ضم إليه القرعة وذلك أن التوخي إنما هو أكثر الرأي وغالب الظن والقرعة نوع من البينة فهي أقوى من التوخي ثم أمرهما عليه السلام بعد ذلك بالتحليل ليكون افتراقهما عن تعين براءة وطيب نفس ورضى، فقد قام الرجلان بالتنفيذ من تلقاء أنفسهما عندما أمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك (¬1).
ويظهر: أن من صور التنفيذ، تعيين صحابي ليقوم بالتنفيذ في حادثة معينة، وذلك في الخصومات التي كانت تقع بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما، أنهما قالا: "إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر: وهو أفقه منه، نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجمت " (¬2).
وكان أنيس كأحد الصحابة الذي حضر هذا القضاء، وكان كفؤاً بما كلفه به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالتنفيذ.
وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يأمر بتنفيذ العقوبة، وكان ذلك يحصل بإشرافه، فيقوم الصحابة بتنفيذ أمره، كما حصل في قصة ماعز والغامدية، فقد زنيا في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأتيا إلى رسول- صلى الله عليه وسلم- يطلبان منه أن ينفذ عليه حكم الله-جل جلاله-، فقد روي: "أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني" (¬3).
وفي رواية أخرى: فقال– أي ماعز –: "إني أصبت فاحشة، فأقمه علي، فرده النبي- صلى الله عليه وسلم- مراراً، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأساً إلا أنه أصاب شيئاً يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، فأمرنا: أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد .. " (¬4).
¬
(¬1) العظيم آبادي، محمد أشرف، (عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته)، (دار الكتب العلمية – بيروت)، ط1415 هـ، ص 364.
(¬2) رواه البخاري في صحيحه: (كتاب الشروط)، (باب الشروط التي لا تحل في الحدود)، حديث رقم: (2724)، ج3، ص191.
(¬3) رواه مسلم في صحيحه، (كتاب الحدود)، (باب من اعترف على نفسه بالزنى)، حديث رقم: (1695) ج: 3، ص: 1323.
(¬4) رواه مسلم في صحيحه، (كتاب الحدود)، (باب من اعترف على نفسه بالزنى)، (1694) ج: 3، ص: 1320.
وكذلك ما أمر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- برجم المرأة الغامدية التي اعترفت بالزنا وطلبت تنفيذ حكم الله -جل جلاله- فيها (¬1).
كما يظهر لنا أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يتخذ قوماً معينين لتنفيذ واستيفاء الحدود، فهناك بعض الشواهد التي تدل على أن هناك من ينفذ الأحكام ويقوم عليها، في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم-، ونقل عن ابن العربي قوله: ((أن إيجاب الحدود كان للقضاة، واستيفاءها جعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- لقوم منهم على بن أبي طالب ومحمد بن سلمة)) (¬2).
ويظهر لنا أن بعض القضاة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم-، كانوا ولاة يدخل في اختصاصهم إيجاب الحدود، فكان الولاة من أكفاء أصحابه قوة ونشاطاً وعلماً القادرين على أعباء القضاء وتنفيذ الأحكام، فيروى عن أبي ذر الغفاري أنه قال: "قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: "فضرب بيده على منكبي"، ثم قال:"يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (¬3).
ولم يعرف السجن بمعناه اليوم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومن الأمثلة على التنفيذ بالحبس ما روي: "ان النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة" (¬4)، وكان الحبس بالتعويق والمنع من التصرف، ويكون في بيت أو مسجد، أو بأن يوكل به من يلازمه في المتابعة والمراقبة، ومثل ذلك ما ذكره الخصاف باسناد عن الحسن: "اقتتل أناس من أهل الحجاز فقتلوا بينهم قتيلاً فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فحبسهم" (¬5)، ولم يكن في عهده - صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر -رضي الله عنه- سجن، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز (¬6).
ومما روي في العقوبات التي نفذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه نفى الحكم بن أبي العاص الى الطائف، لكونه حاكاه في مشيته، وفي بعض حركاته فسبه وطرده وقال له: "كذلك فلتكن"، فكان الحكم متخلجاً يرتعش (¬7).
والشواهد كثيرة على مثل ذلك يصعب حصرها، وعليه فان القضاء في العهد النبوي كان أشبه بالإفتاء، وكان الأطراف يسمعون حكم الله تعالى في القضية، فيقولون: سمعاً وطاعة، ويتجهون غالباً لتنفيذ حكم الشرع بأنفسهم على أنفسهم، ويتقيدون بالنص والحكم الذي بينه لهم رسول الله - صلى الله
¬
(¬1) فقد روى مسلم في حديث طويل جاء فيه: " .. قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ "، قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: "آنت؟ "، قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ?، فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: "إذا لا نرجمها وندع ولدها صغير اليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: "فرجمها". رواه مسلم في صحيحه، (كتاب الحدود)، (باب من اعترف على نفسه بالزنى)، حديث رقم: (1695)، ج: 3، ص: 1321.
(¬2) الكتاني، محمد، نظام الحكومة النبوية "التراتيب الإدارية .. "، تحقيق: عبد الله الخالدي، (بيروت، دار الأرقم، بدون تاريخ)، بدون طبعة، ص: 258.
(¬3) رواه مسلم في صحيحه، (كتاب الإمارة)، (باب كراهة الإمارة بغير ضرورة)، (حديث رقم: (1825) ج 3 – ص 1457).
(¬4) رواه الترمذي في سننه، (كتاب: أبواب الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، (باب ما جاء في الحبس في التهمة) حديث رقم (1417) ص: ج4، ص:28، وقال عنه حديث حسن.
(¬5) الحسام الشهيد، عمر، شرح أدب القاضي للخصاف، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994م)، ط1، ص: 214.
(¬6) ابن الهمام، محمد، فتح القدير، (دار الفكر، بدون تاريخ) بدون طبعة، ج: 7، ص: 277.
(¬7) الكتاني، نظام الحكومة النبوية، ص: 250.
عليه وسلم- وبقية القضاة والولاة، وفي الأمور الجنائية كان القاضي نفسه يقوم بتنفيذ الحكم، أو الأمر بتنفيذه ويشرف عليه، فكان القاضي حاكماً ومنفذاً في آن واحد (¬1).
وكان التنفيذ فورياً، وبدون مماطلة ولا تسويف وقيود، بهدف إيصال الحق إلى صاحبه، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ماعزاً بعد اعترافه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأنيس الأسلمي في قصة العسيف: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها" (¬2)، بحرف الفاء للترتيب والتعقيب، واعترفت فرجمها، ولما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لكعب بن مالك بنصف ماله، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ابن أبي حدرد بالدفع فوراً، وأمثلة ذلك كثيرة (¬3).
المطلب الثاني: الخلفاء الراشدين:
ففي عهد أبي بكر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) فقد استعمل عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) على القضاء، في داخل المدينة عاصمة الدولة الإسلامية، فمكث عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) سنة لا يتقدم إليه أحد، وأما خارج المدينة وفي البلدان المختلفة فقد كان أبو بكر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) يستعمل الولاة، ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة، والحكم، وسائر أنواع الولايات (¬4).
أما في عهد عمر بن الخطاب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) فقد اتسعت الدولة الإسلامية، وكثرت أعمال الولاة، فعين عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) القضاة في الأمصار، فكان علي بن أبي طالب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) من قضاة عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) بالمدينة المنورة، وولى أبا موسى الأشعري) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) قضاء البصرة، وولى قيس بن أبي العاص قضاء مصر، وكذلك ولى القضاة في الشام والبصرة والكوفة (¬5)، وكان عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) يقوم بتنفيذ الأحكام، ويطلب بتنفيذها فوراً اقتداءً بالنبي- صلى الله عليه وسلم-، وكان يشاور الصحابة) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهما -) في شأن تنفيذ الأحكام، فقد روى عن عمر بن الخطاب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -): "أنه لم يكن ينفذ الأحكام في الغالب إلا بمجمع من الصحابة، وحضورهم ومشورتهم، مع علمه وفضله وفقهه، وحسن بصيرته بمآخذ الأحكام وطرق القياس ومعرفة الآثار" (¬6).
وكذلك ولى عثمان بن عفان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) القضاة، وقد ذكر أن من قضاته: كعب بن سور، وعثمان بن قيس بن أبي العاص (¬7)، فقد كان عثمان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) يشاور الصحابة في أحكامه، فإذا اجتمعوا على رأي أمضاه، فقد نقل عن عثمان بن عفان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -):"أنه كان، إذا جلس، أحضر أربعة من الصحابة، ثم استشارهم؛ فإذا رأوا ما رآه، أمضاه" (¬8)، والظاهر أن عثمان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -)
¬
(¬1) الزحيلي، تاريخ القضاء، ص: 57.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) الزحيلي، تاريخ القضاء، ص: 57.
(¬4) ابن الأثير، علي، الكامل في التاريخ، (لبنان: دار الكتاب العربي، 1997م)، ط1، ج: 2، ص:233، والسمناني، علي، روضة القضاة وطريق النجاة، تحقيق: صلاح الدين الناهي، (عمان: دار الفرقان،1984م)،ط 2،ج:4،ص:1474.
(¬5) النبهاني، علي، تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983م)، ب طبعة، ص: 22 وما بعدها، و وكيع، محمد، أخبار القضاة، تحقيق: عبد العزيز المراغي، (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1947م)، ط 1، ج: 1، ص: 283، ونفس المرجع، ج: 2، ص: 188، والكندي، محمد، كتاب الولاة وكتاب القضاة، تحقيق: محمد حسن وأحمد المزيدي، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ط 1، ص: 217، والسمناني، روضة القضاة، ج: 4، ص: 1480.
(¬6) النبهاني، المرقبة العليا، ص: 192.
(¬7) السمناني، روضة القضاة، ج: 4، ص: 1483.
(¬8) النبهاني، المرقبة العليا، ص: 192.
قد ترك أمر القضاء في الأمصار للولاة أنفسهم، يختارون له من يرون فيه الكفاية في التولية، أو يقومون أنفسهم بالقضاء مع شؤون الولاية الأخرى (¬1).
وكذلك الأمر في عهد علي بن أبي طالب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) فقد كان له عدة قضاة، منهم من هو من قضاة من كان قبله، ومنهم من ولاه هو القضاء، فمنهم ابن عباس، وشريح بن الحارث بن قيس (¬2)، وفي عهده ترك أمر اختيار القضاة في الأمصار للولاة الذين عينهم فيها (¬3).
وفي العهد الراشدي كانت السلطة القضائية مشتركة بين الخلفاء والولاة وبين القضاة، فكانوا كلهم قضاة، وكان القاضي لا يحكم في الحدود والعقوبات، بل هذا من اختصاص الخلفاء والولاة إلا إذا جعل له الخليفة النظر في بعضها لثقته بكفاءته، فما كان يصدره الخلفاء والولاة من قتل أو قطع أو حبس أو أي حد أو تعزير أو فصل في أي مظلمة كانوا ينفذونه بأنفسهم وبمن يعهدون إليه بالتنفيذ من رجالهم، وما كان للتنفيذ رجال معينون لا في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ولا في عهد الخلفاء الراشدين) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) لأن المسلمين كانوا كلهم جنداً، ويعتقدون أن الحد إذا وجب تنفيذه واجب على كل مسلم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (¬4).
ومن الأمثلة على أن بعض القضاة كانت لهم ولاية التنفيذ إلى جانب ولاية القضاء هو كتاب الخليفة عمر بن الخطاب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) إلى أبي موسى الأشعري) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -)، وإلى غيره من القضاة، فقد جاء فيه: "وأنفذ الحق إذا وضح فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له .. " (¬5).
ومن الأمثلة على قيامهم بالتنفيذ: ما روي من حديث السائب بن يزيد قال: "كنا نأتي بالشارب على عهد رسول- صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) وصدر من خلافة عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) فنقوم عليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -)، فجلد أربعين، حتى عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (¬6).
وجه الدلالة في النصوص السابقة: هو قيامهم الصحابة – رضي الله عنهم- بالتنفيذ (¬7).
والمتتبع للأحكام القضائية في عهده- صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهما -)، وبخاصة الأحكام المدنية وأحكام الأسرة، يجد أن تنفيذ هذه الأحكام لم يثر أية مشاكل لأنها كانت تنفذ عقب صدورها، فكان المتقاضون ينفذونها من تلقاء أنفسهم، دون الحاجة إلى إكراه أو إجبار، فإذا عرف أحدهم الحق وحكم الله -جل جلاله- في أمر من الأمور نفذه، لأن الإيمان كان متمكناً من النفوس وراسخاً في القلوب، فهي أشبه بالفتاوى، والتقاضي فيها أشبه بالاستفتاء أو التحكيم، أو توضيح لأمر مشتبه فيه فمتى وضح لهم بالقضاء ما اشتبه عليهم انقادوا لالتزامه، وإذا شذ منهم من لم ينفذ من تلقاء نفسه حكم القاضي، ففي بعض الأحيان كان القاضي يعمل بنفسه على تنفيذ حكمه سواء
¬
(¬1) القطان، مناع، النظام القضائي في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1993م)، ط1، ص: 56.
(¬2) السمناني، روضة القضاة، ج: 4، ص: 1484.
(¬3) مناع، النظام القضائي، ص: 56.
(¬4) خلاف، السلطات الثلاثة في الإسلام، ص: 76.
(¬5) رواه الدارقطني في سننه، (كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك)، (باب: كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري)، حديث رقم (4471) ج: 5، ص: 367. ولم نقف فيما اطلعنا عليه على الحكم على هذا الحديث.
(¬6) رواه البخاري في صحيحه، (كتاب الحدود)، (باب الضرب بالجريد والنعال)، حديث رقم: (6779) ج: 8، ص: 158.
(¬7) ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 5، ص31.
بالوعظ أو بالزجر، وأحيانا كان يستعين بالوالي على التنفيذ وقد نقل من أقضية هذا العهد أن علياً) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) قضى ونفذ قضاءه (¬1).
والى مثل ذلك أشار الماوردي بقوله: ((ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد؛ لأنهم في الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء، فإن تجور من جفاة أعرابهم متجور ثناه الوعظ أن يدبر وقاده العنف أن يحسن فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم والقضاء تعيينا للحق في جهته لانقيادهم إلى التزامه، واحتاج علي -رضي الله عنه- حين تأخرت إمامته واختلط الناس فيها وتجوزوا إلى فصل صرامة في السياسة وزيادة تيقظ في الوصول إلى غوامض الأحكام فكان أول من سلك هذه الطريقة واستقل بها ولم يخرج فيها إلى نظر المظالم المحض لاستغنائه عنه)) (¬2).
ويمكن القول أن الأحكام في هذه الحقبة المبكرة من تاريخ الدولة الإسلامية لم تكن تدون لعدم وجود الحاجة إليها، لأن الحكم كان ينفذ فور صدروه، ويمكن القول أنه لم يكن هناك قاض مختص يقوم بأعمال التنفيذ إلا أنه كانت هناك رقابة على أعمال تنفيذ الأحكام سواء من الحكام والولاة أو من القضاة أو الناس أنفسهم الذين كانوا يقومون بأنفسهم بعملية التنفيذ كرجم الزاني المحصن.
ويظهر لنا من خلال الكتاب الذي بعثه الخليفة عمر بن الخطاب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) إلى أبي موسى الأشعري) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -)، وإلى غيره من القضاة، اهتمام عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) في تنفيذ الأحكام عند انتهاء المحاكمة ووضوح صاحب الحق، وبين الخليفة أهمية أن يكون الحكم قابلاً للتنفيذ ومقدوراً على تنفيذه فلا فائدة في حكم لا نفاذ له، فقد روى أبي المليح الهذلي نص الكتاب بقوله: ((كتب عمر بن الخطاب) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) إلى أبي موسى الأشعري) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -)، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك بحجة وأنفذ الحق إذا وضح فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له .. )) (¬3).
وقد اتخذ علي) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) تسجناً للصوص، وهو أول من بنى السجن في الإسلام وسماه نافعاً، ولم يكن حصيناً لكونه من قصب فانفلت الناس منه، فبنى آخر وسماه مخيساً (¬4).
وأيضاً أمر عثمان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) بتنفيذ عقوبة الجلد والتعزير في زمنه، فقد أمر سعيد بن العاص بجلد الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) من أمه، فجلده سعيد حد شارب الخمر، ولم يتوان في إقامة الحد على أخيه لأمه، وكذلك أمر عثمان) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) بحبس الشاعر ضابي بن الحارث البرجمي تعزيراً، لهجائه قوماً، وظل هذا الشاعر في الحبس حتى مات (¬5).
المبحث الرابع: السلطة المختصة بالتنفيذ في عصر الخلافة الإسلامية
المطلب الأول: القضاء في عهد الأمويين:
¬
(¬1) خلاف، السلطات الثلاثة في الإسلام، ص: 77 وما بعدها.
(¬2) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص: 130.
(¬3) سبق تخريجه.
(¬4) ابن الطلاع، محمد، أقضية رسول الله ?، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1426هـ)، ص: 10.
(¬5) الزحيلي، تاريخ القضاء، ص: 148.
كان اختيار القضاة في عهد الخلافة الأموية يرجع غالباً إلى ولاة الأمصار والبلدان، فيعين الولاة من يقوم بالقضاء بين الناس، وأحياناً كان القضاة يتم تعينهم من قبل الخلفاء أنفسهم، وأما قاضي حاضرة الخلافة فيوليه الخليفة بنفسه (¬1).
واعتمد القضاة على المصادر نفسها التي جرى عليها القضاة في العهد الراشدي، وذلك بالالتزام بالكتاب والسنة، والإجماع، والسوابق القضائية والاجتهاد مع الاستشارة، وتطور الأمر في السوابق القضائية على الإشادة بقول الصحابة -رضوان الله عليهم- والتقيد غالباً بما صدر عنهم (¬2).
ظهر في العهد الأموي لأول مرة تسجيلاً للأحكام القضائية التي يصدرها القاضي في سجلات وديوان المحكمة ليرجع إليه القاضي عند الحاجة، حيث كانت قبل ذلك تُعرض الدعوى على القاضي، فينظرها ويفصل فيها، ويعلن للخصمين حكمه فيها، فيبين للمحكوم عليه ما بني عليه الحكم، فكان الناس ينفذون الأحكام دون لجاج أو مطل، فلما حصل من المتخاصمين الاختلاف والتناكر والتجاحد للأحكام، أمر القضاة بتسجيل هذه الأحكام، ليلتزم المتخاصمون بالحكم، ويرجعوا إليه عند الحاجة (¬3).
ومن قضاة بني أمية: أبو هريرة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن عبد بن زمعة بن الأسود، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وعمرو بن عبيد الله بن قيس، ونوفل بن مساحق (¬4).
ومن هنا نرى أن السلطة القضائية كانت تناط بأشخاص معينين، يختارهم الخلفاء والولاة، ويخول لهم الصلاحيات الكاملة في الدعاوى، وهذا يعني أن القضاء في العهد الأموي كان مستقلاً عن أي سلطة أخرى، حتى سلطة الخليفة أو الوالي، الذي كانت سلطته تنتهي عند تولية القاضي أو عزله دون أن يكون لهم تدخل في أعمال القاضي واجتهاده وحكمه، وما على الخلفاء والولاة إلا تنفيذ الأحكام التي يصدرها القضاة (¬5).
وكان القاضي ينفذ الحكم الذي يصدره بنفسه، فقد روي في قضاء أبي هريرة) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) في عهد الخلافة الأموية، عن أبي ميمون، وهو سلمة بن المجنون؛ قال: عقلت بعيري، ودخلت المسجد، فجاء رجل، فأطلقه، فجئت إليه؛ فقلت: يا فاعلاً بأمه! فرفعني إلى أبي هريرة، فضربني ثمانين، فركبت بعيري، وأنا أقول (¬6):
لعمرك إني يوم أضرب قائماً ... ثمانين سوطاً إنني لصبور
وكان من واجبات الشرطة، تنفيذ الحدود الشرعية، التي يأمر بها القضاة، ضد كل من يظهر منه فساد في المجتمع الإسلامي، والحدود الشرعية كما هو معروف، مذكورة في القرآن الكريم والسنة
¬
(¬1) وكيع، أخبار القضاة، ج: 1، ص: 141، والصلابي، علي، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، (بيروت: دار المعرفة، 2008م)، ط 2، ج: 1، ص: 282.
(¬2) الصلابي، الدولة الأموية، ج: 1، ص: 285.
(¬3) الصلابي، الدولة الأموية، ج: 1، ص: 283، والزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 179.
(¬4) وكيع، أخبار القضاة، ج: 1، ص: 111وما بعدها.
(¬5) الزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 167.
(¬6) وكيع، أخبار القضاة، ج: 1، ص: 111.
النبوية بينت ذلك، وكان الصحابة والتابعون) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهما -) لديهم غيرة وحرصاً على أوامر الدين وتنفيذها (¬1).
وكان معاوية) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) أول من تنازل عن النظر في الجراح والقتل والقصاص إلى القضاة، فكتب إلى القاضي سُلَيم بن عِتر– قاضيه على مصر – يأمره بالنظر في الجراح، وأن يرفع ذلك إلى صاحب الديوان، وكان سُليم أول قاض نظر في الجراح، وحكم بها، فكان الرجل إذا أصيب فجرح أتى إلى القاضي، وأحضر بينته على الذي جرحه، فيكتب القاضي بذلك الجُرح قصته على عاقلة الجارح ويرفعها إلى صاحب الديوان، فإذا حضر العطاء اقتص من أعطيات عشيرة الجارح ما وجب للمجروح، وينجَّم – يقسَّط – ذلك في ثلاث سنين، فكان الأمر على ذلك (¬2).
وكان القاضي في العهد الأموي عام النظر في الحقوق والأموال، وأحكام الأسرة، والمواريث والقصاص والحدود، ويظهر ذلك جلياً في من سيرة القضاة وأقضيتهم التي ذكرها وكيع في كتابه، أخبار القضاة، والكندي في كتابه الولاة والقضاة، وفي العهد الأموي ضُم إلى القاضي أعمال أخرى بعضها شبه قضائية، وبعضها إدارية، فمن أهم هذه الأعمال في ذلك العصر، النظر في أموال الأيتام، والإشراف على الأوقاف والإفتاء (¬3).
¬
(¬1) الصلابي، الدولة الأموية، ج: 1، ص: 296.
(¬2) الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، ص: 223.
(¬3) الصلابي، الدولة الأموية، ج: 1، ص: 286.
المطلب الثاني: القضاء في عهد العباسيين:
يعتبر العصر العباسي العصر الذهبي للحياة الفكرية، فاتسعت فيه الحضارة وانتشر الإسلام في الممالك، وتجددت حوادث يقتضيها تشعب المعاملات، ودخل الإسلام عدد عظيم من الفرس والروم والمصريين، وعلى أثر ذلك ظهر الجدل والخلاف، وفي هذا العصر ظهرت المذاهب الفقهية، وفي هذا العصر اتخذ العباسيون نظام قاضي القضاة، الذي كان يقيم في بغداد عاصمة الدولة (¬1).
ومن الناحية العلمية فقد كان القضاء في العهد العباسي امتداداً للعهد الأموي، وبقيت أسس القضاء الإسلامي من العهد النبوي والراشدي على ما كانت عليه، والنهج الذي سارت عليه، فبقي كثير من القضاة في العهد الأموي على أعمالهم بعد استلام بني العباس السلطة والخلافة، وكان كثير من العلماء والفقهاء مخضرمين في العهدين، فعاصروا الخلافتين، واستفادة الخلافة العباسية من الإدارة والتنظيم القضائي الذي قام به بنو أمية، وأضافوا إليه أشياء كثيرة تتوافق مع التطور والتوسع، وبقي القضاء مستقلاً عن الخلفاء والولاة، واقتصرت سلطة الخليفة والوالي المفوض على تولية القضاة وعزلهم، دون تدخل في شؤون الحكم والقضاء، لكن حاول بعض الخلفاء التدخل في شؤون القضاة (¬2).
وقد تولى الخليفة أبو جعفر المنصور تعيين القضاة في الأمصار بنفسه، ولم يترك ذلك للولاة، ولكن تعيين الخليفة لجميع قضاة الأمصار لم يكن عاماً، ولا مطرداً، ولا مستمراً، فقد فوض الخلفاء تعيين القضاة – فيما بعد – إلى الولاة، وصار بعض الأمراء يولون القضاة في بلدانهم حتى في عهد المنصور، ثم بعد ذلك فوض الخلفاء قاضي القضاة بتعيين القضاة ومتابعتهم ومراقبتهم والإشراف عليهم وعزلهم، ولم يبق للخليفة شأن في ذلك، ولا للولاة.
وأما في العهد العباسي الثاني، فقد قوي نفوذ كثير من الولاة والحكام في البلاد النائية عن بغداد، بعد المتوكل، وبلغ بهم الأمر إلى الاستقلال الذاتي تحت راية الخلافة العباسية، بينما يتصرف هؤلاء الولاة في جميع شؤون الولاية، ومنها القضاة، وكانت هذه الولايات شبه مستقلة، وتتولى تعيين القضاة بنفسها، وقد تعين قاضياً للقضاة عندهم ليماثل قاضي القضاة في بغداد (¬3).
وحيث ظهرت في العصر العباسي المذاهب الفقهية، فقد بين الفقهاء أن القضاء مراتب ثلاث، أما المرتبة الأولى: الثبوت، والمرتبة الثانية: الحكم، والمرتبة الثالثة: التنفيذ (¬4)، ولكي يحصل الشخص على حقه من خصمه، وجب عليه أن يتدرج في هذه المراتب.
أما ولاية تنفيذ الأحكام شأنُها شأن أي ولاية أخرى، فالشخص الذي ينعقد له اختصاص التنفيذ قد يختلفُ باختلاف أمر الحاكم، فقد يقوم القاضي بتنفيذ الحكم الذي يصدره، وقد يقوم القاضي بتنفيذ حكم أصدره قاض آخر غيره، وقد يقوم والي المظالم بتنفيذ الأحكام التي يعجز القضاة عن تنفيذها، وقد
¬
(¬1) عرنوس، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 38 وما بعدها، وحسن، تاريخ الإسلام، ج: 4، ص: 377، والبلوي، سلامة، القضاء في الدولة الإسلامية تاريخه ونظمه، (السعودية: المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، 1994م)، بدون طبعة، ج: 2، ص: 101.
(¬2) الزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 224 وما بعدها، وعرنوس، تاريخ القضاء، ص: 39.
(¬3) الزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 224 وما بعدها، والعش، يوسف، تاريخ عصر الخلافة العباسية، (دمشق: دار الفكر، 1997م)، ص: 85 وما بعدها.
(¬4) الطرابلسي، معين الحكام، ص: 52.
يشرف والي الحسبة على تنفيذ الأحكام، وقد يقوم بالتنفيذ الوالي أو من ينوبه، وقد يقوم المحكوم عليه نفسه بالتنفيذ الطوعي (¬1).
فقد يتولى القاضي الذي أصدر الحكم مهمة تنفيذه، ويشترط أن تفوض للقاضي مصدر الحكم ولاية التنفيذ من قبل الدولة، فالأصل أن القاضي مهمته إصدار الأحكام لا تنفيذها إلا إذا فوض إليه ذلك، كما ورد في كتاب سيدنا عمر بن الخطاب إلى معاذ بن جبل) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهما - سدد خطاكم): "فاقض إذا فهمت وأنفذ إذا قضيت" (¬2)، مما يدل على أن سيدنا عمر) بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنهم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم -) فوض إليه ولاية التنفيذ مع ولاية القضاء، وقال القرافي: "وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكماً، فقد يفوض إليه التنفيذ، وقد لا يندرج في ولايته" (¬3)، فقد تكون مهمة تنفيذ الحكم قد أنيطت بشخص آخر.
فإذا عهد إلى القاضي اختصاص التنفيذ فيشترط أن يكون القاضي قوياً قادراً على التنفيذ وبانتزاع الحق من المحكوم عليهم، فقد يكون المحكوم عليهم من أصحاب النفوذ والسلطان، وقد يكونون من الذين يميلون إلى التسويف والمماطلة، فالقوة والقدرة للقاضي المختص بالتنفيذ تجبر الممتنعين عن التنفيذ بأداء الحق المحكوم به لأصحابه، فالإلزام بالتنفيذ يعطي الحكم القيمة والفائدة الحقيقية من إصداره (¬4).
وعند صدور الحكم يلزم القاضي المحكوم عليه بالوفاء، وأداء الحق المحكوم به إلى المحكوم له، يقول الماوردي: ((وأما المعروف باسمه ونسبه، فهو الذي توجه الحكم عليه في حضوره وغيبته، فإذا ثبت عليه عند القاضي حق وهو حاضر استوفاه منه لمستحقه ولم يكتب به إلى غيره)) (¬5).
وقد يتولى قاضٍ آخر مهمة تنفيذ الحكم، لأسباب منها: ان القاضي الذي أصدر الحكم ليس من اختصاصه التنفيذ، أو قد يكون هناك قاضٍ اخر مختص بالتنفيذ، أو قد ينتقل المحكوم عليه إلى بلد آخر ليس ضمن اختصاص القاضي مصدر الحكم، أو قد ينعزل القاضي الذي أصدر الحكم، ثم يأتي القاضي المعين ليمضي الحكم الذي أصدره القاضي المنعزل.
فقد لا يكون من اختصاص القاضي الذي اصدر الحكم ولاية التنفيذ، وذكر بعض الفقهاء ذلك حيث ذكروا أن القاضي ليس له إلا الحكم وأما قوة التنفيذ فأمر زائد عليه، وذلك بحسب ما عهد إليه الحاكم من ولاية، فقد يكون التنفيذ قد أنيط بشخص آخر، قال القرافي: ((وليس كل الحكام لهم قوة التنفيذ .. ، فهو ينشئ الإلزام ولا يخطر له تنفيذه لتعذر ذلك عليه، فالحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء .. )) (¬6).
¬
(¬1) السمرقندي، أحمد، رسوم القضاة، تحقيق: محمد جاسم الحديثي، (بغداد: وزارة الثقافة والاعلام العراقية، 1985م)، بدون طبعة، ص: 28، والقلقشندي، أحمد، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، (بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ)، ج:9، ص 325، والماوردي، الأحكام السلطانية، ص: 25، وابن فرحون، تبصرة الحكام، ج:1، ص: 12و93، والطرابلسي، معين الحكام، ص:11، وابن الشحنة، لسان الحكام، ص: 222، والسمناني، روضة القضاة، ج: 1، ص: 329 وما بعدها.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) القرافي، الفروق، ج: 4، ص: 125.
(¬4) القرافي، أحمد، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، (بيروت: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1995م)، ط 2، ص:166، والطرابلسي، معين الحكام، ص:11، وابن فرحون، تبصرة الحكام، ج: 1، ص: 12.
(¬5) الماوردي، علي، الحاوي الكبير، تحقيق: علي معوض وعادل أحمد، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999م)، ط1، ج: 16، ص: 235.
(¬6) القرافي، الفروق، ج: 4، ص: 125.
وفي هذه الحالة يتولى قاضٍ آخر مهمة تنفيذ الحكم الذي أصدره قاضٍ غيره، بشرط أن يكون القاضي منفذ الحكم قد فوض بولاية التنفيذ، فقد ذكر القرافي أن ولاية التنفيذ أمر زائد، ولا يجوز لأحد الأقدام عليه إلا بأمر من الإمام، فقد نقل عن القرافي قوله: ((وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما، فقد يفوض إليه التنفيذ، وقد لا يندرج في ولايته .. ، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر)) (¬1).
وقد تقوم الدولة بتخصيص قضاة لتنفيذ الأحكام، توكل لهم هذه المهمة دون غيرهم من القضاة، ففي هذه الحالة يمتنع قاضي الموضوع عن تنفيذ الحكم الذي أصدره، لوجود قاضٍ مختص بالتنفيذ (¬2).
ومن الحالات التي يتولى فيها قاضي آخر مهمة التنفيذ، إذا انتقل المحكوم عليه إلى بلد أخر، لا يقع ضمن ولاية القاضي الذي أصدر الحكم، فانه في هذه الحالة يكتب إلى قاضي بلد المحكوم عليه، ليتولى التنفيذ على المحكوم عليه، ويجبره على أداء الحق، قال الماوردي:: ((إن غاب – المحكوم عليه – قبل دفع الحق الذي حكم به عليه، استحق الطالب أن يتنجز كتابه بالحكم إلى قاضي البلد الذي صار إليه المطلوب، ليستوفي المكاتب منه حق الطالب)) (¬3).
ويتوجب على القاضي الذي اصدر الحكم أن يقوم بتسطير كتاب الى قاضي بلد المحكوم عليه، لينفذ ما ورد في كتابه، قال البهوتي: ((ويسأله – يطلب المحكوم له من القاضي – أن يكتب له كتابا بحكمه إلى قاضي بلد الغائب .. ، وأن يكتب له كتاباً بحكمه لينفذه المكتوب إليه .. )) (¬4).
وقد ينعزل القاضي الذي أصدر الحكم، ثم يأتي القاضي الذي تم تعينه، ويقوم بإمضاء الحكم الذي أصدره القاضي المنعزل وتنفيذه، ولا يقوم القاضي الجديد بفسخ شيء مما حكم به، إلا أن يكون مخالفاً للإجماع أو النص (¬5).
وقد يقوم والي المظالم بتنفيذ الأحكام، حيث أنشئت في الدولة الإسلامية ما يعرف بولاية المظالم، وهي الولاية التي يرفع إليها الخصوم شكواهم إذا لحق بهم ظلم أو إجحاف، أو أنكرت حقوقهم، ولو كانت هذه الشكوى على أمير أو والٍ أو وزير (¬6)، قال ابن العربي: ((وأما ولاية المظالم فهي: ولاية غريبة، أحدثها من تأخر من الولاة، لفساد الولاية، وفساد الناس)) (¬7).
فقد يحصل المحكوم له على الحكم ويتأكد حقه في المحكوم به، إلا أنه ونتيجة لقوة يد المحكوم عليه ومنعته، يعجز القضاة عن إجباره على تنفيذ الأحكام، فلا بد من وجود جهة مختصة لرفع الظلم، تختص بتنفيذ الأحكام التي عجز عن تنفيذها القضاة العاديون، وهذه الجهة هي والي المظالم، قال ابن خلدون: "هي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى علو يد، وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المعتدي وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه (¬8)، فتنفيذ الأحكام
¬
(¬1) القرافي، الفروق، ج: 4، ص: 125، والطرابلسي، معين الحكام، ص:11.
(¬2) زيدان، عبد الكريم، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، (عمان: مكتبة البشائر، 1989م)، ط2، ص: 286.
(¬3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج: 16، ص: 235.
(¬4) البهوتي، كشاف القناع، ج: 15، ص: 178.
(¬5) السمرقندي، رسوم القضاة، ص: 34.
(¬6) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص:130، وأبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص: 73، وابن العربي، أحكام القران، ج: 4، ص: 61.
(¬7) ابن العربي، أحكام القران، ج: 4، ص: 61.
(¬8) ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص: 399.
هي أحد الاختصاصات التي يختص بها والي المظالم، ويقوم بتنفيذ الأحكام على المحكوم عليهم التي ثبتت أسبابها لدى القضاة (¬1)، يقول ابن العربي في حديثه عن ولاية المظالم: ((وهي عبارة: عن كل حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو أقوى منه يداً)) (¬2).
وقد يتولى والي الحسبة مهمة الإشراف على تنفيذ بعض الأحكام، فإذا ثبت الحكم على أحد بجلده مثلاً، أو بالقطع في سرقة، أو برجمه أو جلده في الزنا، أو بجلده في القذف تولى الإشراف على ذلك والي الحسبة (¬3).
المطلب الثالث: تنفيذ الأحكام في الدولة العثمانية:
منذ قيام الدولة العثمانية حتى قبيل منتصف القرن التاسع عشر، كان التشريع إسلامياً، والقضاء على وفق الدين والشرع، حتى بدأت فترة جديدة من عمر الدولة، ضعفت قوة العثمانيين أمام الدول الأوربية، التي بدأت منذ سنة (1255هـ / 1893م)، فقد تم إنشاء أنظمة حديثة في الدولة، وتضمن ذلك الطرق الإدارية والقضائية، بتأليف محاكم نظامية مستقلة عن المحاكم الشرعية، وانحصرت الأحكام الفقهية في المحاكم الشرعية، ومحاكم الحقوق "المحاكم المدنية"، وبعد ذلك توالت اللوائح التي تحدد اختصاص المحاكم الشرعية، وتم جمع خلاصة من الأحكام الفقهية سميت مجلة الأحكام العدلية (¬4).
وقد فصلت في هذه المرحلة من مراحل الدولة، السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية، ولكن لم يقع ذلك دفعة واحدة، بل على مراحل وخطوات متعددة، إلى أن صار التنفيذ مختصاً بالإدارة، في وزارة الحقانية (العدل) ووزارة الداخلية، فقد جاء في البند التاسع والعشرين من لائحة سنة (1880م): "أن كل حكم يصدر من المحاكم الشرعية، ويطلب صاحب الشأن فيه تنفيذه من جهات الإدارة، يتعين عليها استعمال الطرق القانونية الموجبة للمبادرة لتنفيذه"، ولكن لم يوضع لتنفيذ هذا النص نظام يتبع، بل كانت طرق التنفيذ شاقة، تسير وراء الأميال والأهواء (¬5).
وبعد أن كثرت انتقادات العلماء ورجال القضاء للدولة، ولإجراءات التنفيذ وتبعيتها للسلطة الإدارية، ففي سنة (1899م) زار الشيخ محمد عبده المحاكم الشرعية، وكتب تقريره الذي أشار فيه إلى سوء الحال في تنفيذ أحكام المحاكم الشرعية، وفي سنة (1907م) طلب أحد رجال الجمعية العمومية من الحكومة النظر في اختيار طريقة مفيدة في تنفيذ أحكام المحاكم الشرعية، وعلى ضوء ذلك وفي سنة (1911م) أصدرت الحقانية أوامر ومنشورات في كيفية تنفيذ الأحكام الشرعية، وأحالت جل أعمال التنفيذ على أقلام المحضرين، ولم يبق للإدارة إلا الشيء القليل، مع أن نداءات رجال القانون في تلك المرحلة طالبت بأن يكون تنفيذ الاحكام الشرعية تابعاً للمحاكم الشرعية مباشرة (¬6).
وتبين بعض المصادر، أن الدولة العثمانية أصدرت في الخامس من شوال سنة (1288هـ) الموافق (15 كانون الأول 1871م) أول قانون عصري للتنفيذ، وهو قانون الإجراء القديم، وفي جمادى الآخر سنة (1332هـ) صدر قانون آخر خاص بالتنفيذ، وهو قانون الإجراء العثماني المؤقت، وقد سمي هذا
¬
(¬1) القرافي، الإحكام، ص:169، والماوردي، الأحكام السلطانية، ص: 94.
(¬2) ابن العربي، أحكام القران، ج: 4، ص: 61.
(¬3) الشيزري، عبد الرحمن، نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة، (مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بدون تاريخ)، ص: 114.
(¬4) عرنوس، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 196 وما بعدها.
(¬5) عرنوس، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 199، والزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 458.
(¬6) عرنوس، تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 205 وما بعدها.
القانون الإجراء المؤقت؛ لأن أحد المجلسين اللذين كانت تتكون منهما السلطة التشريعية - وكانت تسمى مجلس المبعوثان - لم يصدق عليه، إذ صدق عليه المجلس النيابي دون مجلس الأعيان، وقد نشر هذا القانون في الوقائع الرسمية في (17 جمادى الآخر سنة 1332هـ) وعمل به من تاريخ نشره (¬1).
فقانون الإجراء القديم قد وضع أمر التنفيذ بين يدي دائرة قضائية، ووفق أصول معينة، وتحت إشراف قاض مخصوص، فقد كان هناك دائرة للتنفيذ يرأسها رئيس الإجراء "قاضي التنفيذ"، ولكنها كانت تلحق بنفس المحكمة التي أصدرت الحكم، وكان التنفيذ لا يجوز إلا عن طريق هذه الدائرة، المرتبطة بالمحكمة التي صدر عنها الحكم المطلوب إنفاذه، ثم صدر قانون الإجراء المؤقت فأجاز لطالب التنفيذ تقديم سنده التنفيذي إلى هذه الدائرة أو إلى غيرها من الدوائر، ويستفاد من ذلك أن المحكمة التي أصدرت الحكم لم تكن تنفذه بنفسها، وإنما كانت تقوم بذلك دائرة التنفيذ الملحقة بها، ويعني هذا أن فكرة وجود قاضٍ للتنفيذ يرأس مجموعة من الموظفين يخصصون لأعمال التنفيذ كانت معروفة في ظل قانون الإجراء القديم.
المبحث الخامس: السلطة المختصة بالتنفيذ في النظام القضائي الأردني
لقد مر التنفيذ في النظام القضائي الأردني بأطوار متعددة، حتى أصبح الحال إلى أن السلطة المختصة بالتنفيذ في النظام القضائي الأردني، متكونة في المحاكم الشرعية والمحاكم النظامية، وذلك بحسب الاختصاص الموضوعي الذي يستبان من خلال نوع السند التنفيذ المراد طرحه للتنفيذ، وسأتناول ذلك كما يلي:
المطلب الأول: تاريخ قانون التنفيذ في الأردن:
ذكرت سابقاً: أن الدولة العثمانية أصدرت في الخامس من شوال سنة 1288هـ (الموافق 15 كانون الأول 1871م) أول قانون عصري للتنفيذ، وهو ما يسمى بقانون الإجراء القديم، وفي جمادى الآخر سنة 1332هـ صدر قانون آخر خاص بالتنفيذ هو قانون الإجراء العثماني المؤقت (¬2)، وقد نشر هذا القانون في الوقائع الرسمية في (17 جمادى الآخر سنة 1332هـ) وعمل به من تاريخ نشره (¬3).
وقد كان الأردن في تلك المرحلة جزءاً من الدولة العثمانية، حيث طبق فيها قانون الإجراء العثماني المؤقت، وبقي هذا القانون مطبقاً في الأردن بعد انفكاكه عن الدولة العثمانية، ثم صدر أول قانون إجراء أردني رقم (31 لسنة 1952) (¬4)، الذي طبق اعتبارا من تاريخ 17/ 5/1952م، ويظهر أن هذا القانون مقتبس حرفياً من قانون الإجراء العثماني المؤقت، ثم أصدر المشرع قانون ذيل لقانون الإجراء رقم (25 لسنة 1965) (¬5)، الذي طبق اعتباراً من تاريخ 3/ 7/1965م.
¬
(¬1) عبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ، ص: 54، والقضاة، مفلح، أصول التنفيذ، (عمان: دار الثقافة، 2008م)، ط 1، ص: 21.
(¬2) وقد سمي هذا القانون الإجراء المؤقت لأن أحد المجلسين اللذين كانت تتكون منهما السلطة التشريعية " وكانت تسمى مجلس المبعوثان" لم يصدق عليه إذ صدق عليه المجلس النيابي دون مجلس الأعيان.
(¬3) عبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ، ص:54.
(¬4) المنشور على الصفحة (207) من عدد الجريدة الرسمية رقم (1108) الصادر بتاريخ 17/ 5/1952م.
(¬5) المنشور على الصفحة (1001) من عدد الجريدة الرسمية رقم (1856) الصادر بتاريخ 3/ 7/1965م.
وبقي هذان القانونان مطبقين حتى أصدر المشرع قانون التنفيذ المؤقت رقم (36 لسنة 2002) (¬1)، الذي بدئ بتطبيقه اعتباراً من 15/ 9/2002م (¬2)، وتم إقرار هذا القانون بالقانون الدائم رقم (25 لسنة 2007) (¬3)، الذي بدئ بتطبيقه اعتباراً من 15/ 6/2007م (¬4).
ويلاحظ أن المشرع قد غير اسم القانون بحيث أصبح اسمه قانون (التنفيذ) بدلاً من قانون (الإجراء)، والتسمية الجديدة تنسجم مع المصطلحات القانونية المستخدمة في كل القوانين العربية تمهيداً لتوحيد المصطلحات القانونية في البلاد العربية، ومصطلح (التنفيذ) أدق في التعبير من اصطلاح (الإجراء)؛ لأنه من صميم عمل دائرة التنفيذ المتعلق بتنفيذ السندات التنفيذية، وكذلك فان مصطلح (التنفيذ) ينسجم مع مصطلحات القوانين الأردنية كالقانون المدني، وقانون تنفيذ الاحكام الأجنبية (¬5).
وبقي تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الشرعية، من اختصاص دوائر التنفيذ في المحاكم النظامية، حتى أصدر المشرع أول قانون تنفيذ شرعي رقم (11 لسنة 2006) (¬6)، الذي بدئ بتطبيقه اعتباراً من 15/ 6/2006م (¬7)، وبموجب هذا القانون أناط المشرع بالمحاكم الشرعية الاختصاص بتنفيذ السندات التنفيذية الصادرة عنها.
فقد سعى القائمون على المحاكم الشرعية في تمكين المحاكم الشرعية من تنفيذ الأحكام والقرارات التي تصدر عنها، فقد وحدت بين جهة إصدار هذه الأحكام والقرارات وجهة تنفيذها، مما سهل على المواطنين وخفف العبء عنهم، وساهم ذلك في تبسيط إجراءات تنفيذ الأحكام والقرارات الشرعية، وسرع من إيصال الحقوق إلى ذويها بأيسر السبل، وقد أدت هذه الخطوة إلى تطوير أساليب التنفيذ الشرعي، وخصوصاً في التعامل مع أطراف التنفيذ الذين هم في غالبيتهم النساء والأطفال وكبار السن، إذ أن بعض القرارات الى تصدر عن المحاكم الشرعية هي حقوق معنوية تلزم طرق خاصة في التنفيذ وكفاءات تستطيع التعامل معها بعيداً عن النظرة المادية التي تحكم النظرية العامة للتنفيذ.
وأوجب المشرع لمقاصد تنفيذ قانون التنفيذ الشرعي المذكور، تطبيق أحكام قانون أصول المحاكمات الشرعية الخاصة بإجراءات التقاضي والإثبات، أمام دوائر التنفيذ في المحاكم الشرعية (¬8).
كما أوجب المشرع تطبيق أحكام قانون التنفيذ المعمول به لدى المحاكم النظامية، على الإجراءات التنفيذية لدى المحاكم الشرعية في غير الحالات المنصوص عليها في قانون التنفيذ الشرعي (¬9).
ثم أصدر المشرع قانوناً معدلاً لقانون التنفيذ الشرعي رقم (42 لسنة 2006) (¬10)، الذي بدئ بتطبيقه اعتباراً من تاريخ 1/ 10/2006م (¬11).
¬
(¬1) المنشور على الصفحة (3282) من عدد الجريدة الرسمية رقم (4556) الصادر بتاريخ 16/ 7/2002م.
(¬2) فقد نصت المادة الأولى منه على أن يبدأ العمل به بعد مرور ستين يوماً على نشره في الجريدة الرسمية.
(¬3) المنشور على الصفحة (2262) من عدد الجريدة الرسمية رقم (4821) الصادر بتاريخ 16/ 4/2007م.
(¬4) فقد نصت المادة الأولى منه على أن يعمل به بعد ستين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
(¬5) شوشاري، صلاح الدين، التنفيذ الجبري، (عمان: دار الثقافة، 2009م)، ط 1، ص: 35.
(¬6) المنشور على الصفحة (731) من عدد الجريدة الرسمية رقم (4751) الصادر بتاريخ 16/ 3/2006م.
(¬7) فقد نصت المادة الأولى منه على أن يبدأ العمل به بعد تسعين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
(¬8) المادة (13) قانون التنفيذ الشرعي رقم 11 لسنة 2006.
(¬9) المادة (14) قانون التنفيذ الشرعي رقم 11 لسنة 2006.
(¬10) المنشور على الصفحة (3747) من عدد الجريدة الرسمية رقم (4785) الصادر بتاريخ 1/ 10/2006م.
(¬11) فقد نصت المادة الأولى منه على أن يبدأ العمل به بعد تسعين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
ثم أصدر المشرع قانون التنفيذ الشرعي رقم (10 لسنة 2013) (¬1)، الذي بدئ بتطبيقه اعتباراً من تاريخ 15/ 8/2013م (¬2)، وقد نصت المادة (20) منه على إلغاء قانون التنفيذ الشرعي رقم (11 لسنة 2006)، وقد أوجب هذا القانون كسابقه تطبيق أحكام قانون أصول المحاكمات الشرعية الخاصة بإجراءات التقاضي والإثبات، أمام دوائر التنفيذ في المحاكم الشرعية (¬3)، كما أوجب تطبيق أحكام قانون التنفيذ المعمول به لدى المحاكم النظامية، على الإجراءات التنفيذية لدى المحاكم الشرعية في غير الحالات المنصوص عليها في قانون التنفيذ الشرعي (¬4).
المطلب الثاني: المحاكم الشرعية الأردنية:
السلطة المختصة بالتنفيذ في المحاكم الشرعية، هي المحكمة الابتدائية الشرعية المختصة بالتنفيذ التي تتولى مهمة تحصيل الحقوق لأصحابها رضاء أو جبراً، طبقاً للأوضاع التي رسمها قانون التنفيذ الشرعي رقم (10) لسنة 2013.
ويتولى القاضي الشرعي المكلف بالتنفيذ مهام رئاسة التنفيذ، والجهة المختصة بتعيين رؤساء التنفيذ الشرعي في المحكمة الشرعية من ولاية المجلس القضائي الشرعي وفقاً لمقتضيات الحاجة.
بين قانون التنفيذ الشرعي اختصاص محكمة التنفيذ الموضوعي، والذي بين أنواع السندات التنفيذية التي يجوز تنفيذها، وهذا ما أشارت إليه الفقرة (أ) من المادة (3) من قانون التنفيذ الشرعي: "على الرغم مما ورد في أي قانون آخر يتولى رئيس التنفيذ الإشراف على تنفيذ السندات التنفيذية".، ثم وضحت المادة (2) من ذات القانون أنواع السندات التنفيذية، عند تعريفها لمفهوم السند التنفيذي، وعلى ذلك فيمكن القول إن الاختصاص الموضوعي لمحكمة التنفيذ الشرعية يشمل ما يلي:
1.تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الشرعية.
2.تنفيذ القرارات معجلة التنفيذ الصادرة عن المحاكم الشرعية.
3.تنفيذ السندات والاتفاقات الصادرة عن المحاكم الشرعية.
4.تنفيذ الأحكام الأجنبية التي اكتسبت صيغة التنفيذ لدى المحاكم الشرعية.
ويختص رئيس التنفيذ بجميع المنازعات التنفيذية، حيث نصت الفقرة (أ) من المادة (5) من قانون التنفيذ الشرعي: " يختص رئيس التنفيذ بجميع المنازعات التنفيذية بما في ذلك ما يلي:
1.الحجز على أموال المحكوم عليه أو الاشتراك فيه أو فك الحجز عنها.
2.بيع الأموال المحجوزة.
3.تعيين الخبراء.
4.حبس المحكوم عليه.
5.منع المحكوم عليه من السفر الا إذا قدم كفيلاً يضمن الوفاء بالمحكوم به.
6.التفويض باستعمال القوة الجبرية.
وكذلك يختص رئيس التنفيذ الشرعي القيام بالمهام الإدارية، ويتولى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان صحة إجراءات التنفيذ، ومراقبة ومتابعة جميع القائمين على التنفيذ، وإلى جانب الرئيس يوجد عدد من الموظفين يقومون بمهام متعددة ومختلفة حسب العمل الموكل لكل واحد منهم وطبيعة عمله، وقد نصت الفقرة (أ) من المادة (6) من قانون التنفيذ الشرعي: "يتولى المأمور مباشرة الإجراءات التي
¬
(¬1) المنشور بالجريدة الرسمية عدد (5236) الصادر بتاريخ 15/ 8/2013م.
(¬2) فقد نصت المادة الأولى منه على أن يعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
(¬3) المادة (17) قانون التنفيذ الشرعي رقم 10 لسنة 2013.
(¬4) المادة (18) قانون التنفيذ الشرعي رقم 10 لسنة 2013.
يقتضيها تنفيذ السند التنفيذي وتنفيذ قرارات رئيس التنفيذ وأوامره يعاونه في ذلك العدد اللازم من الكتبة والمحضرين".
المطلب الثالث: المحاكم النظامية الأردنية:
حدد قانون التنفيذ النظامي رقم (25) لسنة 2007 (¬1) السلطة المختصة بالتنفيذ في المحاكم النظامية، فبموجب هذا القانون فإن السلطة التي تنفذ هي دائرة التنفيذ لدى كل محكمة بداية، وتتشكل هذه الدوائر من رئيس التنفيذ الذي يرأسها، ويعاونه قاض أو أكثر يقوم أقدمهم مقامه عند غيابه.
وتضم دائرة التنفيذ بالإضافة إلى ذلك مأمور التنفيذ، الذي يباشر إجراءات التنفيذ يعاونه عدد كافٍ من الكتبة، بالإضافة إلى المحضرين الذين يختصون بتبليغ الأوراق القضائية، ويلتزمون بتنفيذ أوامر وتوجيهات رئيس التنفيذ ومأمور التنفيذ (¬2).
وأما في الأماكن التي ليس فيها محكمة بداية، ونظراً لوجود محاكم الصلح في الأردن، فيباشر قاضي الصلح اختصاصات رئيس التنفيذ، وذلك سنداً إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة (3) من قانون التنفيذ.
ويتولى المجلس القضائي النظامي تعيين رئيس دائرة التنفيذ لدى محكمة البداية بالإضافة إلى العدد الكافي من القضاة المعاونين له، بخلاف قضاة الصلح فكل قاضي صلح هو رئيس للتنفيذ في منطقته.
ويختص رئيس التنفيذ بجميع المنازعات التنفيذية، بما في ذلك إلقاء الحجز على أموال المدين وفك الحجز وبيع الأموال المحجوزة وتعيين الخبراء وحبس المدين ومنعه من السفر والتفويض باستعمال القوة الجبرية، وكذلك يختص رئيس التنفيذ القيام بالمهام الإدارية، ويتولى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان صحة إجراءات التنفيذ، ومراقبة ومتابعة جميع القائمين على التنفيذ.
وتختص دوائر التنفيذ بتنفيذ السندات التنفيذية، وقد حددت المادة (6) من قانون التنفيذ النظامي الاختصاص الموضوعي لدوائر التنفيذ، والتي بينت أنواع السندات التنفيذية التي يجوز تنفيذها، والتي تشمل ما يلي:
1.الأحكام الصادرة عن المحاكم الحقوقية والشرعية والدينية وأحكام المحاكم الجزائية المتعلقة بالحقوق الشخصية والأحكام والقرارات الصادرة عن أي محكمة أو مجلس أو سلطة أخرى نصت قوانينها الخاصة على ان تتولى الدائرة تنفيذها وأي أحكام أجنبية واجبة التنفيذ بمقتضى أي اتفاقية.
2.السندات الرسمية والعادية والأوراق التجارية القابلة للتداول.
المطلب الرابع: أعوان القاضي:
ومما يحتاجه القاضي لإكمال عمله، والحاجة ماسة إليه في هذا الزمان ما يسمى بأعوان القاضي، فلا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر هذا الجانب المهم من جوانب هذا البحث، من حيث التعريف بهم وبما يقومون به من أعمال.
فأعوان القاضي: هم الرجال الذين في خدمته يساعدونه في مهمات الأمور الشرعية (¬3).
¬
(¬1) المنشور على الصفحة (2262) من عدد الجريدة الرسمية رقم (4821) الصادر بتاريخ 16/ 4/2007م.
(¬2) الفقرة (ب) من المادة (3) من قانون التنفيذ النظامي رقم 25 لسنة 2007.
(¬3) العينى، أبو محمد محمود بن أحمد، البناية شرح الهداية، (دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، 2000 م)، ط1،ج8، ص: 421.
وذكر في نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس: "لابد للقاضي من أعوان يستعين بهم على ضبط هيبة مجلس القضاء، فهم الذين يحفظون نظامه ويدخلون الخصوم إلى القاضي بالترتيب الأول فالأول، كما أنهم يخرجون من يطلب القاضي إخراجه عند إساءته الأدب ونحوه.
وهؤلاء الأعوان يشترط فيهم الصلاح والأمانة، فيؤمن جانبهم بعدم قبول الرشوة، فلا يُقَدَّم أحد في الدخول إلى القاضي، كما أن صلاح الأعوان ضروري لكي يعاملوا أولئك الخصوم المتزاحمين على باب القاضي بالرفق واللين، فضلاً عن دورهم في إحضار الخصوم وتنفيذ الأحكام. وفي هذا يقول ابن العطار "يجب أن يكون أعوان القاضي في زي الصالحين" (¬1).
فينبغي للقاضي أن يتخذ أعوانا يكونون بين يديه؛ لأن مجلس القضاء مجلس هيبة، فلو لم يتخذ أعوانا ربما يستخف بالقاضي فتذهب مهابته؛ ولأنه يحتاج إلى إحضار الخصوم، والأعوان هم الذين يحضرون الخصوم إلى مجلس القضاء، ويزجرون من يستحق الزجر من الخصوم، وينبغي أن يكون هؤلاء من ذوي الدين والأمانة والبعد عن الطمع (¬2).
وأعوان القاضي هم: الكاتب، والحاجب، والبواب، والمترجم، والجلواز، والشهود، والأجرياء، وصاحب السجن، والمزكون،
وأعمالهم كالأتي:
1 - الجلواز - وهو المسمى بصاحب المجلس في عرف ديارنا - يقوم على رأس القاضي؛ لتهذيب المجلس، ويزجر من يسيء الأدب، وبيده سوط يؤدب به المنافق، وينذر به المؤمن (¬3).
2 - المترجم أو الترجمان؛ لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضي لغته، من المدعي، والمدعى عليه، والشهود (¬4).
3 - الكاتب؛ لأنه يحتاج إلى محافظة الدعاوى والبينات والإقرارات لا يمكنه حفظها، فلا بد من الكتابة، وقد يشق عليه أن يكتب بنفسه فيحتاج إلى كاتب يستعين به، وينبغي أن يكون عفيفا صالحا من أهل الشهادة، وله معرفة بالفقه، أما العفة والصلاح؛ فلأن هذا من باب الأمانة، والأمانة لا يؤديها إلا العفيف الصالح (¬5).
4 - الحاجب: وهو من يقوم بإدخال الخصوم على القاضي ويرتبهم فيقدم من حضر أولا ثم الذي يليه وهكذا، ويمنع الخصوم من التدافع على مجلس القضاء (¬6).
5 - الآجرياء: ووظيفتهم إحضار الخصوم إلى مجلس القضاء إذا استعدى عليهم أصحاب الحقوق، وينبغي أن يكونوا من ذوي الدين ولأمانة والبعد عن الطمع (¬7).
¬
(¬1) الخلف، سالم بن عبد الله، نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس، (عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
2003م)، ط1، ج2، ص: 705.
(¬2) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، (دار الصفوة – مصر)، ط1، ج33، ص: 310.
(¬3) الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية 1986م)، ط2، ج7، ص: 12، ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 6، ص:304.
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج7، ص: 12.
(¬5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج7، ص: 12.
(¬6) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج33، ص: 310.
(¬7) النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، دار الفكر، ج 20، ص:126.
6 - المزكون: وهؤلاء رجال عدول يختارهم القاضي دون علم الناس لتزكية الشهود بعد السؤال عنهم، فإن كان الشهود من طلبة العلوم يزكون من مدرس المدرسة التي يسكنون فيها، ومن معتمد أهاليها , وإن كانوا جنودا فمن ضابط الأورطة وكتابها , وإن كانوا من الكتبة فمن رئيس القلم ومما يليه من الكتاب وإن كانوا من التجار فمن معتبري التجار (¬1).
7 - البواب: وسمي البواب حدادا لمنعه الناس عن الدخول، وظيفته إعلام الناس بوقت جلوس القاضي للحكم وإعلامهم بوقت راحته، ولإخبار القاضي بمن يريد الدخول عليه (¬2).
8 - السجّان: من واجباته أن يرفع إلى القاضي كل يوم أحوال المحبوسين وما يجري في السجن، حتى يزيل الظلم ويطلق من لا يستحق البقاء في السجن، ويكتب اسم المحبوس ونسبه، ومَن حُبِس لأجله (¬3).
9 - أهل الخبرة: وهم أهل العلم الذين يلجأ اليهم القاضي إذا أشكل عليه شيء، وهؤلاء يختارهم القاضي من أهل العدالة والأمانة والخبرة في الأمور التي تدخل في أعمال القضاء وتحتاج إلى خبرة معينة مثل تقويم الأشياء وإجراء قسمة العقار والمنقول (¬4).
أرزاق أعوان القاضي
أعوان القاضي يجوز لهم أخذ الرزق من بيت المال، أما إذا عدم الرزق فإنه يجوز لهم أخذ الأجرة على أعمالهم من الخصوم.
فأرزاق الأعوان الذين يوجههم في مصالح الناس ورفع المدعى عليه وغير ذلك من حقوق الناس يكون من بيت المال كالحكم في أرزاق القضاة، ولا ينبغي للقاضي أن يجعل لهم شيئا في أموال المسلمين، وإذا كان لهم رزق من بيت المال فلا يجوز لهم أخذ شيء على القضايا التي يبعثون فيها كما لا يجوز للقضاة أخذ شيء، فإن لم يصرف لهم شيء من بيت المال وقع القاضي للطالب طابعا يرفع به الخصم إلى مجلس الحكم، فإن لم يرفع واضطر إلى الأعوان فليجعل القاضي لهم شيئا من رزقه إذا أمكنه وقدر عليه (¬5).
النتائج:
عرضنا في هذه الدراسة السلطة المختصة بالتنفيذ، وبينا مراحله المختلفة في الفكر القانوني، وقد تناولنا ذلك في التشريعات القديمة والحديثة، والشريعة الاسلامية، وقانون التنفيذ في النظام الاردني.
واستطاعت الدراسة بيان الفلسفة التي تقوم عليها السلطة المختصة بالتنفيذ في مختلف المراحل التي عرضت في الدراسة، وهذا من شأنه أن يمكن الباحثين من تقييم تلك التجارب، ومحاولة وضع المقترحات للوصول إلى الصورة المثلى في التشريعات الحديثة.
¬
(¬1) نور محمد، مجلة الأحكام العدلية، كارخانه تجارتِ كتب، آرام باغ، كراتش، ج1، ص: 348.
(¬2) ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 5، ص:2.
(¬3) ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 6، ص:300.
(¬4) لجنة علماء برئاسة نظام الدين البلخي، الفتاوى الهندية، دار الفكر، ط: 2، 1310 هـ، ج4، ص:85.
(¬5) الطرابلسي، معين الحكام، ج1، ص: 17.
ففي بعض الشرائع كان قاضي الموضوع هو المختص بمسائل التنفيذ، كما في الشريعة اليهودية، فقد كان يرجع له رسول القاضي في حال صادفت إجراءات التنفيذ عقبات قانونية.
وأما في القانون الجرماني، فإن التنفيذ كان بيد الدائن، الذي كان يقوم بالتنفيذ لاقتضاء حقه من المدين، بتدخل شبه محدود من النظام القضائي، ثم وفي مراحل لاحقه لم يكن دور القضاء إصدار حكم يؤكد حق الدائن، وإنما بإصدار الأوامر لإلزام المدين بالتنفيذ، وبهذا فقد انحاز القانون الجرماني لمصلحة الدائن دون مصلحة المدين.
ولقد مر القانون الروماني بمراحل وعصور متعددة، وذلك حسب مراحل التطور الحضاري للمجتمع الروماني، وتتميز كل مرحلة منها بخصائص تميزها عن المرحلة الأخرى، وينطبق الأمر كذلك على طرق التنفيذ فقد مرت بالمراحل نفسها، ورغم ان دور القضاء لم يكن معدوماً في الاشراف على التنفيذ في القانون الروماني، إلا انه يلاحظ عدم وجود قاضٍ متخصص يشرف على إجراءات التنفيذ.
ولم يكن للعرب في الجاهلية قضاء يحتكمون إليه، على الرغم من انه عرف في الجاهلية نظام المحكمين كثيراً، وقد كان لكل قبيلة حكم يحكم بين المتنازعين بحسب العادات القبلية والأعراف العربية والبدوية، والتقاليد الموروثة، وعليه فان العرب في الجاهلية لم يكن لديهم نظام يطبقونه في تنفيذ الأحكام.
وفي عصر الخلافة الاسلامية، فان ولاية تنفيذ الأحكام شأنُها شأن أي ولاية أخرى، فالشخص الذي ينعقد له اختصاص التنفيذ قد يختلفُ طبيعة وجوده باختلاف أمر الحاكم، فقد يقوم القاضي بتنفيذ الحكم الذي يصدره، وقد يقوم القاضي بتنفيذ حكم أصدره قاض آخر غيره، وقد يقوم والي المظالم بتنفيذ الأحكام التي يعجز القضاة عن تنفيذها، وقد يشرف والي الحسبة على تنفيذ الأحكام، وقد يقوم بالتنفيذ الوالي أو من ينوبه، وقد يقوم المحكوم عليه نفسه بالتنفيذ الطوعي.
اما في العصر الحديث، فقد قامت التشريعات على فكرة عدم جواز الفرد "الدائن" اقتضاء حقه بنفسه، وفي حال قيام الدائن بتحصيل حقه بنفسه فإن عمله هذا يعد جريمة في القانون، وعلى الدائن اذا رغب بالحصول على حقه أن يستعين بالسلطة المختصة التي تتخذ كافة الاجراءات اللازمة في سبيل التنفيذ، فلها أن تستعين بكافة دوائر الدولة لغاية معاونتها على تحصيل الحق للدائن، وأن تستعين برجال الأمن العام عند ظهور حاجة أثناء إجراء التنفيذ.
والسلطة المختصة بتنفيذ الاحكام والقرارات الشرعية في النظام القضائي في المملكة الاردنية الهاشمية، هي أقسام التنفيذ المشكلة لدى المحاكم الشرعية، وأخرى مشكلة لدى المحاكم النظامية، التي تتولى مهمة تحصيل الحقوق لأصحابها رضاء أو جبراً عنه طبقاً للأوضاع التي رسمها قانون التنفيذ الشرعي والنظامي بحسب الاختصاص.
التوصيات:
من خلال العرض السابق للسلطة المختصة بالتنفيذ في التشريعات القديمة والحديثة، فانه يظهر أهمية أن يقوم المشرع بمراجعة دائمة ومستمرة لقوانين التنفيذ، ووضع المقترحات التشريعية الاصلاحية في إطار تعديل قانون التنفيذ، وذلك من خلال التجارب الاجرائية، للوصول به إلى الصورة المثلى.
وتوصي الدراسة بفكرة تخصص قضاة التنفيذ، لأنه يؤدي إلى اكتساب هؤلاء القضاة الخبرة اللازمة، وان لا يتولى رئاسة التنفيذ في المحاكم إلا من تمرس مدة معقولة في العمل القضائي، نظراً لدقة مسائل التنفيذ.
المصادر والمراجع
ابن الأثير، علي، الكامل في التاريخ، (لبنان: دار الكتاب العربي، 1997م)، ط1.
بدر، محمد، القانون الروماني، (دار النشر الحديث، 1937م)، بدون طبعة.
بديوي، عبد العزيز، قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظ في قانون المرافعات بالمقارنة بأحكام الشريعة الاسلامية، (مصر: دار الفكر العربي، 1970م)، ط 2.
البلوي، سلامة، القضاء في الدولة الإسلامية تاريخه ونظمه، (السعودية: المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، 1994م)، بدون طبعة.
البهوتي، منصور، كشاف القناع عن متن الإقناع، تحقيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، (السعودية، وزارة العدل، 2000م)، ط1.
الجبلي، نجيب، الوسيط قي قانون التنفيذ الجبري، ط 1، (الإسكندرية: مكتبة الوفاء القانونية، 2014م)، ط 1.
الجريدة الرسمية، المملكة الاردنية الهاشمية.
جوستنيان، فلافيوس، مدونة جوستنيان في الفقه الروماني، ترجمة: عبد العزيز فهمي، (القاهرة: دار الكاتب المصري، 1946م).
الحسام الشهيد، عمر، شرح أدب القاضي للخصاف، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994م)، ط1
حسن، حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1967م)، ط 1.
حميد، هيكل، الحكم القضائي كسند تنفيذي، (جامعة القاهرة، رسالة دكتوراة، 2010م).
خلاف، عبد الوهاب، السلطات الثلاثة في الإسلام، (الكويت: دار القلم، 1985م)، ط 2
الرازي، محمد، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، (بيروت: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، 1999م)، ط5.
الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية 1986م)، ط2
الرصاع، محمد، شرح حدود ابن عرفة، (المكتبة العلمية، 1350هـ)، ط 1.
الزحيلي، محمد، تاريخ القضاء في الإسلام، (دمشق: دار الفكر،1995م)، ط 1.
زيدان، عبد الكريم، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، (عمان: مكتبة البشائر، 1989م)، ط2.
الزيات، أحمد، وآخرون، المعجم الوسيط، (استانبول: المكتبة الإسلامية، 1972م)، ط 2.
السعدني، محمود، حضارة الرومان، (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1998م)، ط 1
السمرقندي، أحمد، رسوم القضاة، تحقيق: محمد جاسم الحديثي، (بغداد: وزارة الثقافة والاعلام العراقية، 1985م)، بدون طبعة.
السمناني، علي، روضة القضاة وطريق النجاة، تحقيق: صلاح الدين الناهي، (عمان: دار الفرقان، 1984م)، ط 2
السيوطي، مصطفى، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، (المكتب الإسلامي، 1994م)، ط 2.
العينى، أبو محمد محمود بن أحمد، البناية شرح الهداية، (دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان2000 م)، ط1،
ابن الشحنة، إبراهيم، لسان الحكام في معرفة الأحكام، (مصر، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، 1973م)، ط 2
شوشاري، صلاح الدين، التنفيذ الجبري، (عمان: دار الثقافة، 2009م)، ط 1.
الشيزري، عبد الرحمن، نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة، (مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بدون تاريخ).
صبري، محمد، المقارنات والمقابلات بين أحكام المرافعات والمعاملات والحدود، (القاهرة: مطبعة هندية، 1902م)، ط1.
الصلابي، علي، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، (بيروت: دار المعرفة، 2008م)، ط 2.
الطرابلسي، علي، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، (مصر: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، 1973م) ط 2.
ابن الطلاع، محمد، أقضية رسول الله ?، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1426هـ).
ابن عابدين، محمد، رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين"، (بيروت: دار الفكر،1992م)، ط 2.
عبد الفتاح، عزمي، نظام قاضي التنفيذ، (القاهرة، دار النهضة العربية، 1978م)، بدون طبعة.
ابن العربي، محمد، أحكام القران، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ط 3.
عرنوس، محمود، تاريخ القضاء في الإسلام، (القاهرة: المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، 1934م)، بدون طبعة.
عمر، محمد، مبادئ التنفيذ الجبري، (القاهرة، 1978م)، ط4.
العش، يوسف، تاريخ عصر الخلافة العباسية، (دمشق: دار الفكر، 1997م).
الفتلاوي، صاحب، تأريخ القانون، (عمان: دار الثقافة، 1998م)، ط 1.
ابن فرحون، إبراهيم، تبصرة الحكام في أصول الاقضية ومناهج الاحكام، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1301هـ)، ط1.
والفيروز آبادي، محمد، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 2005م)، بدون طبعة.
الفيومي، أحمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، (بيروت: المكتبة العلمية، دون تاريخ)، دون طبعة.
قانون التنفيذ الشرعي، رقم (11)، لسنة 2006، وتعديلاته.
قانون التنفيذ الشرعي، رقم (10)، لسنة 2013.
قانون التنفيذ النظامي، رقم (25) لسنة 2007، وتعديلاته.
القرافي، أحمد، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، (بيروت: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1995م)، ط 2.
القرافي، أحمد، الفروق، تحقيق: خليل منصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م)، بدون طبعة.
القطان، مناع، النظام القضائي في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1993م)، ط1.
القضاة، مفلح، أصول التنفيذ، (عمان: دار الثقافة، 2008م)، ط 1.
القلقشندي، أحمد، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، (بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ).
الكتاني، محمد، نظام الحكومة النبوية "التراتيب الإدارية .. "، تحقيق: عبد الله الخالدي، (بيروت، دار الأرقم، بدون تاريخ)، بدون طبعة.
والكندي، محمد، كتاب الولاة وكتاب القضاة، تحقيق: محمد حسن وأحمد المزيدي، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ط 1.
الماوردي، علي، الأحكام السلطانية، (القاهرة: دار الحديث، بدون تاريخ) بدون طبعة.
الماوردي، علي، الحاوي الكبير، تحقيق: علي معوض وعادل أحمد، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999م)، ط 1.
مبارك، سعيد، أحكام قانون التنفيذ، (بغداد: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1989م)، ط 1.
ابن منظور، محمد، لسان العرب، (بيروت: دار صادر، 1414هـ)، ط3.
النبهاني، علي، تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983م)، ب طبعة.
النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، دار الفكر.
نور محمد، مجلة الأحكام العدلية، كارخانه تجارتِ كتب، آرام باغ، كراتشي.
لجنة علماء برئاسة نظام الدين البلخي، الفتاوى الهندية، (دار الفكر)، ط: 2، 1310 هـ.
الخلف، سالم بن عبد الله، نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس، (عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
2003م)، ط1.
ابن نجيم، زين الدين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (دار الكتاب الاسلامي، بدون تاريخ)، ط 2.
ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا واخرون، (مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1955م)، ط 2.
ابن الهمام، محمد، فتح القدير، (دار الفكر، بدون تاريخ) بدون طبعة.
واصل، نصر، السلطات القضائية ونظام القضاء في الاسلام، (مصر: المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ طبعة)، بدون طبعة.
وكيع، محمد، أخبار القضاة، تحقيق: عبد العزيز المراغي، (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1947م)، ط 1.
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، (دار الصفوة – مصر)، ط1.
ياسين، محمد، نظرية الدعوى، (عمان: دار النفائس، 2005م)، ط 3.
أبو يعلى، محمد، الأحكام السلطانية، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م)، ط 2.