الجزء 1 · صفحة 1
الحاوي القدسي
في فروع الفقه الحنفي
تأليف القاضي الغزنوي
جمال الدين أحمد بن محمود بن سعيد القابسي الغزنوي الحلبي الحنفي
معيد درس الإمام الكاساني صاحب بدائع الصنائع
المتوفى في حلب سنة 593 هـ
رحمه الله تعالى
تحقيق
الدكتور صالح العلي
أستاذ الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية في كليتي الشريعة والاقتصاد
عضو هيئة التدريس في عددٍ من المؤسسات المالية الإسلامية
المجلد الأول
دار النوادر
تفريغ وتنسيق وفهرسة فريق المكتبة الشاملة الذهبية
الجزء 1 · صفحة 2
قال العلماء:
إنما سمَّى القاضي الغزنويُّ كتابه باسم: «الحاوي القُدسي» لأنه ألفه في القدس، فنَسَبَهُ إليها.
وقالوا:
أقام الغزنويُّ بحلب، وعُيِّن فيها معيدًا بالمدرسة النُّورية في أيام ولاية أستاذه الإمام علاء الدين الكاساني، صاحب كتاب «بدائع الصنائع».
وقالوا:
وهو صاحب «المقدمة الغزنوية» في الفقه الحنفي، وكان له شِعْرٌ حَسَنٌ، منه:
الرقصُّ نَقْصٌ والسَّماعُ رَقاعةٌ
وكذا التواجُدُ خِفَّةٌ في الرَّاسِ
واللهِ ما اجتمعوا لطاعةِ ربِّهم
إلا لما طحنوه بالأضراسِ
الحاوي القدسي
في فروع الفقه الحنفي
(المجلد 1)
الجزء 1 · صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1432 - 2011 م
الجزء 1 · صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء 1 · صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله العليِّ القادر، القويِّ القاهر، الرحيم الغافر، الكريم الساتر، ذي السُّلْطان الظاهر، والبُرهان الباهر، خالق كل شيء، ومالك كل ميت وحيّ، خلق فأحسن، وصنع فأتقن، وقدر فغفر، وأبصر فستر، وكرم فعفي، وحكم فأحْفى، عمَّ فضلُه، وتمَّت حُجَّته وبُرهانه، وظهر أمره وسلطانه، فسبحانه ما أعظم شأنه.
والصلاة والسلام على المبعوث بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فأوضح الدلالة وأزاح الجهالة، وفلَّ السَّفه، وثلَّ الشُّبه، محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله الأبرار وأصحابه المصطفين الأخبار.
وبعدُ:
فإنه لا علمَ - بعد العلم بالله وصفاته - أشرفُ من علم الفقه، وهو المسمى بـ: علم الحلال والحرام، وعلم الشرائع والأحكام، له بعثت الرسل، وأنزلت الكتب؛ إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقل المحض دون معونة السمع، وقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: 269]، قيل في بعض وجوه التاويل: هو علم الفقه.
الجزء 1 · صفحة 6
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما عُبِد اللهُ بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في دين الله، ولفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد» (¬1) (¬2).
وقد هيأ - سبحانه وتعالى - لهذا الدين القويم علماء أجلاء، قاموا على شرع الله حقَّ القيام، فبيَّنوا لنا الحلال من الحرام، والحقَّ من الباطل، ومنهم: الإمام جلال الدين أحمد بن محمد الغزنوي الحنفي الذي أخذ على عاتقه خدمة هذا الدين العظيم، فألف مؤلفاتٍ جليلةً في الفقه والأصول والعقيدة، ومن أبزها كتابنا هذا المسمى: «الحاوي القدسي في فروع الفقه الحنفي».
وسُمِّي بالقدسي؛ لأنه كتبه في مدينة القدس، وجعله على ثلاثة أقسام:
القسم الأول في أصول الدين، وتحدث فيه عن العلم والإيمان، والأنبياء والمرسلين، والتكليف، وحقائق الأشياء، وطاعة الله تعالى وأولي الأمر، وبعض المسائل الفرعية.
والقسم الثاني في أصول الفقه، حيث بيَّن فيه الحججَ وأنواعَها وأدلةَ الشرع، والأهلية، وأحوال الأدلة والمجتهدين، والأعذار، وبعض المسائل الأخرى.
والقسم الثالث في فروع الأحكام، حيث قسمه إلى كُتُبٍ وأبوابٍ وفصولٍ، فذكر تفصيل هذه الفروع وفق ورودها في الكتب والأبواب الفقهية، فبين كتاب الطهارة، وما يشمله من أبواب النجاسة، والوضوء، والتيمم، والغسل، والحيض، والنفاس، والاستحاضة، والمسح على الخفين والجبيرة.
¬
(¬1) () ... رواه الدارقطني في «سننه» (294)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (6166)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 186).
(¬2) () ... من مقدمة «بدائع الصنائع» لشيخ المؤلف الإمام الكاساني (1/ 3).
الجزء 1 · صفحة 7
ثم تحدث عن كتاب الصلاة وما يشمله من أبواب متعلقة باوقاتها، وشروط صحتها، وأركانها، وصفتها، ومفسداتها، وأنواعها ... إلخ.
ثم ذكر كتاب الزكاة والعُشر والخراج، والصوم والحج، وتحدث بالتفصيل عن الأبواب المتعلقة بها من حيث مفهومها، وشروطها، وأركانها ... إلخ.
وذكر أيضا كتاب النكاح والطلاق والعتاق والايمان والوقف والبيوع، وما يندرج تحته من أبواب متعلقة بالمعاوضات والمعاملات، وكتاب المفقود والدعوى ووسائل الإثبات؛ كالإقرار والشهادة، وكتاب الاستحسان في الحظروالإباحة، وكتاب الصيد والذبائح والأشربة، وكتاب الحدود والجنايات، وكتاب السِّيَر والوصايا، وكتاب الفرائض والحيل، ثم ختم الكتاب بالحديث عن كتاب الحيرة الذي اشتمل على بعض المسائل المحيرة وذات الألغاز.
ويُلاحظ أن المؤلف قد ألمَّ بجميع موضوعات الفقه المدوَّنة في كتب الفقهاء عادة، وفصَّل في الأحكام الشرعية المتعلقة بها، مبينًا مستندها والخلاف فيها، ورأيه أحيانًا بعبارة فقهية بعضها واضح وسهل، وبعضها الآخر فيه شيء من الألفاظ الصعبة.
وقد أخذ العمل بهذا الكتاب جهدًا كبيرًا عند قراءة المخطوطات ومقابلتها ونسخها، وتصحيح بعض الكلمات المصحَّفة، ووضع بعض العناوين الجانبية لبعض الفقرات، بالإضافة إلى الرجوع لمصادر الحنفية المعتمدة للتأكد من صحَّة نسبة بعض الأقوال الفقهية إلى قائليها، وشرح بعض العبارات وبيان مدلولاتها الفقهية وأحكامها الشرعية عند الحاجة؛ لأن الكتاب كان دقيقًا في عباراته وجيزًا في ألفاظه مسبوكًا في تراكيبه.
وكانت بداية العمل تسير وفق منهج تأصيل جميع المسائل التي ذكرها
الجزء 1 · صفحة 8
المؤلف في كتابه عبر الرجوع إلى مصادر الحنفية المعتمدة، وتوثيق هذه المسائل منها - وقد أُنجز أكثر من نصف الكتاب بهذه الطريقة - وعندما ظهر كبر حجم هذا العمل الذي يستغرق أكثر من عشرة مجلدات، اضطررت إلى اختصار هذا العمل والاهتمام فقط بتحقيق النصِّ تحقيقًا تامًّا يحقق الهدف المنشود.
والله أسأل أن يمدني بالعافية والصحة، ويبارك لي في الوقت لكي أتم ما بدأت به في الأيام القادمة.
أسأل الله أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصًا لوجهه الكريم وذخرًا لي يوم الدين، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
صالح العلي
الجزء 1 · صفحة 9
ترجمة المؤلف الغزنويّ (¬1)
اسمه ونسبه:
هو القاضي جمال الدين، أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد بن نوح، القابسي، الغزنوي، الفقيه الحنفي، المعروف بالتاج الحنفي. وقيل: اسمه: محمد.
وقيل فيه: أحمد بن محمود بن سعيد، هكذا رأيت نسبه بخطه في غير موضع، وهو الصحيح.
حياته العلمية:
لم تسعفنا المصادر التي أوردت ترجمته بتفاصيل كثيرة عن حياته العلمية وغير ذلك من ذكر مشايخه وتلامذته ورحلاته وتفاصيل أخرى لحياته.
وأغلب من ترجم له ذكر في ترجمته أنه - رحمه الله - كان فقيهًا فاضلًا
¬
(¬1) () ... «بغية الطلب في تاريخ حلب»، كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم (3/ 1029، 1126)، «الجواهر المضية في طبقات الحنفية»، لعبد القادر القرشي (1/ 120 - 121)، «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون»، لحاجي خليفة (1/ 627)، «هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين»، لإسماعيل باشا البغدادي (5/ 89)، «الأعلام»، لخير الدين الزركلي (1/ 217).
الجزء 1 · صفحة 10
من أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، أقام بـ «حلب» مدة معيدًا بالمدرسة «النورية» المعروفة بـ «الحلاويين»، في أيام ولاية الإمام علاء الدين أبي بكر الكاشاني، وسمعت والدي يثني عليه ثناءً حسنًا، له شعر حسن، من ذلك: ما أنشد الفقيه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمود قال: قرأت بخط جدي أحمد الغزنوي:
الرقصُ نقصٌ والسماعُ رقاعةَ وكذا التواجُد خِفَّةٌ في الراس
والله ما اجتمعوا لطاعةِ ربِّهم إلا لما طحنوه بالأضراس (¬1)
وهناك من يقع له الوهم فيظن أن الغزنوي هو الكاشاني، وليس الأمر كذلك، قال ابن قطلوبغا: قلت: ليس الغزنوي بالكاشاني، وكتاب البدائع للكاشاني لا الغزنوي، وكان الغزنوي معيد درس الكاشاني، والله أعلم (¬2).
شيوخه وتلامذته:
تتلمذ الغزنوي رحمه الله - كغيره من العلماء - علي علماء أجلاء عدة منهم:
- الإمام علاء الدين أبو بكر ابن مسعود الكاساني (ملك العلماء) صاحب «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» المتوفى سنة (587 هـ).
- الشريف أبو نصر - وقيل: أبو العباس - عماد الدين أحمد بن يوسف بن أحمد العريضي العلوي الحسيني المولود بعد سنة 560 هـ، والمتوفى سنة (648 هـ).
¬
(¬1) () ... انظر: «بغية الطلب في تاريخ حلب»، (3/ 1029).
(¬2) () ... انظر: «تاج التراجم في طبقات الحنفية» (ص 3).
الجزء 1 · صفحة 11
وانتفع به جماعة من الفقهاء، وتفقهوا عليه، ومن جملة من انتفع بصحبته والقراءة عليه:
الفقيه الشريف، عماد الدين أبو العباس، أحمد بن يوسف بن علي بن محمد بن أحمد الحسني، نزيل «حلب».
مؤلفاته:
صنَّف الغزنوي مؤلفاتٍ عدةً في الفقه والأصول، كان لها أثر كبير في المذهب الحنفي، ويظهر ذلك جليًّا في كتب المذهب الحنفي التي أكثرت من النقل عن هذه المؤلفات، ولا سيما كتابه: «الحاوي القدسي» فقد نقل عنه صاحب «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، و «حاشية رد المحتار على الدر المختار» المعروف بـ «حاشية ابن عابدين»، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» ... إلخ، وذكروا خلافه للمعروف في المذهب واعتبروه - في حالة الخلاف - قولًا ثانيًا.
ولم يقتصر الغزنوي في التأليف على الفقه والأصول فحسب، بل صنف أيضًا في علم الكلام والفتاوي، وأبرز مصنفاته:
- الحاوي القدسي في الفروع.
- روضة اختلاف العلماء.
- روضة المتكلمين في أصول الدين.
-عقائد الغزنوي.
- كتاب الأصول في الفقه.
- مختصر روضة المتكلمين واسمه: «المنتقى من روضة المتكلمين».
- المقدمة الغزنوية في الفروع.
الجزء 1 · صفحة 12
- النتف في الفتاوي.
وفاته:
توفي الإمام الغزنوي في حلب سنة (593 هـ)، ودفن بمقابر فقهاء الحنفية قبلي مقام إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام -.
الجزء 1 · صفحة 13
وصف النسخ الخطية
1 - نسخة الأصل، وهي نسخة موجودة في مكتبة الشيخ نور الدين طالب الخاصة، وعدد أوراقها (319) ورقة، وقد نسخت بناريخ 1261 هـ على يد ناسخها: إبراهيم بن محمد الذكره، الشهير بـ: القاق، المعراوي وطنًا، والشافعي مذهبًا، وهي نسخة تامة واضحة.
2 - نسخة دار الكتب الظاهرية، وهي نسخة تامة في أولها فهرس، وعدد ورقاتها (189) ورقة، ونسخت بتاريخ: 1107 هـ.
3 - نسخة ولي الدين، وهي نسخة تامة، نسخت بتاريخ 950 هـ، على بد ناسخها: عبد الرحيم بن عبد الباسط السلموني، وعدد أوراقها: (213) ورقة، وهي أقدم النسخ التي عثرنا عليها.
4 - نسخة أحمد باشا، وهي نسخة تامة، في أولها فهرس للكتاب، وعدد أوراقها: (114) ورقة.
الجزء 1 · صفحة 14
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 15
بيان منهج التحقيق
1 - نسخ الأصل المخطوط بالاعتماد على نسخة مكتبة الشيخ نور الدين طالب الخاصة، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
2 - التنبيه إلى الأخطاء والأسقاط وغيرها، وذلك بإثبات الصواب، أو الاستدراك في النصّ، وجعله بين معكوفتين، والإشارة إلى ذلك في حواشي الكتاب.
3 - معارضة المنسوخ بالأصول الخطية، وذلك بإثبات النص الأصوب، دون التمييز بين النسخ مع الإشارة لذلك في الهامش.
4 - ضبط النصوص المشكلة بالكتاب ليسهُل على المطلع قراءتها.
5 - إدخال علامات الترقيم المعتادة على النص، ووضع ألفاظ الحديث النبوي الشريف، وأسماء الكتب والمصنفات بين قوسي تنصيص لتمييزها، وتصحيح الألفاظ المخالفة للقواعد الإملائية والنحوية، وإثباتها في متن النص والإشارة إلى المخالفة في الهامش مع بيان النسخة التي ورد فيها.
6 - عزو الآيات القرآنية الكريمة إلى مواضعها من الكتاب العظيم، وإدراجها برسم المصحف الشريف، وجعل العزو بين معكوفتين في صلب
الجزء 1 · صفحة 16
الكتاب بذكر اسم السورة ورقم الآية، وبيان مظان وجود الحديث.
7 - كتابة مقدمة للكتاب مشتملة على مقدمة التحقيق، وترجمة مختصرة للمؤلف، ويبان منهج التحقيق، ووصف للنسخ الخطية، مع صور لتلك المخطوطات.
8 - تذييل الكتاب بفهارس للموضوعات.
الجزء 1 · صفحة 17
صور المخطوطات
الجزء 1 · صفحة 18
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 19
صورة اللوحة الأولى من نسخة الأصل
الجزء 1 · صفحة 20
صورة اللوحة ا لأخيرة من نسخة الأصل
الجزء 1 · صفحة 21
صورة اللوحة الأولى من نسخة الظاهرية
الجزء 1 · صفحة 22
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة الظاهرية
الجزء 1 · صفحة 23
صورة اللوحة الأولى من نسخة ولي الدين
الجزء 1 · صفحة 24
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة ولي الدين
الجزء 1 · صفحة 25
صورة اللوحة الأولى من نسخة أحمد باشا
الجزء 1 · صفحة 26
صورة اللوحة الأخيرة من نسخة أحمد باشا
الجزء 1 · صفحة 1
الحاوي القدسي
في فروع الفقه الحنفي
تأليف القاضي الغزنوي
جمال الدين أحمد بن محمود بن سعيد القابسي الغزنوي الحلبي الحنفي
معيد درس الإمام الكاساني صاحب بدائع الصنائع
المتوفى في حلب سنة 593 هـ
رحمه الله تعالى
تحقيق
الدكتور صالح العلي
أستاذ الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية في كليتي الشريعة والاقتصاد
عضو هيئة التدريس في عددٍ من المؤسسات المالية الإسلامية
الجزء 1 · صفحة 2
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلِّم
الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام، ودعانا إلى دار السلام، وجعل الطريق إليها تصفية للعقائد، والتقضي عن عُهدة ما في الذِّمم كالقلائد، والصلاةُ والسلامُ على رسوله محمد النبي المصطفي رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين.
وبعدَ تيسيرِ ذي العطاء السنيِّ القويِّ، تحريرَ عُبيدِهِ محمدٍ الغزنوي، وسميته:
الحاوي القدسي
لكونه الحاويَ لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه، من جنس مؤلف الجنس الجامع بين الأصولين والفروع، الدافع للمبتدي هذا التمسك به عن الوقوع، المرتب على ثلاثة أقسام:
1 - أصول الدين.
2 - وأصول الفقه.
3 - وفروع الأحكام.
الجزء 1 · صفحة 4
أما أصولًا، ففصولٌ مؤصَّلة، وأبوابُ كتبٍ فروعه أصول مفصلة، مشحونة بثمراتها، مقرونة بأخواتها، محفوظة فيها أقوالُ المشايخ حسب الإمكان؛ ليكون أقرب إلى الخروج عن عُهدة ما يكون بما كان، والله تعالى هو المستعان، على إجراء أجره وثوابه، ولا حول ولا قوة لنا إلا به.
اللهم اختم بخير ...
الجزء 1 · صفحة 5
القسم الأول
في أصول الدين
الجزء 1 · صفحة 6
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 7
القسم الأول
في أصول الدين
اعلم - وقاك الله المكاره -: أن الإمام أبا حنيفة النعمانَ بنَ ثابت الكوفيَّ من التابعين، وأصحابه المتقدمين - رضي الله تعالي عنهم اجمعين - وعن أئمة الدين، كانوا يكرهون كثير الكلام في هذا القسم؛ لوقوع الاستغناء عنه بالعقل المرشد، والنقل المسدد، فإن أعمه مع ما يكون من المنقول، يدرك بمجرد العقول، والذي نقل عنهم من مهمات هذا الباب ما يذكر - إن شاء الله بعونه تعالى - في هذا الكتاب، اللهم اختم بخير.
فصل
العلم المحدث نوعان:
- ضروري.
- واختياري، وهو الاستدلال.
وأداة حصوله شينان: الحس، والعقل.
فالضروري: ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وإيجاده من غير أن يكون للعالم فيه فعلُ الكسب الاختيار، ولا قدرةُ التحصيل ولا الترك.
والاختياري: ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وإيجاده ايضًا،
الجزء 1 · صفحة 8
للعالم فيه فعلُ الكسب والاختيار، وقدرة التحصيل للفعل أو الترك، وهذا كالفعل المحدث المنقسم إلى: ضروري، واختياري.
فالضروري: ما حصل في الذات القائم به بإحداث الله تعالى وإيجاده، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والاختبار، ولا قدرة هلاك؛ كحركة المرتعش، وسكون اليد الشلاء.
والفعل الاختياري: ما حصل في الذات القائم به بإحداث الله تعالي وإيجاده أيضًا، لكن الذات فيه فعل الكسب والاختيار، وقدرة التحصيل والترك؛ كالذهاب والقعود من الحي الصحيح.
ثم العلم الضروري ثلاثة أقسام، وهي:
1 - العلم الضروري الحاصل بمجرد العقول والحواس الخمس؛ كالسمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
2 - والعلم الحاصل بمجرد العقول، من غير نظر وتأمل في الأصول، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل شيء أكبر وأكثر من جزئيه.
3 - والعلم الحاصل بينهما؛ كالعلم بالبلدان الشابة، والقرون الماضية من الأخبار المتواترة يُسمع ويُعقل بالضرورة.
والعلم الاختباري قسمان:
- عقلي
- وسمعي.
فالعقلي: ما يحصل بالنظر والتأمل في أصول المحسوسات: والبداية بمجرد الفعل من غير واسطة الدليل السمعي؛ كالعلم بحدوث العَالَمِ، وثبوتِ الصانع وقِدَمِهِ وتوحيده، ونحو ذلك.
الجزء 1 · صفحة 9
والسمعي: ما يحصل بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يحصل بالعقل وحده بدون واسطة السمع؛ كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله من الأحكام.
ثم العلم العقليُّ يوجب الحكم قطعًا ويقينًا، وهو يسمي: علمَ الكلام، وأصول الدين، وعلم التوحيد في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين.
وأما العلم السمعي، فموضع ذكره أصولُ الفقه.
* * *
فصل
حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، ومن نفاها كان نفيه إياها تحقيقيا منه للمنفي، فكان في نفيها إثباثُها ضرورة.
والعالم مُحْدَث، والصانع - تعالى وتقدس لا إله إلا هو - قديم؛ لأن البناء بغير بانٍ مستحيل؛ كوجودنا بغير موجود، وكونه مُبْدِئًا نفسَه غيرُ ممكن، والقول به قولٌ بكون القدم موجدًا، فلزم أن يكونَ له صانع متقدم عليه، فثبت بهذا حدوث العالم ضرورة.
والصانع لو لم يكن فكان، إن كان وجوده بنفسه فمحالٌ كما قلنا، وإن كان بغيره لم يكن صانعًا مطلقًا، فثبت قِدَم الصانع أيضًا ضرورةً.
وهو تعالي دائم لا يفنى؛ لأن الفناء يفتقر إلى مُفْني، ولا مُفْنِيَ سواه.
ولا ثاني له؛ إذ لو كان له ثانٍ لم يكن به.
وهو مالك الملك مطلقًا، وليس بعرض، ولا جوهر، ولا جسم؛ لأن العرض مفتقر إلى محل قيامه به، والجوهر أدني جزيء يتركب الجسم من أجناسه.
والجسم ما يكون مركبًا، ويستحيل وصفه تعالى بالصورة واللون والرائحة؛ لما يلزم من التشبيه، وهو لا يشبه العالم، ولا شيئًا منه بوجه من
الجزء 1 · صفحة 10
الوجوه؛ إذ المشابهة تقتضي المماثلةَ وجوازَ المشاركة - تعالى الله عنها -، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، وهو تعالي غير حالٍّ في مكان؛ إذ تمكُّن القديم على المحدث يُلْزِم التغير - تعالى الله عن ذلك -.
هو شيء لا كالأشياء (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري: 11]، جميع صفاته قديمة كذاته من غير تعدُّد القديم، بل لكون الواحد القديم موصوفًا بصفات الكمال، منزَّهًا عن كونه محلًّا للحوادث، فلم يزل بصفاته قديمًا قبل خلقه، ولم يزد بكون الخلائق شيئًا لم يكن قبله من صفته، فكان بصفاته أزليًّا.
ولا يزال كذلك أبديًّا، ليس منذ خَلَقَ استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، كان له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالقية ولا مخلوق.
فكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسمَ الخالق قبل إنشائهم، وهذا لأن جواز اسم الفاعل يعتمد القدرة على الفعل والعلم، لا حقيقة مباشرة الفعل، على هذا تسمية جميع الصناع، إذا كان قادرًا عالماً، وإن لم يكن مباشِرًا، ولا شكَّ في قدرة الباري وعلمه قبل الخلق.
وهو تعالى حيٌّ عالم قادرٌ سميع بصير، له حياة وقدرة وعلم وسمع وبصر.
ومن قال: حيٌّ عالم قادر سميع بصير ليست له حياة ولا قدرة ولا علم ولا سمع ولا بصر ما أشبه قوله قول السوفسطائية؛ إذ القول بعالِمٍ لا علمَ له، وقادرٍ لا قدرةَ له كالقول بمتحرك لا حركةَ له، وساكنٍ لا سكونَ له، وأسودَ لا سوادَ له.
وقولُ القائل: لا علم له بنا، ولا قدرة له علينا كالقول بأنه ليس بعالمٍ بِنَا، ولا بقادرٍ علينا.
والثاني قبيح، فهكذا الأول، قال الله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: 166]، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
الجزء 1 · صفحة 11
مِنْ عِلْمِهِ) [البقرة: 255]، (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ) [الذاريات: 58].
أوجد الأشياء بإرادته كما شاء باختيارٍ لا اضطرارٍ، وكان مريدًا إيجادَها بإرادةٍ أزليةٍ قديمةٍ قائمةٍ بذاته القديمةِ، وهي إرادةُ كلِّ مُرادٍ لوفت وجودِه، فلا موجودَ إلا بإرادتِه ومشيئته وقضائه وقدره، وما كان منها من أفعال المكلَّفين خيرًا فبرضاه، وما كان شرًّا فبسخطه، لا مشيئةَ للعباد إلا ما شاء لهم، ما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يتقلَّبون في مشيئته وحكمه، لا رادَّ لقضائِه، ولا معقِّب لحكمِه، ولا غالبَ لأمره.
غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤُه الحِيَلَ كلَّها، يفعل الله ما يشاء، وهو غير ظالم أبدًا (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23]، وإذا اجتمع الخلقُ كلُّهم على شيءٍ قدَّره الله كائنًا ليجعلوه غيرَ كائن، لم يقدروا عليه، وكذا عكسُه، فهو الخالقُ بلا حاجةٍ، والرازقُ بلا مؤنة، والْمُميت بلا مخافةٍ، والباعث بلا مشقَّة.
والاسم والمسمَّي واحدٌ، والتكوين غيرُ المكون؛ فإن التكوين أزلي.
والتكوينُ والخلقُ والإيجادُ والاحداثُ والاختراعُ والإبداعُ أسماءٌ مترادفةٌ يُراد بها كلِّها معنى واحدٌ، وهو إخراجُ المعدومِ من العدم إلى الوجودِ.
والمكَوَّن هو المخلوقُ، فكان التكوينُ صفةً من صفات الله تعالي أزلية؛ كالحياة والعلم، فمن جعلهما واحدًا، كان كمن جعل الضربَ عينَ المضروب، والكسرَ عين المكسور، وفسادُ هذا القول لا يخفي.
والقرآنُ كلام الله تعالى، منه بدأ بلا كيفية قولًا، والله تعالي متكلِّمٌ بكلامٍ هو صفة له أزلية، ليس من جنس حروفٍ وأصواتٍ، أنزل به جبريلَ
الجزء 1 · صفحة 12
على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام -، وهو صفةٌ مُنافيةٌ للسكوتِ والآفةِ، وقد تكلَّم به آمرًا وناهيًا ومخبرًا، وهذه الحروف المؤلَّفةُ، والعباراتُ المرتَّبةُ دالَّاتٌ على كلامِه القديمِ لا عينِه، والكلامُ غير الحروفِ والعباراتِ، ولهذا لم يتبدلها عند تبدل الألسن؛ فإن الحروفَ والعباراتِ تختلف باختلاف الألسنِ إذا عبر بالكلِّ عن كلامٍ واحد، ويكون حروف كل
لسان المؤلف منها - عند الدلالة على عين ذلك الكلام - غير الحروف بإنسان آخر؛ كقولك: (قُلْ)، (بكوو)، الذي دلّت عليه أحدهما من الكلام عينُ ما دلَّت عليه الأخرى دلالة تلازم الكلام؛ بحيث لا ينفكُّ عنه حتى يوجد ذلك الكلام حيثما وجدت تلك العباراتُ، ولهذا جوَّز أبو حنيفة رضي الله عنه قراءة القرآن بالفارسية، فيكون كاتبُ العبارات كاتبَ الكلام، وتاليها تاليّه، وحافظُها حافظَه، ولذا قلنا: إن القرآن مكتوبٌ في مصاحفنا، مقروءٌ بألسنتنا، محفوظٌ في قلوبنا، كلامُه قديمٌ، وحروفُه محدثة.
فإن قيل: كلام الله تعالي لو كان قديمًا، لكان الله تعالي آمرًا ناهيًا في الأزل للمعدوم، فيكون سَفَهًا.
يقال: الأمر والنهي للمعدوم؛ ليجب عليه الإقدامُ على المأمور به والانتهاء عن المنهي عنه للحال، سَفَهٌ، لكن ليجبَ الإقدامُ على المأمور به عند وجود المأمور وأهليته، والانتهاء كذا، حكمة بالغة.
ولو قيل: إن الله تعالى أخبر عن أمور ماضية، كقول: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ) [يوسف: 58]، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) [البقرة: 126]، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى) [البقرة: 54]، فلو كان إخبارُه عنها سابقًا عليها، لكان الإخبارُ عنها قبل وجودها كذبًا.
الجزء 1 · صفحة 13
يقال: إخبارُ الله تعالى لا يتعلق بالزمان، بل هو مطلق إخبار، والمتعلق بالزمان، وهو المخبر عنه، وإن كان لم يوجد بعدُ، لكن الإخبار لما كان مطلقًا غير متعلقٍ بزمان، كان ذلك إخبارًا عنه أنه سيوجد، وإذا وجد كان إخبارًا عنه أنه للحال موجود، وإذا انقضى كان إخبارًا عنه أنه وجد فيما مضى، وتغيرُ الحالِ داخلٌ تحت المخبَر به، لا على الإخبار الأزليِّ.
والله - سبحانه وتعالى - يراه أهل الجنة في الجنة بأبصارهم، من غير إحاطة ولا كيفية؛ كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22 - 23].
وتفسيره: ما أراده الله تعالى به، وكلُّ ما جاء في الرؤيةِ وغيرِها من المشكلات المتعلِّقة بذات الباري - جلّ وعلا - وصفاتِهِ في الأحاديث الصحاحِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كما قال، ومعناه ما أراد.
فإن فهمنا مرادَهُ الموافقَ للأصول، فهو نعمة من الله تعالى، وإلا فلا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا؛ فإنه ما سَلِم في دينِهِ إلا مَنْ سلَّم لله ورسولِهِ، وردَّ ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا يثبت قدمُ الإسلام إلا على ظهر التسليم.
ومن رام ما حُظِر عنه علمُه، ولم يقنع بالتسليم فهمُه، حجبه رأيُهُ عن خالص التوحيدِ، وصافي المعرفةِ، وصحيح الإيمانِ، فيتذبذب بين الكفرِ والإيمانِ، والتكذيبِ والتصديقِ، والإنكارِ والإقرارِ، موسوسًا تائهًا شاكًّا زائغًا، لا مؤمنًا مصدِّقًا، ولا جاحدًا مكذِّبًا.
ومن لم يَتوقَّ النفيَ والتشييهَ، زلَّ ولم يصب التنزيه؛ فإن ربَّنا عز وجل موصوفٌ بصفات الوحدانيةِ، منعوتٌ بالفردانيةِ، ليس بمعناه أحدٌ من البرية، تعالي عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهاتُ الستُّ كالمبدعات.
ومنكرُ رؤيةِ الله تعالي ينسب موسى الكليم إلى قلَّة معرفة الباري تعالي؛ فإنه قال: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) [الأعراف: 143]، ولو لم تكن الرؤيةُ
الجزء 1 · صفحة 14
جائزة، لكان الطلبُ محالًا، ولكان غيرَ مرئيٍّ وزَعَمَهُ موسي عليه السلام مرئيًّا، فكان غيرَ عارفٍ به.
وذُكر في معنى عدم رؤيته: أن من رأي الله - جل جلاله -، صار حيًّا لا يموت، وقد قضى الله تعالي بموتِه، ولذا لم ير المصطفى ليلة المعراج، وكافةُ الخلق في الدنيا.
اللهم اختم بخير.
* * *
فصل
والأنبياء والمرسلون لم يزالوا حيث خُلِقوا عبادًا اصطفاهم الله تعالي لأداء أمانته، إلى المكلَّفين من برِيَّتِه، وفضَّل بعضَهم على بعضٍ؛ ففضَّل الرُّسُلَ على الأنبياءِ، وأولي العزم على الرسل، وفضَّل محمدًا صلى الله عليه وسلم على الرسل والنبيين، وكافَّة الخلق أجمعين من أهل السموات والأرض.
ولقد جاء بالحقّ، وقال بالصدقِ، جاء ناسخًا للمِلَل، وخاتمًا للأنبياء والرسل، وأتي بمعجزاتٍ بيِّناتٍ، وآياتٍ دالَّاتٍ على صدقِ نبوتِه؛ كانشقاق القمر، وانجذاب الشجر، وتسبيح الحصا، وتسليم الحجر، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين السارية، وشكاية الناقة، وشهادة الشاة المصلِيَّة، وشرب الكثير من قليل اللبن والماء، وقليل الطعام إلى الإشباع والإرواء، والسحاب الذي ظلَّله قبل مبعثه، والنور الذي كان ينتقل من ظهرٍ إلى رحمٍ كذلك إلى ولادته، وخاتم النبوةِ بين كتفيه، وطيبِ عرقه، وكونِه أحسنَ من البدر، وأطيبَ من المِسك، وألينَ من الحرير، وكان يؤخذ عرقُه صلى الله عليه وسلم للطِيبِ.
وكان في الشفقة بحيث عوتب عليه بقوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: 8]، وبقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 3].
الجزء 1 · صفحة 15
وكان في السخاءِ والكرمِ بحيث عوتب بقوله تعالى: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: 29]، وكان صلى الله عليه وسلم في حلمِهِ ووقارِهِ، ووعدِهِ وأمانتِهِ، وسدادِه وشجاعتِه، وعفافِه وصبرِه، وذكاءِ فهمِه، وقلَّةِ تلوُّنِه، وبلوغِ حفظِه، وقولِه بجامع الكلم إذا قال، ومراعاتِه شرائطَ الصمت إذا صمت، وتصديقه للمواعيدِ إذا وعد، وطهارةِ أخلاقِه كلِّها شابًّا وصبيًّا وكهلًا؛ بحيث يتبع آثارَه أولياؤُه وأعداؤُه، وكانت هذه الخصائص الشريفةُ، والشمائلُ المرضيَّةُ موجودةً فيه على طول الزمانِ، وتصاريفِ الأحوالِ، لم يتغيَّرْ عن شيءٍ منها في حالِه، ولا وجدتْ منه خصلةٌ غيرُ حميدةٍ طول عمره صلى الله عليه وسلم.
وكان ذلك كلُّه منه طبعًا غير تكلُّفٍ، ولم تزل آثارُ صدقِ أخبارِه صلى الله عليه وسلم ظاهرةً في الأبد، فدلَّ ذلك كلُّه على أنها من مواهب الله السنية، ومن عطاياه الهنيّة؛ لتكون دلالة بأنه المؤيَّد بقوة سماوية، والمكرَّم بمعونة إلهية؛ ليستقلَّ بالقيامِ بما فُوِّض إليه، وفُرض عليه من أمور الرسالة إلى أصناف الخليقة من الثقلين ما بين الخافقين.
وكذا كلُّ نبيٍّ بعثه اللهُ تعالى إلى الخلقِ خصَّه بمعجزةٍ دالةٍ على صدق نبوتِه؛ كإبراهيم الخليل وانطفاء ناره، وموسى الكليم وعصاه ويده البيضاء، وعيسى وإحيائه وإبرائه، وغيرِهم من النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.
ومعراجُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم حقٌّ وصدقٌ، وقد أُسري به في ساعةٍ من ليلة من مكة إلى بيت المقدس، وعرج منه بشخصه في اليقظةِ إلى السموات إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله تعالي بما شاء، وأوحي إليه ما أوحي.
الجزء 1 · صفحة 16
وحوضُ الكوثر الذي أكرمه الله تعالي به غياثًا لأمتِه في القيامة حقٌّ.
والشفاعة التي ادَّخرها لهم حقٌ؛ كما روي في الأخبار.
وكراماتُ الأولياء حقٌّ، وهي تشبه معجزاتِ الأنبياء، وفرقُ ما بينهما أن المعجزة واجبُ الإظهارِ، والكرامةُ واجبُ الستر عن الأغيار.
وكرامةُ الوليِّ تؤيِّد معجزة النبي؛ إذ هي دالة على صدق نبوتِهِ، وصحة شريعته؛ فإن الوليَّ إنما أُكرِم بها لملازمته شريعةَ النبي.
ومنكرُ كرامةِ الأولياءِ منكرُ القرآن، فإن آصفَ كان وليًّا، والقرآن يخبر بكرامته بقوله تعالي خبرًا عنه: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) [النمل: 40].
ومنكرُ السنَّة أيضًا، لما صحَّ من الأحاديثِ فيها، وحديث أنس بن النَّضْرِ حين كسرت أختُه الرُّبَيِّعُ سنَّ امرأةٍ أبتِ القصاصَ، وحكم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقتصَّ من أختي بعلة والعفو، وحديث عمرَ - رضي الله عنه -، وقوله: «يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ» معروفان.
ومنكر الكرامة فلما أنه لم يرها في نفسه وجنسه، فهو كمنكرِ الرؤيةِ الذي قال لا يُرَى. لأنه لا يَرَى.
ونبيٌّ واحدٌ أفضلُ عند الله تعالى من جميع الأولياءِ، ومن فضَّل وليًّا على نبيٍّ يُخْشى عليه الكفرُ.
والخضرُ وإخوةُ يوسف اختُلِفَ في نبوَّتهم، والأصحُّ أنهم أنبياءُ.
وآدم نبيٌّ، هو أول الأنبياء، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
ومن لم يعرفْ اسماء الأنبياء بعد أن آمن بهم لا يضره، وإذا قيل له:
الجزء 1 · صفحة 17
هل آمنتَ بفلانٍ النبي، وهو لا يعرفه، فسبيلُه فيه أن يقول: إن كان فلانٌ نبيًّا، فقد آمنتُ به.
والميثاقُ الذي أخذه الله تعالي من آدم وذريته حقٌّ حين أخرجنا من صُلبِه يوم الميثاق من الأنبياء والمرسلين والعلماء وصنوف بني آدم أجمعين؛ كما أخبر بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) [الأعراف: 172].
اللهم اختم بخير.
* * *
فصل
الإيمانُ فعلٌ مخلوقٌ بتوفيقِ الله تعالى قديمٌ، وهو تصديقُ القلبِ، وإقرارُ اللسانِ بوحدانية الله تعالى وصفاته، وأنبيائه، وبما جاؤوا به، وبملائكتِه، وباليوم الآخر، وألا يفرق بين أنبيائه في صحَّة النبوة.
وقيل: حقيقةُ الإيمان هو التصديقُ فيما بينه وبين الله تعالى، لكن الإقرارَ بالإظهارِ عند القدرة لازمٌ حتى يرتفع عنه السيفُ، والحكمُ بإسلامِه وإيمانِه لا يكون إلا بالإقرار، وعملُ الأركانِ ليس من أصلِ الإيمان، بل هو شرائعه، ولو كان من الإيمان لم يكونوا أهل الجنة مؤمنين؛ إذ لا عمل فيها.
والإيمانُ لا يزيد ولا ينقص، والإيمانُ والإسلامُ واحدٌ في أصلِهِ سواءٌ، والتفاضُلُ بينهما بالحقيقةِ ومخالفةِ الهوي.
والمؤمنون هم أولياء الرحمن الصدِّيقون والشهداء؛ كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [الحديد: 19]
الجزء 1 · صفحة 18
وأكرمُهم أطوعُهم له، وأتبعُهم للقرآنِ، وأيقنُهم بالعقيدةِ، وأحدثُهم بالسنة والجماعة.
ودينُ الله تعالى في الأرض والسماء واحدٌ، وهو الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]، وقال: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، وهو بين الغلوِّ والتقصير، والتشبيهِ والتعطيلِ، والحذرِ والقدرِ، والأمنِ والإياسِ.
ولا يخرج العبدُ عن الإيمانِ إلا بجحودِ ما أدخله فيه.
ونُسمِّي أهل قبلتِنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وبكلِّ ما قال مصدِّقين غير مكذِّبين.
وإبليسُ قبل الاستكبار كان مؤمنًا، وأبو بكرٍ وعمرُ وغيرهم رضي الله عنهم كانوا كافرين.
ولا نخوضُ في الله، ولا نُماري في الدين، ولا نُجادِل في القرآن.
ونؤمن بالكرام الكاتبين، الذين جعل الله تعالى منهم على كلِّ واحدٍ من مكلفي الثقلَيْنِ حافظَيْنِ.
ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبجميع الملائكة والمقربين.
ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكرٍ ونكيرٍ للميت في قبره عن ربِّه ودينه ونبيِّه؛ كما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللهُ - سبحانه وتعالي - أعلمُ بكيفية ذلك.
والقبرُ إما أن يكونَ روضةً من رياض الجنة، أو حُفرةً من حُفَرِ النيران، ثم لا بُدَّ من البعثِ، وجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامة.
ونؤمن بالعرضِ يومئذٍ، والحسابِ، وقراءةِ الكتبِ، والصراطِ.
الجزء 1 · صفحة 19
والميزان تُوزَنُ به أعمال المكلَّفين من الخير والشر، ما فيه الخير والشر، وما فيه الثواب والعقاب.
ونؤمن بالجنةِ والنارِ، وأنهما موجودتان لا تَفْنَيَان ابدًا ولا تبيدان، وأن الله تعالي خلقهما قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم للجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم للنار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما فُرِغَ منه، وصايرٌ إلى ما خُلِقَ له.
ونؤمن باللَّوْحِ والقلمِ، وبجميعِ ما فيه قَدْ رُقِمَ، وأن القلمَ قد جفَّ بما هو كائنٌ فيه إلى يوم القيامة، فما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبَهُ، وما أصابه لم يكن ليخطئَه.
وعلى العبدِ أن يعلمَ أن الله تعالي سَبَقَ علمُهُ في كلِّ كائنٍ من خلقِهِ، فما جرى به القلم، وقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقضٌ ولا مغيِّرٌ، ولا مزيلٌ ولا محوِّلٌ، ولا ناقصٌ ولا زائدٌ من خلقه، كائنًا مَنْ كان، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بوحدانيته وربوبيته؛ كما قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2)، وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) [الأحزاب: 38].
ونؤمن بالعرشِ والكرسيِّ كما بيَّن اللهُ تعالى في كتابه، وهو - جل جلاله - مستغنٍ عن العرشِ وما دونَه، محيطٌ به وما تحته وما فوقه، وقد أعجز عن الإحاطةِ به خلقَه.
ونؤمن بخروجِ الدجالِ اللعينِ، ونزولِ عيسي بن مريم - عليه الصلاة والسلام - من السماء، وخروج يأجوج ومأجوج، وبخروج دابة الأرض، وبطلوع الشمسِ من مغربها.
ولا نصدِّقُ كاهنًا ولا عرَّافًا، ولا من يدَّعي
الجزء 1 · صفحة 20
شيئًا خلافَ الكتابِ والسنةِ وإجماعِ الأمة.
ولا نكفِّرُ أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ، ولا من اقترف كبيرةً وهو غير مُسْتَحِلٍّ لها، ولا بمُسْتَخِفٍّ بمن نَهَى، ونرجو اللهَ تعالى أن يغفرَ له، ونخافُ أن يعذِّبَه، فهو مؤمنٌ، ولم يَزُلْ عنه بها إيمانُه ولا انتقص، وإذا مات مؤمنًا من غيرِ توبةٍ، فاللهُ تعالي إن شاء عفا عنه بفضله، وبركة إيمانه، وسائر حسناته، أو شفاعة الشافعين، من الأنبياء والمرسلين، وغيرهم من الصالحين، وإن شاء عذَّبه بقدرِ ذنبه، ثم تكون عاقبةُ أمره الجنةَ، لا محالة، ولا يُخلَّد في النارِ.
وأصلُ دينِ التوحيدِ إثباتُ ما أثبته الله تعالى، ونفيُ ما نفاه اعتمادًا.
ولا يجوز أن يقال: لا يضُرُّ مع الإيمان ذنبٌ، ويُخْشَى على قائله الكفرُ، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يغفر لهم الزلَّة، ويكونوا من أهل الجنة، ولا نشهد لهم بها، ولا نأمن عليهم، ونستغفر للمُسيئين منهم، ونخاف عليهم، ولا نُقَنِّطُهم، والأمنُ واليأسُ ينقلانِ عن ملَّة الإسلامِ، وسبيلُ الحق بينهما لأهل الإيمان.
* * *
فصل
والمكلَّفون أهلُ العقل، والحبيب وغيره في أصل التكليف سواء.
والله تعالى خلق الإنسَ والجنَّ ليعبدوه، وجعل الجنة مثوى المطيعين منهم، والنار مأوى الظالمين.
وقد علم الله - تبارك وتعالى - في الأزل عددَ من يدخلُ الجنةَ، وعددَ من يدخل النارَ، فلا يُزاد في ذلك العددِ، ولا يُنْقَصُ منه.
وكذلك أفعالهم، وقد علم منهم أن يفعلوا، وكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، والأعمالُ بالخواتيمِ، والسعيدُ من سعد بقضاء الله، والشقيُّ من شقي بقضاء الله.
الجزء 1 · صفحة 21
وأصلُ القَدَرِ سِرُّ الله تعالى، لم يطَّلِعْ عليه مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.
والتعمُّقُ والنظرُ في ذلك زيغة الخِذْلان، ودرجة الطغيان، وسُلَّم الحِرْمان، فالحذرَ كلَّ الحذرِ من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالي طوي علمَ القدرِ عن أنامِه، ونهاهم عن مَرَامِه؛ كما قال تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23].
فالسكوتُ عنه درجةُ الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمانِ: علمٌ في الخلق موجودٌ، وعلم عن الخلق مفقودٌ.
فادِّعاءُ علمِ المفقودِ كفرٌ، وإنكارُ علم الموجودِ كفرٌ، لا يثبت الإيمان إلا بقبولِ علمِ الموجود، وتركِ طلب علمِ المفقود.
يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا منه، ويُضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا منه.
أَمَرَ عبادَهُ بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه، ولم يكلف كُلًّا منهم إلا حسب طاقتِهِ، ووَفْقَ مُكْنَتِه، والعبدُ إذا لم يكن مستطيعًا لا يُكلَّف إلى شيءٍ ألبتة.
والاستطاعةُ نوعانِ: متقدمةٌ يوجب بها الفعلُ، ومقارِنةٌ يوجد بها الفعل.
فالأولى سلامةُ الآلات، وحصولُ الأسباب، والثانيةُ حقيقة القدرة التي هي نتيجة التوفيق من الله تعالي عند جهدِ العبدِ؛ كما في قوله تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18] إلى قوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) [هود: 20] لا وعدهم، وذمَّهم لانعدام هذه الاستطاعة مع وجودِ الأسباب والآلات؛ لأنه كان انتفاءُ حقيقةِ القدرةِ بتضييعِهم لقوله تعالي: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]؛ أي: لنوفقنهم لطريقنا، فَوَّتُوا هذه القدرةَ؛ لفوات التوفيقِ بعدم الجهدِ.
ثم الاستطاعةُ الأولى أجسامٌ متقدمةٌ إجماعًا، والثانيةُ عروضٌ مقارِنةٌ للفعلِ، لا سابقةٌ عليه؛ خلافًا للقدرية.
والقدرةُ الواحدةُ تصلح للضدَّيْنِ، فالمباشِرُ لضدِّ المأمور به شَغَلَ
الجزء 1 · صفحة 22
القدرةَ الصالحةَ لتحصيلِ المأمور به بغيره، فصار مُعاتَبًا عليه.
وأفعالُ العبادِ خلقُ الله وكسبُهم، تنزل من خلقه منزلة الأحرار، وقد صاروا بكسبهم عُصاةً ومطيعين، وتعلُّقُ الثوابِ والعقابِ بكسبِهم، لا بخلقِ الله تعالي.
وقالت القدريةُ: إنَّ تدبيرَ الله تعالى وخلقَه منقطعٌ عن أفعال الخلق، وهم الذين يتوَّلَّوْن إيجادَها.
وقالت الجبرية: إن التدبيرَ في أفعالِ العبادِ كلَّه إلى الله تعالى، لا اختيارَ للخلقِ فيه، ولا قدرةَ ولا صنعَ، وإنَّ قولَ القائل: جاء زيد؛ كقوله: طال زيد.
فمذهبُ القدرية باطلٌ بقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: 16]، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96]، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: 3]، (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) [الرعد: 16]، ونحوها.
ومذهبُ الجبرية أيضًا باطلٌ بقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: 40]، (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) [الحج: 77]، و (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17]، (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [يس: 54]، (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سبأ: 33]، ونحوها.
والمتولِّداتُ محضُ خلقِ الله تعالى، ولا قدرةَ للعبد في شيءٍ من ذلك؛ إذ العبد ليس له قدرةُ الاختراعِ والخلقِ، فما وجد من الألم في المضروبِ عقيبَ ضربِ الإنسانِ، والانكسارِ عقيبَ كسرِهِ، والحركةِ في الجمادِ عقيبَ التحريكِ، كلُّ ذلك مخلوقُ الله تعالى، ولا صنعَ للعبدِ في إيجادِها البتة.
والمقتولُ ميِّتٌ بأجلِهِ، والقتلُ فعلٌ قائمٌ بالقاتل، وهو فعلٌ
الجزء 1 · صفحة 23
يخلق الله تعالى في الحيوانِ عقيبه الموتَ وانزهاقَ الروحِ، فيكون الموتُ مخلوقَ الله تعالى في الميتِ لقبض روحه؛ فلم يكن للقاتل صنعٌ في إيجاده.
وهم قالوا: للميتِ أجلٌ آخرُ لولا القتلُ، لبلغ إليه.
ثم وجوبُ القصاصِ عندنا، والضمانِ على العبدِ لارتكابه المنهيَّ، ومباشرتِه ذلك الفعلَ المحظورَ.
والخيرُ والشرُّ بقضاءِ الله تعالى وقَدَرِه، أي: بخلقه وتقديره؛ يعني: بالقضاء الحق، وبالقدر الحد، والقدرُ الذي ينبغي أن يكون لكلِّ شيء.
والعبدُ لا يصير مضطرًّا بفعل المعصية، وإن كان فعلُه بقضاء الله تعالي وقدره.
ورعايةُ الأصلحِ ليس بواجبٍ على الله تعالى، ولا ما هو مصلحة الخلق، والله تعالي يفعل ما يريد.
والهدى خلقُ فعلِ الاهتداءِ، والضلالُ خلقُ فعل الإضلال، وهو معنى قوله تعالى: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [النحل: 93]، والنبيُّ هادٍ؛ لكونه مُبَيِّنَ الطريقِ، فللهُدَى معنيان: الخلق، والبيان، ومنهما قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي) [القصص: 56]، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) [الشوري: 52].
* * *
فصل طاعة الله وأولي الأمر
ونرى الصلاةَ خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ من أهل القبلةِ، والصلاةَ على مَنْ مات من أهل الملة، إلا من عذَّبه الله بتركها، ولا نُنزل أحدًا من عوامِّ
الجزء 1 · صفحة 24
المسلمين جنةً ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفرٍ ولا نفاقٍ ولا فسقٍ ما لم يظهر منهم شيءٌ من ذلك، ونَذَرُ سرائرَهم إلى الله تعالي.
ولا نرى القتلَ على أحدٍ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلا لإحدى ثلاث: كفرٍ بعدَ إيمانٍ، وزنًا بعد إحصانٍ، وقتلِ نفسٍ بغيرِ حقٍّ.
ولا نرى الخروجَ على أئمتِنا وولاةِ أمورِنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتَهم في طاعةِ الله فريضةً، فإن أمرونا بمعصيةٍ أمسكنا أنفسنا، وندعو لهم بالخير والصلاح والمعافاة.
ونُثبت الخلافةَ بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه تفضيلًا وتقديمًا له على جميعِ الأمة، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه، وهم الخلفاءُ الراشدون والأئمةُ المهديُّون.
والعشرةُ الذين شَهِدَ لهم رسول اللهُ صلى الله عليه وسلم بالجنَّة نشهد لهم بما شهد، وهم: أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وعبدُ الرحمن بن عوفٍ، وأبو عبيدة بنُ الجراح - رضي الله تعالي عنهم -.
ومن أَحْسَنَ القولَ في أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أزواجِه وذريتِه، فقد تبرأ من النفاق.
وعلماءُ السلف من السابقين والتابعين ومن بعدهم من أهل الخير والأثر والفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميلِ والثناءِ الجزيلِ، ومن ذكرهم بسوءٍ، فهو على غيرِ سواء السبيل.
ونرى الجماعةَ حقًّا وصوابًا، والفرقةَ زيغًا وعذابًا، إلا ما كان في الفروعِ؛ فإنه رحمة.
الجزء 1 · صفحة 25
ونعلم قطعًا أن أحدًا غيرَ الله تعالى لا يعلم علمَ الله، فما علمنا عَمِلْنا به، وما لم نعلم سألنا عنه مَنْ يعلم، وما لا يُعلم قلنا: الله أعلم، وكذا القولُ في كلِّ ما اشتبه علينا: الله أعلم، ولا نتجرَّأ فيه بآرائنا كيفما كان، بل نقصد بكلامنا فيما نعلم فائدةَ المستمع، لا تفضيلَ أنفسنا، وتجهيلَ غيرنا.
ونرى الحجَّ والجهادَ فرضَيْنِ مع أولي الأمرِ من أئمة المسلمين بَرِّهِم وفاجرهم إلى قيام الساعة، والجمعةَ والعبدين، والمسحَ على الخفين في الحضر والسفر كما جاء في الخبر.
وفي دعاء الأحياءِ وصدقاتِهم منافعُ للأموات، والله تعالى يستجيب الدعواتِ، ويقضي الحاجاتِ.
والرزقُ هو الغذاء فيما قَدَّرَ الله تعالى أن يكون غذاءً لشخصٍ لا يصير غذاءً لشخصٍ آخرَ، والإنسانُ كما يتغذَّى من الحلال يتغذى من الحرام.
وزعم البعضُ أن الرزقَ هو الملكُ، وأن الحرام ليس برزقٍ، وأن المرءَ قادرٌ على تناوُلِ رزقِ غيره، وكلُّ هذا خطأٌ عظيم، وفسادُ هذه الأقوال ظاهرٌ.
والواجبُ على كلِّ مسلمٍ الرضا بقضاءِ الله تعالى، والتسليمُ لأمره، والصبرُ على بلائه، والشكرُ لنعمائه، وإخلاصُ العمل به، والتجنبُ عن الرياءِ والعُجْبِ والغيبةِ والنميمةِ، والحقدِ والحسدِ والعداوةِ والبغضاءِ للمسلمين، والمراءِ والجدالِ والخصوماتِ في الدين، وأن يكون متيقظًا أبدًا للائتمار بما أمره الله تعالى، والانتهاء عما نهاه عنه، والكفّ عن جميع القبائح، خاصة ذكر مساوئ المسلمين، واغتنامُ العمر بصرفه في طاعة الله تعالى، والدعاء بخاتمة
الجزء 1 · صفحة 26
الخير، وترك الاستثناء في الإيمان في الحال للمآل؛ بأن يقولَ: أنا مؤمن حقًّا، أموت مؤمنًا - إن شاء الله تعالي -.
فهذا الذي ذكرناه من الاعتقاد في أصول الدين منقولٌ عن الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه المتقدمين - رضي الله تعالي عنهم أجمعين -.
* * *
فصل
ثم اعلم - رعاك الله - أن المِللَ والمناصبَ كثيرةٌ، وأن الكلَّ يزعمون أن الحق معهم كما قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53].
وإنما يظهر الحقُّ من الباطل، والراجحُ من المرجوح بالدليل والبرهان، وذلك بقوة المناظرة، وقدرة الآراء، وقد يغلب المبطلُ المحقَّ فيها بالظاهر؛ لزيادة قوة القول، أو الجاه، أو سببٍ آخر، فلا يقف المبتدئ في العلمِ حينئذٍ على حقيقةِ الصحيحِ والفاسدِ، فيخفى الحقُّ عنده، ويضِلُّ.
فسبيلُه فيه أن ينظر أولًا إلى حقيقةِ نبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم بظهورِ صدقِ أخبارِهِ،
ووفور آثاره على ممرِّ الأيام إلى الأبد، فإنه مِن أوضحِ دلائل النبوةِ وأصحِّها.
ثم ينظر إلى ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم من حديث الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالي عنه - ومذهبِه؛ ليظهرَ له الحقُّ، ويتَّضحَ، وذلك ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه لما قدم الكوفةَ في أيام خلافته، قال لأهلها: ألا أنبئُكم، ألا أخبرُكم يا أهل الكوفة بما أخبر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى يا أميرَ المؤمنين، قال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: سَيَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي مِنْ كُوفانَ - بلدِكم هذا، مدينتِكم هذه - رَجُلٌ يُقالُ له النعمانُ بنُ ثابتٍ، يُكْنَي:
الجزء 1 · صفحة 27
أَبا حَنِيفَةَ، يُحيي الله - أو قال: يجدِّدُ الله تعالى - على يديه ديني وسُنَّتي».
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوُ هذا.
وهذا حديثٌ ثابتٌ مسندٌ بأسانيدَ صحيحةٍ، فليتمَسَّكِ الطالبُ المسترشدُ بهذا الحديثِ إلى أن يظهر له الحقُّ من الباطل، وذلك بقوةِ علمه، وغزارةِ عقله، فلن يضِلَّ - إن شاء الله تعالي -.
اللهم اختم بخير.
* * *
الجزء 1 · صفحة 28
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 29
القسم الثاني
في أصول الفقه
الجزء 1 · صفحة 30
[صفحة فارغة]
الجزء 1 · صفحة 31
القسم الثاني
في أصول الفقه
اعلم - أراك الله المرأفة - أن معنى الفقه في اللغة: الوقوفُ والاطلاعُ.
وفي الشريعة: الوقوفُ الخاصُّ، وهو الوقوف على معاني النصوص وإشارتِها ودلالتِها ومضمراتها ومقتضياتها.
والفقيهُ: اسمٌ للواقف عليها، ويُسمَّي حافظُ مسائلِ الفقه الثابتة بها فقيهًا مجازًا لحفظِه ما ثبت بالفقهِ.
* * *
فصل في أنواع الحجج التي بها ابتلينا
العلم ما شرع الله تعالى على أحكامه، ولزمنا العملُ بها، وهي أربعٌ:
1 - الآية.
2 - الدليل.
3 - العلَّة.
4 - نوع من الحال.
فالحُجَّة: اسمٌ يعمُّ الكلَّ، وكذا البيِّنةُ، والبرهانُ.
الجزء 1 · صفحة 32
أما الحجةُ: فمِنْ حَجَّ؛ أي: غَلَبَ، أو رجح؛ لما يُرجعُ إليها مرةً بعد أخرى حتى يغلب خصمه.
والبيِّنةُ: من البيان؛ يعني: يبين حتى يظهر بها الحق من الباطل.
والبرهانُ: كذلك.
ثم الآيةُ في الشريعة: عما يوجب علم اليقين؛ كذا سُمِّيت معجزاتُ الرسل: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) [الإسراء: 101)، و (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: 4].
وهي في اللغة: عبارةٌ عن العلامة.
والدليلُ: اسمٌ لحجة النطق في الشريعة؛ وهو الهادي منه.
وفي اللغة: الهادي المقصود، ويقال في الدعاء: يا دليلَ المتحيرين؛ أي: يا هادِيَهم إلى ما تزول به الحيرةُ.
والعلَّةُ: اسمٌ لما يحل في المحلِّ، فيتغيَّر به حالُ المحلِّ.
والحالُ: عبارةٌ عن الحكمِ الثابتِ المحتمل للزوالِ، لم يثبت زواله ولا بقاؤُه بدليلٍ، وسيأتي بيانُه في موضعه.
ثم كلُّ قسمٍ من أنواعِ هذه الحججِ ينقسم إلى قسمين:
- ظاهر.
- وباطن.
فالظاهرُ: ما عقل بالبديهة.
و [الباطنُ]: ما لا يُعْقَل إلا بتأمُّلٍ؛ كعصا موسي، كانت آيةً ظاهرةً حتى تلقفت عِصِيَّ سَحَرَةِ فرعونَ، علمت السَّحرةُ بِبديهةِ عقولِهم أنها آية،
الجزء 1 · صفحة 33
و كذا انفلاقُ البحرِ، وانفجارُ الحجر.
والقرآنُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم آيةٌ باطنةٌ، لا يُعرَف إلا بتفكُّرٍ وتأمُّلٍ ونظرٍ وتدبرٍ، ومعارضةٍ بسائر أنواعِ كلامِ البشر.
وكذا أحوال الشرع، بعضُها أظهرُ من بعضٍ، حتي سَمَّي علماؤنا الظاهرَ منها قياسًا، والباطنَ استحسانًا.
وكذا الدليل ظاهرٌ؛ كالدخانِ على النار، وباطنٌ؛ كالنجم على الطريق.
وقوى الحججِ لا تزيدُ ولا تنقصُ لظهورها وبطونها؛ فإنها تُستفاد من جهةٍ أخرى؛ كالبقاءِ لمعجزة القرآن زائدة فيها، وغير ذلك.
وفرقُ ما بين الدليلِ والعلةِ: من حيث إن الدليلَ مُظهِرٌ لما كان، والعلَّة مُثْبِتَةٌ لما لم يكن.
ثم أنواعُ الحججِ في الجملة نوعان:
- عقلية.
- وسمعية؛ وهي الشريعة.
وكلُّ نوعٍ منها قسمان:
- موجبة للعلم.
- ومُجوِّزةٌ.
فالموجبةُ: ما أوجبت العلمَ قطعًا بموجبها، ولم تجوِّز خِلافه.
والمجوِّزةُ: ما جوَّزت العلمَ بموجبها، وإن جوَّزت خِلافه.
وكلاهما يُوجبان العمل.
ثم العقليَّةُ: ما عرفت حججًا بالاستدلال بمجرَّدِ العقولِ.
والسمعيَّةُ: ما لم تُعْرَفْ حججًا إلا بوحيِ الله، أو سنةِ الرسول.
والعلمُ الحاصلُ بهذه الحججِ يكون نوعين: عقليًّا، وسمعيًّا، فذكر
الجزء 1 · صفحة 34
العقليِّ ما تقدَّم في قسم أصول الدين.
والسمعيُّ نوعان:
أحدهما: ثبت بطريقِ القطعِ واليقينِ بالحجج الموجبة؛ كالنصِّ المفسَّر من الكتاب، والخبر المتواتر، والإجماع.
والثاني: ثابتٌ بطريق الظاهرِ بناءً على غالب الرأي وأكثر الظن بالحجج المجوِّزة؛ كظواهر الكتاب والسنة المتواترة، وما ثبت بخبر الواحد، والقياسِ الشرعيّ.
وهذا النوعُ بقسميه يُسمَّي: علمَ الشرائع والأحكام، وعلمَ الفقه في عُرْف الفقهاء وأهل الكلام.
* * *
فصل
وأدلة الشرع ثبتت بها الأحكام، وهي أربع:
1 - كتاب الله تعالي.
2 - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3 - إجماع الأمة.
4 - والقياسُ الصحيحُ.
فالكتابُ: ما جمعه أميرُ المؤمنين عثمانُ بن عفانَ رضي الله عنه في خلافته باتفاق الصحابة، على نحوِ ما ثبت في اللوح المحفوظ، والمصاحف من كلام الله القديم المنزل به جبريل على محمدٍ - عليهما الصلاة والسلام -.
والسنَّةُ: ما ورد عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم قَوْلًا أو فِعْلًا.
والإجماعُ: ما اتَّفقتِ الصحابةُ أو أهلُ كلِّ عصرٍ من أئمة المسلمين عليه.
الجزء 1 · صفحة 35
والقياسُ: جعلُ الشيءِ نظيرَ الشيءِ لغةً، وجعلُ الفرعِ نظيرَ الأصلِ في العلَّةِ؛ لتعدية الحكم الثابت في الأصل إلى الفرع شرعًا لتعدية الحكم.
ثم الكتابُ أولُ الحجج، وبعده السنةُ.
والإجماعُ حجة، وخلافه ضلالة.
والقياسُ يلزم حكمُه إذا لم يخالِفْ إحدى الحجج الثلاث.
والتمسُّكُ بالكتابِ واجبٌ، هو أنواع:
- تمسُّكٌ بعبارته.
- وتمسُّكٌ بإشارته.
- وتمسُّكٌ بدلالته.
- وتمسُّكٌ بمقتضاه.
- وتمسُّكٌ بإضماره.
فالتمسُّكُ بعبارته: هو أن يثبت المتمسِّك حكمًا بصيغةِ النصِّ الذي سِيقَ له؛ كإثبات الحِلِّ في البيعِ، والحُرْمَةِ في الربا بصيغة قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: 275]، وكذا الحِلُّ في المنكوحةِ بصيغةِ قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: 3].
وأما التمسُّكُ بإشارةِ النصِّ: هو أن يثبت المتمسِّكُ حكمًا بنصٍّ لم يردْ ذلك النصُّ لذلك الحكمِ، ولكن فيه إشارة إلى أنه ثابت به؛ كما في قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) [الحشر: 8]، فالآية ما سيقت إلا لإيجاب حكمِ سَهْمٍ من الغنائمِ لهم، ولكن فيها إشارة إلى أن الكفار إذا استولَوْا على أموال المسلمين ملكوها؛ لأنه تعالي نسبهم بالفقر بعد أن نسب الدورَ والعقارَ والأموالَ إليهم.
الجزء 1 · صفحة 36
وأما التمسُّكُ بدلالةِ النصِّ: هو أن يثبت المتمسِّكُ حكمًا في غيرِ محلِّ النصِّ بمعني ورود النصِّ في محله لأجله؛ كإثباتِ حرمة الشتمِ والضربِ في حقِّ الوالدين لنفي الأذى عنهما؛ فإنَّ الله تعالى ما حرَّم التأفيف في حقهما بقوله: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: 23] إلا لكونه أذى.
وأما التمسُّكُ بمقتضى النصِّ: هو أن يَرِدَ نصٌّ بِإثباثِ حكمٍ لا يُتصوَّر إثباتُه إلا بإثباتِ غيرِه، فيثبت ذلك الغيرُ ضرورةَ مقتضي ثبوتِ المنصوصِ عليه؛ كما في قوله تعالي: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]، فالمنصوصُ عليه هو السؤال، والسؤال لا يُتصوَّر قطُّ إلا بإثبات الأهلِ، فيثبت الأهل ضرورةَ مقتضى ثبوتِ المنصوصِ عليه، فصار كأنه قال: واسأل أهل القرية.
والإضمارُ: إثباتُ حكمٍ ضرورةَ ثبوتِ حكمٍ آخر، كنصبِ السُّلَّمِ إلى السطحِ.
وجعل بعضُهم التمسُّكَ بإضمارِ النصِّ ومقتضاه واحدًا.
والتمسُّكُ بالسنة مثل التمسُّكِ بالكتابِ، وهو واجبٌ أيضًا، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، وكلامُه مُفْضٍ إلى العلمِ؛ لكونِه موازيًا للقرآنِ، ومساويًا له.
وخبرُ الواحدِ لم يُفْضِ إلى العلم؛ ولا يخلُّ في مقالته - عليه الصلاة والسلام -، لكن لتهمةِ الغلطِ والخطأِ في الرواية؛ لقلة الرواة، وجوازِ السهوِ والغفلةِ على الراوي.
والتمسُّكُ بالإجماعِ واجبٌ أيضًا؛ لقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: 257]، وقال تعالى أيضًا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110]؛ أخرجهم إلى النور، ووصفهم بالخيريةِ عملًا، وهو النهايةُ في الخيريَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 37
قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: 115]؛ ألحق الوعيدَ الشديدَ بتاركِ سبيلِ المؤمنين.
والتمسُّكُ بالقياسِ أيضًا واجبٌ؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 7]، و (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111]؛ وهو الاعتبار، والاعتبار لا يكون إلا بالقياسِ.
وقولِه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46]؛ وبصرُ القلبِ برأيه.
وقولِه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 179]؛ والمبصور فيه بالبصرِ هلاكٌ، والمبصورُ في البصيرةِ حياةٌ.
ولِما رُوِيَ صريحًا في حديث معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: أنه قال: أَجْتَهِدُ فيه برأيي؛ وهو القياس - قال - عليه الصلاة والسلام -: «الحمدُ لله الذي وفَّق رسُولَ رسُولِهِ».
ولأن النصوص معدودةٌ، والحوادثَ ممدودةٌ، فلو توقَّف أمرُ كلِّ واحدٍ منهما في حادثته على وجود [نصٍّ]، يبقى الأمرُ في أكثر الأحوالِ مهملًا، والله - سبحانه - لم يجوز الإهمالَ في الدين.
نوع آخر:
ثم الكتابُ: ما نُقِل إلينا بين دفتي المصاحفِ العثمانيةِ على الأحرف السبعة نقلًا متواترًا، نقلَ جماعةٍ عن جماعةٍ، لا يُتصوَّرُ التواطُؤُ على
الجزء 1 · صفحة 38
الكذبِ بينهم، من لَدُنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلينا، غير التسمية في أوائل السور؛ فإنها للتبرُّكِ، أو للفصلِ، وهذا الاختيار؛ لما أجاب عثمانُ بن عفانُ رضي الله عنه حين سُئِلَ عن تركها في أول التوبة: إنه للشك في أن التوبة والأنفال سورةٌ واحدة، أو هما سواء.
والحديثُ أقسام ثلاثة:
1 - متواتر.
2 - مشهور.
3 - وآحاد.
فالمتواتِرُ: ما اتَّصل بنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلًا بلا شُبهةٍ بروايةِ جماعةٍ عن جماعةٍ إليه بحيث لا يُتصوَّر تطرُّقُ الكذبِ فيما بين ذلك، وإنه يوجب العلمَ والعملَ؛ كالقرآن.
والمشهورُ: ما اشتهر بين علماء العصر بنقلٍ متواترٍ حتى اتصل بالصحابة، ثم انقطع التواتُر، وصار من الآحاد، [وكان من الأحاد] بالطرف الأول، ومن المتواتر فيما بعده، فهذا قريبٌ من المتواتر، وهو يوجب العملَ قطعًا، ولا يوجب العلمَ.
والآحادُ: ما نقله واحدٌ عن واحدٍ حتى اتَّصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو نقله اثنان، أو ثلاثة، ولم يبلغ حدَّ التواتر، ويبلغ إليه في قرن، وينقطع في قرن، وهو يوجب العملَ أيضًا دون العلم.
وشرطُ قبولِ الخبرِ: رجحانُ حجةِ الصدق، وذلك إنما يكون بالدين الصحيح، والعقل الضابط، والضبطُ شرطٌ في الشهاداتِ، وروايةِ
الجزء 1 · صفحة 39
الأخبار؛ حتى لا تقبل شهادةُ الصبيِّ العاقلِ [والبالغِ، والمعتوه]، والمغفَّل (¬1).
وكذا رواية الأخبار.
وما لا يحتاج إلى الضبط، يُقبل فيه خبرُهم؛ كطهارة الماءِ والمكانِ ونجاستِهما، وكذا إذا قال واحدٌ منهم: هذا الشيءُ الذي في داري ملكي، أو: أنا وكيل فلانٍ في بيع هذا الشيء أو شرائه، أو قال الصبيُّ: أنا مأذون في التجارة.
وكذا الإسلام لقَبولِ الخبرِ الدينيِّ، وأما في المعاملات، فيقبل خبرُ الكافر، كما إذا قال: هذا الشيء لي، أو: أنا وكيلُ فلان، أو رسولُه، أو شريكُه، أو مضاربُه.
والعدالةُ شرطٌ في رواية الأخبارِ المصطفويَّةِ، وفي سائر الأخبارِ ليست بشرطٍ، حتى يقبل خبرُ الفاسق في طهارةِ الماءِ والمكان ونجاستِهما، وأن يقول: هذا ملكي، أو أنا وكيلُ فلان، أو مضاربُه أو رسولُه أو شريكُه [فالعبد].
¬
(¬1) () ... العَتَهُ: آفةٌ ناشئةٌ عن الذاتِ تُوجِبُ خللًا في العقلِ، فيصيرُ صاحبُه مختلطَ العقلِ، فيُشبِه بعضُ كلامه كلامَ العقلاء، وبعضُه كلامَ المجانين. التعريفات للجرجاني، ص 147، وينظر: الوصول إلى قواعد الأصول للتمرتاشي ص 402 - 403.
وقيل: المعتوهُ: من كان قليلَ الفهمِ، مُختلِطَ الكلامِ، فاسدَ التدبيرِ. تبيين الحقائق للزيلعي، 5/ 191.
وأما المغفَّل فهو الذي لا يهتدي إلى التصرُّفاتِ الرابحة، فيغبن في المعاوضات لسهولة خداعِه. الملكية ونظرية العقد للشيخ أبو زهرة ص 282.
الجزء 1 · صفحة 40
والعدالة نوعان:
1 - ظاهرةٌ.
2 - وحقيقةٌ.
- فالظاهرةُ: أن تراه مسلمًا عاقلًا، فهو عدلٌ ظاهرٌ؛ لظهور دينه وعقله.
- والحقيقةُ: أن تعرفَه ممتثلًا للأوامر، مجتنبًا للنواهي؛ وهذا لمعرفتنا.
وأما في الحقيقة القطعية، فالعدالة: الاستقامة في أمور الدين، وهي متعلِّقةٌ بالظاهر والباطن، جملتها لا يعرفها إلا الله تعالي.
وكانت العدالةُ الظاهرةُ كافيةً في الزمن الأوَّل لرواية الحديث، وفي زمانِنا لا تكفي، بل تشترطُ حقيقةُ العدالةِ بقدر الإمكان؛ لتغيُّرِ الزمان.
حتى إذا روي مجهولٌ لا يُعرَف منه عدالةٌ ولا فِسْقٌ حديثًا؛ إن كان مما عَمِلَ فيه بعضُ الصحابةِ أو التابعين، يقبل، ويجب العمل به، وإن لم يعمل به أحد منهم، ولم يكن مخالفًا للقياس؛ لا يقبل.
ومتى عُرفت عدالةُ الراوي يُقبل، وإن كان مخالفًا للقياس.
والعددُ ليس بشرطٍ في رواية الحديث، حتى يُقبل قولُ الواحدِ العدلِ.
وتُقدَّم روايةُ الفقيهِ فيه على القياس.
وكذا للفقيهِ نقلُ الحديث بالمعني - عندنا - في صورةٍ لا تجوز لغير الفقيه.
وتجوزُ الزيادة على الكتاب بالخبر المتواتر، ولا تجوز بالآحاد والمشهور.
والمراسيلُ حجَّةٌ إذا كان الراوي حجةً عدلًا.
قال إبراهيم النَّخَعيَّ رضي الله عنه: رويتُ حديثًا مرسلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
الجزء 1 · صفحة 41
فقد حدَّثني به قريبٌ من أربعين، ومن أسنده إليه لم يحدثني به إلا هو.
وتركُ الإسنادِ دليلُ اطمئنانِ القلب، لما روي عن الحسن البصري: أنه لما روى حديثًا، قيل: هذا من عندك، أم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أدركت فيه سبعين بدريًّا، واغتربت فيه أربعين عامًا.
وخبرُ الآحادِ أولى من القياس؛ لأن تمكُّنَ الشُّبهةِ في الحديثِ الطريقه، وتمكُّنَ الشبهة في القياس لنفسه.
وما اجتمع علماءُ كلِّ عصرٍ من أهل الاجتهاد عليه نصًّا أو دلالةً، وهي السكوتُ عند زمانِ الحكم، أو عرضِ الفتوى، فهو حجة موجبةٌ للعلم وللعمل.
يجوز الإجماعُ على حكمٍ سبق عليه الخلافُ وعلى تحاكم سبق.
وإذا اجتمع علماءُ العصر على حكمٍ إلا واحدًا أو اثنين، ينظر:
إن كان الذي يُخالفهم في عدادهم في الفقه والاجتهاد والعدالة، يمنع انعقاد الإجماع، وإلا فلا، وإنما يعتبر أن يكون في ذلك الفنِّ من عدادهم، حتى لو فاق عليهم في سائر الفنون، وتنحطُّ رتبتُه عنهم في هذا الفنِّ، لا يمنع خلافُه صحَّةَ الإجماع.
وإذا اختلف الصحابةُ أو غيرهم من أهلِ كلِّ عصرٍ في حكم حادثةٍ على قولين، أو ثلاثةٍ، لا يجوز لمن بعدهم أن يُحْدِثَ عن نفسه قولًا آخرَ مخالفًا للكلِّ، وإن كان من أهلِ الاجتهاد؛ لأنهم أجمعوا أن الحقَّ لا يَعْدُوهم.
الجزء 1 · صفحة 42
وإذا اتَّفقتِ الصحابةُ على حكمٍ، وخالفهم فيه واحدٌ من التابعين ممن قد بلغ حدَّ الاجتهاد والفتوى، يقدحُ ذلك في انعقاد الإجماع، وقيل: لا يقدح.
واختلفتِ الروايةُ عن أصحابنا في تقليد قول الصحابي:
قال بعضُهم: تقليدُه واجبٌ، وافق قولُه القياسَ أو خالفه.
وقال بعضهم: لا يجب إلا إذا وافق قولُه قياسَ الأصول.
وقال الأكثرون: إنَّ تقليدَ قولِ مَنْ هو من فقهاءِ الصحابة واجبٌ، سواءٌ وافق القياسَ، أو خالفه.
والكلامُ في القياس: ما ذكرنا من أنه: ردُّ الحكمِ من الأصل إلى الفرعِ بعلَّة الأصل، وذلك أن يتأمَّلَ المجتهدُ في الأصل، فيجدَ الحكم ثابتًا فيه بمعنى، ثم يتأملَ في الفرع، فيجدَ ذلك المعنى، فيوجب فيه ذلك الحكم به.
وقد يفعل الآخرُ مثلَ ذلك: أن يتأمل فيما تأمل هو، ولكن يجد في الأصل معنى غير ذلك المعنى، أو يجد ذلك المعنى، ولكن يفقده في الفرع، فلا يثبت ذلك الحكم.
مثال الأول: وقوعُ المخالفةِ بين قولِ أبي حنيفة والشافعي في جوازِ بيع الجصِّ بالجصِّ متفاضلًا، والأصلُ المتَّفقُ عليه: بيعُ الحنطةِ في الحنطة متفاضلًا لا يجوز بالاتفاق.
فأبو حنيفة رأي حرمةَ البيع ثابتةً [بعدد] الكيلِ مع الجنسِ في الحنطة، ووجودها في الجصِّ، فأثبت الحرمة، والشافعي رآها ثابتة بعلة الطُّعْم، وفقدها في الجصِّ، فلم يُثبِت الحرمة.
الجزء 1 · صفحة 43
ونظيرُ الثاني: وقوعُ المنازعة بينهما في منافعِ الغصبِ: أنها هل تُضْمَن بالغصب والإتلاف ام لا؟.
والأصلُ المتَّفقُ عليه: الأعيانُ، فالشافعيُّ زعم الضمانَ واجبًا بالإتلاف، وأبو حنيفة كذلك، لكن تحقَّق الإتلافُ في المنافعِ عندَ الشافعيِّ، ولم يتحققْ عند أبي حنيفة القياسُ.
والتعليلُ يعتمد أن يكون النصُّ الواردُ في الأصلِ معلولًا بعلةٍ متعدية.
والأصلُ في النصوص كونُها معلولةً؛ لأنها لا تخلو عن معني ورود النص لذلك المعنى.
والعملُ بدلالة النصِّ واجبٌ كالعمل بصيغتِه؛ وذلك إنما يكون بالمعنى وتعديته؛ وهو أصلٌ يطَّرِدُ فيما سوى المقدرات التي لا تدرك بالعقول.
ومن شرط القياس: أن يوجبَ تعديةَ الحكم بعينه إلى فرعٍ هو نظيرُه، ولا نصَّ فيه، من غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ.
ومن شرطه: ألا يعدلَ المستدلُّ به عن العلة في جواب المنع أو المطالبة؛ كما إذا علَّل في مسألة الحُلِيِّ، فنقول: الزكاةُ حكمٌ متعلقٌ بعينِ الذهبِ والفضةِ، فوجب ألا يبطل بالصياغة؛ كما في الربا.
ثم إذا منع السائل كون الحكم متعلقًا بعين الذهب، يدل المجيب عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «في الوَرِقَ رُبْعُ العُشْرِ»، و «في العِشْرينَ مِثْقالًا مِن الذهبِ نِصْفُ مثقالٍ»، يكون هنا انتقالًا عن القياس؛ فإنه لو قال ابتداء: هذا ذهب أو
الجزء 1 · صفحة 44
فضَّة، فتجبُ فيه الزكاةُ لهذين الحديثين، لأمكنه ذلك، وكان مستغنيًا عن القياس؛ فإن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنصِّ، لا بالعلة.
* * *
فصل في الحجج المجوِّزة التي جوَّزت العلمَ بموجَبِها، وجوَّزَتْ خلافَه
وهي أربع:
1 - الآية المؤولة، لكونها مشكلةً، أو مشتركةً، أو مجملةً.
2 - والعامُّ الذي ثبت خصوصُه.
3 - وخبرُ الواحد، وخبرُ الصحابيِّ.
4 - والقياسُ.
فرواية خبر الواحد أربعةُ أنواع؛ لأن خبر الواحد إنما يكون حجة في أربعة أقسام؛ وهي:
- الأحكام الشرعيةُ التي تحتمل النسخَ والتبديلَ من فروع الدين.
- حقوقُ العباد: ما يجب لهم، وعليهم؛ مما تقومُ به مصالحُهم العاجلةُ التي اشترك فيها أهل المِلَلِ كلُّهم.
- والمعاملاتُ التي أبيحت لنا، ونحن مختارون في أسبابها ما يتعلق بها ملك الحقوق.
- وحَجْرٌ يلحقنا لحقِّ الغير، فيلزمنا الكفُّ عن ضروب أفعالٍ، صيانةً للحجر الذي ثبت.
الجزء 1 · صفحة 45
ففي الأول: خبرُ الواحدِ حجةٌ موجبةٌ لهم وعليهم عند المنازعة، إلا بعددٍ معلومٍ، ولفظٍ معلومٍ، وشرائطَ معتبرةٍ في المخبرِ زائدةٍ على شرائطِ المخبرِ عن حقوق الله تعالي (¬1).
وفي الثالث: خبرُ كلِّ مخبرٍ صحيحِ العبارةِ منها حجةٌ لجواز العمل بها.
وفي الرابع: شَرَطَ أبو حنيفة رضي الله عنه لصيرورةِ الخبرِ حجةً فيه لجواز العملِ أحدَ شَرْطَي الشهادةِ: إما العدالة، وإما العدد؛ خلافا لأبي يوسف، ومحمد.
ونقل الحديث بالمعنى أربعة أنواع:
1 - إن كان محكمًا، يجوز نقلُه بالمعنى لكلِّ من سمعه وفهمه من أهل اللسان.
2 - وإن كان ظاهرًا، يحتمل غيرَ ما ظهر، لا يحلُّ نقله بالمعنى إلا للفقيهِ بعلمِ الشريعةِ وطرقِ الاجتهاد.
3 - وإن كان مشكلًا، أو مشتركًا، لا يحلُّ لأحدٍ النقلُ بتأويله.
4 - وإن كان مجملًا، لا يُتصوَّر نقله بالمعنى.
وخبرُ الواحدِ يَنْتَقِدُ بوجوهٍ أربعة:
العرض على كتاب الله تعالى، ثم على السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترًا واستفاضةً، ثم الإجماع؛ ثم العرض على الحادثة.
فإن كانت الحادثةُ مشهورةً؛ لعموم البلوى بها، والخبر شاذًّا، كان ذلك زيادةً فيه.
¬
(¬1) () ... في هامش المخطوط: «فيه نقص، وهو تعريف القسم الثاني. تامل».
الجزء 1 · صفحة 46
وكذا إن كان حكمُ الحادثةِ مما اختلف فيه السلفُ اختلافًا ظاهرًا؛ ولم يُنقل عنهم المحاجَّةُ بالحديث، كان عدمُ ظهورِ الحِجاج به زيادةً فيه.
وإذا أنكر الراوي الروايةَ، أو لا يعمل به قبلَ الرواية أو بعدَها، فهو مقدوحٌ لا يُعمَل به.
وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم: نعتقد أنها مباحةٌ لنا مطلقًا، ما لم يقم دليلُ البيان على صفة فعله، ثم يلزمنا على ذلك الوصف، إلا أن يقومَ دليلٌ على اختصاصه صلى الله عليه وسلم به.
* * *
فصل في الحجج المخطئة
وهي أربع:
1 - التقليد.
2 - والإلهامُ.
3 - والطردُ.
4 - واستصحاب الحال.
وهذه الحججُ مستحسنةُ المبادي، مُستقبَحة العواقبِ، مداخلها هُدى، ومخارجها ضلال.
فالتقليدُ: جعلُ الشيءِ كالقِلادة في العُنُق، حقًّا كان أو باطلًا، وهو أنواع: واجبٌ، وجائزٌ، وحرامٌ.
فالواجبُ: تقليدُ المعصومِ من الخطأ، وهو النبيُّ المبعوثُ بالحق، وهذا [ليس] بتقليدٍ حقيقةً، لكنه سُمِّيَ تقليدًا عرفًا.
الجزء 1 · صفحة 47
والتقليدُ الجائزُ: تقليدُ العوامِّ لعلماءِ الدين في الفروعِ بالإجماع، وفي أصولِ الدين مختلَفٌ فيه؛ لاستواءِ المكلَّفين به في أصله، وهو النظرُ والاستدلالُ فيما كان معقولًا، وسهولةُ التعلُّم فيما كان منقولًا خاصَّة قلَّما يتعلق به صحَّةُ الإيمانِ والإسلامِ.
وفي تقليدِ العالمِ للعلماءِ في الفروعِ أيضًا اختلافٌ.
وأما التقليدُ الحرامُ: كتقليد الآباءِ والأكابرِ في الأباطيل.
والإلهامُ: شهودُ (¬1) قلبِ الإنسانِ أمرًا من غيرِ علمٍ سابقٍ بالحرامِ والحلالِ، ولا نظرٍ واستدلالٍ وتمييزٍ بين كونِه حقًّا أو باطلًا، قال الله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: 8]، وهذا ليس بحجةٍ، لكنه يعتبر في حقِّ صاحبِه في بعضِ المواضعِ لجوازِ العملِ به عند عدمِ سائرِ الأدلَّةِ.
والطرد أربعةُ أنواع:
- الأول: طردٌ ببداية العقولِ من غيرِ نظرٍ في الأصولِ؛ كقول القائل: قراءةُ الفاتحةِ في الصلاةِ فريضةٌ؛ لأنها سبعُ آياتٍ، والصلاةُ عبادةٌ عظيمةٌ ينبغي أن يكون فيها من ذَواتِ السبعِ؛ كالحجِّ والطوافِ فيه.
- والثاني: ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ لا يكاد الأصلُ يمتازُ إليه عن الفرع فيه إلا بضمِّ ما هو علَّة الحكم إليه؛ كقوله: مسُّ الذكرِ حدثٌ، كما إذا مسَّ فبال.
- والثالث: ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ بوصفٍ اختلف في كونه علَّة، وظهور الاختلاف فيه بين العلماء؛ كقولهم: الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة بعتق القرابة.
¬
(¬1) () ... في هامش المخطوط: «شهوة».
الجزء 1 · صفحة 48
وعنده: لما عتق بالقرابة، لم يجز عن الكفارة.
- والرابعُ: التعليلُ بعدمِ الوصفِ؛ كقوله: النكاحُ ليس بمالٍ، فلا يثبت بشهادةِ النساءِ مع الرجالِ كالحدود.
وكلُّ هذه الأنواعِ باطلةٌ.
واستصحاب الحال [ليس] بحجَّةٍ مطلقةٍ، وذلك أن يستصحبَ حالةً ماضيةً عرف فيها ثبوتَ الحكمِ بيقينٍ للحكمِ في الحالِ، ولا دليلَ غيرُه على بقاءِ الحكمِ فيه؛ لأنه في الحقيقةِ جهلٌ بالأمر.
وما قيل: «إن ما ثبت بيقينٍ لا يزول إلا بمُزيلٍ، ومتى لم يظهر المزيلُ لم يثبت الزوالُ» لا يصحُّ؛ لأن بقاءَ الموجودِ غيرُ مضافٍ إلى نفسِ الوجودِ، والموجودُ لا يصلحُ علَّةً لبقائه لذلك؛ لأنه يزولُ بوجود المزيلِ، ووجودُ المزيلِ محتملٌ، فكان الزوالُ محتملًا، والمحتملُ لا يصلح أن يكون حجة.
ثم استصحابُ الحال أربعةُ أنواع:
1 - استصحابُ حكمِ الحال لضرورةِ عدمِ ما يزيلُه مع ثبوتِ العلم به بطريقٍ أوجب له العلمَ؛ كالخبرية من جهةِ صاحبِ الوحيِ، أو من طريقِ الحسِّ إذا كان الشيءُ مما يُعرَف بالحسِّ، وهذا صحيحٌ، وقد علم الله تعالي نبيَّه - عليه الصلاة والسلام - الاحتجاجَ به، فقال تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية [الأنعام: 145].
2 - واستصحابُ الحالِ لعدمِ الأدلَّة من طريق النظرِ والاجتهادِ بالرأي بقدرِ الوسعِ، مع احتمالِ قيامِ الدليلِ من حيث لا يشعر المبتلى به، وهذا أيضًا صحيحٌ؛ أملا للعذر، لا احتجاجًا على الغير؛ لاحتمال قيامِ العلَّة عند غيرِه.
الجزء 1 · صفحة 49
3 - واستصحابُ الحالِ قبل النظر والاستدلال.
4 - واستصحابُ الحال لإثبات حكم مبتدأ.
وهذان باطلان.
* * *
فصل في الحجج العقلية
وهي قاطعة، لإجماع العلماءِ على إصابةِ المعلوماتِ الغائبةِ عن الحواسِّ بدليل المعقول، كإجماعهم على إصابةِ الحاضرةِ منها بالحواسِّ، حتى لا يوجد حدٌّ إلا نادرًا أن يخلوَ عن الاستدلالِ لمصالحه برأيه عن عقله.
ولا تكون الحججُ الشرعيةُ حججًا أيضًا إلا باستدلال العقلي، و به يقع الفرق بين المعجزةِ والمخرقة، والنبيِّ والمتنبي، كما يفرق بين الحبل و [الحية]، وتعرف النار ببصرك مرةً، ومرة بدخانها مستدلًّا عليها بعقلك.
وهل للعلمِ طريقٌ إلا طرق الحواسِّ، والاستدلال بنظرٍ عقليٍّ في غيرِ المحسوس؟
وقد اختلفوا في إدراكِ كلِّ الواجباتِ الدينيةِ بمجرد هذا النظرِ ببعضِها، والعجزِ عن درك شيءٍ منها على هذه الأوجه، والاختيار منها:
أن يعتقد أن ما وجب إدراكُه وعلمُه نوعان: ما يُدرَك بمجرد العقلِ، وما لا يدرك به.
الجزء 1 · صفحة 50
- فالأولُ واجبُ الإدراكِ، والتحصيل به؛ كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وقدرته، وعلمه، ونحوها، وحُسْنِ الإحسان إلى الخلق، وقُبْحِ الإساءة، وأمثالها.
- والثاني متوقِّفٌ على بيان الرسلِ والأنبياءِ والعلماءِ؛ كمعرفة كيفية الجزاء، والحشر، والملائكة، والجنة والنار، ونحوها، وسائر الأحكام الشرعية.
والمدركاتُ العقليةُ متنوعةٌ:
منها: ما يدرك ببديهةِ العقلِ؛ كوجود الأشياء الظاهرة.
ومنها: ما لا يدرك إلا بالتأمُّلِ؛ كمعرفة الصانعِ وحِدَثِ العالَمِ.
ومنها: ما يفتقر إلى تجربةٍ زائدة؛ كمعرفةِ الأدويةِ، ومعرفةِ الأغذيةِ.
والمباحات العقلية من الأشياء: ما تعلق به [البقاءُ] من دخلٍ و خرجٍ، ودفعِ مضرَّةٍ حالية، وجلبِ منفعةٍ، إلى أن يبين بالشرع خلاف ذلك.
وموجبات العقل أربعةُ أشياء:
1 - معرفةُ النفس بالعبودية.
2 - ومعرفةُ الربِّ بالألوهية.
3 - ومعرفةُ كونِ العبد للابتلاء إلى حينِ الموتِ بطاعة الله للجزاء.
4 - ومعرفةُ الدنيا وما فيها لهم لضرب نفعٍ يعود إليهم.
ومحرمات العقل أربعة:
1 - الجهل.
2 - والظلم.
3 - والعبث.
4 - والسَّفَه.
الجزء 1 · صفحة 51
وهذه للدنيا والدين، وأربعةٌ للدين:
1 - الإيمانُ بالطاغوت.
2 - وكونُ الخلقِ للحياةِ الدنيا واقتضاء الشهوات فيها.
3 - وإنكار الصانع.
4 - وإنكار الجزاء.
نوع آخر:
والعقلُ: نورٌ في الصدر، وقيل: في الرأس، به يبصر القلبُ إذا نظر في الحجج.
ويلد الإنسانُ كالمجنونِ ليست معه قوةُ التمييز، لضعف هذا النور، فإذا عقل، صار قادرًا على النظر، لكنه على جهلٍ ما لم ينظر، ثم ينظر نظرًا ضعيفًا، فيصير شاكًّا، ثم ينظر نظرًا فوق ذلك غيرَ تامٍّ، فيصير ظانًّا.
والظنُّ: اعتقادُ القلبِ أحدَ وجهي الشك برجحانٍ على الآخر.
ثم إذا وجد في النظر حدًّا، وصار عالمًا عند توفيقِ الإصابةِ، فيظهر له الحقُّ، وصار في حدِّ العلم بمعرفة الأشياء كما هي.
فرؤية القلبِ المنظورَ فيه كرؤيةِ العين المبصورَ فيه.
والقلبُ للعلم صفة خالصة كالرؤية للعينِ، وقد تستعار الرؤية من العينِ للقلب؛ لأن العلم بمعناه.
والرؤية إنما تكون مبدأ المنظور اليه للعين، فكذلك مبدأ المنظور إليه للقلب.
والاعتقاد - عندنا -: صفةٌ زائدةٌ للقلبِ بعدَ العلمِ، إذ الاعتقادُ:
الجزء 1 · صفحة 52
أن يعتقد الإنسان قلبه على ما رأى، والشيءُ إنما يتبيَّن بضدِّه، فضدُّ العلمِ الجهلُ، وضدُّ العقل الحل، فالعقدُ والعزمُ والقصدُ من صفات القلبِ نظائرُ بعضُها فوق بعضٍ، وذلك كلُّه بعد العلم؛ أي: رؤية القلب يعتقده ويقصده ويعزم عليه.
فعلي هذا كان إبليس اللعين عالمًا بالله تعالي، غيرَ معتقدٍ ولا مصدِّقٍ بقلبه، ولا [عالم] بعلمه.
ثم العلمُ أوَّلَ ما يحصل للقلب لا يخلو عن نوع اضطراب؛ لحكم الابتداء، فإذا دامت الرؤيةُ زال الاضطرابُ، فصار معرفةً لزيادة الصحة.
ثم تتنوع هذه المعرفة نوعين:
- معرفةُ الظاهر دون المعنى الباطن.
- والباطنُ الذي هو الحكمةُ، وبها يلتذُّ القلبُ إذا صار معقولًا له، فجرى منه مجرى الطبيعةِ، وهذا هو الفقهُ.
ولهذا قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى -: مرضتُ مرضًا شديدًا حتى نسيتُ كلَّ شيءٍ سوى الفقه.
واللهُ عز وجل لا يوصف بالعلم، ولا يوصف بالمعرفة والفقه؛ لأن العلم يبتدئ المعلوم للعالم، والمعرفة بعد العلم، والفقه بعد المعرفة، يصير الإنسان عالمًا، ثم عارفًا، ثم فقيهًا بعدما كان جاهلًا، ثم شاكًّا، ثم ظانًّا، وبينهما تفاوُتٌ - جلَّ الله عن ذلك وتعالى علوا كبيرًا -، ليس لعلمه الأشياءَ ابتداءٌ، وعلمُه بها في الأحوالِ سواءٌ.
ولا علمَ للمخلوق إلا عن دليلٍ، قد يكون حسيًّا، وقد يكون عقليًّا.
فالحسياتُ: ما شركتُ البهائم بني آدم في المعرفة الواقعة بها دائمًا، وإنما يفارق الآدميُّ غيرَه بما لا يُعرَف إلا بدلالات المعقول.
الجزء 1 · صفحة 53
ثم الدليلُ قد يفهم، وقد يحفظ:
ما شاركت البهائمُ الإنسانَ فيه، فإنها تحفظ الأدلةَ الحسيةَ من ضروب الأشياء، والأعلام، كالصبيِّ الصغيرِ الحافظ للكتب غير الفَهِم ما فيها، والعجميِّ الحافظِ للقرآن ولا يفهمه.
فالحفظ طبيعٌ للقلب، والفهمُ عقليٌّ، فإذا فهم الإنسان المعنى، وصار علمُه فقهًا، كان عالمًا على موافقة طبيعة القلب للعاقل.
والمعقولُ للعقلاء طبيعيّ عقولهم؛ كالمحسوسِ للبهائم طبيعيّ حسهم، فيصير فقهُ الفقيهِ عند الفهمِ لذيذًا لذةً لا يصبر عنها ساعة، ولا يقابله لذةٌ من أنواع اللذات في الدنيا إلا لذة العمل بالعلم من أنواع العبادات؛ لأنه لا تخلو عبارةٌ عن منزلة قرب وكرامة، وإلى ذلك يتناهي
ما يتحقق من اللذات، وإليه أشار المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في قوله: «وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاةِ».
* * *
فصل في الأمر والنهي
الصيغة المخصوصة؛ كافعلْ، ولا تفعل، ونحوها في الحاضر، وليفعل، ولا يفعل في الغائب ليس بأمرٍ ونهيٍ حقيقةً، وإنما هي دلالة عليها لغة.
وإنما تكون دلالةً على الأمر والنهي بشرطِ تجرُّدِها عن القرائن الصارفة عن معنى الأمر والنهي.
وقد تُعرَف حقيقةُ الأمر والنهيِ بغير هذه الصيغة من الدلائل:
الجزء 1 · صفحة 54
كالخبر، والرمز، والإشارة؛ بأن قال: أمرْتُك بكذا، أو أطلبُ منك كذا.
والآمرُ حقيقةً: من وُجد منه الأمر.
والأمرُ: طلبُ الفعلِ على وجهِ الاستعلاءِ قولًا، أو غيرَه.
فكلُّ من وُجد منه ذلك يكون آمرًا في الشاهدِ والغائبِ، سواء كان حكيمًا، أو سفيهًا، ولكن لا تجبُ طاعة الآمر بالسَّفَهِ والحرام.
والآمر الذي تجبُ طاعتُه في الحقيقةِ هو اللهُ الواحدُ، فأما الرسلُ، فهم نائبون عنه في تبليغ أمره، وكذا من يأمر بأمره؛ نحو أئمةِ الإسلام وسلاطينِه.
والمولي، والأبوان تجبُ طاعتُهم إذا لم يأمروا بمعصيةٍ؛ لما في طاعتِهم من طاعةِ الله تعالى.
وما أوجب المرءُ على نفسه بالنذرِ أو بالشرع، فذلك الإيجاب من الله تعالي.
وأما النذر والشروع علم عليه، ولهذا لا يصح النذر بما ليس لله من جنسه إيجاب.
والأمر إنما يكون لغير الآمر، ولا يتصور وجودُ الأمر من الآمر لنفسه، حتى إذا قال لنفسه: افعلْ، لا يكون أمرًا؛ إذ الأمرُ في الغائب إذا لم يتضمَّن نفعًا بالأمر ولا بالمامور، يكون حكمةً، ولكن يجب ان يتعلق به عاقبةٌ حميدةٌ.
وليس من اللازم أن الله تعالى يراعي ما هو الأصلحُ لعباده في تكليفِهم، ولا فيما يفعل بهم، لكنَّ شَرْعَ الشرائعِ في الجملة لا يكونُ إلا لمصلحة العباد.
وحكمُ الأمرِ المطلَقِ الصادرِ من مفترضِ الطاعة: وجوبُ العمل به،