الأجناس
لأحمد بن محمد بن عمر الجرجاني الناطفي الطبري الحنفي
توفي سنة (446هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الأجناس
لأحمد بن محمد بن عمر الجرجاني الناطفي الطبري الحنفي
توفي سنة (446هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين، والعاقبة للمُتَّقِينَ، وصلَّى اللهُ على سيدنا مُحَمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين.
قالَ الشَّيْخُ الإمام أبو الحَسَنِ علي بنُ مُحَمَّد بن إبراهيم الجرجاني رحمه الله تعالى: ذَكَرَ الإمامُ الزَّاهِدُ أبو العباس أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ النَّاطِفِيُّ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أجناسًا شَتَّى لا على تَرْتِيبِ كِتَابِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الشَّيْبَانِي رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فَرَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ أجناسها على تَرْتِيبِ مُخْتَصَر «الكافي»، فَجَمَعْتُها لِتَسْهُل على قارئها، والله المُوَفِّقُ.
كتاب الطهارة
جنس: قَالَ الشَّيْخُ الإمامُ الأَجَلُ الزَّاهِدُ أبو العباس أحمدُ النَّاطِفِيُّ الحَنَفِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ خارج مِنْ بَدَنِ الإِنسانِ تَعلَّقَ بِجِنْسِهِ وُجُوبُ الإِزالَةِ، تَعَلَّقَ بجنسِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ، ويَستَوِي في ذلك الخارج من السَّبِيلَيْنِ ومِنْ غيرهما.
قال: وَقَدْ حَدَّثَنِي الشَّيخُ أبو العباس أحمدُ بنُ الحَسَنِ الفقيه، قال: حدثنا أبو عمرو اليزيدي الفقيه، قال: حدثنا أبو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ يَحيى بن سليمان المَرْوَزِي، قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا حَجَّاجٌ، عَنْ زكريا بن سلَّامٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ بنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيدِ بن ثَابِتٍ، أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يُعاد الوضوء من سبع من نوم غالب، وقيء ذراع، وتقْطارِ بَوْلِ، وَدَسْعَةٍ تملأ الفم، ودَم سائل، والقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاةِ والحدث».
فإِنْ خَرَجَ من ذَكَرِه بول، أو من دُبُرِهِ دُودَةٌ، أَو ظَهَرَتْ بِلَّةٌ مِنْ أَحَدِهما، نقض الوضوء، ذَكَرَه في كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ، وَإِنْ خَرَجَ مِن دُبُرِهِ حَبَّةٌ أَوْ مِثْلُ حَبِّ القَرْعِ نُقِضَ الوُضوءُ؛ لِأَجْلِ البِلَّة الَّتي معه، ذَكَرَه في كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ.
فَإِنْ خَرَجَ مِن إِحْلِيلِ الرَّجُلِ دُودَةً أَوْ مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ، نُقِضَ الوُضُوءُ، وكذلك في الحصاة، ذكره في أمالي الحسن بن زياد.
فإن كان الرَّجُلُ أَقْلَفَ، فَخَرَجَ البَوْلُ مِنْ ذَكَرِهِ وَبَقِيَ فِي القُلْفَةِ، أو سال الدَّمُ مِنَ الرأس وبَقِيَ في الأنف ولَمْ يَظْهَرُ، نُقِضَ الوضوء، وكذلك المَرْأَةُ يَظْهرُ دَمُها مِن داخلِ فَرْجِها ولم يَخرُجُ مِن الفَرْجِ، نُقِضَ
الوُضُوءُ، وَلَوْ سال مِنْ فَرْجِها ولم يَظْهَرُ إِلى فَرْجِها لا يُنْقَضُ، مِثْلُ إِحْليلِ الرَّجُلِ إِذا انْفَصَلَ عنِ المثانة إلى الإحليل ولم يَظْهَرْ، لا وُضوءَ، ذَكَرَه فِي نَوادِرِ ابنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَةٌ فَلَمْ تَرَ دَمًا ولا بِلَّةً، تُصَلِّي وَتَصُومُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَه عَمْرُو بن أبي عَمْرٍو فِي إِمْلائه، وَفِي «كتاب الحيض» لأبي على الدَّقَّاقِ الرَّازِيّ: إنْ كان هذا يَكُونُ، يَجِبُ عليها الغُسْلُ بِنَفْسِ خُروج الوَلَدِ، ولا نفاس لها.
وإِنْ خَرَجَ من قُبُلِ المَرْأَةِ رِيحٌ، فإن مُحَمَّدًا قال في زيادات نوادر هشام: إنْ كان يُوجَدُ ذلكَ، فَهُو حَدَثُ، وَأَطْلَقَ ذلك.
وفي أمالي الحَسَنِ بن زِيادٍ: «إِنْ خَرَجَ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ أَو غَيْرُ مُنْتِنَةٍ مِن قُبُلِ المَرْأَةِ لا وُضوء عليها، إلا أن تكونَ مُفْضاةً، ففي الرِّيحَةِ المُنْتِنةِ وُضوء، وَفِي غَيْرِ المُنْتِنَةِ لا وُضوء عليها، فَإِنْ خَرَجَ مِن ذَكَرِ الرَّجل لا وُضوء في الأحوال كلها، فإن كان في بَطْنِهِ جَائِفَةٌ فَخَرَجَ منها رِيحٌ، لا وُضوء عليه، ذكَرَه فِي نَوادِرِ هِشَامٍ.
فإن كان مَجْبُوبًا ظَهَرَ البَوْلُ مِنْهُ إِلى المَوضعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ البَوْلُ، أَنه يُنظَرُ: إن كان يَقْدِرُ على استمساكه، متى شاء أَمْسَكَه ومتى شاء أَرْسَلَه نقض الوضوء، وإن كان لا يَقدِرُ على إمساكه فلا وُضوء عليه ما لم يسل.
وإن كان به حَصاةٌ، فَبُطَ ذلكَ المَوْضِعُ فَأُخْرِجَ مِنه الحَصاةُ فَانْدَمَلَ، واستحال البَوْلُ إلى ذلكَ المَوضِعِ، فَإِنَّه بِمَنْزِلَةِ الجُرْحِ السَّائِلِ لَا يَنْقُضُ الوضوء حتى يسيل، ولو كان به تِقْطارُ بَوْلٍ وهو لا يَقْدِرُ على إمساكه، وهو صَحِيحُ الآلة، نُقِضَ الوُضوءُ إِذا ظَهَرَ، وَلا يُشْبِهُ المَجْبوب.
والخنثى إذا تَبَيَّنَ أَنه رَجَلٌ فَالفَرْجُ الآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الجُرْحِ، وإذا تَبَيَّنَ أنها امْرَأَةٌ فَالفَرْجُ الْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الجُرْحِ، ولا يُنقَضُ الوضوء مما ظَهَرَ منه حتى يَسِيلَ، وَفِي الفَرْجِ الآخَرِ هو كَغَيْرِ الخُنْثَى، يُنقَضُ الوُضُوءُ بِظُهورِ البِلَّةِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ بِذَكَرَهِ جُرْحُ لَهُ رَأْسَانِ: أَحَدُهما يَخرجُ منه ما يَسِيلُ في مَجْرَى البول، والآخَرُ في غير مَجْرَى البَوْلِ، فَإِنَّ مَا خَرَجَ فِي مَجْرَى البَوْلِ إِذا ظهر على رأس الإِحْلِيلِ فَفِيهِ الوُضوءُ وإِنْ لَمْ يَسِلْ، وَفِي الْآخَرِ: لَا وُضوءَ فِيهِ مَا لَمْ يَسِلْ، ذَكَرَ هذه المسائل أبو علي الدَّقَّاقُ صاحِبُ كِتابِ الحَيْضِ، وبعضُه في الزيادات.
فإِنِ احْتَقَنَ بِدُهْنٍ ثُمَّ سَالَ نُقِضَ الوُضوءُ، وَإِنْ أَقْطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ دُهْنَا فسال منه، لا يُنقَضُ الوُضوءُ فِي قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ، وقال أبو يُوسُفَ: يُعِيدُ الوُضُوءَ فيهما، ذَكَرَه فِي نَوادِرِ مُعَلَّى.
والفرق بينهما: أنَّ الحُقْنَةَ تُوصِلُ الدُّهْنَ إِلى الجَوْفِ فَيَختَلِطُ بنجاسةِ الجَوْفِ، وتلكَ النَّجاسَةُ لَوْ خَرَجَتْ بِنَفْسِهَا نَقَضَتِ الوضوء، كذلك إذا خَرَجَتْ مع غَيْرِها، ولا كذلك الإِحْلِيلُ؛ لأنَّ المَثَانَةَ تَمْنَعُ وُصُولَ الدُّهْنِ إلى الجوف، لأنها حائل بينه وبين الجَوْفِ، فَلَمْ يُوجَدِ اخْتِلاطُهُما بِنَجَاسَةِ الجَوْفِ، فَلَمْ يُنقَضِ الوضوء.
وقال مُحَمَّدُ في نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: لو أَدْخَلَ قُطْنَا فِي إِحْلِيلِهِ حتَّى غَيَّبَهُ كُلَّهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَوْ خَرَجَ هو، عَلَيْهِ الوُضُوءُ؛ لأنَّه حِينَ غَيَّبَهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ طَعَامٍ أَكَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ منه، ولو كان طَرَفُهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَمْ يَكُنْ عليه وُضوءُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّبْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ الْحُقْنَةَ ثُمَّ أَخْرَجَهَا لَمْ يَكُنْ عليهِ الوُضُوءُ.
وقد أَطْلَقَ ذلك، وهو مَحْمُولُ على أَنَّه لا بِلَّةَ عليه، فأما إذا كان عليه بِلَّةٌ نُقِضَ الوضوء. وقد فَسَّرَ أبو علي الدَّقَّاقُ فقال: «رَجَلُ حَمَلَ شَيْئًا فَقَامَ ثُمَّ خَرَجَ، إنْ كان لَمْ يَصِلْ إِلَى جَوْفِهِ وكان نَدِيًّا عليه الوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عليهِ بِلَّةٌ فلا وُضُوءَ عليه.
وفي كِتابِ الصَّلاةِ رِوايَةَ عَلِيَّ بنِ الجَعْدِ: إِنْ صَبَّ دُهْنَا فِي أُذُنِهِ تنكت في دماغِهِ، ثُمَّ سالَ فَخَرَجَ مِنْ أَنفِهِ أَوْ مِنْ أُذُنِهِ لَا وُضوءَ عليهِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الفَمِ عليهِ الوُضُوءُ.
وفرق بينهما: بأنه لا يَخْرُجُ من الفم إِلَّا ما وَصَلَ إلى الجوف، والجوف مَوضِعُ النَّجَاسَةِ، فَإِذا وَصَلَ إليها تَنَجَّسَتْ، ولا كذلك الدماغ؛ لأنه ليس بموضع النَّجَاسَةِ، فَما وَصَلَ إِلَيهِ لَا يَنْجَسُ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «في رَجَلٍ حَشَا إِحْلِيلَهُ بِقُطْنَةٍ، ولولا القُطْنَة لخَرَجَ مِنهُ بَوْلُ، فلا بأس به، ولا يُنقَضُ وُضُوءُه حَتَّى يَظهر على القُطْنَةِ بِلَّهُ، فَإِنِ ابْتَل ما كان داخِلًا منها وَلَمْ يَبْتَلُّ مَا ظَهَرَ مِنَ القُطْنَةِ فلا وُضُوءَ عَليهِ، وَلَوِ ابْتَلَّ مَا ظَهَرَ مِنَ القُطْنَةِ عليه الوُضُوءُ، وَلَوْ أَنْزَلَتِ المَرْأَةُ، عليها الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِها، وإِذا أَنْزَلَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَخْرُجُ مِنَ الإحليل لا غُسْلَ عليه.
وفرق بينهما: بأنَّ على المَرْأَةِ أَنْ تَغْسِلَ دَاخِلَ فَرْجِها، وليس على الرَّجُلِ أن يَغْسِلَ داخِلَ إِحْلِيلِهِ، قال مُحَمَّدٌ: لأَنَّ فِي فَرْجِ المَرْأَةِ حاجزا آخَرَ، فَالفَرْجُ الخَارِجُ بِمَنْزِلَةِ الأَلْيَتَيْنِ، وَالدَّاخِلُ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ»، هذه طَرِيقَةُ محمد، وقال أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِهِ»: وَ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لو لم يَحْشِهِ ظَهَرَ، فَإِذا أَخْرَجَ القُطْنَة وعليها بِلَّةٌ فهو مُحْدِثُ سَاعَةَ إِخْراجها.
وَفِي نَوادِرِ داودِ بنِ رُشَيْدٍ: سُئِلَ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بِالرَّقَةِ عَنْ صَبِيٌّ شَرِبَ اللَّبَنَ مِن ثَدْيِ المَرْأَةِ، ثُمَّ قَاءَ فَخَرَجَ إِلَى فَمِهِ؟ نَجَسَ فَمُهُ.
» وَفِي نَوادِرِ هِشام»: «لوِ انْغَمَسَ رَجَلٌ في الماءِ، فَدَخلَ المَاءُ فِي حَلْقَةِ أُذُنِهِ ثُمَّ خَرَجَ بعدَ أَيَّامٍ، أَوِ اسْتَعَطَ بِالدُّهْنِ فَمَكَثَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ، لا وُضُوءَ عليهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الخَارِجُ مِنَ الفَرْجِ فَفِيهِ الوُضُوءُ.
وفي زيادات نَوادِرِ هشام: «في الغَرْبِ يكونُ بِعَينِ إِنسان، أنَّه بِمَنْزِلَةِ الجُرْحِ يَسِيلُ منه وليسَ بِدُمُوعِ، نُقِضَ الوُضُوءُ.
وفي صلاةِ الحَسَنِ: لو خَرَجَ من سُرَّتِهِ مَاءً أَصْفَرُ وسالَ، نُقِضَ الوُضُوء.
وفي «الجامِعِ الصَّغِيرِ»: «في النَّفِطَةِ تَنْفُشُ فَيَسِيلُ منها ماء أو دم قيْحُ أَو صَدِيدٌ وَسالَ، نَقَضَ الطَّهَارَة.
وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ: «قال مُحَمَّدٌ: رَجُلٌ يَسِيلُ مِنْ أَحَدٍ مَنْخِرَيْهِ دَمُ فَتَوَضَّأَ وهو سائِلٌ، ثُمَّ احْتَبَسَ دَمُهُ وسالَ من المَنْخِرِ الآخَرِ، نُقِضَ الوُضُوءُ، فَإِنْ كَان به دماميل، فمنها ما هو سائل ومنها ما ليس بسائل، فَتَوَضَّأَ وبعضها سائل، ثُمَّ سالَتِ الَّتِي لم تَكُنْ سَائِلَةُ، انْتَقَضَ الوُضُوءُ، والجُدَرِيُّ إِذا كان جُفُوفًا فليسَ بِقُرْحَةٍ وَاحِدَةٍ.
جنس: قال: يَصِيرُ الإِنسانُ جُنُبًا بِأَحَدٍ وُجُوهِ ثَلاثٍ:
أحدها: بانفصالِ المَنِي منه على وَجْهِ الدِّفْقِ والشَّهْوَةِ، وهو خائِرُ أَبْيَضُ، يَنْكَسِرُ منه الذَّكَرُ إذا انفَصَلَ»، هذا لفظ كتاب الصلاة، ولفظ المُجَرَّدِ: «المني: هو الماءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ والثاني: بإيقاع فِعْلِ الوَطْء في الآدمي، تارَةً في حَقِّ الواطئ، وتارةً في حَقَّ المَوْطُوءَةِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وقد اخْتَلَفَتْ عِبارَةُ مَشايخنا في صِفَةِ الوَطْءِ الَّذِي يَتعلَّقُ بهِ الغُسْلُ:
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إِمْلائِهِ»: «إذا الْتَقَى الختانانِ وتَوارَتِ الحَشَفَةُ»، وذكر أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «إِذا تَوَارَتِ الحَشَفَةُ فِي قُبُلٍ أو دُبُرٍ من الآدمِي وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَو لَمْ يُنْزِلُ»، وهذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ مَوْضِعَ الخِتَانِ من الرَّجُلِ فِي آخِرِ الحَشَفَةِ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلكَ المَوْضِعُ مِنهُ مَوْضِعَ ختانِ المَرْأَةِ، يُوجد هناك مواراة الحَشَفَةِ، فيجِبُ الغُسْلُ، وَمَتَى لم تُوجَدِ المواراة لا يَجِبُ الغُسْلُ على واحِدٍ منهما؛ لِمُوارَاةِ بَعْضِ ذَكَرِهِ.
وقد ذُكر في كِتابِ الحَيْضِ لأبي على الدَّقَّاقِ الرَّازِيِّ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ نَصْرِ صَاحِبَ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ يَقولُ في الرَّجُلِ يأتي امْرَأَتَهُ وهي عَذْرَاء: «إِنَّهُ لَا غُسْلَ عَليهِ إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ؛ لأنَّ العُذْرَةَ تَمْنَعُ عن المُخالَطَةِ. ومعناه: أنَّ العُذْرَةَ تَمنع من مواراة الحَشَفَةِ، ولا تَحْصُلُ مُواراةُ جَمِيعِهِ فلا يَجِبُ الغُسْلُ، وَفِي الثيب مِثْلُهُ إِذا لم تَكُنْ تَتَوارَى الحَشَفَةُ.
وفي جامع أبي الحَسَنِ الكَرْخِي: قال مُحَمَّدُ في: بِكْرٍ جُومِعَتْ فيما دُونَ الفَرْجِ، فَوَصَلَ المَنِي إِلى فَرْجِها، أنَّ عليها الغُسْلُ، لا لوصول الماء إلى فرجها، لكنْ لِأَجْلٍ أَنَّهَا تَجِدُ لَذَّةٌ فَتُنْزِلُ.
وَفِي كِتَابِ الصَّلاةِ لابْنِ عَبْدَل: «فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَعِي جِنِّي يَأْتِينِي فِي النَّوْمِ مِرارًا، وَأَجِدُ في نَفْسِي مَا أَجِدُ إِذا جَامَعَنِي زَوْجِي، لَا غُسْلَ عليها.
وليس للرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةً إذا كان قد انْقَطَعَ الحِجابُ الَّذِي بين القبل والدبر، إلا أنْ يَعْلَمَ أَنَّه يُمْكِنُهُ بأنْ يَأْتِيَها في الفَرْجِ ولا يَتَعَدَّى الجماع إلى الدُّبُرِ، فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا، وَإِنْ لم يَعْلَمْ فليس له ذلك.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ لا يُوطَأُ مِثْلُها فَوطِئَها، لا غسل عليهِ»، وَفِي صَلَاةِ الأَثَرِ لهشام بن عُبَيدِ اللهِ: «قالَ مُحَمَّدٌ: «إِذا وَطِئَ جَارِيَةً صغيرةً يُوطَأُ مِثْلُها ولم تَبْلُغُ، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَغْتَسَلَ الجَارِيَةُ.
وَفِي «الزيادات»: «إذا أَتَى المَرْأَة في دُبُرِها، أو عَمِلَ عَمَلَ قوم لُوطٍ، عليه الغُسْلُ وإِنْ لم يُنْزِلْ، وكذلك المَفْعُولُ بِهِ عليه الغُسْلُ، رَجُلًا كان أو امْرَأَةٌ، وَفِي غير الآدمي لا يَجِبُ الغُسْلُ بالإيلاج فيه مِنْ غير إنزال.
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ: فَرْجُ البَهِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ فِيها، لا غسْلَ عليه من غير إنزال، وعليه التَّعْزِيرُ ويُذَمُّ، ثم تُذْبَحُ ثم تُحْرَقُ، وَلَا حَدَّ عليه في البهيمة ولا في الميتة، ولا دَمَ عليهِ إنْ كان مُحْرِمًا.
وكان شيخُنا أبو عَبْدِ الله الجرجاني يقول: «قول أصحابنا: تُذْبَحُ ثم تُحْرَقُ؛ لأنَّه مُسْتَخْبَث في العادَةِ أَكْلُ لَحْمِهَا، فَصَارَ كَلَحْمِ المَيْتَةِ، فَأَمَّا إباحةُ أَكْل ذلك الحيوان المأكول اللحم بهذا الفعل: لا يَحْرُمُ أَكْلُها»، وَفِي نوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «فِي جَدْيِ تَربَّى بِلَبَنِ خِنزِيرٍ: «أَكْرَهُ هذا الفِعْلَ، ويُؤكَلُ لَحْمُهُ.
وقال في نوادر بشر: رجل أمنى من غير شهوة ولا انتشار، عليه الوضوء في قول ابي حنيفة وابي يوسف، وقد سئل أبو يوسف عن رجل ضُرب على أليتيه فخرج منه المني من غير شهوة، قال: لا غسل عليه ويتوضأ.
فإن جامع فاغتسل قبل ان يبول وصلى، جازت صلاته، فلو بال بعد ذلك عليه الغسل في قول ابي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: ليس عليه بعد الدفق الأول غسل.
وكذلك لو اغتسل قبل البول ثم خرج المذي او المني انه لا غسل عليه، ذكره في نوادر ابن رستم.
قال في صلاة الأثر: قال أبو حنيفة: اذا جامع ثم اغتسل، ثم خرج منه مني كان قد بقي قبل ان بيول، عليه الغسل.
وفي كتاب الصلاة رواية بشر بن غياث: رجل بال فخرج من ذكره مني، إن كان مُنْتَشِرًا عليه الغُسْلُ، وإن كان مُنْكَسِرًا عليه الوُضُوءُ»، «فإن غُشِي عليه ثُمَّ أَفاقَ فَوَجدَ مَنْيًا، أو سَكْرانَ ثم وَجَدَ مَنْيًا بعدما أفاق، لم يكن عليه الغُسْلُ، ذَكَرَه أبو علي الدَّقَّاقُ. ولا يُشبه النوم، لو استيقظ فوَجَدَهُ على فِراشِهِ يَجِبُ عليه الغُسْلُ.
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ: «إنْ كان عِندَه أَنَّه لَمْ يَحْتَلِمْ، فَلَمَّا أَنِ اسْتَيْقَظَ وَجَدَ بَللًا، عليهِ الغُسْلُ في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: لا غُسل عليه، ولو تَيقَنَ بالاحْتِلام ولمْ يَرَ أثر الاحتلام، فَإِنَّهُ لا غُسْلَ عليه. وفي كتاب النكاح للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «لو اسْتَيْقَظَ فَرَأَى بَللًا، عليه الغُسْلُ، لاعَبَ أَهْلَهُ أو لمْ يُلاعِبْ.
وقد ذُكر في «الفتاوي» لأبي الليث: «إن كان رَجُلًا عَزَبًا بِهِ فَرْطُ الشَّهْوَةِ، لَهُ أَنْ يُعَالِجَ بِذَكَرِهِ لِتَسْكِينِ مَا بِهِ مِنَ الشَّهْوَةِ، ولا أقولُ: إِنَّه مَأْجُورُ على ذلك»، وروي عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّه قال: «ليتَ يَنْجُو رَأْسًا برأس.
جنس: قال في صَلاةِ الأَثَرِ»: لا بأس بالوُضُوءِ بماء السَّيْلِ وإِن كان الطينُ مُختَلِطا به، إذا كانتْ رِقَةُ الماءِ عليه غالبةً، وإن كان الطين غالبًا لا يُجْزِى به الوُضُوءُ؛ لأَنَّهُ طِينٌ يَمْسَحُهُ عَلَى وَجْهِهِ.
وَفِي نَوادِرِ الصَّلَاةِ إِمْلَاءً رِوايَةَ ابْنِ سَماعَةَ: «لو تَوَضَّأَ بماءٍ قَدْ أُعْلِي بأشنان أو بآس أو بشيءٍ مِمَّا يُعالج به كالبابونج وَشَبَهِهِ، فَإِنَّ الغُسْلَ والوُضُوءَ بِهِ جَائِز ما لم يَغْلِبُ فيكونُ ثخِينًا، فلا يَجُوزُ بِهِ الوُضُوءَ.
وإِنْ تَوضَّأَ بماءِ زَرْدَج العُصْفُرِ - وهو رَقِيقُ يُشْبِهُ المَاءَ - أَجْزَأَهُ، وَإِنْ غَلَبَتِ الحُمْرَةُ حَتَّى صارَ نَشاسْتَجًا لم يَجُز بهِ الوُضُوءُ، وكذلك ماء الزَّعْفَرانِ إذا كان رَقِيقًا يَسْتَبِينُ فيه الماء جازَ الوُضُوءُ، وقال مُحَمَّدُ في صَلاةِ الأَثَرِ»: «الوضوء بماء الزَّرْدَج وبماءِ الحِمَّصِ لَا خَيْرَ فِيهِ
وقال مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ داود بن رُشَيْدٍ» في الماءِ الَّذِي يُطْبَخُ فِيهِ الرَّيْحَانُ أَوِ الأشنان: «إذا لم يتغيَّرْ لَونُهُ حَتَّى اسْوَدَّ بالرَّيحانِ، أَوْ بِحُمْرَةِ الأَثْنَانِ، والغالب عليه اسم الماء، فلا بأس بالوُضُوءِ به.
وكان مُحَمَّدُ يُراعِي لَوْنَ الماءِ، وأبو يُوسُفَ غَلَبة الماء عليه بالأجزاء دونلون الماء، وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الماء متى غَلَبَ أَجْزاؤُهُ على غيره فهو مُسْتَهلك في الماء، فصار تابعًا للماء، فجاز كالطَّينِ، وَمَتَى كَانَ المَاءُ مَغْلُوبًا فالماءُ مُسْتَهلَكَ في غَيْرِهِ، فَصارَ كَغَلَبَةِ الطَّين على الماءِ، فَلْمْ يَجْزِ اسْتِعْمَالُه في الوضوء.
وقد فَرَّعَ عليه شَيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجاني مسائل؛ فقال: «إذا طرح الزاج في الماء حتَّى اسْوَدَّ، جاز الوضوء به كالزردج، وكذلك إذا طرح العِفْص في الماء جازَ الوُضُوءُ بهِ، وإن اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ: إِنْ كَانَ يَنْشَفُ إذا كُتِبَ به جاز بهِ الوُضُوءُ، والماء هو الغالب، وإن كان لا يَنْشَفُ لا يجوز الوضوء به، والماء هو المَغْلُوبُ.
وإنْ أَنقَعَ الحِمَّصُ أو الباقلاء في الماء، جاز الوُضُوءُ بِهِ وَإِنْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَلَونُهُ وَرِيحُهُ، وإِنْ طَبَخَهُ فهو على وَجْهَينِ، أَحَدُهُما: إن كان إذا بَرَدَ ثخن لا يجوز الوضوء به، وإن كان لم يثخن وَرِقَةُ الماءِ بَاقِيَةُ جَازَ الوُضُوءُ بِهِ.
وإن بال جاهل في الماء الجاري، أو أُلقِيتُ فِيهِ جِيفَةٌ، لا يَتَوَضَّأُ وهو يَسْتَبِينُ أَثَرَهُ، وَإِنْ لم يَرَ تَغِيرًا ولا رِيحًا جاز الوضوء به، ولا يُشْبِهُ الرَّاكِدَ، ذَكَرَه فِي كِتَابِ الصَّلاةِ إِمْلاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ.
ومعناه: أنَّ في الماء الجاري تَنْتَقِلُ النَّجاسَةُ مِنْ مَكَانِ وُقوعها فيه، فلا يُعْرَفُ وُجودها في مَوْضِعِ آخَرَ بِمُشاهَدَةٍ أو رَائِحَةٍ أو لَوْنِها، ولا كذلك في الرَّاكِدِ؛ لأنَّهُ لا تَنْتَقِلُ عَنْ مَوضِعِ وُقوعها.
وفي كِتابِ الأَشْرِبَةِ» في «الأَصْلِ»: «في خَابِيَةِ خَمْرٍ صُبَّتْ فِي نَهْرٍ عَظِيمٍ، وآخَرُ أَسْفَلَ منه، فمرَّ به الخَمْرُ في الماء، لا بأس بالشُّرْبِ منه والوضوء به، ما لم تَظْهَرْ رائِحَةُ الخَمْرِ؛ لأنَّهُ إذا لم تُوجَدْ رَائِحَةُ الخَمْر فهو شاك في وُجودِهِ فيما يَسْتَعْمِلُهُ مِن الماءِ».
وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ»: «قال أبو يُوسُفَ في ساقِيةٍ صَغِيرَةٍ، وَفِيهَا كَلْبٌ مَيِّتُ قد سَدَّ عُرْضَها، فَيَجْرِي الماءُ فَوقَهُ وتَحتَهُ: «لا بأس بالوضوء أَسْفَلَ مِنَ الكَلْبِ إذا لم يتغيَّر لَوْنُ الماءِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ». وعِنْدِي أَنَّهُ قولُه، فَأَمَّا عِندَ أبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ: «لا يَجُوزُ الوُضوءُ بِهِ».
وقد ذُكر في كِتابِ الصَّلاةِ» إمْلاء: «قال أبو حَنِيفَةً: «الماء الجاري يُطَهِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا». وقد ذُكر في نَوادِرِ ابنِ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «فِي غَدِيرٍ لا يَتَحَرَّكُ أَطْرافُهُ بِتَحْرِيكِ الآخَرِ، في ناحِيَةٍ منه جِيفَةٌ، فَاغْتَسَلَ رَجُلٌ مِنْ تحتها، لم يُجزئه».
وَفِي صِفَةِ التَّحْرِيكِ، قال في كِتابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ بن زِيادٍ: «تَحْرِيكُهُ بالاغتسال فيه». وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ: رَوى الحَسَنُ بن أبي مالك عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةً: تَحْرِيكُهُ بِيدِهِ بحيثُ يَضْطَرِبُ الماءُ كُلُّهُ».
وفي كتاب «الصَّلاةِ للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «في غدير كثير الماء إذا اغْتَسَلَ في جانب منه، وهو مما لا يَضْطَرِبُ كُلُّهُ، يَجُوزُ للجُنُبِ أَنْ يَغتَسِلَ فِي جَوفِهِ، وكذلك إنْ تَوضَّأَ فِي جَوْفِهِ، ويَطْهُرُ بذلك، وكذلك لو اسْتَنْجَى منه أو أَصَابَ ثَوْبَهُ قَذَرُ فَغَسَلُهُ فِيهِ، طَهُرَ ذلكَ كُلَّهُ وأَجْزَاهُ، وإن كان الغَدِيرُ مما يَضْطَرِبُ كُلُّهُ إِذا اغْتَسَلَ فِيهِ مِن جَانِبِ، لا يُجْزِئُ أَنْ يَغْتَسِلَ فيهِ، ولا أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي جَوْفِهِ، ولكن يَأْخُذُ منه الماء ويَتوضَّأُ خارجا منه، ولا بأس بأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ لِيَتَوَضَّأَ خارِجًا منه، وهذا في غدير على غير جواز الطريق، فإن كان على جوازِ الطَّرِيقِ في البادِيَةِ فَأَكْرَهُ ذلكَ، فَإِنْ تَوَضَّاً واغْتَسَلَ على ما بَيَّنَاهُ جَازَ»، وذَكَرَ أَنَّ هذا كُلَّهُ قول أَبي حَنِيفَةَ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِذا اغْتَسَلَ مِنْ حَوْضٍ كَبِيرٍ، فَلِرَجُلٍ آخَرَ أَنْ يَغْتَسِلَ في ذلك المَكانِ، وليسَ لِرَجُلٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي حَوْضٍ كَبِيرٍ مِنْ ناحية الجيفة». فقدْ صَرَّحَ أَنَّ مَوضِعَ النَّجاسَةِ نَجَسُ، وَإِنْ كَانَ لا يَضْطَرِبُ كله، وكذلك في البَحْرِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ في المُجَرَّدِ»: جُنُبُ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي حَوْضِ الحَمَّامِ وَفِيها قَذَرُ، فَأَمْسَكَ حَتَّى ذَهَبَ القَذَرُ الَّذِي كان في الحوض، وسال ماء آخر، ثم اغْتَسِلُوا بِهِ وَتَوَضَّئُوا بِهِ، أَجْزَأَهُمْ، وماءُ الحَمَّامِ طَهُورُ؛ لأَنَّ الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ فيه الجُنُبُ يَذْهَبُ، وَيَسِيلُ مَاءً آخَرُ».
جنس: قال: كُلُّ بَهِيمَةٍ يَطْهُرُ جِلْدُها بالدباغِ يَلْحَقُها الذكاة كالشَّاةِ، وما لا يَظْهُرُ جِلْدُهُ بالدباغ لا يَلْحَقُها الذكاة، كالخِنْزِيرِ والحِمارِ يَطْهُرُ جِلْدُه بالدباغ ويَلْحَقُهُ الذكاةُ.
قال في صلاةِ الأَثَرِ»: «سألتُ مُحَمَّدًا عَنْ جِلْدِ الكَلْبِ والذَّنْبِ إِذا دُبغ، فقال: لا بأس بأنْ يُصَلِّي فِيهِ وَيَلْبَسُهُ، وكذلكَ جِلْدُ القِرْدِ».
وقال أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِه رِوايَةَ ابْنِ سَمَاعَةَ: «لَا خَيْرَ فِي جِلْدِ الكَلْبِ والذئب، وإنْ ذُبِحَ لا تَلْحَقُهُما الذكاة، ولا أَعْرِفُ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ قولًا فيه، وقال أبو يُوسُفَ: رَأَيْتُ على أَبي حَنِيفَةَ ثعَالِبُ وفَنَكٌ وهو يُصَلِّي، وَرَأَيْتُ عليه السنجاب».
وَفِي جِلْدِ الخِنْزِيرِ قال مُحَمَّدٌ: «لا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بالدباغ، ولا يَلْحَقُهُ الذكاة، ولو وَقَعَ لَحْمُهُ بعدَ الذَّبْحِ في الماء يَنجُسُ الماءُ، وَ رُوِيَ عن علي رَضَي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قال: ((لا يُنْتَفَعُ مِن الخِنزير بشيءٍ)) ذَكَرَه فِي كِتَابِ صَلاةِ الْأَثَرِ».
وذَكَرَ في نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: رَوى خالِدُ بن صُبيح، عن أبي يُوسُفَ: مَنْ صَلَّى ومعهُ جِلْدُ خِنْزِيرٍ مَدْبُوغ، أو عَظْمَةٍ، أَو عَقَبَةٍ، أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ».
وَفِي شَعْرِ الخِنْزِيرِ ذَكَرَ في الجامعِ الصَّغِيرِ»: «فلا بأس بالانتفاع به لِلْخَرَّازِينَ»، وقال أبو يُوسُفَ في الإِمْلاء»: «يُكْرَهُ لهم كما يُكْرَهُ لَغَيْرِهِمْ».
واخْتُلِفَ في طَهَارَةِ شَعْرِ الخِنْزِيرِ، قال أبو يُوسُفَ في صَلاةِ الأَثَرِ»: «لو وَقَعَ شَعْرُ الخِنْزِيرِ في الماءِ نَجَسَ الماء»، وقال مُحَمَّدٌ فِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ»: «لا يَنجُسُ الماء؛ لأنَّ الشَّعْرَ ليس عليه ذكاةً، ولو وَقَعَ شَعْرُ الآدمي في الماء لا يَفْسُدُ الماء، سواء كان شَعْرَ الحَيَّ أو المَيِّتِ. وَفِي عَظْمِ الخِنْزِيرِ وعَظْمِ الإِنْسانِ: يُفْسِدانِ الماء؛ لأنَّهُ لا يقع عليهما الذَّكَاةُ». وَفِي صَلاةِ الأثر»: «قال مُحَمَّدٌ في سِنّ الآدمي إذا وقع في الماء فَسَدَ الماءُ، وإذا طُحِنَ في جُمْلَةِ الحِنْطَةِ لا تُؤْكَلُ».
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ: إِذا غُسل الميت وهو مُسْلِمُ، ثم وقع في بِئرِ ماء، لم يُفسده، ولو كانَ المَيِّتُ كافرًا فَسَدَ الماءُ».
وفرق بينهما بأنه في حقّ المُسْلِمِ لوجودِ غُسْلِه تعلَّق به حُكْمُ شَرْعِيٌّ، وهو جواز الصلاة عليه، فصار كالحَيَّ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنابَةِ، ثُمَّ وَقعَ في الماءِ لا يُفْسِدُه، وأما في حق الكافِرِ فلا يتعلَّقُ بِوُجودِ غُسْلِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وهو حُكْمُ جَوازِ الصَّلاةِ عليه، فصار كأنّه وَقَعَ فيه كافِرُ مَيْتُ قَبْلَ غُسْلِه». ورأيت في كِتابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «كَافِرُ وَقَعَ فِي البِئرِ حَالَ حَياتِه، نُزِحَتِ الماءُ».
وإِنْ وَقَعَ السَّقْط في بئرِ ماءٍ يُفْسِدُه، وإنْ غُسَلَ عَشرَ مرَّاتٍ؛ لأنَّه لا يُصَلَّى عليه، وكان في حُكْمِ الكافِرِ، ذَكَرَه مُحَمَّدُ في «الكَيْسانِيَّاتِ». ولو صَلَّتِ امْرَأَةً ومَعها صَبِيٌّ مَيِّتُ قَدْ اسْتَهلَّ، وقدْ غُسِّلَ، فَصَلاتُها تامةً، وإن لم يُغَسَّلْ فَصَلاتُها فاسدة، وإن كان لم يَستَهِلَّ فَصَلاتُها فاسدة في الوجهين جميعًا، ذَكَرَه مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ ابنِ رُسْتُمَ»، وأما أبو يُوسُفَ فقد ذَكَرَ في كتاب الصَّلاةِ إِمْلاءً رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: فِي رَجُلٍ صَلَّى ومعه صَبِيٌّ مَيِّتُ في حِجْرِهِ إنْ كانَ الصَّبِيُّ وُلِدَ مَيْتًا لم تَبْطُلْ صَلاتُه، وإِنْ كان وُلِدَ حَيًّا فَسَدَتْ صلاته.
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «وكذلك البالغ إذا ماتَ وغَسَّلَهُ، ثم صَلَّى وهو حامل، لا تُجْزِئُ صلاته»، وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ»: «إِنْ صَلَّى وهو حَامِلُ رَجُلًا مَيْتًا شَهِيدًا عليه دماؤه، تُجْزِئُه صَلاتُه؛ لأنَّها طاهِرَةً، وإِنْ أَصابَ ذلك الدَّمُ ثَوْبَ المُصَلِّي أكثرَ مِنْ قَدْرِ الدَّرهم لا تُجْزِئُهُ صلاته؛ لأنَّ دَمَ الشهيد للشهيد طاهِرُ، وَفِي حَقٌّ مَنْ ليس بشهيد لا يكون طاهرا.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِذا أَصْلَحَ مَصَارِينَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَصَلَّى وهو معه جازتْ صَلاتُه؛ بِدَلِيلِ أنَّه يُتَّخَذُ منه الأوتار، وكذلك العصب والعَقِبُ، وإنْ دَبغ المثانة وأصْلَحَها فَجَعَلَ فيها لبنا جاز، ولا يَفْسُدُ اللبنُ، وفي الكرش إن كان يَقْدِرُ على إِصْلاحِهِ كما يقدر في المثانة جاز، وصلاته معه جائزة، ولا يَفْسُدُ اللبن»، وقال أبو يُوسُفَ في «الإملاء»: «الكرش لا يظهر، وهو كاللحم؛ لأنَّه إِنْ يَبِس يعود لحما».
وفي نوادر داودِ بنِ رُشَيْدٍ»: سُئِلَ مُحَمَّدٌ عن جلود الميتة إذا يَبِسَتْ فوقعت في الماء قال: لا تُفْسِدُهُ، وقال أبو يُوسُفَ في نوادره»: «في مَسْكِ المَيْتَةِ إِذا عُلِّقَ في الشمس حتَّى يَبِسَ، وَيَمْنَعُه ذلك الفساد فهو دباغ». وقال أبو حَنِيفَةَ: لا بأس من الميتة بالحافر، والظلف، والعظم إذا يَبِسَ وذَهَبَ عنه اللحم، وكذلك العَصَبُ إِذا يَبِسَ، وكذلك هذا من السباع ومن الطيور والريش ... والوَبَرِ والشَّعرِ».
جنس: قال في «الزيادات»: «الخَرْقُ في الخُفَّينِ لَا يُجْمَعُ، وَيُجْمَعُ فِي خُفَّ واحد.
وتفسيره: إذا كان بأحدِ الخُفَّيْنِ خَرْقُ قَدرَ أُصْبُعَيْنِ، وَفِي الْخُفَّ الْآخَرِ قَدْرَ أُصْبُعِ، يَجوزُ المَسْحُ عليهما، ولو كانَ في خُفَّ واحدٍ خَرْقٌ فِي مُقدَّم الخفَّ قدرَ أُصْبُعِ، وَفِي مُؤَخَّرِهِ مِثْلُهُ، وَفِي جانب الخُفَّ مِثْلُهُ، لَا يَجوزُ المَسْحُ عليه؛ لأنه لو جُمِعَ كَانَ يَبْلُغُ قَدرَ ثلاثة أصابع، فإذا تَفَرَّقَ فِي الخُفَّيْنِ لَمْ يَظْهَرُ مِقدارُ فَرْضِ المَسْحِ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما؛ لذلك. جازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ، وبمثْلِهِ في الخُفَّ واحد، فقد حصل مقدار الفرضِ مُتخرّقًا، فَمَنَعَ المسح.
وذكر في كِتابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «لو كانتِ النَّجاسَةُ في الخُفَّينِ، في كل واحد منهما أقلَّ مِنْ قَدْرِ الدَّرهم، فَإِنَّهما يُجْمَعانِ كما لو كانت في خُفَّ واحدٍ في مَوْضِعَيْنِ، وكذلك لو كان في ثَوبِ المُصَلِّي نَجَاسَةُ أَقلُّ مِنْ قَدْرِ الدَّرْهَم، وَفِي سَراوِيلِهِ مِثْلُهُ، جُمِعَ». وَفِي جامع أبي الحَسَنِ»: «إن كان تحت كل قَدَم نجاسة أقلُّ مِنْ قَدرِ الدَّرهم، ولو جُمِعَ كان يَبْلُغُ أكثرَ مِنْ قَدْرِ الدَّرْهَم، لم تَجْزْ صَلاتُهُ.
وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابْنِ سَماعَةَ: «وَالَّذِي اسْتَنْجَى وَلَمْ يغتسل ولطخ مِنْ ذَكَرِهِ وَجَسَدِهِ أكثرُ مِنْ قَدْرِ الدَّرهم، لم يَجُز». وَفِي كِتَابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ: «لو سالَ مِنْ بَوْلِهِ عَلى فَخِذِهِ وَ أَصابَ
بَعضُهُ ثَوبَهُ، فَإِنْ كان لو جمع أكثر مِنْ قَدْرِ الدَّرهم، لا يجوز إلا غَسْلُهُ». وَفِي نَوادِرِ هشام الجرجاني»: «في عُضوَيْنِ داواهُما مُحْرِمُ بِطِيب، عليه كفارة واحدة فيقول أبي يُوسُفَ».
وفِي «الزياداتِ»: «عُرْيَانَةً لا تَقدِرُ إِلَّا عَلَى ثَوبٍ، إِنْ صَلَّتْ فِيهِ قَائِمَةً انْكَشَفَ مِنْ كُلِّ ساقي منها أقل من الربع، وإذا جُمِعَ كَانَ مِثْلَ رُبع أَحَدِ السَّاقَيْنِ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي جَالِسَةً».
ورأيتُ في كتاب «الصيام» للحَسَنِ بنِ زِيَادٍ: «لَوْ قَلَسَ مُعالَجَةً بِأُصبع، وفعل ذلك اليومَ مِرارًا، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَخْرُجُ منه أقلُّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ، بحيث لو جُمِعَ يَكُونُ أكثرَ مِنْ مِلْءٍ فِيهِ، قَضَى ذلك اليوم، وإنْ كانَ إذا جُمِعَ ذلك لا يَبْلُغُ مِلْءَ فِيهِ، لَا قَضاء عليهِ».
وفي كتاب الطهارات» لأبي القاسم الجويني الفَقِيهِ: «حكي عن أبي علي الدَّقَّاقِ صاحب كتاب «الحَيْضِ»: «لو قاء مرتين أو ثلاثا، فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَقلَّ مِنْ مِلْ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ لو جُمع كان ذلكَ مِلْءَ الفَمِ، انتَقَضَ الوضوء».
وأما الخَرْقُ فِي أُذُنِ الأُضْحِيةِ، فَإِنَّهُ قَدْ سُئِلَ ابْنُ سَماعَةَ عنه: «إذا كان في كُلِّ أُذُنٍ خَرْقُ؟ فقال: إن كان قَدْرًا في أُذُنٍ واحدةٍ يُمنَعُ لو جمع، كان من أحد الأُذنين إلى الأُخْرَى يُجْمَعُ، وإن كان قَدْرًا فِي أُذُنٍ واحدة لو مجمع لا يُمنع إذا جمع، كان من إحدى الأذنين إلى الأخرى لم يُجْمَعُ، وقال علي الرَّازِيُّ مِنْ أصحاب أبي يُوسُفَ: وَ مِنْ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى لَا يُجْمَعُ، وَفِي أُذُنٍ وَاحِدَةٍ يُجْمَعُ».
جنس: قال: صِفَةُ الخُفَّ الَّذِي يَجوزُ المَسحُ عليه: هو أنَّ كُلَّ خُفَّ يُمْكِنُ تَتابعُ المَشْيِ فيه في العادة فالمَسْحُ عليه جائز، وما لا يُمكنُ تَتابعُ المشي فيه في العادة فالمَسْحُ عليه لا يَجُوزُ، وَفِي قَلِيلِ الخَرْقِ يُمكِنُ تَتابعُ المشي فيه في العادة فالمسح عليه جائز، كوضع الأشياء في المُعتادِ لا يَمْنَعُ المشي، وَفِي قَدْرِ ثلاثة أصابع لا يُوجَدُ هذا المَعْنَى، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه.
قال في كتاب «الصَّلاةِ للحَسَنِ بن زياد: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إن كان الخرق في مُقدِّمةِ الرَّجْلِ، وكان طُولُهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ثلاثةِ أَصابع، وانفتاحه أقل من ثلاثةِ أَصابِعَ، أَجْزَأَهُ المَسحُ عليه، وإن كان الخَرْقُ في موضع العَقِبِ مِنْ مُؤخِّرَةِ الرِّجْلِ أَقلَّ مِنَ العَقِبِ أَجْزَاهُ، وَإِنْ كان مَفْتُوحًا يَمْسَحُ عليه»».
وفي «البَرامِكَةِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إذا بدا من الرِّجْلِ ثَلاثَةُ أَصابِعَ مِنْ قِبَلِ العَقِبِ، مَسَحَ حَتَّى يَبْدُو أكثرَ مِنَ النّصفِ، فُتِقَ الخُفُ أَوْ شُقَّ، وإن كان الفَتْقُ مُتَّصِلًا لا تُرَى الأصابعُ مِنْهُ، فلا بأس بالمسح عليه». وقال في «صلاة الأَثَرِ»: «مَا يَمْنَعُ المَسْحَ فِي قَدْرِ ثلاثةِ أَصابع هو أصابع الرجل، وليس بِأَصابع اليَدِ، وَيُقَدَّرُ مَا يُمْسَحُ على الخُفَّينِ فَرضُهُ قدر ثلاثةِ أَصابع اليد».
وفُرِّقَ بينهما: بأنَّ المَسْحَ يَقعُ بِأَصابع اليد، فتقديره به يَقَعُ كَمَسْجِ الرأس، ولا كذلك الخَرْقُ في الخف؛ لأنَّه يَمنعُ تَتَابُعَ المَشْيِ، وَالمَسْحُ شرع تَخْفِيفًا فِي حَقَّهِ حَتَّى لا تَلْحقَهُ المشَقَّةُ فِي نَزْعِهِ بِغَسْلِ رِجليهِ في يوم وليلة خَمْسَ مرَّاتٍ، والمشي يَقعُ بِالرِّجْلِ؛ فلذلك اعْتُبِرَ به».
وَفِي «الزيادات»: «يُعتَبَرُ قَدْرُ ثلاثِ أَصابع أصغر أصابع الرجل»، الخِنْصِرُ والوسطى والإبهام، وبين كل أُصبع. وقال: «لو ظهر منه منها شيء من الخف، لم يُجْزِئُهُ المَسحُ عليهما». فهذا يُفيدُ قَدْرَ الخَرْقِ ثَلاثُ أَصابِعَ مُنْفَرِجَةٌ لَا مَضْمُومَةً، وَنَحْوُهُ فِي كِتابِ السَّجَدَاتِ إِمْلَاءَ مُحَمَّدٍ بِالرَّقَةِ.
وفِي كِتَابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ: يُعتَبَرُ قَدْرُ ثلاثِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةً لا مُنفَرِجَةً»، قال: ولو ظَهرَ مِنَ الخُفّ الإبهام، وهي بِقَدْرِ ثلاثة أصابع الصُّغرَى مِنَ الرِّجْلِ، أَنَّه يَمْسَحُ، والأصابع يُعتَبَرُ بها في أَنْفُسِها».
قال في «الزّيادات»: «في خُفَّينِ لا ساق لهما، فهو كالخف الَّذِي له ساق في جواز المسح عليه إذا لم يخرُجْ مِنْ أعلى القَدَمِ أو أسفلها مقدار ثلاثة أَصابِعَ مِنْ مَواضِعِ الوُضُوءِ. وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِنْ أَخرجَ عَقِبَهُ مِنْ عَقِبِ الخُفْ إِلَّا أَنَّ مُقَدَّمِ قَدَمِهِ بِالخُفَّ فِي مَوضِعِ المَسْح، أَوْ كان لا عَقِبَ للخُفَّ، وصَدْرُ قَدَمِهِ في الخُفّ، أو كان أعرجَ يَمْشِي عَلى صَدْرٍ قَدَمِهِ، وقد ارتفع العَقِبُ عَنْ مَوضِعِ عَقِبِ الخُفْ، له أَنْ يَمْسَحَ ما لم يَخْرُجْ صَدْرُ قَدَمِهِ مِنَ الخُفِّ إِلى السَّاقِ».
وَفِي صَلَاةِ الْأَثَرِ»: «إِنْ كَانَ أَخْرَجَ عَقِبَهُ مِنْ مَوضِعِ الخَرَزِ الَّذِي فَوقَ العَقِبِ، أَنَّه يَخْلَعُها ويَغْسِلُ قَدَمَهُ، وإذا خَرَجَ مِنَ العَقِبِ هناكَ خَرَجَتِ الأصابع مِنْ مَوضِعها في قول أبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدٌ: يَعْسِلُ رِجلَيْهِ إِذا زالَ؛ لأنَّ كُلَّ مَوضِع مِنَ القَدَمِ زالَ عَنْ مَوْضِعِه، فإن كان خُفُهُ واسعًا، وكان إذا رفع القَدَمَ ارتفعت القَدَمُ حَتَّى يُجاوِزَ العَقِبَ، وإذا وَضَعَ القَدَمَ عَادَ العَقِبُ إلى موضعه، هذا لا بأس به.
وحكي عن أبي على الدَّقَّاقِ في رَجُلٍ لَبِسَ خُفَّينِ وَلَبِسَ فَوقَهما جرموقين واسعين يفضل من الجرموقين على الخف مقدار ثلاثة أصابع فمسح على تلك الفضلة لم يجزه، وان مسح على تلك الفضلة بعد ان قدم رجليه على تلك الفضلة أجزأه، واذا أزال رجليه عن ذلك الموضع أعاد المسح.
وفي كتاب الصلاة لأبي عبد الله الزعفراني: لو لبس خفين ولبس فوقهما جرموقين واسعين ثم احدث فتوضأ وأدخل يده تحت الجرموقين فمسح على ظاهر الخفين لم يجز لأن الواجب عليه ان يمسح فوق الجرموقين.
وفي الزيادات: ان قطع رجله وبقي منه مقدار ثلاثة أصابع او اقل فتوضأ وغسل الرجل الصحيحة وما بقي من الأخرى ولبس الخف فوقهما ثم احدث لم يمسح.
وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: اذا بقي من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع وليس فوقه الخف جاز المسح عليه، وان كان اقل منه لم.
وفي كِتَابِ الصَّلاةِ للزَّعْفَرَانِي الرَّازِيِّ: رَجَل ليس له إِلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ، يُجْزِئُهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ وَيَمْسَحَ عليه».
جنس: قال: وطَلَبُ الماء الجواز وجودِهِ، وهو مُبْدَلُ التراب، وأما طريقة الانتقال إلى الأبدال فلا تَقِفُ على الطَّلَبِ كَالرَّقَبَةِ فِي الكَفَّارَةِ، وَلا يَلْزَمُه أَنْ يُنادي في البَلَدِ لِطَلَبِها، هذا إذا كان في غالب رأيهِ أنَّه لا ماء هناك، فأما إذا كان في اجتهادِهِ أنَّ هناكَ بِحَضْرته الماء، فليس هذا بالطلب، بل خُرُوج وتوصل إلى ما عِندَهُ، فصار كَخُروجه إلى النخاسين لشراء الرقبة في الكفَّارَةِ.
قال أبو حَنِيفَةَ في «البرامكة»: «ليس عليه أنْ يَطلُبَ الماء إذا لم يُخبَر عَنِ المَاءِ، أَوْ يَطْمَعُ فيه، فَيَطْلُبُهُ الغَلْوَةَ أو نحوها، ولا يبلغ ميلًا استحسانًا، فإذا طَمِعَ يَطْلُبُه عن يمين الطريق ويساره، ولا يُبعِدُ فَيَضُرَّ بأصحابِهِ أو بنَفْسِهِ». وَفِي المُجَرَّدِ»: «إنْ كان مع رفيقه الماء ولا ماء معه، فَشَرَعَ فِي الصَّلاةِ بالتَّيْمُمِ قَبْلَ طَلَبِ الماءِ مِنْ رَفِيقِهِ، لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ». وَفِي کتاب «الصَّلاةِ» إملاءً رِوايَةَ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ: «قال أبو يُوسُفَ: «تُجْزِئُهُ في قياس قول أبي حَنِيفَةَ»، وقال أبو يُوسُفَ: «لا تُجْزِئُهُ حَتَّى يَطْلُبَهُ منه». ولو طَلَبَ منهُ فلمْ يُعْطِهِ، فلمَّا شَرَعَ فِي الصَّلاةِ وفَرَغَ منها أَعْطَاهُ، جازت صَلَاتُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا».
وقال في الزيادات»: «وإنْ لم يَجِدِ الماء، ولمْ يَكُن هناك إنسان معه ماء، فلمَّا شَرَعَ في الصَّلاةِ اطَّلَعَ على رَجُلٍ معه ماءُ، فَمَضَى عَلَى صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ سَأَلَهُ المَاءَ، فَإِنْ مَنَعَهُ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ بَطَلَتْ صَلَاتُه».
وقال في كتاب «الحُجَجٍ لمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ: «إنْ كان حِينَ اطَّلع عليه يَغْلُبُ على ظَنّهِ أنَّه يُعطيه الماء، تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَبْلَ سؤاله.
وَفِي كِتابِ التَّحَرِّي» في «الأَصْلِ»: «لو أَتَى ماءً مِنَ المَياهِ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَتَيَمَّم وصَلَّى، ثمَّ وَجَدَ الماءَ، أَنَّه على وَجْهَيْنِ: إنْ كان هُناكَ قَومٌ مِنْ أَهْلِهِ فلم يسألُهُم حَتَّى صَلَّى، ثُمَّ سَأَلَهُم عن الماءِ فَأَخْبِرُوهُ به، لم تَجُزْ صَلاتُهُ، ولو لم يُخبروه جازتْ صَلاتُهُ، وكذلك إذا لم يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُم عَنِ الماءِ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «مُتيمَّمُ صَلَّى بقومٍ مُتَيمِّمِينَ رَكْعَةً، ثُمَّ جَاءَ رَجَلٌ بِكُوزِ ماءٍ، فقال: هذا لفُلانٍ - رَجَلٌ مِنَ القَوْمِ - فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ويَمْضِي القوم على صَلاتِهِم، فإذا فَرَغُوا سَأَلُوه الماء، فَإِنْ أَعْطَى الإمامَ تَوَضَّأَ واستَقْبلُوا معهُ الصَّلاةَ، وإنْ مَنَعَ القَوْمَ فَصَلاةُ القومِ تامة، وعليه استقبالُ
الصَّلاةِ، ولو قالَ الَّذِي جَاءَ بِالكُوزِ للجَمَاعَةِ المُتَيمِّمِينَ قَبْلَ الشروع في الصَّلاةِ: منْ شاءَ منكم فَلْيَتَوَضَّأُ به، انْتَقَضَ تَيمُهُممْ جَمِيعًا، ولو قال: هو بَينَكُم، لم يَنْتَقِضُ تَيمُمهُمْ؛ لأنَّ لِكُلِّ واحد بعض الماء قدرا لا يكفيه ذلك لوُضُوئِهِ، وَفِي الأَوَّلِ قَدْرُ الواحدِ مِنَ الماءِ على ما يَكْفِيهِ لوضوئه.
نوع منه: قال: وجوب استعمال الماء يتعلَّقُ بِكَوْنِهِ وَاجِدًا للماء، وَصِفَةُ الوُجودِ تُمَكِّنُهُ مِنَ الاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، يَدُلُّكَ عَلى ذلك: مَنْ مَعَهُ الماء ويَخشَى العَطَشَ، جاز له أَنْ يَتَيَمَّمَ.
قال في «الجامع الصغير»: «إذا نَسِيَ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وصَلَّى، جازت صَلاتُهُ في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: «لا تُجزِئُه»، وهو قوله الثاني، وقد كان قَولُهُ الأَوَّلُ مِثْلَ قول أَبي حَنِيفَةً، ثُمَّ رَجَعَ عنه، ذَكَرَه في صَلاةِ الأَثَرِ». وَفِي نَوادِرِ مُحَمَّدِ بنِ شُجاع: «قالأبو حَنِيفَةَ: لو صَلَّى عُرْيَانًا، وَعِندَه ثَوبٌ ولَمْ يَعْلَمْ به، أنَّه لا يُجْزِئُهُ»، ونَحْوُهُ فِي صَلاةِ الآثار»، وقال ابن شجاع: لا يُشبه هذا الوضوء والقِبْلَةَ.
وفرق بينهما: بأن الكسوة لا بَدَلَ له يَنتقل إليه، كذلك لم يجز من حيث إنَّه لم يأتِ بأصْلِ فَرْضِه ولا بِبَدَلِه، وبمثله الوُضوءُ قَدْ أَتَى بَبَدَلِه وهو التُّرابُ، وَفِي القِبْلَةِ جِهَةٌ أُخْرَى. وقد ذكر في جامع الشيخ أبي الحَسَنِ الكَرْخِي: أَنَّ في الثوب على الخِلافِ الَّذِي نَسِيَ الماء في رَحْلِهِ.
ولو صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَ بِجَنْبِهِ بِئرُ مَاءٍ لم يَعْلَمُ بها، جازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وإن كان ذلك على شاطئ النَّهَرِ ولم يَعْلَمْ به، عن أبي يُوسُفَ فيه روايات: قال في كِتابِ الصَّلاةِ لَمُعَلَّى: «لا يُجْزِئُهُ»، وقال في «كتاب الصَّلاةِ إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «جازتْ صَلاتُهُ»، وقال أبو يُوسُفَ: «أرأيت لو تَيَمَّمَ وَفِي عُنُقِهِ إداوة فيها ماء لم يَعْلَمْ، أَتَجُوزُ صَلَاتُهُ؟. رأيتُ شيخنا أبا عَبْدِ اللهِ الجُرْجاني قدِ التَزَمَ هذا على قول أبي حَنِيفَةً، وقال: «تَجُوزُ صلاته.
وذكر في كِتابِ أَيْمَانِ الأَصْلِ»: لو كان في مُلْكِهِ رَقَبَةُ، وصام عن الكفَّارَةِ، لا يَجُوزُ، وكان شيخنا أبو عَبْدِ الله الجرجاني يحكي عن أبي بكر الرازي، عن أبي الحَسَنِ الكَرْخِي، أنَّه قال: «وجدت رواية عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّه يَجوزُ مِثْلُ التَّيمم، وكان أبو سعيد البَرْدَعِي يُفَرِّقُ بين الماء والرقبة: بأنَّ المُعتَبَرَ في الكفَّارَةِ وُجُودُ الرَّقَبَةِ فِي مِلْكِهِ دونَ القُدْرَةِ عليها.
يَدُلُّكَ عليه: لو بَدَلَ إِنْسَان رَقَبَةَ العبد، وقال له: وهبت منك هذا العَبْدَ، فَأَعْتِقْهُ عَنِ الكَفَّارَةِ، فلم يَقْبَلْ، فصَامَ عَنِ الكَفَّارَةِ، جَازَ التَّكْفِيرُ بالصومِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرَّقَبَةِ لما لم تُوجَد في مِلْكه. ولا كذلك التيمم؛ لأنَّهُ لو بذل له الماء لوُضُوئِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَتَيَمَّم وصَلَّى، لم تَجُزْ.
نوع منه: لو حُبِسَ في السجن أو في موضع لا يقدر على الماء، وهو على غير وضوء، تيمم وصَلَّى، وإذا خَرَجَ أعادَ؛ لأنَّه في غيرِ السَّفَرِ نَفْسِهِ، وهذا تعليل صَحِيحُ؛ لأنَّه لو مُنِعَ الماءُ مِنْه في السَّفَرِ جاز له التَّيْمُمُ، وَأَنْ يُصلّي به، وَفِي الحضر لم يجز، ووُجوب الإعادة استحسان، ذَكَرَه في الزيادات.
ورأيت في كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ: «أَنَّه لا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِرَ على الماء، أو حتَّى يَخْرُجَ مِنَ الحَبْسِ، فَيَتوضَّأُ ويَقْضِي ما فاتَهُ في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ: يُصلّي بالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ إِذا خَرَجَ يُعِيدُ»، وقد ذُكر في «نوادر أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابن سَماعَةَ: «قال أبو يُوسُفَ: لا يُعِيدُ.
ولو حَبَسَهُ في مخرج لا يَقْدِرُ على الماء، ولا على الصَّعِيدِ الطاهِرِ، لا يُصلي في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: يُصلّي بالإيماء ثُمَّ يُعِيدُ، ذَكَرَه في کتاب صلاةِ الأَصْلِ. وَفِي «الزياداتِ مُحَمَّدٌ مع أبي حَنِيفَةَ، وَفِي الكيسانِيَّاتِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ في رَجُلٍ على وضوء في مكانٍ قَذِرٍ، لا يقدر على مكان طاهر، وقد حَضَرَتِ الصَّلاةُ: صَلَّى فيه بالإيماء ثم يُعِيدُ»».
وقال في صَلاةِ الأَثَرِ»: «قال مُحَمَّدٌ: «لا يُصلّي الماشي وهو يَمْشِي، ولا السَّابِحُ وهو يَسْبَحُ في البَحْرِ، ولا السَّائِفُ وهو يضرِبُ بالسَّيفِ، وَإِنْ فَاتَهُمُ الوَقْتُ».
وفي «الهاروني»: «إذا كان أكثر مواضع الوضوء بها جِراحَةُ يُخشَى إمساس الماء، وأكثر مواضع التيمم بها جراحَةً، لا يُصلّي في قول أبي حَنِيفَة، وكذلك في حَقَّ الجُنُبِ، وقال أبو يُوسُفَ: يَغْسِلُ مَا قَدَرَ ويُصلِّي، ثُمَّ يُعِيدُ.
نوع منه: قال: القُدْرَةُ على المُبْدَلِ قَبْلَ إسقاطِ الفَرْضِ بِالبَدَلِ تُوجِبُ الانتقال إلى المُبْدَلِ، فَيَبْطُلُ حُكمُ البَدَلِ، سواءً كان قَبْلَ شُروعِهِ في البَدَلِ أو بعد شروعه.
يَدُلُّكَ عليه: الصَّغِيرَةُ المُطَلَّقة إذا رأتِ الدَّمَ فِي العِدَّةِ قَبْلَ انقِضَائِهَا، يَلزَمُها الانتقال إلى عِدَّةِ ذاتِ الأقراء في قولهم جميعًا، وإذا ثبت الانتقال إليها ثبت في المتيمم بطلانُ صَلاتِهِ؛ لأنَّ مُخالِفنا لا يُوجِبُ الانتقال إلى استعمال الماء في الصَّلاةِ إذا وُجِدَ الماء في الصَّلاةِ.
قال في «كتاب صَلاةِ الأَصْلِ»: «إذا شرع في الصَّلاةِ بِالتَّيْممِ، ثُمَّ وَجَدَ الماء فيها، بَطَلَتْ صَلاتُه في قَوْلِهِم جميعًا إذا لم يَكُنْ فِي تَشَهدِه، ولو كان مُتوضّئا فَسَبَقَهُ الحَدَثُ، فَخَرَجَ لِيَتَوَضَّأَ فلمْ يَجِدِ المَاءَ فَتَيَمَّمَ، ثُمَّ قَبْلَ انصرافه إلى مُقامِهِ وَجَدَ الماءَ، تَوضَّأَ وَبَنَى عَلى صَلاتِه، ولو انْصَرَف إلى مُقامِهِ ثُمَّ رَأَى الماء، توضأ واسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ استحسانًا، وفي القياس على سواء، فَوَجَبَ استقبال الصَّلاةِ، ولم يُؤْخَذْ بالقياس.
وفرق بينهما: بأنَّه مَتَى عادَ إِلى مُقامِهِ فَقَدْ أَدَّى جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ بَعدَ قُدْرَتِه عَلى المُبْدَلِ قَبلَ إسقاطِ الفَرْضِ، ولا كذلك قَبلَ عَوْدِهِ إِلى مُقامِهِ؛ لأنه لا يُؤدِّي الماشي أفعال الصَّلاةِ، وإنَّما هو في الصَّلاةِ، وقد يكون في الصَّلاةِ وإِنْ لم يَكُنْ مُؤَدِّيًا لها.
قال مُحَمَّدُ في نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ»: «لو سَبَقَ المُصَلِّي الحَدَثَ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ، هُو في الصلاة ولا يكونُ مُصَلَّيًا، وإنْ نامَ في الصَّلاةِ هُو فِي الصَّلاةِ وليسَ بِمُصَلَّ.
ألا ترى أنه لو نامَ في الصَّلاةِ فَسَبَقَهُ الحَدَثُ حالَ نَومِهِ، ثُمَّ انتَبَهَ بعد ساعة، تَوضَّأَ وَبَنَى؟ ولو أنَّه أحدَثَ وهو مُستَيقِظُ فَمَكَثَ سَاعَةً قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لأنَّه صَلَّى على غيرِ وُضوءٍ، فقد صَرَّح أَنَّهُ جَعَلَهُ مُصَلِّيا؛ لِقِيامِه في مَوضِعِ صَلاتِهِ قَبْلَ انصرافه.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «لو أَنَّ رَجُلًا صَلَّى بِالمَسْحِ عَلَى الخَفَّينِ، فَذَهَبَ وَقتُهُ وهُو فِي مُقامِهِ فِي الصَّلاةِ، انتَقَضَتْ صَلَاتُهُ، ولو أنَّه أحدثَ فَذَهَبَ وتوضأ وهُو في وُضوئِهِ، فَذَهَبَ وَقتُ المَسْحِ، لَهُ أَنْ يَخْلَعَ خُفَّيْهِ، وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَيَبنِي عَلَيْهَا.
وفرق بينهما: بأنَّه قَبْلَ ذَهَابِ الوَقتِ وقدْ سَبَقَهُ الحَدَثُ، لَه أَنْ يَخلَعَ خُفَّيْهِ، ويَغْسِلَ رِجْلَيهِ، ويَبْنِي على صَلاتِه، فكذلك بعد انقضاء مُدَّةِ المَسْحِ، ولا كذلك قَبْلَ الحَدَثِ؛ لأَنَّهُ مَتَى خَلَعَ خُفَّيهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ: رَجُلٌ صَلَّى رَكْعَةً على وُضوءٍ تام، ثُمَّ أَحْدَثَ فَذَهَبَ وتَوَضَّأ، وَنَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ في هذا الوضوء الثَّانِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ إِلَى المَسْجِدِ لِيُصَلِّي ما بَقِيَ قَهْقَهَ قَبْلَ أَنْ يَعود إلى مُقامِهِ، عليه الوضوء، ويَسْتَقْبِلُ الصَّلاةَ، ولو ضَحِكَ بعدما قام إلى الصلاة في مُقامِهِ، عليه أنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ، ولا يَسْتَأْنِفُ الوضوء، ويَسْتَقْبِلُ الصَّلاةِ.
وفرق بينهما: بأنَّه إِذا ضَحِكَ قَبْلَ عَوْدِه إلى مُقامِهِ فَهُو غيرُ مُؤَدَّ لأجزاء الصَّلاةِ، إلَّا أنَّه في الصَّلاةِ، وَمَنْ ضَحِكَ في صَلاة ذات ركوع وسجود، عليه استئناف الصلاة والوضوء، ولا كذلك إذا عاد إلى مُقَامِهِ؛ لأنه مُؤَدَّ جزءًا من الصَّلاةِ بلا طهارة، ألا تَرَى أنَّه لو بَقِيَ عليه مَسحُ الرَّأْسِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَخَرَجَ منها؟ فالضَّحِك حاصل خارِجَ الصَّلاةِ، ولا تَبْطُلُ الطهارة الكاملة، وكذلك نَقْضُ الطَّهَارَةِ، وعليه أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ.
نوع منه: «إذا قال لآخَرَ: عَلَّمْنِي التَّيَمُّمَ، فَتَيَمَّمَ يُرِيدُ بذلك تَعْلِيمَ الرَّجُلِ، ولا ينوي به الصَّلاةَ، لا يُجْزِئُه، وقد ذكره في كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ. وَفِي المُجَرد»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «لو نوى بالتيمم التطهير
جاز، وإنْ لَمْ يَنْو بذلك التيمم التطهير لم يجز»». وقال في كتاب الصلاة» إملاء: «قال أبو حَنِيفَة: «إذا نوى به التَّيْممَ والطهورَ أَجْزَاهُ». وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ» في الجُنُبِ تَيَمَّمَ يُرِيدُ بِهِ الوُضُوءَ: «أَجْزَاهُ عَنِ الجَنابَةِ.
وكان شيخنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجاني يحكي عن أبي بكر الرازي: «أَنَّ الواجب على المُحْدِثِ الحَدَثَ الصُّغْرَى أَنْ يَنْوِي بِهِ التَّيَمُّمَ عَنِ الحَدَثِ الأَصْغَر، وإن كان جُنُبًا يَنْوِي عن الجنابة»، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه روى ابنُ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ في الجُنُبِ إذا تيمم يُريد به الوضوء: «أَجْزَاهُ مِنَ الجَنابَةِ، وَإِنْ لم يَنْوِ عن الجنابة.
وفي الجامعِ الصَّغِيرِ»: «لو تَيَمَّمَ النَّصْرانِي وهو يُرِيدُ الإسلام فَأَسْلَمَ، لم يُجزئه ذلك التيمم في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: «يُجْزِئُهُ.
وفي كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: قال أبو حَنِيفَةً: «إِذا تَيَمَّمَ النَّصراني وهو يُرِيدُ بذلك التيمم أنْ يَتَطَهَّرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لا يُجْزِئُهُ ذلكَ التَّيْتُمُ؛ لأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ نِيَّةُ التطهير حال إسلامه.
كِتابُ الصَّلاةِ
جنس: قال: العَوْرَةُ عَلَى ضَرْبَينِ: مُخَفَّفَةٌ ومُغَلَّظَةٌ، كما أَنَّ النَّجَاسَةَ على ضَرْبَينِ: مُخَفَّفَةٌ ومُغَلَّظَةٌ.
فالمُخَفَّفَةُ: مُقَدَّرَةٌ بالربع منها جميعًا، كالفَخِذَيْنِ وَبَطْنِ المَرْأَةِ وساقيها.
والمُغَلَّظَةُ - كالسَّوْأَتَيْنِ -: مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرِ الدَّرْهَم، ومعناه: أنَّه مُقَدَّرُ فِي العَوْرَةِ بِهَذَينِ التَّقْدِيرَيْنِ فِي أَنَّهُمَا يُؤَثرَانِ فِي فَسَادِ الصَّلَاةِ، كَقَدْرِ الدَّرْهَم إِذا انْكَشَفَ مِنْ إِحْدَى السَّوْأَتَيْنِ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِ الربع في العَوْرَةِ المُخَفَّفَةِ، وَبِمِثْلِهِ فِي النَّجاسَةِ قَدْرُ الدَّرْهَم مَعْفُو عَنْهَا، والزيادة عليه غَيْرُ مَعْفُو عَنْها.
وفي كِتابِ الصَّلاةِ المُعَلَّى الرَّازِي: «قال أبو يُوسُفَ: «لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وقال أبو حَنِيفَةَ: ذراعُ الحُرَّةِ ليس بِعَوْرَة، إذا صَلَّتْ وذراعاها مكشوفان جاز، وقد ذَكَرَ شَيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجاني عن أبي حَنِيفَةً أَنَّه ليس بِعَوْرَة.
وأَمَّا بَطْنُ المَرْأَةِ وظَهْرُها وفَخِذُها عَوْرَةُ فِي الروايات كُلها، ذكره في «الجامع» وغَيْرِهِ. وَشَعَرُ الحُرَّةِ عَوْرَةٌ، وَشَعَرُ الأَمَةِ ليسَ بِعَوْرَةِ، ولو صَلَّتِ الحُرَّةُ ورُبُعُ شَعَرِها مَكْشُوفَةٌ لم تَجُزْ صَلاتُها، وَفِي الأَمَةِ جَازَتْ وَإِنْ كان جَمِيعُ شَعَرِها مَكْشُوفَةً.
وإِنْ أَعْتَقَهَا مَوْلاها في صَلاتِها، فَتَناوَلَتِ المِقْنَعَةَ مِنْ سَاعَتِهَا، بَنَتْ عَلى صَلاتِها، وإِلَّا لَمْ تَجْز، ذَكَرَه فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْأَصْلِ. «وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ عِتقَها فَصَلَّتْ وهي مَكشُوفَةُ الشَّعَرِ، لَمْ تَجُزْ صَلاتُها»، ذَكَرَه في كتاب الصَّلاةِ للحَسَنِ.
وَفِي نَوادِرِ أَبي يُوسُفَ»: «وَالصَّغِيرَةُ الحَرَّةُ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تُصَلِّي بِقِناع»، ذَكَرَه في «المُجَرَّدِ». فَإِنْ صَلَّتِ المَرْأَةُ وَرُبُعُ بَطْنِها أَو ظَهْرِها أو فَخِذِهَا مَكشُوفَةٌ، أو ثُلُثُ ذلك، لمْ يَجُز في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ النَّصْفِ، هذا رِوايَةُ الجامع الصغير، وقال أبو يُوسُفَ في كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «حَتَّى يَكونَ النِّصْفُ مَكشوفا.
ولو صَلَّى الرَّجُلُ في سَراوِيلَ ليسَ عليهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ بَدَا مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ مقدار ربع ما بَيْنَ السُّرَّةِ والعانة، لمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ، ذَكَرَه فِي نَوادِرِ ابنِ سماعة»، و «نوادِرِ داودِ بنِ رُشَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وقدِ اختَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِي نَظَرِ المُصَلِّي إِلَى فَرْجِ غَيْرِهِ، قال أبو حَنِيفَةَ في نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ»: «النَّظَرُ إِلى فَرْجِ المَرْأَةِ مِنْ شَهْوَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وَتَحْرُمُ أمها وابنتها، وهو قولُ مُحَمَّدٍ». وقال أبو يُوسُفَ في صَلاةِ الآثار لهشام بن عبيد الله: «لا يُوجِبُ فَسادَ الصَّلاةِ، وهو رَجْعَةٌ لو حَصَلَ ذلك في امْرَأَتِهِ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
ورأيتُ في نَوادِرِ مُحَمَّدِ بنِ شُجاع»: «قال أبو حَنِيفَةً وأبو يُوسُفَ: المُصَلِّي إِذا نَظَرَ إِلَى فَرْجٍ مَنْ طَلَّقَهَا طَلاقًا رَجْعِيًّا مِنْ شَهْوَةٍ، يَصِيرُ مراجِعًا وتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، ولو نَظَرَ إلى فَرْجِ نَفْسِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
والرُّكْبَةُ عَوْرَةُ، والسُّرَّةُ ليستْ بِعَوْرَة، ذَكَرَه في كتاب الاسْتِحْسانِ في الأَصْلِ»، إلَّا أنَّه لو صَلَّى وهُما مكشوفانِ والفَخِذُ مُغَطَّى بِمَا يَسْتُرُهُ جازَتْ صَلاتُهُ؛ لأَنَّ مِنَ الرُّكْبَةِ إِلى آخِرِ الفَخِذِ عُضْو واحِدٌ، فالجَمِيعُ عَوْرَةٌ، وَنَفْسُ الرُّكْبَةِ مِنَ الفَخِذِ أَقَلُّ مِنَ الرُّبُعِ.
و قالَ الشَّيْخُ: وقد سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللهِ الجُرْجَانِي فِي حَلْقِ العَانَةِ، مِنْ أينَ يَبْتَدِئ في الشَّرْعِ فقال: يَبْتَدِئ مِنْ تَحتِ السُّرَّةِ.
جنس: قال أبو حَنِيفَة في الجامع الصَّغِيرِ: «أَكْرَهُ عَدَّ الآي في الصلاة، وقال أبو حَنِيفَةَ في نَوادِرِ مُعَلَّى»: «أَكْرَهُ ذلكَ فِي المَكْتُوبَةِ والتطوع؛ لأنَّ العَدَّ ليسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلاةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُتَشَاغَلَ بِغَيْرِ الصَّلاةِ فيها. وقال أبو يُوسُفَ: «لا بَأْسَ بِهِ فِي المَكْتُوبَةِ وَفِي التَّطوع.
وَفِي كِتَابِ الأَصْلِ»: «وَيُكْرَهُ للمُصَلِّي أَنْ يَكُفَّ ثَوبَهُ فِي الصَّلاةِ إِذا سَجَدَ أَو يَرْفَعَها، أو يَرْفَعَ شَعَرَهُ، أَو يَضَعَ يَدَهُ عَلى خَاصِرَتِهِ، أَو يُقَلِّبَ الحصا مِنْ غَيْرِ تَسوِيَتِه لِسُجُودِهِ، أَو يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ أَو بِلِحْيَتِهِ،
أَو يُفَرْقِعَ أَصابِعَهُ، أو يَلْتَفِتَ يَمْنَةٌ أَو يَسْرَةً في غَيْرِ حالِ السَّلام، أو يَتَثَاءَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْلِبَهُ، أو يَتَمَطَّى، أو يُغَطَّيَ فَاهُ.
وَفِي سُنَنِ ابنِ شُجاع»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «أَكْرَهُ تَسْبِيكَ الأَصابع في الصَّلاةِ»». وَفِي كِتابِ الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «إِنْ شَمَّ فِي الصَّلاةِ رِيحًا طَيِّبَةً أَكْرَهُ، ولا تَنْتَقِضُ صَلاتُه، ولو نَزَعَ قَمِيصًا عليه في صَلاتِهِ وعليه إزار، أو لَبِسَ قَمِيصًا أو قباء أو حُلَّةً، يُكْرَهُ ذلك ولا تَبْطُلُ صلاته، وكذلك لو لَبِسَ فَلَنْسُوةً أو نَزَعَها، أو زَيَّرَ قَمِيصًا أو قَبَاءً أو حُلَّةً يُكْرَهُ، ولا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وإِنْ خَلَعَ لِجَامَ دَابَّتِهِ أَو أَمْسَكَ دَابَّتَهُ، يُكْرَهُ ولا يُبْطِلُها، وإِنْ فَتَحَ بابًا أو أَغْلَقَهُ، فَدَفَعَهُ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ بمفتاح غَلَقٍ أو قُفْلٍ، يُكْرَهُ ذلك ولا يُبْطِلُها.
وَفِي نَوادِرٍ أَبي يُوسُفَ رِوايَةَ عَلَيَّ بنِ الجَعْدِ: «لو لَبِسَ سَراوِيلَ أَو أَلْجَمَ دابَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَإِنْ فَتَحَ البابَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ غَلَّقَ الباب فصلاتُه فاسدة.
وإن كان الإمام على دُكَّان وأصحابه على الأَرْضِ، يُكْرَهُ في الروايات كلها، وإن كان الإمام على الأَرْضِ والقَوْمُ على الدُّكَّانِ، ذَكَرَ فِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «إِنَّهُ يُكْرَهُ، وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحاوِي»: «لا يُكْرَهُ.
وفي كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ: يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَبِهِ غَائِطُ أو بَوْلُ، فَإِنْ فَعَلَ يُنْظَرُ: فَإِنْ كان الاهْتِمَامُ يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ قَطَعَهَا، وَإِنْ مَضَى عليها أَجْزَاهُ وقَدْ أَساءَ، وكذلك إِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الافتتاح
وفي الجامع الصَّغِيرِ»: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مُقام الإمام في الطاق، ولا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ سُجوده في الطَّاقِ ومُقامُهُ خارج الطاق، ومعناه: طاق المحراب، وهو ما يَكُونُ في الجوامع.
وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «لو صَلَّى الرَّجُلُ فِي السَّراوِيلَ وَحْدَه يُكْرَهُ له ذلكَ، وَفِيهِ جَفاء ووَحْشَةٌ، وَفِي الثَّوبِ المُتَوشَّحِ بِهِ الأَمْنُ فِيهِ أَقْرَبُ، ومِنَ الجفاء أَبْعَدُ، وَفِي قَمِيصِ ورداء أَخْلاقُ النَّاسِ، وهو أَفْضَلُ.
وَفِي البَرَامِكَةِ»: «أَكْرَهُ أَنْ يُمِيلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ عَنِ القِبْلَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُطَوَّلَ الرَّكْعَةَ مِنَ التَّطَوُّعِ ويُقَصِّرَ الأُخْرَى؛ لِيَكُونا سواء». وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ: «سألتُ أَبا حَنِيفَةَ عن الإمام إذا سَمِعَ خَفْقَ النَّعَالِ مِنْ خَلْفِهِ وهُو رَاكِعُ، قال: لَا يَنْتَظِرُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صلاته
ما ليسَ مِنْها، وأخْشَى أَنْ يَكُونَ انتِظارُهُ القَوْمَ عَظِيمًا؛ لأَنَّه يُشْرِكُ في صَلاتِه غَيْرَ اللَّهِ»، وهو قَولُ أَبِي يُوسُفَ.
وفي كِتابِ الصَّلاةِ إملاء: لو رَوَّحَ نَفْسَه في الصَّلاةِ بِإِزارِهِ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، أو بِرِدائِهِ على ظَهْرِهِ مِنَ الحَرَّ، أَساءَ وصَلاتُهُ تَامَّةً». وَفِي «الهاروني: إن تَرَوَّحَ فِي الصَّلاةِ بِثَوْبِه أو بِمَرْوَحَةٍ مَرَّةً أَو مَرَّتَيْنِ، أَكْرَهُ ولا تَفْسُدُ صلاته. وقال في كِتابِ الصَّلاةِ»: «أَكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلاةِ، وَأَنْ يَبْرُقَ عَلَى أَرْضِ المَسْجِدِ وَحِيطَانِهِ.
قالَ الشَّيْخُ أبو العَبَّاس: ما يَظْهَرُ في المَسْجِدِ يُكْرَهُ أَنْ يَبْزُقَ عليه، وما لا يَظْهَرُ لا يُكْرَهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ أَبي الحَسَنِ»: «لا يَبْزُقُ فَوقَ الحَصا إِلَّا أَنْ يَدْفِنَهُ، فَقَدْ جَوَّزَ البَرْقَ فوق حصاةِ المَسْجِدِ إِذا دَفَنَهُ حَتَّى لا يَظْهَرَ، وَمَنَعَهُ إِذا لَمْ يَدْفِنَّهُ لأَنَّه يَظْهَرُ». قال: ولا يَبْزُقُ فِي أَرْضِ المَسْجِدِ إِذا لَمْ يَكُنْ حَصَى ولا بَوارِي. ظاهر هذا الشَّرْطِ يَقْتَضِي أنْ لا بأسَ أَنْ يَبْزُقَ تَحتَ حَصَى الْمَسْجِدِ والبواري.
وفرق بينهما: أنه إذا كان على ظَاهِرِهِ فَهُو مِمَّا يَسْتَقْذِرُهُ الْإِنْسَانُ، فَيَمْتَنِعُ عنِ الصَّلاةِ فِيهِ، ولا يُوجَدُ هذا المَعْنَى إِذا لَمْ يَظْهَرْ.
وتُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الصَّفّ، ذَكَرَه في «المُجَرَّدِ» و «الأَصْلِ». وأنْ يَرْكَعَ قَبْلَ بُلُوغِهِ الصَّفَّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً فَلا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الصَّفَ وَحْدَهُ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ الطَّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأنْ لا يُقِيمَ صُلْبَهُ فِيهِما، وتُكْرَهُ القِراءَةُ في: الرُّكُوعِ، وَبَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَفِي السُّجُودِ، وَفِي القَعْدَةِ، ويُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الفَمِ والأَنْفِ في الصَّلاةِ.
وَفِي صَلَاةِ الْأَثَر: «قَالَ مُحَمَّدُ: «قَتْلُ القَمْلَةِ فِي الصَّلاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دفنها، وكُلُّ لا بَأْسَ بِهِ، وقال أبو حَنِيفَةَ في «المُجَرَّدِ: «لا تُقْتَلُ القَمْلَةُ فِي الصَّلاةِ، ويَدْفِنُها تَحتَ الحصاة».
وفي كتاب الآثار: «قال أبو حَنِيفَةَ: «لا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الصَّفَّ وَفِيهِ خَلَلٌ حَتَّى يَسْتَوِيَ، ولا يَنْبَغِي إِذا تَكامَلَ الصَّفُ الأَوَّلُ أَنْ يُرَاحِمَ عليه؛ فَإِنَّه يُؤذِي، والقِيامُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي خَيْرٌ مِنَ الْأَذَى
وأما المُرورُ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي فَإِنَّه يُكْرَه، قَالَ الشَّيْخُ أبو العباس: معناه: دُونَ قَامَةِ الإِنْسانِ، فأما القامَةُ أَوْ أكْثَرُ إذا كان المُصَلِّي فَوقَ دَكَّةٍ أو سَطْح فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُرُورًا بَينَ يَدَيْهِ.
ذكر في كِتابِ الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «إذا كان يُصَلِّي على سطح، وهو لا قَدْرَ قامَةٍ أو أَكْثَرَ، فَلَمْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ». ومعناه: لا بأس بالمرور، وإن كان السَّطْحُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قامَةٍ فَقَدْ مَرَّ بَينَ يَدَيْهِ، وذلك مكروه.
وَفِي صَلَاةِ الْأَثَرِ»: «إِنْ مَرَّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي وَأَبَى الامْتِنَاعَ مِنْ مُرُورِهِ فَلْيَدَعُهُ ولا يُقَاتِلُهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ قِتَالِهِ إِيَّاهُ فِي صَلَاتِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ مُرُورِهِ بَينَ يَدَيْهِ».
وَفِي كِتَابِ صَلاةَ الأَصْلِ»: «وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي شَيئًا مَنصُوبًا قَدْرَ ذِراع، والخط لَيْسَ بِشَيْءٍ». وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ»: «قال أبو حنيفة: «ليست السُّتْرَة إِلَّا ما نُصِبَ، ولا نَرَى الخَطَّ شَيئًا»». وقال أبو يُوسُفَ: إِذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ما يَنْصِبُهُ خَطَّ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ كذلك وكان مَعَهُ ما يَنْصِبُهُ لَمْ يَخُطّ شَيئًا، هذا كله في الصحراء». وقَدْ ذَكَرَ في كِتاب الصَّلاةِ للحَسَنِ: قال أبو حَنِيفَةَ: «إِنْ خَطَّ قُدَّامَهُ خَطًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهُو قَولُ زُفَرَ وأبي يُوسُفَ.
فأما في المَسْجِدِ فَلا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَنْصِبْ شَيئًا بَينَ يَدَيْهِ، قال في البرامكة»: «قال أبو حَنِيفَةَ: إِذا صَلَّى فِي مَسْجِدٍ وَبَيْنَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ عَرْضُ صِفَةِ المَسْجِدِ أَجْزَاه، وليس هو كالصحراء»».
وفي صلاةِ الأَثَرِ» لهشام: فإِنْ صَلَّى في الصَّحْرَاءِ بِالجَمَاعَةِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ قُدَّامَهُ عُودًا، فَسَبَقُه الحَدَثُ، وجاوَزَ العُودَ قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَ أَحَدًا مِنَ القَوْمِ، لا تَفْسُدُ صَلاتُهم حَتَّى يُجاوِزَ قَدْرَ مَا خَلْفَهُ مِنَ الصُّفوف، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ، قلتُ لمُحَمَّدٍ: فَإِنَّ أبا يُوسُفَ قال: حتَّى يُجاوِزَ العُودَ، فَحِينَئِذٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مُحَمَّدُ هذا القَوْلَ، وقال أبو يُوسُفَ: «إن كان السَّوْطُ مَطْرُوحًا لا يَكُونُ سُتْرَةً حَتَّى يُجاوِزَ قَدْرَ صُفُوفِ أَصْحَابِهِ، وَإِنْ كانتْ عَشْرَ صُفُوفٍ».
وَفِي كِتَابِ صَلَاةِ الأَصْلِ»: «إِنْ صَلَّى عَلَى بِسَاطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ، أَكْرَهُ ذلك". وقال أبو حَنِيفَةَ في «الجامع الصَّغِيرِ»: «لَا يُكْرَهُ إِنْ صَلَّى عَلَى بِساط فِيهِ تَصَاوِيرُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ على التصاوير. فَتُحْمَلُ رِوايَةُ «الجامع الصَّغِيرِ إِذا سَجَدَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِ التصاوير، ورواية «الكتاب» على مَوْضِعِ التصاوير.
وإِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ يُكْرَهُ ذلك، وإن كان على باب البَيْتِ في مُؤَخِّرَةِ القِبْلَةِ فَهُو أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي القِبْلَة، وكذلك في البساطِ أَهْوَنُ»، هذا لفظ كِتابِ صَلاة الأصل. وفي الجامع الصغير»: قال أبو حَنِيفَةَ: «تُكْرَهُ التَّصاوِيرُ في الثَّوبِ، وأنْ يَكُونَ فَوقَ رَأْسِهِ في السَّقْف بحذائِهِ أو بَيْنَ يَدَيْهِ، أو صُورَةً مُعَلَّقَةً، ولو كانتْ مَقْطُوعَةً رُؤُوسُها لا يَضُرُّهُ.
وفِي كِتابِ الصَّلاةِ»: «لا بأسَ بِقَتْلِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ فِي الصَّلاةِ. وَفِي كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ: قال أبو حَنِيفَةَ: أَكْرَهُ ذلكَ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ تُؤْذِيَهُ فلا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ.
وقال في «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ السَّدْلُ فِي الصَّلاةِ». وصِفَتُهُ: أنْ يَجْعَلَ الثّوبَ على عاتِقِهِ، وَيُرْسِلُ جانِبَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَإِنِ اتَّزَرَ بِهِ أَوِ اشْتَمَلَ بِهِ، لا يَكُونُ حِينَئِذٍ سَدْلًا. وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «يُكْرَهُ ذلك؛ لأنَّه صُنْعُ أَهْلِ الكِتاب».
قال في «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «أَكْرَهُ لُبْسَ الصَّمَّاءِ». وصِفَتُه: أَنْ يَجْعَل الثَّوبَ تَحتَ إِبْطِهِ الأَيْمَنِ، ويَطْرَحَ جانبه على عاتقه الأَيْسَرِ، فذلك لِبْسَةُ الصَّمَّاءِ.
وقال هشام في نَوادِرِهِ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن الاضطباع، فأراني لِبْسَةَ الصَّمَّاء، فقلت: هذه الصَّمَّاءُ؟! فقال مُحَمَّدٌ: إنما تَكُونُ الصَّمَّاءَ إِذا لم يَكُنْ عَليكَ إِزارُ». وقال مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ»: «الْمُعْتَجِرُ: المُنتَقِبُ بِعِمَامَتِهِ وَقَدْ غَطَّى أَنْفَهُ». وكان شيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجَانِيُّ يَقُولُ: المُعْتَجِرُ: هُوَ الَّذِي قَدْ سَتَرَ حَوالَيْ رَأْسِهِ بِمِنْدِيلٍ، وَيَتْرُكُ وَسَطَ رَأْسِهِ مكشوفًا، والمُحْتَجِرُ: هُوَ الَّذِي قَدْ شَدَّ وَسَطَهُ بِعِمَامَتِهِ، وَهُوَ يُكْرَهُ فِي الصلاة.
وذكر الطَّحاوِيُّ: أنَّ الإقعاء هو: قُعوده بالأَرْضِ على أَلْيَتَيْهِ، ونَصْبُ فَخِذَيْهِ، كما تَفْعَلُ السِّباعُ. وكان شيخنا أبو عَبْدِ الله الجرجاني يَقُولُ: «الإقعاءُ عِندَ الفُقَهَاءِ: هُو أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَقْعُدَ على أَطْرافِ أَصابع رِجْلَيْهِ».
والتَّدْبِيحُ صِفَتُهُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الرُّكوعِ يَخْفِضُ رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ أَخْفَضَ مِنْ أَلْيَتَيْهِ، ويُكْرَهُ ذلك، ويُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّي عَاقِصًا شَعَرَهُ، وَصِفَتُهُ: أَنْ يَجْمَعَ شَعَرَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ وَيَشُدَّهُ.
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «صَبِيٌّ مَصَّ شَدْيَ امْرَأَةٍ تُصلِّي، إِنْ خَرَجَ اللَّبْنُ فصلاتها فاسِدَةٌ، وإنْ لم يَخرُجْ فَصَلاتها تامَّةٌ». ولو كَتَبَ في الصَّلاةِ قال مُحَمَّدُ: لو كَتَبَ على شَيْءٍ يَرَى فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةً، وإِنْ كَتَبَ على شيءٍ لا يُرَى فصلاته تامة».
وفي كِتابِ الصَّلاةِ» إملاء: «إِنْ قَبَّلَتْهُ امْرَأَتُهُ عَلَى فِيهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا هُو فصلاته فاسدة، وإن كان في فَمِهِ هَلِيلَجَة فلاكها انْتَقَضَتْ صَلاتُه، وإنْ مَصَّ شيئًا فصلاتُه فاسِدَةً، وإِنِ ابْتَلَعَ ما بين الأسنان، أو فَضَلَ طَعام أو شراب قد شَرِبَهُ أو أَكَلَهُ قَبْلَ الصَّلاةِ، فصَلاتُهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ قَبَّلَ لِشَهْوَةِ أو الِغَيْرِ شَهْوَةٍ انتَقَضَتْ صَلَاتُهُ».
جنس: قال: ذَكَرَ فِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «لو قال: «يا مُوسَى بِنَ مَرْيَمَ فِي صَلَاتِهِ وهو يُرِيدُ: {يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} المائدة: 110، جازت صلاته، ولو قال: يا عِيسَى بْنَ مُوسَى، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ».
وفرق بينهما: أَنَّ اسْمَ مُوسَى ومَرْيَمَ كُلَّ واحِدٍ منهما قد وُجِدَ فِي القُرْآنِ، وكانتْ لَمُوسَى أُمَّ، فإذا قال: «يَا مُوسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يُخِلَّ بِالمَعْنَى، وَإِنْ كَان غلط في الاسم، واسْمُها في القُرْآنِ، لذلك جازت صلاته، ولا كذلك قوله: «يا عِيسَى بْنَ مُوسَى؛ لأنَّه غَيَّرَ مَعْناهُ؛ ألا تَرَى أَنَّه لم يَكُنْ لِعِيسَى أَبُ؟ فلذلكَ فَسَدَتْ صَلاتُهُ.
وكذلك لو قال: العَفْصِ، وهو يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: {الْعَصْفِ} الرحمن: 12 بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وذَكَرَ في نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ: «لو قال: «يا عِيسَى بْنَ مُوسَى أَأَنتَ قُلتَ للنَّاسِ»، وأراد به التلاوَةَ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لأنَّه غَلِطَ بِشَيْءٍ من القُرْآنِ مِثْلَ الَّذِي غَلِطَ به، وبِمِثْلِهِ لو قال: «كَعَفْصٍ مَأُكُولٍ، تَفْسُدُ صَلاتُهُ، فَإِنَّه لا يُوجد في القُرْآنِ مِثْلُ الَّذِي غَلِطَ بِهِ؛ بِدَليل أَنَّ لَفْظَ عَفْصٍ ليس في القُرْآنِ، ولفظ مُوسَى» و «عِيسَى» في القُرْآنِ، فقدِ اعْتَبَرَ على قول أبي يُوسُفَ نَفْسَ اللَّفْظِ دُونَ المَعْنَى، وعلى قَولِ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ اللفظ والمَعْنَى فِي القُرْآنِ جَمِيعًا.
وقال الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: سُئِلَ أبو يُوسُفَ عَمَّنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وكبير في سَقَرَ»، قال: «لا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، ذَكَرَه في «الكَيْسَانِيَّاتِ». وسُئِلَ أبو سليمان الجوزجانِي عَمَّنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ: وَالنَّازِعَاتِ نَزْعًا»، قال: «لا تَفْسُدُ صَلَاتُه»، وسُئِلَ الحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَمَّنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ: «إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ والكلب والفيل والخيل»، قال: «لم تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إِذا غَلِطَ وأَراد يَقُولُ: {إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ} القمر: 27؛ لأنَّ ذلك في القُرْآنِ».
ولو أراد أنْ يَقُولَ: {يا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} مريم: 12، فقال: «يا حماد خُذِ الكِتابَ»، فَسَدَتْ صَلاتُهُ؛ لأنَّه ليس في القُرْآنِ حَمَّادُ»»، ذَكَرَه أَبو بَكْرٍ الغزالِيُّ الرَّازِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ» من «مَجْمُوعِهِ». وَفِي «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إِنْ هُوَ أَخْطَأُ فِي القُرْآنِ فَزادَ في صَلاتِهِ فِي القُرْآنِ ما ليسَ فِيهِ مِمَّا يُشْبِهُ القُرْآنَ أَوْ نَقَصَ، لم تَفْسُدُ عليهِ صَلَاتُهُ».
وَفِي نَوادِرِ مُحَمَّدِ بنِ مُقاتِل: «لو أنَّ رَجُلًا صَلَّى فَقَرَأَ وأَخْطَأَ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ، فَقَرَأَ: «المُرْسَلِينَ» مكان {مُرْسِلِينَ} القصص: 65، الدخان: 5، أو: «مُنْذِرِينَ» مكان {الْمُنذَرِينَ} 73 يونس:، أَوْ غَيَّرَ آيَةَ رَحْمَةٍ بآية عذابٍ، أو آيةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك، غَلَطًا أَو خَطَأً، لم تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ ذَكَرَ ذلك في صَلَاتِهِ فَلْيَعُدْ إِلى ذلكَ المَوْضِعِ وَلْيَقْرَأُ عَلَى الصَّحَّةِ، وكذلك لو كان في قِراءَةِ آية فيها ذِكْرُ الجَنَّةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وَصْفِها أَراد أَنْ يَقُولُ: {أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 82، ظَنَّ أنه في ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ، فقال: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 39، فَإِنَّه لا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَفِي نَوادِرِ
مُحَمَّدِ بنِ شُجَاعِ الثَّلْجِيَّ»: لو أنَّ رَجُلًا قَرَأَ فِي صَلاتِه وهُو أَلْتَعُ، فأرادَ أَنْ يَقُولَ: {رَبِّ} الفاتحة:2 فقال: «لب»، أَوْ شِبْهِ ذلك، فَإِنَّه يُجْزِئُه».
جنس: قال: كُلُّ حَدَثٍ مُوجِبُ الغُسْلَ مَنَعَ البِناء على الصَّلاةِ، وما كان مُوجِبُه الوضوء، فهو على وَجْهَيْنِ: إِنْ كانَ سَبَبُهُ حَصَلَ بِفِعْلِ اللهِ تعالى لا يَمْنَعُ البناء كَدَمِ الاسْتِحاضَةِ، وإنْ كان سَبَبُهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْآدَمِيَّ مَنَعَ البِناء كالحدث العَمْدِ.
قال في كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «إذا رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ أَو خَرَجَ القَيْءُ مِلْءَ الفم، أو سَبَقَهُ الحَدَثُ، تَوَضَّأَ وبَنَى على صَلاتِهِ، ولوِ احْتَلَمَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صلاته، ولو أصابَهُ البُنْدُقَةُ فَشَجَّهُ وَسالَ الدَّمُ، استأنفَ الصَّلاةَ بَعدَ الوضوء في قول أبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: «بَنَى عَلى صَلاتِهِ.
وَفِي صَلَاةِ الأَثَرِ» لهشام بن عُبَيدِ اللهِ: «قال أبو حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ تُصِيبُهُ بُنْدُقَةً أَو حَجَرٌ فِي صَلاتِهِ فَشَجَّهُ، فَغَسَلَ ذلكَ، أَنَّه يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ. وَفِي اخْتِلافِ زُفَرَ»: «إِنْ خَشِي أَنْ يَبْدُرَهُ فِي الصَّلَاةِ رُعَافُ أَو بَوْلُ أَو قَيْءُ، فَانْفَتَلَ فقاءَ أَو رَعَفَ أو بالَ وتَوَضَّأَ، أَنَّه يَسْتَقْبِلُ الصَّلاةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ القَيْءُ قد ظَهَرَ أو الرُّعافُ أو البَوْلُ قَبلَ انْفِتَالِهِ ثُمَّ انْفَتَلَ، تَوضَّأَ وَبَنَى فِي قَوْلِ أبي حَنِيفَةً وزُفَرَ، وقال أبو يُوسُفَ: تَوضَّأَ وَبَنَى فِي جَمِيعِهِ.
وَفِي كِتابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ: إِنْ رَعَفَ فِي صَلاتِهِ فَسَالَ الرُّعافُ على فَخِذِهِ أو ثَوْبِهِ، انْفَتَلَ وغَسَلَ ذلكَ المَوْضِعَ، وَتَوَضَّأُ وَبَنَى، وَإِنْ لم يَنْقَطِعِ الرُّعافُ مَكَثَ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ تَوَضَّأُ وَبَنَى.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِنْ أَلْقَى إِنْسَانُ البَوْلَ عَلَى ثَوْبِ المُصَلِّي، إِنْ غَسَلَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّما يَبْنِي إِذا كان البَوْلُ فِي ثَوْبِهِ مِنْ حَدَثِهِ الَّذِي يَسْبِقُهُ.
وفِي إِمْلاء مُحَمَّدِ بنِ سَماعَةَ رِوايَةً أبي عَليَّ قَاضِي قَزْوِينَ: «لو أصابَ ثَوْبَ المُصَلِّي دَمُ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ حَدَثِهِ، وعليه غَيْرُهُ مِنَ الشَّيَابِ، أَجْزَأَهُ فِي قَولِ أبي حَنِيفَةً وأبي يُوسُفَ أنْ يُلْقِيَهُ ويُصَلِّي فيما عليه، وإنْ لم يَكُنْ عليه غَيْرُهُ غَسَلَهُ، ويَبْنِي في قول أبي يُوسُفَ، ويَسْتَقْبِلَها في قياس قول أبي حَنِيفَة، ولو غَسَلَهُ وعليه غَيْرُهُ مِنَ الأُزْرِ، اسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ في قولهم جميعا؛ لأنه لو ألقاه جازت صَلَاتُهُ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ» قال: «إنْ كان حِينَ سَبَقَهُ الحَدَثُ فِي صَلَاتِهِ ذَهَبَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنْجَى، أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنِ اسْتَنْجَى تَحتَ الشَّيَابِ وَلَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ أَبْدَى عَورَتَهُ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ.
وفي كتاب «الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ: «لو سَبَقَهُ الحَدَثُ فَذَهَبَ ليَتَوَضَّأُ فَاسْتَقَى الماءَ مِنَ البِئْرِ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جُبِّ لم تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنَ الاعْتِرافِ مِنْ حيثُ إِنَّه لا يَتَوَصَّلُ إلى الماء إلَّا به.
وفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «إن قام على كَسْرِ قَارُورَةٍ، أَو سَجَدَ فأصابت أنفه الأَرْضَ، أو عَبَثَ بِدُمَّلٍ أو جراح أو أَنْفِهِ حَتَّى يَسِيلَ مِنه الدَّمُ، أو لَدَغَتْهُ عَقْرَبُ، اسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ في قولهما، وقال أبو يُوسُفَ: «يَبْنِي»». وإنْ جُنَّ فِي صَلاتِهِ، أو أُغْنِيَ عليه، مُنِعَ البِناءُ؛ لأَنَّهُ حَصَلَ أَداءُ جُزْءٍ منها بِقِيامِهِ في موضع الحدث، فالمُوجِبُ لإبطالها هذا المَعْنَى.
جنس: قال: مِنْ أَصْلِ أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ أَنَّ تَحْرِيمَةَ الصَّلاةِ إِذا انعقدت، لا يَخْرُجُ بِأَمْرٍ مُختَلَفٍ فيه منها، وإنْ فَسَدَتْ التَّحْرِيمَةُ به. وقال مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ منها بِفَسَادِ التَّحْرِيمَةِ.
ولا خلاف بينهم أنَّه يَخْرُجُ منها إذا فَسَدَتِ التَّحْرِيمَةُ بِأَمْرٍ أَجْمَعُوا عَلَى فسادِها، إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ خالف أبا حَنِيفَةَ في فَصْلٍ منها، وهو أَنَّ التَّحْرِيمَةَ إِذَا فَسَدَتْ بِأَمْرٍ مُختَلَفٍ في إفسادِ التَّحْرِيمَةِ بِهِ، هَلْ يُمْنَعُ بِناءُ صَلَاةٍ أُخْرَى على هذه التَّحْرِيمَةِ؟ فَعِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُمْنَعُ البِناءُ، وَعِندَ أبي يُوسُفَ: لا يُمْنَعُ البناء.
فالحاصل مِنْ هذه الجُملَةِ أَنَّ عِندَ أبي حَنِيفَةَ: لَا يَخْرُجُ منها، إِلَّا أَنَّه يُمْنَعُ صِحَّةَ بِناءِ صَلَاةٍ أُخْرَى عليها، وَعِندَ أبي يُوسُفَ: لا يَخْرُجُ منها، ولا يُمْنَعُ بِنَاءَ صَلَاةٍ أُخْرَى على هذه التَّحْرِيمَةِ، وَعِندَ مُحَمَّدٍ: يَخْرُجُ منها، ويُمْنَعُ بناءَ صَلَاةٍ أُخْرَى عليها.
مَسائِلُ:
قال في كتاب «الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لو كان الإمامُ يُصَلِّي الظهْرَ، فَدَخَلَ معه رَجُلٌ يَنْوِي العَصْرَ، فَضَحِكَ المَأْمُومُ قَهْقَهَةً، عليه الوضوء، وكذلك إذا صَلَّى رَكْعَةً نَافِلَةً بِغَيْرِ قِراءَة، وهُو مِمَّنْ يَقْرَأُ، ثُمَّ ضَحِكَ قَهْقَهَةً، عليه الوضوء، وكذلك لو صَلَّى على تَحَرَّ فَأَخْطَأُ القِبْلَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَنْحَرِفْ إليها حتَّى قَهْقَهَ، عليه الوضوء. ولو صَلَّى رَكْعَةً بَعدَما عَلِمَ ثُمَّ قَهْقَهَ، لا وُضوءَ عليه.
وَفِي الْأُمِّيِّ إِذا صَلَّى رَكْعَةً مَكْتُوبَةً بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، ثُمَّ عُلَّمَ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ، عليه الوضوءُ إِذا قَهْقَهَ فيها لِصَلاةٍ أُخْرَى، وَلَوِ افْتَتَحَ التَّطَوُّع في نصف النَّهارِ، أَوْ عِندَ غُروبِ الشَّمْسِ، أو عِندَ طُلوعِها ثُمَّ قَهْقَه، عليه الوضوء»، هذا كله لَفْظُ كتابه.
ولو كان في صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ عِندَ طُلوعِ الشَّمْسِ، أو عِندَ الزَّوالِ، ثُمَّ ضحك فيها، عليه الوضوء في قول أبي حَنِيفَةً وأبي يُوسُفَ، ذَكَرَه في اخْتِلافِ زُفَرَ». وقال مُحَمَّدُ في نَوادِرِ ابنِ سَماعَةَ»: «لا وضوء عليه».
وَفِي العَمْرَوِيَّاتِ» إملاء مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ رِوايَةَ عَمرو بن أبي عَمْرٍو: مُقِيمُ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وهُو مِمَّنْ يَقْرَأُ، ثُمَّ قَهْقَه، عليه الوضوء في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وقال محمد: «لا وضوء عليه، وإن ضَحِكَ فِي عَصْرِ يَومِهِ عِندَ غُروبِ الشَّمْسِ، عليه الوضوء في قولهم جميعًا».
وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ بينَ التَّارِيخَيْنِ فِي ثَلاثِ مَسائِلَ:
- قال في كِتابِ الصَّلاةِ رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ في تاريخ سَنَةِ تِسْعِ وسِتِّينَ ومِئَةٍ: لوِ افْتَتَحَ الصَّلاةَ وهُو عُرْيانُ لا يَجِدُ الثَّوْبَ، ثُمَّ وَجَدَ الثَّوبَ فِي الصَّلاةِ وقهقهة فيها، عليه الوضوء، وكذلك الرَّجُلُ إِذا نَوَى أَنْ يَؤُمَّ امْرَأَةً، فقامت إلى جَنْبِهِ، فَضَحِكا قَهْقَهَةً فيها، عليهما الوضوء، وكذلك لو صَلَّتْ أَمَةً بِغَيْرِ قِناع، ثُمَّ أُعْتِقَتْ في صَلاتِها وهي تَعْلَمُ بالعِتْقِ فَقَهْقَهَتْ، عليها الوضوء».
- وقال في سَنَةِ تِسْعِ وسَبْعِينَ ومِئَةٍ: «لا وُضوء في هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلَاثَةِ»، ذكره في هذا الكتاب، كتاب «الصَّلاةِ» إملاء، وذَكَرَ وَجْهَهُ فِيهِ: بِأَنَّ كُلَّ مَعْنَى إذا وُجِدَ في الصَّلاةِ بَعدَ رَكْعَةٍ لا يُؤْمَرُ بِضَمِّ رَكْعَةٍ أُخْرَى إِليها وأَنْ يَنْصَرِفَ على شفع، القَهْقَهَةُ فيها لا تُوجِبُ الوضوء، وفي هذه المسائل الثلاثَةِ لا يُؤْمَرُ بالانصراف على شَفْع، وما تَقَدَّم مِنَ المَسائِل على هذه الثَّلاثَةِ يُؤْمَرُ بِشَفْع، كذلك القَهْقَهَةُ فيها تُوجِبُ الوضوء.
وعلى هذا المَعْنَى قال في كِتابِ الصَّلاةِ إِمْلاء في تاريخ سَنَةِ تَسْعِ وستينَ ومِئَةٍ: «لوِ افْتَتَحَ صَلاةً مَكْتُوبَةٌ، وعليه مَكْتُوبَةُ يَومِها وهُو ذاكر، أو طَلَعَتِ الشَّمْسُ وهو في صَلاةِ الغَداة، أو في صَلاةِ الجُمُعَة دَخَلَ عليه وَقْتُ العصر، أو كان مُقامُهُ طَاهِرًا ومَوْضِعُ سُجُودِهِ عليه دَمُ كَثِيرُ، وَالصَّحِيحُ افْتَتَحَ الصَّلاةَ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرِ الفَرِيضَةِ أَو مُضْطَجِعًا، أَوِ المُتَوَضَّى خَلْفَ المُتَيَمَّمُ، فَرَأَى المُتَيَمَّمُ الماء، أو مُصَلِّي العَصْرَ خلفَ مَنْ يُصَلِّي العَصْرَ والمَأْمُومُ يَعْلَمُ أَنَّ الإمامَ لم يُصَلُّ الظُّهْرَ، ثُمَّ وُجِدَ منهم القَهْقَهَةُ، مِنَ الإمام أو المأموم، عليه الوضوء».
وَوَجَهُ رِوايَةِ تاريخ سَنَةِ تِسْع وثمانِينَ ومِئَةٍ في جميع هذه المسائل وبناء هذه المسائل على ما بَيَّنَاهُ.
وإذا صَحَ الدخول في الصَّلاةِ لا يَخْرُجُ منها بِسَبَبٍ مُخْتَلِف في تأثيره فيها.
يَدُلُّك عليه: أَنَّ تَحْرِيمَةَ الصَّلاةِ عَقْدُ، فَإِذَا حَصَلَ الفَسَادُ بِأَمْرٍ مُخْتَلِفٍ فيه لم يَمْنَعْ ذلك ثُبوت انعِقادِهِ، أَصْلُه: إذا بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ العِتْقِ لَا يَمْنَعُ وقوع العَقْدِ، ألا تَرَى أنَّه لو رَفَعَ ذلك إلى حاكم فأجازَهُ جَازَ العَقْدُ؟ فَدَلَّ أَنَّ العَقْدَ واقع.
ولهذا قلنا: المُتَيَمَّمُ إِذا شَرَعَ في الصَّلاةِ، ثُمَّ وَجَدَ سُؤرَ الحِمارِ، لم يَخْرُجْ مِنَ الصَّلاةِ، والتَّحْرِيمَةُ باقِيَةً؛ لأنَّه مُخْتَلَفُ فِي اسْتِعْمَالِ سُؤرِ الحِمارِ: عِندَ الشافعي طاهر، وعندنا مشكوك فيه، وكذلك إذا وَجَدَ نَبِيذَ التَّمْرِ فِي الصَّلاةِ.
ولا يَلْزَمُ كلامَ النَّاسِي؛ لأنَّه مُجْمَعُ على أنَّ كلامَ الْآدَمِيِّينَ مِمَّا يُؤثّرُ فِي إفسادِ الصَّلاةِ كَكلامِ العَمْدِ، وإِنَّما اخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ، وقد ذكر في الجامع الصَّغِيرِ مَسْأَلَةٌ، هِي مَبْنِيَّةٌ على هذا الأَصْلِ: «مَنْ صَلَّى أَربَعَ رَكَعَاتٍ تَطَوُّعًا، لَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شيئًا، فَإِنَّه يُعِيدُ رَكْعَتين في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: يُعِيدُ أَرْبَعًا.
أما أبو حَنِيفَةَ فَلأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ: أَنَّ القِراءَةَ وَاجِبَةٌ في صَلاةِ النَّفْل في جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ، فَتَرْكُهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّحْرِيمَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الخروج منها بما هو مُخْتَلَفُ فيه، والقِراءَةُ في الصَّلاةِ مُخْتَلَفُ في وُجوبها، قال ابنُ عباس والأصم وابنُ عُلَيَّةَ: «لا تَجِبُ القِراءَةُ في الصَّلاةِ»، وسائِرُ الصَّحابَةِ أَوْجَبُوا فيها القراءة، وهو قَولُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ.
وإن لم تُوْجِبِ الخروج منها يُمْنَعُ البناء على هذه التَّحْرِيمَةِ، وَتَحْرِيمَةُ النَّفْلِ تُوجِبُ رَكْعَتَينِ.
يَدُلُّكَ عليه: لو نَوَى أربعًا ثُمَّ قَطَعَ عَقِيبَ تَشَهُدِهِ فِي الرَّكْعَتَينِ، لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ رَكْعَتَينِ أُخْرَيَيْنِ، فإذا قام إلى الثَّالِثَةِ فَهِي صَلاةٌ أُخْرَى، يُرِيدُ: بناءها على الأُولَى، فَلَمْ يَصِحَ؛ لذلك قال: «لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ، ويَلزَمُهُ قَضاءُ رَكْعَتَينِ؛ لأنَّه بِتَرْكِ القِراءَةِ فِيها أَوْجَبَ فَسَادَ التَّحْرِيمَةِ».
وأَمَّا مُحَمَّدٌ فَبَناها على أَصْلِهِ: أَنَّ فَسَادَ التَّحْرِيمَةِ أَوْجَبَ الخُرُوجَ، فَقِيامُهُ إلى الثَّالِثَةِ يَحْصُلُ خارِجَ التَّحْرِيمَةِ بلا تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، فَلا يَلْزَمُه شَيْءٌ، فَحَصَلَ مَنْعُ البِناء عندهما مِنْ أَصْلَينِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وأَمَّا أَبو يُوسُفَ أَصْلُهُ: أَنَّه لا يُمْنَعُ البِناءَ، فَلَزِمَهُ أَرْبَعًا؛ ولهذا مُحَمَّدُ قال: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا، فَتَرَكَ القِراءَةَ فيهما وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ، ثُمَّ قهقه، ليس عليه الوضوء لصلاةٍ أُخْرَى، وَعِندَ أَبِي حَنِيفَةً وأبي يُوسُفَ: عليه الوضوء.
وعلى هذا الأَصْلِ: مُسافِرٌ تَرَكَ القِراءَةَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ نَوَى الإِقَامَةَ، قال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ: «يُتِمُّها أربعًا؛ لأنَّ تَحْرِيمَتَها باقِيَةً»، وقال مُحَمَّدُ: لا يَلْزَمُهُ إِتمَامُها لأنَّه قد خَرَجَ منها؛ لِفَسادِ التَّحْرِيمَةِ».
وإِنْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَينِ، قال أبو حَنِيفَةَ في الجامع الصَّغِيرِ»: «يَلْزَمُهُ أَرْبَعًا، قال بِشْر: «قلتُ لأبي يُوسُفَ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عنكَ أَنَّكَ رَوَيتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُه أَرْبَعًا، فَأَنْكَرَ أَبو يُوسُفَ، وقال: غلط هذا الغُلامُ عَلَيَّ في هذه الروايةِ، يَلْزَمُه قَضاءُ رَكْعَتَينِ عِندَ أبي حَنِيفَة.
وهو قَولُ مُحَمَّدٍ، وهُو الأَصَحُ مِنْ رِوايَةِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ»؛ لأنَّ تَحْرِيمَةَ النَّفْلِ تُوجِبُ رَكْعَتَينِ، والقِراءَةُ واجِبَةٌ فيهما جميعًا، فإذا تَرَكَ القراءة في إحداهما فَسَدَتِ التَّحْرِيمَةُ، فلا يَصِحُ بِناءُ صَلَاةٍ أُخْرَى عليها، وهي الثَّالِثَةُ والرَّابِعَةُ، على أَصْلِهِ: أَنَّ التَّحْرِيمَةَ إذا فَسَدَتْ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ مُنِعَ بناء غَيْرِها عليها.
ولا يُشْبِهُ إِذا تَرَكَ سَجْدَةً مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَتَى بِسَجْدَةٍ أَنَّهُ يَصِحُ بِناءُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ عليها؛ لأنَّ تَرْتِيبَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى السَّجْدَةِ الأُولَى غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ لذلك لا يُمْنَعُ البِناءُ، ولا كذلكَ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لأنَّ القِراءَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلاةِ النَّفْلِ؛ لذلك مُنِعَ بِناءُ غَيْرِها عليهما.
وَجْهُ رِوايَةِ الجامعِ الصَّغِيرِ أنَّ القِراءَةَ تَتَكَرَّرُ في الصَّلاةِ کتَكْرارِ السَّجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فإن كان تَرْكُ إِحْدَى السَّجْدَتَينِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى لا يَمْنَعُ البناء، كذلك في القِراءَةِ، ومُحَمَّدُ بَنَى عَلى أَصْلِهِ، وهو: أنَّه إِذا أَفْسَدَ التَّحْرِيمَةَ خَرَجَ منها، فَمُنِعَ البناء، وأبو يُوسُفَ بَنَى على أَصْلِهِ: أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ البِناء.
ولو أنَّه قَرَأَ فِي الأُولَتَيْنِ، وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ وَلَمْ يَقْرَأُ فِي الأَخِيرَتَيْنِ، عليه قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لأَنَّهُ لَمَّا فَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ صلاتِهِ، فإذا قام إلى الثَّالِثَةِ فَقَدْ تَرَكَ الخروج مِنَ الصَّلاةِ، وهذا ليس بواجب، فلا يُوجِبُ فَسَادَ التَّحْرِيمَةِ، فإذا قامَ إِلَى الثَّالِثَةِ فَهِي صَلاةُ أُخْرَى مُبْتَدَأَةً يَبْنِيها على حُكْمِ تَحْرِيمَةِ الأُولَى، وَإِنْ لم تُوجِبْ تَحْرِيمَةُ الأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ والرَّابِعَةَ كَسَجْدَتَي السَّهْوِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً بِالتَّحْرِيمَةِ.
وإن كان بناها على حُكْمِ التَّحْرِيمَةِ، فَإِنْ كان لم يَقْرَأُ فِي الأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ في الْأُخْرَيَيْنِ، عليه قَضاءُ الأُولَيَيْن؛ لأَنَّهُ أَفْسَدَ التَّحْرِيمَةَ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ في الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَيْنِ، فَمُنِعَ مِنَ البِناءِ، وعلى أَصْلِ أبي يُوسُفَ لَا يُمْنَعُ البناء، فَصَحَ دُخولُهُ فِي الثَّالِثَةِ.
ولو أنَّ قائلا قال: هلا كان ما قَرَأَ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً للأُولَيَيْنِ أُجِيبَ عنه: أَنَّهُ اسْتَحَقَّ عليه قضاءُ القِراءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ عَلى وَجْهِ مَنْهِي، والقِراءَةُ في الأُخْرَبَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَنْهِي؛ لأنَّه يَقْرَؤُهَا فِي
تَحْرِيمَةٍ قد فَسَدَتْ، فَصَارَ كَمَنْ عَليهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فَقَضاها عند طلوعِ الشَّمْسِ، أو صَوْمٌ فَقَضَاهُ يَومَ النَّحْرِ، لَمْ يَجُزْ.
جنس: قال: الضَّحِكُ بِصِفَةِ القَهْقَهَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ خَارِجَ العبادة بحال، وداخِلَ الصَّلاةِ على ضَرْبَيْنِ:
- فما كان لها ذِكْرُ واحِدٌ كَصَلاةِ الجَنازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ فَإِنَّه يُبْطِلُها، ولا يُبْطِلُ الطهارة.
- وما كانَتْ ذاتَ أَرْكَانٍ كَصلاةٍ فِيها ركوع وسُجُودُ تَبْطُلُ العِبادَة والوضوء جميعًا، ويَسْتَوِي في ذلك الفَرْضُ وغَيْرُهُ، كالوَتْرِ والنَّفْلِ والعِيدَيْنِ. لما رَوَى زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يُعادُ الوضوءُ مِنْ سَبْعِ مِنْ نَوْمٍ غَالِبٍ، وَقَيْءٍ دَارِعٍ، وَدَسْعَةٍ تَمْلأُ الفَمَ، وَدَم سائل، والقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاةِ، والحَدَثِ، وتِقْطارِ بَوْلٍ)). ولأنَّ الطَّهَارَة معنى عِندَ وجود الحدَثِ يُحْكَمُ بِبُطْلانِهِ، فَعِندَ وُجُودِ القَهْقَهَةِ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِهِ، أَصْلُهُ الصلاة.
وصِفَةُ القَهْقَهَةِ: أَنْ يُسْمِعَ بِضَحِكِه الصَّوتَ، سَواءٌ بَدَتْ أَسْنانُهُ أَوْ لمْ تَبْدُ، ذَكَرَه في كِتابِ الصَّلاةِ للحَسَنِ بن زياد عن أبي حَنِيفَةَ.
وبالقَهْقَهَةِ في صلاته ناسيًا لها أو عامِدًا فَسَدَتْ طهارة الوضوء، ولا تَبْطُلُ طهارَةُ الغُسْلِ، وَيُنْقَضُ التَّيْتُمُ كما يُنْقَضُ الوُضُوءُ، ذَكَرَه فِي كِتَابِ صَلَاةِ الأصل.
وَفِي «الهاروني»: «الو ضَحِكَ في صَلَاةِ فَرِيضَةٍ يُومِنُ فِيهَا لِعُذْرٍ فَقَهْقَة عليه الوضوء؛ لأنَّها صَلاةٌ ذاتُ رُكوع وسجود، وكذلك في صَلاةِ التَّطَوُّع على الدابَّة خارِجَ المِصْرِ والقَرْيَةِ، فيها الوضوء، وإن كان في المِصْرِ أو في القَرْيَةِ فلا وُضوءَ عليه؛ لأنَّه حَصَلَ ضَحِكُهُ خارِجَ الصَّلاةِ، وقال أبو يُوسُفَ: عليه الوضوء.
ولو افْتَتَحَ صَلاةَ التَّطَوُّعِ خارِجَ المِصْرِ رَاكِبًا، ثُمَّ دَخَلَ المِصْرَ رَاكِبًا، ثُمَّ قهْقَة، لا وُضوءَ عليه عِندَ أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ: «عليه الوضوء».
ولو صَلَّى رَاكِبًا فِي المِصْرِ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ السَّفَرَ، وَقَهْقَة خارج المصر، لا وُضوءَ عليه في قَوْلِ أبي حَنِيفَةً، وقال أبو يُوسُفَ: عليه الوضوء». ولو كان مُنْهَزِمًا مِنَ العَدُوِّ راكبًا، كان له أنْ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ راكبا، واقفًا كان أو سائرًا، أو تَعْدُو به دابَّتُهُ، يُومِنُ إيماء، إلى القِبْلَةِ كان أو إلى غَيْرِ القِبْلَة، ولو قَهْقَة فيها عليه الوضوء.
نوع منه: قال: كُلُّ مَوْضِعِ خُرُوجُ الإمامِ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى وَجْهِ إِفْسَادِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزاءِ صَلاتِهِ، فَضَحِكُ المَأْمُومِينَ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُ عَلَى المَأْمُومِينَ الوضوء؛ لأنَّ الإمامَ لمَّا أَفْسَدَ بِضَحِكِهِ الْجُزْءَ الَّذِي تُصَادِفُهُ القَهْقَهَةُ مِنْ صَلَاتِهِ، أَفْسَدَتْ مِنْ صَلاةِ المَأْمُومِينَ ما يُقابل ذلك الجزء، ولهذا قال أبو حَنِيفَةَ في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»: «لو كان مَنْ خَلْفَهُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ خُرُوجُ الإمامُ مِنَ الصَّلاةِ لَا عَلَى وَجْهِ إِفْسَادِ جُزءٍ مِنَ الصَّلاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ القَطْعِ، فَضَحِكُ المَأْمُومِينَ بَعْدَهُ يُوجِبُ عَلَيهِمُ الوضوء، وهذا المَعْنَى مَنْصُوصُ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ.
قال في «الأصل»: «لو أنَّ الإمام أحْدَثَ مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ ضَحِكَ المَأْمُومُونَ، لا وُضوءَ عَلَيْهِم». وَفِي كِتابِ الصَّلاةِ رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لو أنَّ الإمام تَكَلَّمَ فِي الصَّلاةِ مُتَعَمِّدًا، قال أبو يُوسُفَ: «لا أَحْفَظُ في هذا رواية عن أبي حَنِيفَةَ، لكنْ قِياسُ قَوْلِهِ عِندِي: أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِم وُضوءُ». وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابن سَماعَةَ: «قال أبو حَنِيفَةَ: «عَلَيْهِمُ الوُضُوءُ؛ لأَنَّهُ خَرَجَ الإمامُ مِنْهَا بِغَيْرِ إِفْسادٍ»، هذا لفظ كِتَابِهِ. ولو أنَّ الإمامَ سَلَّم، ثُمَّ ضَحِكُوا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا، عَلَيْهِمُ الوُضوءُ.
قال أبو العباس: في سلام الإمام وكَلامِهِ مُتَعَمِّدًا عَلَيهِم الوضوء إذا ضَحِكُوا بَعْدَهُ، وَفِي ضَحِكِ الإمامِ وَحَدَثِهِ مُتَعَمِّدًا لا وُضُوءَ عَلَيهِم إِذا ضَحِكُوا بَعْدَه - فعلى رِوايَةِ مُحَمَّدٍ.
وفي كِتابِ الصَّلاةِ» إملاءً رِوايَةً بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لو سَلَّمَ الإمامُ بَعْدَ الفراغ، ثُمَّ قَهْقَهُوا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا، أنَّه لا وُضوءَ عَلَيْهِم؛ لأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَمَّتْ، وقَدْ قَطَعَها الإمام، ولو ضَحِكَ الإمامُ بَعْدَ الفَراغِ مِنْ تَشَهُدِهِ قَبْلَ السلامِ لَمْ يَكُنْ عَلَى المَأْمُومِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا، وكذلك لو كان الإمامُ تَكَلَّم عامدًا لا يُسَلَّم عَلَيهم، وكذلك لو أَحْدَثَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى القَومِ، ولو أنَّه سَلَّم الإمامُ عَلَيْهِم أَنْ يُسَلِّمُوا»، هذا لَفْظُ كِتَابِهِ.
وَفِي نَوادِرِ مُحَمَّدِ بنِ شُجاع: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إِذا تَكَلَّمَ الإِمامُ فِي آخِرِ صَلاتِهِ بَعْدَ فَراغِهِ مِنَ التَّشَهُدِ، عَلَى القَوْمِ أَنْ يُسَلِّمُوا، وَفِي الحَدَثِ وَالقَهْقَهَةِ ليس عليهم ... أنْ يُسَلِّمُوا». . ولو أنه، قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُدِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ الإمامُ، ثُمَّ قَهْقَة، لا وُضوءَ عليه؛ لأنَّه صَحَتْ صَلَاتُهُ، فَحَصَلَتْ القَهْقَهةُ خارِجَ الصَّلاةِ، فلا وُضوء عليه، ذَكَرَه في كِتَابِ الصَّلاةِ» رواية بشر بن الوليد.
جنس: قال في الجامعِ الصَّغِيرِ: «لو صَلَّى الظهرَ خَمْسًا، وقَعَدَ في الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُدِ، أَنَّه يُضِيفُ إِليها رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ.
وقال في كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ: «إِنْ لَمْ يُضِفُ إليها أُخْرَى، وَتَكَلَّم في الخامسة لا شيء عليه، ويُجْزِئُهُ الظُّهْرَ، فهذا بيان لإسقاط وجوب القضاء، وما ذَكَرَه في الجامِعِ الصَّغِيرِ لِبَيانِ الْأَفْضَلِ. وَرَوَى
زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةً وُجوبَ قَضاءِ رَكْعَتَيْنِ بِالشُّرُوعِ في الخامِسَةِ، وهَكَذا رواه إِذا دَخَلَ في صومِ يَومٍ ظَنَّ أنَّه عليه ثُمَّ عَلِمَ أَنَّه ليس عليه، يَلْزَمُهُ القَضاءُ إِذا أَفْسَدَهُ.
وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ: «قال هشام: قلتُ لمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: لِمَ لَا تَجْعَلْ عليه قضاء الرَّكْعَتَيْنِ إِذا أَفْسَدَ الخَامِسَةَ؟ فقال: لأنَّها صَلاةً لَمْ يَدْخُلْ فِيها بافْتِتَاحِ صَلَاةٍ مُبْتَدَأَةٍ، بَلْ دَخَلَ فِيها على ظَنَّ مِنْهُ أَنَّهَا عليه».
وقد صَرَّحَ في كِتابِ الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الْوَلِيدِ بِمَا ذَكَرَنَا مِنَ التأويل، فقال: «إذا قام إلى الخامسة ساهِيًا، إِنْ شَاءَ انْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلُّ السَّادِسَةَ ولا قضاء عليه، وإنْ شَاءَ صَلَّى السَّادِسَةَ، وهو أَحْسَنُ».
فإِنْ عَادَ إِلى القَعْدَةِ وقَدْ رَفَضَ الخَامِسَةَ، فَهُو عَلَى وَجْهَينِ:
- إِنْ لَمْ يَكُنْ قَعَدَ في الرَّابِعَةِ، تَشَهَّدَ في هذه القَعْدَةِ إلى قوله: «عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ؛ لأَنَّ عَليهِ سُجُودَ السَّهْوِ.
-وإن كان قَدْ قَعَدَ في الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُدِ، ثُمَّ تَرَكَ الرَّكْعَةَ الخَامِسَةَ، وعاد إلى القَعْدَةِ، ذَكَرَ في كِتابِ الصَّلاةِ لابنِ عَبْدَلٍ: «فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وعليه السَّهْوُ ولمْ يَقُلْ: يَقْرَأُ التَّشَهُدِ، وَفِي بعض نُسَخِ كِتابِ صَلاة الأَصْلِ»: «فَلْيَقْعُدُ وَلْيَتَشَهَّدْ ثُمَّ يُسَلِّمْ، وعليه سُجُودُ السَّهْوِ».
فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي صَلاتِهِ فِي الرَّكْعَةِ الخَامِسَةِ، وَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ أرْبَعًا، والدَّاخِلُ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ، فَعادَ الإمام إلى رابعته، وقَدْ كان قَعَدَ في الرَّابِعَةَ وفَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، فَعَلَى الدَّاخِلِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَبِمِثْلِهِ لو عَقَدَ الإمامُ الخامسة بِسَجْدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها الخامِسَةُ، فعلى الدَّاخِلِ رَكْعَتَيْنِ، ذَكَرَه في نَوادِرِ مُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ».
وقال مُحَمَّدٌ في ديوانِ ابنِ سَماعَةَ»: «لو دَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الخَامِسَةِ يُرِيدُ التَّطَوع، ثُمَّ أَفْسَدَ الإمامُ صَلاته، كان على الدَّاخِلِ سِتُّ رَكَعَاتٍ، وَإِنْ أَفْسَدَالدَّاخِلُ صَلَاتَه بَعْدَ دُخُولِهِ في الخامِسَةِ بِكَلام أو قَهْقَهَةٍ، لا قضاء عليه؛ لأنَّ إِمَامَهُ لو أَفْسَدَ بِكَلامٍ لا قضاء عليه، وكذلك في حقه»، ذكره في كِتابِ الرَّقِّيَّاتِ».
فإِنْ لم يَكُنْ قَعَدَ في الرَّابِعَةِ حَتَّى قام إلى الخَامِسَةِ، وعَقَدَها بِسَجْدَةٍ، بَطَلَتْ صَلاتُه وأَحَبُّ إِليَّ أنْ يُضيف إليها أُخْرَى، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الظهر، وإِنْ لَمْ يُضِفُ إليها أُخْرَى لا شيء عليه»، ذكره في كتاب صلاة الأصل».
قالَ الشَّيْخُ أبو العبَّاسِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: بَطَلَتْ مَعْنَاهُ: عَنْ جِهَةِ الفَرْضِ، ويَصِحُ عَنِ النَّفْلِ، كَمُصَلِّي الجُمعَةِ إِذا دَخَلَ عَليهِ وَقْتُ العَصْرِ، وَفِي كَفَّارَةِ اليمين إذا وَجَدَ المالِيَّةَ قَبْلَ فَراغِهِ مِنَ الصَّومِ يَجُوزُ عَنِ النَّفْلِ، فَإِنْ أَحْدَثَ في سُجُودِهِ بَطَلَتِ السَّجْدَةُ وتَوَضَّأَ وعاد إلى صَلاتِهِ، وَيَجُوزُ صَلاتُهُ عن الفَرْضِ، ذَكَرَه في نَوادِرِ ابْنِ سَماعَةَ؛ لأنَّه لَمَّا بَطَلَتِ السَّجْدَةُ بَقِيَتِ الخَامِسَةُ بِلا سَجْدَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَعُودَ إِلى القَعْدَةِ وَيُتِمَّهَا عَنِ الفَرْضِ.
وقال مُحَمَّدٌ في زِيادَاتِ نَوادِرِ هِشَامٍ»: «إذا صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَأَحْدَثَ فِي أَوَّلِ سُجُودِهِ، فَلَمْ يَجْلِسُ في الرَّابِعَةِ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ؛ لأنَّه أَحْدَثَ بَعْدَ أَنْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ».
جنس: قال: كُلُّ قَعْدَةٍ يَتَعَقَّبُها الخروجُ مِنَ الصَّلاةِ فَهِي وَاجِبَةٌ كَالقَعْدَةِ الأخيرة، وكُلُّ قَعْدَةٍ لا يَتَعَقَّبُها الخروجُ مِنَ الصَّلاةِ فَهِي غَيْرُ وَاجِبَةٍ كَالقَعْدَةِ الأولى؛ لأَنَّهَا وُضِعَتْ لِلْفَصْلِ بَينَ الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ، وَكُلُّ فَعْدَةٍ لِلْفَصْلِ لَا تَكُونُ واجِبَةً كالقَعْدَةِ بَينَ الخُطْبَتَين، ولا كذلك القَعْدَةُ الأَخِيرَةُ؛ لأنَّ الجُزْءَ الَّذِي يَلِي الخُرُوجَ مِنَ العِبادَةِ وَاجِبُ الخُرُوجِ مِنَ الصَّوْمِ، والقَعْدَةُ الأَخِيرَةُ هِي الَّتِي تَلِي الخُرُوجَ مِنَ العِبادات.
والقَعْدَةُ الأَخِيرَةُ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرِ التَّشَهُدِ؛ لأنَّه ذَكَرَ فِي «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِمامُ ومَنْ خَلْفَهُ مِقْدَارَ التَّشَهُدِ حَتَّى انْصَرَفُوا، كانتْ صَلاتُهُم فَاسِدَةٌ». وحَكَى شَيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ- الجرجاني عن أبي سعيد البَرْدَعِيُّ: «أَنَّ الوَاجِبَ أَدْنَى مَا يَتَناوَلُهُ الاسْمُ كالركوع والسجود»، وهذا اختيارُهُ، وليس بِمَذْهَبٍ عُلَمائِنا.
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «وَيَقْعُدُ فِي تَشَهُدِهِ مُفْتَرِشًا بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ اليُمْنَى، وَيَسْتَوِي في ذلكَ القَعْدَةُ الأُولَى والأَخِيرَةُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحاوِي»: «وَيَبْسُطُ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ، ولَمْ يُشِرْ بِشَيْءٍ مِنْ أَصَابِعِهِ. قال أبو العباس: ونَشْرُ أَصَابِعِهِ مَعناهُ: «لا يَقْبِضُهُما ولا يَضُمُّ الأصابعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وَأَنَّه يُجَافِي بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ، وإِنَّما ضَمُّ الأصابع يَثْبُتُ حالَة السُّجُودِ»، ذَكَرَه فِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ». وقراءة التَشُهُدِ، تَشَهدَ ابنِ مَسْعُودٍ قَولُهُ: ((التَّحِيَّاتِ اللهِ، وَالصَّلَواتُ والطَّيِّبَاتِ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ)).
ولا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَى هذا شَيْئًا فِي القَعْدَةِ الأُولَى، وَيُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عليه حَرْفًا، أو يُنْقِصَ منه حَرْفًا، أو يَبْتَدِئَ بِشَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ شَيْءٍ، وَإِنْ فَعَلَ ذلك ساهيا عليه سَجْدَنَا السَّهْوا، ذَكَرَه الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةً فِي صَلَاتِهِ».
وَفِي الْمُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: وَمَنْ نَقَصَ مِنَ التَّشَهُدِ حَرْفًا أَوْ زَادَ حَرْفًا كان مُسِيئًا، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ»، ومعناه: إذا كان عامدًا، قال مُحَمَّدُ بنُ شُجاع: «التَّشَهُدُ مِنْ قَوْلِهِ: «التَّحِيَّاتُ ... »، إلى قوله: «عَبْدُهُ ورَسُولُهُ»، والزيادة والتَّقْصانُ يُكْرَهُ فِيهِ فِي القَعْدَةِ الأُولَى، فَأَمَّا القَعْدَةُ الأخيرة لا تُكْرَهُ الزيادة فيها»، وهو قوله: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ ... »، إلى قوله: «وقِنا عَذابَ النَّارِ»، وهذا دُعاءً، وليسَ مِنْ نَفْسِ التَّشَهُدِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ في كتاب صَلاةِ الأَصْلِ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وذكر في «المُجَرَّدِ»: رُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ أنَّه قال: «كانوا يَرَوْنَ التَّشَهُدَ كَافِيًا؛ لأنَّ فِيهِ السَّلامُ عليكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ». وقد ذُكر في كتابِ الحُجَجِ المُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ على أهل المَدِينَةِ: «قال محمد: الصَّلاةُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قِرَاءَةِ التَّشَهُدِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ.
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ فِي تَشَهُدِهِ نَحْوَ القبلة، والإمام والمأمومُ يَشْتَرِكانِ في قِراءَةِ التَّشَهُدِ، وَيُخْفِي ذلك ولا يَجْهَرُ بِقَراءَتِهِ، فَإِنْ لَحِقَ الإِمامَ في تَشَهُدِهِ الأَخِيرِ، ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ أَبي الحَسَنِ»: «قَرَأَهُ مع الإمام إلى قَوْلِهِ: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ولا يَزِيدُ عَلَى هذا». وَفِي كِتَابِ الصَّلاةِ» لا بنِ عَبْدَلٍ: يَأْتِي إِلَى قَوْلِهِ: عَذَابِ النَّارِ».
وفي كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «قلتُ: أَتَكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ مِنَ الترابِ بَعْدَما فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ؟ قال: لَا أَكْرَهُهُ. «قلتُ: فَإِنْ مَسَحَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قال: لا، أَكْرَهُ ذلك»، ذَكَرَه في النوادر أبي سليمان.
قالَ الشَّيْخُ أبو العباس: أرادَ بِقَوْلِهِ: «قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ: أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الثَّانِيَةَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ. وَفِي قَولِهِ: «لا، أَكْرَهُ ذلك: لا مَقْطُوعًا لا مَوْصُولًا، كأنَّه قال: لا، بلْ أَكْرَهُ ذلكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهذا المَعْنَى فِي روايَةِ هِشَامٍ مِنْ كِتَابِ صَلاة الأَصْلِ». وَفِي كِتاب صلاة الآثار» لأبي حَنِيفَةَ: «قال مُحَمَّدٌ: «لا نَرَى بِمَسْحِ التُّرابِ عَنْ وَجْهِهِ قَبْلَ التَّشَهُدِ وَالتَّسْلِيمِ بَأْسًا؛ لأنَّ تَرْكَهُ يُؤْذِي المُصَلِّي، ورُبَّما يَشْغَلُهُ عنْ صَلاتِهِ، وهو قول أبي حَنِيفَة وهذا التَّعْلِيلُ يُوجِبُ التَّسْوِيةَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الأَخِيرَةَ
وبعدها، فكأنَّه قَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ فِيهَا رِوايَتَانِ، وَبَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيةِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ لا يُكْرَهُ، رِوايَةُ وَاحِدَةٌ. والصَّحِيحُ ما ذكَرَه في «الأَصْلِ».
والفرق بينهما: أنَّه إذا بَقِيَ عليه سَجْدَةٌ يَحْتاجُ أَنْ يَعُودَ إليها، فَتَعَلَّقَ بِجَبْهَتِه مِثْلُ ما كان، فلا يَسْتَفِيدُ بِمَسْحِهِ فَائِدَةً، ولا كذلك بَعْدَ فَراغِهِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيةِ؛ لأنَّه لا يَعُودُ إليها، فَيَسْتَفِيدُ بِمَسْحِهِ فَائِدَةً.
وَمَسْحُ العَرَقِ كَمَسْحِ التُّرابِ، ذَكَرَه فِي اخْتِلافِ أَبي حَنِيفَةَ وابن أبي لَيْلَى ثم يُسَلِّمُ، وصِفَتُهُ: أَنْ يَقول عنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الأُولى: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُهُ، وَلَوْ سَلَّم عَنْ يَمِينِه وقامَ ونَسِي السَّلامَ عَنْ يَسَارِهِ، عَادَ وَسَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ أَو يَتَكَلَّمْ ذكره في الأَصْلِ. فَإِنْ سَلَّم أَوَّلًا عنْ يَسَارِهِ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلا يُعِيدُ السَّلامَ عَنْ يَسَارِهِ، ولو سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ يَسَارِهِ»، ذَكَرَه فِي کتابِ «الصَّلاةِ للحَسَنِ بنِ زِيادٍ.
وقال في «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةً: ويُقْبِلُ بِوَجْهِهِ قَلِيلًا عَلَى الصَّفْ حتَّى يُرَى بَياضُ خَدِّهِ عِندَ السَّلامِ، فَإِنْ كان المَأْمُومُ خَلْفَ قَفا الإمامِ يَنْوِي الإمامُ بِتَسْلِيمَتِهِ الأُولَى»، رواه ابن أبي مالك، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةَ في تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ».
جنس: قال: ولَوْ سَبَقَ الإمامَ الحَدَثُ فَقَدَّمَ رَجُلًا جُنُبًا أو على غَيْرِ وُضوءٍ، أو صَبِيًّا، أَوِ امْرَأَةً، فَسَدَتْ صَلاتُهُ وصَلاةُ القَومِ، وَإِنْ كَان خَلْفَهُ نِسْوَةٌ، فَقَدَّم امْرَأَةٌ تُصَلِّي بِهِنَّ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ وصَلاتُهُنَّ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ تَقَدَّمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ غَيرِ أَنْ يُقَدِّمَها أَحَدٌ، وَخَرَجَ الإمامُ مِنَ المَسْجِدِ، بَطَلَتْ صَلاةُ الإمام الخارج والقوم جميعًا. ولو قَدَّمَ رَجُلًا قَبْلَ خُروج الإمامِ مِنَ الْمُسِجِدِ، فَسَبَقَ إلى مَقامِ الإمامِ، صَحَتْ صَلاتُهُمْ»، هذا لَفْظُ كِتَابِ صَلاة الأصل.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِنْ قَدَّمَ الإِمَامُ رَجُلًا بَعْدَمَا أَحْدَثَ، وقَدَّمَ القَومُ رَجُلًا آخَرَ، ونَوَى كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، فَإِنَّ الإمام هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الإِمَامُ، دُونَ الَّذِي قَدَّمَهُ القَوْمُ؛ لأَنَّ الإِمَامَ مَأْمُورُ بِتَصْحِيحِ صَلَاتِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وقَدْ أَقَامَهُ الإمامُ مَقامَ نَفْسِهِ لِمَنْ يَصِحُ اقْتِدَاءُ القَوْمِ بِهِ)). وَفِي «المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إِنْ أَحْدَثَ الإِمَامُ فَتَقَدَّمَ إِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ أَنْ قَدَّمَهُ أَحَدٌ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمامِ مِنَ المَسْجِدِ، وَنَوَى الَّذِي تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ إمامًا لَهُم، فَإِنَّه إمام لَهُم وللخارج». وقال في صَلاةِ الأَثَرِ»: «عَنْ مُحَمَّدٍ: يَكُونُ إِمَامًا لَهُمْ إِذَا نَوَى القَوْمُ أَنْ يَؤْمَهُمْ وَيَأْتَمُونَ بِهِ، وَلَا يَصِيرُ إِمَامًا لَهُمْ إذا لم يَنْوُوا الائتمام به».
وفي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «إِذا نَوَى الَّذِي قَدَّمَهُ الإِمَامُ أَنْ يُصَلِّي صَلاةَ نَفْسِهِ مُسْتَقْبَلَةً، وَنَوَى القَوْمُ صَلاةَ الإمامِ الأَوَّلِ، لا تَجُوزُ صَلاةُ القوم، وإِنْ نَوَى المُتَقَدِّمُ أَنْ يَكُونَ إِمامًا إذا قام في القِبْلَةِ، فَقَبْلَ أَنْ يُصَلِّي هُو إلى القِبْلَةِ خَرَجَ الإمامُ مِنَ المَسْجِدِ، فَسَدَتْ صَلاةُ القَومِ إِلَّا الخَارِجَ؛ فَإِنَّه تَجُوزُ صلاته، وذكر نَحْوُهُ أيضًا في نَوادِرِ ابْنِ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَفِي رِوايَةِ أبي عِصْمَةَ: جَازَتْ صَلاةُ الإمامِ ويَبْنِي، وهُو رِوايَةُ مُخْتَصَر أبي الحَسَنِ». وقال في المُختصر الطحاوي»: «فَسَدَتْ صَلاةُ الإمام أيضًا؛ لأنَّه واحِدٌ مِنَ المَأْمُومِينَ.
وفي كِتابِ السَّجَداتِ» إملاء مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ بِالرَّقَةِ: «إِذا صَلَّى بِرَجُلٍ، فَأَحْدَنَا مَعًا، وَخَرَجًا مِنَ المَسْجِدِ، أَنَّ صَلاة الإمام تامة، وصلاة المُقْتَدِي فَاسِدَةٌ».
وَفِي نَوادِرِ الصَّلَاةِ» لَمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: لو سَبَقَهُ الحَدَثُ وَخَلْفَهُ في المَسْجِدِ جَمَاعَةُ، وخارِجُ المَسْجِدِ صُفُوفٌ مُتَّصِلَةٌ بِصُفُوفِ المَسْجِدِ، فَخَرَجَ الإمام ولم يُقَدِّمُ أَحَدًا مِنْ دَاخِلِ المَسْجِدِ، وَقَدَّمَ رَجُلًا مِنْ خَارِجِ المَسْجِدِ لِيُصَلِّي بِهم، قال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ: فَسَدَتْ صَلاةُ القَومِ حِينَ خَرَجَ الإمامُ مِنَ المَسْجِدِ قَبْلَ تَقْدِيمِ غَيرِهِ»، وقال مُحَمَّدٌ: «لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ»».
وفي الجامع الصَّغِيرِ»: «إِنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ وَخَلْفَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنَ المَأْمُومِينَ، وَخَرَجَ ولَمْ يُقَدِّمُهُ، فالإمام هو الباقي في المَسْجِدِ، ولو سَبَقَهُ أيضًا الحَدَثُ بَطَلَتْ صَلاةُ الأَوَّلِ، وجازت صَلاةُ الثَّانِي، وَيَبْنِي عَلى صَلاتِهِ بعد الوضوء.
وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ المُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: لو أَمَّ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ فِي المَسْجِدِ وأَحْدَثَ، فَقَدَّمَ أَحَدَهما وَخَرَجَ للوضوء، فَأَحْدَثَ الإِمامُ الثَّانِي فَخَرَجَ للوضوء، وقَدَّمَ الثالث ثُمَّ سَبَقَ الحَدَثُ الثَّالِثَ، فَخَرَجَ مِنَ المَسجِدِ للوضوء فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلانِ في المَسجِدِ قَبلَ أَنْ يَخرُجَ هو مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ واحد منهما إلى مُقامِهِ، فَصَلاتُهُ تامَّةٌ، وصَلاةُ الدَّاخِلَيْنِ فَاسِدَةٌ، ولو قَدَّم أَحَدَهُما في مُقامِهِ ونَوَى أَنْ يَكُونَ إِمامًا ثُمَّ خَرَجَ هذا، فَصَلَاتُهُمْ جميعًا تامة.
وفي كتاب «الصَّلاةِ» إملاءً رِوايَةَ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ: «إِنْ سَبَقَ الإِمَامَ الحَدَثُ فانْصَرَفَ عَنِ القِبْلَةِ، إِلَّا أَنَّه قَعَدَ في المَسجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ في هذه الحالة، وكَبَّرَ يُرِيدُ الدخول في صلاة الإمام، ولَمْ يَبْقَ فِي المَسجِدِ غَيْرُهُ، ثُمَّ خَرَجَ الإمامُ مِنَ المَسجِدِ، صَحَ دُخولُهُ فِي صَلاتِهِ، ويُتِمُّها في قولِ أَصْحَابِنا»، وقال بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ مِنْ قَولِ نَفْسِهِ: «لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ». وفِي كِتَابِ الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الْوَلِيدِ: «إِنْ سَبَقَ الإِمَامَ الثَّانِي الحَدَثُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مُقامَ الأَوَّلِ، أَوْ جَاءَ الإمامُ الأَوَّلُ بَعد الوضوء إلى الصلاة، لا يُجوز
للإمام الثاني تَقْدِيمُ الإمام الأول، ولا يَجوزُ أَنْ يَأْتَمُوا بِه، ولو أنَّ الإمامَ الثَّاني قامَ مُقامَ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَبَقَهُ الحَدَثُ، جازَ تَقْدِيمُ الإمام الأول.
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «إِنْ سَبَقَ الإِمَامَ الحَدَثُ وَقَدَّمَ رَجُلًا فَصَلَّى بهم، ثُمَّ رَجَعَ الإِمَامُ إِلى بَيْتِهِ، وَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ، جَازَتْ صَلَاتُهُ ما لم يَكُنْ فَراغُهُ مِنها قَبلَ فَراغ الإمام الثاني مِنْ صَلاتِهِ، وإن كان فَراغُهُ مِنها قَبلَ فراغ الثَّانِي لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ.
وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ المُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: «إِنْ كَانَ الإمامُ الأَوَّلُ يُصَلِّي في مَنْزِلِهِ، والإمامُ الثاني لمْ يَفْرُغْ مِنْ صَلاتِهِ، وكان مَنْزِلُهُ مُتَّصِلا بالمَسجِدِ، فكان يَرْكَعُ مَعهُ أو بَعْدَهُ، فَصَلاتُهُ تامَّةٌ، ما لمْ يَكُنْ بَينهما طَرِيقُ فلا تجوز صلاته، وإن كان بينهما طريق فَقَضاها بعد فراغ الإمامِ الثَّانِي مِنْ صَلاتِهِ جاز، وقَبلَ فَراغِهِ لم يج.
وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: «إِنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّه لَمْ يُحْدِثُ، اسْتَأْنَفَ الصَّلاةَ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ المَسْجِدِ صَلَّى ما بقي وبَنَى. وَفِي نَوادِ ابن سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «اسْتَأْنَفَ الصَّلاةَ في الوجهين، قال مُحَمَّدٌ: وهو قَولُ أبي يُوسُفَ».
قال في كتاب صَلاةِ الأَصْلِ»: «لو انْصَرَفَ عَنِ القِبْلَةِ، فَظَنَّ أَنَّه ليس على الطَّهَارَةِ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ المَسجِدِ أَنَّه كان على وُضوءٍ، يَسْتَقْبِلُ الصَّلاةِ. وَفِي نَوادِرِ أَبي يُوسُفَ رِوايَةً ابنِ سَمَاعَةَ: «يَبْنِي فِي قَولِ أبي يُوسُفَ، وقال أبو حَنِيفَةَ: يَسْتَقْبِلُ». وقد فَرَّقَ بينهما ابنُ سَماعَةَ لأبي حَنِيفَةَ، فقال: «انصرافُ المُحْدِثِ للبناء لا لِرَفْضِ الصَّلاةِ.
يَدُلُّكَ عليه: أَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِيَتَوَضَّأَ وَيَبْنِي، ولا كذلكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّه ليس على الطَّهَارَةِ؛ لأنَّ انصِرَافَهُ لِرَفْضِ الصَّلاةِ، يَدُلُّكَ عَليهِ: أَنَّ مَنْ كَبَّرَ عَلَى غَيْرِ طهارة لا يَبْنِي بَعدَ الطَّهَارَةِ، فكان انصرافُهُ على وَجْهِ الرَّفْضِ، ذَكَرَهُ فِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ».
ولو قَدَّمَ القَومُ رَجُلًا بَعدَ انْصِرافِ الرَّجُلِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، أَوِ الَّذِي ظَنَّ أنَّه على غَيْرِ وُضوءٍ، فَصَلَّى بِالقَوْمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِالطَّهَارَةِ، فَإِنَّ صَلاةَ الإمام والقوم جميعًا فاسِدَةٌ، سَواءٌ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَو بَعْدَ خُرُوجِهِ.
قال ابن سَماعَةَ: «لأنَّ الإمامَ الأَوَّلَ انْصَرَفَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ، وصار لَهُمُ الثاني إمامًا مِنْ غَيْرِ أَنْ أَحْدَثَ الإمامُ الأوَّلُ، وقال أبو يُوسُفَ: «أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَبْنُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ قَبْلَ خُروج الإمامِ مِنَ المَسجِدِ».
وفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِنْ كانَ الَّذِي قَدَّمَ الإمام الثاني هو الإمام الأول الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ المَسْجِدِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَحْدَثَ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ الإِمَامُ الْأَوَّلُ إِلَى مَكَانِهِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَحِينَئِذٍ أَجْزَاهُ وَأَجْزَاهُم». وفي نوادر ابن سماعة»: «إن كان الإمامُ الأَوَّلُ بَعدَ سَبْقِهِ الحَدَثَ وتَقْدِيمِ الثَّانِي رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَتَوَضَّأَ، وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ الثَّانِي مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ الإِمَامُ الأَوَّلُ مِنْ مَنزِلِهِ إِلَى المَسجِدِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الإِمَامَ الثَّانِيَ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ لِيُصَلِّي بَقِيَّةَ صَلاتِهِ فِي المَسجِدِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لأَنَّهُ مَشَى فِي صَلاتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذل.
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ: «إِنْ أَحْدَثَ الإمام في المَسجِدِ، فَخَرَجَ إِلَى رَحْبَةٍ بِالمَسْجِدِ ولَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا، ثُمَّ مِنَ الرَّحَبَةِ قَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بالقَومِ، فَصَلاتُهُ وصَلاتُهُمْ تامَّةٌ، وَسَواء كان على الرَّحَبَةِ سُورُ أوْ لَمْ يَكُنْ، وللرَّجُلِ أنْ يَعْتَكِفَ في هذه الرَّحَبَةِ»، قال: وكذلك إن كان بَينَ الرَّحَبَةِ والمَسْجِدِ حائط عليه بابُ المَسْجِدِ إِلَى الرَّحَبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ». قالَ الشَّيْخُ أبو العباس: أَراد بالرَّحَبَةِ ما هو من أبعاض المسجد، المُتَّصِلُ به، فأمَّا المُنْفَصِلُ مِنه وبَينَهُما طَرِيقُ، لا يَجوزُ تَقْدِيمُهُ. وقال أبو يُوسُفَ فِي صَلَاةِ الأَثَرِ»: «ليس رَحَبَةُ مَسْجِدِ الجَامِعِ بالرَّيَّ مِنَ الجامع، ولو حَلَفَ لَا يَدْخُلْ جَامِعَ الرَّيِّ فَدَخَلَ الرَّحَبَّةَ لَا يَحْنَثُ». جنس: لو صَلَّى خلف الإمامِ صَلاةَ الفَجْرِ، والإمامُ يَرَى القُنوت فيها، والمَأْمُومُ لا يَرَى، سَكَتَ خَلْفَهُ ولا يَقْنُتْ في قول أَبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: يُتَابِعُهُ»، ذَكَرَه في «الجامِعِ الصَّغِيرِ».
وَفِي صَلَاةِ الأَثَرِ»: «قالَ حَمَّادُ بن أبي سليمان: «قلتُ لإبراهيمَ النَّخَعِي: في الحَيَّ مَسْجِدانِ، أَحَدُهُمَا أَقْرَبُ إِلَيَّ، يُقْنَتُ فِيهِ، وَالآخَرُ أَبْعَدُ لَا يُقْنَتُ فيه؟ قال: عليكَ بالأَبْعَدِ الَّذِي لا يُقْنَتُ فِيهِ»، وَهُو قَولُ أبي يُوسُفَ، وقال محمد: «قال أبو حَنِيفَةَ: يَتَخَطَّى إلى غيرِه.
وَفِي المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «لو كَبَّرَ الإمام في صلاة الجنازة خمسا، قَطَعَ المَأْمُومُ حِيثُ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيُسَلِّمُ»». وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ» لابنِ شجاع: رُوينا عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّه يَقِفُ ولا يُكَبِّرُ الخَامِسَةَ مَعَهُ، ولا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُسَلَّمَ مَعَ الإمام».
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «قال أبو يُوسُفَ بلا خلاف عن غيره: «لو صلَّى الإمامُ صَلاةَ العِيدِ وكَبر ثلاثا، واقتصر عليها، ليس على المَأْمُومِ أَنْ يُتمها، ولو لم يُكَبِّر الإمام فيها ليس على المَأْمُومِ أَنْ يُكَبِّرَ خَلَفَهُ»».
وفي صلاةِ الحَسَنِ بنِ زِيادٍ»: «لو دَخَلَ خَلْفَ الإِمامِ لَا يَرَى فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ رَفْعَ اليَدَيْنِ فِي تَكْبِيراتِها، رَفَعَ يَدَيْهِ في ذلك، وقال أبو حَنِيفَةَ: «إذا صَلَّى خَلْفَ الإمامِ يَرَى تَكْبِيرَ عَليَّ بن أبي طالب في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلى آخِرِ أيَّامِهَا، إِذا مَضَى يَومُ النَّحْرِ لا يُكَبِّرُ مَعَهُ ولا يَتْبَعُهُ»، هذا لَفْظُ كِتَابِهِ.
وفي «الجامِعِ الكَبِيرِ»: «رَجَلُ نامَ خَلْفَ الإمام في صَلاةِ العِيدِ، فاستَيْقَظَ وقَدْ فَرَغَ الإمامُ وكان قَدْ كَبَّرَ تَكْبِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرَّجُلُ يَرَى تَكْبِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَبَّرَ مَا كَبَّرَ إِمَامُهُ؛ لأنَّه أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ خَلْفَ الإمام، ألا تَرَى أَنَّه لا قراءة عليه؟ ولو كان دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ
والإمامُ كَبَّرَ سَبْعًا في الأولى تَكْبِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالمَأْمُومُ يَرَى تَكْبِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّه في قضاء الرَّكْعَةِ الأُولَى يُكَبِّرُ تَكْبِيرَهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ مع الإمامِ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لأَنَّهُ لَحِقَ تَكْبِيرَ الإمامِ، فَيَكُونُ مَأْمُومَهُ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَليهِ؟ وَفِي الرَّكْعَةِ الأُولَى لَمُ
يَلْحَقُ تَكْبِيرَهُ».
وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ» لابنِ شُجاع: «لو لحق الإمام في القُنوتِ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الركوع، والإمامُ يَرَى القُنوت في الوَتْرِ بَعْدَ الرُّكوعِ، والمَأْمُومُ يَرَى قَبْلَ الركوع، يَسْكُتُ وعليه أنْ يَقْنُتَ قَبْلَ الرُّكوع فيما يَقْضِي، وإن كان الإمام يَرَى سَجْدَتَي السَّهْوِ قَبلَ السَّلامِ، وهُو يَرَى بَعدَ السَّلامِ، وَقَدْ سَجَدَ مَعَ الإِمامِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ، أنَّه لا إعادَةَ عليه بَعدَ السَّلام؛ لأنَّ الإمام لو رَأَى سَجْدَتي السَّهْوِ بَعْدَ السَّلامِ فَسَجَدَ قَبْلَ السَّلام لا إعادة عليه».
جنس: قال: سُجُودُ السَّهْوِ يَتَعَلَّقُ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُها: بِتَرْكِ فِعْل. والثَّاني: بِتَرْكِ ذِكْرِ والثَّالث: بِتَرْكِ صِفَةِ والرَّابِعُ: بِتَأْخِيرِ ذِكْرٍ أَو فِعْلٍ.
فأما طَرِيقَةُ الفِعْلِ فَتَنْقَسِمُ على أَربَعَةِ أَقْسام:
أَحَدُهَا: كُلُّ فِعْلٍ مَسْنُونٍ فِي الصَّلَاةِ أُفْرِدَ فِيهِ ذِكْرُ حَالَ اسْتِقْرارِهِ، فَتَرْكُهُ ناسيًا يَتَعلَّق به السَّهْوُ، كالقَعْدَةِ الأُولَى.
والثَّاني: كُلُّ فِعْلٍ مَسْنُونٍ فِيهِ ذِكْرُ، إِلَّا أنه ليس بحال الاستقرار، لا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ السَّهْمُ، كَرَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكوعِ.
والثَّالثُ: كُلٌّ فِعْلٍ مَسْنُونٍ ليس فِيهِ ذِكْرُ لأَجْلِهِ، لَا يَتَعَلَّقُ بهِ السَّهْرُ، كَتَرْكِ وَضْعِ اليُمْنَى على الشِّمَالِ، وَفِي حالةِ القَعْدَةِ عَلَى الرُّكْبَةِ.
الرَّابِعُ: كُلُّ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ أَدْخَلَهُ فِي الصَّلَاةِ زِيادَةٌ فِيهَا، تَعَلَّقَ به السهو، كالقيام إلى الخَامِسَةِ؛ لأنَّهَا فِي حُكْمِ نُقصان.
وأما طَرِيقَةُ الذِّكْرِ: كَقِراءَةِ القُرآنِ - الفاتحة» والسُّورة -، والقنوتِ، وتكبيراتِ العِيدَيْنِ، وقِراءَةِ التَّشَهُدِ، يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ ذلكَ سُجُودُ السَّهْوِ، ولا يتعلَّق السَّهْمُ بِتَرْكِ الاسْتِفْتاح في الصَّلاةِ، كقوله: «سُبحانَكَ اللهُمَّ وَبِحمدِكَ، والتعوذ، و {بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1، وتكبيرات الصلاة، وقوله: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، و: رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ، وتسبيحات الركوع والسجود.
وفرق بينهما: بأنَّ ما كان مِنْ الذِّكْرِ والفِعْلِ مَقْصُودًا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهما سُجُودُ السَّهْوِ، وما كان مِنْهُما غيرَ مَقْصُودٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِمَا سَهْو.
ويُعْرَفُ تَمْيِيزُ المَقْصُودِ عَنْ غَيْرِهِ: أَنَّ ما جُعِلَ عَلامَةٌ لِغَيرِهِ لم يَكُنْ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وما لم يُجْعَلْ علامَةً لِغَيرِهِ فَهُو مَقْصُودُ لِنَفْسِهِ فَاسْتَفْتاحُ الصَّلاةِ تَبَعُ لِفِعْلِ الفَرْضِ، والتَّعَوذُ لِفَرْضِ القِراءَةِ وتكبيراتُ الصَّلاةِ علامة الانتقال مِنْ رُكْنٍ، وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لكَ الحَمْدُ مِثْلُهُ، وَتَسْبيحات الركوع والسجود للطمَأْنِينَةِ، فلمْ يَكُنْ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ، وأَمَّا قِراءَةُ القُرآنِ، وقراءَةُ التَّشَهُدِ، وتَكْبِيرَاتُ العِيدَيْنِ، والقُنوتُ، قُصِدَتْ لِنَفْسِها، ولم تُجْعَلْ عَلامَةٌ لِغَيْرِها.
قال في صلاةِ الأَثَرِ» لهشام بن عُبَيْدِ اللَّهِ: «إِنْ قَرَأَ سُورَةً غيرَ الفاتِحَةِ»، ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعدَ أَنْ قَرَأَ بعضَ السُّورَةِ، أَنَّه يَبْدَأُ فَيَقْرَأُ فَاتِحَة الكتاب» ثُمَّ السُّورَةَ، وعليه السَّهو، وإِنْ قَرَأَ الأَكْثَرَ مِنْ فَاتِحَةِ الكِتابِ» ونَسِي بَقِيَّتَها فلا سَهْوَ عليه، ولو بَقِيَ مِنْهَا الأكْثَرُ عليه السهو، ولا يَخْتَلِفُ بأنْ يَكُونَ إِمَامًا أَو يُصَلِّي وَحْدَهُ».
وذكر في كِتابِ الصَّلاةِ» إملاءً رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «إِنْ قَرَأَ سُورَةَ الحَمْدُ في رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ، عليه سُجُودُ السَّهْوِ إِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ إِحْدَى الأُولَيَيْنِ، ولا سَهْوَ عليه، إن كانت في إِحْدَى الرَّكْعَتَينِ الأُخْرَيَيْنِ لا؛ لأنه كان عليه أنْ يَقْرَأَ بَعدَ فَاتِحَةِ الكِتابِ سُورَةً غَيْرَها، لذلك كان عليه سُجُودُ السهو.
فقد صَرَّحَ أنَّه إذا قَرَأَ الحَمْدُ ثُمَّ قَرَأَ ثانِيَةً عليه السَّهْمُ، فَأَمَّا إِذا قَرَأَ بعد «الحَمْدُ سُورَةً ثُمَّ قَرَأَ الحَمْدُ ساهِيًا لا سَهْوَ عليه»، ذَكَرَه ابن سَماعَةً في نَوادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ» فَإِنْ تَشَهَّدَ مَرَّتَيْنِ فِي قَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا، لا سَهْوَ عليه ذَكَرَه فِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ». «فَإِنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةٌ سِوَى «الفاتحة»، ثُمَّ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بتلك السُّورَةِ ساهِيًا، عليه السَّهْوُ»، ذَكَرَه فِي صَلاةِ الأَثَرِ» عن أبي يُوسُفَ.
فإِنْ قَعَدَ مِقْدارَ التَّشَهُدِ - وهي القَعْدَةُ الأَخِيرَةُ - ونَسِيَ قِرَاءَةَ التَّشَهُدِ، ثُمَّ تَذَكَرَ فَقَرَأَ التَّشَهُدَ، قال ابنُ شُجاع: فيه روايتان عن أبي يُوسُفَ في سجود السَّهْوِ، إحداهما: لا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ له أَنْ
يُطَوّلَ القَعْدَةَ: أنَّ عليه السهو؛ لأنَّ زِيادَةَ القَعْدَةِ تَكُونُ بَعدَ فيها، وروي عنه ويزيد فراغِهِ مِنَ التَّشَهُدِ، فَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَفْعَلُهُ».
فَإِنِ افْتَتَحَ الصَّلاةَ فَقَرَأَ التَّشَهُدَ فِي قِيامِهِ قَبْلَ قِراءَةِ الفَاتِحَةِ» ساهِيًا أو عامدًا لا سَهْوَ عليه، وهو بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ عِندَهُ، كَمَنْ قرأ الاستفتاح في الصَّلاةِ إلى آخره، ولأنَّه تَرَكَ أَشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لا يَتَعَلَّقُ بهِ السَّهْمُ، وَإِنْ قَرَأَ التَّشَهدَ فِي ركوعه أو في سُجُودِهِ، عليه السَّهْرُ، ذَكَرَه ابن سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوادِرِه».
فَإِن تَرَكَ بَعضَ قِراءَةِ التَّشَهُدِ ساهِيًا، عليه السَّهْرُ، ذَكَرَه فِي كِتَابِ الصَّلاةِ» للحسن بن زياد، ونَصَّ أَنَّهُ قَولُ أَبِي حَنِيفَةً وَأَبِي يُوسُفَ.
وإنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَنَسِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ حَتَّى سَلَّمَ، تَشَهَّدَ ولا سَهْوَ عليه في قول أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وقال الحَسَنُ بنُ زِيادٍ: «عليه السَّهو». وإنْ نسِي قِراءَةَ التَّشَهُدِ سَاهِيًا حتَّى سَلَّمَ، عادَ وقَرَأَ التَّشَهدَ وعليه السهو، وقال الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: لَا يَعُودُ فِي قِرَاءَةِ التَّشَهُدِ»، هذا كُلُّه لَفْظُ «صلاة الحَسَنِ». وإن سها في صَلاتِهِ، فلمَّا فَرَغَ من سُجُودِ السَّهْوِ شَكَ، فَلَمْ يَدْرِ أَسَجْدَةً واحِدَةً سَجَدَ أو سَجْدَتَيْنِ، أَنَّه لا يَلْزَمُهُ سَجْدَنَا السَّهْوِ لذلكَ، وَفِيهَا حِكَايَةٌ ذكرها الطحاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ: «أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الفَرَّاءِ فِي دَارِ هَارُونَ الرشيد، فقال الفَرَّاءُ: مَنْ تَعَلَّمَ نَوْعًا مِنَ العِلْمِ وتَقَدَّمَ فيه أعانَهُ ذلك على سائر العُلُومِ؛ لِمُناسَبَةِ العُلومِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، فقال له: كيفَ تَقُولُ فِيمَنْ شَكَ في سَجْدَتَي السَّهْوِ أَنَّه سَجَدَ واحِدَةً أو سَجْدَتَيْنِ، هل عليه سَجْدَتا سجود السَّهْوِ، إحداهما: لا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ له أَنْ يُطَوِّلَ القَعْدَةَ ويَزِيدَ فيها، وروي عنه: أنَّ عليه السَّهْوَ؛ لأَنَّ زِيادَةَ القَعْدَةِ تَكُونُ بَعدَ فَراغِهِ مِنَ التَّشَهُدِ، فَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَفْعَلُهُ».
فَإِنِ افْتَتَحَ الصَّلاةَ فَقَرَأَ التَّشَهُدَ فِي قِيامِهِ قَبْلَ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ» ساهِيًا أو عامدًا لا سَهْوَ عليه، وهو بِمَنْزِلَةِ قَولِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ عِندَهُ، كَمَنْ قرأ الاستفتاح في الصَّلاةِ إلى آخره، ولأنَّه تَرَكَ أَشْهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لا يَتَعلَّق به السَّهْرُ، وَإِنْ قَرَأَ التَّشَهدَ فِي ركوعِهِ أو في سُجُودِهِ، عليه السَّهْمُ، ذَكَرَه ابن سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوادِرِه». فَإِنْ تَرَكَ بَعضَ قِراءَةِ التَّشَهُدِ ساهِيًا، عليه السَّهْوُ»، ذَكَرَه فِي كِتابِ الصَّلاةِ» للحَسَنِ بن زياد، ونَصَّ أَنَّهُ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وأَبي يُوسُفَ.
وإِنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَنَسِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ حَتَّى سَلَّمَ، تَشَهَّدَ ولا سَهْوَ عليه في قول أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وقال الحَسَنُ بن زياد: «عليه السَّهو. وإن نَسِي قِراءَةَ التَّشَهُدِ ساهِيًا حتَّى سَلَّمَ، عادَ وقَرَأَ التَّشهدَ وعليه السهو، وقال الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: لا يَعُودُ فِي قِراءَةِ التَّشَهُدِ»، هذا كُلُّه لَفْظُ «صلاة الحَسَنِ». وإن سها
في صَلاتِهِ، فلمَّا فَرَغَ من سُجُودِ السَّهْوِ شَكَ، فَلَمْ يَدْرِ أَسَجْدَة واحِدَةً سَجَدَ أَو سَجْدَتَيْنِ، أَنَّه لا يَلْزَمُهُ سَجْدَنَا السَّهْوِ لذلكَ، وَفِيهَا حِكَايَةٌ ذكرها الطحاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الفَرَّاءِ فِي دَارِ هَارُونَ الرشيد، فقال الفَرَّاءُ: مَنْ تَعَلَّمَ نَوْعًا مِنَ العِلْمِ وتَقَدَّمَ فيه أعانَهُ ذلك على سائر العلوم؛ لِمُناسَبَةِ العُلومِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، فقال له: كيفَ تَقُولُ فِيمَنْ شَكٍّ في سَجْدَتَي السَّهْوِ أَنَّه سَجَدَ واحِدَةً أو سَجْدَتَيْنِ، هل عليه سَجْدَتا السَّهْوِ لذلك؟ فقال الفَرَّاءُ: لَا يَلْزَمُهُ السَّهْمُ، فقال له مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: مِنْ أين قُلتَ هذا؟ وأي مُناسَبَةٍ بين هذا وبين النَّحْوِ؟ فقال الفَرَّاءُ: قلت ذلك لأنَّا نَقُولُ في النَّحْو: ليس للتَّصْغِيرِ تَصْغِيرُ، فَكَذَلكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يكون للسَّهْوِ سَهْوَ، فَاسْتَحْسَنَ قَولَهُ».
فَإِنْ صَلَّى بِقَومٍ فَجَهَرَ فيما يُخَافَتُ كالظُّهْرِ والعَصْرِ، أو خافت فيما يُجْهَرُ كالفَجْرِ والمَغْرِبِ والعِشاء ساهيا، عليه السهو، فإن كان مُنفَرِدًا ولم يَكُن إمامًا، لا سَهْوَ عليه في المَسْأَلتَيْنِ جَمِيعًا، ذَكَرَه في كِتَابِ صَلاةِ الأصل».
وقال في كتاب صلاةِ الحَسَنِ»: «إذا جَهَرَ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ فيما يُخَافَتُ ساهيا، عليه السهو، ولو خافت فيما يُجْهَرُ وهو يُصَلِّي وَحْدَهُ لا سَهْوَ عليه، فَإِنْ جَهَرَ بِحَرْفٍ فيما لا يُجْهَرُ بالقِراءة ساهيا وهو يُصَلِّي بالقَوْمِ، عليه سجدتا السَّهْوِ في قول أبي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ خَلافٍ ذَكَرَهُ عَن غَيْرِهِ».
وقال هشام: صَلَّيتُ العَصْرَ خلف أبي يُوسُفَ، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الفاتحة:، جَهَرَ بِقَدْرِ هذا، فَلَمَّا سَلَّمَ سَجَدَ بِنا سَجْدَتَي السَّهْوِ»، ذَكَرَه فِي صَلاةِ الأَثَرِ». وَفِي كِتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ: «وإن كان إمامًا في قَدْرِ آيَةٍ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فِي المَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّهْرُ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ آيَةٍ حَرْفًا، لا سَهْوَ عليه.
وقد اختلفت عبارات «كتابِ الصَّلَاةِ» مِنَ الْأَصْلِ» فِي النُّسَخِ، ذُكِرَ في بعضها: «وإنْ جَهَرَ بالقِراءَةِ في صَلَاةٍ يُجْهَرُ فيها بالقِراءَةِ فَهُو أَفْضَلُ، وَإِنْ كان يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: «إِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ إِنْ شاء، إن كانتْ صَلاةً يُجْهَرُ فِيها بالقِراءَةِ، وإنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ وهذا يُفِيدُ التَّخْيِيرَ.
ورأيتُ في «إِمْلاء أبي يُوسُفَ رِوايَةً مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بنِ سابق في المُصَلِّي وَحْدَهُ: «يُسْمِعُ أُذَنَيْهِ، ولا يَجْهَرُ فَوقَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ جَهَرَ بالتعوذ أو ببِسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أو «آمين» ناسيا، فلا سَهْوَ عليه؛ لأنَّه لو نَسِيَ ذلك أو تَرَكَهُ لم يجب عليه سُجود السهو».
فَإِنْ قَرَأَ فِي الأُولَتَيْنِ سُورَةً، ولم يَقْرَأُ الفاتحة»، له أَنْ يَقْرَأَ «الفاتحة» في الأُخْرَتَيْنِ إِنْ شَاءَ ولا يَكُونُ قَضاءً، ذكره في «الأصل» من «كتاب الصَّلاةِ و «الجامع الصغير.
وروى ابنُ سَماعَةَ عن أبي يُوسُفَ: «أَنَّهُ يَقْضِي قِراءَةَ الفَاتِحَة»؛ لأَنَّهُ مَسْنُونُ أنْ يَأْتِيَ بها في الأُخْرَتَيْنِ، ومَوْضِعُها باقٍ، فَإِنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الأُولَتَيْنِ قضاها في الأُخْرَتَيْنِ، وعليه سَجْدَنَا السَّهْرِ، قَرَأَ فِي الْأُخْرَتَيْنِ أو لم يَقْرَأْ».
وروى مُعَلَّى عن أبي يُوسُفَ: «أَنَّهُ لا يَقْضِيها».
وإذا قَضَى السُّورَةَ في الأُخْرَتَيْنِ لَمَّا تَرَكَ قِرَاءَتَها في الأُولَتَيْنِ، قال في الجامع الصَّغِيرِ»: «يَجْهَرُ، ولم يُبَيِّنُ بأيهما يَجْهَرُ. وقال في النوادر أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابْنِ سَماعَةَ: «قال أبو حَنِيفَةَ: يَجْهَرُ بِقِراءَةِ السُّورَةِ، ولا يَجْهَرُ بقراءة الفاتحة».
وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ» لا بنِ شُجاع: «رَوى ابن أبي مالك عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةَ: إذا ترك قِراءَةَ السُّورَةِ في الأُولَييْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، ولا يَجْهَرُ في شَيْءٍ مِنه، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ في الإملاء». وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ المُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: يَقْرَأُ فِي ثَالِثَةِ المَغْرِبِ السُّورَةَ ويجهر.
فإن قام فيما يَقْعُدُ كالقَعْدَةِ، أَوْ قَعَدَ فِيما يَقُومُ كَالثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عليه السهو. وإنْ قامَ إلى الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ في الثَّانِيَةِ، ولم يَسْتَوِ قائمًا، قَعَدَ وسَجَدَ، ذَكَرَه فِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ».
وإن قام على رُكْبَتَيْهِ لِيَنْهَضَ قَبلَ أَنْ يَقْعُدَ للتَّشَهُدِ، قَعَدَ وعليه السَّهو، ويَسْتَوِي في ذلك القَعْدَةُ الأُولَى والثَّانِيَةُ، ذَكَرَه ابن عَبْدَلٍ فِي كتاب الصَّلاةِ» من «مَجْمُوعِهِ».
فَإِنْ رَفَعَ أَلْيَتَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ، ورُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ لم يَرْفَعُهُمَا، قَعَدَ ولا سهو عليه»، ذَكَرَه ابنُ مُقاتِل في نوادره». فَإِنْ رَفَعَ رُكْبَتَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ ساهيا، عليه السَّهْوُ، قال في كِتابِ صَلاةِ الأَثَرِ»: «قال هشام: صَلَّى بنا أبو يُوسُفَ، فَنَسِيَ أَنْ يُسَلَّمَ حَتَّى هَمَّ بِالقِيامِ، وَرَفَعَ رُكْبَتَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ، فَسَجَدَ للسهو».
وإن كان يُصَلِّي بِالقَومِ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَجَدَ لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ شَكٍّ، فلا يدري هي الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ أَو الأُولَى، أَو هِي الرَّابِعَةُ؟ فَلَحَظَ إِلَى مَنْ خَلْفَهُ على أنهم إن قاموا قام، وإنْ قَعَدُوا قَعَدَ، تَعمَّدَ لَحظَتَهُ لذلك، فلا بأس به، ولا سهو عليه»، رِوايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ شُجاع.
والتَّشَهُدُ قوله: «التَّحِيَّاتُ ... » إلى قوله: «عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ويُكْرَه الزيادة عليه، ويَلْزَمُهُ السَّهْمُ بالزيادة عليه في القَعْدَةِ الأُولَى»، رواه الحَسَنُ بنُ زِيادٍ عن أبي حَنِيفَةَ.
فإِنْ لَحِقَ اللاحِقُ الإمامَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ فِي صَلَاةِ الأَثَرِ»: يَتْبَعُ الإمامَ وَيَدْعُو إِلى قَوْلِهِ: وقِنا عَذابَ النَّارِ»». «فَإِنْ لَزِمَهُ السَّهْوُ إِذَا قَعَدَ في القَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَرَأَ التَّشَهُدَ إِلى قَوْلِهِ: «عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ، ثُمَّ يَقْعُدُ ويَقْرَأُ التَّشَهُدَ، وَيَدْعُو إِلى قَوْلِهِ: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ذَكَرَه أبو الحَسَنِ فِي مُخْتَصَرِه».
وسَجْدَتا السَّهْوِ بَعدَ السَّلام، وإِنْ سَجَدَ قَبلَ السَّلام جاز»، ذكره في كتاب الأَصْلِ». وكان شَيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجَانِيُّ يَذْكُرُ فِي الدَّرْسِ أَنَّه رُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ رِوايَةٌ: «أَنَّه لا يُجْزِئُه، وعليه بَعدَ السَّلامِ أَنْ يُعِيدَهُ».
نَوْعٌ مِنه: قال في كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «مَنْ شَكٍّ فِي عَدَدِ ركعاتِ الصَّلاةِ، فلا يَدْرِي: أثلاثا صَلَّى أمْ أربعًا؟ إن كان هذا أَوَّلَ ما سها، استَقْبَلَ الصَّلاةِ». ومعناه: أنَّه أوَّلُ ما سَها في عُمُرِهِ؛ لأنَّه قَدْ ذَكَرَ فِي صلاة الأثر»: «إِنْ شَكٍّ بَعدَ ذلكَ فِي مِثْلِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِها بَنَى عَلَى أَكْبَرِ ظَنَّهِ».
وقد ذُكِرَ في كِتابِ الصَّلاةِ المُحَمَّدِ بنِ مُقَاتِلٍ: «أَنَّهُ إِنْ تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى أَكْبَرِ ظَنَّهِ وَلَمْ يَسْتَأْنِفِ الصَّلاةَ، جَازَ فيما أَصَابَهُ فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ، فَإِنْ لَقِيَ ذلكَ غير مَرَّةٍ تَحَرَّى الصَّواب»، ذَكَرَه فِي كِتابِ صلاة الأصل. وهذا اللفظ يَقْتَضِي وُجوبَ ذلكَ مَرَّتَيْنِ، وكذا ذَكَرَ الطَّحاوِيُّ: «وإنْ كان قَدْ أَصابَهُ قَبْلَ ذلكَ تَحرَّى، ظاهِرُه: وُجود ذلك مَرَّةً أُخْرَى، فَتَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ يَجُوزُ للتَّحَرِّي. وَفِي صَلاةِ الأَثَرِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «إِنْ كَان يَلْقَى ذلكَ كَثِيرًا، فَلْيَمْضِ عَلَى أَكْبَرِ ظَنَّهِ.
وفي كتاب الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «إذا كان قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، ثُمَّ شَكٍّ في الوضوء أو في الاحتلام، أنَّه على غَيْرِ وُضوء، وهو يَلْقَى ذلك كثيرًا، فقد اعْتَبَرَ تَكْرارَ ذلكَ في حَقِّهِ، فَإِنْ كان يَلْقَى ذلكَ كَثِيرًا عَمِلَ على غالِب ظَنَّهِ، فَإِنْ كان يَسْتَوِي الحالَتانِ فِيهِ بَناهُ على الأقل، وإن طال فِكْرُهُ حَتَّى شَغَلَهُ عَنِ الصَّلاةِ، ثُمَّ اسْتَيْقَنَ بِقَدْرِ ما صَلَّى، عليه السهو، وإن لم يَشْغَلُهُ لا سَهْوَ عليه».
وقد اعتُرِضَ عليه بأنَّه عامِدٌ في هذا التَّفَكُّرِ، ذاكِرُ لِصَلاتِهِ، وَمِنْ حُكْمِ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بأسبابِ السَّهْوِ دُونَ ما هو عامِدٌ فيه. وأُجِيبَ عنه: بِأَنَّ السَّهْوَ لَزِمَه هَا هُنَا بِتَأْخِيرِ فِعْلٍ مِنْ صَلَاتِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وفي هذا يَسْتَوِي عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، كَتَأْخِيرِ إِحْدَى السَّجْدَتَيْنِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنَ الصَّلاةِ، وَتَرْكِ القَعْدَةِ الأُولَى فِي الصَّلاةِ.
نوع منه: قال: ذكر في كتاب صلاة الأصل: «إنْ رَكَعَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا، ثُمَّ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْكَعْ، فَإِنْ سَجَدَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَقَعُ عَنِ الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ سَجَدَ لَهَا ثُمَّ قَرَأَ
فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وسَجَدَ ولَمْ يَرْكَعُ، فَإِنَّ سَجْدَةَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَقَعُ عَنِ الرَّكْعَةِ الأُولَى؛ لِتَقَدُّمِ الرُّكوعِ على السَّجْدَتَيْنِ وما بينهما ممَّا لا يَقَعُ الاعتداد بها، فَإِنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ، أَبْطِلَ حُكْمُ الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَسَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَكُونُ لَهَا، وَلا تَكُونُ للرَّكْعَةِ الأُولَى، ذَكَرَه في كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ».
وفرق بينهما: وهو أنَّه يُؤَدِّي في المسألة الثَّانِيَةِ إِلَى تَصْحِيحِ الرَّكْعَةِ على ترتيبها، ومَتَى نَقَلْنا سَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الأُولَى لَا يَكُونُ عَلَى التَّرْتِيبِ؛ لأنَّ بينهما قيام وركوع، فكان تَصْحِيحُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْلَى.
وَفِي نَوادِرِ داودِ بنِ رُشَيْدٍ»: «إِنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى فَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدُ، ثُمَّ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ، فهاتان السَّجْدَتان للرَّكْعَةِ الأُولَى، وَبِمُثلِهِ لو رَكَعَ فِي الأُولَى ونَسِيَ القِرَاءَةَ فِيهَا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فهاتانِ السَّجْدَتَانِ للرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ بَطَلَتِ الأُولَى، ولا يُشْبِهُ هذَا الْأَوَّلُ الَّذِي رَكَعَ بَعْدَما قَرَأَ».
وقَدْ فُرِّق بينهما: بأنَّه إِذا قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، فَقَدْ رَكَعَ عَلَى تَمَامٍ لَا يَكُونُ مِنْ حكم الركوع. الثَّانِي رَفْضُهُ، كذلك سَجْدَتا الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ للأُولَى. وبَطَلَتِ الثَّانِيَةُ، وعليه سَجْدَتا السهو، ولا كذلك إذا رَكَعَ قَبْلَ القِراءَةِ؛ لأن عليه أَنْ يَرْفضَ هذه الرَّكْعَةَ، فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، كذلك هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ للرَّكْعَةِ الثَّانِيَة.
وذَكَرَ الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: «أَنَّهُ تُنْقَلُ سَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلى الأُولَى، وَسَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ إِلى الثَّانِيَةِ، وَسَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ إلى الثَّالِثَةِ، وَيَسْجُدُ للرَّابِعَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ».
فَإِنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى وَلَمْ يَرْكَعْ، ثُمَّ قَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتا الرَّكْعَةِ الأُولَى لا يُحْتَسَبُ بهما؛ لِأَنَّهما مَفْعُولَتَانِ قَبلَ الرُّكوع، والرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُحْتَسَبُ بها؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ تَامَّةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّه رَتَّبَ السُّجودَ عَقِيبَ الرُّكُوعِ. وعلى قياس الرواية الأُخْرَى أَنَّ سَجْدَتَي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ للثَّانِيَةِ، وَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
فَإِنْ رَكَعَ فِي الأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَرَأَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْكَعْ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ صَلَّى رَكْعَةً، وَتَقَعُ سَجْدَتَا الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ عَنِ الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَلَا تَقَعُ عَنِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ بُرُوزَ القِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ بِلَا سُجُودٍ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الرَّكْعَةِ الأُولَى؛ لِذَلِكَ يَقَعَانِ عَنِ الأُولَى.
فإن صلَّى الظهرَ، وترك سجدةً من الركعة الأولى ساهيًا، وفي الركعة الثانية قرأ وركع وسجد ثلاث سجَداتٍ ساهيًا، فإن السجدة الزائدة لا تكون للرَّكعة الأولى إلا بالنِّيَّة، فإن قرأ في الركعة الثانية وركع وسجد السجدتين، ثم قرأ في الركعة الثالثة فاتحة الكتاب، وركع وسجد ثلاث سجَداتٍ ساهيًا، لا تكون واحدةٌ من هذه السجدات للرَّكعة الأولى إلا بالنِّيَّة، وإنما تكون للرَّكعة الأولى إذا لم يكن بينهما ركعةً منعقدةً بغير النية، وإذا كان بين الأولى والثالثة ركعةً تامَّةً، لا تصير السجدة للأولى إلا بالنِّيَّةِ، ذكره في نَوادِرِ الصلاةِ لمحمد بن الحسن.
جنس: قال الشيخ أبو العباس: الأوطان ثلاثة:
أحدها: الوطن الأصلي، وصفته: ما هو وطن استيطانه وإقامته بها.
والثاني: وطن حادث، وصفته: ما انتقل إليه مسافرًا عن وطنه الأصلي، ولم يتخذه دارًا، ولم يستوطِنه ونوى فيها الإقامة خمسة عشر يومًا فما فوق ذلك.
والثالث: وطن السُّكنى، وصفته: حصوله في موضع ليس بينه وبين موضع استيطانه مدة سفر تام.
فما كان وطنًا أصليًّا لا يبطلُه وطن حادث ولا وطن السُّكنى، ويُبطلُه وطن أصليٌّ مثله، وما كان وطنًا حادثًا يُبطلُه وطن أصليٌّ ووطن حادثٌ مثله، ولا يُبطلُه وطن السُّكنى، وما كان وطن السُّكنى يُبطلُه وطن أصليٌّ ووطن حادثٌ مثله.
- ذكر مسائل الوطن الأصلي: قال محمد بن الحسن في صلاة الأثر لهشام بن عبد الله: رجل وَطَنُهُ الكُوفَةُ، تَرَكَ وَطَنَه وَخَرَجَ إلى مَكَّةَ فَاسْتَوْطَنَها، ثُمَّ بَدا له بعدما أَوْطَنَها أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنْ يَتَوَطَّنَ خُراسانَ، فَخَرَجَ مِنْهَا فَمَرَّ بِالكُوفَةِ، يُصَلِّي بها رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّه نَقَضَ وَطَنُ مَكَّةَ الكُوفَةَ؛ حيثُ اسْتَوَطَنَ مَكَّةَ واتَّخَذَها دارًا. ولو أنَّه حيث انتَقَلَ مِنَ الكُوفَةِ دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَتَوَطَّنْ بِمَكَّةَ حَتَّى بَدا له أَنْ يَرْجِعَ وَيَتَّخِذَ خُراسان دارًا، وَنَوَى الانتقال إليها، فَمَرَّ بِالكُوفَةِ، أَنَّه يُصَلِّي بها أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ هَذَا وَطَنُهُ بالكُوفَةِ.
قال هشام: قلتُ لمُحَمَّدٍ: فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ وَطَنُهُ بِالكُوفَةِ، فَاسْتَوَطَنَ مِصْرًا غَيْرَهَا، ثُمَّ قَدِمَ مُسَافِرًا مِنْ مَكَّةَ إلى الكُوفَةِ، وَلَهُ بِهَا دَار، وَقَدْ كَانَ وَطَنَهُ، أَيَقْصُرُ بِهَا الصَّلَاةَ؟ قال مُحَمَّدُ: هَذِهِ حالَتِي، وَأَنَا أَرَى أَنْ أَقْصُرَ الصَّلَاةَ بِهَا إِذَا كَانَ نَوَى أَنَّه تارِكُ لِوَطَنِ الكُوفَةِ، حَيْثُ اتَّخَذَ مِصْرًا آخَرَ وَطَنًا.
قال مُحَمَّدٌ: «إِلَّا أَنَّ أبا يُوسُفَ قَدْ كَانَ حِينَ قَدِمَ الكُوفَةَ صَلَّى صَلَاةَ مُقِيم، وَلَهُ وَظَنٌّ بِمَدِينَةِ السَّلامِ، إِلَّا أَنَّه يُحْمَلُ عَلَى أَنَّه لم يَكُنْ نَوَى تَرْكَ وَطَنِهِ بِالكُوفَةِ»، هَذَا تَأْوِيلُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «فَإِنْ خَرَجَ الكُوفِيُّ
إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَكَ ثَقَلَهُ بِهَا، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ الكُوفَةَ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالكُوفَةِ أَرْبَعًا».
وَفِي نَوادِرِ الصَّلَاةِ لمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ بَاعَ دَارَهُ، ونَقلَ عِيالَهُ، وَخَرَجَ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَطَّنَ مَكَّةَ، فلما انتهى التغلبية - وهي على رأس عَشْرٍ مِنَ الكُوفَةِ - بَدا له أَنْ يَتَوَطَّنَ خُراسانَ وَلَا يُوَطَّنَ مَكَّةَ، فَمَرَّ بِالكُوفَةِ، صَلَّى بها أربعًا، وهذا وَطَنُهُ حَتَّى يُوَطَّنَ غَيْرَهَا، وَبَعْدُ لَمْ يُوَطَّنْ مَكَّةَ؛ لأنَّه لم يَأْتِهَا، فَإِنْ كَان أَنَّى مَكَّةَ ثُمَّ بَدا له أَنْ يَرْجِعَ إِلى خُراسانَ ويُوَطَّنَها، فَمَرَّ بِالكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بها؛ لأنَّ الكُوفَة ليست له الآنَ بِوَطَنٍ، إِنَّمَا الآن وَطَنُهُ مَكَّةُ، حَتَّى يُوَطَّنَ غَيْرَهَا».
وفي «الزياداتِ»: «كُوَفِيٌّ خَرَجَ مِنَ الكُوفَةِ يُرِيدُ قَصْرَ ابْنِ هُبَيرَةَ، وَنَوى بالقَصْرِ إقامته خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وبَغْدَادِيٌّ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ يُرِيدُ القَصْرَ، ونَوَى أَنْ يُقِيمَ بالقَصْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، والْتَقَيا بالقَصْرِ، ثُمَّ خَرَجًا يُرِيدَانِ الكُوفَة، وأنْ يُقيما بها ثُمَّ يَرْجِعان إلى بَغْدَادَ، وَيَمُرَّانِ بالقَصْرِ، أَنَّهُما يُصَلِّيانِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا حَتَّى يَبْلُغا الكُوفَة، وكذلك بالكوفة.
فإذَا خَرَجًا مِنَ الكُوفَةِ يُريدانِ بَعْدادَ، يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَدْخُلَا بَغْدَادَ، فَيُصَلِّي البَعْدادِيُّ أَرْبَعًا، ويُصَلِّي الكُوَفِي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يُوَطَّنَ نَفْسَهُ على إقامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لأنَّ الكُوفِيَّ والبَغْدَادِيَّ لَمَّا خَرَجًا من القَصْرِ، فهذا وَطَنُ حَادِثُ لَا يَبْطُلُ به الوَطَنُ الأَصْلِي».
وقال مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في نَوادِرِ ابْنِ سَماعَةَ: «البَغْدَادِيُّ يُصَلِّي أربعًا في الانصراف؛ لأنَّ وَطَنَهُ لم يَبْطُلْ بِالقَصْرِ». وقد فَسَّرَه في صَلاةِ الأثر فقال: لأنه لم يأتِ البَغْدَادِي وَطَنَهُ، ولم يَكُنْ بينَ الكُوفَةِ والقَصْرِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تَبْطُلَ إِقَامَتُهُ بالقَصْرِ، فَأَمَّا الكُوفِيُّ فَقَدِ انتَقَضَ إِقَامَتُهُ بِالقَصْرِ بِرُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِي».
قالَ الشَّيْخُ أبو العَبَّاس: إقَامَتُهُ بِالقَصْرِ وَطَنِ حَادِثُ أَبْطَلَهُ وَعَنْ أَصْلٍ، وأما البغدادي فإقامَتُهُ بالقَصْرِ وَطَنُ حادث؛ لأنَّه نَوَى إِقَامَتَهُ بِها خَمْسَةَ عَشَرَ، ولم يَطْرَأُ عليه مُدَّةُ السَّفَرِ، فكان باقيًا على إقامَتِهِ بِالقَصْرِ وَطَنًا حَادِثًا.
وَقَدْ ذُكِرَ مَا يُوضّحُ اعْتِبَارَ مُدَّةِ السَّفَرِ فِي صَلَاةِ الأَثَرِ»، قال هشام: «قال لي مُحَمَّدُ: ما تَقُولُ في رَجُلٍ مِنْ أهلِ الرَّيِّ يُرِيدُ الكُوفَة، فلما أتاها نَوَى بها المُقامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ بَدا له أنْ يَخْرُجَ إلى القادِسِيَّةِ، كَمْ يُصَلِّي؟ قلتُ: أَرْبعًا.
قال: فَإِنْ رَجَعَ مِنَ القادِسِيَّةِ مُنصَرِفًا يُرِيدُ الرَّيَّ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الكُوفَةِ، كَمْ يُصَلِّي؟ قلتُ: أربعًا، وما دام بالكُوفَةِ؟ قال: أجل، قلت لمُحَمَّدٍ: لو كان حيثُ يَخْرُجُ مِنَ الكُوفَةِ أرادَ سَفَرًا ثلاثة أيامٍ، فلما سار يَوْمًا بَدا له أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الرِّيِّ، ومَرَّ بالكُوفَةِ، قال: يُصَلِّي بها رَكْعَتَيْنِ».
قال الشيخ أبو العَبَّاس: فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الوَطَنَ الحَادِثَ يَبْطُلُ بِطَرَأَىنِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولا يَبْطُلُ بِمَسَافَةٍ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ فِيهَا.
- ذِكْرُ مَسَائِلِ الوَطَنِ الحَادِثِ:
قال في كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُراسانَ قَدِمَ الكُوفَةَ وأقامَ بها، وأَتَمَّ الصَّلاةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الحِيرَةِ، فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، فأقامَ بِالحِيرَةِ أَيَّامًا على تلك النِّيَّةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنها يُرِيدُ خُراسانَ ومَرَّ بالكُوفَةِ، فَإِنَّه يَقْصُرُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه وَرَدَ وَطَنًا حَادِثًا بِالحِيرَةِ عَلَى وَطَنٍ حَادِثٍ بِالكُوفَةِ، فَأَبْطَلَهُ.
قال: «فإن لم يَنْوِ المُقامَ بِالحِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا حِينَ خَرَجَ إليها، إلا أنَّه كان بها أَيَّامًا يُتِمُّ الصَّلاةَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنها يُرِيدُ خُراسانَ فَمَرَّ بِالكُوفَةِ، فَإِنَّه يُتِمُّ الصَّلاةَ؛ لأنَّهُ لمَّا قَامَ بِالحِيرَةِ، ولم يَنْوِ إِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، كان هذا وَطَنًا للسُّكْنَى، فَلَمْ يُبْطِلْهُ وَطَنُ حَادِثٍ.»
قال: «فَإِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِالكُوفَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ مَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ القادِسِيَّةَ ذَكَرَ حَاجَةً بِالكُوفَةِ، فَرَجَعَ إلى الكُوفَةِ، فَإِنَّه يَقْصُرُ الصَّلاةَ بِالكُوفَةِ؛ لأنَّه انقَطَعَتْ إِقَامَةُ الحَادِثِ بالكُوفَةِ؛ لِوُرُودِ سَفَرِهِ إِلَى مَكَّةَ سَفَرًا تَامًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خُرُوجُهُ إِلَى الحِيرَةِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الكُوفَةِ وَالحِيرَةِ لَا يُوجَدُ مُدَّةُ سَفَرٍ تَامٍّ.»
قال: «فَإِنِ اتَّخَذَ بَلْدَةً أُخْرَى دارًا، فَإِنَّه يَقْصُرُ الصَّلاةَ بِالكُوفَةِ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ بَلْدَةً أُخْرَى دارًا هُوَ كالوَطَنِ الأَصْلِيِّ، فَيَبْطُلُ الوَطَنُ الحَادِثُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الكُوفَةِ إِلَى الحِيرَةِ وَتَرَكَ بِالحِيرَةِ ثَقَلَهُ وَمَتَاعَهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ الحِيرَةُ وَطَنَهُ لِمَتَاعِهِ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّه لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا بِمَتَاعِهِ، وَلَمْ يَنْوِ المُقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، حَنَثَ؟ وَهَذَا وَطَنُ السُّكْنَى لَا يُبْطِلُ الوَطَنَ الحَادِثَ.»
- ذِكْرُ مَسائِلِ وَطَنِ السُّكْنَى:
قال في كتاب «الصَّلاةِ»: «رَجُلٌ خَرَجَ من النيل، وهي سواد الكوفة، بينهما أقلُّ مِنْ مَسيرَةِ ثلاثَةِ أَيَّامٍ، وتَرَكَ بالكُوفَةِ ثَقَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الكُوفَةِ إلى القادِسِيَّةِ يَطْلُبُ غَرِيمًا له، ثُمَّ خَرَجَ من القادِسِيَّة يُرِيدُ الشَّامَ، ويُرِيدُ أَنْ يَمُرَّ بِالكُوفَةِ، يُصَلِّي بِالكُوفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ لأَنَّ القَادِسِيَّةَ قَدْ صَارَتْ وَطَنَهُ وَطَنَ السُّكْنَى، فَأَبْطَلَ وَطَنَهُ سُكْنَاهُ بِالكُوفَةِ بِتَرْكِ مَتاعِهِ بها.
قال: «فإنْ نَوَى بالقادِسِيَّةِ أَنْ يُقِيمَ بها خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، يُبْطِلُ سُكْناهُ بالكوفة؛ لأنَّه وَطَنُ السُّكْنَى، وإقامته بالقادِسِيَّةِ وَطَنُ حادث، والوَطَنُ الحادث يُبْطِلُ وَطَنَ السُّكْنَى. قال: «فَإِنِ انْتَقَلَ إلى القادِسِيَّةِ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ بَطَلَ سُكْناهُ بالكُوفَةِ، ويُصَلِّي بالكُوفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ لأَنَّهُ وَرَدَ عليه وَظَنُ أصلي.
جنس: قال: مَنْ يَكُونُ تَحْتَ وِلايةِ إنسانٍ دُونَ ولاية الأَحْكامِ، فَنِيَّةُ المَوْلى عليه في الإقامة لا اعتبار بها، كالعَبْدِ مع السَّيِّدِ.
قال في صلاةِ الأَثَرِ» لهشام بن عُبَيدِ اللهِ: «قَالَ مُحَمَّدٌ: رَجُلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ في السفر، ونوى الزوجُ المُقام ولم تَنْوِ المَرْأةُ ذلك، أو نَوَتْ هي المُقامَ ولم يَنْوِ الزَّوْجُ، أَنَّ النَّيَّةَ نِيَّةُ الزَّوْجِ».
وقال أبو يُوسُفَ: «إن نَوَتِ المَرْأَةُ المُقامَ ولم يَنْوِ الزَّوْجُ، أو نَوَى المَمْلُوكُ ولم يَنْوِ السَّيِّدُ، لَزِمَ المَرْأَةَ والعَبْدَ أربع».
وقال أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِ مُعَلَّى»: «إذا سافَرَتِ المَرْأَةُ مع زَوْجِهَا، وَنَوَى الزوج الإقامة ولم تَعْلَمِ المَرْأَةُ بذلك، وجَعَلَتْ تُصَلِّي صَلاةَ المُسافِرِ، إِذا عَلَمِتْ أعادَتْ ما كانتْ قَدْ صَلَّتْ، وكذلك العَبْدُ مع سَيِّدِهِ، والأَجِيرُ معَ مَنْ استَأْجَرَهُ، وَالأَسِيرُ مع مَنْ أَسَرَهُ، وَمَنْ يُسَافِرُ مَع أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُمْ فِي ذلك مِثْلُ المَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا». وقد فَرَّقَ أبو يُوسُفَ بين انفِرادِهِ بِنَفْسِهِ وبين أن لا يَنْفَرِدَ، وَمُحَمَّدٌ سَوَّى بينهما.
وقال أبو حَنِيفَةَ في كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ بن زِيادٍ «لو أَنَّ بَعْضَ مَنْ مع الخليفَة في سَفَرِهِ مِمَّنْ يُجْرِي عليه الخَلِيفَةُ الرِّزْق، لو نَوَى الخَلِيفَةُ الإقامة في مِصْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، وبَعضُ مَنْ معه لا يَنْوِي ذلكَ، أَنَّ النَّيَّةَ نِيَّةُ الخَلِيفَةِ، وَإِنْ نَوَى الخَلِيفَةُ إقَامَةَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَنَوى الَّذِي مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عليه أنْ يَقْصُرَ، وإنَّما هو تابع للخَلِيفَة، وكذلك الوالي مِثْلُ الأمير دون الخَلِيفَةِ، نِيَّتُهُ تابعة للوالي، ونِيَّةُ المَرْأَةِ لِزَوْجِها، والعَبْدُ لِمَوْلاهُ، وَالأَجِيرُ لأُسْتَاذِهِ»، وقال الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ مِنْ قَوْلِ نَفْسِهِ: «نِيَّتُهُم جَائِزَةٌ، وَيَلْزَمُهُمْ أَرْبَعُ». فَقَدْ بَيَّن أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مثلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى: «قال أبو يُوسُفَ: إِذا حَمَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَذَهَبَ به ولا يَدْرِي أَين يَذْهَبُ، فَإِنَّه يُتِمُّ الصَّلاةَ حَتَّى يَسِيرَ ثَلاثًا، فَحِينَئِذٍ يَقْصُرُ، فَإِنْ عَلِمَ بعد الثلاثِ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْ غَايَتِهِ مِقْدَارُ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عليه القَصْرُ مِنْ يَوْمِ حَمَلَ، ولو كان صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُنْذُ يَوْمٍ حَمَلَ، وسارَ به مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ صَلاتَهُ مُجْزِئَةٌ، وَإِنْ سارَ به أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ».
وفي كِتابِ الصَّلاةِ للحَسَنِ: «مُسافِرُ تَعَلَّقَ به غَرِيمٌ له في سَفَرِه، وليس معه ما يَقْضِيهِ، وهُو يَنْوِي أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْه، كان بِمَنْزِلَةِ المُقيم، وعليه أن يُتِمَّ الصَّلاةَ، وكذلك لو قَدَّمَهُ إِلَى وَالٍ فَحَبَسَهُ وَهُوَ يَرْجُو
أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ السِّجْنِ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، كان عليه أن يُتِمُ الصَّلاةَ، وإن كان معه ما يَقْضِيهِ وَقَدْ نَوى أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلَزِمَهُ إِنْ كَانَ مَحْبُوسًا قَصْرُ، وَإِنْ نَوَى أَنْ لا يَقْضِيَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَتَمَّ الصَّلاةَ، سواء كان قد حَبَسَهُ أو لَزِمَهُ».
في زيادات نَوادِرِ هِشَامٍ، قال مُحَمَّدٌ: «إِنْ كَانَ المَحْبُوسُ يَقْدِرُ عَلَى الأداء فالنيَّةُ في المُقامِ والسَّفَرِ نِيَّتُهُ، وإنْ لم يَقْدِرُ على الأداء وهو في الحبس فالنَّيَّةُ نِيَّةُ الحابِسِ، فَإِنْ نَوَى أَنْ لا يُخْرِجَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، فَعَلَى المَحْبُوسِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلاةَ، وليس على الحابس أنْ يُتِمَّ الصَّلاةَ إذا كان مُسافِرًا؛ لأنَّ له أَنْ يَحْبِسَهُ، وَيَخْرُجَ هُو فِي سَفَرِهِ». وهذا من الغرائب، أنْ يَكُونَ الإنسان مُقِيمًا بنية خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِهِ، ولا يَصِيرُ ذلك الغَيْرُ به مُقِيمًا.
جنس: قال: الشَّرائِطُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي صِحَةِ الجُمُعَةِ هي على ثلاث مَرَاتِب:
أَحَدُها: ما يَعُودُ إِلَى البُقْعَةِ كَالأَمْصَارِ.
والثاني: ما يَعُودُ إِلَى الإمام كالسُّلْطانِ، وهو سُلْطَانٌ له ولايَةً أو نائبه.
والثَّالِثُ: ما يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الصَّلاةِ، وهو يَنْقَسِمُ إِلَى ثلاثة أقسام:
أَحَدُها: ما يُعْتَبَرُ عِندَ التَّحْرِيمَةِ، وهي مُشاهَدَةُ المُؤْتَمِّينَ الخُطْبَة.
والثاني: ما يُعْتَبَرُ وُجودُهُ إِلَى تَمَامِ رَكْعَةٍ، وهُو بَقاءُ الجَمَاعَةِ إِلَى أَنْ يَعْقِدَ الإمامُ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ.
فهمت، سألتزم بالنص الذي ذكرته حرفيًا:
والثَّالِثُ: ما بَقاؤُهُ إلى آخِرِ التَّحْرِيمَةِ مُعْتَبَرُ بِهِ، وَهُو بَقَاءُ الطَّهَارَةِ، وَسَتْرُ العورة.
وقال أبو حَنِيفَةَ: وَقْتُ الجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَوَقْتُ الخُطْبَةِ بَعدَ زَوالِ الشَّمْسِ». وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «إِنْ خَطَبَ يَومَ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ لم يجز إِلَّا أَنْ يَحْضُرَهُ الرِّجَالُ، وَإِنْ خَطَبَ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ لم يَجُزْ إِنْ كُنَّ وَحْدَهُنَّ». وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةً: «إِذا خَطَبٍ وَحْدَهُ يومَ الجمعة جاز».
وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ»: «لو كانَ هُناكَ رِجَالٌ فَخَطَبَ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ جَازَ، ولا يَضُرُّ تَباعُدُهُمْ عن الإمام». وَفِي «الجامع الصغير»: «لو خَطَبَ بتسبيحةٍ واحدةٍ جاز في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: «لا يَجُوزُ حتَّى يَكُونَ كَلامًا يُسمَّى خُطْبَةً».
وَفِي كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «وَيَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ ويَخطُبُ. وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ المُحَمَّدٍ: لو خَطَبَ رَجُلٌ خُطْبَةً الجُمُعَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الإمام وهو حاضر، لم يَجُزْ إِلَّا بِأَمْرِهِ». وَفِي
كِتَابِ الصَّلاةِ» لا بن مقاتل: لو أَذِنَ الإِمامُ لِرَجُلٍ أَنْ يَخطُبَ الْجُمُعَةَ فَهُو إِذنٌ بِإِقَامَةِ الجُمُعَةِ، ولو أَذِنَ بإقامَةِ الجُمُعَةِ فهو إذن بالصَّلاةِ والخُطبة جميعًا، ولو قال له: اخطب بهم ولا تُصَلِّ، أَجْزَاهُ أَنْ يُصَلِّي بِهم».
وفي كتاب الوكالة»: «لو قال: وَكَّلْتُكَ بالخُصومة في فُلانٍ، بِشَرْطِ أَنْ لا تُقرَّ عَلَيَّ عِندَ الحاكِمِ بِشَيْءٍ، جاز هذا الشَّرْطُ، ولو قال: وَكَلْتُكَ بِبَيْع هذا العَبدِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَقْبِضَ الثَّمَنَ، لَه قَبْضُهُ، وَالنَّهْيُ باطِلُ».
وَفِي الْأَصْلِ: «لو خَطَبَ وهو جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضوءٍ خُطْبَةَ الجُمُعَةِ جاز، وقدْ أَساءَ، وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ: «إِنْ خَطَبَ وهو جُنُبٌ أَعادَ، وَإِنْ لم يُعِدُها أَجْزَاهُ».
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ: «ولا تَجِبُ الجُمُعَةُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ والمدائن، ومَنْ كان خارِجَ المِصْرِ لا يَلْزَمُهُم حُضورُ المِصْرِ للجُمُعَةِ». وَقال أبو يُوسُفَ في «أَدَبِ القاضي» إملاءً رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «مَنْ كان خارِجَ المِصْرِ مِمَّنْ بَعُدُوا فَيَشْهَدُ الجُمُعَةَ، إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنزِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْوِيَهِ اللَّيْلُ يَلْزَمُهُ حُضورُ الجُمُعَةَ، وإنْ لم يُمْكِنْهُ ذلكَ فَلا يَلْزَمُهُ». وقال مُحَمَّدٌ في صَلاةِ الجُمُعَةِ: «لا نُوجِبُ عَلَى مَنْ كان مِنَ المِصْرِ عَلَى قَدْرِ ثَلاثَةِ أميالٍ».
وَفِي نَوادِرِ ابنِ شُجاعٍ: «رُوِيَ لنا عن أبي يُوسُفَ: أَنَّ القَدْرَ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى الجُمُعَةِ إِنْ كَانَ فِي القَرْيَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ، عَلَيْهِمُ الجُمُعَةُ. وَصِفَةُ المِصْرِ: ما قَالَهُ أبو يُوسُفَ فِي «الإِمْلاء»: «كُلُّ مِصْرٍ فِيهِ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الأحكامَ ويُقِيمُ الحُدودَ، فَعَلَى أَهْلِهِ الجُمُعَةُ».
وَفِي كِتَابِ الصَّلاةِ» للحسن: «المِصْرُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى أَهْلِهِ الجُمُعَةُ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ يَجْمَعُهُمْ عَلَى الصَّلاةِ، أَوْ كَانَ فِيهِ قَاضٍ يُقِيمُ الحُدودَ».
وَفِي نَوادِرِ عَلَيَّ بنِ يَزِيدٍ الطَّبَرِيِّ» قال: «سألتُ مُحَمَّدًا عَنِ البَلَدِ الَّذِي تجبُ الجُمُعَةُ على أَهْلِهِ، قال مُحَمَّدٌ: «إذا كان مِصْرًا فيه قاض يُقِيمُ الحدود، يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ جُمُعَةٌ»، ولم يُقَدِّرْ على عَدَدِ النَّاسِ المُقِيمِينَ فيه». وقال أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِ ابْنِ شُجاع»: «قَدْرُ عَشَرَةِ آلافٍ».
وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ المُحَمَّدٍ: «إِنْ خَرَجَ الْأَمِيرُ يَومَ الجُمُعَةِ مِنَ المِصْرِ إِلى الاسْتِسْقَاءِ يَدْعُو، وَخَرَجَ معه أُناسٌ كَثِيرُ فَصَلَّى بِهم الجُمُعَةَ فِي الجَبَّانَةِ، وهو على قَدْرِ غَلْوَةٍ مِنَ المِصْرِ، جاز».
وقد ذُكر في كتاب «الخراج» لابن شُجاع: «أَنَّ الغَلْوَةَ: قَدْرَ ثَلاثِ مِئَةِ ذراع إلى أربع مِئَةِ ذراع، والمِيلُ: قَدْرَ ثلاثة آلاف ذراع إلى أربعة آلاف ذراع.
وقال في "الجامع الصَّغِيرِ": «يُصَلِّي بهم الجُمُعَةَ بِمِنّي في قول أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدُ: «لا يُصَلِّي بِمِنّى، ولا تَصِحُ بِعَرَفَاتٍ جُمُعَةٌ في قولهم جميعًا.
وَفِي صَلَاةِ الأَثَرِ» قال: «لا تَصِحُ الجُمُعَةُ بِالرَّبَذَةِ في قول أبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدُ: «تصح بها الجُمُعَةِ». وَفِي المَأْخُوذ به للحَسَنِ بن زياد: «لو نَزَلَ الخليفة أو والي العراق في المَنازِلِ الَّتِي في طريق مَكَّةَ - كالتَّغْلِبِيَّةِ ونحوها - جمع بها.
وفِي كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: يُكْرَهُ الكَلامُ والحَدِيثُ والشروع في الصَّلاةِ إذا خَرَجَ الإمام للخُطْبَةِ، وكذلك بَيْنَ نُزولِه عنِ المِنْبَرِ فِي قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونُ المُصَلِّي فيها، ثُمَّ خَرَجَ الإمامُ إليها، أتمها بالفراغ، وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ: «لا بأس بذلكَ كُلَّه». وَفِي صَلَاةِ الأَثَرِ»: «إِذا قَعَدَ الإمامُ بينَ الخُطْبَتَيْنِ لا أَرَى بأسًا بالكلام ما دام الإمام جالسًا في قول أبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدٌ: «أَكْرَهُ ذلك».
وفي حالِ الخُطْبَةِ: يُكْرَهُ الكَلامُ وصَلاة التطوع في قولهم جميعًا. وفي "البرامكة": «كان أبو حَنِيفَةَ يَكْرَه تَشْمِيتَ العَاطِسِ ورَدَّ السَّلامِ إِذا خَرَجَ الإمام يومَ الجُمُعَةِ للخُطْبَةِ».
وَفِي صَلَاةِ الْأَثَرِ»: «قالَ مُحَمَّدٌ: «إِنْ ذَكَرَ اللهَ الإمامُ، أَو صَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُنْصِتُوا»». وَفِي كِتابِ الصَّلاةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرَبَ الماءَ ولا يَطْعَمَ شَيئًا والإمامُ يَخْطُبُ».
وفي كتاب "الصَّلاةِ" لمُعَلَّى الرَّازِيّ: «قال أبو حَنِيفَةَ: «مَنْ حَضَرَ الخُطْبَةَ يَنْبَغِي له أنْ يُنْصِتَ عندها، سَمِعَ الخُطْبَة أو لم يَسْمَعُها، ولا يَشْتَغِلُ بِذِكْرِ الله ولا غَيْرِهِ».
وفي كِتابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «لو رَعَفَ الإمامُ قَبلَ شُروعِهِ في صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَقَدَّمَ رَجُلًا لم يَشْهِدِ الخُطْبَةَ، صَلَّى بِهِمُ الظهر أربعًا، ولا يُصَلِّي بِهِمُ الجمعة، ولو رَعَفَ الإمامُ بعد أنْ شَرَعَ في الصَّلاةِ، ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا لم يَشْهَدِ الخطبة، أَتَمَّها بِهِمْ صَلاةَ الجُمُعَةِ، ولو قَدَّمَ مَنْ شَهِدَ الخُطْبَةَ فِي المَسْأَلَتَيْنِ جميعًا صَلَّى بِهِم الجُمُعَةَ، وإِنْ خَطَبَ الإِمامُ يَومَ الجُمُعَةِ للنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ منها قَدِمَ عليه أَمِيرُ آخَرُ، فَتَقَدَّمَ وصَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الجُمُعَةِ لَا يَجوز؛ لأنَّ الأمير الثاني لم يَخْطُبُ، وَلَمْ يَسْمَعِ الخُطْبَةَ الأُولَى»، ذَكَرَه فِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ.
فَإِنْ كان الأَمِيرُ الثَّانِي صَلَّى خَلْفَه ولم يَعْزِلْهُ، جَازَتِ الجُمُعَةُ، ولو عَزَلَ الأَوَّلَ انْتَقَضَتْ حُكْمُ الخُطْبَةِ الأُولَى، ذَكَرَه فِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَإِنْ لم يَحْضُرِ الأَمِيرُ الثَّانِي، وَصَلَّى الأَوَّلُ الجُمُعَةَ مع عِلْمِهِ بِقُدُومِ الثَّانِي، جازتِ الجُمُعَةُ ما لَمْ يَجِئْ مِنَ الثَّانِي الجلوس في الحكم، وما يُستدل به على عَزْلِ الأَوَّلِ»، ذَكَرَه فِي الْمُجَرَّدِ.
وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ لا بنِ شُجاع: رَوى ابن أبي مالك، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةَ: ليس للقاضي أنْ يُصَلِّي الجُمُعَةَ بِالنَّاسِ ما لم يُؤْمَرُ به، ويَجُوزُ لِصَاحِبِ الشَّرَطَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرُ به». وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ»: «يَجُوزُ للقاضي كما يَجُوزُ لِصَاحِبِ الشَّرَطَةِ».
وَإن ماتَ وَلِيُّ المِصْرِ فَأَجْمَعَ العَامَّةُ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمُ الْجُمُعَةَ بِغَيرِ أمْرِ القاضي، أو صاحِبِ الشُّرَطَةِ، أو خَلِيفَةِ المَيِّتِ، لم تَجْزِ الجُمُعَةُ، وبِأَمْرِ واحدٍ مِنْ هؤلاء جازَتْ، ذَكَرَه فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: «لو ماتَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ - وهي مِنْ بِلادِ المَغْرِبِ - فَاجْتَمَعَ النَّاسُ على رَجُلٍ يُصَلِّي بِهِمْ صَلاةَ الجُمُعَةِ إِلى أَنْ يَجْنِيَهُم عَامِلُ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ، جَازَتْ صَلاتُهُ، وقَدْ صَلَّى عَلِيّ بنُ أَبِي طَالِبٍ بالنَّاسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وعُثْمَانُ مُحْصُورٌ، اجْتَمَعَ عليه النَّاسُ».
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: «لو غَلَبَ عَلَى مِصْرٍ مُتَغَلِّبٌ فَصَلَّى بهم الجُمُعَةَ جاز، وكذلك إذا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي بِهِمُ الجُمُعَةَ جاز، وقد طَرَدَ النَّاسُ سَعِيدَ بنَ العاصِ مِنَ الكُوفَةِ عَامِلَ عُثْمَانَ، فولى النَّاسُ أَمْرَهُم عَمْرُو بن حُرَيْثٍ، فَصَلَّى بِهِمُ الجُمُعَةَ حَتَّى قَدِمَ عليهم عامل عثمان.
وَفِي نَوادِرِ داودِ بنِ رُشَيْدٍ رِوايَةُ مُحَمَّدِ بنِ بُوگرد: «قال مُحَمَّدٌ: «إذا مات الخليفة فالقاضي على قضائه، والوالي على ولا يَتِهِ، حَتَّى يَعْزِلَهُ القَائِمُ بَعْدَهُ».
وَفِي صَلَاةِ الْأَثَرِ: «قال هِشَامٌ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ عَنِ الخليفة إذا مات، ما حال الوُلاةِ: أَهُمْ وُلاةٌ يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ؟ وما حال الصَّلاةِ بِعَرَفَاتٍ في الجمع بين الصَّلاتَيْنِ بها؟ وما حال القضاة؟ قال مُحَمَّدٌ: هم على حالهم كما كانوا قُضاةً وولاة، ولو ماتَ وَاحِدٌ مِنَ الوُلاةِ - مِثْلُ أَمِيرِ النَّاحيَةِ - أو القاضي، انْعَزَلَ خُلفاؤُهُ وقُضاتُهُ».
وَفي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: «قال أبو حَنِيفَةَ: «ليس على الأَعْمَى مُباشَرَةُ الحَجِّ بِنَفْسِهِ، ولا حُضُورُ الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، ولو كان له ألف قائد». وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: «الأَعْمَى عليه حُضور الجُمُعَةِ والجماعة والحج إذا قَدَرَ عَلَى قَائِد». وَفِي المَأْخُوذِ به» للحَسَنِ: «لا جُمُعَةَ عَلَى الشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ كالمَرِيضِ».
وَفِي كِتَابِ صَلاةِ الأَصْلِ: «لو مَنَعَ المَوْلَى عَبْدَه مِنْ حُضورٍ صَلاةِ الجُمُعَةِ والجماعة وصلاة العيد، لا يَضُرُّهُ. وَفِي صَلاةِ الحَسَنِ: ويَسَعُ العَبْدَ والمَرِيضَ والمُسافِرَ والمَرْأَةَ والمَحْبُوسَ تَرْكُ الجُمُعَةِ».
قال: وفَرْضُ الوَقْتِ هي الظُّهْرُ، لكن له إِسْقَاطُ فَرْضِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ صَلاةِ الجُمُعَةِ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدٌ: «فَرْضُ الوَقْتِ هي الجُمُعَةُ، لكن له إسقاطها بِفِعْلِ الظُّهْرِ».
ويُتَصَوَّرُ ذلكَ بِمَسْأَلَةٍ ذَكَرَها في كِتَابِ صَلاةِ الأَثَرِ: «لو صَلَّى مع الإمام الجُمُعَةَ فَتَذَكَّر فيها أنَّ عليه فَجْرَ يَوْمِهِ، بَطَلَتِ الجُمُعَةُ عِندَ أَبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ؛ لأنَّ فَرْضَ الوَقْتِ هو الظُّهْرُ، وقال مُحَمَّدٌ: «لا يَبْطُلُ إِذا خَشِيَ فَوَاتَ الجُمُعَةِ؛ لأَنَّ فَرْضَ الوَقْتِ هي الجُمُعَةُ عِندَهُ».
وفي كتاب «الصَّلاةِ» للحَسَنِ: «قال أبو حَنِيفَةَ: «أَهْلُ البَادِيَةِ والقُرَى من ليس في مِصْرٍ: عليهم أنْ يُصَلُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كما يُصَلُّونَها في غَيْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ بأذان وإقامة، والمُسافِرُونَ إِذا حَضَرُوا في مِصْرٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ ليس عليهم الجُمُعَةُ، وَيُصَلُّونَ الظُّهْرَ فُرَادَى، وليس لهم أنْ يُصَلُّوها بالجماعة، وكذلك أَهْلُ المِصْرِ إِذا فَاتَتْهُمُ الجُمُعَةُ».
كتاب الزكاة
قال: كُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِعَدَدٍ من الحيوانِ، فَلِنُقْصَانِ السِّنِّ تَأثِيرٌ في إسقاطِهِ، كَبُطَلانِ الشَّهَادَةِ، وَفِي وُجوبِ الزَّكَاةِ اعتُبِرَ عَدَدٌ مِنَ الحيوانِ كاعتبارهِ في الشَّهَادَةِ، فَجَريا مَجْرًى واحِدًا، وَفِي وُجوبِ صَدَقَةِ الفِطْرِ لا يُعْتَبَرُ عَدَدٌ مِنَ الحيوانِ، كَعَبْدٍ وَاحِدٍ تَجِبُ على المَوْلَى عنه فِطْرَتُهُ».
وقال في كتاب زكاة الأصل: «ليس في الفصلان والحملان والعجاجيل زَكاةً حالة الانْفِرَادِ عنِ المُسِنَّةِ عندَ أَبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: «تَجِبُ فيها واحِدَةٌ منها.
وَفِي شَرْحِ اخْتِلافِ زُفَرَ لابنِ شُجاع: «أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بنُ أبي مالكٍ، عن أبي يُوسُفَ، قال: سَأَلتُ أبا حَنِيفَةَ عن أَرْبَعِينَ حَمَلًا، فقال: فيها شاهٌ مُسِنَّةٌ، قال أبو يُوسُفَ: قلتُ له: فإن كانتِ المُسِنَّةُ أكثرَ قِيمَةً مِنَ الحُمْلانِ، أتوجبُ أكثرَ مِنْ قِيمَةِ المالِ المُزَكَّى؟ فقال: لا، بل فيها حملٌ منها، فقلتُ له: ويُؤْخَذُ الحَمَلُ فِي الزَّكَاةِ؟ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قال: لا شيء فيها». فقوله الأول أَخَذَ به زُفَرُ، وقَوْلُهُ الثَّانِي أَخَذَ به أبو يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ الثَّالِثُ أَخَذَ به مُحَمَّدٌ.
ولو كان في جُمْلَتِها واحِدَةً كَبِيرَةٌ تَجِبُ الزَّكاةُ فيها، وتُؤْخَذُ الكَبِيرَةُ بلا خلافٍ، ذَكَرَه في زكاة الأصل. فَإِنْ هَلَكَتِ المُسِنَّةُ بَعْدَ الحَوْلِ ذَكَرَ في كتاب «الزكاة» إملاءً روايةَ بشر بنِ الوليدِ: لا شيء عليه مِنَ الزَّكاةِ في قياس قول أبي حَنِيفَةَ، وَفِي آخِرِ الزِّيَادَاتِ: «لا شَيْء عليه في الحملان الباقية».
ولو هَلَكَتِ الحملانُ وبَقِيَتِ المُسِنَّةُ، يَكُونُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ وَسَط، وعلى قول أبي يُوسُفَ: إِنْ بَقِيَتِ الحُمْلانُ وهَلَكَتِ الكَبِيرَةُ، فَفِيما بَقِيَ مِنَ الحُمْلانِ يَجِبُ تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ جُزْءًا مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ حَمَلٍ.
وقد اخْتَلَفَتِ الرواياتُ عن أبي يُوسُفَ في كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الزَّكاةِ عَنْ الفِصْلَانِ، قال في إملاء محمدٍ روايةَ قُرَيْشِ بن إسماعيلِ: «قال أبو يُوسُفَ: إِذا بَلَغَ الفِصْلانُ عَدَدًا تَجِبُ واحِدَةً منها، لو كانتْ كُلُّها كبارًا يَجِبُ فيها فَصِيلٌ، وهو قَدْرُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ لا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَدَدُ الفِصْلَانِ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ، فَيَجِبُ فيها فَصِيلَانِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِئَةً وَخَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، فَيَجِبُ ثلاثةٌ مِنَ الفِصْلَانِ؛ لِأَنَّه يَجِبُ في الكِبَارِ حِقَّتانِ وبِنْتُ مَخَاضٍ، وفَارِقُ الكِبَارِ مِنْ حَيْثُ السِّنُّ، فَعُلِّقَ تَفْسِيرُهَا في العَدَدِ».
وقد اعْتَرَضَ مُحَمَّدٌ على أبي يُوسُفَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الزكاةَ في جِنْسِ الإِبِلِ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وهُو وُجوبُ الزَّكاةِ بَيْنَ خَمْسَةٍ إلى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَبَيْنَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ إلى سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ، وما لا يَجِبُ في هذين المَوْضِعَيْنِ كَذَلِكَ في غَيْرِهِ.
وقال في كتاب «الزَّكاةِ» للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «قال أبو يُوسُفَ: «إِنْ كُنَّا فِصْلَيْنِ كُلُّهُمَا، وهي خَمْسٌ، كان فيها الأَقَلُّ مِنْ واحِدَةٍ مِنْهُمَا ومِنْ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَ عَشَرًا كان فيها الأَقَلُّ مِنْ ثَنْتَيْنِ مِنْهُمَا وَمِنْ شَاتَيْنِ، وَفِي خَمْسَةَ عَشَرَ الأَقَلُّ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنْهُمَا وَمِنْ ثَلاثَ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَصِيلٌ مِنْهَا، وَفِي سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَفِي سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لو كَانَتْ كِبَارًا كَانَ فِيهَا حِقَّةٌ، وَفِي سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَفِي سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ اثْنَتَانِ مِنْهُمَا».
وقال مُحَمَّدُ بنُ شُجَاعٍ: «ابنُ بَكْرٍ القَصِيرُ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ في عِشْرِينَ مِنَ الفِصْلَانِ: يَجِبُ الأَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الغَنَمِ، وَمِنْ أَرْبَعِ مِنْهُمَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: كَيْفَ يَقُولُ: فِي عِشْرِينَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا؟! فَقُلْتُ: كَأَنَّكَ تَنْكِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ قَالَ: لَا، قَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ». وقال أبو يُوسُفَ فِي اختِلافِ زُفَرَ: «فِي سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فَصِيلٌ الأَقَلُّ مِنْ حِقَّةٍ أَوْ مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ».
جنس: قال: يَنْقَسِمُ هَذا الجِنْسُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَمْلِكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، لَا عَلَى وَجْهِ العِوَضِ كَالْمِيرَاثِ.
وَالثَّانِي: مَا يَمْلِكُهُ بِعِوَضٍ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ كَالْوَصِيَّةِ، قَبُولُهَا شَرْطٌ فِي وقوع المِلْكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ لَيْسَ بِمَالٍ كَالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، وَالمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَالْبَدَلِ فِي الْخُلْعِ، وَالْمَالِ فِي الصُّلْحِ مِنْ دَمِ العَمْدِ.
وَالرَّابِعُ: مَا يَمْلِكُهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ، لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المَالُ فِي يَدِهِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكاةُ، كَتَمَنِ ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَدَارِهِ الَّتِي يَسْكُنُهَا، وَعَبِيدِهِ لِلْخِدْمَةِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَوْ بَقِيَ فِي يَدِهِ ذَلِكَ المَالُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، كَثَمَنِ أَمْوَالِ التَّجَارَةِ، وَزَكاةُ بَدَلِهِ كَزَكَاةِ مُبْدَلِهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَوْ بَقِيَ فِي يَدِهِ ذَلِكَ المَالُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وَزَكاةُ بَدَلِهِ بِخِلَافِ زَكاةِ مُبْدَلِهِ
فَأَمَّا الميراث: ذَكَرَ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الأَصْلِ: «لو وَرِثَ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، لَا زَكاةَ عَلَيْهِ فِيها حَتَّى يَقْبِضَ المِئَتَيْنِ، وَلَوْ قَبَضَ مِنْهَا أَرْبَعِينَ، لَا زَكاةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرَوَى الحَسَنُ بنُ أَبِي مالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي تَارِيخِ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ: «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي المِيرَاثِ: إِنْ أَخَذَ مِئَتَيْنِ زَكَّاهَا بِحَوْلِ مَا مَضَى، وَلَا يَهْنَأُ أَنْ يَحُولَ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ».
وَقَالَ فِي كِتَابِ «الزَّكاةِ» لِلْحَسَنِ بنِ زِيَادٍ: «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَجُلٌ وَرِثَ مَالًا، فَمَكَثَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، أَنَّهُ لَا زَكاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِهِ حَوْلًا مُنْذُ يَوْمِ قَبْضِهِ».
وَفِي نَوَادِرِ الزَّكاةِ لِمُحَمَّدٍ: «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا زَكاةَ فِي المِيرَاثِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ»، وَكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةً مِثْلُهُ، فَحَصَلَ فِيهَا رِوَايَتَانِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَدُّ بِالحَوْلِ المَاضِي، وَتَجِبُ الزَّكاةُ فِي قَلِيلِ مَا قَبَضَ وَكَثِيرِهِ».
وَأَمَّا المَهْرُ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى إِبِلٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا، ثُمَّ قَبَضَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ بَعْدَ الحَوْلِ، لَا زَكاةَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِم، مَا لَمْ يَحِلْ عَلَيْهَا الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ. وَإِنْ كَانَتْ بِأَعْيَانِهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا زَكاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: «الزَّكاةُ بِحُكْمِ الحَوْلِ المَاضِي»، وَلَوْ كَانَ المَهْرُ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى زَوْجِهَا، وَحَالَ الحَوْلُ، فَهُوَ عَلَى هَذا الخِلَافِ.
وَلو كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَرْبَعِينَ شَاةً سَائِمَةً، وَهِيَ فِي يَدَيْ المَرْأَةِ، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، عَلَيْهَا الزَّكاةُ فِي النَّصْفِ الَّذِي لَهَا، وَلو كَانَ هَذا عَبْدًا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ بَعْدَ يَوْمِ الفِطْرِ، جَمِيعُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَيْهَا، وَلو تَزَوَّجَهَا عَلَى مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وَدَفَعَ إِلَيْهَا، وَحَالَ الحَوْلُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، جَمِيعُ زَكَاةِ المِئَتَيْنِ عَلَيْهَا، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الأَصْلِ.
وَأَمَّا الوَصِيَّةُ: فَهِيَ مِثْلُ المَهْرِ عَلَى هَذا الخِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ.
وَأَمَّا الدِّيَةُ: إِن كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَقَبَضَ وَرَثَةُ المَقْتُولِ بَعْدَ الحَوْلِ، فَهُوَ كَخِلَافِهِمْ فِي المَهْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ. وَإِن كَانَتْ مِنَ الإِبِلِ، لَا زَكاةَ فِي قَوْلِهِمْ حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الأَصْلِ.
وَأَمَّا مَالُ الصُّلْحِ: فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ الزَّكَاةِ لِمُحَمَّدٍ: رَجُلٌ وَجَبَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِيَةٌ قَتْلِ الخَطَا، أَوْ مَالٌ مِنْ دَمِ العَمْدِ، صَالَحَ فَقَبَضَهَا بَعْدَ ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُزَكِّيها مُنْذُ قُضِيَ لَهُ بِهَا.
وَأَمَّا الجَعْلُ فِي الخُلْعِ: فَهُوَ كَالمَهْرِ، ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ لِابْنِ شُجَاعٍ.
اتَّفَقَتْ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةُ الحَسَنِ بنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي المِيرَاثِ، وَالمَهْرِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْمَالِ فِي الخُلْعِ، وَالصُّلْحِ مِنْ دَمِ العَمْدِ، وَالدِّيَةِ فِي الخَطَإِ، أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكاةُ فِي المَالِ المَقْبُوضِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ.
وأَمَّا الأُجْرَةُ: فَإِذَا أَجَرَ عَبْدَهُ بِمِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَمَكَثَ حَوْلًا،. لَا زَكاةَ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَ المِئَتَيْنِ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الأَصْلِ. كَالمِيرَاثِ.
وفي كِتَابِ "الزَّكاةِ" إِمْلاءَ رِوَايَةِ بَشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «أَنَّ الأُجْرَةَ كَالمِيرَاثِ، لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ مَا لَمْ يَحِلْ عَلَيْهَا الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّارُ أَوِ العَبْدُ مِنَ التَّجَارَةِ، فَإِذَا أَخَذَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَجِبُ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ بِحُكْمِ حَوْلِ مَا مَضَى قَبْلَ قَبْضِهِ».|وَأَمَّا الثَّمَنُ عَنْ عَبِيدِ الخِدْمَةِ وَدَارِ السُّكْنَى: قَالَ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الأَصْلِ: الرَّجُلُ يَسْتَهْلِكُ الدَّابَّةَ أَوِ العَبْدَ أَوِ المَتَاعَ، فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا، وَهُوَ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَهُوَ مِئَةٌ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، لَا زَكاةَ فِيهَا حَتَّى يَقْبِضَ كُلَّهَا ثُمَّ يُزَكِّيها، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ عَبْدًا لِلخِدْمَةِ مِنْ عَبِيدِ الخِدْمَةِ.
وَكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي كِتَابِ "الزَّكاةِ" لِلحَسَنِ بنِ زِيَادٍ: «قَالَ أَبُو حَنِيفَةُ: "إِذَا قَبَضَ تَمَامَ المِئَتَيْنِ تَجِبُ الزَّكاةُ بِحَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ"». وَفِي نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةُ ابْنِ سَمَاعَةَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةُ: «ثَمَنُ عَبْدِ الخِدْمَةِ مِثْلُ الدِّيَةِ، لَا زَكاةَ فِيهِ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِهِ حَوْلًا بَعْدَ القَبْضِ».
فَعَلَى رِوَايَةِ الأَصْلِ: ثَمَنُ عَبْدِ الخِدْمَةِ وَالقِيمَةُ فِي الاِسْتِهْلَاكِ عَلَى السُّوَاءِ فِي الاعْتِدَادِ بِالحَوْلِ المَاضِي، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ: عَلَى السُّوَاءِ فِي اسْتِئْنَافِ الحَوْلِ بَعْدَ القَبْضِ. وَفِي نَوَادِرِ مُعَلَّى: «قَالَ أَبُو حَنِيفَةُ فِي ثَمَنِ العَبْدِ لِلخِدْمَةِ: "لَا يَسْتَأْنِفُ الحَوْلَ"، وَفِي قِيمَةِ المُسْتَهْلَكِ: "يَسْتَأْنِفُ الحَوْلَ"».
وأَمَّا مالُ الكِتابة: فَلا زَكاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ "زَكَاةِ الأَصْلِ" وَ"المُجَرَّدِ" بِلا خِلَافٍ فِيهِ.
وَفِي نَوَادِرِ مُعَلَّى: «قَالَ أَبُو يُوسُفَ: «إِنْ كَانَ العَبْدُ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ بَعْدَ القَبْضِ، وَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ زَكاةُ الأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ مَالِ الكِتَابَةِ».
وَأَمَّا الَّذِي مَلَكَ بِبَدَلٍ لو بَقِيَ فِي يَدِهِ وَجَبَ فِيهِ الزَّكاةُ: هُوَ أَمْوَالُ التِّجَارَةِ إِذَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى ثَمَنِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، وَقَبَضَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَ النَّصَابِ، يُعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنَ الحَوْلِ، وَتَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ. وَإِنْ قَبَضَ دُونَ أَرْبَعِينَ عِندَ أَبِي حَنِيفَةَ: «لَا زَكاةَ فِيهِ»، وَعِندَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: «تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ بِحِسَابِهِ»، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ "زَكَاةِ الأَصْلِ".
وَفِي نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةُ ابْنِ سَمَاعَةٍ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: «الرَّجُلُ يَشْتَرِي سَائِمَةً، وَلَمْ يَقْبِضْهَا مِنَ البَائِعِ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِ البَائِعِ، وَكَذَلِكَ سَائِمَةٌ رَهْنًا فِي يَدَيِ المُرْتَهِنِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّاهِنِ زَكَاةٌ، وَكَذَلِكَ فِي الغَصْبِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ».
وَأَمَّا الَّذِي زَكاةُ بَدَلِهِ بِخِلَافِ زَكَاةِ مُبْدَلِهِ: فَهِيَ أَرْبَعُونَ شَاةً سَائِمَةً بَاعَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، زَكاةُ الأَلْفِ بِخِلَافِ زَكَاةِ السَّوْمِ. وَأَمَّا إِذَا أَقْرَضَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ عِندَ المُسْتَقْرِضِ، وَقَبَضَهُ مِنْهُ، فَتَجِبُ الزَّكاةُ فِي قَوْلِهِم، وَيُعْتَدُّ بِالحَوْلِ المَاضِي، ذَكَرَهُ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ.
جنس: قال: رَوى أَنَسُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوَرٍ، ولا تَيْسُ الغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَّدَّقُ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كان بَيْنَ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهما يتراجعان بالسوية)).
أما قولُهُ: «لا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّق، فالمراد به: في المِلْكِ، مَنَعَ المالك والمُصَّدِّقَ جميعًا بهذه اللَّفْظَة:
أما المالك: فَرَجُلانِ بينهما ثمانونَ شاةً تَجِبُ شاتان، فلا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعاها فَيَقُولَانِ: إِنَّهَا لِرَجُلٍ واحد؛ لا يجاب شاة واحدة.
وأَمَّا المُصَّدِّقُ: رَجُلانِ بينهما أَرْبَعُونَ شاةً، ليس للمُصَّدِّقِ أَنْ يَجْعَلَها كأنَّها لِرَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَأْخُذَ شَاةً.
أمَّا قولُهُ: «ولا يُفَرَّقُ بَينَ مُجْتَمِع»:
فالمالك: إن كان له أَرْبَعُونَ شاة، ليس له أَنْ يَجْعَلَ عِشْرِينَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ حتَّى لا يُلْزِمَهُ الزَّكاة، ويقول: ليس لي إلا عِشْرُونَ.
وأمَّا المُصَّدِّقُ: رَجُلٌ له مِئَةٌ وعِشْرُونَ شاةً، ليس للمُصَّدِّقِ أَنْ يُفَرِّقَها كُلَّ أَرْبَعِينَ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ ثَلاثَ شِيَاه».
فَزَجَرَ كُلَّ واحِدٍ منهما عن ذلك، وهذا هو: «خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ».
وقَدْ ذَكَرَ في كِتابِ الزَّكَاةِ إِمْلَاءً رِوايَةَ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ: رَجُلٌ لَه ثَمانُونَ شاة، فلما جاءَ المُصَّدِّقُ فقال: هي بَيْنِي وبينَ إِخْوَتِي، لِكُلِّ واحِدٍ منَّا عِشْرُونَ، فلا زَكَاةَ فيها، أو يكون له أَرْبَعُونَ وَلِإِخْوَتِهِ أَرْبَعُونَ، فيقول: هذه إِلَّا شاةَ زَكاتِها فَهَذا هو: «خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي الي، ليس فيها! تُؤْخَذُ مِنه يَخْشَى الصَّدَقَةَ.
وأَمَّا المُصَدِّقُ: فَإِنَّه يَجِيءُ إِلَى إِخْوَةٍ ثَلَاثَةٍ، لِوَاحِدٍ مِنْهُم عِشرُونَ ومِئَةُ شَاةٍ، فَيَقُولُ: هذه بينكُم لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ، فَأَنا أَخُذُ مِنها ثلاث شِيَاه، أَوْ يَكُونُ أَرْبَعُونَ بينهم، فَيَقُولُ المُصَّدِّقُ: هَذِهِ لِواحِدٍ مِنْكُم، فأنا أخُذُ منها شاة.
وأَمَّا قَولُهُ: «وما كان بينَ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُما يَتَراجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في نَوادِرِ ابنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلانِ بينهما مِئَةٌ وعِشْرُونَ شَاةً، لأَحَدِهما ثَمانُونَ، ولآخر أربعونَ، فَأَخَذَ المُصَّدِّقُ مِنها شَاتَيْنِ، فَإِنَّه يَرُدُّ صاحِبُ الثَّمَانِينَ على صاحِبِ الْأَرْبَعِينَ ثُلُثَ قِيمَةِ شَاةٍ.
وَفِي نَوادِرِ هشام»: صُوَرُها في الإِرْثِ: رَجَلٌ تُوفِي وَتَرَكَ مِئَةً وعشرين شاة سائِمَةً، وله ابنٌ وبِنْتُ، فَوَرِثَها الابْنُ والبِنْتُ على فَرائِضِ اللهِ تعالى، فجاءَ المُصَّدِّقُ وأَخَذَ منها شاتَيْنِ، فَإِنَّ الأُخْتَ تَرُدُّ عَلَى أَخِيهَا قِيمَةَ سدس قِيمَةِ كُلِّ شَاةٍ مِنَ الشَّاتَيْنِ».
وفي نوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: ثَلاثَةُ نَفَرٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم خَمْسُونَ شاة، فَخَلَطُوهَا، فَجَاءَ المُصَّدِّقُ فَأَخَذَ مِنها شاتَيْنِ. قال مُحَمَّدٌ: «إِنْ كَانَ يَعْرِفُ غَنَمَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ غَنَمِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فهذا ظُلْمُ ظَلَمَ به، وإِنْ كانت مُشاعَةً شَرِكَةً بينهم، فَعَليهِم أَنْ يُعْطُوا فيما بينهم وبَيْنَ رَبِّهِم شَاةٌ للمساكين».
وفي كتاب «الحُجَجِ المُحَمَّدٍ: «إِنْ وَجَدَ المُتَصَدِّقُ فَرِيضَتَهُ فِي غَنَمِ إحداهما، وأَغْنَامُهُما مُتَفَرِّقَةٌ، لا يَدْخُلُ إحْدَى الغَنَمَيْنِ مَا تَجِبُ الزَّكاةُ في الغَنَمِ الأُخْرَى.
وَفِي نَوادِرِ هِشَامٍ: «في ثَمَانِينَ شَاةً بَينَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، لِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ شَاةٍ نِصْفُها، والنّصِفُ الباقي مِنَ الشَّاةِ لهؤلاء الباقِينَ. أَخْبَرَنِي أَنَّ أَبا حَنِيفَةَ قال: «ليس على صاحِب الأَرْبَعِينَ صَدَقَةٌ، وهو قول مُحَمَّدٍ، ولو كان بينَ رَجُلَيْنِ يَجِبُ على كُلِّ واحدٍ منهما شاه؛ لأَنَّهُ مِمَّا يُقْسَمُ في هذه المَسْأَلَةِ في هذه الحالَةِ، وَفِي المَسْأَلَةِ الأُولَى لَا يُقْسَمُ.
جنس: قال: وُجوبُ النّصابِ سَبَبُ لوُجوبِ الزَّكَاةِ؛ لأنَّه يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مع الحَوْلِ، وَكُلُّ أَمْرَينِ تَعَلَّقَ الوُجوبُ بِهما وجازَ اجْتِمَاعُهُما فالمُتَقَدِّمُ منهم سَبَبُ كالطهارة والقول، وتَعْجِيلُ الحقوقِ عِندَ وُجودِ أَسْبَابِهَا جَائِز، كَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا خَطَأً فَأَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَةِ القَتْلِ عَبْدًا جاز ذلك، وإنْ مات بعد العتق.
قال في «الزيادات»: «إنْ كان عِندَهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ إِبِلًا، فَجَعَلَ قَبلَ الحول بِنْتَ مَخاض، ودفعها إلى المُصَّدِّقِ وهي باقِيَةُ فِي يَدِه، جاز عن أربع وعِشْرِينَ الَّتِي فِي يَدِ المالِكِ، فَإِنَّ مَا عَجَلَهُ جَازَ عَنْ زَكَاتِهِ، وَبَقِيَ ابْنَةُ مَخاض في يَدِ المُصَّدِّقِ كَبَقائها في يَدِ المَالِكِ فِي تَكْمِيلِ النَّصاب استحسانًا».
وقال في «كتاب الزكاة» إملاء رِواية بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لا يَكْمُلُ النصاب بما في يَدِ المُصَّدِّقِ، ولا يجوز ذلك عن زَكَاتِهِ، وعلى المُصَّدِّقِ أَنْ يَرُدها على صاحبها، ويأْخُذَ مِنْه أَرْبَعًا مِنَ الغَنَمِ».
وقال مُحَمَّدٌ في «نَوادِرِ هِشَامٍ»: «إنْ كان المُصَّدِّقُ باعَها وهي قَائِمَةٌ عِنْدَ المُشْتَرِي بِعَيْنِها، كَمَلَ بها النّصاب، وجاز عن زَكَاتِها، وإِنْ أَتْلَفها المُشْتَرِي لم يَجُزْ مِنْ زَكَاتِها؛ لأنَّ زَكَاةَ السَّوْمِ لَا تَكْمُلُ بالأَثْمَانِ».
وَفِي «الزيادات» لمْ يَفْصِلْ بين قيامها في يَدِ المُشْتَرِي وبين هلاكها، ولا يَكْمُلُ بها النّصاب، وإنْ أَخَذها المُصَّدِّقُ مِنْ عَمَالَتِهِ أَوْ أَتْلَفَها، فَعَلَى المُصَّدِّقِ أَنْ يَرُدَّ على صاحب المال الزيادة على أَرْبَعِ شِياه، وإن كان عِندَهُ أَرْبَعُونَ شاةً سائِمَةً، فَعَجَلَ منها شاةً، فَأَخَذَهَا المُصَّدِّقُ، فَوَضَعَتْ عِندَهُ عَناقا، فحال الحول وهو كذلك، فَهِي والعَناقُ صَدَقَةٌ، وَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ غَنَمِ رَبِّ الغَنَمِ شَيْءٌ، أَخَذَ العَناقَ، وتكونُ الشَّاةُ للصَّدَقَةِ.
وإن كان عِندَه خَمْسَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا ومِئَةُ دِرْهَم، وثَوْبُ للتَّجَارَةِ قِيمَتُه خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَعَجَّلَ ذلك الثوبَ إلى المُصَّدِّقِ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ قَبْلَ الحَوْلِ، فَقَطَعَهُ المُصَّدِّقُ وَلَبِسَهُ، يُجْزِئُهُ ذلك عنْ زَكاتِهِ؛ لأَنَّ عِندَهُ دَرَاهِمَ، وَقِيمَةُ الثَّوبِ دَرَاهِمُ، فَجازَ ضَمُّهُ إلى ما عِندَهُ؛ لِيَكْمُلَ النَّصَابُ، ولا يَكْمُلُ بالدراهم نصابُ السَّائِمَةِ.
ولو كان عِندَه أَرْبَعُونَ شاةً فَعَجَلَ منها واحِدَةً قَبْلَ الحَوْلِ إلى المُصَّدِّقِ، فَضاعَ عِندَهُ، وحال الحول على الباقي، لم يجز الهالِكُ مِنْ زَكَاتِهِ، ولا ضمان على الساعي فيما أَخَذَهُ وإنْ كان عِندَه إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ شَاةً، وَعَجَلَ منها، والمَسْأَلَة بِحالِها، جاز ما عَجَّلَ عن زكاة ما عِندَهُ، هذا كله في «الزيادات».
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلُ أَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ لِثلاثِ سِنِينَ إلى الوالي، ثُمَّ ضاع مالُهُ، أَنَّه يَرُدُّ الوالي عليه إن كان المال قائمًا بِعَيْنِهِ، ولو دَفَعَهُ إلى الفقير لا شيء عليه، وكذلك لو دَفَعَ خَرَاجَ أَرْضِهِ سِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ عليها الماءُ فَصارَتْ دِجْلَةٌ، وكذلك إذا دَفَعَ عُشْرَ أَرْضِهِ وَالزَّرْعُ بَقْلُ أَخْضَرُ، ثُمَّ جَاءَ
سَيْلٌ وذَهَبَ بالزَّرْعِ، يَرُدُّ عليه في هذا كُلِّهِ، وَإِنْ عَجَلَ زكاته ودفعها إلى الفَقِيرِ المُسْلِمِ، ثم صارَ الفَقِيرُ غَنِيًّا، أو ارْتَدَّ أو مات قبل تمام الحول، جازَ عَنْ زَكَاتِهِ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الدَّفْعِ».
وفي "الجامع الكبير": "لو عَجَّلَ عُشْرَ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْذُرَ فِي الأَرْضِ لم يجز في قولهم جميعًا، وإنْ بَذَرَ ولم يَنْبُتْ جاز ما عَجَلَ مِنَ العُشْرِ في قول أبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدٌ: "لا يَجُوزُ"، ولو نَبَتَ ثُمَّ عَجَلَ عُشْرَهُ جَازَ في قَوْلِهِم جميعًا.
وَفِي تَعْجِيلِ عُشْرِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ فِي أَرْضِ عُشَرِيَّةٍ، إِنْ ظَهَرَ طَلْعُهَا جَازَ تَعْجِيلُ العُشْرِ في قَوْلِهِم جميعًا، وإنْ لم يَظْهَرْ طَلْعُها قال أبو يُوسُفَ: "جاز"، وقال مُحَمَّدُ: "لا يَجُوزُ". وَفِي نَوادِرِ هِشَامٍ: "سألتُ مُحَمَّدًا عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: تَصَدَّقُ عَنِّي بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ زَكاةً، وليس له مال، ويُضْمِرُ أنَّه مِنْ مال يَسْتَفِيدُهُ، أَجْزَاهُ عَنْ مِئَتَيْنِ قَدِ اسْتَفادَ بَعْدَهُ".
وفي "الزكاةِ" إملاء: "لو كان له مِئَتا دِرْهَم فَضاعَ منها مِئَةً، ثُمَّ عَجَلَ خَمْسَةٌ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ استَفادَ تَمامَ المِئَتَيْنِ، أَجْزَاهُ الخَمْسَةُ عنها". وَفِي "الأصل": "لا يَجُوزُ أَداءُ زَكَاةِ مالٍ يَكْتَسِبُهُ في الآتي، وليس له نصاب عِندَ الأداء".
قال في "الجامع الكبير": "لو أنَّ رَجُلًا لَه مِئَةُ دِرْهَمٍ، فَعَجَّلَ مِنها خَمْسَةً وعشرينَ دِرْهَما عنها، وعمَّا يَسْتِفيدُهُ في السَّنَةِ، فحالَ الحَوْلُ وَمَعَهُ تَمامُ أَلْفِ درهم، أنَّه لا يُجْزِئُهُ ما ما عَجَّل.
وَفِي كِتابِ الزَّكَاةِ للحَسَنِ: قال أبو حَنِيفَةَ: "لو كان له أَلْفُ دِرْهَم بيض، وأَلْفُ دِرْهَم سُودٌ، فَجَعَلَ خَمْسَةٌ وعِشْرِينَ عن البيض، ثُمَّ هَلَكَتِ البيض قَبْلَ الحَوْلِ، أَجْزَاهُ عَنِ السُّودِ، وكذلك لو عَجَلَ عَنِ السُّودِ ثُمَّ ضاعت كان ذلك عَنِ البيض، وإن حال الحَوْلُ وهُما عِندَه، ثُمَّ ضاعت البيض أو السُّودُ، كان نِصْفُ ما عَجَلَ عَمَّا بَقِيَ، ونِصْفُ مَا عَجَلَ عَمَّا هَلَكَ، وعليه تَمامُ زَكَاةِ مَا بَقِيَ". وقال في «الرَّقَّيَّاتِ» و «نَوادِرِ الزَّكَاةِ» لَمُحَمَّدٍ: "لَا يَجُوزُ شيء مِنْ ذَلِكَ عَنِ السُّود، وعليه تمام زَكَاةِ السُّود».
وفي الجامع الكبير: "لو كان عِندَهُ أَلْفُ دِرْهَم وَمِئَةُ دِينَارٍ، ثُمَّ عَجَلَ قَبلَ الحَوْلِ دِينارَيْنِ ونِصْفًا عنِ الدَّنانِيرِ، ثُمَّ ضَاعَتِ الدَّنَانِيرُ قَبْلَ الحَوْلِ، وحال الحول على الدراهم، أجْزَأَهُ ما أَخْرَجَ عن الدنانير عن الدراهم إذا كان يُساوِي خَمْسَةٌ وعِشرينَ دِرْهما، وكذلك إِنْ عَجَّل خَمْسَةً وَعِشْرِينَ درهما عن الدَّرَاهِم قَبْلَ الحَوْلِ، ثُمَّ هَلَكَتِ الدَّرَاهِمُ، أَجْزَاهُ عَنِ الدَّنَانِيرِ بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ واحِدٌ مِنها حَتَّى حالَ الحَوْلُ، ثُمَّ هَلَكَ أَحَدُ المالَيْنِ، كان ما عُجِّلَ عَنِ المالَيْنِ.
ولو كان له إِبلُ وغَنَمُ، فَعَجَلَ عَنِ الغَنَمِ زَكَاتَها، لَمْ يُجْزِهِ عن الإبل، ولو حال الحولُ على أَلْفِ دِرْهَم ومِئَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ أَعْطَى زَكَاةَ الدَّنانِيرِ، ثُمَّ ضاعَتِ الدَّنانِيرُ أو ضاعَتِ الدَّرَاهِمُ، كان ما أَعْطَى منهما بحسابه»، هذا لَفْظُ زَكَاةِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتابُ الصَّوْمِ
جنس: قال في «كِتابِ صَوْمِ الأَصْلِ»: «إذا صَامَ المُقِيمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَنْوِي بِصِيَامِهِ تَطَوُّعًا، ولا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضانَ، أَجْزَاهُ عَنْ رَمَضانَ».
وذكر في «الهاروني» و «شَرْحِ اخْتِلافِ زُفَرَ»: «لو كان مُسافِرًا في رَمَضانَ، فصَامَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ فِي السَّفَرِ، أَو عَنْ نَذْرٍ، أَو عَنْ قَضاءٍ، جازَ عَمَّا نَواه في قول أبي حَنِيفَةَ، اتَّفَقَتِ الروايات عنه في ذلك».
وإِنْ صَامَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّع حالَ سَفَرِهِ في رَمَضانَ، ذَكَرَ فِي المُجَرَّدِ عَنْ أبي حَنِيفَةً: «يَكُونُ عَنْ صَوْمِ رَمَضانَ». وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابن سَمَاعَةَ: يَكُونُ ذلكَ عَنِ التَّطَوُّع». وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ في جَمِيع الأحوالِ: يَقَعُ عَنْ صَوْمِ رَمَضانَ، نَصَّ على قول أبي يُوسُفَ في الإِمْلاء، وعلى قولِ مُحَمَّدٍ فِي نَوادِرِ هِشَامٍ.
وإن كان مَرِيضًا صَامَ رَمَضانَ بنِيَّةِ القَضاءِ أَوِ الكَفَّارَةِ أَوِ النَّدْرِ، جاز عمَّا نَواه في قول أبي حَنِيفَةَ، ذَكَرَه في «الهاروني». ولا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ، وَإِنْ صامَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ، ذَكَرَ فِي شَرْحِ اخْتِلافِ زُفَرَ: «رَوى ابنُ أَبي مالِكٍ، عَنْ أبي يُوسُفَ، عَنْ أَبي حَنِيفَةَ فِي مَرِيضٍ رُخص له في الإفطار أو مُسافِرٍ، فَصَامَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ: لَمْ يَكُنْ ذلك من التَّطَوُّعِ، وَيُجْزِئُهُ عَنِ الفَرْضِ».
قالَ الشَّيْخُ أبو العَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَدْ سَوَّى في هذه الروايةِ بينَ المَرِيضِ والمُسافِرِ، فَقِياسُ التَّسْوِيَةِ بينهما: فعلى رِوايَةِ نَوادِرِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَكُونَ في المَرِيضِ جَائِزا، عَنِ التَّطَوُّع؛ لأنَّه جَوَّزَ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَقَّ المُسَافِرِ عَنِ الْتَطَوُّع، ولو فَرَّقْنا بينَ المُسافِرِ والمَرِيضِ فَهُو ظَاهِرُ، وَهُوَ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ في حَقِّ الصَّحِيحِ المُقِيمِ يَسْتَحِقُّ عليه إِتيانُهُ بِالصَّوْمِ عَنْ رَمَضانَ.
يَدُلُّكَ عليه: إذا لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا، فإذا مَرِضَ أُبِيحَ له الإفطار لإزالة المَشَقَّةِ، فَمَتَى اخْتارَ فِعْلَ الصَّوْمِ وتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ وَقَعَ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، كَمَنْ تَرَكَ المَسْحَ عَلَى الخُفَيْنِ، وَأَتى بِالغَسْلِ.
ولا كذلك المُسافِرُ؛ لأنَّه مُخَيَّرُ بينَ الصَّوْمِ وبينَ الفِطْرِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وهو إذا نوى الإقامَةَ في بَلْدَةٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ الزَّمَانُ فِي حَقِّهِ عَنْ كَوْنِ صَوْمِ رَمَضانَ مُسْتَحَقًا؛ لذلكَ جَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْ نَفْلِهِ.
وفي كتاب الصيامِ إِمْلاءً رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «لو طافَ المُحْرِمُ بالحج يومَ النَّحْرِ، وَقَدْ نَوَى الطَّواف ولمْ يَنْوِ طواف الزيارَةِ، أَجْزَاهُ عَنْ طَوافِ الزيارة، ولو نَوَى تَطَوُّعًا أَجْزَاهُ عَنْ طوافِ الزِّيارة، وإن طاف بنِيَّةِ طواف كان أَوْجَبَهُ اللهُ تعالى عليه أَجْزَاهُ عَنْ طوافِ الزيارة، وكذلك الوقوف بالمُزْدَلِفَةِ، ورمي الجمار، فهُو لِهَذِهِ الحَجَّةِ».
وروى ابن شُجاع عَنْ ابن أبي مالِكٍ، عَنْ أبي يُوسُفَ: «لو أنَّ مُحرِمًا جَاءَ إِلى عَرَفَاتٍ يَطْلُبُ غَرِيمًا له، ولم يَنْوِ عَنِ الحَجَّةِ الَّتِي أَحْرَمَ بها، جازَ عَنْ وُقُوفِ هَذِهِ الحَجَّةِ، ولو طافَ حَوْلَ البَيْتِ يَطْلُبُ غَرِيمًا لَهُ، لَمْ يُجْزِهِ عَنْ طَوافِ الزيارَةِ دَوَرانُهُ حَوْلَ البَيْتِ».
وفي "الجامع الكَبِيرِ": "إِذا نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ بِعَيْنِهِ، فَصَامَهُ مَعَ شَعْبَانَ عَنْ كَفَّارَةِ الظهار، جاز ذلك عنها، وعليه قضاءُ مَا نَذَرَ شَهْرًا آخَرَ، وَإِنْ صَامَ شَعْبَانَ مَعَ رَمَضانَ عَنْ كَفَّارَةِ الظَّهَارِ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الكَفَّارَةِ. لأَنَّ إيجابَ صَوْمِ رَمَضانَ مُضافُ عائِدُ إلى فعل الله، فلا يَقْدِرُ العَبْدُ على إِبْطَالِهِ في هذه الجهة وصَرْفِهِ إِلى جِهَةٍ أُخْرَى، ولا كذلك في النَّذْرِ؛ لأنَّ إيجابه عائد إلى فِعْلِهِ، فَقَدَرَ عَلَى إِبْطَالِهِ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَصَرْفِهِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى.
وَفِي نَوادِرِ مُحَمَّدِ بنِ مُقاتِل»: «لو قال: اللهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي، ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَنِ الكَفَّارَةِ، جاز». وَفِي «الجامع الكبير»: «لو أَصْبَحَ صَائِمًا يَنْوِي قَضَاءَ رَمَضانَ والتَّطَوُّعَ، قال أبو يُوسُفَ: يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَقَعُ عَنِ التطوع». وإِنْ نَوَى كَفَّارَةَ الظَّهَارِ وقَضَاءَ رَمَضَانَ يَقْعُ عَنِ القَضاءِ فِي قَولِ أبي يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدٌ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، وإِنْ نَوَى كَفَّارَةَ الظَّهَارِ وَكَفَّارَةَ اليَمِينِ يَقَعُ عَنِ التَّطَوُّع في قَولِ مُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: «يَجْعَلُهُ عَنْ أَيِّهِما شاءَ»، وإِنْ تَصَدَّق بِدِرْهَم يَنْوِي الزَّكَاةَ والتَّطوع، قال أبو يُوسُفَ: يَكُونُ عَنِ الزَّكَاةِ»، وقال مُحَمَّد: «يَكُونُ عَنِ التَّطَوُّع»»
وفي كتاب الصّيامِ إِمْلاء: لو نَوَى عَنِ الزَّكَاةِ وَكَفَّارَةِ اليَمِينِ فَهُو عَنِ الزكاة، وإنْ نَوَى الزَّكَاةَ وكَفَّارَةَ الظهار له أنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنِ افْتَتَح الصَّلاةَ يَنْوِي صَلاةَ نافِلَةٍ وصَلاةَ جَنازَةٍ، كانت نافِلَةً، وَإِنْ نَوَى مكتوبةً وجَنازَةً فَهِي عَنِ المَكْتُوبَةِ».
وفي "الجامع الكبير": "لا يَكُونُ داخِلًا في واحد منهما"، وهذا بناءً على قولِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ نَوَى صلاةَ الظُّهْرِ والتَّطوع، عِندَ أَبي يُوسُفَ: تَقَعُ عَنِ الظهْرِ، وَعِندَ مُحَمَّد: "لا تَقَعُ عَنْ وَاحِدَةٍ منهما".
وفي كِتابِ الصّيامِ» إملاء: لو نَوَى الظهر والعصر وهما عليه، فهي على الظهر الأُولى منهما، وإن كانت العصر عليه قبل الظهر فهي عَنِ العَصْرِ، وَفِي ظُهْرِ يَومِهِ وعَصْرِ يَومِهِ يَكُونُ عَنِ الظَّهْرِ، مَا خَلا أَنْ
يكون في آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ، فَخافَ ذَهَابَ وَقْتِهَا إِنْ بَدَأَ بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ هذا يُجْزِئُهُ عَنِ العَصْرِ، ويكون عليه قَضاءُ الظُّهْرِ. وإنْ لم يَنْوِ بهما تَطَوُّعا ولا مَكْتُوبَةً فهي نافِلَةٌ، وإن كان مع الإمام فهي على صلاة الإمام».
وإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ وعليه حَجَّةٌ مَنْذُورَةٌ، أَو عَنِ اليَمِينِ، لم يُجْزِهِ ذلك عَنْهُما إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذلك، وإن كان عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الإسلام، وإنْ لم تَكُنْ له نِيَّةٌ عنها، ذَكَرَ نَحْوَهُ فِي كِتَابِ مَناسِكِ الْأَصْلِ» أَنَّه يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلامِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي نَوادِرِ داودِ بنِ رُشَيْدٍ: قال: "سُئِلَ مُحَمَّدٌ بِالرَّقَةِ عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ، ثُمَّ أَحْرَمَ ولَمْ يَنْوِ شَيئًا، قال: إذا خَرَجَ يُرِيدُ به الحج، فَأَحْرَمَ وليستْ له نِيَّةٌ فَهُو حَجٌ، قيل له: فَإِنْ خَرَجَ وليست له نِيَّةٌ، فَأَحْرَمَ ولم يَنْوِ شَيئًا؟ قال مُحَمَّدٌ: له أَنْ يَجْعَلَها ما شاءَ عَنْ حَجَّ أَو عُمْرَةٍ ما لم يَطُفْ بالبيت، فإذا طافَ بِالبَيْتِ فهي عُمْرَةٌ.
قالَ الشَّيْخُ أبو العباس: "فَقَدْ صَرَّحَ أَنَّ ذلِكَ الإِحْرَامَ يَقَعُ عَنِ الحَجِّ إذا كان في الابتداء حينَ خَرَجَ نَوَى الحَج والخروج إلى مَكَّةَ لِحِجَّةِ الإِسلام، فما ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ» و «الإِمْلَاءِ» مَحْمُولُ على هذا الَّذِي فَسَّرَه مُحَمَّدٌ.
"وإنْ غَيَّرَ نِيَّةَ الحَجَّ عِندَ الإحرام، ومِثْلُه في الصَّلاةِ، يَجُوزُ، ذَكَرَه في آخر كِتابِ الرَّقَّيَّاتِ»، فيما كتبه عِيسَى بْنُ أَبانَ إِلى مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: "رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ، فَوَجَدَ القَوْمَ فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، ولم تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَكَبَّرَ، أَنَّه داخِلُ مَعَ القَومِ في صَلاتِهِمْ». هذا لَفْظُ كِتَابِهِ فِي نَوادِرِ مُحَمَّدِ بن شُجاع».
ولو استَيْقَظَ رَجُلٌ مِنْ نَوْمِهِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَخافَ أَنْ يَفُوتَهُ الوَقْتُ، فَتَوضَّأَ مُسْرِعًا وبادر الصَّلاةَ، وليس في نِيَّتِهِ أَنْ يَتَطوَّعَ قَبْلَ الفَرِيضَةِ، فَكَبَّرَ ولمْ يُجَدِّدِ النَّيَّةَ عِندَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ الَّتِي لها تَوَضَّأَ، فَصَلَّى مع القَوْمِ ولم يَنْوِهَ عَنِ المَكْتُوبَةِ، فَصَلَاتُهُ على تِلكَ النَّيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، وَيَقَعُ عَنِ الفَرْضِ. وهذه المواضع لا يُتَغافَلُ عَنْهَا، فإنَّا نَحْتَاجُ مَعَ المُخَالِفِينَ إلى التَّسْوِيَة بين الحَجِّ والصَّلاة.
وَفِي الرَّقِّيَّاتِ أيضًا: "قال مُحَمَّدٌ في رَجُلٍ أَخْرَجَ مَالًا لِيُؤَدِّيَهُ عَنْ زَكَاةِ مالِهِ، ثُمَّ أَعْطَى مِنهُ مِسْكِينًا ولم تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ حِينَ أَعْطَاهِ، أَنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه على نيته الأولى».
وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ: «قال أبو حَنِيفَةَ: لو نَوَى أَنْ تَصِيرَ النَّفَقَةُ الَّتِي يُنفِقُها عليهم مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ أَجْزَاهُ، سواءً كان القاضي أَمَرَهُ أَنْ يُنْفِقَ عليهم - يعني: أَخاهُ وأُخْتَهُ أَو سَائِرَ ذَوِي قَرَابَتِهِ - أَوْ لَم يَأْمُرْهُ
بِذَلِكَ». قَالَ مُحَمَّدُ بنُ شجاع: «كأنَّه نَوَى أَنَّهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَمِنَ الزَّكَاةِ، فَبَطَلَتْ جِهَةُ النَّفَقَةِ، وَبَقِيَتْ جِهَةُ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ جِهَةُ النَّفَقَةِ لأَنَّهُم قَدِ اكْتَفَوْا بِالزَّكَاةِ».
وفي «الهاروني: «إذا فَرَضَ القَاضِي نَفَقَةَ الإِخْوَةِ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِم تلك النَّفَقَةَ يَنْوِي بها مِنْ زَكَاتِهِ، أَجْزَأَهُ ذلكَ عَنْ زَكَاتِهِ في قول أَبي حَنِيفَةَ وزُفَرُ».
وفي كتابِ الزَّكاةِ للحَسَنِ بنِ زِيادٍ: «قال أبو حَنِيفَةَ: إنْ كان يُنْفِقُ عليهم فَلَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ بما أَنْفَقَ عليهم مِنْ زَكَاتِهِ، فَقَدْ جَوَّزَ الإِنْفَاقَ عليهم مِنَ الزَّكَاةِ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ».
وفي «الزيادات»: «لو وَجَبَ في مالِهِ الزَّكَاةُ، فَاشْتَرَى بِقَدْرِ الزَّكَاةِ طَعَامًا، ثُمَّ دَعَا مَسَاكِينَ فَغَدَّاهُم وعَشَّاهُم ذلك، لم يُجْزِهِ عَنِ الزَّكَاةِ»، ولم يَذْكُرْ فيه خلافًا. وَفِي صَدَقَةِ الفِطْرِ قال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ: «جاز فيها الإطعام».
وقال مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ هِشَامٍ فِي رَجُلٍ يَعُولُ صَبِيًّا صَغِيرًا مِسْكِينًا يَتِيمًا، فَجَعَلَ يَكْسُوهُ ويُطْعِمُهُ وَيَدُهُ مَعَ يَدِهِ، ويَحْتَسِبُ مَا أَكَلَ عِنْدَهُ أو يَكْتَسِي مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ: «أَنَّه يُجْزِئُهُ عَنْ زَكَاتِهِ بالكِسْوَةِ والطَّعامِ جَميعًا في قول أبي يُوسُفَ، وهو قَولُ أبي حَنِيفَةَ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ نَوادِرِ هِشَامٍ»: «قال مُحَمَّدٌ: لا يجوز في الطعام، ويَجُوزُ في الكِسْوَةِ».
جنس: قال: الفِطْرُ يَحْصُلُ بِوُصولِ الشَّيء إلى جَوْفِهِ بِصِفَةٍ يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُهُ حالَ ذِكْرِهِ الصَّومَ بِفْعِلَ الآدَمِيِّ مِنْ خارج المَسْلَكِ. وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مالك: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ السَّعُوطَ والصَّبَّ في الأُذُنِ)). قال في «كتاب صَوْمِ الأَصْلِ»: «الحُقْنَةُ تُوجِبُ الفِطْرَ، ولا يَقَعُ بها الرَّضَاعُ، ذَكَرَه في نَوادر هشام.
وإِنْ صَبَّ فِي إِحْلِيلِهِ لا يُفْطِرُ عِندَ أبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: يُفْطِرُ، ذَكَرَه في الأَصْلِ. قال مُحَمَّدُ في نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ: «أنا واقف في هذه المسألة». فإِنْ وَصَلَ إلى المَثانَةِ الدُّهْنُ الَّذِي صَبَّ فِي إِحْلِيلِهِ، ففيه روايتان: ذَكَرَ فِي المُجَرَّدِ عن أبي حَنِيفَةَ: «يُفْطَّرُ»، وَفِي تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ لا بن شجاع رواية ابن أبي مالك، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةَ: لا يُفْطَرُهُ وَإِنْ وَصَلَ إلى المَثانَةِ.
وَفِي السَّعُوطِ والوَجُورِ والإقطار في الأُذُنِ يُوجِبُ الفِطْرَ بلا كفَّارَةِ، ذكره في «الأَصْلِ»، وقال أبو يُوسُفَ فِي نَوادِرِ هشام: «تَجِبُ الكفَّارة في السعوط».
وفي الآمَّةِ والجائِفَةِ إذا داواهما بدواء رَطْبٍ كَالمَرْهَمِ فَطَرَهُ، وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ: «لا يُفَطَّرُهُ»، ذَكَرَه في صيام الأَصْلِ. وفي اليابس لا يُفَطَّرُهُ.
قالَ الشَّيْخُ أبو العَبَّاسِ: "لا فَرْقَ بين الرطب واليابس، إذا وصلا إلى الجَوْفِ فَطَرَهُ، وإذا لم يصلا إلى الجَوْفِ لم يُفَطَّرُ"، هكذا فَسَّرَهُ مُحَمَّدُ بنُ شجاع في تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ. وما ذَكَرَهُ في الأَصْلِ أنَّهُ يُفَطَّرُهُ مُطْلِقُ الرَّطْبَ، فَعَمِلَ المَسْأَلَةَ على أنَّه في الغالِبِ يَصِلُ بِدَوائِهِ إِلى الجَوْفِ، وقد مَضَى على هذا الشَّرْطِ في تَفْسِيرِ المُجَرَّدِ. رَوَى ابن أبي مالك، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةً: "إنْ كان الرَّطْبُ يَصِلُ إِلى الجَوْفِ فَطَّرَه".
وفي «الإمْلاءِ» عنْ مُقاتِل: لو طَعَنَ الصَّائِمُ بِرُمْحٍ وعليه سِنانُهُ، فَأَخْرَجَهُ وبَقِيَ الزَّجُ فِي جَوفِهِ فَطَرَهُ، وإنْ جَذَبَ الرُّمْحَ وَأَخْرَجَهُ معَ الرُّمْحِ لا يُفَطَّرُهُ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: "إنْ أَدْخَلَ خَشَبَةٌ فِي المَوْضِعِ المَكْرُوهِ - مَسْلَكَ الغائط - وغَيَّبَها فيه أَفْطَرَ، وإنْ كان طَرَفُها فِي يَدِهِ لَا يُفْطِرُ؛ لأنَّه يُعَدُّ فِي تَصَرُّفِهِ". وَفِي الزِّياداتِ: "إذا أَدْخَلَ فِي حَلْقِهِ لَا يُفْطِرُ، ذَكَرَهُ فِي الأصل».
وقال مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ ابنِ سَماعَةَ: "في القياس: يُفْطِرُ، وَفِي الاسْتِحْسانِ: لا يُفْطِرُ، وبه نأْخُذُ".
وإِنْ أَدْخَلَ فِي حَلْقِهِ فَوَصَلَ إلى جَوْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَصَوْمُهُ تَامٌ، ذَكَرَه في نَوادِرِ أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابْنِ سَماعَةَ. ولو وَقَعَ قَطْرَةٌ مِنَ المَطَرِ حال نَوْمِهِ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ ذَكَرَهُ في إِمْلَاءِ مُحَمَّدِ بنِ مُقَاتِلِ. وَفِيهِ: «لو أَخْرَجَ بُرَاقَهُ مِنْ فَمِهِ عَلَى يَدِهِ، وجَمَعَهُ فِيها، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى فَمِهِ وَابْتَلَعَهُ يُفْطِرُ، وإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ فَمِهِ إِلى ذَقْنِهِ، ولم يَنْقَطِعُ عَمَّا كان داخِلَ فَمِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلى فَمِهِ وَابْتَلَعَهُ، لا يُفَطَّرُهُ؛ لأنَّه لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ تَصَرُّفِهِ». ولو دَخَلَ دَمْعُهُ مِنْ عَيْنَيْهِ، أَوْ عَرَقُهُ مِنْ جَبْهَتِهِ، أَو دَمُ رُعَافٍ فَدَخَلَ حَلْقَهُ، فَطَرَهُ.
نوع منه: قال مُحَمَّدٌ في نَوادِرِ هِشَامٍ» في سِمْسِمَةٍ ابْتَلَعَهَا الصَّائِمُ: «لا قضاء عليه إذا كانت بينَ أَسْنانِهِ، وبِمِثْلِهِ لو تناولها ابتداءً فَابْتَلَعَها، فَطَرَتْهُ إِذَا دَخَلَ حَلْقَهُ».
وفُرِّقَ بينهما: بأنَّه طَعامُ قَدْ كان أُكِلَ، وَمَا أَخَذَهَا ابْتِدَاءً فَهُو طَعَامُ غَيْرُ مأكول، وعلى هذا ذَكَرَ فِي الأَصْلِ»: «إذا ابْتَلَعَ الصَّائِمُ ما بين أَسْنانِهِ لا يُفَطَّرُهُ؛ لأنَّه ليس بِطَعامٍ»، ومَعْناهُ: لا يَقْصِدُ به الأَكْلَ، وَإِنَّمَا يَجْذِبُهُ الإِنْسانُ بِفَمِهِ كَجَذْبِ الرِّيقِ، وكان مِنْ بَقايا طعامٍ قَدْ أُبِيحَ لَه تَناوُلُهُ، فَصَارَ كَأَثَرِ المَضْمَضَةِ». وَفِي شَرْحِ اخْتِلافِ زُفَرَ لا بنِ شُجاع: «أَخْبَرنِي ابن أبي مالك، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حَنِيفَةَ: مَنْ كَان بَينَ أَسْنانِهِ مِثْلُ قَدْرِ حِمَّصَةٍ فَطَرَهُ».
جِنْسٌ: قالَ: "كُلِّ مَسْلَكٍ يَتَعَلَّقُ به وُجوبُ الحَدَّ يَتَعَلَّقُ بهِ كَفَّارَةُ رَمَضَانَ كَفَرْجِ المَرْأَةِ، وكذلك تَعَلَّقَ بالفَمِ وُجوبُ الحَدِّ في شُرْبِ الخَمْرِ والقَذْفِ، كذلك يَتَعلَّق به كَفَّارَةُ رَمَضانَ، فَعِنْدَ ذلكَ يَقَعُ
الكَلامُ فِي صِفاتِ المَأْكُولِ، فَكُلُّ فِطْرٍ حَصَلَ بِمَتْبُوعِ جِنْسِهِ، يَتَعلَّق به وجوبُ الكَفَّارَةِ إِذا عَرِيَ عن الشَّبْهَةِ.
ومتبوع الجِنْسِ: ما يَتَنَوَّعُ نَوْعَينِ، وأَحَدُ النَّوْعَينِ هو المَقْصُودُ مِنْ نَوْعِهِ، كالإيلاج في الفَرْج هو المَقْصُودُ منه؛ لمَّا قَصَدَ طَلَبَ النَّسْلِ واللَّذَّةِ، والجِماعُ فيما دُونَ الفَرْجِ إذا لم يُقْصَدْ به هذا المَعْنَى مِنه كان تَبَعًا لم تَتَعَلَّقُ به الكَفَّارَة.
كذلك المَأكُولُ يَتَنَوَّعُ نَوْعَينِ، أَحَدُهما: ما هُوَ المَقْصُودُ، وهو ما يُقْصَدُ بِهِ التَّغَذَّي أو التداوي، وما لا يُقْصَدُ بِأَكْلِهِ واحِدٌ مِنهما هو التَّابِعُ، فلا تَتَعلَّقُ به الكَفَّارَة.
قال في «كتاب الصوم»: «لو جامَعَ امْرَأَتَهُ بِالنَّهَارِ مُتَعَمِّدًا، عليه الكَفَّارَةُ». وفي الجماع في الدُّبُرِ عن أبي حَنِيفَةَ فيه روايتان، قال أبو حَنِيفَةَ في كتاب الحدود» إملاء رِوايَةً بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «الإيلاج في الدُّبُرِ إِذا تَوارَتِ الحَشَفَةُ يُوجِبُ القضاء والكَفَّارَةَ». وقال في «كتاب الصوم» للحسن: «إذا جَامَعَ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ فَأَمْنَى وَلَمْ تُمْنِ هِي، لا كَفَّارَةَ عليه في قياس قول أَبي حَنِيفَةَ، وفَسادُ الحج على هاتين الروايَتَيْنِ».
وَفِي نَوادِرِ هِشَامٍ فِي طِينِ الْأَرْمَنِي الَّذِي يُشْرَبُ لِلدَّواءِ: «فيه القَضاءُ والكَفَّارَةُ». وَفِي نَوادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: «فِي طِينِ الْأَرْمَنِي كَفَّارَةً؛ لأنَّه دواء». قلتُ لمُحَمَّدٍ: الطَّينُ الَّذِي يُقْلَى يُؤْكَلُ النَّاسُ؟! قال مُحَمَّدٌ: لَا أَدْرِي ما هذا.
وفي «كِتابِ الصّيام» إملاء رواية بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «قال أبو يُوسُفَ: كُلُّ طَعَامٍ يُؤكَلُ مِنْ بَقْلٍ أو غَيْرِهِ أو يُتَداوَى به، إذا تَعَمَّدَ الصَّائِمُ ذلك، يجب عليه القضاءُ والكَفَّارَةُ».
وفي كِتابِ الصَّوْمِ إملاء رِوايَةَ أبي سُلَيْمانَ: «لَوِ ابْتَلَعَ لَوْزَةً رَطْبَةً تَجِبُ الكَفَّارَةُ، وَفِي الجَوْزَةِ لا تَجِبُ الكَفَّارَةُ». وفُرِّقَ بينهما: بأنَّ قُشورَ اللَّوْزِ حالَ ما كان رَطْبًا يُؤْكَلُ، وَفِي الجَوْزِ لا يُؤْكَلُ.
وقال في نَوادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ في الجَوْزَةِ الرَّطْبَةِ: «إِنْ قَضَمَها مع قِشْرِها كَفَّارَةً، وإِنِ ابْتَلَعَها لا كَفَّارَةَ». وَفِي زِيَادَاتِ نَوادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إذا ابْتَلَعَ تِفَاحَةً مُتَعَمِّدًا، عليه الكَفَّارَةُ. وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ في قِشْرِ الرُّمَّانِ وشَحْمِهِ، أَوِ ابْتِلاعِ رُمَّانَةٍ أو بَيْضَةٍ: «لا كفارة وعليه القضاء».
وفي كِتابِ الصَّوم للحَسَنِ: «إذا ابْتَلَعَ قِشْرَ الرُّمَانِ الرَّطْبِ، أَوِ اللَّوْزِ الرطب، أو الجَوْزِ الرَّطْبِ، فَفِيه الكَفَّارَةُ، ولوِ ابْتَلَعَ لَوْزَةً يَابِسَةً، أَو جَوْزَةً صَحِيحَةً، أو قِشْرَ جَوْزَةٍ، أو نَواةٌ يَابِسَةً، لا كَفَّارة عليه، وإِنِ ابْتَلَعَ بَلُوطَةً، أَوْ عِفْصَةٌ قد نُزِعَ قِشْرُها، عليه الكَفَّارَةُ، فَإِنْ أَكَلَ كِسْرَةَ خُبْزِلا كَفَّارَةَ عليه».
وَفِي المَأْمُونِيَّةِ للحَسَنِ: لَوِ ابْتَلَعَ ثَمَرَةٌ يَابِسَةٌ، أَو كِسْرَةَ خُبْزِ يَابِسٍ، عليه الكَفَّارَةُ. وَفِي نَوادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: «إِنِ ابْتَلَعَ بِطِيخَةً صَغِيرَةً أو رَطْبَةً، أو هَلِيلَجَةَ، أو مِسْكًا، أو غالية، أو زَعْفَرَانًا، تَجِبُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه يتداوى به على قُوَّةِ الجماع، والمُلوكُ يَأْكُلُونَها، ومنه صُفْرَةُ وُجُوهِهِم، وكذلك وَرَقُ الشَّجَرِ مَا يُؤْكَلُ تَجِبُ فيه الكَفَّارَةُ».
وَفِي نَوادِرِ مُعَلَّى: «قال أبو يُوسُفَ: لومَصَّ سُكْرَةً حَتَّى دَخَلَ ذلك الماء في حَلْقِهِ، عليه الكَفَّارَةُ».
جنس: قال: المَعْنَى المُوجِبُ لِصَدَقَةِ الفِطْرِ فِي حَقَّ المُسْلِمِ اجْتِمَاعُ أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: ثُبوتُ الوِلايَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى الكَمالِ، ما لم تَنُبْ صَدَقَةُ فِطْرٍ أُخْرَى مَنَابَهُ، وَإِنْ عُدِمَ وَاحِدٌ مِنْ هذه المَعانِي لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
يَدُلُّكَ عَلَيهِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ المَوْلَى عَنْ عَبْدِهِ صَدَقَةُ الفِطْرِ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ لا يَلْزَمُهُ، وَالأبَ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِذَا بَلَغَ سَقَطَ عَنْهُ لِزَوَالِ الوِلايَةِ، وَالجَدُّ أبو الأَبِ لا يَلْزَمُهُ صَدَقَةُ الفِطْرِ لا بْنِ ابْنِهِ؛ لأنَّ الوِلَايَةَ لم تَثْبُتْ بِنَفْسِهِ، بَلِ اسْتَفادَها بِابْنِهِ»، هذا رِوايَةُ «الأَصْلِ».
وَفِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: «يَلْزَمُهُ فِطْرُ وَلَدِ وَلَدِهِ».
وعَنْ عَبْدِهِ لِلتَّجَارَةِ لَا يَلْزَمُهُ الفِطْرُ؛ لأَنَّ صَدَقَةَ التَّجَارَةِ نَائِبَةُ مَنابَها، فإِنْ كَانَ مِئَةَ عَبْدٍ بَينَ رَجُلَينِ، لا تَجِبُ صَدَقَةُ الفطر على واحد منهما في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال مُحَمَّدٌ: تَجِبُ؛ لأنِّي أَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ، وأبو حَنِيفَةَ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ». وأما أبو يُوسُفَ فَلا يَرَى في ذلكَ صَدَقَةً الفِطْرِ، وإن كان يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ؛ لأنَّ القِسْمَةَ بِحَقِّ المِلْكِ، وَقَدْ وُجِدَ الملك في الرَّقِيقِ، ولا كذلك صَدَقَةُ الفِطْرِ؛ لأنَّهَا تَجِبُ عَنْ جِهَةِ المِلكِ وجُوبُها عنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أولادِهِ الصَّغَارِ.
ولو كان ثمانُونَ شَاةً بينَ رَجُلَيْنِ تَجِبُ زَكاةُ السَّوْمِ؛ لأَنَّ زَكَاةَ المَالِ المالك، ولو كان عَبْدُ بينَ رَجُلَيْنِ لا تَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرِ في قولهم جميعًا.
ولو كان غُلامًا وَلَدَتْهُ جَارِيَةً لِرَجُلَيْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما أَنَّهُ ابْنُهُ، فَإِنَّه يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُما، وأمه أمُّ وَلَدٍ لهما، ولا فِطْرَة عليهما عن الجارية، وعلى كُلِّ واحِدٍ منهما زَكاةُ الفِطْرِ تامَّةً عَنِ الغُلامِ؛ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ ابنُ تام لِكُلِّ واحِدٍ يُحْرِزُ مِيراثَهُ، ذَكَرَه في كِتابِ الكَفَّارَةِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ.
وَفِي نَوادِرِ ابْنِ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: صَدَقَةٌ وَاحِدَةُ عليهما بِنِصْفِ صاع مِنْ حِنْطَةٍ، يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُبع صاع، وإنْ ماتَ أَحَدُهما فَعَلى الآخر كلها»، هذا لفظ مُحَمَّدٍ. ورأيتُ في كِتابِ الزَّكَاةِ مِنْ جَمْعِ أَبي عَبْدِ اللهِ الزَّعْفَرَانِي الرَّازِيِّ: «قال أبو حَنِيفَةَ: «على كُلِّ واحدٍ منهما جميعُ الفِطْرَةِ»، فَجَعَلَ قَولَ أبي حَنِيفَةً وأبي يُوسُفَ معًا.
وإِنْ أَعْتَقَ الأُمَّ فَاكْتَسَبَتْ مَالًا، فَأَوْصَتْ إِلى رَجُلٍ وماتَتْ، فالوالدان أَحَقُّ بِمَالِهِ فِي بَيْعِهِ وَتَصَرُّفِهِ مِنْ وَصِيَّ الأُمِّ، فَإِنْ غَابَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ ليس للآخرِ التَّصُرُّفُ في مالِهِ في قَولِ أبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وذلك إلى الوصي، وقال أبو يُوسُفَ: «الأب الحاضِرُ أَولَى»، ذَكَرَه في «الزيادات».
وَفِي كِتَابِ الأَيْمَانِ إِمْلاء رِوايَةَ بِشر بن الوليد: «قال أبو حَنِيفَةَ: لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَبِيعَ للصَّبِيَّ وَيَشْتَرِي لَهُ مَعَ حُضورِ الآخَرِ، وقال أبو يُوسُفَ: «لا يَجُوزُ إِلَّا ما لا بُدَّ له مِنْهُ مِنَ الطَّعَامِ والكِسْوَةِ».
ولَوْ زَوَّجَهُ أَحَدُ الأَبَوْيِنِ حالَ صِغَرِهِ والآخَرُ حاضر جاز، ولا خيار له إذا أَدْرَكَ»، ذَكَرَه في «الزيادات». وذَكَرَ فِي اخْتِلافِ أبي حَنِيفَةً وأبي يُوسُفَ» رِوايَةً بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ: «لا يَجُوزُ، كما لا يجوز البيع».
فإن كان له ابنُ مَعْتُوهُ قَدْ أَدْرَكَ، على أَبِيهِ صَدَقَةُ الفِطْرِ عنه إن كان لم يَزَلْ مَجْنُونًا، وإن كان عاقِلا لم يَكُنْ عليه أَنْ يَتَصَدَّقَ عنه، ذَكَرَه في زيادات نوادر هشام». وقال أبو حَنِيفَةَ في المُجَرَّدِ»: «عليه أَنْ يَتَصَدَّقَ عنه إذا أَصابَهُ ذلك حالَ صِغَرِهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ وَهُو عَلَى جُنُونِهِ».
فإن كان رَجُلٌ قَدْ جُنَّ فِي صِغَرِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مَجْنُونًا حَتَّى وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، قال أبو حَنِيفَةَ فِي زِيادَاتِ نَوادِرِ هِشَامٍ: "لم يَكُنْ عليه صَدَقَةُ الفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ". "وَإِنْ جُنَّ جُنونًا مُطْبقًا مِنْ صِغَرِهِ، هُو بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ، إِنْ كان له أَبُ يَلْزَمُهُ صَدَقَةُ الفِطْرِ عنه"، ذَكَرَه في الإملاء، وهذا في الروايات كُلَّها يَلْزَمُهُ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحيض
جنس: ذَكَرَ فِي كِتَابِ حَيْضِ الأَصْلِ»: «أَنَّ أَقَلَّ الحَيْضِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ بلياليها». ومعناه: بِلَيالٍ تَقَعُ في تَقَصِّي هذه الأَيَّامِ، ولا يُرِيدُ به ثلاثَ لَيالٍ، فَتُقَدَّرُ بِهِ؛ لِتَقْدِيرِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وذكر في كتاب الحَيْضِ إِمْلاءً رِوايَةَ بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ: «قال أبو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنْ رَأَتِ المَرْأَةُ الدَّمَ فِي أَوَّلِ اليَوْمِ غَدْوَةً ثم انْقَطَعَ، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي اليوم الثاني ساعَةً، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ سَاعَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ بِالعَشِيِّ، هذا كُلَّه حَيْضُ، فَإِنْ رَأَتْهُ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ غَدْوَةً سَاعَةً، وَرَأَتْهُ بِالعَشِيِّ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ ساعة، فإنَّ ما بينهما حَيْضُ».
قالَ الشَّيْخُ أبو العباس: فَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَشْيَاءَ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اسْتِدامَةِ رُؤيَةِ الدَّم ليس بِشَرط في كَوْنِهِ حَيْضًا.
والثاني: أنَّه يُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الدَّمِ حَيْضًا وُجُودُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بَينَ أَوَّلِ قَطْرِ الدَّم، وبينَ آخِرِ قَطْرِ الدَّم، فعلى رِوايَةِ الأَصْلِ» كما لَوْ رَأَتِ الدَّمَ يَوْمَ السَّبْتِ عند طلوعِ الفَجْرِ الثَّاني، ثُمَّ رَأَتْ قَطْرَةَ الدَّمِ يَوْمَ الاثنين عِندَ غُروب الشَّمْسِ، فَلَوْ أَنَّها رَأَتِ الدَّمَ وَقْتَ العَصْرِ وانْقَطَعَ، ولم تَرَ الدَّمَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، لَا يَكُونُ حَيْضًا على رِوايَةِ الأَصْلِ، وَفِي «المُجَرَّدِ» و «كِتابِ الحَيْضِ إملاء ونوادِرِ الصَّلاةِ لمُحَمَّدٍ: يَكُونُ حَيْضًا».
والثَّالِثُ: أنَّه لا يَتَقَدَّرُ بِثَلاثِ لَيالٍ كَتَقْدِيرِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِنَهَارِهَا، والوجه فيه: أَنَّ مَانِعَ الوَطْء إذا دَخَلَهُ تَقْدِيرُ الأَقَلَّ وَالأَكْثَرِ دَخَلَهُ تَقْدِيرُ الشَّرْعِ بِثَلَاثَةٍ، كالصَّلاةِ الخَمْسِ والصَّوْمِ والطلاق. وأكْثَرُ الحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وأكثرُ النَّفاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَلَمْ يَدْخُلِ التَّقْدِيرُ فِي أَقَلَّهِ. وَرَوَى مُعَلَّى عَنْ أبي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: «أَنَّ أَقَلَّ النَّفاسِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ النَّفاسُ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّامِ الحَيْضِ، فَإِنْ رَأَتِ الظهْرَ قَبْلَ ذلك - ولا أَظُنُّ ذلك - تَكُونُ اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ وصَامَتْ.
وذكر في مُخْتَصَرِ أبي مُوسَى الضَّرِيرِ الرَّازِيِّ، نَزِيلِ مِصْرَ: أَنَّ أَقَلَّ النَّفاسِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا عِندَ أَبي حَنِيفَةَ، على ما قاله: «إِنَّ أَقَلَّ مَا تَصْدُقُ المَرْأَةُ فِي القضاء العِدَّةِ إِذا طَلَّقَها زَوْجُهَا بِعَقِبِ الوِلادَةِ خَمْسَةٌ وثَمَانُونَ يَوْما في قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ، مِنْهَا خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يومًا نِفَاسُ».
وهذا غَيْرُ صَحِيح؛ لأنَّ تَقْدِيرَ النَّفاسِ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ لا يَعُودُ إِلى أَنَّ تَقْدِيرَ أَقَلَّهُ بِذَلِكَ، وإنَّمَا عاد إلى مَعْنَى آخَرَ، وهو أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ إِتيَانِ طُهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا بعدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ النَّفاسِ ثُمَّ الحَيْضِ بَعْدَهُ؛ لِيَقَعَ الفَضْلُ بِينَ دَمِ النَّفاسِ والحَيْضِ بِطُهْرٍ صَحِيح.
فلوِ اعْتَبَرْنَا فِي النَّفاسِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ بَعدَهُ طُهْرُ خَمْسَةَ عشر يوما، وبَعْدَه الحَيْضُ؛ لكان ابتداءُ الدَّمِ بَعدَ الظَّهْرِ يَقَعُ فِي الْأَرْبَعِينَ، ومِنْ أَصْلِ أبي حَنِيفَةَ أَنَّ طُهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا لَا يَجْعُلُهُ فَضْلًا، وَيَقَعُ جَمِيعُهُ نفاسًا، فاضطر إلى اعْتِبارِ خَمْسَةٌ وعِشْرِينَ يوما في النفاس؛ لِيَكُونَ بَعدَه إتيانُ طُهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ.
وقد ذكر في كِتابِ الحَيْضِ» في «الأَصْلِ»: «وَأَدْنَى مَا يَكون بين الحَيْضَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، لا يَنْقُصُ شَيْئًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وإذا كان أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا لا يَكُونُ طُهْرًا بينَ الحَيْضَتَيْنِ
قالَ الشَّيْخُ أبو العَبَّاس: يُرِيدُ ما يَصِيرُ عادةً به، ويَفْصِلُ بينَ الحَيْضَتَيْنِ. وقد ذَكَرَ في نَوادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ»: «قَدْ يَكُونُ شَهْرَينِ مَا يَصِيرُ عادةً لها بذلكَ الشَّهْرِ»، وقال مُحَمَّدُ بنُ شُجاع: تِسْعَةَ عَشَرَ يومًا». وَفِي كتاب الحيض لأبي عَلِيَّ الدَّقَّاقِ وأبي عَبْدِ اللهِ الزَّعْفَرَانِي: سَبْعَةٌ وَخَمْسِينَ يومًا بَعْدَ أَوَّلِ حَيْضَةٍ
حَاضَتْ مَتَى طَهُرَتْ، وسَبْعَةٌ وخَمْسِينَ يوما، ثم رَأَتِ الدَّمَ فَاسْتَمَرَّ بها، أَنَّ ذلكَ الظُّهْرَ يَصِيرُ عَادَةً لها في الظهْرِ.
وإِنْ طَهُرَتْ أكثرَ مِنْ سَبْعَةٍ وخَمْسِينَ يَومًا، لَمْ يَكُنْ ذلك عادَةً لها؛ لأنَّ المرأة إذا كان حَيْضُها عَشْرَةً وطُهْرُها عِشْرُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَرَأَتِ الدَّمَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، حَيْضُها في وَقْتِها، وطَهُرَتْ سَبْعَةٌ وخَمْسِينَ يومًا، ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ وَاسْتَمَرَّ بها، فَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَيَّامٍ حَيْضِها ثلاثَةُ أَيَّامٍ، وهي مكان عادتها وظهرها، وحَيْضُها بعد ذلك على حالِهِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مَرَّتَيْنِ فِي عَادَتِهَا ظُهْرُ بِهَذِهِ الصفة.
ولا كذلك إِذا رَأَتْ ثَمَانِيَةً وخَمْسِينَ يومًا ظهرًا؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِنْ أَيَّامِها إلا يومان، وهذا القَدْرُ لا يَكونُ حَيْضًا، فَيَنْتَقِلُ عَنْ مَكَانِها في الحَيْضِ، فلما جاءت لغير العادة لهذه المُدَّةِ، كذلك لم يَصِرْ عادةً لها، ولما لم يتغيَّر عادَةُ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ يوما، كذلك صارت لها عادة». وَجْهُ مَا ذَكَرَ ابنُ سَمَاعَةَ: أَنَّ العَادَةَ مَأْخُوذَةُ مِنَ المُعاوَدَةِ، والحَيْضُ والظهْرُ يُوجَدُ فِي الشَّهْر، فإذا رَأَتْ ذلكَ شَهْرَينِ صار عادَةً، وَقَدْ عَاوَدَها مَرَّةً بعد أُخْرَى، فَصَارَتْ بِذلِكَ مُنْتَقِلَةَ العادَةِ.
وَجْهُ ما ذَكَرَ ابنُ شُجاع: أَنَّ الشَّهْرَ قد يكونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يومًا، فَمَتَى جَعَلْنَا الحَيْضَ عَشَرَةٌ فِي الشَّهْرِ صارَ الباقي طُهْرًا، وهو تِسْعَةَ عَشَرَ، وقد ذَكَرَ أبو عَليَّ الدَّقَّاقُ الرَّازِيُّ في كِتابِ الحَيْضِ من تَصْنِيفِهِ: «أَنَّ العادة تَحْصُلُ في الظَّهْرِ بِتَكْرارِ مَرَّتَيْنِ، وتَنْتَقِلُ عنه بِمَرَّتَيْنِ»، ولا أَحْفَظُ هذا أيضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبو عَلِيَّ عَنْ أَصْحَابِنَا.
قال الشيخ أبو العباس: والمُراد بالعادة ها هنا: ما تُرَدُّ إليه المَرْأَةُ حالة الاستحاضة، ولا يُراد به الزَّمانُ الَّذِي يُحْكَمُ للمَرْأَةِ فِيهِ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ لأنَّ ذلكَ يَثْبُتُ فيما هو معتاد وما ليس بمُعتاد، والعادةُ قَدْ تَكون في العَدَدِ والوَقْتِ.
كِتَابُ المَناسِكِ
جِنْسٌ: قال: صَلاتَيْ عَرَفَةَ بِأَذَانِ واحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، يُؤَذِّنُ ثُمَّ يُقِيمُ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، فَإِذا فَرَغَ مِنْهَا يُقِيمُ المُؤَذِّنُ بِلا أَذَانٍ وَيُصَلِّي العَصْرَ، وَصَلاتي المُزْدَلِفَةَ بأذان واحِدٍ وإقامة واحِدَةٍ، وهما المَغْرِبُ والعِشاءُ.
وقد فَرَّقَ مُحَمَّدُ بنُ شُجاع بينهما بأنَّ العَصْرَ مَفْعُولَةٌ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فاحتيج إلى إعلام النَّاسِ بِإقامَةِ جَمَاعَةِ العَصْرِ، فَجَدَّدَ الإِقَامَةَ لهذا المَعْنَى، ألا تَرَى أَنَّ النَّاسَ لا يَعْرِفُونَ جَوازَ فِعْلِ العَصْرِ قَبْلَ دُخولِ وقتها؟ ولا كذلك في صلاتي المُزْدَلِفَةَ؛ لأنَّ العِشَاءَ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِها، فَعَرَفُوا جَوازَ فِعْلِها
بِدُخولِ وَقْتِها، والمَغْرِبُ قَدْ فاتَ وَقْتُهَا، فَقَدْ حَصَلَ عِلْمُهُم مِنْ هذا الوجه بِجَوازِ فِعْلِها، فاسْتَغْنَى عَنِ التَّعْرِيفِ بِتَجْدِيدِ الإقامة.
ويُكْرَهُ للإمام أنْ يَتَطَوَّعَ بَينَ صَلاتَيْ عَرَفَةً و بَينَ صَلاتِي المُزْدَلِفَةَ، ذَكَرَه في «الأَصْلِ» في «المَناسِكِ». وقد قال في «مَناسِكِ الحَسَنِ»: قال أبو حَنِيفَةَ: «لا يَنْبَغِي للإمام ولا لأَحَدٍ أَنْ يَتَطَوَّعَ بينهما، فإِنْ فَعَلَ الإمامُ ذلكَ فَقَدْ أَساءَ»».
وذَكَرَ ابنُ شُجاع عن أبي حَنِيفَةَ: «إِنْ وَقَعَ مِنْ جِهَةِ الإِمَامِ أَمْرُ تَأَخَّرَ دخوله في الصَّلاةِ الأُخْرَى، لا يُكْرَهُ للمَأْمُومِ أَنْ يَتَطَوَّعَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الإِمَامُ في الصَّلاةِ الأُخْرَى
وإِذا وَقَعَ بَينَ الصَّلاتَيْنِ مِنَ الإِمَامِ أَمْرُ يَشْغَلُهُ عَنِ الدُّخولِ فِي الْأُخْرَى، أعاد الأذان للعَصْرِ بِعَرَفَةَ، والإقامة لللْعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةَ»، ذَكَرَه فِي الْأَصْلِ» و في «مَناسِكِ الحَسَنِ». و قال مُحَمَّدُ في «الرَّقَّيَّاتِ»: «لا يُعِيدُ الأَذانَ للعَصْرِ بِعَرَفَةَ»، وقال في «المُجَرَّدِ»: «لو تَعَشَّى الإمامُ أَوْ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ بَينَ صلاتي المُزْدَلِفَةَ، أَقَامَ لِلعِشَاءِ مَرَّةً أُخْرَى».
وإِنْ لَحِقَ النَّاسَ الفَزَعُ بِعَرَفَاتٍ، فَصَلَّى الإمامُ الظَّهْرَ وَحْدَهُ، والعَصْرَ في وَقْتِ الظُّهْرِ وَحْدَهُ جَازَ، وَفِي حَقَّ المَأْمُومِ لَا يَجُوزُ فِعْلُ صَلاةِ العَصْرِ فِي وَقْتِ الظهْرِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى الظهر مع الإمام بالجماعة في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال محمد وأبو يُوسُفَ: «يَجُوزُ»، فأما في صَلاتِي الْمُزْدَلِفَةَ فَيَجُوزُ وَحْدَهُ.
وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ إِذا صَلَّى مع الإمامِ الظُّهْرَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالحَج: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي العَصْرَ معَ الإمام في وَقْتِ الظهر؟ قال في «الرَّقَّيَّاتِ»: «لا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي مَعَ الإِمامِ العَصْرَ فِي قِياسِ قَولِ أبي حَنِيفَةَ»، وقال مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ». وَفِي مَناسِكِ الحَسَنِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «ليس له أن يجمع بينهما مع الإمام حتَّى يُحْرِمَ بالحَجِّ». وَفِي نَوادِرِ الصَّلاةِ» لَمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: «لا يَجُوزُ».
وفي الشرحِ اخْتِلافِ زُفَرَ لا بنِ شُجاع: الو صَلَّى مَعَ الإِمَامِ الظُّهْرَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بالحج، جاز له أنْ يُصَلِّي العَصْرَ مَعَ الإمام في قول أَبي حَنِيفَةً وزُفَرَ، وقال أبو يُوسُفَ: «لا يَجُوزُ، إِلَّا أَنْ يُحْرِمَ بالحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ». ولو صَلَّى الظَّهْرَ وَهُوَ مُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى الظَّهْرَ مَعَ عَدَمِ الإحرام؛ لأنَّه لَيْسَ بِحُكْمِ إِحْرَامِ العُمْرَةِ جَوازُ الجَمْعِ.
ولو صَلَّى المَغْرِبَ بِعَرَفَةَ مَعَ إِمْكَانِ لُحُوقِهِ بِالْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني لا يجوز، وعليه إعادتها في قول أبي حَنِيفَةً ومُحَمَّدٍ، وقال أبو يُوسُفَ: يَجُوزُ»، ذَكَرَه فِي مَناسِكِ الأَصْلِ». وإِنْ صَلَّاها في آخِرِ الليل
في وَقْتٍ لا يُدْرِكُ المُزْدَلِفَةَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ»، ذَكَرَه فِي اخْتِلافِ زُفَرَ».
وإِنْ صَلَّاها بَعْدَما غابَ الشَّفَقُ فِي طَرِيقِ المُزْدَلِفَةَ، فَأَقامَ في مَوضِعه ذلكَ حَتَّى أَصْبَحَ لم يَجُز، وكذلك صَلاةُ العِشاء هي كَصَلاةِ المَغْرِبِ، وإن صَلَّاهُما بَعْدَما جاءَ المُزْدَلِفَة جاز ذلك»، ذَكَرَه في «مَناسِكِ الحَسَنِ».
وقد فَسَّرَ بِشْرُ فِي الرَّقِّيَّاتِ» بأنَّه: «إنْ كان قَدْ أَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ بينَ عرفات ويجمع، أو كانَ مَرِيضًا لا يَسْتَطِيعُ المَشْيَ، وليس له مَحْمَلُ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، لم تَجُزْ صَلاتُهُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ طُلُوعَ الفَجْرِ قَبْلَ بلوغ المُزْدَلِفَة ففي هذه الحالة إذا صَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ يَجُوزُ، وإنْ كان يَخافُ طلوعِ الفَجْرِ الإِبْطَائِهِ فِي الطَّرِيقِ لَم يَجُزْ».
وإذا طَلَعَ الفَجْرُ الثَّانِي صَلَّى الفَجْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يَومَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةَ بالغَلَسِ، ثُمَّ بِمَوْقِفِ الإمامِ بِهِمْ يَدْعُونُ، حتَّى إذا كان قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَفاضَ النَّاسُ مِنها إلى مِنِّى يُلِبُّونَ، وَلَوْ وَقَفَ أَحَدٌ مِنهم حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَساءَ، ولا شَيْءَ عليه، ذَكَرَه في «الأَصْلِ» و «المُجَرَّدِ». وكذلك بِعَرَفَةَ لَوْ تَخَلَّفَ بها إنْسانُ بَعْدَ خُروج الإمام بالمُزْدَلِفَة لا شَيْءَ عليه، ومَنْ تَقَدَّمَ قَبلَ خُروج الإمام بالمُزْدَلِفَةً لا شَيْءَ عليه وبعرفات عليه الدم.
وإِنْ أَبَطَأَ الإمامُ بالدَّفْعِ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إِلى أَنْ يَطْلُعَ الشَّمْسُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفَعَ قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولا يَنْتَظِرُ الإمام.
وكذلك الإمامُ إِذا أَبْطَأَ بِالدَّفْعِ بَعدَ غُروبِ الشَّمْسِ، لا بأسَ لَه أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الإمام»، ذَكَرَهُ في المُجَرَّدِ». ولو دَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبلَ غُروبِ الشَّمْسِ عليه دَمُ، ولو عاد إلى عَرَفاتٍ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ والإمامُ قَدْ دَفَعَ مِنها لم يَسْقُط عنه الدَّمُ، ذَكَرَهُ فِي «مَناسِكِ الأَصْلِ».
وإن كان الإمام لمْ يَدْفَعْ مِنها، سَقَط عنه الدَّمُ، ذَكَرَه فِي مَناسِكِ الحج»، ونقله أبو الحَسَنِ إلى مُخْتَصَرِه». وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحاوِي»: «لا يَسْقُطُ عنه الدم». وَفِي المَناسِكِ» إملاء: إن كان على بَعِيرِهِ فَنَدَّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ دَفْعِ الإمام منها، أَوْ نَدَّ فَتَبِعَهُ، هُو سَواءٌ، وعليه الدَّمُ في قول أبي يُوسُفَ»، قال: «ولا أَحْفَظُ في هذا المَوضِعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوايَةٌ».
نوع منه: قال أبو حَنِيفَةَ: يَنْبَغِي لِوالِي المَوْسِمِ أَنْ يَخْطُبَ ثَلاثَ خُطَبٍ:
- إِحْدَاهُنَّ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، إِذا صَلَّى الظَّهْرَ صَعِدَ المِنْبَرَ يَخْطُبُ
خُطْبَةً واحِدَةً قائمًا لا يَجْلِسُ فيها.
- وخُطْبَةً أُخْرَى يَومَ عَرَفَةَ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ، خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَينهما جِلْسَةً خَفِيفَةً، كَخُطْبَةِ يَومِ الجمعةِ»، وقال أبو يُوسُفَ في المَناسِكِ» إملاء: يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ والإمامُ يَخْطُبُ، وَيَسْكُتُ النَّاسُ».
- والخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ يَومِ النَّحْرِ بِيوم، إِذا صَلَّى الظَّهْرَ قَائِمًا لَا يَجْلِسُ فيها خُطْبَةً واحِدَةٌ، ذَكَرَ هَذِهِ الخُطَبَ في «مَناسِكِ الحَسَنِ» و «المُجَرَّدِ».
جنس: قال: القارِنُ مَنْ قَدْ أَتَى بإحرام الحج وإحرام العُمْرَةِ، فما يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ كُلُّ واحدٍ منهما - من الإِحْرَامَيْنِ - يَجْتَمِعُ فِي حَقِّهِ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ بِحُكْمِ إِحْرامِ الحَجِّ مِنْ مَحظوراتِ إِحْرامِهِ، كما أنَّه مِنْ محظورات إحْرامِ العُمْرَةِ، فَإِنْ قَتَلَ القارِنُ صَيدًا عليه قيمتانِ اللهِ تَعالى، وما لأَحَدِ الإِحْرَامَيْنِ لَا تَعَلَّقَ به وهُو مِنْ مَحْظُوراتِ أَحَدِ الْإِحْرَامَيْنِ، لَزِمَهُ قِيمَةٌ واحِدَةً وإن كان قارنا.
وهي مَسائِلُ سِتَّةٌ:
الأولى: قال في «كتابِ مَناسِكِ الأَصْلِ»: «حَلالُ أو قارن أو مُفْرِدٌ بالحج، إذا قَطَعَ شَجَرَةً في الحَرَمِ ممَّا لا يُنْبِتُهُ النَّاسُ، عليه قِيمَةٌ وَاحِدَةً لا تُضاعَفُ على القارن؛ لأنَّ هذه الغرامَة لم تَكُنْ عَلَى جِهَةِ الكَفَّارَةِ. يَدُلُّكَ عليه: أَنَّهُ لا تَسْقُطُ هَذِهِ الغَرَامَةُ بالصَّوْمِ، ولو اشْتَرَكُوا في إتلافها، على كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم قِسْطُهُ مِنَ القِيمَةِ، والواجِبُ قِيمَةُ وَاحِدَةٌ، والكَفَّارَةُ مما يَسْقُطُ بِالصَّوْمِ، ولا يَدْخُلُها التَّبْعِيضُ، والقارِنُ يُضاعَفُ عليه ما كانَ بِصِفَةِ التكفير.
والمسألةُ الثَّانِيَةُ: لو صَلَّى الظُّهْرَ والعَصر مع الإمام، فأفاضَ قبل الإمام، عليه دم واحد، سواءً كان مُفْرِدًا بالحج أو قارنا أو مُتَمَتِّعًا؛ لأنَّه لا تَعَلَّقَ للعُمْرَةِ بالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَلَمْ يُدْخِلْ نَقْصًا فيها، وإنَّما هذا مشروع للحَجِّ، فَقَدْ أَدْخَلَ نَقْصًا في إحرام الحَجِّ، فَلَزِمَهُ دَمُ وَاحِدٌ جَبْرًا لإِحْرَامِهِ.
والمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كُوفِيُّ جَاوَزَ المِيقَاتَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، فَأَحَرَمَ بالحج والعُمْرَةِ، وقَرَنَ بينهما، ومَضَى فِي أَفْعالهما، ولم يَرْجِعُ إلى الميقات عليه دَم واحِدٌ؛ لأنَّ الدَّمَ لَزِمَهُ لِتَرْكِ العُمْرَةِ في الميقات، ألا تَرَى أَنَّ له أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جَوفِ مَكَّةَ إِذا أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ مِنَ الحِل؟ ولو أنَّه بَدَأَ بِإِحْرامِ الحَجِّ دون الميقات، ولَمْ يَرْجِعُ إليها حتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ بِمَكَّةَ، أَنَّ عليه دَمَيْنِ؛ لأنَّه تَرَكَ الإِحْرامَيْنِ جَمِيعًا مِنَ المِيقات.
والمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لو طافَ القارِنُ طواف الزيارَةِ جُنُبًا، أَوْ عَلَى غَيْر وضوء، ثُمَّ رَجَعَ إِلى أَهْلِهِ، عليه في الجنابَةِ بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي الوُضوء شاه واحِدَةً، وهو كالمُفْرِدِ بالحج؛ لأنَّه قَدْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ ذلكَ عَلى الطَّهَارَةِ فالنَّقْصُ وُجِدَ في طَوافِ الحج.
والمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: حَلْقَ وَاحِدٌ.
والمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذا وَقَفَ القَارِنُ بِعَرَفَةَ وَقَتَلَ صَيْدًا، عليهِ قِيمَةٌ واحِدَةً، فَأَمَّا الَّذِي يَعودُ إلى تأثيرهما فيه، فإنَّ على القارن فيه دَما كَقَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ الوُقوف، ودَمِ الإِحْصار، وقَصَّ الأَظافِيرِ يَدُ أَوْ رِجْلٌ، أَو لَمْسِ المَرْأَةِ مِنْ شَهْوَةٍ.
ذَكَرَ هذه المسائل في «الأَصْلِ».
وَفِي مَناسِكِ الحَسَنِ بنِ زِيادٍ»: قارنانِ ومُفْرِدانِ بالحَج ومُعْتَمِرُ، بَعثُوا بِثَمَنِ بَدَنَةٍ عَنِ القَارِنَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهما بِسُبُعَيِ الثَّمَنِ، وَلِلْمُفْرِدَيْنِ كُلُّ واحِدٍ بِسُبْعِ، والمُعْتَمِرُ بِسُبْعِ، أَجْزَأَ ذلك عنهم، وَأَحَلُّوا بِهِ، فَإِنْ أَخْرَجُوا ثَمَنَهَا أَرْبَاعًا وأَمَرُوا الَّذِي اشْتَراها أَنْ يَذَبَحَها عنهم أَرْبَاعًا، فَذَبَحها عنهم، لم يَحِلَّ
القارنان؛ لأنَّ القارِنَيْنِ لو بَعَثَ كُلُّ واحِدٍ منهما بِثَمَنِ شَاةٍ فَذُبِحَتْ حَلَّا بها، وإن كانوا حيثُ بَعَثُوا بِالثَّمَنِ أرباعًا أَمَرُوا الَّذِي بَعَثُوا مَعَه الثَّمَنَ أَنْ يذبحها عنهم أَسْبَاعًا عَنِ القارِنَيْنِ بِسُبُعَيْنِ سُبُعَيْنِ، وَعَنِ الْمُفْرِدَيْنِ بسبع، والمُعْتَمِرِ سُبُعٌ، أَجْزَأَهُمْ، وكان المُفْرِدَانِ والمُعْتَمِرُ مُتَطَوِّعَيْنَ عن القارِنَينِ بِفَضْلِ مَا بَينَ الرُّبُعِ إِلَى السُّبُعَيْنِ».
جنس: قال: ضمانُ الحَرَمِ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْآدَمِيِّينَ؛ لأَنَّ ضَمَانَهُ لمعنى في غير القاتل، كما في ضَمَانِ الآدَمِيِّينَ لِمَعْنَى فِي غَيْرِ القَاتِلِ، فَصار َالحرم كالمالك لما حَوَى مِنَ الصَّيْدِ، وفارَقَ لِحَقِّ الإحرام؛ لأنَّه لَزِمَهُ المعنى هو عليه، وهو الإحرامُ، فَجَرَى مَجْرَى الكَفَّارَةِ.
ولهذا نقُولُ في المُحْرِمَيْنِ إِذا قَتَلا صَيْدًا: على كُلِّ وَاحِدٍ مِنهما جَمِيعُ القيمة، فإن كان الصَّيدُ مملوكا للآدمي، كذلك فيما يَعُودُ إلى حَقَّ الله تعالى، ويُصْرَفُ إلى الفَقِيرِ، أو يُغَرَّمانِ قِيمَةً واحِدَةً للمالك؛ لأنَّ فِي حَقَّ الآدمي لَزِمَهُ لِمَعْنَى لِغَيْرِ القاتل وهو حُرْمَةُ مالِكِهِ، فَصارَ كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا عَبْدَ رَجُلٍ خَطَأً، على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما كَفَّارَةٌ عَلى حِدَةٍ، وقِيمَةٌ وَاحِدَةً للمالك بينها نصفان؛ ولهذا نَقُولُ: ما لَزِمَ المُحْرِمُ مِنْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالصَّوْمِ، وما لزِمَ الحَقِّ الحَرَم لا يَسْقُطُ بالصوم، وهذا المَعْنَى مَنْصُوصُ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ من مشايخنا.
قال في كتاب المَناسِكِ» إملاء رِوايَةَ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ، في جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحْرِمِينَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ صَيدٍ: على كُلِّ واحدٍ منهم جَمِيعُ القِيمَةِ؛ لأنَّ ذلك كفَّارَةٌ، ألا تَرَى أَنَّ الصَوْمَ يُسْقِط هذا الضَّمَانَ، والكَفَّارَةُ لَا تَتَجَزَّا؟ كما لو قَتَلَ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ رَجُلًا خَطَأً، كان على كُلِّ واحدٍ منهم كَفَّارَةٌ، ولو
اشْتَرَكَ عَشَرَةٌ وهُمْ حَلالٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ في الحرم، عليهم قيمة واحدة أَعْشَارًا، أَلا تَرَى أَنَّهُ بِالصَّوْمِ لَا يَسْقُطُ؟»، هذا لَفْظُهُ.
والمُحْرِمُ في الحرم عليه قيمة واحِدَةً، وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ الحَرَمِ فِي حَقَّهِ، وإذا اجْتَمَعَ الإحرامانِ في حَقٌّ شَخْصٍ واحِدٍ لا يَسْقُطُ حُكْمُ أَحَدِهما، كالقارن إذا قَتَلَ صَيدًا لَزِمَهُ قِيمَتانِ: قيمةٌ لِحُرْمَةِ إحرام العُمْرَةِ، وَقِيمَةُ لِحُرْمَةِ إحرام الحج.
وفرق بينهما: أَنَّ حُرْمَةَ الإِحْرَامِ تَسْتَدْعِي لِنَفْسِهِ حُرْمَةَ الحَرَمِ. يَدُلُّكَ عليه: إن كان مُحْرِمًا بالحَجِّ اخْتَصَّ رَبِّي الجمار بمنى، والخَلْقُ يمنى، وطواف الزيارَةِ بِمَكَّةَ، وإن كان مُحرِمًا بالعُمْرَةِ فَالطَّوافُ والخَلْقُ يُوجَد ُبِحُكْمِ إحرامها، ومِنّى وَمَكَّةَ مِنَ الحَرَمِ، فَصَارَ مِنْ أَتْباعِ الإِحْرامِ، فَعَلَّقَ الحُكْم بالمتبوع دونَ التَّبَع.|ولا كذلك الإحرامان؛ لأنَّه يُوجَدُ إِحْرَامُ بِنِيَّةِ الحَجِّ ويَخْلُو عَنْ وُجود إحرام بِنِيَّةِ العُمْرَةِ، وإِحْرَامُ العُمْرَةِ بلا إحرامٍ بِنِيَّةِ الحَجِّ، فلا يَسْتَدْعِي أَحَدُ الإِحْرامَيْنِ الإِحْرامَ الآخَرَ، كذلك لا يَكونُ أَحَدُهما تَبعًا للآخر.
قال في كتابِ المَناسِكِ» في «الأَصْلِ»: «الحلال إذا قَتَلَ صَيدًا في الحَرَم عليه قيمته، وله أنْ يُهْدِيَ بها، ويَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ هَدْيًا فَيَذْبَحُهُ، وَيَتَصَدَّقُ باللَّحْمِ على الفقراء».
وقد فَسَّرَهُ الحَسَنُ بنُ زِيادٍ في «مَناسِكِهِ»، فقال: «يُنْظَرُ: إِنْ كان في لَحْمِهِ وَفَاء لِقِيمَةِ الهَدْيِ حَيًّا جازَ، وإنْ لم يَكُنْ فِي قِيمَتِهِ وَفاءُ لِقِيمَتِهِ لو كان حَيًّا، عليه أنْ يَتَصَدَّقَ بِتَمَامِ القِيمَةِ وَيُجْزِئُهُ».
وقد ذَكَرَ شَيخُنا أبو عَبْدِ اللهِ الجُرْجَانِيُّ في مَسائل أصحابنا: «روي عن أبي حَنِيفَةَ كما فَسَّرَه الحَسَنِ»، وكان يقولُ في الدَّرْسِ: «إنْ كان قِيمَةُ الهَدْيِ عِندَ الذَّبْحِ حَيًّا قَدْرَ قِيمَةِ الصَّيْدِ، ثُمَّ نَقَصَ بِالذَّبْحِ قِيمَتَهُ عَنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ جاز، ولا شيء عليه؛ للنقصان على ظاهِرِ رِوايَةِ الأَصْلِ»».
وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا واخْتارَ الهَدْي، إنْ كان عِندَ الذَّبْحِ قِيمَةُ الهَدْيِ حَيًّا قَدْرَ قِيمَةِ الصَّيْدِ المَقْتُولِ، لا شَيْءَ عليه للنقصان، وإِنْ كان أَقَلَّ مِنها ذَبَحَهُ، وعليه تمام القِيمَةِ، فَما ذَبَحَ جازَ بِقَدْرِه، والزيادة يَتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ دراهم أو طعامًا، أو صامَ بِقَدْرِهِ، ولا يَأْكُلْ مِنْه، ولا يَنْتَفِعْ بِجِلْدِهِ، وَلا يُطْعِمُ غَنِيًّا ولا أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَراباتِهِ وأَهْلِهِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَه دَفْعُ الزَّكَاةِ إِليه»، ذَكَرَه فِي مَناسِكِ الحَسَنِ».
فإن اختار الحلال إذا قَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، أَوِ المُحْرِمُ إِذا قَتَلَ صَيْدًا، إِخْراج الطَّعامِ عَنْ قِيمَتِهِ، يُقَوِّمُهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ إِلَى كُلِّ فَقِيرٍ نِصْفَ صَاعِ مِنْ حِنْطَةٍ، أو صاعًا مِنْ شَعِيرٍ في جميع الروايات عن أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ. وإن كان القاتلُ مُحْرِمًا، له أنْ يُسْقِطَ ضَمانَ قِيمَةِ الصَّيْدِ عَنْ نَفْسِهِ بالصَّوْمِ، سواء كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا»، ذَكَرَه فِي اخْتِلافِ زُفَرَ؛ لأنَّه مُخَيَّرُ فِيهِ بَينَ الهَدْيِ والإطعامِ والصَّوْمِ، فَلَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ بَدَلًا عَنِ الهَدْيِ، والطَّعامُ يُقَوِّمُهُ بالصِّيامِ، فَيَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعِ حِنْطَةٍ يومًا، وَعَنْ كُلِّ صاعِ شَعِيرٍ يومًا إن كان تَقْوِيمُ الصَّيْدِ وَقَعَ بِالشَّعِيرِ.
فَإِنِ اخْتارَ الهَدْيَ ذَبَحَهُ بالحَرَمِ، فَإِنْ ذَبَحَهُ فِي غَيْرِ الحَرَمِ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ يَجوزُ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى الفُقَرَاءِ وَقَدْ ذَبَحَهُ في الحرم، ليس عليه بَدَلُهُ، وإنْ كان ذَبَحَهُ خَارِجَ الحَرَمِ عليه بَدَلُهُ إِذا سُرِقَ.
وفُرق بينهما: إذا فَرَّقَ لَحْمَهُ على الفُقَراءِ، وَالمَذْبُوحُ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ حال حياتِهِ عِندَ القَتْلِ، وقد ذَبَحَ الهَدْيَ فِي الحَرَمِ عِندَ ذَبْحِ الهَدْيِ، كان قِيمَتُهُ إِنْ كَانَتْ قَدْرَ قِيمَةِ الصَّيْدِ حَيًّا جاز؛ لأنَّ القُرْبَةَ وَقَعَتْ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّحْمُ بَدَلًا عنها، كذلك إذا سُرِقَ لا بَدَلَ عليه، ولا كذلك في ذبحه خارِجَ الحَرَمِ؛ لأنَّ القُرْبَةَ تَقَعُ بِاللَّحْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّه يُعْتَبَرُ قِيمَةُ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الهَدْيِ بَعْدَ ذَبْحِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصَّيْدِ حالَ حَياتِهِ؟ ولم يُوجَدُ هذا المَعْنَى؛ لأنَّه قَدْ سُرِقَ قَبل اتصاله إلى الفُقَراء؛ فلذلك كان عليه بَدَلُهُ.
وَفِي إِمْلاء يُوسُفَ بن أبي يُوسُفَ، عن أبي يُوسُفَ: «قال أبو حَنِيفَةً في جزاء الصَّيْدِ إِذا سُرِقَ بَعدَ الذَّبْحِ: «عليه بَدَلُهُ، وَفِي دَمِ المُتْعَةِ والقِرانِ: جاز، وليس عليه بَدَلُهُ، وَفِي النَّذْرِ: «عليه بَدَلُهُ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ»».|وقال في «المَناسِكِ» إمْلاء: «لو نَذَرَ هَدْيًا مِنَ الحَيَوانِ، فقال: الله عليَّ أَنْ أُهْدِي بَقَرَةً، لا يَجُوزُ ذَبْعُها إِلَّا في الحرم، ولو تَلَفَّظَ بالبَدَنَةِ، فقال: الله عليَّ بَدَنَةً، جازَ ذَبْحُها في غَيرِ الحَرَم في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ: هُمَا سَواءٌ، لَا يُجْزِئَانِ إِلَّا أَنْ يَذْبَحُهُما بِمَكَّةَ، مَعْنَاهُ: الحَرَمَ.
ولو نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ ثَوْبًا تَصَدَّقَ بِه عَلَى مَساكِينِ مَكَّةَ، ولو تَصَدَّقَ علي غَيْرِ مَسَاكِينِ مَكَّةَ جاز، ولو نَذَرَ هَدْيَ النَّعَمِ لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ ويَتَصَدَّقَ به، ولو تَصَدَّقَ به حَيًّا لا يَجُوزُ، ولا يَكُونُ هَدْيًا حَتَّى يَذْبَحَ، ثُمَّ إِذا سُرِقَ لا شَيْءَ عليه، وَفِي رِوايَةِ أبي يُوسُفَ في نوادر ابنِ سَماعَة»: «لو
قال: للهِ عَليَّ أَنْ أَذْبَحَ شاةً، ولم يَقُلْ: صَدَقَةً، لا شيء عليه».
وَفِي المَناسِكِ» إملاءً رِوايَةَ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ: لو نَذَرَ فقال: الله عليَّ أَنْ أَذْبَحَ شَاةً للمساكين، ليس للنَّاذِرِ أنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، ولو أَكَلَ، عليه قيمة ما أكل».
وَفِي قَطْعِ شَجَرِ الحَرَمِ الَّذِي لَا يُقْطَعُ: لا يجوز فيه الصَّوْمُ، سواء كان حلالًا أو حرامًا، وكُلُّ ما اضْطَرَّ المُحْرِمُ إلى فِعْلِهِ مِنْ مَحْظُورات الإحرام مِنْ حَلْقِ رَأْسِه، أو لُبْسِ مَخيط للبَرْدِ، فَإِنَّه يَجُوزُ إِسْقَاطُ هَذِهِ الغَرَامَةِ عَنْ نَفْسِهِ بالصوم، ولو فَعَلَهُ لا على جِهَةِ الضَّرُورَةِ عليه دَمُ، ولا يَسْقُطُ بِالصَّوْمِ.
وَفِي نَوادِرِ أبي يُوسُفَ رِوايَةَ ابن سَمَاعَةَ: «مَا فَعَلَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ محظورات الإحرام عنْ ضَرُورَةٍ لا تَبْلُغُ دَمًا لم يُجزه الصيام، وهو كما فَعَلَهُ عَنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ». وَفِي أَمالي الحَسَنِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: «يَجُوزُ فيه الصَّوْمُ»، وهو قَوْلُ أبي يُوسُفَ».
جنس: قال: كُلُّ سَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِه تَحْرِيمُ أَكْلِ الصَّيْدِ لِحَقِّ الإِحْرَامِ تَعَلَّقَ به وجوب الجزاء. أَصْلُهُ: قَتْلُ الصَّيْدِ، والدَّلالَةُ يَتَعَلَّقُ بِها تَحْرِيمُ أَكْلِ الصَّيْدِ، كما يتعلَّقُ ذلكَ بِتَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ المُحْرِمِ فِي حَقِّهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَساوَيا في وجوب الجزاء.
ويَنْقَسِمُ ذلك إلى أربعة أقسام:
أَحَدُهَا: «مُحْرِمُ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، كان على كُلِّ واحدٍ منهما قِيمَتُهُ، ذَكَرَه فِي «مَناسِكِ الأَصْلِ».
والثَّانِي: «أَنْ يَكُونَ الدَّالُ مُحْرِمًا، والمَدْلُولُ حَلَالًا، فَقَتَلَهُ، كان علي الدَّالّ َقِيمَتُه»، ذَكَرَه أيضًا في «مَناسِكِ الأَصْلِ». «فَإِنْ لَمْ يَصْطَدْهُ الحَلالُ حَتَّى حَلَّ المُحْرِمُ، ثُمَّ صادَهُ الحَلالُ فَذَبَحَهُ، لا قِيمَةَ على المُحْرِمِ»، ذَكَرَهُ فِي المَناسِكِ» روايةً بِشْرِ بنِ الوَلِيدِ.
والثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّالُ حَلَالًا، والمَدْلُولُ مُحرِما، قال في الجامع الكبير»: «حَلالٌ دَلَّ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، والحلال في الحَرَمِ، فَقَتَلَهُ المُحْرِمِ، ليس على الدال الجزاء في قِياسِ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ وقَوْلِنا. وقال في «الهاروني»: «على الحَلالِ نِصْفُ قِيمَةِ الصَّيْدِ»، ولم يَذْكُرْ فِيهِ خِلافًا. وَفِي المُجَرَّدِ»: «قال أبو حَنِيفَةَ: لا يَضْمَنُ الحَلالُ بالدَّلالَةِ شَيئًا».|والرَّابِعُ: «حَلَالُ دَلَّ حَلَالًا على صَيْدٍ فِي الحَرَمِ فَقَتَلَهُ، لَا ضَمان على الدال»، ذَكَرَهُ في الجامع الكبير. وَفِي المُجَرَّدِ»: «لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالَّ، إِنَّما الجزاء على القاتل». وقال في «الهاروني»: «على الدَّالَّ نِصْفُ القِيمَةِ». وَفِي حَلالٍ اصْطَادَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَدَفَعَهُ إلى حَلالٍ لِيَذْبَحَهُ، رَوَى ابن أبي مالك عن أبي يُوسُفَ: «أَنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما كَفَّارَةً إِذا قَتَلَهُ
وقال أبو يُوسُفَ فِي اخْتِلافِ زُفَرَ فِيمَنِ اصْطَادَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَدَعا حَلَالًا فَأَمْسَكَهُ مَعَه في الحَرَمِ حَتَّى ذَبَحَهُ الَّذِي صَادَهُ، فليسَ عَلَى مَنْ أَمْسَكَهُ الجزاء، إنما الجزاء على مَنْ قَتَلَهُ، والمُحْرِمُ لوِ اسْتَعارَ مِنَ المُحْرِمِ سِكِّينًا لِيَذْبَحَ بِه صَيْدًا، فأعارَهُ إِيَّاه، فَذَبَحَ به الصَّيْدَ، لا جَزاء على صاحِبِ السِّكِّينِ، لكِنْ يُكْرَهُ له ذلكَ، ذَكَرَه فِي مَناسِكِ الأَصْلِ» و «الإملاء». وَفِي السَّيَرِ الكَبِيرِ»: «مُحْرِمُ رَأَى صَيْدًا فِي مَوضِع لا يَقْدِرُ عليه، فَدَلَّهُ تحرم آخَرُ على الطَّرِيقِ إليه، فَذَهَبَ فَقَتَلَهُ، كان على الدال الجزاء كما على القاتل الجزاء؛ لأنَّه حينَ دَلَّهُ على الطَّرِيقِ كَأَنَّه دَلَّهُ عَلَى الصَّيْدِ.
وكذلك لَوْ رَأَى رَجُلٌ صَيْدًا دَخَلَ غارًا، فَأَقْبَلَ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَعْرِفُ بِابَ الغَارِ، فَدَلَّهُ مُحْرِمُ عَلى بَابِ الغَارِ حَتَّى أَخَذَهُ فَقَتَلَهُ، كان عليه جَزاؤُهُ. وكذلك مُحْرِمٌ رَأَى صَيْدًا في مَوضِع لا يَقْدِرُ عَليهِ بِوَجْهِ مِنَ الوُجُوهِ إِلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ بشيءٍ، فَدَلَّهُ مُحْرِمُ على قَوْسٍ ونُشَابٍ، وَدَفَعَ ذلكَ إِليه، فَرَمَاهِ فَقَتَلَهُ،
كان على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهما جزاء كاملًا.
قالَ الشَّيْخُ أبو العباس: ما ذَكَرَه في الأَصْلِ» أنَّه لا جَزاء على المُعِيرِ بإعارة السكينِ، مَحْمُولُ على أنَّه يَقْدِرُ على ذَبْحِهِ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إِذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَبْحِهِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّه يَضْمَنُ، كما ذَكَرَ في «السِّيَرِ».
وَفِي مَناسِكِ الأَصْلِ»: «لَوْ أَمَرَ المُحْرِمُ مُحْرِمًا بِقَتْلِ صَيْدٍ، وَدَلَّهُ عليه، وأَمَرَ الثَّانِي ثالثًا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، كان على كُلِّ واحدٍ مِنْهم جزاء كامل قِيمَتِهِ، ولو أَخْبَرَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا بِصَيْدٍ، فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ مُحْرِمُ آخَرُ بِهِ، فَلَمْ يُصَدِّقِ الأَوَّلَ ولَمْ يُكَذِّبُهُ، ثُمَّ طَلَبَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ، كان على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم
الجزاء، ولو كَذَّبَ الأَوَّلُ به لم يَكُنْ على الأَوَّلِ الجَزاء.
ولو أَرْسَلَ مُحْرِمُ مُحْرِمًا إلى مُحْرِم، فقال: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَكَ: إِنَّ فِي هذا المَوضِعِ صَيْدًا، فَذَهَبَ فَقَتَلَهُ، أَنَّ عَلَى الرَّسُولِ والمُرْسِلِ والقاتل الجزاء، على كُلِّ واحِدٍ قِيمَةُ الصَّيْدِ، وإنْ كان يَراهُ ويَعْلَمُ بهِ فَقَتَلَهُ، لم يَكُنْ عَلَى أَحَدٍ شيء إلا القاتل، فَإِنَّه يَكُونُ عليه الجزاء.
وفي «الهاروني»: «حَلَالُ اصْطَادَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَدَفَعَهُ إِلى حَلالٍ، ثُمَّ دَفَعَهُ الثَّانِي إِلى حَلالٍ آخَرَ فَذَبَحَهُ، كان على كُلِّ واحد منهم القيمة تامة، يَتَصَدَّقُ بها، ولو دَلَّ حَلالٌ حَلَالًا على صَيْدٍ فِي الحَرَمِ، ثُمَّ إِنَّ المَدْلُولَ دَلَّ حلالا آخَرَ عليه فَقَتَلَهُ، كان على القاتل القِيمَةُ، وعلى الدَّالَّيْنِ ثلثا القِيمَةِ، ولو أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَلَمْ يَقْتُلُهُ المَأْمُورُ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَقَتَلَهُ، كان على القاتِلِ قِيمَتُهُ، وعلى الأمر الآخَرِ نِصْفُ القِيمَةِ، ولم يَكُنْ على الآمِرِ الأَوَّلِ شَيْءٍ؛ لأَنَّ مَأْمُورَهُ لم يَقْتُلْهُ»، هذا لَفْظُ «الهارُونِي».|
قال الشَّيْخُ أبو العَبَّاس رَحِمَهُ اللهُ بِأَمْرِ الأَوَّلِ تَعَلَّقَ وُجُوبُ الجَزاءِ، إِلَّا أَنَّه لَمَّا لَمْ يَقْتُلْهُ سَقَطَ، وصارَ كَمُحْرِمِ اصْطَادَ صَيْدًا تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الجَزاء، إِلَّا أَنَّه إِذا أَرْسَلَهُ سَقَطَ الجَزاءُ، كذلك هذا.
وفي نوادر هشام»: «قال أبو يُوسُفَ في أربَعَةِ نَفَرٍ قَدِمُوا مَكَّةَ مُحْرِمِينَ، فَنَزَلُوا بَيْتًا، فَأَمَرَ ثَلاثَةٌ مِنْهُم رابِعَهُم أَنْ يُغْلِقَ البابَ، وَخَرَجُوا إِلَى مِنِّى وَقَدْ أَغْلَقَ البابَ، فَرَجَعُوا فَوَجَدُوا فِي البَيْتِ نَواهِضَ وحَمامًا قَدْ ماتُوا عطاشا: «أن على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الجَزَاءَ».
ولَوْ أَنَّ مُحْرِمًا أشار إلى صَيْدٍ، وقال لِرَجُلٍ: خُذْ ذلكَ الصَّيْدَ مِنَ الوَكْرِ، وهُو يَرَى صَيْدًا واحِدًا، فَانْطَلَقَ فَأَخَذَ ذلكَ الصَّيْدَ وصَيْدًا آخَرَ كان في الوَكْرِ: فإنَّ على الآمر الجزاء في الَّذِي أَمَرَهُ به إِنْ هَلَكَ، ولا شَيْءَ عليه في الَّذِي لَمْ يَرَهُ، ذَكَرَه عَنْ أَبي يُوسُفَ. وقال مُحَمَّدٌ: في مُحْرِم أشار إلى جرادٍ ولم يكونوا رَأَوْهَا إِلَّا مِنْ دِلالَتِهِ، فَأَخَذُوهَا، فَعَلَى الَّذِي دَلَّ لِكُلِّ جَرَادَةٍ تَمْرَةٌ، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذلك دَمًا فعليه دم»»، هذا كُلُّه مِنْ لَفْظِ نَوادِرِ هِشَامٍ».
نوع منه: قال: الاصْطِيادُ جِهَةٌ لِتَمَلُّكِ الصَّيْدِ. يَدُلُّكَ عليه: أنَّه إذا كان حَلَالًا فاصْطَادَهُ فِي الحِلَّ مَلَكَهُ، وَالمُحْرِمُ مَنْهي عن الاصطياد، وكُلُّ جِهَةٍ مِنْ جِهاتِ المِلْكِ مَنْهِيُّ عَنِ التَّمَلُّكِ بها كالبيع الفاسد، فإنَّه لا يَمْلِكُهُ به، كذلك لا يَقَعُ المِلْكُ فِي الصَّيْدِ للمُحْرِمِ فيما يَعُودُ إِلى فِعْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهُ حُكْمًا كالإِرْثِ.
قال في كِتابِ المَناسِكِ» في «الأَصْلِ»: «مُحْرِمُ اصْطَادَ صَيْدًا، فَأَرْسَلَهُ مُحْرِمُ مِنْ يَدِهِ أو حَلالٌ، لا ضَمان عليه، ولو اصطاده وهو حلال في الحل، ثُمَّ أَحْرَمَ وهو في يَدِهِ، فَأَرْسَلَهُ إِنسانُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ في قول أبي حَنِيفَةَ، وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ: «لا يَضْمَنُ»». ولو كان في قَفَصِ أو في دارٍ، يَضْمَنُ فِي قَولِهِم»، ذَكَرَه في «الجامع الصغير. ولو نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَم بِعَيْنِهِ، فَتَصَدَّقَ إِنسَانُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، ضَمِنَ فِي قولهم، ولو أَخَذَ المُصَدِّقُ زَكَاةَ غَنَمِهِ بَعدَ وُجُوبِها، وقَدِ امْتَنَعَ صَاحِبُ المال مِنَ الأداء، جاز ولا ضمانَ عليه. ولو ذَبَحَ أُضْحِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حالَ ما أَضْجَعَها صاحِبُها لِيَذْبَحَها، لا ضمان عليه. ولَوْ أَراقَ خَمْرَ مُسْلِمٍ لَا ضَمَانَ
عليه، ولو انْتَزَعَ الشَّيءَ المَغْصُوبَ مِنْ يَدِ الغاصب ورَدَّهُ على صاحبه، لاضمان عليه.
ولَوْ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا بِغَيْرِ إِذنِ صَاحِبِهِ؛ لِيَرُدَّهُ على صاحبه، فمات في الطَّرِيقِ، لا ضَمان عليه. ولَوْ أَخَذَ لُقَطَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا، وَقَدْ أَشْهَدَ أَنَّه يَأْخُذُها لُقَطَةٌ، فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ، لا ضمان عليه في قولهم جميعًا.