نفحات النسمات ...........
في وصول الثواب للأموات
جارٍ تحميل الكتاب…
نفحات النسمات ...........
في وصول الثواب للأموات
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
نفحات النَّسمات
في وصول الثواب للأموات
لقاضي القضاة أحمد بن إبراهيم السَّرُوجيُّ الحنفي
ولد سنة (737 هـ)، وتوفي سنة (810 هـ)
قَدَّم لها وعَلَّق عليها وخَرَّج أحاديثها
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
كنت اعتنيت واهتمت قبل سنوات بالرسالة الموسومة بـ «نفحات النَّسمات في وصول الثواب للأموات» لإمام عصره، وقاضي دهره، الفقيه العلامة شمس الدين السَّرُوجيّ، المتوفى سنة (810 هـ).
فعلَّقت عليها بما يخدم موضوعها في ذكر أقول الأئمة والفقهاء فيما يتعلق بوصول الثواب للأموات والأحياء، وخرجت أحاديثها وأضفت لها استدلالات أخرى تؤيد مضمونها.
ورغبت هذه الأيام بطباعتها، ونشرها لتحصيل أجرها وثوابها؛ لتكون صدقة جارية يوم نلقاه، فترجمتها لمؤلفها بترجمة موجزة تظهر مآثره، وتبين أحواله؛ لتكون نبراساً لمن يسلك هذا الطريق.
وقد نسبها لمؤلفها السروج باسم: «نفحات النسمات في وصول الثواب إلى الأموات» كلّ من اللكنوي (¬1) وإسماعيل باشا (¬2).
ومن نسخها المخطوطة:
1.نسخة مكتبة ميونيخ، ألمانيا، رقم الحفظ: 884/ 3.
2.نسخة مكتبة أياصوفيا، تركيا، رقم الحفظ: 2968/ 49 - 50.
3.نسخة مكتبة الظاهرية، سوريا، رقم الحفظ: 4377.
وأسال الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، ويَرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يرشدنا سبيلَه وطريقه، وأن يعفو عنا وعن مشايخنا وآبائنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 14 ـ 7 ـ 2020 م
¬
(¬1) في الفوائد البهية 1: 13.
(¬2) في هدية العارفين 1: 104.
المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه وكنيته:
أولاً: اسمه ونسبه ونسبته:
اتفق كل من ترجم له (¬1) على أنه أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجي الحنفي، وزاد ابن حجر (¬2): العباسي، لعلّه نسبة إلى كنيته أبي العباس، وزاد اسماعيل باشا (¬3): الحراني.
والسَّرُوجِي: بفتح أوّله وضم الرَّاء وسكون الواو وكسر الجيم نسبة إلى سروج: مدينة بنواحي حران من بلاد جزيرة ابن عمر (¬4).
ثانياً: لقبه وكنيته:
لقبه: شمس الدين (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والأعلام 1: 86، والعبر 4: 24، ومرآة الجنان 4: 186، والدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، والنجوم الزاهرة 9: 213، والبداية والنهاية 18: 107، وحسن المحاضرة 1: 468، وقلادة النحر 6: 58، والفوائد البهية 1: 13، والمقفي الكبير 1: 211 ـ 212، ومعجم المؤلفين 1: 140.
(¬2) ينظر: رفع الإصر 1: 42.
(¬3) ينظر: هدية العارفين 1: 104.
(¬4) ينظر: توضيح المشتبه 5: 79، والفوائد البهية 1: 13.
(¬5) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والأعلام 1: 86، والعبر 4: 24، ومرآة الجنان 4: 186، والدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، والنجوم الزاهرة 9: 213، والبداية والنهاية 18: 107، وحسن المحاضرة 1: 468، وقلادة النحر 6: 58، والفوائد البهية 1: 13، والمقفي الكبير 1: 211 ـ 212.
وكنيته أبو العباس (¬1).
المطلب الثاني: ولادته ومناصبه:
أولاً: ولادته:
مولده بثونة: بليدة من عمل سَروج، في سنة سبع واختاره ابنُ حجر (¬2)، والسُّيوطي (¬3) وإسماعيلُ باشا (¬4)، وكحالةُ (¬5)، وقيل: تسع وثلاثين وستمائة، واختاره الزَّركليُّ (¬6).
ثانياً: مناصبه ووظائفه:
تولى إمامنا سائر المناصب الدينية وأرفع درجة، فولي أعلى منصب ديني، وهو قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية (¬7).
¬
(¬1) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والأعلام 1: 86، والدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، والنجوم الزاهرة 9: 213، والبداية والنهاية 18: 107، والفوائد البهية 1: 13، والمقفي الكبير 1: 211 ـ 212.
(¬2) في الدرر الكامنة 1: 103 ـ 105.
(¬3) في حسن المحاضرة 1: 468.
(¬4) في هدية العارفين 1: 104.
(¬5) في معجم المؤلفين 1: 140.
(¬6) في الأعلام 1: 86
(¬7) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والنجوم الزاهرة 9: 213.
ودرس بالصالحية والناصرية والسيوفية والسيوفيّة والأزكشيّة والجامع الطولونيّ (¬1).
ولمّا مات قاضي القضاة معزّ الدين نعمان بن الحسن بن يوسف الخطيبيّ الأرزنكانيّ الروميّ، استقرّ السروجيّ عوضه في قضاء الحنفيّة في شعبان سنة إحدى وتسعين وستّمائة.
فباشر ذلك بقيّة أيّام الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وأيّام أخيه الناصر محمد بن قلاوون، وأيّام العادل كتبغا.
فلمّا تسلطن المنصور لاجين بعد كتبغا، صرفه بحسام الدين أبي الفضائل الحسن ابن التاج أبي المفاخر أحمد بن الحسن بن أنوشروان الرازي الروميّ في سنة ستّ وتسعين، فلزم داره إلى أن قتل لاجين، وأعيد الناصر إلى السلطنة مرّة ثانية فأعاده بعد صرف الحسام في أوّل ذي الحجّة سنة ثمان وتسعين وستّمائة بسفارة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستادار.
فلمّا كان في شهر رجب سنة سبعمائة، فوّض إليه التحدّث في أمر اليهود والنصارى، فطلب بطريق النصارى وديّان اليهود، وألزمهم أن لا يركب أحد من اليهود والنصارى فرساً ولا بغلةً، وأن يلبس النصارى
¬
(¬1) ينظر: المقفي الكبير1: 211ـ 212.
بأسرهم العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر. فالتزموا جميعهم ذلك، واستمرّ فيما بعد إلى اليوم.
ولم يزل على وظيفة القضاء إلى أن صرفه الملك الناصر في يوم الأحد رابع عشر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة بشمس الدين محمد بن عثمان الحريريّ. فلم تطل أيّامه بعد صرفه (¬1).
المطلب الثالث: شيوخه وسنده الفقهي:
أولاً: شيوخه:
تفقه أولاً حنبلياً، وحفظ «المقنع»، ثم تحول حنفياً، وحفظ «الهداية»، وأقبل على الاشتغال إلى أن مهر واشتهر صيته (¬2).
فقرأ الفقه على جماعة من العلماء الأعيان (¬3)، من هؤلاء الأئمة الذين تتلمذ عليهم:
1.قاضي القضاة صدر الدين سليمان بن أبي العز ابن وهيب الأذرعي (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المقفي الكبير 1: 211 ـ 212، ورفع الإصر 1: 42.
(¬2) ينظر: الدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، والمقفي الكبير 1: 211 ـ 212.
(¬3) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203.
(¬4) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، وحسن المحاضرة 1: 468.
2.الشيخ نجم الدين أبي الطاهر إسحاق بن علي بن يحيى، وصاهره على ابنته (¬1).
3.الشيخ محمد بن عبد الخلاطي (¬2).
4.محمد بن أبي الخطاب عمر بن دحية، أبو حفص، حيث ووجد له سماع منه (¬3).
ثانياً: سنده الفقهي:
قرأ على الإمام صدر الدين سليمان.
عن الشيخ جمال الدين محمود الحصيري.
عن الإمام فخر الدين الحسن بن منصور قاضي خان.
عن الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني.
عن الإمام سراج الأئمة برهان الدين عبد العزيز بن مازة، وشمس الدين محمد جد قاضي خان.
كلاهما عن شمس الأئمة السرخسي.
عن الإمام أبي محمد عبد العزيز الحلواني.
¬
(¬1) ينظر: رفع الإصر1: 42، والمنهل الصافي1: 201ـ 203.
(¬2) ينظر: الفوائد البهية1: 13.
(¬3) ينظر: الدرر الكامنة1: 103ـ 105، ورفع الإصر1: 42، المقفي الكبير1: 211ـ 212.
عن أبي علي الحسن بن خضر النسفي.
عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري.
عن الإمام أبي حفص الكبير.
عن أبيه أبي حفص الكبير.
عن محمد بن الحسن.
عن الإمام الأعظم رأس المجتهدين أبي حنيفة النعمان بن ثابت - رضي الله عنه - (¬1).
المطلب الرابع: ثناء العلماء عليه ومواقفه:
أولاً: ثناء العلماء عليه:
قال الذهبي: «الإمام الأوحد القاضي وشيخ المذهب .... صاحب التصانيف المفيدة، كان أحد الفقهاء الأذكياء، وتواليفه دالة على ذلك، عاش ثلاثاً وسبعين سنة ... وكان نبيلا وقورا، كثير المحاسن (¬2).
وقال (¬3): «أحد أئمة المذهب، صنف التصانيف واشتهر».
¬
(¬1) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والفوائد البهية 1: 13.
(¬2) ينظر: المنهل الصافي 1: 201 ـ 203.
(¬3) في العبر 4: 24.
وقال أيضاً: كان نبيلاً وقوراً كثير المحاسن، وما أظنه روى شيئاً من الحديث ... وكان فاضلاً مهاباً عالي الهمة، سخياً طلق الوجه، لم ينقل أنّه ارتشى، ولا قبل هدية، ولا راعى صاحب جاه، ولا سطوة ملك، ويقال: أنه شرب ماء زمزم لقضاء القضاة، فحصل له» (¬1).
وقال الكمال جعفر: «كان فاضلاً بارعاً في مذهبه، مشاركاً في النحو والأصول ... وكان كريماً قوي الهمة، نافذ الكلمة، شهماً في ولايته حضر أبو عبد الله الفاسي، وكان مشهوراً بالصلاح في قضية شخص، فاتفق أنه بدت منه في حق القاضي المالكي ابن مخلوف، إساءة أدب، فلكمه السروجي، وكان إلى جانبه، وانتهر بعض الأمراء، وانزعج مرة أخرى على المحتسب، فقال: أنت ولايتك على فامي وخباز، ليس لك أن تتعرض لموقعي الحكم» (¬2).
وقال ابن حجر (¬3): «برع في المذهب، وأتقن الخلاف، واشتغل في الحديث والنحو، وشارك في الفنون، وصار من أعيان الفقهاء ... وكان مشهوراً بالمهابة والعفة، والصيانة والسماحة، وطلاقة الوجه، مع عدم مراعاة أصحاب الجاه، فلما عُزل لم يجد معه مَن يساعده، ولعل الله أراد به
¬
(¬1) ينظر: الدرر الكامنة1: 103ـ 105.
(¬2) ينظر: الدرر الكامنة1: 103ـ 105.
(¬3) في رفع الإصر1: 42.
خيراً، وادخر له ذلك عنده.».
وقال ابن تغرى (¬1) وابن كثير (¬2): «وكان بارعاً فى علوم شتّى».
وقال الكفوي: «كان إمامًا فاضلًا رأسًا في الفقه والأصول، شيخًا في المعقول والمنقول» (¬3).
وقال القاري: «كان أحد الفضلاء الأذكياء وتآليفه دالة علي ذلك» (¬4).
وقال المقريزي: «برع في الفقه على مذهب الحنفيّة، وعرف الخلاف والحديث والنحو واللغة وغير ذلك، وصار من أعيان الفقهاء الحنفيّة ... وكان فاضلاً في عمله، لم يسمع عنه أنّه قبل هديّة أحد، ولا راعى صاحب جاه، ولا خشي سطوة ملك، مع علوّ الهمّة وإقامة منار الشرع. وكان سمحا يميل إلى الجود بطلاقة وجه ومحبّة في الفقراء» (¬5).
¬
(¬1) في النجوم الزاهرة9: 213.
(¬2) في البداية والنهاية18: 107.
(¬3) ينظر: الفوائد البهية1: 13.
(¬4) ينظر: الفوائد البهية1: 13.
(¬5) ينظر: المقفي الكبير1: 211ـ 212.
ثانياً: مواقفه:
ممّا يؤثر عنه أنّه كان له درج يكتب فيه جميع ما عليه من الدّين، فاتّفق أنّه لمّا مات أوفوا ما عليه، فجاء شخص وقال: لي عليه مائتا درهم، فنظروا في الدرج فلم يجدوا شيئاً، فقالوا له: ما كتب لك شيئاً، فرآه بعض الفقهاء في النوم وهو يقول: أعطوا فلاناً مائتي درهم، فإنّ له عليّ ذلك، فقال له: لم لم تكتبها في الدرج؟ فقال: هي مكتوبة بخطّ دقيق، فأصبح وطلب الدرج فوجده كما قال، فأعطوا المائتين للمطالب (¬1).
ويقال: إنّه حجّ فسأل الله حاجةً ولم يذكر ذلك لأحدٍ، فجاءه شخص بعد مدة، فقال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، فأمرني أن أقول لك: أعطني جميع ما عندك، والأمارة الحاجة التي سألتها بمكة، فقال: نعم. وأخرج له ما عنده، وهو مئة دينار وألف درهم. وقال: لو كان عندي أكثر من هذا لدفعته لك، فإن الأمارة صحيحة (¬2).
* * *
¬
(¬1) ينظر: رفع الإصر1: 42، والمقفي الكبير1: 211ـ 212.
(¬2) ينظر: رفع الإصر1: 42، والمقفي الكبير1: 211ـ 212.
المطلب الخامس: مؤلفاته ووفاته:
أولاً: مؤلفاته:
صنف التصانيف المقبولة (¬1)، ومنها:
1. «الغاية شرح الهداية» ست مجلدات ضخمة (¬2)، وقال ابن حجر (¬3): «وشرع في شرح «الهداية» شرحاً حافلاً»، وقال (¬4): «أطال فيه النفس، وهو مشهور ولم يكمل، وتكلم فيه على الأحاديث وعللها»، وسمّاه «الغاية» ولم يكمله (¬5)، وانتهى فيه إلى كتاب الإيمان (¬6).
قال القاري: «قال أيضًا قد وضع كتابًا على الهداية سماه الغاية ولم يكمله وبلغني أنه بلغ فيه إلى الأيمان في ست مجلدات أيد فيه بالدلائل النقلية والشواهد العقلية» (¬7).
وقال المقريزي: «وألّف شرحاً كبيراً على الهداية في الفقه سمّاه «الغاية»، جمع فيه فأوعى» (¬8).
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهية 1: 13.
(¬2) ينظر: الأعلام 1: 86.
(¬3) في الدرر الكامنة 1: 103 ـ 105.
(¬4) في رفع الإصر 1: 42.
(¬5) ينظر: النجوم الزاهرة 9: 213.
(¬6) ينظر: الفوائد البهية 1: 13.
(¬7) ينظر: الفوائد البهية 1: 13.
(¬8) ينظر: المقفي الكبير 1: 211 ـ 212.
2. «اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام»، وقد ردَّ عليه ابن تيمية في مجلدات (¬1)، وقال الذهبي: «رد على ابن تيمية بأدب وسكينة وصحة ذهن، ورد ابن تيمية على رده» (¬2)، وقال ابن حجر (¬3): «وهو فيه منصف متأدب، صحيح المباحث. وبلغ ذلك ابن تيمية فتصدى للرد على رده».
3. «تحفة الأصحاب ونزهة ذوي الألباب» (¬4).
4. «أدب القضاء» (¬5).
5. «الفتاوى السروجية» (¬6).
6. «مناسك الحج» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الأعلام 1: 86.
(¬2) ينظر: الدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، قال ابن كثير في البداية والنهاية 18: 107: «وله اعتراضات على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في علم الكلام، أضحك فيها على نفسه، وقد رد الشيخ تقي الدين عليه في مجلدات، وأبطل حجته». والتحامل ظاهر من ابن كثير في هذه المقالة، لمخالفتها المنقول عن ابن حجر والذهبي وغيرهم، ومقام هذا الإمام في الفروع والأصول يمنع مثل هذا في حقه.
(¬3) في رفع الإصر 1: 42.
(¬4) ينظر: الأعلام 1: 86.
(¬5) ينظر: الفوائد البهية 1: 13، وهدية العارفين 1: 104.
(¬6) ينظر: الفوائد البهية 1: 13، وهدية العارفين 1: 104.
(¬7) ينظر: الفوائد البهية 1: 13، وهدية العارفين 1: 104.
7. «نفحات النسمات في وصول الثواب إلى الأموات» (¬1).
8. «الحجة الواضحة في أن البسملة ليست من الفاتحة» (¬2).
9. «حكم الخليل» (¬3).
ثانياً: وفاته:
عزل قبل موته بأيام، وأسيء اليه فمات قهراً (¬4)، ودفن بالقرافة (¬5) بقرب الشافعيّ، بالقاهرة (¬6).
وكانت وفاته يوم الخميس (¬7)، الثاني والعشرين (¬8) من شهر ربيع الآخر (¬9)، يعني سنة عشر وسبعمائة، وهذا قول عامة من ترجم له (¬10)، وله ثلاث وسبعون سنة (¬11).
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهية 1: 13، وهدية العارفين 1: 104.
(¬2) ينظر: هدية العارفين 1: 104.
(¬3) ينظر: الفوائد البهية 1: 13.
(¬4) ينظر: الأعلام 1: 86.
(¬5) ينظر: المقفي الكبير 1: 211 ـ 212.
(¬6) ينظر: الأعلام 1: 86، والبداية والنهاية 18: 107.
(¬7) ينظر: البداية والنهاية 18: 107.
(¬8) في المقفي الكبير 1: 211 ـ 212، والبداية والنهاية 18: 107: الثاني عشر.
(¬9) في رفع الإصر 1: 42: من شهر رجب.
(¬10) ينظر: الدرر الكامنة 1: 103 ـ 105، والمنهل الصافي 1: 201 ـ 203، والأعلام 1: 86، ومعجم المؤلفين 1: 140، وهدية العارفين 1: 104.
(¬11) ينظر: العبر 4: 24، ومرآة الجنان 4: 186.
وشذَّ السُّيوطي (¬1) وذكر أنه توفي إحدى وسبعئمئة.
* * *
¬
(¬1) في حسن المحاضرة 1: 468.
نص الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مصنفها رحمه الله:
مسألة:
يجوز للإنسان أن يعملَ ثوابَ ما عمله لغيره صلاة كان، أو صوماً، أو حجّاً، أو صدقة، أو قراءة القرآن، أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -، وينتفع به المُهْدى إليه (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام العيني في منحة السلوك 2: 241: «اعلم أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو قراءة قرآن أو أذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع العبادات من البر يصل ذلك إلى الميت وينفعه، وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصل إليه ولا ينفعه ... ».
قال ابن الحاج في المدخل 3: 279: «لو فعل ذلك أحد في خاصة نفسه وأهدى ثوابها لمن شاء فلا يمنع؛ لأنه قد فعل خيراً».
وقال ابن مفلح في الفروع 2: 307: «كل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها للمسلم نفعه ذلك، وحصل له الثواب , كالدعاء والاستغفار وواجب تدخله النيابة وصدقة التطوع».
وفي حاشيتي قليوبي وعميرة 1: 412: «ويقرأ شيئا من القرآن ويهدي ثوابه للميت وحده أو مع أهل الجبانة».
وفي الموسوعة الفقهية 33: 60 - 61: «قراءة القرآن للميت وإهداء ثوابها له:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز قراءة القرآن للميت وإهداء ثوابها له، قال ابن عابدين نقلاً عن «البدائع»: ولا فرق بين أن يكون المجعول له ميتاً أو حياً، والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره.
وقال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير , للنصوص الواردة فيه، ولأن الناس يجتمعون في كل مصر ويقرءون يهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعاً، قاله البهوتي من الحنابلة.
وذهب المتقدمون من المالكية إلى كراهة قراءة القرآن للميت وعدم وصول ثوابها إليه، لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر حمل الثواب للميت ويحصل له الأجر.
قال الدسوقي: في آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره.
وقال ابن هلال: الذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين أن الميت ينتفع بقراءة القرآن الكريم، ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقا وغربا، ووقفوا على ذلك أوقافاً، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة.
والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثواب القراءة إلى الميت، وذهب بعض الشافعية إلى وصول ثواب القراءة للميت.
قال سليمان الجمل: ثواب القراءة للقارئ، ويحصل مثله أيضاً للميت لكن إن كان بحضرته أو بنيته أو يجعل ثوابها له بعد فراغها على المعتمد في ذلك.
وصرحوا بأنه لو سقط ثواب القارئ لمسقط كأن غلب الباعث الدنيوي كقراءته بأجرة فإنه لا يسقط مثله بالنسبة للميت.
ونصوا على أنه لو استؤجر للقراءة للميت ولم ينوه ولا دعا له بعدها ولا قرأ له عند قبره لم يبرأ من واجب الإجارة». وليحرر مذهب الشافعية كما سبق عن الحاشيتين.
روى الدارَقُطْنيُّ عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَن مرَّ على المقابر فقرأ قُلْ هو الله أحد إحدى عشر مرّة، ثم وهب أجرها للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات» (¬1).
وروى أبو بكر صاحب «الخلال» عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن دخل المقابر فقرأ سورة يس خفَّف عنهم يومئذٍ، وكان له بعدد مَن فيها حسنات».
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله إنا نصدق عن موتنا، ونحجّ عنهم، وندعو لهم، فقال: أيصل ذلك إليهم، قال: «نعم يصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه» (¬2) رواه أبو حفص العُكْبَريّ.
¬
(¬1) في فضائل سورة الإخلاص للخلال (ر 53)، والتدوين في أخبار قزوين (1: 264)، وينظر: التذكرة للقرطبي (1: 84)، وتحفة الأحوذي (3: 275)، وكنز العمال (15: 1018).
(¬2) قال المحقق ابن الهمام بعد ذكر هذا الحديث وغيره في فتح القدير (3: 142): فهذه الآثار وما قبلها وما في السنة أيضاً من نحوها عن كثير قد تركناه لحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل, وهو أن مَن جعل شيئاً من الصالحات لغيره نفعه الله به مبلغ التواتر, وكذا ما في كتاب الله تعالى من الأمر بالدعاء للوالدين في قوله - جل جلاله -: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الاسراء: 24]، ومن الإخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين قال - جل جلاله -: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5]، وقال - جل جلاله - في آية أخرى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، وساق عبارتهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] إلى قوله: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} [غافر: 9] قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير، فيخالف ظاهر الآية التي استدلوا بها؛ إذ ظاهرها أنه لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه؛ لأنه ليس من سعيه فلا يكون له منه شيء فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها على صرافته فتتقيد بما لم يهبه العامل وهو أولى من النسخ.
وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأوا على موتاكم سورة يس» (¬1)، رواه أبو داود.
وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمّته» (¬2) متفق عليه: أي جعل ثوابه لأمّته.
وذكر عبدُ الحقِّ صاحبُ «الأحكام» في «العاقبة»، قال: روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدنيا وما فيها».
وروى الحافظُ اللالكائي في «شرح السنة» عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «يموت الرجل ويدع ولداً فترفع له درجة، فيقول: يا ربّ ما هذا؟ فيقول: استغفار ولدك لك».
¬
(¬1) فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا على موتاكم يس» في سنن أبي داود 2: 208، ومسند أحمد 5: 26، وصحيح ابن حبان 7: 269، وسنن النسائي الكبرى 6: 265، وسنن البيهقي الكبير 3: 383، والمعجم الكبير 20: 219، ومسند الطيالسي 1: 126.
(¬2) فعن أبى هريرة - رضي الله عنه -: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يضحى اشترى كبشين عظيمين سمينين أملحين أقرنين موجوأين فيذبح أحدهما عن أمته ممن شهد بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وآل محمد» في مسند أحمد 6: 225، والمستدرك 2: 425، وصححه، وسنن الدارقطني 4: 285، والمعجم الكبير 1: 311، والمعجم الأوسط 2: 250، ومسند أبي يعلى 3: 11، وغيرها. قال العيني في المنحة 2: 241: أي جعل ثوابه لأمته.
وقال الله - جل جلاله -: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (¬1).
وقال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (¬2).
ويدعو للميت في صلاة الجنازة.
وأجمعنا على شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأولياء للمذنبين، ودخول الجنة بشفاعتهم، وكلُّ ذلك ليس من عملهم، وقال الله - جل جلاله -: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (¬3)، دَلَّ مفهوم ذلك استغفارهم مفيدٌ للمؤمنين.
وقوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا} (¬4)، دَلَّ على أن هذا الدعاء ينفعهم في العاقبة.
قال يسار بن غالب: رأيت رابعة العدوية العابدة في المنام، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت: يا يسار هديتك تأتينا في أطباق من نور، عليها مناديل من حرير، وهكذا يا يسار دعاء الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى فاستجيب لهم، يقال: هذه هدية فلان.
¬
(¬1) التوبة: 103.
(¬2) محمد: 19.
(¬3) التوبة: 113.
(¬4) الحشر: 10.
وقال بعض مَن يوثق به: كانت لي امرأة فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن، وأهديته إليها، ودعوت، واستغفرت لها، فَلَمَّا كان في اليوم الثاني جاءت لي امرأة أعرفها، قالت لي: رأيت البارحة فلانة يعني الميتة المذكورة في مجلس حسن، وقد أخرجت لي أطباق من تحت سرير، وهي مملوءة نواويره، فقالت يا فلانة: هذه هدية أهداها صاحب بنتي، قال: وما كنت أعلم أحداً بما أهديت.
وفيه قال أبو قلابة أقبلت من الشام إلى البصرة، فمررت على مقابر فوضعت رأسي على قبر فنمت، فإذا صاحب القبر في المنام قد وقف بي، ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيراً، لا يزال يدخل علينا من دعائهم أمثال الجبال.
وقال حدثني مَن أثق به قال: رأيتُ فلانة في النوم، قالت: يا هذا امض إلى بنتي فلانة الفاعلة الصانعة اَتَسها، وقل لها: أهذا من البر أن أقعد مع النساء فيأتيهنّ الطرف والهدايا من عند بناتهن وإخوانهن وأهليهن، وأتطلع أنا يميناً وشمالاً رجاء أن يأتينى منها شيء فلا يأتينى، فأبقى خجلة عند النساء، وقل لها: أو لفلان يمضي إلى موضع كذا، فإن فيه دنانير مدفونة يفعل بها كذا وكذا، قال: فوجدت الدنانير كما قالت.
والأخبار في هذا الباب كثيرة (¬1).
وأما قوله - جل جلاله -: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (¬2)، فقد اختلفَ العلماءُ في هذه الآية على ثمانية أقوال:
أحدها: أنها منسوخة بقوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (¬3)، أدخل الأبناء الجنّة بصلاح الآباء، قاله ابن عبّاس - رضي الله عنهم -.
الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وقوم موسى، فأما هذه الأمّة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم قاله عكرمة، قال المصنف نظير قوله - جل جلاله - في حقِّ قوم نوح {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} (¬4)، ومن للتبعيض عند سيبويه؛ لأنها لا تزاد في الموجب عنده، وقال في حقِّ هذه الأمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} (¬5).
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أبرّ البرّ أن يصل الرجلُ أهل ود أبيه» في سنن الترمذي 4: 313، وصححه، ومسند أحمد 2: 97، وصحيح ابن حبان 2: 173.
(¬2) النجم:39.
(¬3) الطور: 21.
(¬4) نوح: 4.
(¬5) الزمر: من الآية 53.
الثالث: أن المرادَ بالإنسان هنا الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له، قاله الربيع بن أنس.
الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، وأما من طريق الفضل فجائز أن يريد الله - جل جلاله - ما شاء، قاله الحسن بن الفضل.
الخامس: إن معنى {مَا سَعَى} ما نوى، قاله أبو بكر الوراق.
السادس: أن ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي.
السابع: اللام بمعنى على أي ليس على الإنسان إلا ما سعى: كقوله - جل جلاله -: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (¬1): أي فعليها، وكقوله - جل جلاله -: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} (¬2)، وكقوله - جل جلاله -: {فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} (¬3).
الثامن: ليس له إلا سعيه غير أنّ الأسبابَ مختلفة:
فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه.
وتارة في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل ولد، أو صديق يستغفر له.
¬
(¬1) الإسراء: 7.
(¬2) غافر: 52.
(¬3) العنكبوت: 40.
وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكسب صحبة أهل الدين، فيكون ذلك سبباً حَصَلَ لسعيه، حكى بهذين القولين أبو الفرج بن الجوزي.
ومما يدلُّ على هذا أيضاً: أن المسلمين يجتمعون أيضاً في كلِّ عصر ويقرؤون القرآن، ويهدون لموتاهم ولم ينكر منكر، فكان إجماعاً.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» (¬1)، لا يدلّ انقطاع عمله على أنه ينقطع عمل غيره؛ ولهذا أجمعنا على وصول الحجّ والصدقة إليه وقضاء الدين عنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «الآن بردت جلدته» (¬2).
¬
(¬1) في سنن الترمذي (3: 660)، والمجتبى (6: 251)، وصحيح ابن خزيمة (4: 122)، وغيرها.
(¬2) في مشكل الآثار (9: 142)، وسنن البيقهي الصغير (4: 468)، ومعرفة السنن والآثار (10: 96)، ومسند أحمد (3: 331)، ومسند الطيالسي (1: 233)، وغيرها، قال المنذري في الترغيب (2: 377): رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم والدارقطني وقال الحاكم صحيح الإسناد ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه باختصار، ولفظه: عن جابر بن عبد الله،: توفي رجل فغسلناه وحنطناه، ثم أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه فخطا خطى، ثم قال: هل عليه دين؟ قلنا: نعم ديناران. قال: صلوا على صاحبكم؛ فقال أبو قتادة: يا رسول الله ديناران علي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هما عليك حق الغريم وبرئ الميت، قال: نعم. فصلى عليه، ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: فقال: يا رسول الله إنما مات أمس ثم لقيه من الغد، فقال: ما فعل الديناران؟ فقال: يا رسول الله قد قضيتهما. فقال: الآن بردت عليه جلده.
ثم إن حقيقةَ الثواب لا فرق في نقله بين أن يكون ثواب حجّ، أو صدقة، أو وقف، أو صلاة، أو استغفار، أو قراءة القرآن، أو قضاء دين، فقدرة الله - جل جلاله - صالحة من غير فرق لمَن أنصف وتطابق الأحاديث التي رويناها تدلّ دلالة ظاهرة على ذلك.
وحديث ابن عباس - رضي الله عنهم - في «الصحيحين»: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على قبرين ... » الحديث (¬1).
قال الخطّابيّ - رضي الله عنه -: هذا عند أهل العلم محمول على أن الأشياءَ ما دامت على أصل خلقتها وخضرتها وطراوتها تُسبِّحُ الله - عز وجل - حتى تجفَّ رطوبتها، وتحول خضرتها، أو تقطع من أصلها، فإذا خفَّفَ عن الميت بوضعه - صلى الله عليه وسلم - الجريدة على قبره، فبطريق ذلك أن يكون ذلك بالقرآن الذي جاء به من عند الله - جل جلاله -.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يشاك شوكة إلا رفعت له بها درجة، وحطَّت عنه بها خطيئة» (¬2)، رواه مسلم، والشوكة والمرض ليس فيهما له صنع، وقد حصل له رفع الدرجات وحطّ الوزر.
¬
(¬1) ولفظه عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين فغرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً، ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا في صحيح البخاري (5: 2249)، وصحيح مسلم (1: 241)، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم (4: 1991)، وصحيح ابن حبان (7: 167)، وغيرهما.
فنسأل الله تعالى التوفيق لكلِّ خير، والحمدُ لله وحده، وصلَّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين. تمّ.
* * *
المراجع:
1. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، ط 15، دار العلم للملايين. 2002 م.
2. البداية والنهاية: لإسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774 هـ)، مكتبة المعارف، بيروت.
3. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (1283 - 1353 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
4. التدوين في أخبار قزوين: لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، تحقيق: عزيز الله العطاردي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987 مـ.
5. التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي شمس الدين (ت 671 هـ)، تحقيق: الدكتور الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1، 1425 هـ.
6. الترغيب والترهيب: لعبد العظيم المنذري (ت 656 هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1417 هـ.
7. حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج: لشهاب الدين القليوبي وعميرة، دار إحياء الكتب العربية.
8. حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911 هـ)، مطبعة دار الوطن، القاهرة.
9. الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، دار الجيل.
10. رفع الإصر عن قضاة مصر: لأحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، (ت 752 هـ)، ت: علي محمد، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1998 م.
11. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
12. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت 458 هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ.
13. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279 هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
14. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385 هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386 هـ.
15. السنن الصغرى: لأحمد بن حسين البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق: الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط 1، 1410 هـ.
16. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت 303 هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 هـ.
17. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354 هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، 1414 هـ.
18. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت 311 هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390 هـ.
19. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256 هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط 3، 1407 هـ.
20. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت 261 هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. فتح القدير
21. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748 هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963 مـ.
22. الفروع: لمحمد بن مفلح المقدسي (717 - 762 هـ)، تحقيق: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 هـ، وأيضاً: طبعة عالم الكتب.
23. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304 هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط 1، 1998 م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط 1، 1324 هـ.
24. قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر: للطيب بن عبد الله بامخرمة الهجراني، (870 ـ 947 هـ)، ت: خالد زواري، دار المنهاج، جدة، 2008 هـ.
25. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: لعلي بن حسام الدين المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1989 م.
26. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2، 1406 هـ.
27. المدخل: لمحمد العبدري المالكي الفاسي ابن الحاج (ت 737 هـ)، دار التراث.
28. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت 768 هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1، 1970 م.
29. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت 405 هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 هـ.
30. مسند أبي داود الطيالسي: لسليمان بن داود (ت 204 هـ)، دار المعرفة، بيروت.
31. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت 307 هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط 1، 1404 هـ.
32. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241 هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
33. مشكل الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت 321 هـ)، مجلس دائرة النظامية، الهند، حيدر آباد، ط 1، 1333 هـ.
34. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360 هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415 هـ.
35. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360 هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط 2، 1404 هـ.
36. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1414 هـ.
37. معرفة السنن لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية، باكستان، ط1، 1412هـ.
38. المقفي الكبير: لتقي الدين المقريزي، (ت845هـ)، ت: محمد البعلاوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2: 1427هـ.
39. من فضائل سورة الإخلاص وما لقارئها: لأبي محمد الحسن بن علي البغدادي الخَلَّال (ت439هـ)، تحقيق: محمد بن رزق بن طرهوني، مكتبة لينة، القاهرة، دمنهور، ط1، 1412هـ.
40. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
41. المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي: ليوسف بن تغرى بردى الحنفي، (ت847هـ)، ت: محمد محمد أمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
42. الموسوعة الفقهية الكويتية: لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
43. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ليوسف بن تغرة بردة الأتابكي (813 - 874)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.
44. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
* * *