[23]
مَسْأَلَةٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ زَوْجَتهُ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[23]
مَسْأَلَةٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ زَوْجَتهُ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
663)
(23) مَسْأَلَةٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ زَوْجَتهُ
قال - رحمه الله تعالى -:
قد سئلتُ عن امرأة طلّقها زوجها طلاقاً رجعياً في مرض موته، ثم مضى عليه ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوماً، ثم مات، فأقرّت أنّها حاضت في هذه المدّة ثلاث حيض وانقضت عدتها منه قبل موته بخمسة أيّامٍ، فهل ترث مع الإقرار أم لا، فأجبت: أنها لا ترث في هذه الصّورة. والله أعلم بالصّواب.
ثم وقعتُ على جواب لبعض المشايخ الحنفية صورته:
الحمد لله المنعم بالصَّواب.
إذا كان الطلاق رجعيًّا ترث منه ما دامت عدة الوفاة قائمة. والله أعلم.
وأخبرني الذي أوقفني على هذا الجواب: أن مستند المجيب قول الشيخ عبد اللطيف بن فرشته في شرح المجمع في فصل طلاق الفارّ: قيدنا طلاقها بالبينونة؛ لأنه إذا كان رجعيًّا فعليها عدّة الوفاة أيضاً اتفاقاً.
فقلت: لم يزل الفهم عزيزاً وبالوقوف على المأخذ يعضُّ عليها بالنواجذ، ما ذكره ابن فرشته فيما إذا مات وعدة الطلاق قائمة؛ لأنّها حينئذٍ زوجة. وعلى الزّوجة تربص أربعة أشهر وعشراً.
أمّا إذا كانت العدة منقضية، فلم تكن زوجة فلا يجب عليها عدة ولا ترث عندنا. والله أعلم.
664)
ثم أخبرني جمعٌ من أهل العلم: أن المجيب وقف على خطي بالجواب فقال:
قد أجبته بأنّها ترث. وهذا وخاطره. فقلت: لم يكن هذا بخاطري ولا يحل هذا في دين الله لأمثالي، وإنمّا هذا مصرّحٌ به في كثيرٍ من المصنّفات.
وفي بعضها مطلقٌ عن تعيين الطلاق.
قال الكرخي: إذا طلّق الرَّجل امرأته طلاقاً رجعياً في مرضه الذي مات فيه، ثم مات وهي في العدة ورثته. وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد وزفر والحسن بن زياد مصرّح فيه بأنّه ماتَ وهي في العدّة في كثيرٍ من المصنفات. وأشار إليه في عبارة بعضهم، وتعليل بعضٍ، وبهما معاً، وهو ما عنيته بقولي وبالوقوف على المأخذ يعضّ عليها بالنّواجذِ.
أمّا الأوّل: فقال الإمام حسام الدين في فتاواه (1): وإن كان الطلاق من المريض رجعياً، أو كان طلّقها في الصّحّةِ رجعياً، ثم مات وهي في العدّة، فعدّتها عدة الوفاة لا غير. وبطل عنها الحيض في قولهم جميعاً. انتهى بحروفه.
ونحوه في التتمة (2) والمنية (3).
وقال الشيخ الإمام قاضي خان في فتاواه: والحرمة المطلقة إذا مات الزوج في العدّة، إن كان الطلاق رجعيًّا تنقلب عدّتها عدة الوفاة. انتهى بحروفه.
وأمّا الثاني: فقال الكرخي في مختصره: وإن كان الطلاق رجعيًّا في
(1) في المخطوط: (فتواه).
(2) تتمة الفتاوى للإمام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز الحنفي صاحب المحيط، المتوفى سنة 616 هـ. تقدّم الكلام عنه.
(3) أي: منية المفتي ليوسف السجستاني الذي مرّت ترجمته.
665)
صحّةٍ أو مرض فعليها: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]. وبطل عنها الحيض في قولهم جميعاً. انتهى.
"فبطل": يشير إلى قيامها وقت الموت إذ المنقضي المعدوم لا يبطل.
ونحو قولهم في شروح الهداية (1): أَمَّا إذا طلَّقها رجعيًّا، فعدَّتها عدَّة الوفاة، سواءٌ طلَّقها في مرضه أو في صحَّته، ودخلت في عدَّة الطَّلاق، ثم مات الزَّوج.
وأمّا الثالث: فقال في الهداية (2): أمَّا إذا كان رجعيًّا، فعليها عدَّة الوفاة بالإجماع، بخلاف [غير] الرَّجعيِّ؛ لأنَّ النكاح باقٍ من كل وجبة. انتهى.
ولا يبقى النكاح في الرجعي بعد ثلاث حيضٍ وخمسة أيّامٍ.
وقال في شرح الكنز: بخلاف المطلّقة رجعيًّا حيث تكون عدّتها عدة الوفاة اتفاقاً لبقاء الزوجية من كلّ وجهٍ قبيل الموت وانقطاعه بالموت. فيجب عليها عدة الوفاة. انتهى.
ومن حاضت ثلاث حيضٍ ومكثت بعدها خمسة أيام لا يكون زوجها قبل الموت وقد انقطعت الزوجية بانقضاء العدّة لا بالموت.
وقال في الإيضاح: وإن كان الطلاق رجعيًّا في صحّة أو مرضٍ فعدتها أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشرا (3). بلا خلافٍ؛ لأن النكاح قد نفي. انتهى.
(1) فتح القدير لابن الهمام (9/ 274).
(2) الهداية (1/ 274) وفتح القدير لابن الهمام (9/ 273) والعناية شرح الهداية (6/ 103 و 104) ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (4/ 404) ورد المحتار (11/ 459).
(3) لقوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
666)
ولا يبقى النكاح بعد انقضاء ثلاث حيضٍ وأيّامٍ.
وقال في المحيط: المطلقة الرجعية إذا مات زوجها تعتد للوفاة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً (1). لقيام النكاح. انتهى.
ولا قيام للنكاح بعد مضي ثلاث حيضٍ.
وأمّا الرّابع: فقال في البدائع (2): إذا طلَّق امرأتهُ ثم مات، فإن كان الطَّلاق رجعيًّا انتقلت عدَّتها إلى عدَّة الوفاة، سواءٌ طلَّقها في حالة المرض أم في حال الصِّحَّة، وانهدمت عدَّة الطَّلاق، فعليها أن تستأنف عدَّة الوفاة في قولهم جميعاً؛ لأنَّها زوجتُه (3) بعد الطَّلاق، إذ الطَّلاق الرَّجعيُّ لا يوجب زوال الزَّوجيَّة، وموت الزَّوج يوجب (4) على زوجته عدَّة الوفاة لقوله (5) تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] كما لو مات قبل الطَّلاق. انتهى.
فقوله: انتقلت. . . وانهدمت. . . وأنّها زوجة، وموتُ الزَّوج يوجب على الزَّوجة عدَّة الوفاة. . . يشير إلى ما قلنا على ما تقدّم مكرّراً.
وقال في الذخيرة (6): وإذا كان الطلاق رجعياً في صحّةٍ أو مرضٍ، فعدّتها أربعة أشهرٍ وعشراً، وقد بطل عنها الحيض في قولهم جميعاً؛ لأنّ الطّلاق
(1) لقوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (7/ 416).
(3) في المخطوط: (زوجة).
(4) في المخطوط: (توجب).
(5) في المخطوط: (بقوله).
(6) المحيط البرهاني لبرهان الدين مازه (4/ 77).
667)
الرجعي لا يقطع النكاح عندنا، فكانت الزوجية قائمة [لدى الموت] (1)، والله تعالى (2) جعل كل الواجب على المرأة عند موت الزوج التربص بأربعة أشهر وعشراً (3)، وكان من ضرورته: سقوط الاعتداد بالحيض. انتهى.
* فائدة:
قال الشيخ الإمام قاضي خان في فتاواه: قالت بعد الطلاق: أيست، ثم مات زوجها بعدما مضت ثلاثة أشهر من وقت إقرارها (4) لا ميراث لها.
* فائدة أخرى:
قال في كتاب فصول (5) العمادي: رجلٌ طلّق زوجته في المرض، فمات الزوج بعد انقضاء العدة، كان المشكل من متاع البيت لوارث الزوج؛ لأنّها صارت أجنبية بانقطاع العدة، ولم يبق لها يد وإن مات قبل انقضاء العدة. كان الشكل للمرأة عند أبي حنيفة؛ لأنها قرّت فلم تكن أجنبية، وكان هذا بمنزلة ما لو مات الزوج قبل الطلاق.
* نكتة:
يلزم على ما فهموه من شرح المجمع، استحالة المسألة التي نصّ عليها:
(1) ما بين معكوفتين: من المحيط.
(2) أقحم في المخطوط: (أعلم).
(3) تحرف في المخطوط إلى: (أو عشرًا).
(4) في المخطوط: (اقتراع) والصواب ما أثبت.
(5) في المخطوط: (فصولي). قال في كشف الظنون (2/ 1270): فصول العمادي في فروع الحنفية، وهو: جمال الدين بن عماد الدين الحنفي، رتبها على أربعين فصلاً في المعاملات فقط. قال في أوله: وترجمت هذا المجموع بفصول الأحكام لأصول الأحكام.
668)
أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر، والحسن بن زياد، وتبديل حكمها الشرعي، وتحريم فرج حلال مدّة، وإباحة أكل مالين بالباطل، نفقة العدة بعد انقضائها إلى الموت والميراث. والله أعلم.
تَمَّت
* * *
* قال ?:
و سئلت عن رجلٍ طلّق امرأته طلقتين وراجعها من الثانية. ثم قال لها: أنت طالق ثلاثاً. أنت طالقٌ ثلاثاً، أنت طالق ثلاثاً. فقالت له امرأة حال قوله: أنت طالق ثلاثًا. قُل: إن شاء الله تعالى. فقال: إن شاء الله متصلاً بالمرة الثالثة، فهل يقع أم لا؟.
فأجبت: نعم. وقع عليه الطلاق الثلاث في هذه الصورة. والله أعلم.
ومستندي: قول علمائنا: إذا قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً، أنت طالقٌ إن شاء الله. يقع.
وقوله: أنت طالق فاصل بين الثلاث. والاستثناء.
وقولهم: إن المذكور في آخر الكلام إذا يقع به طلاق أو يجب به حد. فالاستثناء على الكل. والله أعلم.
وسئلت عن وجه قوله في القنية بحينئذٍ أنت طالق بائنٌ إن شاء الله تعالى. لا يقع. أجبتُ: بأن الطلاق الصّريح رجعي، فوصفه به لغو، فيكون فاصلاً فيلحقه الاستثناء. والله أعلم.
وأخذت هذا من قول علمائنا. لو قال لها: أنت طالقٌ ألبتة إن شاء الله.
669)
أو قال لها: أنت طالق بائنٌ إن شاء الله. فالاستثناء صحيح ولا يصير قول ألبتة فاصل؛ لأنّ الطلاق قد يكون بائنًا وقد يكون غير بائنٍ. فإذا قال: ألبتة. أو قال: بائن فقد وصف الطلاق بوصف يليق به، فلا يصير فاصلاً بخلاف ما إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً ألبتة أو ثلاثاً بواوين معاً إن شاء الله. فإنّ هناك لا يصح الاستثناء ويصير قوله ألبتة بواوين فاصلاً على ظاهر الرواية؛ لأنّ الثلاث لا يكون إلا بواوين فيلغوا هذا الوصف ويصير فاصلاً.
وعن محمّد: لا يصير فاصلاً. انتهى. والله ? أعلم.
* و سئل عن رجلٍ حلف بالطلاق من زوجته ليضعن هذا الزيتون في هذا الصحن فكسرت زوجته الصحن من ساعته يحنث إن لم يوجد زمان يسع الفعل بعد اليمين.
فأجاب: بأنه قد وقع الطلاق والله أعلم.
ثم أحضر إليه السؤال. وعليه جواب صورته: لا حنث عليه. والحال هذه. والله أعلم. وإلى جانب الجواب سؤالٌ صورته: المسؤول. دليل هذا الجواب ليطمئن نفس الحالف. وعليه جواب صورته.
قد قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى -: إنّ زمن البر يستثنى من اليمين، فإذا حلف ليضعن هذا في هذا الإناء، فلا بد من تصوّر زمن البر، فإذا لم يتمكن من ضيق الزمان من الوضع فيه، لم يتصور، فلا يحنث إذا حصل الكسر قبل ذلك. والله أعلم.
فخشي الشيخ ? من إباحة الفرج بهذه الشبهة.
وكتبت:
الحمد لله رب العالمين. ربّ زدني علماً.
670)
قد تقدم مني جواب في هذه الواقعة، يحنث الحالف؛ لأنّ هذه المسألة من فروع مسألة الكوز المطلقة عن الوقت. وفيها: يجب البر في الحال. فإذا فات المحل المحلوف عليه، حنث.
وعلى هذا: ما قال في الذخيرة (1): والله لآكلنّ هذا الطّعام لو هلك من ساعته يحنث في يمينه.
وفي فتاوى الملا الأعلى (2): ومن هذا الجنس: إن لم تذهبي وتأتي بذلك الحمام، فأنت طالقٌ، فذهبت لتأتي به فطار الحمام، يقع الطلاق، وما علل به لعدم الحنث ليس عبارة أحد من علمائنا، وإنما قالوا في مسائل الحلف على ترك ما هو متلبس به إن تحقق من البر مستثنى عن اليمين، وهذا ليس مما نحن فيه.
ألا ترى أنهم لم يقولوا فيمن حلف: ليمسنّ السماء، إنّ زمن البر مستثنى، فلا يحنث حتى يمضي زمان يتمكن فيه زمن الفعل، وإنما قالوا: يحنث للعجز الحالي.
وبالجملة: فليس لأحدٍ أن يفتي بضدّ المنقول. والله أعلم.
* * *
* سئل - رحمه الله تعالى -: عن امرأةٍ تسمّى وزيرة باعت أمةً لها تسمّى حسبيَ الله مع ابنةٍ لها تسمّى حريقة لامرأةٍ تسمّى فاطمة وكان البيع بحضور زوج وزيرة البائعة ويسمّى عُمر، ثم إنّ المرأة المذكورة جاءت بولدٍ وهي في ملك فاطمة وسمي شعبان، ثم إن فاطمة المذكورة باعت الأمة وولدها وسن
(1) انظر المحيط البرهاني لبرهان الدين مازه (4/ 662 و 663).
(2) لعله: (الملا علي).
671)
الولد إذ ذاك نحو أربع سنين لرجل يقال له القاضي صدر الدين، فأقاموا في ملكه فبعد بلوغ شعبان كان معترفاً بالرّق لسيّده، ثم بعد ذلك ادّعى عُمر زوج وزيرة: أن شعبان ابنه وصدّقه الولد وأمه على ذلك. وذهبوا إليه. فهل يثبت نسبه بهذه الدعوى أم لا؟ وهل يستحق عمّن يملك الولد على السيّد أم لا؟ وهل يعتق بذلك أم لا؟ وهل للسيد التصرف بعد هذه الدعوى أم لا؛ أفتونا ماجورين.
فأجاب ?:
لا يثبت نسب الولد المذكور إلاّ أن يصدّقه المالك ولا يستحق المدعي ملكاً على السيّد بهذه الدّعوى، ولا يعتق العبد.
وللمالك أن يتصرّف فيه بسائر التصرفات الشرعية ولا عبرة لتصديق الولد؛ ولا أمّه في هذه الحالة. والله أعلم.
قال ?: ثم وقفت على السؤال وقد كتبت عليه: كل من يكتب على الفتوى في بلدنا من الحنفية: أنه يثبت نسب الولد بدون تصديق المالك.
فكتبت:
أمّا مستندي فيما كتبت فقول صاحب البدائع (1): وإن لم يكن الولد في يد نفسه، فإمّا أن يكون مملوكاً، وإمّا أن لم يكن، فإن كان ملك غيره وقت الدعوى، فإن كان علوقه في ملك المدعي يثبت نسبه بنفس الدعوى أيضًا.
وإن لم يكن علوقه في ملكه لا يثبت النسب إلا بتصديق المالك على ما ذكرنا. والله أعلم.
* * *
(1) انظر بدائع الصنائع (16/ 258 -. . .).
672)
"وسئل ? عمّن باع فضّة قرضٍ حجر بفلوسِ مؤجّلةٍ.
فأجاب: بأنه لا يجوز لتصريح الأصحاب، بأنّ النقرة من جنس الثمن، وأصل الثمن وتصريحهم بأن الفلوس النافقة ثمن وبيع أحد الثمنين المختلفي الجنس بالآخر نسبة لا يجوز وإن جعلت الفلوس قروضاً لإقدامهما على تأجيلها على قول أبي حنيفة وأبي يوسف. فلا بد أن يجعل مسلماً فيها.
وإذا قلنا بجواز السلم بلفظ البيع على الرّاجح فشرطه استيفاء شرائط السلم. كما قال في المنتقى: وينعقد السلم بلفظ البيع والشراء إذا وجد شرائط السلم ولم يستوف هنا قول الإمام وهو المفتى به. والله أعلم.
* * *
* و سئل ?: عمّن باع داراً بيع التقاضي وقبض بعض الثمن، ثم أقبض الباقي بعد هذه. ووقع التكاتب عند ذلك، وقد كان المشتري أباح شخصاً السكنى في الدار. فهل البيع صحيح أم لا؟ وهل يتوقف على الكتابة؟ وهل للبائع أو المشتري الرجوع على المباح له السكنى بأجرة المثل؟. وهل للذي أباح أن يرجع عن الإباحة أم لا؟.
فأجاب: أن البيع صحيحٌ وإن لم يقبض كل الثمن. وأنه لا يتوقف على المكاتبة عند أحدٍ من علماء الأمّة. وليس للبائع ولا للمشتري رجوع على المباح السكنى بشيءٍ لا أجرةَ مثل ولا غيرها.
وإن قلنا بصحة البيع ولا إن قلنا بعدم صحّته، وللمبيح الرجوع متى شاء. والله أعلم.
وهذا بناء على الصحيح في صحّة بيع التعاطي والاكتفاء بقبض أحد البدلين.
وأمّا عدم رجوع المبيع فظاهرٌ إذا قلنا بصحّة البيع.
673)
ولو قيل بعدم صحة البيع على قول الكرخي فعنده: المنافع لا تضمن. والله أعلم.
* * *
* مسألة:
رجل باع رجلاً سكراً ووزنه له، فألقى له ذهباً بمقدار الثمن، ونظر البائع إلى الذهب فوجد ديناراً منه ردياً. فقال له أبدله. فألقى له غيره ولم يأخذ الأول حتى ضاعا جميعاً. فما الحكم؟.
أجباب: إن كان الدينار الذى ألقاه جيداً فهو للسكري من ثمن سكره. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجل باع عن رجلٍ فصاً من ياقوت أحمر فى خاتم من ذهب بثمن معلوم ودفع للبائع الخاتم إلى المشتري وفيه الفصّ، فضاع عند المشتري فماذا يلزم المشتري.
أجاب: إن كان الفصّ يمكن نزعه من غير ضررٍ فهذا قبض وعليه ثمن الفص ولا شيء عليه فى الخاتم.
وإن كان لا يمكن نزعه إلا بضرر فليس هذا القبض بصحيحٍ. وقد أفسخ البيع قبل القبض بهلاك المبيع ولا شيء على المشتري. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ باع ثوباً بَعْلَبَكياً معلوماً بينهما، وديناراً ذهباً بمئة وخسمين درهما إلى ستة أشهر.
674)
فأجاب: بأن البيع باطل بينهما جميعاً لا يجوز لا في الثوب ولا في الدينار. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ باع ديناراً بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملة الآن، ثم اشترى منه منديلاً إسكندريًّا معلوماً بينهما بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملةً الآن، واشترى المنديل المذكور قبل بيع الدينار. فما الحكم؟.
أجاب: إن كان الصّرف قد وقع أوّلاً لا يكون هذا قصاصاً. وإن تقابضا قبل الاقتراض بل على مشتري الدينار أن يدفع الفضة، فإذا قبضها البائع دفعها عن ثمن المنديل، وإن كان افترقا قبل هذا بطل الصّرف. ولبائع المنديل ثمنه عند مشتريه. ولمشتريه ديناره عند البائع، وإن لم يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع، وإن وقع بيع المنديل أوّلاً وتقابضا، وجعل مشتري الدينار الفضّة قصاصاً قبل أن ينصرفا، صار قصاصاً، وإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ اشترى من صيّادِ سمكةً ودفع ثمنها.
والحال: أن المشتري ناظر إلى العين المبيعة وهي بينهما، فاندفعت إلى البحر فهل يعد وزنها تسليماً حتى يكون من ضمان المشتري أو لا يكون تسليماً حتى تسلم باليد؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين.
نعم. وزنها تسليم على قول بعض المشايخ على الصحيح. فهذه التخلية
675)
الحاصلة بعد تمام العقد إلى اندفاعها في البحر كان يمكن المشتري قبضها فيها، فتكون التخلية تسليمًا، فتكون السمكة من ضامن المشتري.
قال ?: ثم وقفت على جواب لبعض الحنفية صورته:
الحمدُ لله الذي به أستعين، نعم المولى ونعم المعين.
أقول - وبالله التوفيق -: لا يسمّى مثل هذا تسليماً حقيقةً، وإن حصلت التخلية بينه وبين المشتري صورة في الجملة فلا بد من تسليمه إيّاها باليد حقيقة لكونها بمنزلة السمكة في البحر حكمًا من حيث قيام المانع من التسليم، وله نظائر كثيرة مذكورةٌ في الفقه.
وكتب الشيخ - رحمةُ الله عليه -: التسليم باليد ليس مذهب علمائنا، فلا يخفى بطلان ما ذكر على ذي لبٍّ والقواعد والنواظر ناطقةٌ بموافقة ما ذكرنا (1) ومخالفة ما ذكر.
قال في الذخيرة (2): وتسليم المبيع: هو أن يخلي (3) بين المبيع وبين المشتري على وجه يتمكن المشتري من قبضه من غير حائلٍ (4)، وكذا التسليم في جانب الثمن.
وقال الشَّافعي: التَّخلِيَةُ ليست بقبضٍ.
والصحيح مذهبنا؛ لأنّ (5) التسليم مستحق على البائع، وما يستحق على
(1) جاء في هامش المخطوط: (قلنا).
(2) المحيط البرهاني لبرهان الدين مازه (6/ 230).
(3) في المحيط: (يحل).
(4) في المخطوط: (حامل).
(5) في المخطوط: (لا).
676)
الإنسان يجب أن يكون له طريق [الخروج] عن عهدته بنفسه، ولو توقف ذلك (1) على وجود الفعل من غيره، وذلك الغير مختارٌ (2) في الفعل يبقى هو في عهدة الواجب. انتهى بحروفه.
وقال في السير الكبير: إذا ولّى الإمام رجلاً ببيع الغنائم، فجعل ذلك الأرماك (3) في حظيرة وباع رمكةً منها رجلاً وقال للمشتري ادخل الحظيرة واقبض الرمكة. قد خلّيت بينك وبينها. فدخل الحظيرة لقبض الرمكة فعالجها، فانفلتت منه، وخرجت من باب الحظيرة وذهبت ولا يدري أين ذهبت ينظر في ذلك، فإن كان المشتري لا يقدر على أخذها فالهلاك على البائع؛ لأن المشتري لم يصر قابضاً لها حقيقةً، وهذا ظاهر، ولا حكماً؛ لأنّه لم يتمكن من قبضها إذا كان لا يقدر على أخذها.
وإن كان المشتري يقدر على أخذها فالهلاك على المشتري؛ لأنه صار قابضًا لها حكماً؛ لأنّ في هذا يستوي الجواب بينهما إذا كان المشتري يقدر على أخذها من غير كلفةٍ ومشقّةٍ.
ففي الحالتين يصير قابضاً لها بالتخلية؛ لأنّ في هذا الباب للتمكّن من القبض لا غير، ثم قال: وقعت فتوى في زماننا: أن رجلاً اشترى بقرةً من رجلٍ وهي في المرعى. فقال له البائع: اذهب فاقبض البقرة. فأفتى بعض مشايخنا: أنّ البقرة إذا كانت بمرأى العين بحيث يمكن الإشارة إليها وهذا قبض وما لا فلا.
(1) في المحيط: (لو قال لوقف ذلك).
(2) في المخطوط: (مختاراً).
(3) الأرماك: جمع الرمك، وهي الفرس والبرذونة تتخذ للنسل. القاموس.
677)
وهذا الجواب ليس بصحيح. والصّحيح: أن البقرة إذا كان يتمكن المشتري من قبضها لو أراد، فهو قابضٌ لها بدليل مسألة الرمكة التي ذكرناها. انتهى. والله أعلم.
* * *
* و سئل ?: عن رجلٍ اقترض من رجلٍ مالاً على تركةِ فلان، ثم أحال المقرض على رجلٍ غائبٍ بالقدر الذي اقترضه، ثم بعد ذلك صدر بين المقرض والمقترض براءة جامعة وإقرار بعدم الاستحقاق محكوم بموجب ذلك من حاكمٍ حنفي فادّعى المحال عليه بأنّ الحوالة باطلة.
وأجيب بذلك، فهل للمقرض الرجوع بعد البراءة والحكم بموجبها أم لا؟.
والجواب: ملصق على الإقرار بالقرض والحكم. إلخ.
وعليه جواب شافعي صورته إن كان اقترض على جهة التركة. فلا يصحّ القرض ولا الحوالة وله الرجوع على المقترض وتحته جواب الحنفي صورته ما لم يوجد القرض بشرطه والحوالة بشرطها فله الرجوع بطريقه شرعاً كما أفتى به فلان.
وإلى جواب الكافيجي: عقد القرض ليس بلازمٍ لا سئما على التركة. كما لا يجوز القرض على الوقف. وله الرجوع بعد الحكم والإبراء مع كلام آخر غير معتبر.
فكتب الشيخ ?:
ليس له الرجوع وهذه الأجوبة كلها باطلة.
أمّا الشافعي: فلأنه مسبوق بحكم الحنفي الذي شاهده.
وكتب تحته من غير علمٍ بمذهب الحاكم.
678)
وأمّا الحنفي: فقد أخطأ مذهبه.
قال الإمام الأسروشني (1) في فصوله: رجلٌ أبرأ رجلاً عن الدّعاوى والخصومات، ثم ادّعى عليه مالاً بالإرث من أبيه إن مات أبوه قبل إبرائه، صح الإبراء ولا تسمع دعواه وإن لم يعلم هو بموت الأب عند الإبراء (2).
وقال في فتاوى قاضي خان: اتفقت الروايات على أن المدعي لو قال: لا دعوى لي قبل فلانٍ ولا خصومة لي قبل فلانِ يصحّ حتى لا تسمع دعواه إلا في حق حادثٍ بعد البراءة.
وهنا لم يكن كذلك؛ لأنّ الحوالة لم تنقل الدين من ذمة المقترض عندنا لغيبة المحال عليه وعدم رضاه ولا عبرة بظن المحتال وحيث كان المال في ذمّته فالبراءة صحيحة وإن لم يعرف المبرئ أن الذّمة مشغولة بالدين كما نقلناه. وقول المجيب الثالث: إن عقد القرض غير لازم خطأٌ لقول علمائنا: إنّ القرض يملك بالقبض عند أبي حنيفة وبالاستهلاك عند أبي يوسف.
وقوله: كما لا يجوز القرض على الوقف خطأٌ أيضاً. لقولهم بجواز الاستدانة على الوقف بإذن الحاكم بلا خلاف، وبدون إذنه على الخلاف.
وأمَّا قوله: إن له الرجوع فخطأ أيضاً. وقد علم وجه ذلك من الكلام على ما قبله. والله ? أعلم.
(1) تحرف في المخطوط إلى: (الأستروشني). وهو الشيخ، الإمام، مجد الدين، أبي الفتح، محمد بن محمود الأسروشني الحنفي، المتوفى سنة نيف وثلاثين وست مئة. وأسروشنه - بضم الهمزة، والراء المهملة، وفتح الشين المعجمة، والنون -: اسم إقليم بما وراء النهر. انظر كشف الظنون (1/ 1).
(2) ذكره صاحب تكملة حاشية رد المحتار (2/ 328 و 344) وعزاه لصاحب الخلاصة.
679)