[22]
مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلَاق بِالنِّكاحِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[22]
مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلَاق بِالنِّكاحِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
633)
(22) مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلَاق بِالنِّكاحِ
قال - رحمه الله تعالى -:
هذا تعليقٌ على مسألة تعليق الطلاق بالنكاح لما سأصرّح به من إشكال بعض المصنفين، وخبط بعض العصريين إلى غير ذلك مما توهّم من عبارة بعض المشايخ. والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال علماؤنا: إذا قال الرّجل لامرأةٍ إن تزوجتك فأنت طالقٌ.
أو قال: إن تزوجت امرأةً فهي طالقٌ، أو كلّ امرأةِ تزوجتها فهي طالقٌ، أو كلّما تزوجت امرأة فهي طالقٌ. وقع الطّلاقُ عقيب النكاح. وهذا قول طائفةٍ من السلف.
روى ابن أبي شيبة في مصنّفه، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمّد، وعمر بن عبد العزيز (1)،. . . . .
(1) رواه ابن أبي شيبة (17835) قال: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن يحيى بن سعيد قال: كان سالم، وقاسم، وعمر بن عبد العزيز يرونه جائزًا عليه. و (17842) قال: حدثنا حفص، عن حنظلة قال: سئل القاسم وسالم عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق؟ قالا: هي كما قال. و (17843) قال: حدثتا حفص بن غياث، عن عبد الله بن عمر قال: سألت القاسم عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق؟ قال: طالق. وسئل عمر: يوم أتزوج فلانة فهي عليّ كظهر أمي؟ قال: لا يتزوجها حتى يُكَفرِّ.
634)
وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي (1)، والأسود (2)، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن (3)، والزهري (4)، ومكحول الشامي (5)، في رجلٍ قال: إن تزوّجت فلانةً فهي طالقٌ، أو يوم أزوّجها فهي طالقٌ، أو كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ. قالوا: هو كما قال. وفي لفظٍ: يجوز عليه ذلك.
(1) رواه ابن أبي شيبة (17837) قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي. وعن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قالا: إذا وقت وقع. و (17838) قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن مطرف، عن الشعبي أنه سئل عن رجل قال لامرأته: كل امرأة تزوجتها عليك فهي طالق؟ قال: فكل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق. و (17847) قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن سويد بن نجيح الكندي قال: سألت الشعبي عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو يوم أتزوج فلانة فهي طالق؟ قال الشعبي: هو كما قال. فقلت: إن عكرمة يزعم أن الطلاق بعد النكاح؟ فقال: جزم.
(2) رواه ابن أبي شيبة (17844) قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن قيس، عن إبراهيم، عن الأسود: أنه طلق امرأة قبل أن يتزوجها، فسأل ابن مسعود، فقال: أعلمها بالطلاق، ثم تزوجها.
(3) رواه ابن أبي شيبة (17845) قال: حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، أنه سأل سالمًا، والقاسم، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله ابن عبد الرحمن، عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق البتة؟ فقالوا كلهم: لا يتزوجها.
(4) رواه ابن أبي شيبة (17845) قال: حدثنا حماد بن خالد، عن هشام بن سعد قال: قال الزهري: إذا وقع النكاح وقع الطلاق.
(5) رواه ابن أبي شيبة (17855) قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن الزهري ومكحول في الرجل يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق؟ أنهما يوجبان ذلك عليه.
635)
وقال الشافعي: لا يصحّ هذا التعليق، ولا يقع عليه الطلاق (1).
لنا: أنّ هذا تعليقٌ لما يصحّ تعليقه، وهو الطلاق، فيلزم كالعتق والوكالة والإبراء، ولأنّ التعليق بالشرط يمنع اتصال الحكم بمحله. وبدون الاتصال بالمحلّ لا ينعقد سببًا.
واستدلّ الشافعي:
بما رواه أبو داود، والترمذي وحسّنه: أنَّ النَّبِيَّ ? قَالَ: "لَا نذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ" (2).
(1) قال الشافعي في الأم (7/ 168): إذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فإن أبا حنيفة كان يقول: هو كما قال. وأي امرأة تزوجها فهي طالق واحدة، وبهذا يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يقع عليه الطلاق؛ لأنه عمّم، فقال: كل امرأة أتزوجها، فإذا سمّى امرأة مسماة، أو مصرًا بعينه، أو جعل ذلك إلى أجل، فقولهما فيه سواء، ويقع به الطلاق.
(2) رواه عبد الرزاق (11456) وأحمد (6769 و 6780) وأبو داود (2190) وسعيد ابن منصور في سننه (1020) والترمذي في سننه (1181) وعلله الكبير (1/ 465) وابن ماجه (2047) والدارقطني (4/ 14 و 15) والحاكم (2/ 204 و 205) والبيهقي (7/ 318) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ?.
وقال الترمذي: وفي الباب عن علي ومعاذ بن جبل وجابر وابن عباس وعائشة. حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ? وغيرهم، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وشريح، وجابر بن زيد، وغير واحد من فقهاء التابعين، وبه يقول الشافعي. وروي عن ابن مسعود أنه قال في المنصوبة: إنها تطلق. وقد روي عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهما من أهل العلم، أنهم قالوا: إذا وقت=
636)
وما في معناه.
وأُجِيبَ: بأنّ هذا محمولٌ على نفي التخيير؛ لأنه هو الطّلاق لا تعليقه، فإنه لا يفهمه أهل اللغة ولا العرف ولا الشرع لما روى مالكٌ في موطئه (1): أنَّ سَعِيدَ بنَ عَمْرِو (2) بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَأَلَ الْقَاسِم (3) بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُل طَلَّقَ امْرَأَةً إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِم (4): إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ (5).
وروى عبد الرزاق عن (6) معمر، عن الزهري أنه قال في رجلٍ: كل امرأةٍ
= نزل. وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس: أنه إذا سمى امرأة بعينها، أو وقف وقتًا، أو قال: إن تزوجت من كورة كذا، فإنه إن تزوج، فإنها تطلق. وأما ابن المبارك فشدّد في هذا الباب، وقال: إن فعل لا أقول: هي حرام. وقال أحمد: إن تزوج لا آمره أن يفارق امرأته. وقال إسحاق: أنا أجيز في المنصوبة لحديث ابن مسعود، وإن تزوجها لا أقول تحرم عليه امرأته. ووسّع إسحاق في غير المنصوية، وذكر عبد الله ابن المبارك: أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يتزوج، ثم بدا له أن يتزوج هل له رخصة بأن يأخذ بقول الفقهاء الذين رخصوا في هذا؟ فقال عبد الله ابن المبارك: إن كان يرى هذا القول حقًا من قبل أن يبتلى بهذه المسألة، فله أن يأخذ بقولهم، فأما من لم يرض بهذا، فلما ابتلى أحب أن يأخذ بقولهم فلا أرى له ذلك.
(1) (2057) وعنه عبد الرزاق (11550).
(2) تحرف فى المخطوط إلى: (عمر).
(3) تحرف في المخطوط إلى: (أبو القاسم).
(4) تحرف في المخطوط إلى: (أبا قاسم).
(5) تحرف في المخطوط إلى: (المظاهر).
(6) تحرف في المخطوط إلى: (بن).
637)
أتزوّجها فهيَ طالقٌ، وكلّ أمةٍ اشتريتها فهي حرّة. هو كما [قال]. قال له معمر: أو ليس قد جاء: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقٍ إِلَاّ بَعْدَ ملكٍ"؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ (1).
قال الشيخ عبد اللطيف بن فرشته في شرح المنار: ولقائلٍ أن يقول: يشكل تعليق الطلاق والعتاق بالملك، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّه خطبَ امرأةً، فأبَوا أن يزوّجَهَا إِلَاّ بِزِيَادَةِ صَدَاقٍ. فَقَالَ: إِن تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ? فَقَالَ: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكاحِ" (2).
فإن الحديث مُفَسّرٌ لا يقبل التأويل، فلا بد أن يبيّن نسخه أو عدم صحّته. انتهى.
وسئل عن هذا الشيخ محيى الدين الكَافِيَجي (3)، فأجاب:
(1) رواه عبد الرزاق (11475) عن معمر، عن الزهري في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة. قال: هو كما قال. قال معمر: فقلت: أو ليس قد جاء عن بعضهم أنه قال: لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاقة إلا بعد الملك؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق، وعبد فلان حر.
(2) لم أجده عن عبد الله بن عمرو ?.
(3) هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي، الكافيجي، محيي الدين، أبو عبدا لله، فقيه، أصولي، محدث، نحوي، مفسر، صوفي، صرفي، بياني، منطقي، حكيم، رياضي، ولد بككجة كي من بلاد صروخان، واشتهر بمصر، ولازمه السيوطي، وولي وظائف منها: مشيخة الخانقاه بالشيخونية، وكان مولده سنة 788 هـ ووفاته سنة 879 هـ، وسمي بالكافيجي لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو، من تصانيفه الكثيرة: شرح قواعد الإعراب لابن هشام، وجيز النظام في إظهار موارد الأحكام، حل الإشكال في مباحث الأشكال في الهندسة، الأنوار في علم=
638)
الحمدُ لله الهادي للصّواب، الحديثُ محمولٌ على نفي تخيير الطلاق قبل النكاح. كذا ذكره أئمة الحديث والفقهاء على أنّه: لا يكون حجّةً علينا. لا ينفي التعليق كما ترى، فيكون نصب الدليل في غير محلّ النزاع، فإن قلت: الواقعة تشهد له بظاهرها، فلا يعدل عنه إلاّ بدليل، ولا دليل هنا.
قلت: قول النبي ?: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ النكِّاحِ".
شاهدٌ لنا عليه، فلا بُدّ من صرفِ الواقعة عن ظاهرها بقرينةِ الجواب، كما هو المقرر في موضعه.
فإن قلت: فليحمل قوله ? على نفي التعليق بقرينة الحادثة السابقة، كما هو المتبادر.
قلت: حمل الكلام على حقيقةٍ واجبٌ مهما أمكنَ، لا سيما في كلام النبي ?.
والحاصل: أنّ كلامه نصٌّ لا يقبل التّأويل. والكلام في الواقعة ظاهرٌ يقبل، فوجب تأويلها دونه من غايةٍ لقانون الشرع والأدب وترجيحًا لكلامه على كلام غيره، واكتفاء بتأويل كلام غيره عن تأويل كلامه، إذ لا ضرورة إليه. والحالة كذا. والله أعلم بالصّواب. كتبه محمد بن سليمان الكافيَجي الحنفي - عفى الله عنهما -.
قلت: قد دخل على الذي أخذ منه ابن فرشته حديث في حديث.
وذلك: أن الذي في كتب السنة وهو المحفوظ عند أهلها من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، هو ما قدمته في الاستدلال للشافعي من عند
= التوحيد الذي هو أشرف العلوم والأخبار، والتيسير في قواعد علم التفسير. معجم المؤلفين (10/ 51).
639)
الترمذي بدون قصة.
والقصّة إنّما تروى من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي (1) ثعلبة الخُشَنِيّ.
كما أخرج الدارقطني (2)، عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ? سئلَ عن رجلٍ قال: يوم أتزوّجُ فلانةً فهيَ طَالِقٌ ثلاثًا؟ قال النَّبِيُّ ?: "طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ".
وأخرج (3)، عن أبي ثعلبة الخشنيّ قالَ: قَالَ عَمٌّ لِي: اعْمَلْ عَمَلًا حَتَّى أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي. فَقُلْتُ: إِنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ (4)، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأتيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فسألته، فقال لي: "تَزَوَّجْهَا، فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ إِلَاّ بَعْدَ النكِّاحِ (5) ". قَالَ: فتزوّجها (6)، فَوَلَدَت لي سعدًا وسعيدًا. انتهى.
إذا عرف هذا: فالحديث أشكل. هو الذي فيه القصّة، ولم يقل عاقل: إنّه مؤوّلٌ بما ذكر. فقوله: إنّه محمولٌ على نفي التنجيز باطلٌ.
وكذا قوله: نصب الدليل في غير محلّ النّزاع.
والحاصل: أنه أخذ كلام المشايخ في الحديث الذي لم يذكر فيه قصّة.
(1) في المخطوط: (ابن) خطأ.
(2) رواه الدارقطني في سننه (3937) والعقيلي في الضعفاء الكبير (2/ 347). وانظر فتح الباري لابن حجر (9/ 383).
(3) رواه الدارقطني في سننه (3987).
(4) في سنن الدارقطني: (تزوّجنيها فهي طالقٌ ثلاثًا).
(5) في سنن الدراقطني: "نكاح".
(6) في سنن الدراقطني: (فتزوجتها).
640)
وأوردوه فيما ذكر بالقصّة الصّريحة في نفي التّأويل. يختار بيان عدم صحّته المذكور. والله أعلم.
وإذا عُلم بطلان هذا الجواب، فنقول قوله، فلا بد أن يبين نسخه أو عدم صحّته.
ففي إسناد حديث ابن عمر: ابن خالد الواسطي.
عمرو بن خالد. قال فيه أحمد بن حنبل (1) ويحيى بن معين (2) وغيره (3): كذّاب.
والدّارقطني (4): إِنّه كذاب.
(1) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه [العلل ومعرفة الرجال (1/ 56)]: متروك الحديث، ليس بشيء. وقال عبد الله عن أبيه [الضعفاء الكبير للعقيلي]: عمرو بن خالد ليس يسوي حديثه شيءٍ ليس بشيء. وقال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل [الضعفاء الكبير للعقيلي]: كذاب، يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب.
(2) قال عباس الدوري عن يحيى بن معين [تاريخه (2/ 442)]: كذّاب غير ثقة، ولا مأمون. وقال عباس عن ابن معين: ليس بثقة. وقال هاشم بن مرثد الطبراني عن ابن معين [تهذيب الكمال (21/ 605)]: كذاب، ليس بشيء.
(3) قال ابن حبان في المجروحين (2/ 76): كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها من غير أن يدلس. وقال ابن عدي في الكامل (2/ الورقة 234): عامة ما يرويه موضوعات. وقال ابن حجر في التقريب: متروك. وانظر تهذيب الكمال للمزي (21/ 603 - 607).
(4) الضعفاء والمتروكين له (الترجمة 403). وقال في سؤالات البرقاني (الترجمة 373): متروك. وقال في السنن (1/ 227 و 2/ 121): متروك. وقال في السنن أيضًا (1/ 156): متروك الحديث كذاب.
641)
وقال وكيع (1): كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِنَ به تحوّل إلى واسط.
وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة الرازي (2): كان يضع الحديث.
وفي الثاني:
علي بن قَرِين:
قال يحيى بن معين وغيره: كذاب.
وضعّفه أحمد.
وقال ابن عديّ: يسرق الحديث.
وقال أبو بكر ابن العربي: ليس لهذه الأحاديث أصل في الصّحة.
وقال ابن عبد الهادي (3): الحديثان باطلان. انتهى.
وقال بعض من يزعم أنه يعلم من أهل الشّام: قد نقل الإمام حافظ الدين البرازي في مناقب أبي حنيفة في الفصل العاشر: أنّ رجلًا وامرأةً كانا يقعان في أبي حنيفة فوقع بينهما مشاجرة ذات ليلةٍ. فقال الزوج: إن سألتيني الليلة الطّلاق ولم أطلّقك فأنت ثلاثًا. وقالت المرأة: إن لم أسألكَ الليلة الطلاق
(1) حكاه عن وكيع: الحسن بن علي الواسطي. الكامل لابن عدي (2/ الورقة 234). وقال أيو عبيد الآجري في سؤالات أبي داود (5/ الورقة 41): سألت أبا داود عن عمرو بن خالد؟ فقال: ليس بشيء. قال وكيع: كان جارنا فظهرنا منه على كذب، فانتقل. قلت: كان واسطيًا؟ قال: نعم.
(2) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/ الترجمة 1277)، وبقية كلام أبي زرعة: ولم يقرأ علينا حديثه، وقال: اضربوا عليه.
(3) قال الزيلعي في نصب الراية (3/ 231): قال صاحب التنقيح: حديث باطل.
642)
فمالي صدقة. فلما سكت عنهما الغضب ذهبا إلى سفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن أبي شبرمة، فلم يجدوا عندهم مخرجًا، فرجعا إلى أبي حنيفة مرعوبين فسألاه. فقال للمرأة. اسأليه الطلاق، فسألته، فقال للزوج: قل: أنت طالقٌ إن شئتِ. فقال لها: أنت طالق إن شئتِ. فقال للمرأة: قولي: لا أشاء. فقالت: لا أشاءُ. قال أبو حنيفة: اذهبا فقد بررتما.
واتفقت كلمة أصحابنا في أصولهم: أنّ المعلّق بالشّرط لا ينعقد سببًا قبل وجود الشرط، فإن كان الزوج قد بَرّ في يمينه، فكيف ولم ينعقد المعلّق سببًا.
وإن كان المعلّق لا ينعقد سببًا، فكيف بر.
قلت: الجوابُ: إنّ قوله: أنت طالقٌ إن شئتِ تمليكٌ لا تعليقٌ.
قال في الذخيرة: تعليق الزوج طلاقَ المرأة بصفة من صفات قلب غيره، تفويض تمليك معنى، فيقتصر على المجلس، وعلى هذا اتفق كلام الأصحاب. والله أعلمُ.
ولما شاع هذا الجواب استبعد البِرّ بعض إخواني لخفاء وجهه عليه. فقلت: الوجه للبر أنّ الحالفَ إنما انعقد يمينه على الإيقاع لا الوقوع، وقد أوقع وإن أوصل به شيئًا آخرَ.
ألا ترى إلى ما قال أبو يوسف، عن أبي حنيفة قال: قلت: أرأيتَ أنّ رجلًا طلّقَ امرأته ثلاثًا أو واحدة يقول لها: أنتِ طالقٌ. هل في ذلك حيلةٌ حتى لا يقع عليها الطّلاق، وترجع إليه. فتكون على حالها؟ قال: نعم. قلت: فما الحيلة في ذلك؟. قال: إذا قال أنت طالقٌ ثلاثًا أو واحدةً فقال: إن شاء الله تعالى. فوصل يمينه بالاستثناء. برّ.
643)
قلت: وكذلك إن قال لعبده: أنتَ حرٌّ إن شاء الله. قال: نعم. قلت: ويقول هذا غيركم؟ قال: نعم. قد جاءت به الأحاديث عن رسول الله ?.
قال أبو يوسف: حدثنا أبو حنيفة، عن الحكم بن عتيبة (1)، عن عبد الله، وعن علي بن أبي طالبٍ: أنهّما قالا: من حلف بطلاقٍ أو عِتَاقٍ فاسْتَثْنَى، فلهُ اسْتِثْنَاؤُهُ (2).
وقال أبو يوسف: حدثنا محمد بن عبيد الله العَرْزَمِيّ (3)، عن عطاء بن أبي رياح، عن عبد الله بن عبّاس أَنا قال: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَلَا عِتَاقٌ.
وقال أبو يوسف: وحدثنا الحسن بن عُمارة (4)، عن الحكم (5)،
(1) تحرف في المخطوط إلى: (عينية). انظر ترجمته في تهذيب الكمال (7/ 114 -. . .).
(2) روى الدارقطني (4/ 35) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ?: "يا معاذ، ما خلق الله شيئًا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئًا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، ولا استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاق عليه".
(3) تحرف في المخطوط إلى: (القزويني). انظر ترجمته في تهذيب الكمال (26/ 41 -. . .).
(4) الحسن بن عُمارة البَجَليّ، مولاهم، أبو محمد الكوفي الفقيه، كان على قضاء بغداد في خلافة أبي جعفر المنصور، مات سنة 153 هـ. تهذيب الكمال (6/ 265 -. . .).
(5) هو ابن عُتَيْبة الكندي الكوفي. قال عنه أحمد بن حنبل: أثبت الناس في إبراهيم. =
644)
عن إبراهيم (1) مثله.
وحدثنا أبو حنيفة، عن حمّاد (2)، عن إبراهيم أنّهُ قال: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَمْ يَقَع طَلَاقٌ وَلَا عِتَاقٌ، فَمَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَيْمَانِ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فَقَدْ بَرَّ وَخَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ.
حدثنا عبد الله بن عمر الحملي، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس قال رسول الله ?: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ" (3). قال ليث: فقلت لطاوس: وفي الطّلاق والعتاق؟ قال: نعم. وفي الطّلاق والعتق إِلَاّ مَا يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ? فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ.
قال: حدثنا الحسن بن عُمارة، عن الحكم، عن (4) عبد الله بن عباس أنّه قَالَ: مَنْ حَلَفَ (5) عَلَى يَمِيْنٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
قال: وحدثنا أبو يحيى، عن أبيه البراء بن عازب، عن علي بن أبي طالبٍ قَالَ:. . . . .
= تهذيب الكمال (7/ 114 -. . .).
(1) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ أبو عمران الكوفي، مات سنة 96 هـ.
(2) هو حمّاد بن أبي سليمان.
(3) روى الإمام أحمد (4510) وغيره بإسناد صحيح عن ابن عمر، عن النبي ? قال: "من حلف فاستثنى، فهو بالخيار، إن شاء أن يمضي على يمينه، وإن شاء أن يرجع غير حنث" أو قال: "غير حرج".
(4) تحرف في المخطوط إلى: (بن). والحكم هو ابن عتيبة الكندي الكوفي، ولد سنة 50 هـ ومات سنة 115 هـ. وابن عباس في مات سنة 68 هـ وقيل: 70 هـ.
(5) تحرف في المخطوط إلى: (أنه من قال حلف).
645)
مَنِ اسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ (1).
قال: عن أبي حنيفة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ (2).
قَالَ: وعن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم أنّه قال في ذلك: خَرَجَ عن يمينه.
ولمّا انتهى الكلام إلى المخارجِ فقبل في قول الرّجل كلّما تزوّجت امرأةً فهيَ طالقٌ. أو قال لامرأةٍ: كلّما تزوّجتك فأنتِ طالقٌ، فقد جعل المشايخ المخرجَ من ذلك طريقين: نكاح الفضول أو المرافعة إلى من يعتقد يمين بطلان اليمين فيفسخها.
أمّا الأوّل: فقال في الينابيع: وإن لم تكن المرأة في نكاحه وقال لها: كلما تزوّجتك فأنت طالقٌ، فإنّها تطلق في كلّ مرةٍ يتزوجها أبدًا. فإن يتزوجها ولا يقع عليه الطلاق، فالحيلة في ذلك: أن يقول لمن يثق به من أحبابه وأصدقائه: إنِّي قد حلفت، أني كلّما تزوّجت امرأة أو كلّما تزوجت فلانةً فهي طالقٌ. فالآن إن يتزوجها طلقت وإن وكلّت رجلًا بأن يزوّجها مني طلّقت أيضًا. فإذا عرف المخاطب بأنّ له رغبة في تزوجها، فإنه يزوّجها منه، وهو فضولي في ذلك. فإذا علم الخلف ذلك نجيزه بالفعل، وذلك مثل أن يبعث إليها مهرها أو يظفر بها ويجامعها. ولو أجازه بالقول طلقت.
وقال بعضهم: لا تطلق. والأوّل أصحّ. انتهى.
(1) رواه عبد الرزاق (16116) عن ابن عباس ?.
(2) رواه عبد الرزاق (16115).
646)
وقال الإمام أبو الليث في حيل العيون عند ذكر هذه المسألة: وجعل الإجازة بالفعل أن يبعث إليها شيئًا من المهر أو النفقة أو يطأها أو يمسّها.
وقال في الهادي: كان القاضي الإمام الزّاهد أبو المعالي صاحب المناقب (1) لا يجوّز نكاح الفضولي.
كان القاضي الإمام مجد الدين لا يرى مخالفة أستاذه.
وقال الإمام علي السُّغْدي (2): إنّي لا أجوّز نِكَاحَ الْفُضُوليِّ، ولا أفتي بالإجازة بالفعل والقول في نكاح الفضولي، وأجعل الإجازة بالفعل والقول سو اء. انتهى.
قلت: وهذا غير معتمد لمخالفة الرواية والدراية.
قال في شرح الزيادات: ولو حلف لا يتزوج، أو حلفت امرأة أن لا تتزوج، وقد كان زوّج أحدهما فضولي وأجاز بعد اليمين لا يحنث؛ لأن الشّرط التزوج والإجازة ليست بتزوج حتّى لا يراعي لها شرائط العقد من الشهود والولي وغير
(1) في المخطوط: (المناقبي).
(2) السّغدي - بالضم وغين معجمة -: نسبة إلى سغد سمرقند، وهو مشتملٌ على عدة بلاد وقرى كثيرة، وهو مما يلي بخارى. توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (5/ 99 -. . .). وقال المصنف في تاج التراجم (ص 14): علي بن حسين بن محمد السّغدي [تحرف في المطبوع (ص 14 و 31) إلى: السعدي]، شيخ الإسلام، أبو الحسن، قال السمعاني [الأنساب (7/ 86)]: سكن ببخارى، وكان إمامًا فاضلاً، وفقيهًا مناظرًا، وسمع الحديث، وروى عنه شمس الأئمة السرخسي السير الكبير، ومات ببخارى سنة إحدى وستين وأربع مئة، ومن تصانيفه: النتف، وشرح السير الكبير. قلت [ابن قطلوبغا]: وبأيدينا كتاب النتف يعزى إلى الغزنوي. والله أعلم.
647)
ذلك. وهذه المسألة تدلّ على أنّ من حلفَ أن لا يتزوّج فأجاز نكاح الفضولي بعد اليمين لا يحنث وهو رواية عن محمد.
وبه قال: نفتي محمد بن سلمة.
قلت: إلاّ أنّ هذا خلاف الأصحّ على ما قال في الينابيع؛ لأنّ عقد الفضولي ينتقل إليه عند الإجازة.
وروى ابن سماعة، عن محمّد: أن عقد الفضولي إذا كان بعد اليمين فأجاز بالقول يحنث، وإن أجازه بالفعل لا يحنث.
وقال قاضي خان في شرح الزيادات: وعليه أكثر المشايخ: لأنّ القول من جنس العقد من حيث أن العقد قول، فأمكن إلحاقها بالعقد. أمّا الفعل: لا يجانس العقد ولا يخالفه، فلا يمكن إلحاق الفعل بالعقد.
قلت: وقد نقل في الينابيع: أنّ هذا هو الأصحّ. ومثله عن شمس الأئمة.
قال: الأصحّ عندي لا يحنث؛ لأنّ عقد النّكاح يختص بالقول، فلا يمكن جعل المجيز بالفعل عاقدًا له.
وقال في الهادي: والفتوى على أنّ نكاح الفضولي جائزٌ، فإن أجاز بالفعل لا يحنث لأنه حنث نفسه بالعقد وهو غير عاقدٍ. انتهى.
وقال في الفصول: ذكرَ نجم الدين النسفي في الفتاوى: المختار في نكاح الفضولي في الطلاق المضاف إذا أجاز الحالف بالفعل لا يحنث. وبالقول: يحنث.
قال بعض الإخوان: الإجازة بالفعل سوق المهر.
قلت: قدّمت عن أبي الليث: أن يبعث شيئًا من المهر أو النفقة أو
648)
يطأها أو يمسّها.
وعن الينابيع: أن يبعث إليها مهرها أو يظفر بها ويجامعها.
قال: قد قاله البزازي.
قلت: لفظ البزازي: والإجازة بالفعل سَوْقُ المهرِ إليها لا الوطء والقبلة؛ لأنّه حرامٌ قبل نفوذ العقد.
قلت: وهذا الإيجاز مخلٌّ؛ لأنّه مأخوذٌ من شرح الزيادات. ولفظه: لكن ذلك الفعل ينبغي أن يكون بسوق الصّداق إليها ونحو ذلك دون الوطء والتقبيل، فإنّ ذلك حرامٌ قبل نفوذ العقد، فحذف لفظة ينبغي.
وكذلك قال الصّدر الشهيد حسام الدين في شرح الجامع الكبير: إنّ من احترز عن الطّلاق بأن علّق الطّلاقَ بالنّكاح. ينبغي أن يجيزه بتسليم المهر، أمّا بالموافقة، فلا. فهذا النفي للكراهة.
قال في الفصول: ولو قبلها أو لمسها بشهوةٍ يكون إجازة بالفعل. ولكن يكرهُ كالرّجعة بالفعل. انتهى.
قلت: وهذا نصّ ما أجبت به بلفظه. ولله الحمد.
قلت: والكراهة لقرب نفوذ العقد من المحرم كما في دفع النّصاب إلى الفقير.
قال قاضي خان: وإذا أراد الحالف أن يجيز عقد الفضولي بالفعل يجيزه سوق المهر ولا يقئبّل ولا يمس كيلَا يكون ابتداء الفعل قبل نفاذ النّكاح.
وفي الظهيرية: الإجازة بالفعل أن يبعث إليها شيئًا من المهر، فإن دفع المأمور إليها لا شك أنه أجاز، وإن لم يدفع إليها، هل تكون الإجازة رواية
649)
لهذا في الكتاب؟!.
وفي الفوائد: قال ظهير الدين: المراد بسوق المهر، الوصول لا عين السوق.
وقال فخر الدين: لا يشترط؛ لأنّا نحتاج إلى الإجازة بالفعل.
وقوله: ادفع الدّراهم إليها إجازة منه بالفعل وقد حصلت. ولو دفع إليها. وقال: هذا مهرك.
قال ظهير الدين: يكون إجازةً بالقول، ولو كانت صغيرةً يبعث إلى وليّها، وإن بعث إليها بعطيّة أو هدية لم يكن ذلك إجازةً؛ لأنّ بعث الهدية والعطية ليست من خصائص النّكاح وأحكامه، فلم يكن إجازة بخلاف سوق المهر.
وفي شرح الطحاوي: فيجيز بالفعل. وهو بعث الهدية وما أشبهه.
قلت: القائل بالأوّل أكثر. والله أعلم.
و هل تكون الخلوة إجازةً؟
قال في الفصول: ذكر شمس الأئمة السرخسي: إنه يكون إجازةً. لذا ذكره في فتاوى ظهير الدين إسحاق (1).
وقال بعضهم: نفس الخلوة لا يكون إجازةً. وفيه: ولو أجاز في نكاح الفضولي بالكتابة يكون إجازةً بالقول أو بالفعل.
ذكر في باب الكفّارات من أيمان الجامع في الفتاوى: إذا حلفَ
(1) فتاوى الولوالجي، لظهير الدين، أبي المكارم، إسحاق بن أبي بكر الحنفي، المتوفى سنة 710 هـ.
انظر البحر الرائق شرح كنز الدقائق (10/ 42 و 12/ 495).
650)
لا يكلم فلانًا أو قال: والله لا أقول لفلانٍ شيئًا، فكتب إليه كتابًا لا يحنث.
وذكر ابن سماعة في نوادره: عن محمّدٍ: أنه يحنث.
و هل للفضولي فسخ العقد قبل الإجازة؟
نقل عن الفضولي من شرح الطحاوي وغيره: أنه لا يملك الفسخ بالقول اتفاقًا.
وفي الإجازة بالفعل بأن يزوّجه أختها خلافٌ.
قال فخر الدين: يتوقف الثاني ولا يكون فسخًا.
وقيل: يكون فسخًا. والله أعلم.
وأمّا الثاني: فقال الإمام فخر الدين: أمّا طريق فسخ اليمين، لو أنّ حنفي المذهب قال: إن تزوّجت امرأة فهيَ طالقٌ ثلاثًا، ثم جاء إلى القاضي، وطلب منه فسخ اليمين، فإن كان القاضي حنفيًا لا ينبغي له أن يفسخ يمينه بخلاف رأيه.
قلت: حتى لو قضى لا يصحّ.
قال في الهادي: ولو ترافعا إلى قاضٍ حنفي فحكم بصحة هذا النّكاح، لا يصح إلا إذا اعتقد في هذه المسألة قول الشافعي وأدّى اجتهاده إلى ذلك.
قال فخر الدين: لكن ينبغي للقاضي إن كان مأذونًا في الاستخلاف: أن يبعث الحالف إلى شافعي المذهب، ولا يأمر المبعوث إليه بفسخ اليمين؛ لأنّه كما يجوز للقاضي أن يحكم بخلاف رأيه، لا ينبغي له أن يأمر غيره بذلك، لكن يأمر المبعوث إليه أن يسمع خصومتهما ويقضي بينهما.
قلت: قال في الهادي: فلو نصب القاضي الحنفي فقيهًا شفعويًّا للحكم،
651)
وصحّة هذا النّكاح لا يصحّ؛ إلاّ أن ينصبه للحكم بما هو المذهب عنده. فحينئذٍ يجوز. قاله جلال.
وقال غيرهُ: لو نصبه لهذه الحادثة خاصّة لا يجوز، ولو نصّبه قاضياً في محلّةٍ أو بلدةٍ جازَ.
قلت: وهذا إذا كان الإمام أُذن له في الاستخلاف في كل المذاهب لما ذكرناه في غير هذا الكتاب بما يقع به الاختصاص في التقليد.
قلت: وصورة الكتاب أطالَ اللهُ بقاء القاضي الإمام أُتيَ آخر ألقاهُ، رفعت إليَّ المسماة فلانة بنتَ فلانٍ بن فلانٍ. إنّ فلاناً تزوّجها وقد كان حلف قبل نكاحها بطلاق كلّ امرأةٍ يتزوّجها، ثم زوجني بعد هذا اليمين، ووقع الطلاق، فصرت محرّمة عليه بهذا السبب، وأنّها يمسكها حراماً ولا يقصر يده عنها، والتمست مني مكاتبةً في ذلك فأجبتها إلى ذلك، وكتبت هذا الكتاب إليه، فليتفضل بالإصغاء إلى هذه الخصومة الواقعة بينهما على ما يؤدِّي إليه اجتهاده، ويقع عليه رأيهُ وهو موفقٌ عن الله تعالى.
قال الإمام فخر الدين: فعند ذلك إن كان القاضي الأوّل أو الثاني أخذ لذلك مالاً لا يصح فسخه عند الكلّ، ولا ينفّذ قضاؤه. وإن كان أخذ زيادة على أجر المثل فكذلك.
قلت: وكذلك إن كان القضاء بالرشوة. قاله الإمام حافظ الدين النسفي. والله أعلم.
قال فخر الدين: عقداً وأجّر المثل، فذلك لا يمنع صحة الفسخ. والأولى أن لا يأخذ. وإذا جاء الحالف إلى القاضي الثاني بكتاب القاضي الأول لا يسمع
652)
الثاني كلامه ولا يفسخ إلاّ بمحضر من الخصم فيحضر مع نفسه المرأة التي تزوجها، فتدعي المرأة على الحالف أنّها امرأته وأنَّه تزوجها بمئة دينارٍ. وعليه أداء مهرها. والقيام بموجب النكاح من الثاني والنفقة وغير ذلك. فيقول: بلى تزوجتها بمئة دينارٍ إلا أنني حلفت قبل نكاحها إن تزوجت امرأةً فهي طالقٌ فتزوجتها ووقع عليها الطلاق قبل الدخول باليمين السابقة. فإذا سمع كلامهما وطلبت المرأة من القاضي الحكم ببقاء النكاح تقول: حكمت ببطلان اليمين الذي ذكرتها وبقاء النكاح بينكما، فينفذ قضاؤه، وتحل المرأة للحالف ولا يحتاج فسخه إلى إمضاء القاضي، وإن أمضى كان أحوط.
قلت: وقد قال في الهادي: وكيفية قضاء القاضي: أن يتزوج الحالف امرأةً بنفسه، ثم يترافعا إلى قاضٍ يعتقد بطلان اليمين، وادّعت امرأةٌ أنه حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، فأنكر الزوج الوقوع، وأقامت المرأة شاهدين على أنه حالفٌ فيحكم القاضي بصحة هذا النكاح وإلغاء اليمين السابق على قول عبد الله بن عباس وابن مسعودٍ.
ولو حكم الحاكم بإلغاء اليمين السابق قبل أن يتزوج الحالف امرأة، وأطلق للحالف أن يتزوج من شاء، فإنه لا يصح؛ لأنّ حكم الحاكم إنما يجوز بعد حكم النكاح، ودعوى المرأة بإيقاع الطّلاق.
قلت: وقال ظهير الدين: رجلٌ حلفَ بطلاق كل امرأةٍ يتزوجها واحتاجَ الرّجل إلى فسخ هذا اليمين.
ينبغي له: أن يتزوج امرأة بتزويج وليّها إياها، إن كان لها وليٌّ أو بتزوبج القاضي إيَّاها إن لم يكن لها وليٌّ حتى يصحّ النكاح بالإجماع، ثم ترفع المرأةُ الأمرَ إلى القاضي إلخ، وقال بعد كتاب القاضي في ذلك، ثم إذا وصل الكتاب
653)
إلى المكتوب إليه، تُدعى هذه الامرأة قبل المكتوب إليه، تدعى هذه الامرأة قبل المكتوب إليه على زوجها على نحو ما ذكرت للقاضي الكاتب - يعني: ما قدّمناه في صورة الكتاب - فيقر الزوج بهذه اليمين، وبهذا النكاح، إلاّ أنه يقول: إنها حلالٌ لي ولم يقع عليها الطلاق معللًا بعدم انعقاد اليمين، فيقضي المكتوب إليه ببطلان هذه اليمين، وبقيام النكاح بينهما أخذاً بقول من يقول ببطلان هذه اليمين من علماء السلف.
و صورة السجل:
يقول القاضي: فلان بن فلان. ورد في كتابٍ من القاضي فلانٍ المتولي لعمل القضاء والحكام بكور كذا ونواحيها من قبل السلطان فلانٍ مشتملًا على ما رفع إليه من الخصومة الواقعة بين فلانٍ بنت فلانٍ وبين فلانٍ بن فلانٍ في وقوع الطلاق بسبب اليمين المضافة إلى النكاح. وقد أمرني بالإصغاء إلى هذه الخصومة وفصلها واستماع البيّنة فيها والقضاء بما وقع في رأي واجتهادي فامتثلت أمرهُ وعقدت مجلسًا لذلك، فحضرت في مجلسي ذلك فلانة بنت فلان وأحضرت مع نفسها زوجها فلان بن فلان، فادّعت هذه التي حضرت على الذي أحضرته معها: أنّ هذا يطالبني بالطّاعةِ في أحكام النكاح زاعماً أني زوجته، وقد كان حلف قبل أن يتزوجني بطلاقِ كل امرأة يتزوجها، ثم تزوجني وقد وقع على الطّلاق، وحرمت عليه بهذا السبب والزَّوج أقر باليمين وبالنِّكاح وأنكر وقوع الطلاق بهذا السبب، ثم إنّ الزوج سألني الحكم بما يقع عليه رأي واجتهادي، فاجتهدت في ذلك وتأملت وتأنَّيت، ووقع رأيي على بطلان اليمين المضافة إلى النّكاح عملاً مني بقول من لا يرى صحّة اليمين المضافة إلى النكاح، فحكمت ببطلان هذه اليمين، ويحلّ هذه المرأة على هذا الزوج بهذا النّكاح،
654)
وأمرتها بطاعة هذا الزّوج في أحكام النّكاح بحضرة هذين المخاصمين في وجهها حكماً أبرمته وقضاء أنفذته في مجلسِ حكمي هذا بين الناس على سبيل الشهرة والإعلان دون الخفية والكتمان. وكان ذلك بعد ما أطلق القاضي فلان ابن فلان الحكم في هذه الخصومة بما يقع عليه رأي واجتهادي وذلك في يوم كذا في شهر كذا من سنة كذا.
قلت: بهذا تبيّن: أن طريق مشايخنا التصريح دون الإجمال، ولو فعل القوم إلى أن مثل هذا التبيين الحق من الباطل. والله أعلم.
قال القاضي فخر الدين: فإن كان هذا الحالف عقد على هذه المرأة أيماناً بأن قال لها مراراً: إذا تزوجتك فأنت طالقٌ أو كُلّما تزوّجتك فأنت طالقٌ. أو قال: إذا تزوجت امرأةً فهي طالقٌ. قال ذلك مراراً، فإذا حكم بقيام نكاح هذه يفسخ الأيمان كلّها في قولهم. ولو كان قال لامرأةٍ: إذا تزؤجتك فأنت طالقٌ. ثم قال لامرأةٍ أخرى: إذا تزوجتك فأنت طالقٌ. فتزوج واحدةً منهما ففسخ في غير حقّها حتى لو تزوج أخرى يطلق في قولهم وكذا لو كان ذلك في نسوة، وإن عقد يميناً واحدةً على كل النّساء بأن قال: كل امرأةٍ تزوّجتها فهي طالقٌ ففسخ اليمين في امرأةٍ واحدةٍ جعلوا المسألة على الاختلاف قياساً على مسألة ذكرها في المنتقى: رجلٌ قال: كل عبدٍ أملكه فهو حرٌّ، فملك عبداً فأقام العبد بيّنةً على يمينه وحكم القاضي بيمينه وبعتق العبد، ثم ملك عبداً آخر هل يحتاج العبد الثاني إلى إقامة البيّنة على اليمين.
قال: على قول محمّدٍ: لا يحتاجُ.
وعلى قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة: يحتاج.
655)
وأكثر المشايخ في مسألة الطلاق: على قول محمّد. هذا كما لو ادّعى رجل على رجلٍ أنّه وكيلُ فلانٍ الغائب في جميع حقوقه وخصوماته مع الناس. وللغائب على المدّعى عليه كذا. وأقام البينة على ذلك، وقضى القاضي بالوكالة العامة؛ فإنه لا يحتاج إلى إثبات الوكالة على غريمٍ آخرَ.
رجلٌ قال لامرأةٍ: إذا تزوّجتك فأنت طالق فتزوّجها وطلّقها ثلاثاً، ثم أنّها رفعت الأمر إلى القاضي ليفسخ اليمين، فإنّ القاضي لا يفسخ؛ لأنّه لو فسخ تطلقُ ثلاثاً بالتنجيز بعد النكاح فلا يفيد.
فلو أنّ أجنبيًّا علق الطلاق بالتزويج فتزوّج امرأةً فلم يرفع الأمر إلى القاضي، لكن سأل شفعويًّا فأفتاهُ بعدم الوقوع. لا ينبغي للحالف أن يأخذ بفتواه، ويترك مذهبه؛ لأنّ عليه الأخذ بقول علمائه لا بقول أصحاب الشّافعي وفتواهم لا يكون حجّة في حقّه.
ولو أنّ المرأة مع الرّجل حكّما رجلاً ليحكم بينهما في هذه الحادثة إن كان المحكم حنفيًّا لا ينفذ حكمه.
وإن كان شافعيًّا: اختلفوا فيه.
قال بعضهم: لا ينفذ حكمه؛ لأنّ حكمه بمنزلة الفتوى. والصّحيح: أن ينفذ حكمه عليهما. هكذا ذكره شمس الأئمة الحلواني.
إن حكم المحكّم في المجتهدات نحو الكنايات والطلاق المضاف، وغير ذلك نافذ ليس لأحدهما أن يرجع عن حكمه بعد ذلك.
قال ?: وهذا مما يعرف ولا يفتى به كيلا يتجاسر إليه العامّة؛ ولأجل ذلك امتنع المشايخ عن الفتوى في جواز حكم المحكم.
656)
وإنّ حكّما رجلاً ولم يعلماه أنهما حكّماه في هذه الحادثة؛ إلاّ أنهّما اختصما إليه، فحكم المحكم بينهما فعلى قول مَنْ يُجَوِّز حكم المحكم يجوز؛ لأن التحكيم يثبت بدون العلم. وإن كان الحالف تزوّج امرأةً ولم يرفعا الأمر إلى القاضي حتى تزوّجت المرأة بزوجٍ آخرَ من غير علمِ الزّوج، ثم رفع الأمرَ إلى القاضي واختصما إليه، فقضى القاضي ببطلان اليمين وعدم وقوع الطلاق لا ينفذ حكمه؛ لأنّ نكاح الزوج الثاني يمنعه من القضاء للأوّل. وليس فسخ يمين الحالف أولى من إبطال نكاح الثاني. انتهى.
وقال في الفصول: ثم نفاذ هذا القضاء في حكم المحكوم عليه. متفقٌ عليه.
وفي حق المقضي له: إن كان عالمًا، فكذلك عندهما.
وعند أبي يوسف: إذا كان المحكوم له يعتقد الحرمة. وقضى القاضي بالحلّ لا يترك رأي نفسه بإباحة القاضي.
قلت: قال الإمام حسام الدين في الفتاوى الصغرى بعد ذكر الخلاف: وهذا الخلاف في غير رواية الأصول.
أمّا جواب ظاهر الرواية: أنّه ينفذ ذكره في آخر كتابه الاستحسان. انتهى.
قلت: ذكر الخلاف في النوادر. والمراد بكتاب الاستحسان: الاستحسان من الأصل. ولفظه فيه، وفي السير الكبير: إذا طلّقها بلفظ الكناية، فرفع إلى قاضٍ وهو يرى أن الكناية رواجع. وقضى له بالرّجعة. هل له أن يراجعها وإن كان رأيه خلاف ذلك. انتهى. ولم يذكر خلافاً.
قال في المحيط: وظاهر المذهب ينفذ من غير خلافٍ.
657)
ولأبي يوسف في الخلافية: أنّ القضاء في حق المقضي له فتوى؛ لأنّه لا إلزام عليه؛ لأنه مخبر فيه إن شاء راجعَ وإن شاء لم يراجع. وبالفتوى: لا يصير الحرام حلالاً. والبائن رجعيًّا كما لو شهد شاهدان على رجلٍ أنه قتل ولي هذا عمد وقضى القاضي له عليه بالقَوَد. والولي يعرف أن الشّهود شهود زورٍ لا يحلّ له أن يقتله. فكذا هذا.
ولهما: أنّ القضاء إلزامٌ في حقّ المقضي له من حيث الاعتقاد؛ لأنَّه التزم اعتقاد ثبوت الحلّ والرّجعة فيصير مقضيًّا عليه في حق الاعتقاد إن لم يكن مقضيًّا عليه في حق الاستيفاء.
ولهذا: لو كان جاهلاً ينفذ. فكذا إذا كان عالماً؛ لأن القضاء يلزم في حقّ النّاس كافّةً بخلاف الفتوى؛ لأنّه ليس بملزمٍ لا من حيث الاعتقاد ولا من حيث الاستيفاء. انتهى.
قال في الهادي: أمّا قضاء القاضي فقد اتفقوا على جوازه، ولم يقل أحدٌ أنه لا يجوز إلاّ في روايةٍ عن أبي يوسف أنّه قال: إذا كان الحالف فقيهاً حنفيأً يعتقد وقوع الطلاق، لا يجوز له أن يدعي رأي نفسه برأي القاضي فيما اعتقد حراماً، لكن حاصل المذهب عن أبي حنيفة ومحمّد: يجوز له أن يدّعي رأي نفسه برأي القاضي؛ لأن القاضي إنما يكون نائباً عن الحق أو الخلق. فإن كان نائبًا عن الحق، صار حكمه كالنَّص. وإن كان نائباً عن الخلق صار كأن الخلق كلهم أجمعوا على هذا، فيدّعي رأي نفسه لهذا. انتهى.
* تتميم:
إذا قال: كل امرأةٍ تدخل في نكاحي. أو قال: تصير حلالاً لي.
658)
فهي طالقٌ ثلاثاً.
اختلف المشايخ:
فقال شمس الأئمة السرخسي، والإمام البزدوي (1) والسيد أبو قاسم: يحنثُ إذا عقد له الفضولي سواء أجاز بالقول أو بالفعل.
وذكر الفقيه أبو جعفر ونجم الدين النسفي: أنّ هذا وكل امرأةٍ أتزوّجها سواء؛ لأنّ دخولها في نكاحه لا يكون إلاّ بالتزويج، فيكون ذكر الحكم ذكر سببه المختصّ به، فيصير في التقدير، كأنه قال: إن تزوّجتها. ويتزويج الفضولي لا يصير متزوّجًا بخلاف ما لو قال: كل عبدٍ دخل في ملكي، فإنَّه يحنث بعقد الفضولي هنا. فإنّ ملك اليمين لا يختص بالشراء. بل له أسبابٌ سواهُ.
ولو قال: كل امرأةٍ أتزوّجها أو يزوّجها غيري لأجلي فهيَ طالقٌ ثلاثاً. فالوجه فيها: أن يزوّج الفضولي لأجله فيقع الطلاق الثلاث؛ لأنّ الشرط تزويج الغير له مطلقاً، ولكن لا يحرم عليها؛ لأنّها تطلق قبل دخولها في ملك الروج، فلا تحرم عليه. ألا ترى أنّ بعد عقد الفضولي لو طلّقها الزّوج ثلاثاً لا تحرم عليه، وإنمّا لا تحرم؛ لأنّ الطلاق إنما يقع قبل دخوله في ملك الزوج. فكذا هاهنا، إلاّ أنّه لا يقبل الإجازة؛ لأنّه صار مردوداً فيعقد الفضولي ثانياً لأجله، ويجيز هو بالفعل.
قال صاحب المحيط: وعندي أنّ في الكرّة الثانية لا حاجة إلى عقد الفضولي، بل إذا تزوّج بنفسه لا تطلق؛ لأنّ اليمين انحلّت بتزوبج الفضولي
(1) مرّت ترجمته.
659)
له لا إلى جزاءٍ وليست بكلمة تقتضي التكرار.
ولو قال: كلّ امرأةٍ أتزوجها أو تزوّجها غيري لأجلي وأجيزه فهي طالقٌ ثلاثاً. أو قال لامرأة: إن صرت زوجة لي، إمّا بعقدي أو عقد الفضولي، وإجازتي. اختلفت فيه الروايات.
قيل: لا وجه لجوازه؛ لأنه شدد على نفسه.
وفعل الفضولي لا يرفع الطلاق.
وقال الفقيه أبو جعفر وصاحب الفصول: الحيلة فيه: أن يزوجه فضولي امرأة بغير أمره ويغير أمرها، ثم يجيز هو النكاح، فيقع الحنث قبل إجازة المرأة لا إلى جزاءٍ لعدم الملك، ثم تجيز المرأة النكاح فلا تعمل إجازتها، ثم يجددان النكاح بأنفسهما، ويكون هذا نكاحاً صحيحاً؛ لأن اليمين انعقدت على زوج واحد، إذ لفظه لا يقتضي التكرار. انتهى. واللهُ ? أعلم.
* * *
661)