كشف الخدر عن حال الخضر
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
كشف الخدر عن حال الخضر
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أَو جَدَنا بجُودِه، ودَعانا بلطفه إلى شُهودِه، وهدانا من فَضلِه إلى القيام بركوعه وسُجودِه، وعلمنا من عنده ما نعتَرِفُ بالقُصور عن القيام بشُكرِه، بل عن تعدادِ إنعامه وذكره، والصَّلاة والسَّلامُ على حبيبه ونبيه وخليله وصفيه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأشياعه وأحبابه، من أوَّلِ أمرِه وآخره.
أما بعد: فيقول راجي بِرَّ ربِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القارِي: إِنَّ هذه مقالة في بيانِ حالِ الخَضِرِ، من نسَبِه وحَسَبِه، وما يتعلَّق به من أمرِ ولايته ونُبُوَّته، وطُولِ حياته وبقائه ومماتِه، وغَيبته وحضوره في بعض مقاماتِه، باختِلافِ منازلاته، واتَّفاقِ خَوارقِ عاداته في بعض أوقاته.
فاعلَمْ: أَنَّ المُفسِّرِينَ أجمعوا على أنَّه المُراد من قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] وناهيك به فَضْلاً وشَرَفاً وعِلْماً.
وعامَّة أهل العلم على أنَّ مُوسَى هذا هو ابن عمران، وقال بعضهم: هو مُوسَى بن ميشا، من أولاد يوسف، والأوَّلُ هو الصَّوابُ.
وأنَّ المُرادَ بعِلمِهِ اللَّدُنّي: هو العلمُ الغَيبي.
1 - لما في صحيح البخاري وغيره عن سعيد بن جبيرٍ قالَ: قُلتُ لابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: إن نَوْفاً البِكَّالِيَّ ذكرَ: أَنَّ مُوسى صَاحِبَ الخَضِرِ ليسَ هو مُوسَى بني إسرائيل، فقالَ ابنُ عبَّاس: كذَبَ عَدُوٌّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبِيُّ بنُ كعبٍ: أَنَّه سمِعَ رسول الله الله يقولُ: «إِنَّ مُوسَى قامَ خَطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ قال: أنا، فعَتَبَ الله عليه؛ إذ لم يرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله تعالى إليه: إِنَّ لي عبداً بمَجْمَعِ البَحْرَينِ، هو أعلَمُ منكَ، قالَ مُوسَى: يا رَبِّ، فكيف لي به؟ قالَ: تَأخُذُ معَكَ حُوتاً، فتجعله في مكتل، فحيثما فقَدْتَ الحوتَ فهو ثمَّةَ. فَأَخَذَ حُوتاً، فَجَعَلَه في مكتل، ثمَّ انْطَلَقَ، وانطَلَقَ معه فتَاهُ يُوشَعُ بنُ، نون، حتَّى إذا أَتيا الصَّحْرَةَ وَضَعا رُؤوسَهُما وناما، واضطَرَبَ الحوتُ في المكتلِ، فخَرَجَ منه فسقط في البحرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف: 61]، وأمْسَكَ اللهُ عن الحوتِ جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاقِ، فلما استيقظ نسِيَ صاحبه أن يُخبره بالحُوتِ، فانطلقا بقيَّةَ يومهما وليلتهما،
حتَّى إذا كانَ من الغَدِ، قالَ مُوسَى لفتاه: عَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَا [الكهف: 62]، قال: ولم يجد مُوسَى النَّصَبَ، حتَّى جاوَزَ المكان الذي أمر الله تعالى به، فقال له فَتاهُ أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّحْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَنُ أَنْ كْرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف: 63]، قال: فكانَ للحُوتِ سَرَباً، ولمُوسَى وفتاهُ عَجَباً. فقالَ مُوسَى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]، قالَ: رَجَعا يقُصَّانِ آثَارَهما حتَّى انتهيا إلى الصَّخْرَةِ.
قال سفيان: يزعُمُ النَّاسُ أَنَّ تلكَ الصَّخرة عندها عين الحياة، لا يُصيبُ ماؤُها ميتاً إلا عاش، قال: والحوث قد أُكِلَ منه، فلما قطر عليه الماء عاشَ، قال: فرجَعا يقُصَّانِ آثارَهُما حتَّى انتهيا إلى الصَّحْرَةِ.
وفي رواية: فوَجَدَا خَضِراً على طِنْفِسَةٍ خَضراء على كبدِ البَحرِ مُسجَّى بثُوبِه، قد جَعَلَ طرفه تحتَ رِجلَيه، وطَرَفَه تحت رأسه.
وفي رواية: فإذا رَجُلٌ مُسَجِّى ثوباً، فسلَّمَ عليه مُوسى، فقالَ الخَضِرُ:
وأَني بأرضِكَ السَّلامُ.
وفي رواية: وعليك السَّلامُ، وأنَّى يكون هذا السَّلامُ بهذا الأَرضِ؟ ومَن أنتَ؟؟ فقال: أنا مُوسَى، قالَ: مُوسَى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، أتيتُكَ لتُعَلَّمَني ممَّا عُلِّمتَ رُشداً، قالَ: إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67]، يا مُوسَى! إِنِّي على عِلْمٍ من اللهِ عَلَّمَنِيهِ ممَّا لا تَعْلَمُه، وأنتَ على عِلْمٍ من عِلمِ اللهِ علَّمَكَ اللهُ لا أَعلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69].
فقال له الخَضِرُ: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْتَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا له [الكهف: 70]، فانططَلَقا يمشيان على ساحِلِ البَحْرِ، فمرَّتْ بهما سفينةٌ، فَكَلَّمُوهم أن يحمِلُوهم، فعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلوهما بغَيرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ لم يَفْجَأْ مُوسَى إلا والخَضِرُ قد فَلَعَ لَوْحاً من ألواحِ السَّفينةِ بالقَدُومِ ـ وفي رواية: ووَتَدَ فيها وَتِداه فقال موسى: لقد حَمَلونا بغيرِ نَوْلٍ، عَمَدتَ إلى سفينتهم فخَرَقْتَها لتُغرِقَ أَهْلَهَا،
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: ?? - ??].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانَتِ الأُولى من مُوسَى نِسياناً، والوُسْطَى شَرْطاً، والثَّالثةُ عَمْداً.
قالَ: وجاءَ عُصْفورٌ فوَقَعَ على حَرْفِ السَّفينة - أي: طَرَفِهَا فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةٌ، فقال له الخَضِرُ: ما عِلْمي وعِلْمُكَ في علم الله إلا مِثْلُ ما نَقَصَ هذا العُصْفُورُ من هذا البحرِ. ثمَّ خَرَجا من السَّفينَةَ، فبينما هما يمشيان على السَّاحِلِ إِذ أَبصَرَ الخَضِرُ غُلاماً يلعَبُ معَ العِلمانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ برأسه فاقتلَعَه بيده فقَتَلَه.
وفي رواية: فأخَذَه وأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَه بالسِّكِّينِ.
وفي أُخرى: فأَخَذَه بيده وأخذَ حَجَراً فَضَرَبَ به رأسَه حتَّى دَمَغَه فقَتَلَه. فقال له مُوسى أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل
{لَكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 74 - 75]، قال: وهذه أَشَدُّ من الأُولى، قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبَنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِي عُدْرًا فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارَ يُرِيدُ أَن يَنقَضَ} [الكهف: 76 - 77]، قال: مائل، فقالَ الخَضِرُ بيده فأقامه، قالَ مُوسَى: قَومٌ أتيناهم فلم يُطْعِمُونا، ولم يُضَيَّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأَنْبِتُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا
[الكهف: ??-??]
وفي رواية: فأَخَذَ مُوسَى بِطَرَفِ ثَوبِه، فقالَ: حَدَّثني؟ فقالَ: أَمَّا السَّفينةُ ... إلخ.
قال رسول الله: «وَدِدْنا أَنَّ مُوسَى كانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُص علينا من خَبَرِ هما.
قيلَ: لمَّا كانَ قولُ مُوسَى في الجدارِ لنفسه لطلب شيء من الدُّنيا، وقَولُه في السَّفينة، وقتلُ الغُلامِ الله تعالى قالَ: هَذَا فِرَاقُ بيني وبينك 2 [الكهف: ??].
فهذا مُجمَلُ الكلام على المَرامِ، وتفصيله في تفاسير العلماء الكرام. ? - ورُوِيَ عن أبي بن كعب مرفوعاً: «انجابَ الماءُ عن مَسْلَكِ الحوت - أي: انكَشَفَ - فصارَ كُوَّةً لم تلتَيَّمْ، فَدَخَلَ مُوسَى الكُوَّةَ على إِثْرِ الحوتِ فإذا هو بالخَضِرِ».
[مَنْ هو الخضر؟]
قيل: كانَ مَلَكاً من الملائكة.
والصَّحيحُ الذي جاءَ في التَّواريخ، وثبَتَ عن النَّبيِّ: أَنَّه الخَضِرُ. [نسبه]: وهو بفتح الخاء وكَسْرِ الضَّادِ، ويجوزُ إِسكانُ الضَّادِ مَعَ كَسْرِ الخاء أو فتحها.
واسمه: بَلْيا، بفتح الموحدة وسكون اللام، وياء تحتية فألف ممدودة، ابنُ مَلْكانِ، بفتح الميم وإسكان اللَّامِ، وبالكافِ، وكُنيته: أبو العباس. فقيل: كانَ من نَسْلِ بني إسرائيل كما سيأتي.
وقيلَ: إِنَّهُ ابنُ فِرْعَونَ.
وقيل: أبوه، ولا يبعد؛ فإنَّه سُبحانَه يُخرِج الحي من الميت، ويُخرِجُ الميت من الحي.
يعني: الذي ذَهَب إليه موسى.
3 - والصَّحيحُ: ما أَخرَجَه الدَّارَ قُطنِيُّ، وابن عساكر، من طريق مُقاتِلِ بنِ سُليمان، عن الضَّحَاكِ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قالَ: إِنَّ الخَضِرَ ابنُ آدمَ عليهما السّلامُ لصُلْبِه، ونُسِيَ له في أجلِه حَتَّى يُكذِّبَ الدَّجَّالَ.
4 - ويُؤَيَّده: أَنَّه أَخرَجَ ابنُ عَساكِرَ، عن ابنِ إِسحاق، قالَ: حَدَّثَنا أصحابنا أنَّ آدمَ عليه السَّلامُ لَمَّا حَضَرَه المَوتُ جَمَعَ بَنيه فقالَ: يا بَنِيَّ، إِنَّ اللَّهَ مُنزِلٌ على أَهْلِ الْأَرْضِ عذاباً فلْيَكُنْ جَسَدي مَعَكُم في المَغارَةِ حَتَّى إذا هَبَطْتُم فابعَثُوا بي2، وادفِنُوني بأَرضِ الشَّامِ، فكانَ جَسَدُه معهم، فلمَّا بَعَثَ الله تعالى نوحاً ضَمَّ ذلك الجَسَدَ، وأَرسَلَ اللهُ الطُّوفانَ على الأرض، فغَرِقَت الأرضُ زماناً، فجاءَ نوحٌ حَتَّى نَزَلَ بابِلَ، وَأَوْصَى بنيه الثلاثة، وهم سام ويافِثُ وحام، أن يذهَبُوا بجسَدِه إلى الغارِ الذي أمرَهُم أن يدفنُوه به، فقالوا: الأرضُ وحشِيَّةٌ لا أنيس بها، ولا يُهتَدَى لطريق، ولكِنْ كُفَّ حَتَّى يَأْمَنَ النَّاسُ ويكثروا، فقال لهم نوحٌ: إِنَّ آدمَ قد دَعا الله أن يُطيلَ عُمُرَ الذي يدفِنُه إلى يومِ القِيامَةِ، فلم يزلْ جَسَدُ آدمَ حَتَّى كَانَ الخَضِرُ هو الذي تولى دفنَه، فَأَنجَزَ اللَّهُ له ما دعاه، فهو يحيًا إلى ما شاء الله أن يحيا.
ه - وأخرَجَ ابنُ عَساكِرَ عن سعيد بنِ المُسيَّبِ قَالَ: الخَضِرُ أُمُّه رُومِيَّةٌ،
6 ـ وأخرَجَ الدَّيلَمِيُّ في «مُسنَدِ الفِردَوس»، عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه: أَنَّ إلياس والخَضِرَ أخوانِ، وأبوهما من الفرس، وأمهما من الرُّومِ.
? - وقيل: كانَ من أبناءِ المُلوكِ الذين تَزَهَّدُوا فِي الدُّنيا.
? - ثمَّ الخَضِرُ لقَب له؛ لما رَواهُ البُخارِيُّ وغيرُه، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ: إِنَّما سُمِّيَ خَضِراً لأنَّه جَلَسَ عَلى فَرُوةٍ بيضاءَ فإذا هي تهتز تحته خضراء». والفَروةُ: وَجهُ الأَرضِ.
وقالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَ خَضِراً؛ لأنَّه إِذا صلَّى اخضَرَّ ما حولهه.
وزادَ عِكْرِمَةُ: وكانَ ثيابه خضراء.
والمراد بالعلم اللدني: علم الباطن إلهاماً.
***
[هل الخضر نبي؟]
ولم يكُنِ الخَضِرُ نبيَّاً عند أكثر أهلِ العِلمِ على ما ذكرَه البَغَوِيُّ
وقالَ سَعدي جَلَبي من عُلمائنا: الجمهور على أنه نبي.
وقالَ الكَرْمانيُّ: اختلفوا فيه، فقيل: إنَّه نبيٌّ على قولين، مُرسلاً وغير مُرسَل. وقيل: إنَّه وليُّ. وقيل: إنَّه من الملائكة.
وقالَ النَّووِيُّ في شَرحِ مُسلم: جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك مُتَّفق عليه عندَ الصُّوفيَّة، وأهلِ الصَّلاحِ والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه في سؤاله وجوابه ووجوده في أماكن الخير والمَواطِنِ الشَّريفة والأزمنة اللطيفة أكثر من أن يُحصَرَ، وأشهَرُ من أن يُذكَرَ.
وقال ابنُ الصَّلاحِ: هو حي عند جماهير العُلَماء، والعامَّةُ معهم في ذلك، وإِنَّما
ذَهَبَ إلى إنكارِه بعضُ المُحدثين؛ أي: إلى إنكار بقائه.
وقد نقل النووي عن التعلبي المفسرِ: أَنَّ الخَضِر نبي معمر على جميع الأقوال، محجوب عن أبصار أكثَرِ الرّجالِ، وقيل: إنَّه يموتُ في آخرِ الزَّمانِ حين يُرفَعُ القُرآنُ.
وقيل: يجتمعُ معَ المَهدِي وعيسى في المسجد الحرام في جمعة من الأيام. وأما ما ذَهَبَ إليه عبدُ الرَّزَّاقِ الكاشِي من: أَنَّ الخَضِرَ عبارةٌ عن البَسْطِ، وإلياس كناية عن القَبْضِ. فهو غير مقبول عند الأكياس من أهلِ النُّقولِ.
وكذا ما نقَلَه الشَّيخُ صَدْرُ الدِّينِ [محمد بن إسحاقُ القُوْنَوِيُّ في «تبصرة المُبْتَدِي وتَذْكِرَةِ المُنتَهي»: أنَّ وجودَ الخَضِرِ في عالم المثالِ، مَعدودٌ من المُحالِ في المَقالِ عند أهل الحال.
وأما ما ذكره السَّهْرَوَرْدِيُّ في «السر المكتوم: أَنَّ الخَضِرَ حَدَّثنا بثلاثِ مئةِ حديث سمعه من النَّبي شفاهاً. وكذلك ما ادعاه الشَّيخُ عَلاءُ الدَّولة من استفادةِ الأحاديث النبوية بلا واسطة عنه؛ فغير صحيح؛ إذ أَجمَعَ المُحدِّثون على أَنَّ الخَضِرَ ليس له رواية عنه عليه السَّلامُ، كما صرَّحَ به العِراقِيُّ في «تخريج أحاديث الإحياء». هذا، وذكر النيسابُورِيُّ في «تفسيره»: أنَّ الأكثَرِينَ على أَنَّ الخَضِرَ كَانَ نبيَّاً؛
لقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} [الكهف: ??] 2.
وكذا قال الغَزاليُّ: إِنَّ الأكثرين على أنه نبي، وظاهِرُ الآياتِ والأحاديث يدلُّ على نُبُوَّتِه، وكذا قالَ الفَيْروز آبادِيُّ: إِنَّ الخَضِرَ نبيُّ من الأنبياءِ.
وقيل: الأكثرون على أنَّ ولادَتَه في فارِسَ وقيل: ماء الحياةِ كِناية عن العلم، والظُّلُمَاتُ كِنايةٌ عن الجَهْلِ، قال تعالى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ} [الأنعام: 122] 6.
9 - وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسِ، عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رضِيَ الله عنهم، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الغُلامَ الذي قتَلَه الخَضِرُ طُبعَ كَافِراً، ولو عاش لأرْهَقَ أبويه طُغياناً وكُفراً».
?? ـ وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كانَ غُلاماً لم يبلغ الحنثَ. وهو قول الأكثرين.
?? - وقالَ الحَسَنُ: كَانَ رَجُلاً.
?? - وقال الكَلبِيُّ: كانَ فتى يقطَعُ الطَّريقَ ويَأخُذُ المتاعَ ويلجأُ إلى أبويه.
?? - وقالَ الضَّحَّالُ: كانَ غُلاماً يعمَلُ بالفَسادِ، وتأذَى منه أبواه.
واختَلَفُوا في ذلك «الكَنْزِ»:
14 ـ فعن ابن عباس قال: كانَ لَوْحاً من ذَهَبٍ، مَكتوبٌ فيه: عَجَباً لمَن أَيْقَنَ بالمَوتِ كيفَ يفرَحُ؟ عجَباً لمَن أيقَنَ بالقَدَرِ كيفَ ينصَبُ؟ عجَباً لمَن أَيْقَنَ بِالرِّزْقِ كيف يتعَبُ؟ عجباً لمَن أيقَنَ بالحسناتِ كيفَ يعْفُلُ؟ عجَباً لمَن أَيْقَنَ بزَوالِ الدُّنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمَئِنُّ إليها؟ لا إلهَ إلا الله محمَّدٌ رسولُ اللهِ. وفي الجانبِ الآخَرِ مكتوبٌ: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريكَ لي خَلَقْتُ الخيرَ والشَّرَّ، فَطُوبَى لمَن خلقته للخَيرِ، وأجرَيتُه على يديه، والوَيلُ لمَن خَلَقتُه للشَّرِّ وأَجرَيتُه على يديه. وهو قول أكثرِ المُفسرين.
15 - ورُوِيَ أيضاً مرفوعاً.
16 - وقيل: بين اليتيمين وبينَ الأبِ الصَّالِحِ سبعةُ آباء.
?? - ورُوِيَ: أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَرادَ أن يُفارِقَه قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم
لتُحدِّثَ به، واطلبه لتعمل به.
?? - وزاد في رواية: قال للخَضِرِ: ادعُ لي، قالَ: يسر الله عليك طاعته.
واختلَفُوا في: أَنَّ الخَضِرَ حَيٌّ أم ميِّتٌ؟
?? - فقيل: إِنَّ الخَضِرَ وإلياسَ حيَّانِ يلتقيانِ كلَّ سنة بالموسم.
?? - وقيل: كانَ سببُ حياةِ الخَضِرَ فيما يُحكَى: أَنَّه شَرِبَ من عين الحياةِ، وذلك أنَّ ذا القرنين دخَلَ الظُّلمَةِ لطَلَبِ عَينِ الحياة، وكانَ الخَضِرُ على مقدمتِه، فَوَقَعَ الخَضِرُ على العَينِ، فنزَلَ واعْتَسَلَ وشَرِبَ وصَلَّى شُكراً للهِ عزَّ وجلَّ، وأخطأ ذو القَرْنَينِ الطَّريقَ فعادَ.
وقال آخرون: إِنَّه ميِّتٌ؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34].
?? - ولقوله عليه السَّلامُ بعدما صلى العِشاءَ ليلةً: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنَّ رأسَ مئة سنةٍ لا يبقَى ممَّن هو اليومَ على ظَهْرِ الأرضِ أحدٌ»، ولو كانَ الخَضِرُ حَيَّاً لكان لا يعيش بعده. كذا ذكرَه البَغَوِيُّ
وأُجيب عن الآية: بأنَّه لا يلزَمُ من طُولِ الحياةِ الخُلد، بمعنَى: عَدَمِ المَمَاتِ. وعن الحديثِ: بأنَّه يُمكِنُ في ذلك الزَّمانِ لم يكُنْ على ظَهْرِ الأَرضِ، بل كانَ على مَتْنِ الهَواءِ أَو ظَهْرِ الماءِ.
والأظهَرُ في الجوابِ: أَنَّه مُستَثنَى؛ للعلم بأنه طويل الحياة، كما ثبت في الروايات، نعم يدلُّ الحديث على بطلان قول بعض المُعمَّرينِ كرَتَنِ الهِندِي وغيره ممن يدَّعي الصحبة وطُولَ المُدَّةِ زيادة على تلك المئة.
22 ـ هذا، وفي «المُستَدرَكِ» للحاكِم عن أنس: لمَّا تُوفَّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم واجتَمَعَ الصَّحابةُ دخَلَ رجُلٌ أشهب اللحية جَسيم صبيح، فَتَخَطَّا رِقَابَهم، فبَكَى ثمَّ التفتَ إلى الصَّحابة؛ أي: كُبَرائِهم فقالَ: إنَّ في الله عزاء من كلِّ مُصيبةٍ، وعِوَضاً من كل فائتِ، وخَلَفاً من كل هالك، فإلى اللهِ فَأَنيبوا، وإليه فارغَبُوا، ونظره إليكم في البلاء، فانظُرُوا، فإنما المُصابُ مَن لم يُجبَرُ. فقال أبو بكرٍ وعليٌّ رَضِيَ الله عنهما: هذا الخَضِرُ عليه السَّلام.
هكذا في رواية الكرام، وهو «المُصاب»، يحتمل أن يكون من قولهما، وأن يكونَ من قَولِ أَحدِ الرُّواةِ.
ففي الجُملة: يدلُّ على نُبُوَّته، وأنَّه تابع لنبينا صلى الله عليه وسلم في ملته؛ لقوله عليه السَّلام: «لو كانَ مُوسَى حيّاً لَمَا وَسِعَه إلا اتباعي»، بل إنه صلى الله عليه وسلم كَانَ مَبعوثاً إلى كَافَّةِ النَّبِيِّين وعامَّةِ المُرسَلين حُكْماً، على فَرَض إدراكهم زَمانَه، كما حقق في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولُ مُصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ} [آل عمران: ??]. فقوله: رسول؛ أي: عظيم على أنَّ تنوينَهُ للتَّعظيمِ لا للتَّنكير، ولذا يَنزِلُ
عيسى عليه السَّلامُ على وَفْقِ مَلَّتِه، ويكون من أفرادِ أُمَّتِه. واحتَجَّ مَن قالَ: إِنَّ الخَضِرَ نبي بقوله تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} [الكهف: ??]
وبكونه أعلم من مُوسَى، والوَليُّ لا يكونُ أعلمَ من النَّبيِّ. وأجيب: بأنه يجوز أن يكون قد أوحى الله إلى نبيِّ ذلك العَصْرِ أَن يَأْمُرَ الخَضِرَ. ويُدفَعُ هذا: بأنَّه معَ گونه احتمالاً بعيداً جداً، لو كانَ مَوجوداً لأُمِرَ مُوسَى بالاجتماع به دُونَ الخَضِرِ. وممَّا يُؤَيِّدُ كونَه نبيَّاً:
23 ـ ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما في قوله: {ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الكهف: 65] قالَ: آتيناه الهُدَى والنَّبوَّةَ
24 ـ وأخرج أحمد، عن عطاء قال: كتَبَ نَجدَةُ الحَرورِيُّ إلى ابنِ عَبَّاسِ رضِيَ الله عنهما يسأله عن قَتْلِ الصَّبيانِ، فكتَبَ إليه: إِنَّ كنتَ الخَضِرَ تعرِفُ الكافِرَ من المُؤمِنِ فاقتلهم وفيه تنبيه نبيه على أنَّه ليسَ لغَيرِ نبي أن يقتل نفساً بِغَيْرِ نفسٍ بِمُجَرَّدِ الإلهام، كما قد تقرَّرَ عندَ العُلماء الأعلام في تحقيق أصول الأحكام.
وذكرَ الشَّعلَبِيُّ ثلاثة أقوال في أنَّ الخَضِرَ كَانَ في زَمَنِ إبراهيم، أم بعده بقليل، أو كثير؟ وقالَ: إنَّه نبيٌّ مُعَمَّرٌ على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار. وقيلَ: إنَّه لا يموتُ إِلا فِي آخِرِ الزَّمانِ.
وقيل: يعيش إلى أن يُقاتِلَ الدَّجَّالَ.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ جُمهورُ العُلَماءِ والصَّالحين على أنَّه حي، والعامَّةُ معهم. وقالَ النَّوَوِيُّ: الأكثَرون من العُلماءِ على أنَّه حيٌّ مَوجود بينَ أَظْهُرِنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح".
25 - وأخرَجَ ابنُ المُنذِرِ وغَيرُه، عن أبي العالية قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْداً لا تراه الأعيُنُ إلا مَن أرادَ أن يُرِيَه اللهُ إِيَّاه، فلم يرَه من القَومِ إِلا مُوسَى، ولو رَآهُ القَومُ لَحالُوا بينه وبينَ خَرْقِ السَّفينة، وبينه وبينَ قَتْلِ الغُلامِ.
26 - وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عن قَتَادَةَ قَالَ: قالَ مُطَرِّفُ بنُ الشَّخَيرِ: إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهما - أي: والدي الغُلامِ - قد فَرِحا به يومَ وُلِدَ، وحَزِنا عليه يومَ قُتِلَ، ولو عاش لكان فيه هَلاكهما، فرَضِيَ رجُلٌ - أي: فليَرضَ كلُّ أحدٍ - بما قَسَمَ اللهُ له، فإِنَّ قَضاء الله تعالى للمُؤمِنِ خَيرٌ له من قَضائِهِ لنَفْسِه، وما قضَى الله لك فيما تكرَهُ خَيرٌ ممَّا قضَى لك فيما تُحِبُّ
27 ـ وعن بعض السَّلَفِ: أَنَّ اللهَ سُبحانه أبدلهما مكانَ الغُلامِ جارية وَلَدَت نبيين.
?? - وأخرج أحمد في «الزهدِ»، عن وَهْبٍ، قَالَ: قالَ الخَضِرُ لَمُوسَى حينَ لَقِيه: انزع عن اللجاجة - أي: الخُصومة ـ ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحَكَ من غَيْرِ عَجَبٍ، والزَمْ بيتك، وابكِ على خَطيئَتِك.
29 ـ وأخرج ابن أبي حاتم، عن بقيَّةَ، قال: حدثني أبو سعيد، قال: سمِعتُ أَنَّ آخِرَ كلمةٍ أَوْصَى بها الخَضِرُ مُوسَى حينَ فَارَقَه: إِيَّاكَ أَن تُعيرَ ه مُسيئاً بإساءَتِه فتُبتلى.
30 - وأخرج ابن أبي الدُّنيا، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ»، وابن عساكر، عنأبي عبدِ اللهِ أظنُّه المَلَطِيَّ، قالَ: لمَّا أَرادَ مُوسَى أن يُفارِقَ الخَضِر قال له: أَوصِني، قالَ: كُنْ نفاعاً، ولا تكُنْ ضَرَاراً، كُنْ بشَّاشاً، ولا تكُنْ غَضبان، ارجع من اللجاجةِ، ولا تمش من غير حاجة، ولا تُعيّر امرءاً بخَطيئَتِه، وابك على خَطيئَتِكَ يا ابنَ عِمْرانَ. وفي هذه الأحاديثِ دَلالةٌ ظاهِرةُ على جَلالتِه وعُلوِّ مَقامِه وحالته؛ إذ ليس لغيرِنبي أن يُخاطِبَ رسولاً مُعظَّماً بما هذا صورة مقالته.
?? - وأخرج ابن عساكر عن وَهْبٍ: أَنَّ الخَضِرَ قَالَ لَمُوسَى: يَا مُوسَى، إنَّ النَّاسَ مُعذَّبون في الدُّنيا على قَدْرِ همومهم بها.
32 - وأخرَجَ الخطيبُ وابنُ عَساكِرَ، عن علي رضي الله عنه قال: بينا أنا أطُوفُ بالبيت إذا رجُلٌ مُعلَّق بأستار الكعبة يقولُ: يا مَن لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَن سَمْعِ، ويَا مَن لا تُغلطه المَسائِلُ، ويا مَن لا يتبرَّمُ بالحاحِ المُلحين، أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ رَحمَتِكَ. قُلتُ: يا عبد الله، أعِدِ الكلامَ قالَ: وسمِعْتَه؟ قُلتُ: نعم، قال: والذي نفسُ الخَضِرِ بيده ـ وكان هو الخَضِرَ - لا يقُولُهنَّ عبد دُبُرَ الصَّلاةِ المَكتوبةِ إِلا غُفِرَت ذُنُوبُهُ وإن كانت مثلَ رَمْلِ عالج، وعَدَدَ المَطَرِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ.
الأحبار، قالَ: إنَّ الخَضِرَ بنَ عاميلَ رَكِبَ في نفر من أصحابه حتّى بلغَ بحر الهند، وهو بحر الصين، فقال: يا أصحابي، دلوني، فدلوه في البحرِ أياماً وليالي، ثمَّ صَعِدَ، فقالوا: يا خَضِرُ ما رأيتَ؟ فلقد أكرَمَكَ اللهُ، وحَفِظَ لك نفسَكَ فِي لُجَّةِ هذا البحر، فقال: استقبَلَني مَلَكُ من الملائكة فقال لي: أَيُّها الآدَمِيُّ الخطَّاءُ، إلى أين؟ ومن أين؟ فقُلتُ: أردتُ أن أنظُرَ عُمقَ هذا البحر، فقال لي: كيف وقد أَهْوَى رجلٌ من زمان داودَ عليه السَّلامُ ولم يبلغ ثلُثَ قَعْرِه حتَّى الساعة، وذلك ثلاث مئة سنة؟
34 ـ وأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وابن عساكر، عن أبي أُمَامَةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأصحابه: «ألا أُحَدِّتُكُم عن الخَضِر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل، أبصرَه رجُلٌ مُكاتبٌ، فقالَ: تَصَدَّقُ عليَّ بارَكَ الله فيك، فقالَ الخَضِرُ: آمَنتُ باللهِ، ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أُعطيكه، فقال المسكين: أسألكَ بوَجهِ اللهِ لَمَّا تصَدَّقْتَ عليَّ، فإِنِّي نظرتُ السيماء في وَجهِكَ، وَوَجَدْتُ البَرَكَةَ عندَكَ.
فقالَ الخَضِرُ: آمنتُ باللهِ، ما عندي شيءٌ أُعطيكَه إلا أن تأخُذَني فتبيعني، فقالَ المسكين: وهل يستقيمُ هذا؟ قال: نعم، الحقَّ أقولُ، لقد سألتني بأمر عظيم، أم إنِّي لا أُخيِّبُك بوَجهِ ربِّي، يعني، فقدمه إلى السُّوقِ فباعه بأربع مئة درهم، عندَ المُشتري زَماناً لا يستعمله في شيء، فقال له: إنَّما ابتَعْتَني التماس خيرٍ عندي، فأَوْصِني بعَمَلِ، قال: أكره أن أشُقّ عليكَ، إِنَّكَ شيخ كبير ضعيف، قالَ: ليسَ يَشُقُ عليَّ، قال: نعمْ فانقُلْ هذه الحجارة، وكانَ لا ينقُلُها دونَ ستَّةِ نَفَرٍ في يومٍ، فَخَرَجَ لبعض حاجتِه ثُمَّ انْصَرَفَ وقد نقل الحجارة في ساعتِه، فقالَ: أَحْسَنْتَ وأَجمَلْتَ وأطَقْتَ ما لم أرَكَ تُطيقه.
ثمَّ عَرَضَ للرَّجُلِ سفَرٌ، فقال: أحسِبُكَ أميناً، فاخلفني في أهلي خلافةً حَسَنةً، قالَ: فأوصني بعمل، قالَ: إِنِّي أكره أن أشُقّ عليك، قال: ليسَ يشقُ عليَّ، قال: فاضرِبْ لي من اللبن لنبني حتَّى أقدُمَ عليك، فمَرَّ الرَّجلُ بِسَفَرِهِ، فَرَجَعَ وقد شَيَّدَ بناءَه.
فقال: أسألُكَ بوَجهِ اللهِ ما سبيلُكَ؟ وما أمرُكَ؟ قال: سألتني بوجهِ اللهِ، ووَجهُ اللهِ أو قَعَني في العُبوديَّةِ، أنا الخَضِرُ الذي سمعت به، سألني مسكين صَدَقَةٌ فلم يكن عندي شيءٌ أُعطيه، فسألني بوَجهِ اللهِ، فَأَمَكَنْتُه من رَقَبَتِي فباعني، وأُخبِرُك أنَّه مَن سُئِلَ بوَجهِ اللهِ فَرَدَّ سائِلَه وهو يقدِرُ عَلَيهِ؛ وَقَفَ يومَ القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم يتَقَعْقَعُ، فقالَ الرَّجلُ: آمَنتُ باللهِ، شَفَقتُ عليك يا نبي الله، ولم أعلم، فقال: لا بأس، أحسنْتَ واتَّقَيتَ.
فقالَ الرَّجلُ: بأبي وأُمِّي يا نبي الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أُخيرُك فأُخَلّي سبيلك، فقالَ: أُحِبُّ أن تُخِلّي سبيلي، فأعبد ربي، فخلَّى سبيله، فقالَ الخَضِرُ: الحمدُ للهِ الذي أَوْثَقَني في العُبودِيَّةِ، ثمَّ نجَّاني منها.
وفي هذا الحديث دليل صريح على أنه نبي.
35 - وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مُليكة قالَ: سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما عن الولدان، أفي الجنَّةِ هم؟ قالَ: حَسبُكَ ما احْتَصَمَ فيه مُوسَى والخَضِرُ!
36 - وأخرجَ مُسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، عن أبي، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغُلامُ الذي قتَلَه الخَضِرُ طُبعَ كافِراً، ولو أدرَكَ لأرهَقَ أَبوَيهِ طُغياناً وكُفْراً».
?? - وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ» عن الحجَّاجِ بنِ فَرَافِصَةَ: أَنَّ رَجُلَين كانا يتبايعانِ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، فكان أحدهما يُكثِرُ الحلف، فبينما هو كذلك إذ مَرَّ عليهما رجُلٌ، فقام عليهما، فقال للذي يُكثِرُ الحلف منهما: يا عبد الله، اتَّقِ الله، ولا تُكثِر الحلف؛ فإِنَّه لا يزيدُ فِي رِزْقِكَ إِنْ حَلَفْتَ، ولا يَنقُصُ من رزقِكَ إِن لم تحلف، قالَ: اِمضِ لما يَعْنِيك. قالَ: إِنَّ ذا ممَّا يَعنيني، قالها ثلاثَ مَرَّاتٍ، ورَدَّ عليه قوله، فلما أراد أن ينصَرِفَ عنهما قالَ: اِعلَمْ أنَّ من آية الإيمانِ أن تُؤثِرَ الصِّدقَ حيثُ يضُرُّكَ على الكذِبِ حيثُ ينفَعُكَ، ولا يكُنْ في قولك فضل على فعلك، ثمَّ انصرَفَ. فقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: الحَقْهُ فاستكتبه هذه الكلمات، فقال: يا عبد الله! أكتبني هذه الكلماتِ رحِمَكَ اللهُ تعالى، فقالَ الرَّجُلُ: ما يُقَدَّرُ اللَّهُ مِن أَمرِ يكُنْ، فَأَعادَهُنَّ عليه حتَّى حفظه، ثم مشى حتَّى وَضَعَ إحدى رجليه في المسجدِ، فما أدري أَأَرْضُ لَحَسَتْهُ أم سماء اقتَلَعَته. قالَ: كأَنَّهم يرَونَهُ الخَضِرَ أو إلياس عليهما السَّلام.
38 - وأخرَجَ الحارِثُ بنُ أبي أُسامَةَ في مسنده» بسند واءٍ عن أنس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الخَضِرَ في البحرِ، وإلياس في البرِّ، يجتمعان كل ليلة عندَ الرَّدم الذي بناه ذو القَرْنين بينَ النَّاسِ وبينَ يأجوج ومأجُوجَ، ويحُجَّانِ ويعتَمِرانِ كلَّ عامٍ، ويشربان من زمزَمَ شربةً تكفيهما إلى قابل.
39 - وأخرج ابن عساكر عن أبي رَوَّادٍ، قال: إلياس والخَضِرُ يصومانِ شهرَ رَمَضانَ في بيتِ المَقدِس، ويحُجَّانِ في كلِّ سنة، ويشرَبانِ من زمزَمَ شربةً تكفيهما إلى مثلها من قابل
40 - وأخرَجَ العُقيلي، والدَّارَ قُطنِيُّ في «الأفرادِ»، وابن عساكر، عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلتقي الخَضِرُ وإلياس كل عام في الموسم، فيحلِقُ كلُّ واحدٍ منهما رأسَ صاحبه، ويتفرّقانِ عن هؤلاء الكلمات: بسم الله، ما شاء الله، لا يسوقُ الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرِفُ السُّوءَ إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ. قالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: مَن قالَهنَّ حينَ يُصبحُ وحينَ يُمسي ثلاثَ مَرَّاتٍ آمَنَهُ اللهُ من الغَرَقِ والحَرَقِ والسَّرَقِ، ومن الشَّيطانِ والسُّلطان، والحيَّةِ والعَقْرَبِ.
41 - ورَوَى ابنُ بَشْكُوالَ في كتابِ المُستَغيثين باللهِ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ قالَ: خَرَجْتُ إلى الجهادِ ومعي فرس، فبينما أنا في الطَّريقِ صُرِعَ الفَرَسُ، فمَرَّ بي رجلٌ حسَنُ الوَجهِ، طَيِّبُ الرَّائحةِ، فقالَ: تُحِبُّ أن تركَبَ فرسَكَ؟ قُلتُ: نعم، فَوَضَعَ يَدَه على جبهة الفرس حتّى انتهى إلى مُؤَخَّرِه، وقال: أقسمتُ عليكِ أَيَّتُهَا العِلَّةُ بِعِزَّةِ اللهِ، وبِعَظَمَةِ عَزَّةِ اللهِ، وبجَلالِ جلالِ اللهِ، وبقدرةِ قُدرَةِ اللهِ، وبسُلطانِ سُلطانِ اللَّهِ، وبلا إِلهَ إلا الله، وبما جرى به القَلَمُ من عند الله، وبلا حول ولا قوَّةَ إِلا بالله، إلا انصَرَفْتِ. قَالَ: فانتفَضَ الفَرَسُ، فأخَذَ الرَّجُلُ بركابي، وقال: اركَبْ فَرَكِبْتُ ولحقتُ بأصحابي، فلما كانَ من غُدوةِ غَدٍ ظَهَرنا بالعَدُوِّ، فإذا هو بين أيدينا، فقُلتُ: ألستَ صاحبي بالأمس؟ قال: بلى، فقُلتُ: سألتُكَ باللهِ، مَن أنتَ؟ فَوَثَبَ قائِماً فاهتَزَّتِ الأرضُ تحته خضراء، فإذا هو الخَضِرُ عليه السَّلام.
قالَ ابنُ المُبارَكِ: فما قُلتُ هذه الكلمات على شيءٍ إلا شفي بإذنِ اللهِ.
42 - وأخرَجَ ابنُ عساكِرَ بسنده عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، قَالَ: بينما عمرُ بنُ الخطَّابِ يُصلِّي على جنازة إذا بهاتف يهتِفُ من خَلْفِه: لا تسبقنا بالصَّلاةِ يرحَمُكَ اللهُ، فانتَظَرَه حتَّى لحِقَ بالصَّفٌ، فكبَّرَ عُمَرُ وكبَّرَ معَه الرِّجالُ، فقال الهاتِفُ: إِنْ تُعذِّبه فكثيرا عصاكَ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمَتِك، فنظَرَ عُمَرُ وأصحابه إلى الرَّجُلِ، فلمَّا دُفِنَ الميِّتُ وسوَّى الرَّجُلُ عليه من تراب القبر، قالَ: طُوبَى لك يا صاحِبَ القبرِ إِنْ لم تَكُنْ عريفاً، أو جابياً، أو خازناً، أو كاتباً، أو شُرطِيَّاً. فقالَ عُمَرُ: خُذُوا لِي الرَّجُل نسأله عن صلاته وكلامه هذا عمن هو فتَوارَى عنهم فنَظَروا فإذا أثرُ قَدَمِهِ ذِراعٌ، فقالَ عُمَرُ: هذا واللهِ الخَضِرُ الذي حَدَّثَنا عنه النَّبيُّ.
43 - وأخرج ابن عساكر بسنده عن الأوزاعي عن مكحول، قال: سمِعتُ وائلة بنَ الأَسقَعِ قالَ: غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، حتَّى إذا كُنَّا في بلادِ جُذام في أرض لهم يقال لها: الحورة، وقد كان أصابَنا عَطَش شديد، فإذا بين أيدينا آثارُ غيثٍ فسِرْنا مَلِياً، فإذا بغدير، وإذا فيه جيفتان، وإذا السباعُ قد وَرَدَتِ الماءَ، فأكلت من الجيفتينِ، وشَرِبَت من الماء، فقلنا: يا رسول الله! هذه جيفتان، وآثارُ السّباع قد أكلت منهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، هما طَهورانِ اجْتَمَعا من السَّماءِ والأرض، لا يُنجِّسُهما شيء، وللسباع ما شربت في بطونها، ولنا ما بقي». حتّى إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ إِذا نحنُ بِمُنادِ ينادي بصوتٍ حَزين: اللَّهُمَّ اجْعَلْني من أمَّةِ محمد المرحومة، المغفور لها، المُستجاب لها، المُبارَكِ عليها.
فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يا حُذَيْفَةُ، ويا أنس، أدخُلا إلى هذا الشَّعبِ فانظُرا ما هذا الصَّوتُ؟» قالا: فَدَخَلْنا، فإذا نحنُ برجُل عليه ثياب بيض أشد بياضاً من الثلج، وإذا وجهه ولحيته كذلك، ما أدري أيهما أشَدُّ ضَوءاً، ثيابه أو وجهه، فإذا هو أعلى جسْماً منَّا بذِراعَينِ أو ثلاثةٍ، فَسَلَّمْنا عليه، فرَدَّ علينا السَّلامَ، ثمَّ قَالَ: مَرْحباً، أَنْتُما رُسُلُ رسول الله الله؟ قالا: فقلنا: نعم، قالا: فقُلنا: مَن أنتَ رَحِمَكَ الله؟ قالَ: أنا إلياس النَّبيُّ، خرجتُ أريدُ مكَّةَ، فرأيتُ عسكَرَكُم، فقال لي جند من المَلائكةِ على مُقدِّمَتِهم جبريلُ، وعلى ساقتِهم ميكائيل: هذا أخوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه والقه، ارجعا فأقرِنَاهُ منّي السَّلامَ، وقُولا له: لم يمنَعْني منَ الدُّخولِ إلى عسكَرِكُم إلا أنّي أتخوَّفُ أَنَّه تذعُرُ الإِبلُ، ويفزَعُ المُسلمونَ من طُولِي، فَإِنَّ خَلْقِي ليسَ كَخَلْقِكُم. وقُولا له يأتيني، قالَ حُذَيفةُ وأنس: فصافَحْناه، فقال لأنس: مَن هذا؟ قالَ: هذا حُذَيفةُ بنُ اليَمانِ، صاحِبُ رسول الله، فرحب به، ثمَّ قَالَ: والله إِنَّه لَفِي السَّمَاءِ أَشهَرُ منه في الأرض، يُسمِّيه أهلُ السَّماءِ صاحِبَ سَرٌّ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال حذيفة: هل تلقى الملائكة؟ قال: ما من يوم إلا وأنا ألقاهم، ويُسلَّمونَ عليَّ،
وأُسلّم عليهم. فأتينا النبي، فخَرَجَ معنا حتى أتينا الشعب وهو يتلألأ وجهه نُوراً، فإذا ضَوء وجه إلياس وثيابه كالشَّمس، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: على رِسْلِكُم فَتَقَدَّمَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْرَ خمسين ذراعاً، وعانَقَه مَليَّاً، ثمَّ قَعَدا، قالا: فرأينا شيئاً كهيئةِ الطَّيْرِ العِظامِ بِمَنزِلَةِ الإِبل قد أحدَقَتْ به، وهي بيضُ، وقد نشَرَتْ أجْنِحَتَها فحالَت بيننا وبينَهُم.
ثمَّ خَرَجَ بنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا حذيفة ويا أنسُ، تَقَدَّما فتَقَدَّمنا، فإذا بين أيديهم مائدة خضراء لم أرَ شيئاً قط أحسَنَ منها، قد غَلَبَ خُضِرَتُها بياضَها، فصارَت وُجوهنا وثيابنا خُضْراً، وإذا عليها خُبز ورُمَّانٌ ومَوزُ وعِنَبٌ ورُطَبٌ وبَقْلُ، مَا خَلا الكُرَّاثَ. ثم قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كلوا بسم الله»، قالا: فقلنا: يا رسول الله، أمن طَعامِ الدُّنيا هذا؟ قال: «لا».
قال لنا: هذا رِزقي في كل أربعين يوماً وأربعين ليلة أكله، تأتيني بها الملائكة، وهذا تَمامُ الأربعين يوماً والليالي، وهو شيء يقولُ الله له: كُنْ فيكونُ، فقُلنا: من أينَ وَجهُكَ؟ قالَ: وَجهي من خَلْفِ رومية، كنتُ في جيش من الملائكة مع جيش من المسلمين غَزَوا أُمَّةً من الكُفَّارِ.
فقلنا: فكم يُسَارُ من ذلك الموضع الذي كُنتَ فيه؟ قال: أربعة أشهرٍ، وفارقته منذ عشرة أيام، وأنا أُريدُ إلى مكَّةَ، أَشْرَبُ بها في كل سنة مرةً، وهي ربي وعِصْمتي إلى تمام الموسم من قابل.
فقُلنا: فأيُّ المَواطِنِ أَكثَرُ مَعادِك؟ قالَ: الشَّامُ وبيتُ المَقدسِ والمَغرِبُ واليَمَن، وليس من مسجد من مساجد محمد صلى الله عليه وسلم إلا و أنا أدخُلُه صغيراً كان أو كبيراً. قُلنا: الخَضِرُ مَتَى عَهدُك به؟ قالَ: منذُ سنةٍ، كنتُ قد التقيتُ أنا وهو بالموسم، وقد قالَ: إِنَّكَ سَتَلْقَى محمَّداً صلى الله عليه وسلم قبلي، فأَقْرِتْه منّي السَّلامَ، فعانَقَه وبگي، ثمَّ صافحناه وعانقناه، وبگي و بگينا، فنَظَرْنا إليه حتَّى هَوَى في السَّماءِ، كأَنَّه يحمِلُ حِملاً، فقُلنا: يا رسول الله، لقد رأينا عَجَباً إِذ هَوَى إِلى السَّماءِ، فقالَ: «إِنَّه يكونُ بينَ جَناحَي مَلَكِ حتّى ينتهي به حيثُ أرادَ».
وفي الجملة: فيه دلالة على أنَّ إِلياسَ والخَضِرَ نبيَّانِ، وأَنَّهما من أفرادِ أُمَّته،
بل من جُملةِ مَن تَشَرَّفَ بصُحبَه الله، ورؤيته، فيُسأل بطريق الإلغاز وعبارة الإيجاز: مَن مِنَ الصَّحابَةِ أَفضَلُ من الخُلَفَاءِ الأربعةِ؟
ثم رأيتُ السيوطي قال: وقد عَدَّ بعضُ المُحدِّثين الخَضِرَ وإلياس من جُملة الصَّحابة.
وقالَ الذَّهَبِيُّ في «تجريدِ الصَّحابةِ»: إِنَّ عيسى بن مريم عليهما السَّلام نبي وصحابي؛ فإنَّه رأى النبي، فهو آخِرُ الصَّحابَةِ مَوْتاً.
وأيضاً من المحالاتِ العادِيَّةِ أن يكونَ إلياسُ والخَضِرُ عليهما السَّلام موجودين في زمانه عليه السَّلامُ ولم يرَيَا وجهَه الشَّريف، لا في الليالي ولا في الأيام. وإذا كانا من أُمَّتِه فلا شك أنه يجب عليهما معرفة أحكام الإسلام، وهي لا تُعرَفُ يقيناً إلا من طريقه، كما أخَذَه أصحابه الكرام.
والحِكمَةُ في إخفائهما عن نَظَرِ العوامِ مُفوَّضٌ إِلى علمِ اللهِ المَلِكِ العَلَّامِ.
44 ـ وأما حديث: «لو كانَ أخي الخَضِرُ حيَّاً لزارَني»؛ فلا أصل له، كما صَرَّحَ به الحافِظُ العَسْقَلانِيُّ.
45 - وأخرج ابن عساكر أيضاً عن أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال: كانَ ملكٌ، وكانَ له ابنُ يُقال له: الخَضِرُ، وإلياس أخوه، فقالَ النَّاسُ للملكِ: إِنَّكَ قد كَبِرْتَ وابنُكَ الخَضِرُ ليسَ يدخُلُ في مُلكِكَ، فلو زوَّجته لكي يكونَ ولده مَلِكاً بعدَك. فقال له: يا بُنَيَّ تَزَوَّج، فقال: لا أُريدُ، قال: لا بُدَّ لك، قال: فَزَوِّجْني، فزوجه امرأَةٌ بِكْراً، فقالَ لها الخَضِرُ: إِنَّه لا حاجَةَ لي في النِّساءِ، فإنْ شِئْتِ عَبَدْتِ اللهَ معي، وأنتِ في طَعامِ الملك ونفَقَتِه، وإِنْ شِئْتِ طَلَّقْتُكِ، قالت: بل أعْبُدُ اللهَ معَك، قالَ: فلا تُظهِري سِرِّي، فإِنَّكِ إِنْ حَفِظْتِ سِرِّي حَفِظَكِ اللهُ، وإِنْ أَظْهَرْتِ عليه أَهْلَكِ أَهْلَكَكِ اللهُ. سنةً لم تلد، فدعاها الملك فقال: أنتِ شابَّةٌ وابني شاب، فأينَ الوَلَدُ وأنتِ من نساء ولد؟ فقالت: إنَّما الوَلَدُ بأمرِ اللهِ، ودعا الخَضِرَ، فقال له: أينَ الولد يا بُنَيَّ، قَالَ: الولدُ بأَمرِ اللهِ.
فقيل للملك: فلَعَلَّ هذه المرأةَ عقيمٌ لا تلد، فزوجه امرأة قد وَلَدَت، فقالَ للخَضِرِ: طلق هذه، قالَ: تُفرِّقُ بيني وبينها وقد اغتبَطتُ بها؟ فقالَ: لا بُدَّ، فطلَّقَهَا ثُمَّ زوَّجَه ثيباً قد ولَدَتْ.
فقال لها الخَضِرُ كما قال للأولى، فقالت بل أكونُ معَكَ، فلمَّا كانَ الحولُ دعاها فقالَ: إِنَّكِ ثَيِّب قد وَلَدت قبل ابني، فأينَ الولدُ؟ فقالت: فهل يكونُ الوَلَدُ إلا من بعل وبعلي مشتغل بالعبادة، لا حاجَةَ له في النِّساءِ، فَغَضِبَ لذلك، فقال: اطلبوه فهَرَبَ، فَطَلَبه ثلاثة فأصابه اثنان منهم، فطلب إليهما أن يُطلِقاه فأبيا، وجاءَ الثَّالثُ فقالَ: لا تذهَبا به فلعله يضرِبُه وهو ولده، فأطلقاه، ثمَّ جاءا إلى الملكِ، فأخبره الاثنان أنَّهما أخذاه، وأنَّ الثَّالثَ أَخذَه منهما، فحُبِسَ الثَّالثُ.
ثمَّ فكَّرَ الملك فدعا الاثنين، فقال: أنتما خَوَّفتُما ابني حَتَّى هَرَبَ، فَذَهَبَ، فَأَمَرَ بهما فقُتِلا، ودعا بالمَرأَةِ فقال لها: أنتِ هَرَّبَتِ ابني وأفشَيتِ سِرَّه، لو كتَمْتِ عليه لأقامَ عندي فقَتَلَها، وأطلق المرأة الأولى والرَّجُلَ.
فَذَهَبَتِ المَرأَةُ فَاتَّخَذت عَريشاً على باب المدينة، وكانت تحتطب وتبيعه وتتقَوَّى بِثَمَنِه، فخرَجَ رجل من المدينة فقير، فقال: بسم الله، فقالت المرأةُ: وأنتَ تَعرِفُ الله؟ قال: أنا صاحِبُ الخَضِرِ، قالت: وأنا امرأةُ الخَضِرِ، فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَت له، وكانت ماشِطَةَ امرأةِ فِرعَونَ.
فقال أسباط: عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنها بينما هي تمشُطُ ابنةَ فِرعَونَ سَقَطَ المِشط من يدها، فقالت: سُبحانَ اللهِ ربِّي، فقالت ابنةُ فِرعَونَ: أبي؟ قالت: لا بل رَبِّي ورَبُّ أبيك. فقالت: أخبر أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها، فقال: ارجعي، فأبت، فدعا بنقرةٍ من نُحاس، وأخذَ بَعضَ وَلَدِها فَرَمَى به في النقرة وهي تغلي، ثمَّ قال: تَرجِعينَ؟ قالت: لا، فَأَخَذَ الوَلَدَ الآخرَ، حَتَّى أَلقَى أولادها أجمعين. ثم قال لها ترجعين؟ قالت: لا، فأمَرَ بها، قالت: إِنَّ لي حاجةً، قال: وما هي؟ قالت: إذا ألقيتني في النُّقَرَةِ، تأمُرُ بالنُّقرةِ أن تُحمَلَ ثُمَّ تُكفَاً في بيتي الذي على باب المدينة، وتُنَجِّي النقرَةَ، وتهدم البيت علينا حتَّى يكونَ قُبورنا، فقال: نعم، إِنَّ لكِ علينا حقاً. ففَعَلَ بها ذلك.
قالَ ابنُ عبَّاس: قالَ النَّبِيُّ: مَرَرْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي فَشَمَمْتُ رائحةً طيبةً،
فقُلتُ: يا جبريلُ، ما هذا؟ فقال هذا ريحُ ماشطة بنتِ فِرعَونَ وولدها
46 ـ وأخرَجَ ابنُ عساكر، عن أبي بن كعب، سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: شَمَمْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي رائحةً طيبةً، فقُلتُ: يا جبريلُ، ما هذه الرائحةُ الطَّيِّبَةُ؟ قالَ: ريحُ قبر الماشطة وابنها وزوجها».
وكان بدء ذلك أنَّ الخَضِرَ كانَ من أشرافِ بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صَومَعَةٍ، فيطَّلِعُ عليه الرَّاهِبُ فيُعلّمه الإسلام، وأخذ عليه أن لا يُعلمه أحداً، ثمَّ إِنَّ أَباه زوجه امرأةً، فعلمها الإسلام وأخَذَ عليها أن لا تُعلَّمه أحداً، وكانَ لا يقرَبُ النِّسَاءَ.
ثمَّ زوّجه امرأةً فعلمها الإسلام، وأخذَ عليها أن لا تُعلَّمَه أَحَداً، وكانَ لا يقرَبُ النِّساء، ثمَّ زوّجه امرأةٌ أُخرَى، فَعَلَّمَها الإسلامَ وأَخَذَ عليها أن لا تُعلَّمه أحداً، ثمَّ طلقها فأفشَتْ عليه إحداهما، وكتَمَتِ الأُخرى.
فخَرَجَ هارباً حتّى أتى جزيرةً في البحر، فرآه رجُلانِ أفشى عليه أحدهما وكتم الآخر، فقيل له: مَن رأهُ معَكَ؟ قالَ: فُلانٌ، وكانَ فِي دِينِهم أَنَّ مَن كَذَبَ قُتِلَ، فسُئِلَ فكَتَمَ، فقُتِلَ الذي أفشَى عليه الكلام.
ثمَّ تَزَوَّجَ الكاتِمُ عليه المرأةَ الكاتمةَ، فبينما هى تمشُطُ ابنةَ فِرعَونَ إِذ سَقَطَ من يدها، فقالت: تَعِسَ فِرعَونُ، فأخبرَتِ الجارية أباها، فأرسل إلى المرأةِ وزوجها وابنها، فأرادهم أن يرجِعُوا عن دينهم فأبوا، فقالَ: إِنِّي قاتِلُكم. قالُوا: أَحْبَبْنا منك إنْ أَنتَ قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فقتَلَهُم وجَعَلَهُم في قبرِ واحد. فقال رسول الله: ما شَمَمْتُ رائحةً أطيب منها، وقد دخَلَتِ الجنَّةَ».
47 ـ وأخرج أبو الحُسَينِ بنُ المُنادي في جُزْءٍ جَمَعَه في «أخبارِ الخَضِرِ» بسَنَدِه عن أبي عمرو النَّصيبي قالَ: خَرَجْتُ أطلب مسألة من مِصْقَلَةَ بالشَّامِ، وكانَ يُقالُ:
إنَّه من الأبدال، فلقيته بوادي الأردن، فقال لي: ألا أُخبِرُكَ بشيء رأيتُه اليوم في هذا الوادي؟ فقُلتُ: بلى: قالَ: دخَلْتُ فإذا أنا بشيخ يُصلِّي إلى شجرةٍ، فأُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّه إلياس عليه السّلامُ، فَدَنَوتُ منه، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ عليَّ، فقُلتُ: مَن أنتَ يرحَمُكَ الله؟ قالَ: أنا إلياسُ النَّبيُّ قُلتُ: يا نبي الله، هل في الأرض اليومَ أَحَدٌ من الأبدالِ؟ قال: نعم، هم ستُونَ رَجُلاً، منهم خمسون فيما بينَ العَريش إلى الفُراتِ، ومنهم ثلاثةُ بالمَصَّيْصَةِ، وواحد بأنطاكية، والعشرة في سائر أمصارِ العَرَبِ. وقد ذكرنا أحاديثَ الأبدال في ذيل رسالتِنا المُسَمَّاةِ بـ «المَعِدِنِ العَدَني في فَضْلِ أُوَيسِ القَرَني».
48 - وأخرَجَ القُشَيرِيُّ في «الرِّسالةِ» بسنَدِه عن الخواص، قال: كنتُ في تيهِ بني إسرائيل فإذا رجُلٌ يُماشيني، فتعَجَّبْتُ فأُلِهِمْتُ أَنَّهُ الخَضِرُ عليه السَّلامُ، فَقُلتُ له: بحَقِّ الحقِّ مَن أنتَ؟ قال: أخوكَ الخَضِرُ، قُلتُ: أريد أن أسألكَ، قالَ: سَلْ، قُلتُ: ما تقولُ في الشَّافِعِيّ؟ قال: هو من الأوتادِ قُلتُ: ما تقولُ في أَحمدَ بنِ حَنبل؟ قالَ: رجُلٌ صِدِّيق، قُلتُ: ما تقول في بِشْرِ الحافي؟ قال: لم يُخلف بعده مثله، قُلتُ: بأَيِّ وسيلة رأيتُكَ؟ قال: ببركةِ أُمِّكَ.
49 ـ هذا ومن الأمور الغريبة، والمُنكَراتِ العجيبة في مكَّةَ المُكرَّمة قبالة الكَعْبَةِ المُعظَّمة من اجتماع النِّساءِ وبعض السُّفَهاءِ، ولو في صُورةِ الفُقَهَاءِ، عندَ بَابِ الحَزْوَرَةِ وقت صلاة المغرب في أوَّلِ ليلة سبتٍ من ذي القعدةِ، مُعتَقدينَ أَنَّ أَوَّلَ مَن يخرُجُ من المسجد الحرام حينئذ هو الخَضِرُ عليه السَّلامُ، ويتفَرَّعُ عليه المُنكَراتُ العِظامُ، التي يُصانُ لسانُ العلم عن ذكرها في هذا المَقامِ.
50 ـ وأما ما ذكره بعضُ العُلَماءِ من أنَّ الخَضِرَ عليه السَّلامُ يُصلِّي الصُّبحَ مع إمام الشافعيَّةِ خلفَ المَقامِ؛ فعلى تقديرِ صِحَّةِ روايةِ رُؤيَتِه، لا يدلُّ تابع للشافعي في مسائل عبادتِه، فإنَّه ليسَ مُقلّداً لأحدٍ من الأئمةِ، كما حققناه رسالة «مَهدِيٌّ الأُمَّةِ»، ولا على أنَّ مذهَبَ الشَّافعيّ أَصَحُ المَذاهبِ، أو أحوَطُ في المراتبِ، فإنَّه على تقدير تعددِ الجماعة واختِلافِ الأئمةِ رُبَّما يكونُ له داعية راجحة للاقتداء به في تلك الحالة.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَن الزَمَ نفسه اتِّباعَ السُّنَّةِ، واجتِنابَ البِدْعَةِ، نَوَّرَ اللهُ قلبَه بِنُورِ المعرفة، وأمَّا مَن أعرَضَ عن الكتاب والسُّنَّةِ، ولم يتلَقَّ العلم من مشكاةِ النُّبُوَّةِ بدعواه علماً لدنّياً فهو من لدنِ النَّفْسِ والشَّيطانِ، يفتح له بابَ الكُفْرِ والخُذلانِ، فالعلم اللدني نوعان: علمٌ لَدُنّي رَحماني، ولَدُنّي شَيطاني، والمَحَثُ هو الكتابُ المُنَزَّلُ، وأحاديثُ النَّبِيِّ المُرسَلِ.
1 5 - وأَمَّا قِصَّةُ مُوسَى مِعَ الخَضِر عليهما السَّلامُ، فالتَّعلُّق بها في تجويز الاستغناء عن الوَحْيِ بالعِلمِ اللَّدُنّي إلحاد، عند جميع المشايخ الكرام، وكُفْرٌ يخرج به عن دائرة الإسلام. والفرقُ: أنَّ مُوسَى عليه السَّلامُ لم يكُنْ مَبعوثاً إلى الخَضِرِ، ولم يكُنِ الخَضِرُ مَأمُوراً بمتابعته، ولو كانَ مَأْمُوراً بها لَوَجَبَ عليه أن يُهاجِرَ إِلى مُوسَى، ويكونَ معَه، ولهذا قال له: أنتَ مُوسَى بني إسرائيل؟ قالَ: نَعَمْ.
وهي المسماة بـ: المشرب الوردي في مذهب المهدي، وهي الرسالة التالية ضمن هذا المجموع.
وأمَّا محمد صلى الله عليه وسلم [فإنه] مبعوث إلى جميع الثَّقَلَيْنِ، فرِسالته عامَّةُ للجِنَّ
والإنس في كلِّ زَمانٍ، ولو كانَ مُوسَى وعيسى حيين لكانا من أتباعه. قالَ القَسْطَلانيُّ: فمَن ادَّعَى أَنَّه معَ َمحمَّدٍ كالخَضِرِ مَعَ مُوسَى، أو جوَّزَ ذلك لأحدٍ من الأمَّةِ فليُجَدِّدْ إسلامه، وليَشْهَدْ بِشَهادةِ الحقِّ؛ فإنَّه مُفارِقٌ لدينِ الإسلام بالكُلَّيَّةِ، فَضْلاً عن أن يكونَ من خاصَّةِ أولياء الله تعالى، وإِنَّما هو من أولياءِ الشَّيطانِ وخُلَفَائِه ونُوَّابِه.
جعَلَنَا الله تعالى من أتباع كتابه، وسُنَّةِ رسولِه، وآثار أصحابه وأحبابه، وحشَرَناتحت لوائه، مع أحزابه.
* [الرد على ابن القيم]:
ثم رأيتُ ابنَ قَيْمِ الجَوْزِيَّةِ ذكرَ: أَنَّ الأحاديث التي يُذكَرُ فيها الخَضِرُ وحياته كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد.
والجواب عنه ما قد تقَدَّمَ من وُرودِ الأخبار والآثارِ.
قال: وسُئِلَ إبراهيمُ الحَرْبيُّ عن تعميرِ الخَضِرِ، وأَنَّه باقٍ، فقالَ: مَن أَحالَ على غائب لم يُنتَصَفْ منه، وما ألقى هذا بينَ النَّاسِ إِلا الشَّيطانُ.
ويُجاب عنه: بأنَّه قَولٌ شَاةٌ مُخالِفٌ لجمهورِ العُلماء وعامَّةِ المشايخ الصُّلَحاءِ. قال: وسُئِلَ البُخارِيُّ عن الخَضِرِ وإلياس: هل هما حيَّانِ؟ فقال: كيف يكون هذا وقد قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»؟
وسُئِلَ عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[الأنبياء: 34].
والجواب عن الثَّاني ظاهِرُ؛ إذ المُخلَّدُ مَن لا يموتُ إلى الأبد، ولم يقُلْ هذا في حقه أحد.
وأمَّا تخبيرُ البخاري فلم يُوجِبْ نفي حياتِه فِي زَمَانِه عليه السَّلامُ، وإِنَّما يُفيدُ مماته بعدَ مُضِيّ مئة سنةٍ من الأَيَّامِ.
وأجيب عنه: بأنه لم يكن حينئذ على ظهر الأرض، بل كان على وجهِ الماء، وبأنَّ الحديث عام فيمَن يُشاهِدُه النَّاسُ، بدليل استثناء الملائكة، وإخراج الدَّجَّالِ والشَّيطانِ، وحاصله انخِرامُ القَرْنِ الأَوَّلِ. فَتَأَمَّلْ.
نعم، هو نص على بطلانِ المُدَّعين من المُعمرين كرتَنِ الهندي وغيره من الكذابين.
قالَ: وسُئِلَ عنه شيخُ الإسلام ابن تيمية فقالَ: لو كانَ الخَضِرُ حَيَّا لَوَجَبَ عليه أن يأتي إلى النبي و يُجاهِدَ بين يديه، ويتعَلَّمَ منه، وقد قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ: «اللَّهُمَّ إِنْ تَهلِكْ هذه العِصابة لا تُعبَدُ في الأرضِ». فَكَانُوا ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عَشَرَ رَجُلاً معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأينَ كَانَ الخَضِرُ حِينَئِذٍ؟!
قُلتُ: وهذا الكلامُ غَريبٌ من شيخ الإسلام، حيثُ حَكَمَ بِوُجُوبِ الإتيان إلى، فإنَّه لم يقُلْ به أحدٌ من عُلماء الأعلام، فهذا خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيسُ القَرَنيُّ لم يتَيَسَّرْ له الصَّحُبَةُ والمُرافقَةُ في المُجاهدة، ولا التَّعَلُّم من غيرِ الواسطَةِ.
على أنَّا نقول بأنَّ الخَضِرَ كانَ يأتيه، ويتعلَّمُ منه، لكِنْ على وجهِ الخَفَاءِ؛ لَعَدَمِ كَوْنِه مأموراً بإتيان العلانية لحكمة الهيَّةٍ اقْتَضَتْ ذلك.
وقد سبَقَ في كلامِ ابنِ المُبارَكِ، حُضورُ الخَضِرِ في بعض المَعارِكِ. وأمَّا الحديث فمعناه أَنَّه لا يُعبَدُ في الأرضِ على وجهِ الظَّهورِ والغَلَبَةِ وقُوَّةِالأمة، وإلا فكم من مُؤمن كانَ في المدينةِ وغَيْرِها حينئذ ولم يحضروا بدراً؟! ثم قال عن أبي الفَرَجِ ابن الجوزي: والدَّليلُ على أَنَّ الخَضِرَ ليسَ بباقٍ في الدُّنيا أربعةُ أشياءَ القُرآنُ والسُّنَّةُ، وإجماعُ المُحققين من العُلماء، والمعقول.
أمَّا القُرآنُ: فقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34]، فلو دامَ البقاء له كانَ خالِداً.
قُلتُ: قد سبقَ عنه الجواب على وجهِ الصَّوابِ، وليسَ المُراد به طُول العمر، فإنَّ عيسى عليه السَّلامُ كانَ قبل نبينا، وقد طال عمره بإجماع الأنامِ. قالَ: وأمَّا النَّقلُ، فَذَكَرَ حديث: «أرأيتكُم ليلتكم هذه، فإنَّ على رأس مئة سنة لا يبقى على ظَهْرِ الأَرضِ ممَّن هو اليوم أحدٌ». متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن جابرٍ رضيَ الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ مَوتِه بقليل: «ما من نفسٍ مَنفُوسة يأتي عليها مئة سنة وهي يومَئِذٍ حيَّةٌ.
أقولُ: ولا شَكٍّ أنَّها مُقيَّدةٌ بما على وَجهِ الأَرضِ؛ لما سبق من الحديث الأصح.
ثمَّ ذَكَرَ عن البُخارِيِّ، وعلي بن مُوسَى الرَّضَا: أَنَّ الخَضِرَ مَاتَ. أقولُ: لو صَحَّ هذا عنهما ليقال لهما: متى مات؟ وما الدليل على مماتِه المُنافي لبقاء حياته؟
وذَكَر: أَنَّ البُخارِيَّ سُئِلَ عن حياتِه فقالَ: كيف يكون ذلك وقد قال عليه السَّلامُ «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنَّ على رأس مئة سنة لا يبقى من على ظهر الأرض أحد». قال: وممن قالَ إِنَّ الخَضِرَ ماتَ»: إبراهيمُ بنُ إسحاق الحربي، وأبو الحُسَينِ ابنُ المُنادِي، وهما إمامانِ، وكانَ ابنُ المنادِي يُقَبِّحُ قولَ مَن يقولُ: إِنَّه حي.
و حَكَى القاضي أبو يعلى مَوتَه عن بعض أصحاب محمد ه. قُلتُ: فيكون هؤلاء مُخالفين لجمهورِ العُلماء والصُّلَحاءِ، مَعَ أَنَّه لا مُستنَدَ لهم
فيما أبرَزُوا من الادعاء!
قال: وذكر عن بعض أهل العلم أنَّه احتج بأنَّه لو كانَ حَيَّا لَوَجَبَ عليه أن يأتي إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
والجواب عنه قد تقدَّم.
وأما قوله: قال أحمدُ: حَدَّثَنَا شُرَيحُ بنُ النُّعمانِ، حَدَّثنا هُشَيمٌ، أَنْبَأَنَا مُجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو أنَّ مُوسَى كانَ حيَّاً ما وسِعَه إلا أن يَتَّبِعَني.
فكيفَ يكونُ حيَّاً ولا يُصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجُمُعَةَ والجَمَاعَةَ وَيُجاهِدُ معه؟! ألا ترى أنَّ عيسى عليه السَّلامُ إِذا نَزَلَ إلى الأرضِ يُصلِّي خلف إمام هذه الأمة، ولا يتقَدَّمُ؛ لئلا يكون ذلك خَدْشاً في نُبُوَّةِ نبينا؟!
قال أبو الفَرَج: وما أبعدَ فَهُمَ مَن يُثبِتُ وُجودَ الخَضِرِ وينسى ما في طَيِّ إِثباتِه من الإعراض عن هذه الشريعة!
فضَعفُه ظَاهِرُ؛ إذ القَولُ بنفي صلاته معه صلى الله عليه وسلم رَجم بالغَيبِ، معَ أَنَّه لا يُنافي المتابعة، فإنَّه لم يُعَدَّ من الأركان الدينيَّةِ، لا سيما إذا لم يكُنْ في المدينة. وكذا القَولُ بإعراضه عن هذه الشَّريعةِ من الكلماتِ الواهية الشنيعة.
قالَ: وأمَّا الدَّليلُ من المَعقولِ فمن عشرة أوجه: أحدها: أنَّ الذي أثبت حياته يقولُ: إنَّه وَلدُ آدَمَ لصلبه، وهذا فاسِد لوجهين: أحدهما: أنَّه يكون عمره اليوم ستة آلاف سنة، وقد ذُكِرَ في حسابِ بعض المُؤَرِّخين، ومثل هذا بعيد في العاداتِ أن يقع في حق بشر. قُلتُ: فَلْيَكُنْ مِن قَبيلِ خَرْقِ، العاداتِ، معَ أَنَّ هذا قول ضَعِيفٌ في الرّواياتِ. والثَّاني: أنَّه لو كان ولده لصلبه، أو الرَّابِعَ من أولادِه كما زعَمُوا أَنَّه كَانَ
وزير ذي القرنين لكانَ مَهُولَ الخِلْقَةِ، فإنَّ تلكَ الخِلْقَةَ ليست على خِلْقَتِنا، بل مُفرِطَةٌ في الطُّولِ والعَرْضِ.
ففي «الصَّحيحَينِ» من حديث أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ
قالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُه سِتُّونَ ذِراعاً، فلم يزَلِ الخَلْقُ ينقُصُ بعدُ.
و ما ذَكَرَ أَحدٌ ممَّن رأى الخَضِرَ أَنَّه رآه على خِلْقَةٍ عظيمة، وهو من أقدَمِ النَّاسِ. قُلتُ: الحديثُ مَحمولٌ على الغالب، فلا يبعد أن يكونَ بعضُ أولادِه أَقصَرَ من بعضهم، أَمَا تَرَى خِلْقَةَ يأجوج ومأجوج، وهُم مِن صُلْبِ يَافِثَ بنِ نُوحٍ، وطُولُهم قَدْرُ
شبر على ما ذَكَروه. ثمَّ لَا بِدْعَ أن يكونَ الخَضِرِ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّسْكُلِ والتَّصورِ بِأَيِّ صُورَةٍ شَاءَ كما حققناه في جَوابِ سُؤال لبعض أهلِ فَضْلِ وكَمال، ولم يَظْهَرْ على أحدٍ فِي خِلقَتِهِ الأصلية، كجبريل عليه السَّلامُ؛ فإنَّه كان يتشَكَّل عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غالباً على صورةِ دِحيَةً،
ولم يره عليه السَّلامُ في صُورَتِه الأصلية إلا مرَّتَينِ.
الوَجْهُ الثَّالثُ: أَنَّه لو كانَ الخَضِرُ قبلَ نُوحٍ لَرَكِبَ معه في السفينة، ولم ينقُلْ هذا أَحَدٌ.
قُلتُ: لا يلزَمُ من عدَمِ النَّقلِ عَدَمُ وُجودِه في العقلِ معَ احتمالِ أَنَّه دَخَلَه على وجه الإخفاء كما لا يخفى!
الوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ العُلماء قد اتفَقُوا أَنَّ نُوحاً لَمَّا نَزَلَ مِن السَّفِينَةِ مَاتَ مَن كَانَ معَه، ثمَّ ماتَ نَسلهم، ولم يبقَ غير نسلِ نوحٍ، والدليل على هذا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُوَ الْبَاقِينَ} [الصافات: ??]. وهذا يُبْطِلُ قولَ مَن قالَ: كَانَ قبل نوحٍ.
والجواب: أنَّه ماتَ مَن كانَ معَهم ظاهِراً، بدليل أَنَّ الشَّيطانَ أَيضاً رَكِبَ في السَّفينة، والآية تدلُّ على بقاءِ ذُرِّيَّتِه على وجهِ التَّناسُلِ، وهو لا ينفي وُجودَ مَن عَداهُم معَ أَنَّ كونه قبل نُوحٍ من الأقوالِ الضَّعيفة، والمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ذِي القَرْنَينِ، وقبل سيِّدِنا مُوسَى عليه السَّلامُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ هذا لو كان صحيحاً أنَّ بَشَراً من بني آدَمَ يعيشُ من حينٍ يُولَدُ إلى آخِرِ الدَّهرِ، ومَولِده قبل نُوحٍ، لكان هذا من أعظَمِ الآياتِ والعَجائب، وكانَ خبره في القُرآنِ مَذكُوراً في غيرِ مَوضِعٍ؛ لأنَّه من أعظَمِ آيَاتِ الرُّبوبيَّةِ، وقد ذَكَرَ اللَّهُ سُبحانه وتعالى من استحياه ألف سنة إلا خمسين عاماً وجَعَلَه آيةً، فكيفَ بمَن أحياه على أقل ما قيل ستَّةَ آلاف سنة، وتستَمِرُّ حياتُه إلى آخِرِ الدَّهرِ
قُلتُ: لا يلزَمُ من كَوْنِه أَعظَمَ الآياتِ أن يكون مذكوراً في القُرآنِ بالكَرَّاتِ والمَرَّاتِ، وإِنَّما ذكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ طُولَ عمرِ نُوحٍ تسلية لنبينا؛ ليعينه على صبرِ أذى قَومِه، وإمهالِ هَلاكهم، وتنبيهاً على ضَلالةِ قَومِ نُوحٍ وجهالَتِهم، وإصرارهم على كُفرهم وعَداوَتِهم، حتَّى اسْتَحَقُوا ما نَزَلَ بهم من مُوجِباتِ شَقاوَتِهم.
وأما القادِرُ على إيجاد العالم فلا يُش في قدرته على الإمداد، ولو كانَ أبد الآباد، مع أنَّ في ذكرِ طُولِ عُمر نوح تصريحاً، يُوجد إشارة إلى تجويز طُولِ العُمرِ أكثر منه تلويحاً. الوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ القَولَ بحياةِ الخَضِرِ قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القُرآنِ، أَمَّا المُقدِّمةُ الثانية فظاهِرةٌ، وأمَّا الأولى فإِنَّ حياته لو كانت ثابتةً لدَلَّ عليها القُرآنُ، أو السُّنَّةُ، أو إجماعُ الأُمَّةِ، فهذا كتابُ اللهِ، فأينَ فيه حياةُ الخَضِرِ؟ وهذه سُنّة رسول الله، فأينَ فيه ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء عُلماءُ الأُمَّةِ، [هل] أجمعوا على حياته؟ قُلتُ: أما حياته الأصلية، فإنَّها ثابتة بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأُمَّةِ، كما عُلِمَ
في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا} [الكهف: 65]. وإنَّما الكلام في بقائه المُدَّةَ الطَّويلة، فنأخُذُه من الاستصحابِ حَتَّى يَثبُتَ مَوتُه من طريق نقلِ الصَّوابِ. وقد قدمنا بعض الأحاديث ممَّا يدلُّ على وجوده من غير شهوده في زَمَنِه عليه السَّلامُ، وثبَتَ نقله عن الصَّحابة الكرام، ثم يكفيكَ إجماع المشايخ العِظامِ، وجُمهور العلماء الأعلام، على أنَّه حَيٌّ موجود بين الأنامِ، كما نقله ابنُ الصَّلاحِ والنَّووِيُّ وغيرهما من الفقهاء والمُحدِّثين الفِحَامِ. فالقَولُ بِمَوتِهِ رَجْمُ بالغَيبِ، فمن عابَ رَجَعَ عليه العَيبُ.
الوَجْهُ السَّابِعُ: أنَّ غايةَ ما يتمَسَّكُ به مَن ذَهَبَ إلى حياتِه حِكايات منقولة، يُخبِرُ الرَّجُلُ بها أَنَّه رَأَى الخَضِرَ، في اللهِ العَجَبِ! هل للخَضِرِ علامةٌ يعرِفُه بها مَن رآه؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخَضِرُ، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله، فمن أين للرائي أنَّ المُخبِرَ له به صادِقٌ لا يكذِبُ؟
قُلتُ: هذا بحث آخَرُ، فلا شكّ أنَّ القائل به يحتمل الصدق والكذِبَ في خَبَرِه. على أنَّ له علامات مشهورةً عند أهله، وهو كَونُ الْأَرْضِ تَحْضَرُّ عندَ قَدَمِه، وأنَّ طول قدمه ذراع ونحوه، ورُبَّما يظهَرُ بعضُ خَوارِقِ العاداتِ، ممَّا يَشْهَدُ بِصِدْقِه، على أنَّ المُؤمِنَ مُصَدَّقٌ بقولِه، بناءً على حُسنِ الظَّنِّ به، ألا ترى أَنَّ غَرِيباً إِذا دَخَلَ بلداً وقال: أنا سيدٌ يُصَدَّقُ حَتَّى يَثبُتَ القَولُ بنَفيه؟
والحاصِلُ: أنَّ الإثباتَ مُقدَّم على النَّفي عندَ الثَّقَاتِ.
الوَجْهُ الثَّامِنُ: أَن الخَضِرَ فَارَقَ مُوسَى بنَ عِمْرانَ كليمَ الرَّحمنِ ولم يُصاحِبه وقالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: ??]، فكيف يرضَى لنفسِهِ بِمُفارَقَةِ مِثلِ مُوسَى ثمَّ يجتمعُ بجَهَلةِ العبادِ الخارجين عن الشَّريعة، الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة، ولا مجلس علم، ولا يعرِفُونَ من الشَّريعة شيئاً؟ وكلُّ منهم يقولُ: قال لي الخَضِرُ، وجاءَني الخَضِرُ، وأوصاني الخَضِرُ، فيا عَجَباً له يُفارِقُ كَلِيمَ اللهِ تعالى ويدور على صُحبةِ الجُهَّالِ ومَن لا يعرِفُ كيف يتوضَّأُ، ولا كيف يُصلِّي
قُلتُ: والكذابونَ الدَّجَّالُونَ يكذبونَ على الله ورسوله، فلا يبعد أن يكذِبُوا على الخَضِرِ في قوله، وإنَّما الكلام في اجتماعه لأكابر الصُّوفيَّةِ من الزُّهَادِ والعُبَّادِ، حَتَّى الخوَّاصُ لمَّا سُئِلَ: ما رأى من الغَرائبِ في سَفَرِ حَجَّه؟ فقالَ: طَلَبَ الخَضِرُ مُرافقته فأبى، فسُئِل عن سببه، فقالَ: خَوفاً من النقص في توكَّلِه حيثُ يعتمدُ على وُجودِه. الوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ الأُمَّةَ مُجمِعَةٌ على أنَّ الذي يقولُ: أنا الخَضِرُ، لو قالَ: سَمِعْتُ رسول الله يقول كذا وكذا، لم يُلتَفَتْ إلى قولِه، ولم يُحتَجَّ به في الدِّينِ، إلا أن يُقالَ:
إنَّه لم يأتِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهِلُ: إِنَّه لم يُرسَلْ إليه، وفي هذا من الكُفْرِ ما فيه.
قُلتُ: أَمَّا القَوْلُ بعَدَم إرساله إليه باطِلٌ إجماعاً، وكذا القَولُ بِعَدَمِ إتيانِه إليه، وأمَّا عدَمُ المُبايعةِ الظَّاهرة لو سُلَّمَ معَ وُجودِ المُتابعةِ الباهِرَةِ؛ فلا يَضُرُّ لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد عده جماعةٌ من أرباب الأُصولِ في الصَّحابة، ولعلَّ عَدَمَ قبولِ روايته لعَدَمِ القَطْعِ في وُجودِه وشُهودِه في حالة رُؤيَتِه.
الوَجْهُ العاشِرُ: أَنه لو كانَ حَيَّاً لكانَ جِهادُه الكفَّارَ، ورباطه في سبيل اللهِ، ومَقامُه في الصَّفِّ ساعةً، وحُضوره الجُمعَةَ والجماعة، وتعليم العلم له؛ أفضَلُ بكثير من سياحته بين الوحوش في القِفارِ والفَلَواتِ.
قُلتُ: وهذا مُجازَفَةٌ في الكلام، فمن أين له نفي هذه الأشياءَ من الخَضِرِ عليه ا السَّلامُ؟ مع أنَّ العالم بالعلمِ اللَّدُنّي لم يكُنْ مُسْتَغِلاً إلا بما أَلهَمَه الله تعالى في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ بحَسَبِ ما يقتضي الأمرُ والشَّانُ، ولا يُقاسُ المُلوكُ بالحدّادين. فسُبحانَ مَن أقامَ العبادَ فيما أرادَ، فالتَّسليم أسلَمُ، واللَّهُ سُبحانه وتعالى أعلَمُوبما قدَّرَه وقضاهُ أَحكَمُ.
بعَونِ اللهِ تمَّ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ.