الجزء 1 · صفحة 7
كتاب الفروق
تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة أبي الفضل
محمد بن صالح بن محمود بن الهيثم
الكرابيسي الأشتابديزكي السمرقندي
(ت 322 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للبحوث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلواته على خير خلقه وآله
من مسائل العبادات
1 - النّية فرضٌ في التيمم دون الوضوء.
والفرق: أنّ الماء مطهرٌ بذاته، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}، وما يَطهر بذاته تتحقق الطهارة باستعماله، فاستغنى عن النية.
أما التيمم فغير مطهّر بذاته، بل هو تلويثٌ وتغبير، فلابد من انضمام النية إليه؛ لقصوره في إفادة الطهارة؛ على أنّه في نفسه عبارة عن القصد، قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}: أي لا تقصدوا، وإذا كان عبارة عن القصد، ولا قصد إلا بالنية، فافترقا.
2 - الدّابة إذا خرجت من أحد السّبيلين، تنقض الوضوء.
ولو خرجت من جرحٍ في البدن، لا تنقض الوضوء.
والفرق: أنّ الدابة طاهرة في نفسها؛ وهذا لو حملها وصلّى، جازت الصّلاة، وإنّما النّجس ما جاور النّجاسة، للخارج من أحد السّبيلين، وهو كالريح تنقض، فكذا النجاسة المجاورة لخروج الدودة منه.
وأما النّجاسة للخارج من غير السّبيلين فعفو، كالنجاسة المجاورة للحشا عفو، فكذا النجاسة المجاورة لخروج الدّودة.
3 - والمضمضة والاستنشاق فرضٌ في الجنابة.
سنةٌ في الوضوء.
والفرق: أنّ وقوع الجنابة بالنسبة إلى الحدث أقلّ وأندر، وعند ذلك لا حرج.
الجزء 1 · صفحة 7
وأما الحدث فمما يتكرر، و باعتبار التكرار يتحقق الحرج، والحرج مدفوع؛ ولهذا تقضي الحائض الصّوم، ولا تقضي الصّلاة.
4 - إذا أولج في القبل أو في الدبر، وجب الغُسْلُ من غير إنزال.
ولو أولج في بهيمة، لا يجب الغسل ما لم ينزل.
والفرق: أنّ السبب في القبل والدّبر كامل؛ لأنّ المحل مشتهى، والإنزال حقيقة قد يخفى عليه؛ فأقيم سبب الإنزال، وهو الإيلاج، مقام حقيقة الإنزال في حق وجوب الغسل؛ إذ الحكم يُدار على مظانه.
أما السّبب في البهيمة فقاصر، فلا يقام الإيلاج مقام الإنزال؛ لقصورٍ فيه، فتعلّق وجوب الغسل بحقيقة الإنزال، فافترقا.
5 - ولو توضأ بالخل وماء الورد، لا يجوز.
ولو أزال بهما نجاسة حقيقية عن الثوب والبدن، جاز.
والفرق: أنَّ إيجاب إزالة النجاسة الحكمية، أمرٌ تعبديٌ وغير معقول المعنى؛ لأنَّه لا نجاسة على الأعضاء حقيقة، فيقتصر على مورد النص، والشرع ورد بالإزالة بالماء المطلق.
أما جواز إزالة النّجاسة الحقيقية فمعقول المعنى؛ لوجودها حقيقة، فيُحكم بحصول الطهارة عند وجود القالع لها، والمائع قالع للنجاسة ومزيل لها يسري في أجزاء النجاسة، ومتى انتهت أجزاء النجاسة زالت عن المحل وهو الثوب أو البدن، وعند ذلك تحصل الطّهارة.
6 - المستحاضة تنتقض طهارتها بخروج وقت المكتوبة.
والمتيمم لا تنتقض طهارته بخروج الوقت.
والفرق: أنَّ طهارة التيمم معتبرة عند عدم الماء محكوم ببقائها ما لم يجد الماء، قال عليه السلام: ((التيمم كافيك ما لم تجد الماء))، فلا ينتقض بخروج الوقت.
أما طهارة المستحاضة فطهارة ضرورية، تثبت مع وجود المنافي لها، وهو سيلان الدم، غير أنّ الشارع أسقط اعتبار المنافي، وقدّرها بالوقت؛ للحاجة إلى الأداء في الوقت، وبخروج الوقت زالت
الجزء 1 · صفحة 8
الحاجة، فظهر انتقاض الطهارة.
7 - صاحب العذر، إذا توضأ في وقت الظهر مع السّيلان، وشرع في الصّلاة، فخرج الوقت وهو في الصلاة، لا يبني على صلاته.
والصّحيح إذا سبقه الحدث، وهو في الصلاة، يتوضأ ويبني.
والفرق: أنَّ جواز البناء، عرف نصاً بخلاف القياس، وذلك في الحدث الطارئ، وحدث الصّحيح طارئ، فجاز البناء.
أما حدث صاحب العذر فحدث مقارن، فمنع جواز البناء جرياً على قضية القياس، فافترقا.
8 - صاحب العذر إذا توضأ في وقت الظهر على السيلان، ثم انقطع وصلّى على الانقطاع، ودام الانقطاع حتى مضى وقت العصر، ودخل وقت المغرب، كان عليه إعادة الظهر.
ولو كان الدّم سال في وقت العصر، لا يعيد الظهر.
والفرق: أنّه لما دام الانقطاع حتى خرج وقت العصر، فقد انقطع الدّم وقتاً كاملاً، فلم يكن صاحب عذر، فقد صلّى الظهر صلاة ذوي الأعذار، والعذر زائل، فيعيد الصلاة.
أما إذا كان الدم سائلاً في وقت العصر فلم ينقطع وقتاً كاملاً، فكان صاحب عذر، فقد صلّى الظهر صلاة ذوي الأعذار، والعذر قائم، فيجوز ولا تجب الإعادة، فافترقا.
9 - ولو كان معه إناءان أحدهما طاهرٌ والآخر نجس، لا يتحرّى ولا يتوضأ.
ولو كان معه ثوبان أحدهما طاهرٌ والآخر نجس، تحرّى وصلّى في أحدهما.
والفرق: أنّ حكم الصلاة في الثوب النجس، أخف من التوضئ بالماء النجس؛ ألا ترى أنّه لو كان في سفر، ومعه ثوبٌ ربعه طاهر وثلاثة أرباعه نجس، فإنّه يصلي فيه، لا يجوز له غير ذلك.
ولو كان معه إناء من ماء، فيه قطرة من النجاسة، فإنّه لا يتوضأ به ويتيمم
فثبت أنّ حكم النّجاسة على الثوب أخف، فافترقا.
وفرقٌ آخر: وهو أنّ الماء يفوت إلى خلف وهو التيمم، فلا حاجة إلى استعمال النجس.
الجزء 1 · صفحة 9
بخلاف النّجاسة على الثوب، فإنّه لو ترك لبس الثوب لا يفوت إلى خلف، فكانت الضرورة متحققة.
10 - ولو كانت الأواني ثلاثة: اثنان طاهران، وواحد نجس، فإنّه يتحرّى، ويتوضأ بأحدها.
بخلاف الإناءين.
والفرق: أنّه ترجّح جانب الطهارة، باعتبار الغلبة والكثرة، فيجوز له التحري عند الضرورة، كالذكية إذا كانت أكثر من الميتة يتحرّى ويأكل؛ لما قلنا.
بخلاف الإناءين؛ لأنهما تساويا وترجّح جانب المحرِّم على جانب المبيح، فافترقا.
11 - ولو أعتق جارية له بعينها، ثم نسيها، أو خليت مع جواريه وهن عشرة فاشتبهت عليه بينهن، فإنّه لا يتحرى ولا يطأ واحدة من جواريه.
وفي الشاة الواحدة الميتة إذا اختلطت بعشر مذبوحات، فإنّه يتحرى، ويأكل في حال الاختيار.
والفرق: أنّ الميتة تباح له حالة الضرورة، فثبت له الإباحة مع التحري حالة الاختيار.
أما ما لا يباح له حالة الضرورة فلا يثبت له الإباحة مع التحري.
وفرقٌ آخر: وهو أنّ الأصل في الفروج الحرمة، وإنّما تثبت الإباحة فيها إذا ثبت الحل بيقين، فإذا لم نتيقن الحل تبقى الحرمة بقضية الأصل.
أما الأموال فالأصل فيها الإباحة، إلا اذا تيقنا الحرمة، و عند الاشتباه لم نتيقن الحرمة، فبقيت الإباحة ثابتة بقضية الأصل.
والحيلة في حل الوطء أن يتزوّج كل واحدة منهن، فيصح نكاح المعتقة، ويحل وطؤها به ويلغو نكاح الباقيات، ويحل وطؤهن بملك اليمين.
12 - ولو كان بإحدى رجليه جراحة عليها جبيرة، فتوضأ ومسح على الجبيرة وغسل الرجل الصحيحة، ولبس الخف على الصحيحة وحدها ثم أحدث وتوضّأ، لا يمسح على الخف في الصّحيحة.
ولو لبس الخفين عليهما، والمسألة بحالها، ثم أحدث وتوضّأ، جاز له المسح عليهما.
الجزء 1 · صفحة 10
والفرق: أنّ الثّلاث من أصابع الرِّجل والأكثر له حكم الكل، فكان خروجها كخروج الرِّجل؛ وذلك يمنع المسح، فكذا هذا، وفقه ذلك أنه يمنع قطع المسافة، وأمر المسح يدور على قطع المسافة، فبطل المسح.
أما الخرق اليسير فلا يمنع قطع المسافة، وخفاف الناس لا تخلو منه عادة وفي اعتباره حرج؛ وذلك مدفوعٌ فلا يمنع، فافترقا.
13 - ولو كان في الخفين خروق، لو جُمعت تكون مقدار ثلاثة أصابع لا تُجمع، ويجوز المسح عليهما.
ولو كان بثوبه أو بدنه نجاسة متفرّقة، لو جُمعت تزيد على قدر الدّرهم، فإنّها تُجمع ولا تجوز الصلاة معها.
والفرق: أنّ المانع من جواز الصلاة مع النجاسة، حملها في الصلاة؛ وذلك يتحقق في المتفرقة، فلا تجوز الصلاة.
أما جواز المسح على الخف فشرع رخصة في حقه، كما أمكن قطع المسافة به، و مع الخروق المتفرقة يتحقق قطع المسافة، فيجوز له المسح؛ دفعاً للحرج عنه.
14 - لو توضّأ بسؤر الحمار، وتيمم، ثم لبس الخفين، ثم أحدث، ووجد سؤر الحمار لم يجد غيره؛ فإنّه يتوضّأ ويمسح.
ولو توضّأ بنبيذ التمر لم يجد غيره، فإنّه يتوضأ ولا يمسح.
والفرق: أنّ لبس الخف في التّوضئ بالسّؤر، حصل على طهارة كاملة؛ لأنّه لم يقع اختلاف العلماء في جواز التوضئ به، وأنّه إن كان طهوراً فقد حصل اللبس على طهارة كاملة، وإن لم يكن طهوراً، فالطهارة حاصلة بالتيمم، ولا حَظَّ للرِّجل منه، فكيف ما كان اللبس حاصل على الطهارة الكاملة.
أما اللبس على التّوضئ بنبيذ التّمر فحصل على طهارة ناقصة؛ لاختلاف العلماء في جواز التّوضئ به، ومع الطّهارة النّاقصة لا يجوز المسح.
الجزء 1 · صفحة 11
وفرقٌ آخر: أنّ نبيذ التمر بدل عن الماء عند أبي حنيفة؛ لوجهين، أحدهما: أنّه شرطُ النية في التوضئ به عنده، والثاني: أنّه لو وَجَدَ المتوضِئ به، الماء المطلق في خلال صلاته، تبطل صلاته.
والمسح على الخف بدل عن غسل الرِّجل، فلو جاز المسح على الخف إذا توضأ به، يؤدي ذلك إلى الجمع بين البدل وبدل البدل، والبدل لا يكون له بدل.
أما السُّؤر فليس ببدل عن الماء المطلق؛ ولهذا لو وجد المتوضِئ به الماء في خلال صلاته، يمضي على صلاته ولا تبطل، ويُعيد احتياطاً، ولا تُشترط النية في التّوضئ بسؤر الحمار، فلو مسح على الخف إذا توضّأ به لا يكون ذلك بدل البدل، فيمسح، فافترقا.
15 - متيممان قال لهما رجل معه ماء يكفي لأحدهما: هذا الماء يَتوضأ به أيكما شاء، بطل تيممهما جميعاً.
ولو وهب الماء منهما، فقبضاه منه، لا يبطل تيممهما.
والفرق: أنّ في الإباحة تثبت القدرة لكل واحدٍ منهما على سبيل البدل فانتقض تيممهما بذلك، كما لو وجدا في المفازة ماء يكفي لأحدهما وهما متيممان.
أما الهبة فأوجبت ثبوت الملك لهما في الموهوب، فكان الثّابت لكل واحدٍ منهما بعضه؛ وذلك لا يكفي لتوضيه، فلم تثبت القدرة لكل واحد منهما على الماء الكافي لوضوئه، فلا ينتقض تيمم كل واحد منهما، فافترقا.
16 - لو تيمم ومعه ماء في رحله ولا يعلم به وصلّى، جازت صلاته.
ولو كانت عليه كفارة يمين فكفّر بالصوم وفي ملكه عبد لا يعلم به؛ بأن ورثه، لا يجزئه ذلك الصّوم عن الكفارة.
والفرق: أنّ شرط جواز التيمم، العجز عن استعمال الماء، إما حقيقة أو حكماً، أما حقيقة فظاهرٌ، وأما حكماً، فإنّه لو كان معه ماء يكفي لحاجة العطش لا غير فيجوز له التيمم، وكذلك إذا وجده بأكثر من ثمن المثل، والناسي عاجز حكماً، فجاز له التيمم.
أما شرط جواز التّكفير بالصوم فعدم الملك حقيقة، وبالإرث هو مالك للعبد حقيقةً، فمنع
الجزء 1 · صفحة 12
ذلك من جواز التّكفير بالصّوم.
?? - لو تيمّم لصلاة الجنازة، أو لسّجدة التّلاوة، جاز له أن يصلي المكتوبة به.
ولو تيمم لردّ السّلام، أو لدخول المسجد، لا يجوز له أن يصلّي المكتوبة بذلك التيمم.
والفرق: أنّ التيمم لصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وقع لعبادة مقصوده لا صحة لها إلا بالطهارة، وهذا يُشترط فيهما استقبال القبلة كالمكتوبة.
أما ردّ السّلام ودخول المسجد والمرور فيه فليس بعبادة مقصودة بل وسيلة إلى شيء آخر.
والتيمم طهارة ضرورية، فلا تُعتبر إلا إذا وقعت لعبادة لا صحة لها إلا بالطهارة؛ ولهذا لو تيمّم النّصراني يريد الإسلام ثم أسلم، لا يجوز له أن يصلي المكتوبة بذلك التيمم؛ لأنّ الإسلام عبادة لها صحة بدون الطّهارة.
?? - المسافر إذا كان مع رفيقه ماء، فشك أنّه يعطيه إياه، فتيمم وصلّى ثم سأله بعد ذلك فأعطاه، فإنّه يتوضأ به ويعيد ما صلّى.
ولو سأله قبل الصلاة فمنعه فتيمم وصلّى، ثم سأله بعد ذلك فأعطاه، فإنَّه لا يُعيد تلك الصلاة.
والفرق: أنّه لمّا شكَّ في الإعطاء فتيمم فصلّى ثم سأله وأعطاه، ظهر بالإعطاء أنّه كان قادراً حالة التيمم، فإنّه لو طلب منه أعطاه، ومع القدرة لا يجوز التيمم.
وفيما إذا سأله ومنعه، تحقّق العجز بالمنع وهو شرطُ جواز التيمم، ثم بالإعطاء بعد ذلك، لا يظهر أنّ العجز لم يكن متحقّقاً، وبالعجز يتحقّق جواز التّيمم.
19 - لو وجد القتيل في المعركة، والدّم يخرج من عينه، أو من أُذنه، يكون شهيداً ولا يغسّل، وإن كان الدّم يخرج من أنفه أو من دبره، لا يكون شهيداً ويغسّل.
والفرق: أنّ الدّم لا يخرج من العين والأذن بدون الضّرب عادة، فكان موته مضافاً إلى جناية الكفار دلالة، وقتيل الكفار يكون شهيداً.
أما خروج الدم من الأنف والدّبر فيكون بدون الضرب في العادة، من الأنف
الجزء 1 · صفحة 13
بالرّعاف، ومن الدّبر بالمرض وغيره، فلا يكون موته مضافاً إلى العدو، فلا يكون شهيداً، فيغسّل، فافترقا.
?? - لو صلّى الإمام بالناس صلاة الخوف، وجعلهم طائفتين، فصلّى بالطائفة الأولى الركعة الأولى من المغرب، فانصرفت.
ثم صلّى بالطائفة الثّانية الرّكعة الثّانية من المغرب فانصرفت.
فصلاة الثّانية جائزة، وصلاة الأولى فاسدة، فافترقا.
والفرق: أنّ الطّائفة الأولى انصرفت قبل أوان الانصراف؛ لأنّ أوان انصراف الطائفة الأولى بعد القعدة الأولى، والانصراف قبل أوانه مفسدٌ؛ لأنّه انصراف من غير عذر.
أما الطائفة الثّانية، فانصرافهم بعد القعدة الأولى في أوانه؛ لأنّهم من الطائفة الأولى؛ لأنّهم أدركوا ركعة من الشطر الأول، ومن أدرك ركعة من الشطر الأول، فحكمه حكم الطائفة الأولى، وإذا وقع الانصراف في أوانه لا يكون مفسداً، فوضح الفرق.
21 - لو كان به جرحٌ لو صلّى قائماً يسيل جرحه، ولو صلّى قاعداً لا يسيل، يصلّي قاعداً.
ولو كان بحالٍ لو صلّى قائماً يسيل، ولو صلّى مستلقياً لا يسيل، يصلّي قائماً، ولا يصلي مستلقياً على قفاه.
والفرق: أنّ الصّلاة مع سيلان الدّم لا تجوز إلا حالة الضّرورة، أما الصّلاة بدون القيام فتجوز حالة الاختيار، كما في حالة التّطوع، فقد ابتلي بين ترك القيام، وبين الصّلاة مع السّيلان، وترك القيام أسهل، فيصلّي قاعداً.
أما الصّلاة مستلقياً فلا تجوز إلا في حالة الضرورة، والصّلاة مع السيلان كذلك، فاستويا، وترجّح جهة القيام؛ لما فيه من إحراز الأركان، فلا يصلّى مستلقياً، ويصلّي قائماً؛ لرجحانه على الاستلقاء.
22 - المحبوس في السّجن إذا لم يجد ماء، ووجد تراباً نظيفاً، فتيمم وصلّى، ثم وجد ماءً بعد ذلك؛ فإنّه يتوضأ، ويعيد ما صلّى.
الجزء 1 · صفحة 14
ولو تيمم لخوف سبعٍ كان واقفاً على الماء، أو لصٍ، فصلّى بالتيمم؛ فإنّه لا يعيد ويكون عذراً.
والفرق: أن المنع حصل من جهته؛ لأن الحبس مضافٌ إلى سبب ما باشره، فلا يكون ذلك عذراً.
أما في المسألة الثانية، فما حصل المنع بأمر من جهته، بل من جهة غيره، فيكون معذوراً.
ونظير هذا الفرق: ما لو صلّى مقيّداً وهو في السجن قاعداً؛ فإنّه يعيد الصّلاة، ولا يكون ذلك عذراً.
ولو كان مريضاً، فصلّى قاعداً، وهو عاجز عن القيام؛ فإنّه يجزئه ذلك، ولا يعيد الصّلاة، ويكون عذراً.
ووجهه: أنّ العذر في الصلاة مع القيد مضافٌ إليه.
أما المرض عند رجاء من له الحق وهو الله - سبحانه وتعالى - فيكون ذلك عذراً، فلا يعيد.
23 - الأميّ إذا أمّ قوماً فيهم قارئ وأميّ، فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة.
والعاري إذا صلّى بقوم عارين وكاسين، لا تفسد صلاة الكاسين.
والفرق: أنَّ القارئ خلف الأميّ ترك القراءة مع القدرة عليها؛ لأنَّه قادر على أن يقتدي بالقارئ، وقراءة الإمام قراءةٌ له، والتّرك مع القدرة مفسدٌ؛ لترك القراءة، وهو قادر عليها حقيقة.
أما العاري، فلو صلّى خلف لابس، لا تكون كسوة الإمام كسوة له، فلا يكون تاركاً مع القدرة، فافترقا.
24 - الإمام إذا ظنّ أنّه أحدث، فانصرف ليتوضأ، ثم علم أنّه لم يُحدث، وهو بعد في المسجد لم يخرج؛ فإنّه يبني على صلاته.
ولو ظنَّ أنَّه على غير وضوء، أو ظنَّ أنَّ على ثوبه أو بدنه نجاسة، أو كان متيمّماً، فرأى سراباً من مكانٍ فظنه ماء، فانصرف ليتوضأ، أو يغسل نجاسة ثم ظهر أنّه لم يكن شيئاً مما وقع في ظنه به، وهو في المسجد؛ فإنّه يستقبل الصّلاة ولا يبني.
الجزء 1 · صفحة 15
والفرق: أنَّ الانصراف في الوجه الثّاني انصراف على سبيل الرّفض والإبطال؛ ولهذا لو تحقّق أن الحق ما ظنه تبطل، والانصراف المجوّز للبناء، الانصراف لأجل إصلاح الصّلاة لا لإبطالها.
أما في الوجه الأول، فالانصراف وقع لا على سبيل الرّفض؛ ولهذا لو تحقّق ما وقع به ظنّه، لا تبطل صلاته، فيكون هذا انصرافاً لأجل إصلاح صلاته؛ وذلك على وفق ما ورد به الشّرع، فلا يكون مفسداً.
ونظير هذا الفرق: ما ذكر في ((العيون)): مُصلّي العشاء إذا صلّى منها ركعتين، فظنّ أنّها ترويحة فسلّم، أو مصلّي الظهر إذا صلّى ركعتين، فظن أنّها جمعة، فسلم، أو ظن بعد ما صلّى ركعتين من الظهر أنه مسافر فسلم، ثم ظهر له خلاف ذلك؛ فإنّه يستقبل الصلاة في هذه المواضع.
ولو ظنَّ وهو في العشاء أو الظهر أنّه صلّى أربعاً، وقد كان صلى ركعتين فسلّم، ثم تبيّن له، فإنّه يبني على صلاته ويأتي بركعتين.
والفرق: ما ذكرنا أنّ في المسائل الأُول، سلّم بعدما تيّقن الرّكعتين، فكان هذا سلام عمد، وذلك قاطعٌ للصّلاة؛ لوجوده في خلالها، كأنّه صلّى الظهر ركعتين، وهو عالم بذلك، فتفسد صلاته.
أما في الثانية، فسلّم وفي ظنه أنّه صلّى أربعاً، ولو ثبت ذلك وتحقّق، لا تبطل صلاته، فلا يكون سلامه عمداً وُجد في غير موضعه فلا يكون قاطعاً فلا تفسد صلاته، فافترقا.
25 - لو قرأ آية السّجدة على الدّابة مراراً، والدّابة تسير به، يجب عليه بكل تلاوة سجدة.
ولو تلاها في السّفينة مراراً، تكفيه سجدة واحدة.
والفرق: أنَّ سير الدّابة مضافٌ إليه، تسير بإرادته وتقف باختياره، وبالسّير يتبدّل المجلس في حقه فتكرر الوجوب عليه، ويجب بكل تلاوة سجدة.
أما سير السّفينة فغير مضاف إليه، قال الله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِى بِهِمْ فِي مَوْجٍ سير كَالْجِبَال} أضاف الجريان إليها، وهي لا تسير بإرادته واختياره، فكان المجلس متّحداً، فيتّحد الوجوب عند اتحاد المجلس، كذا نُقل عن أبي عبد الرحمن السّلمي، معلّم الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - أنّه كان لا يسجد للمكرّر من التّلاوة في المجلس إلا سجدة واحدة.
الجزء 1 · صفحة 16
26 - ولو تلاها على الدّابة مراراً وهو يصلي، يكفيه سجدة واحدة.
ولو كان في غير حالة الصّلاة، يسجد لكل مرّة.
والفرق: أنَّ حرمة الصّلاة، تجعل الأماكن المختلفة في حكم المكان الواحد، ضرورة صحة الصلاة، إذ لو اختلف بطلت صلاته، فاتحد المكان لهذه الضّرورة، واذا كان متّحداً، يكفيه سجدة واحدة.
وهذا المعنى معدومٌ خارج الصلاة - وهو ما ذكرنا من الضّرورة - فبقي المجلس مختلفاً، فيجب بكل تلاوة سجدة، فافترقا.
27 - ولو تلا آية السّجدة، ثم قام قبل أن يسجد ثم قعد ثم تلاها مرّة أخرى، يسجد سجدة واحدة، ولا يتبدّل المجلس بقيامه.
وفي خيار المخيّرة، لو قامت من مجلسها، بطل خيارها.
والفرق: أنَّ بالقيام لا يتبدّل المجلس؛ لأنّه محتاجٌ إليه للتّعليم والتّعلم، وكذا لا يتبدّل بالخطوة والخطوتين؛ للحاجة.
أما المخيّرة، فيبطل خيارها بالإعراض عما فوّض إليها الزّوج، وبالقيام عن المجلس تصير معرضة، فلهذا بطل خيارها، فافترقا.
28 - المقتدي إذا تلا آية السّجدة خلف الإمام، فسمع القوم والإمام لا يجب عليهم السّجود.
والجُنب أو الحائض إذا تليا آية السّجدة، فسمع إنسان، يجب عليه السّجود.
أو نقول: الحَجر يمنع الحكم، كطلاق الصّبي وعتاقه، أما النهي فلا يمنع الحكم، كالبيع وقت النداء.
والفرق: أنّ المقتدي محجورٌ عليه في القراءة في الصّلاة؛ لأنَّه مَوْلِيُّ من جهة إمامه؛ لأنَّ قراءة الإمام تَنفُذُ عليه، وتصرف المحجور لا يفيد الحكم فلا يجب عليه السّجود.
أما الجنب والحائض فمنهيان عن القراءة غير محجور عليهما، والنّهي عن الشّيء يقتضي تصوّر
الجزء 1 · صفحة 17
ذلك الشيء ووجوده، وإذا وجد من يسمع، وجب عليه السجود؛ لوجود سبب الوجوب في حقه، فافترقا.
بخلاف ما إذا سمع تلاوة المقتدي آية السّجدة رجلٌ ليس معهم في الصلاة حيث يجب عليه السّجود؛ لأنَّ الحجر يثبت في حق القوم قصراً عليهم، فلا يتعداهم، فبقيت التّلاوة معتبرة في حق من هو خارج الصّلاة، فيجب عليه، فافترقا.
فصل
[الصلاة وغيرها]
29 - صبيٌ نام بعد ما صلّى العشاء، فاحتلم قبل طلوع الفجر، فإنَّه يقضي.
ولو بلغت الصّبية بالحيض قبل طلوع الفجر بعد ما صلّت العشاء، فإنّها لا تقضي العشاء.
والفرق: أنّ الحيض لو طرأ على الصّلاة الواجبة أسقطها، فإذا قارن الوجوب منعه، وقد قارن؛ لأنّ الوجوب متعلّق بآخر الوقت؛ ولهذا لو طهرت في آخر الوقت وقد بقي منه ما يمكّنُها أداء الصّلاة أو التّحريمة، تجب عليها تلك الصلاة.
أما البلوغ، فغير مانع من إيجاب الصّلاة على الصّبي، والمؤدّى في أول الوقت وقع نفلاً؛ لأنّه لم يكن أهلاً لوجوب الأداء في أول الوقت، والنّفل لا ينوب أداؤه عن الفرض؛ فلهذا يقضي الصّبي دون الصّبية، فافترقا.
30 - صبيٌ وكافرٌ سافرا، ثم أسلم الكافر وبلغ الصّبي، وقد بقي بين مقصدهما دون مدة السّفر، فالكافر يقصر فيما بقي من السفر.
والصّبي لا يقصر.
والفرق: أنّ الكافر كان من أهل النّية حالة إنشاء السَّفر؛ لأنَّه أهلٌ لإنشاء السّفر، فتحقّقت المسافة في حقه، وبالإسلام صار مخاطباً بالصّلاة في سفره، وهو مسافرٌ من حين الخروج، فيقصر.
أما الصّبي، فليس بأهل لنية إنشاء السَّفر، فلم يكن ما مضى من السَّفر مُعتبراً في حقه، فتعتبر
الجزء 1 · صفحة 18
مدّة السَّفر من حين بلغ، فلا يقصر، فافترقا.
31 - مسافرٌ مسبوقٌ بركعة، صلّى خلف الإمام مسافراً، ثم قام يقضي ما سُبق به، فنوى الإقامة، يصلّي أربعاً.
ولو كان لاحقاً، فقام يقضي ما فاته من الصّلاة بعد فراغ الإمام، فنوى الإقامة، يصلّى ركعتين لا غير.
والفرق: أنَّ اللاحق فيما يأتي به يقضي صلاة الإمام، كأنّه يؤدي خلف الإمام؛ ولهذا لو سها لا يسجد للسهو، وقد تقرّر الفائت في حق الإمام ركعتان، ونية الإمام الإقامة بعد الفراغ لا تؤثّر في تغيّر الصّلاة، فكذا اللاحق؛ لأنّه تبع له.
أما المسبوق فيما يقضي فمنفرد، ولهذا إذا سها يسجد للسّهو، فكان مؤدّياً للصّلاة لا قاضياً، ونية الإقامة تعمل في الأداء، فتحوّل فرضه أربعاً، فصلّى أربعاً، فافترقا.
32 - مسافرٌ اقتدى بمقيم في الظّهر في الوقت، ثم تكلّم الإمام في الصّلاة، فسدت صلاتهما، ويصلّي المسافر ركعتين، ولا يلزمه الأربع؛ لأنّه التزم الأربع بالمتابعة للمقيم، وقد انقطعت المتابعة بفساد الصّلاة، وإذا انقطعت المتابعة لا يلزمه الأربع؛ ولهذا لو صلّى مسافرٌ خلف مسافر، فأحدث الإمام، فقدّم مقيماً، لا يلزم المقتدي أربعا؛ لأنّه التزم صلاة المسافر دون المقيم.
ولو كان المسافر اقتدى بالمقيم في صلاة الظهر متنّفلاً، ثم تكلّم الإمام، فإنّ المسافر المقتدي، يصلّي أربعاً.
والفرق: أنّ في المسألة الأولى التزم متابعة الإمام، وقد انقطعت المتابعة.
أما في المسألة الثّانية، فالتزم صلاة الإمام بالشّروع معه متنفلاً؛ لأنَّ النّفل لم يكن عليه، وصلاة المقيم أربعاً، فكذا المسافر.
أما الفرض فشُرع مسقطاً لما عليه لا ملتزماً، فافترقا.
33 - لو قدّم يوم الجمعة رجلٌ ولاه الإمام الإمامة، والقوم في الخطبة، فحضرها القادم، ثم عزل الخطيب، وأمر رجلاً غيره يصلّي بهم الجمعة، جاز.
الجزء 1 · صفحة 19
ولو لم يكن القادم حضر الخطبة، فأمر غيره فصلّى بهم الجمعة، لم يجز.
والفرق: أنّ شهود الخطبة شرطٌ لافتتاح الجمعة، ففي الصورة الأولى كان القادم حاضر الخطبة، فصح أمره.
وفي الصّورة الثّانية، لم يكن حاضر الخطبة، فلا يصح أمره بذلك، فافترقا.
34 - لو أدرك الإمام في صلاة الجنازة بعد ما كبّر لا يكبّر، وينتظر تكبيرة الإمام.
ولو كان حاضراً مع الإمام، ولم يكبّر حتى كبّر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين؛ فإنّه يكبّر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام.
والفرق: أنَّ كل تكبيرة من صلاة الجنازة بمنزلة ركعة، فإذا سبقه بتكبيرة، فقد صار مسبوقاً، والمسبوق لا يبتدئ بقضاء ما سُبقَ به.
أما إذا كان حاضراً، فهو لاحق، واللاحق يبتدئ بما فاته خلف الإمام، فلهذا لا ينتظر ويكبّر، فافترقا.
35 - لو صلّى الإمام على جنازة، ثم علم أنّه على غير طهارة، أعادوا الصّلاة على الجنازة بطهارة. ولو كان الإمام على طهارة، والقوم على غير طهارة، لم يعيدوا الصلاة على الجنازة.
والفرق: أنَّ الإمام إذا كان على غير طهارة فسدت صلاته وصلاة القوم أيضاً، فيعيدوا الصلاة على الجنازة.
أما إذا كان الإمام على طهارة، والقوم على غير طهارة، فقد صحّت صلاة الإمام؛ وبذلك تحقّق إقامة فرض الصّلاة على الجنازة، فلو وجبت الإعادة بعد ذلك تتكرر الصلاة على الجنازة، وذلك غير مشروع، فافترقا.
36 - المسبوق بركعة إذا قام يقضي بعد ما سلّم الإمام، ثم تذكّر الإمام أنّ عليه سجود سهو، فعاد إلى سجود السّهو، ولم يُعد المسبوق معه، تصح صلاته.
ولو تذكّر الإمام سجدة التّلاوة فعاد إلى سجدة التّلاوة ولم يَعد المسبوق معه، تفسد صلاته.
والفرق: أنَّ محل أداء سجدة التلاوة في الصلاة الصلاة، فبطلت بالعود إلى محلّ الصلاة، ووجب
الجزء 1 · صفحة 20
على المقتدي المتابعة، فإن لم يتابعه تفسد صلاته؛ لأنّه انفرد قبل فراغ الإمام من الصّلاة.
أما سجود السّهو، فلا يُبطل القعدة؛ لأنَّه يؤَدّى بعدها، فكانت القعدة موجودة من المسبوق، فإذا لم يُعد، لا تفسد صلاته؛ لأنّه قام بعد فراغ الإمام من الصّلاة، بخلاف الصّورة الأولى.
37 - لو سافر في نهار رمضان لا يباح له الإفطار في ذلك اليوم.
ولو مرض في يوم من رمضان، يباح له الإفطار.
والفرق: أنّ المرض حصل بأمر غير مضاف إليه، بل هو مضاف إلى من له الحق، وهو الله تعالى، فكان معذوراً، فيباح له الإفطار، إذ يسقط بإسقاط صاحبه.
أما إذا كان مقيماً، فقد وجب عليه صوم هذا اليوم، فإذا سافر، فالسّفر حاصل باختياره، فلا يظهر السّفر في إسقاط حق وجب عليه؛ لأنّه لا يقدر على ذلك، فلا يباح له الإفطار.
38 - أصبح مقيماً فأكل متعمّداً ثم سافر، فعليه الكفّارة.
ولو أكل بعد ما سافر، لا كفارة عليه.
والفرق: أنَّ السفر مبيح للفطر، فأورث ذلك شبهة في سقوط الكفارة، وحالة الأكل كان مسافراً، فسقطت الكفّارة للشبهة.
أما في الصّورة الأولى، فلم يوجد المبيح حالة الأكل؛ لأنّه كان مقيماً، وهو ممنوع من الأكل في تلك الحالة، وقد أفسد صوماً تاماً بالأكل، فلا تسقط عنه الكفارة.
39 - ولو مات إنسان، جاز لزوجته أن تغسّله.
ولا يجوز ذلك لأم ولده.
والفرق: أنّ فراش الزوجية باق بعد الموت من وجهٍ؛ نظراً إلى قيام العدّة، وثبوت النّسب، فجاز لها أن تغسله.
أما أمّ الولد، فتعتق بموته، فصارت أجنبية، وعدّتها عدّة وطئ بطريق الاستبراء، بسبب زوال الملك، والأجنبية لا يباح لها ذلك.
الجزء 1 · صفحة 21
40 - الكافر إذا غُسّل بعد ما مات ثم وقع في ماء، تنجّس ذلك الماء.
والمسلم إذا غسّل بعد ما مات ثم وقع في ماء، لا ينجّس ذلك الماء.
والفرق: أنّ غسل المسلم تعلّق به حكم شرعي، وهو جواز الصّلاة عليه، فصار محكوماً بطهارته، ووقوع الطاهر لا يوجب التّنجيس.
أما الكافر، فلم يتعلّق بغسله حكمٌ شرعيٌ، فبقي نجساً كما كان، ووقوع النّجس يوجب التّنجيس.
41 - إذا شَرَعَ متنفّلاً في صوم يوم النّحر ثم أفطر، لا قضاء عليه.
ولو شرع في صلاة النّفل في الوقت المكروه ثم أفسده، لزمه القضاء.
والفرق: أنّ المنهي عنه الصّلاة في الوقت المكروه، والجزء الأول منها حالة الشّروع ليس بصلاة؛ ولهذا لو حلف لا يصلي، لا يحنث بهذا القدر ما لم يقيّد بالسّجود، فلم يكن منهياً عنه، فوجب حفظه، وصح الشّروع، فإذا أفسده، فقد أفسد عبادة وجب حفظها بعد صحة الشروع؛ وذلك موجب للقضاء.
أما الصّوم، فأول الجزء منه صوم، وأنّه منهي عنه، فلم يجب حفظه فلا يلزم القضاء بالإفساد، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
فصل
[الزكاة]
42 - لو كانت في يده ألف درهم فحال عليها الحول ووجبت الزَّكاة، ثم وهبها لإنسان ثم رجع في الهبة، وأخذ الألف فهلكت في يده، لم يضمن قدر الزّكاة.
ولو اشترى بها عبداً بعد ما حال عليه الحول، ثم وجد به عيباً فردّه بقضاءٍ أو غيره وأخذ الألف من البائع فهلكت في يده، ضمن قدر الزّكاة.
والفرق: أنَّ في الهبة لما رجع وأخذ الألف عاد إليه قديم ملكه، فارتفع سبب الضّمان بعودها، فلا يجب الضّمان.
أما في الشّراء والرّد بالعيب، فلا يجب على البائع رد عين تلك الدّراهم، فبالأخذ منه لم يعد إلى
الجزء 1 · صفحة 22
المشتري قديم ملكه، فبقي سبب الضّمان، ولم يرتفع، فيضمن.
43 - لو باع نصاب السّائمة بعد ما حال عليه الحول، وقبض الثّمن، فهلك في يده، يضمن قدر الزّكاة.
ولو باع نصاب التّجارة بعد ما حال عليه الحول، وقبض الثمن، فهلك في يده، لم يضمن قدر الزّكاة.
والفرق: أنّ في نصاب السّائمة الحق متعلّق بالعين ضرورة ومعنى يفوت بالبيع، فكان استهلاكاً، وباستهلاك النّصاب يضمن.
أما في نصاب التجارة، فالحق تعلّق بالمالية، وبالبيع تزداد المالية، فمَلَكَ التحويل إلى محل مثله، فلم يكن البيع إتلافاً، فلا يضمن، فافترقا.
44 - ولو باع نصاب التّجارة بنصاب السّائمة، بعد ما حال الحول، يضمن.
ولو باع نصاب التّجارة بنصاب التّجارة، لا يضمن.
والفرق: أنَّ زكاة التّجارة تخالف زكاة السّائمة، ونصابها مختلف، فصار بالبيع متلفاً، فيضمن قدر الزّكاة.
أما إذا باع نصاب التّجارة بنصاب التجارة، فلم يصر متلفاً؛ لأنّها من جنس واحد، فلا يضمن.
45 - لو تزوّجها على ألف درهمٍ فقبضتها وحال عليها الحول ثم طلّقها قبل الدّخول بها، وجب عليها زكاة جميع الألف.
ولو تزوّجها على إبل سائمة بأعيانها، فحال عليها الحول، وهي في يدها، ثم طلّقها قبل الدّخول، وجب عليها زكاة نصفها لا غير.
والفرق: أنّه لم يجب عليها بالطلاق، رد عين تلك الألف، بل رد مثلها، ومثلها دين حادث بعد الحول؛ وذلك لا يمنع وجوب الزّكاة.
أما في الإبل فيجب عليها رد عينها؛ لأنّ الحق متعلّق بعينها، فصار بمنزلة الهلاك، وهلاك
الجزء 1 · صفحة 23
النّصاب يُسقط الزّكاة؛ لفوات المحل.
46 - لو دفع الزّكاة إلى ولد غني وهو فقير وهو صغير، لا يجوز.
ولو دفع إلى امرأة غني، وهي فقيرة، جاز.
والفرق: أنَّ نفقة الزّوجة مستحقّة على الزّوج بالعقد بمنزلة الأجير، وإذا كان الاستحقاق بالعقد، لا يخرجها من أن تكون فقيرة، فالصرف إليها لا يكون صرفاً إلى الغني، وهو الزّوج، فصح.
أما ولد الغني الصغير، فيستحق النّفقة على أبيه، باعتبار الجزئية والتّفرع، والجزء يأخذ حكم الأصل، فصار الدّفع إليه كالدّفع إلى الغني؛ وذلك غير جائز؛ فكذا الدّفع إلى الجزء.
47 - لو دفع الزّكاة في ظلمة إلى شخص يظنّه فقيراً، ثم ظهر أنّه أبوه، أو ابنه، يقع زكاة، ولا إعادة عليه.
ولو ظهر أنّه مكاتبه، أو عبده، لا يقع زكاة، وعليه الإعادة.
والفرق: أنّ الأداء في المسألة الأولى، وقع عن اجتهاد مع تحقق التمليك من الأب والإبن، فيقع زكاة، ولا إعادة عليه.
بخلاف المكاتب والعبد؛ لأنّ الملك لكل واحد منهما لا يتصوّر؛ لأنّ العبد لا يملك، وكذلك المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فكان الدّفع إليهما كالدفع إلى نفسه، فلم يخرج المدفوع عن ملكه فلا يقع زكاة، وكان عليه الإعادة.
فصل
[الأيمان وغيرها]
48 - لو قال: كل جارية لي حرّة إلا جارية خبّازة، ثم قال: هذه خبازة، لا يقبل قوله، وتُعتق.
ولو قال: إلا جاريةً بكراً، ثم قال: هذه بكر، يُقبل قوله، ولا تعتق.
والفرق: أنّه أوجب العتق بلفظ عام، وقضيته نزول الحرية، ثم استثنى بوصف عارضي، وهو كونها خبازة، فصار مدعياً إبطال الإيجاب بأمر عارضي بعد ثبوته بأمر ظاهر، فلا يصدّق.
الجزء 1 · صفحة 24
أما البكارة، فصفة أصلية، فبدعواه البكارة يصير متمسّكاً بالأصل، والقول قول مستمسك بالأصل.
49 - كما لو حلف لايشتري حديداً، فاشترى سيفاً، لا يحنث.
ولو حلف لا يمسّ حديداً فمس سيفاً، يحنث.
والفرق: أنّ بائع السّيف لا يسمّى بائع الحديد عرفاً، بل يسمّى سلاحاً.
ولهذا يسمّى السُّوق الذي تباع فيه السّيوف سوق الأسلحة، وإذا لم يكن البائع بائعاً للحديد عرفاً، فالمشتري لا يكون مشترياً للحديد؛ لأنّ العقد يقوم بهما جميعاً، فإذا اتصف أحدهما بوصف، اتصف الآخر به.
أما المس فيتم بالماس وحده، فيُعتبر حقيقة الحديد، والسّيف حديد حقيقة، فيحنث إذا مسه.
بخلاف ما لو حلف لا يمسّ كتاناً، فمسّ ثوباً منسوجاً من الكتّان، لا يحنث؛ لأنَّ بالغزل والنسج، انتقل عن حقيقته وصار شيئاً آخر، فلا يحنث.
50 - لو حلف ليجعلن هذا الثوب قباءً وسراويلاً، فجعله قباءً، ثم نقضه ثم جعله سراويلاً، برّ في يمينه.
ولو حلف ليجعلن هذه الملحفة قباءً وسراويلاً، فجعلها قباءً، ثم نقضها وجعلها سراويلاً، حنث.
والفرق: أنَّ في المسألة الأولى اسم الثوب باق بعد جعله قباء، بدليل أنّه لا يلبس ثوباً، فلبس قباء يحنث، وإذا كان اسم الثوب باق، فقد جعل منه قباء وسراويلاً، فلا يحنث.
أما في المسألة الثانية فاسم الملحفة يزول بجعلها قباء، فبعد ذلك إذا جُعل سراويلاً، لم تُجعل
الجزء 1 · صفحة 25
الملحفة قباءً وسراويلاً، فيحنث.
51 - لو حلف ليجعلن هذه الدّار منزلاً وحمّاماً، فجعلها منزلاً ثم حمّاماً برّ في يمينه.
ولو جعلها حمّاماً أولاً، حنث في يمينه.
والفرق: أنّه لما جعلها حماماً زال اسم الدار عنها، وزوال الاسم يوجب تبدّل العين؛ لأنّ الاسم علم على المسمّى، وزواله يدل على زوال المسمّى، فإذا جعلها بعد ذلك منزلاً لم يجعل الدّار المحلوف عليها منزلاً وحماماً، فيحنث.
أما إذا جعلها منزلاً أولاً فاسم الدّار باقٍ؛ لأنَّ المنزل بعض مرافق الدّار، فإذا جعلها بعد ذلك حماماً فقد جعل الدّار منزلاً وحماماً، فيبّر.
52 - لو حلف لا يكلّم عبد فلان هذا، وأشار إلى العبد، فباعه مولاه ثم كلّمه الحالف، لا يحنث.
ولو حلف لا يكلّم زوجة فلان هذه، فطلّقها الزوج ثم كلّمها الحالف، يحنث.
والفرق: أنَّ العبد لا يُعادى لذاته؛ لأنّه لدنو مرتبته ملحق بالجمادات، فكان مقصود الحالف باليمين غيظاً لَحِقَهُ من جهة المولى، فتقيّد اليمين بالكلام في
ملك المولى، وبالبيع زال الملك، فلا يحنث بكلامه.
أما الحرّة فتُعادى لعينها لا لغيرها، فانعقدت اليمين على كلامها، فإذا كلّمها بعد ما طلّقها الزّوج، فقد وُجد شرط الحنث، وهو كلامها، فيحنث.
53 - لو قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت طالق، ثم حلف أن لا يطلّق امرأته، ثم دخلت الدّار تطلق ولا يحنث في اليمين الثّانية.
ولو كان قال لها: طلّقي نفسك، ثم حلف أن لا يطلّق امرأته، ثم طلّقت نفسها، يقع، ويحنث في
الجزء 1 · صفحة 26
اليمين الثّانية.
والفرق: أنّ الحنث إنّما يلزمه إذا وجد شرط الحنث؛ وذلك إنّما يكون بكلام أنشأه بعد اليمين لا قبلها؛ لأنّ الامتناع عن الفعل في الماضي من الزّمان لا يتصوّر، ففي المسألة الأولى الطّلاق ينزل عند وجود الشّرط مضافاً إلى اليمين السّابقة على اليمين الثانية، فلا يحنث.
أما في المسألة الثّانية، فالطلاق يقع بتطليق المرأة، ثم ينتقل إليه بحكم كأنه فعل ذلك بنفسه، فكان شرط الحنث موجوداً بعد اليمين الثانية، فيحنث.
54 - لو تزوّجها على مائة درهم وعلى أن يعتق أخاها، صح النّكاح، فإن أعتق أخاها، فلها مائة درهم لا غير، وإن لم يعتق أخاها، يجب تمام
مهر مثلها، إذا كان أكثر من مائة درهم.
ولو كان العبد أجنبياً منها، والمسألة بحالها، فلها المائة درهم لا غير.
والفرق: أنَّ شرط إعتاق الأخ معتبرٌ؛ لأنَّه مرغوب فيه؛ لأنَّ تخليص الأخ عن ذل الرّق مطلوب لها، وهي إنما رضيت بالنقصان عن مهر المثل بهذا الشرط، فعند فواته يصار إلى مهر المثل؛ لأنّه الأصل.
أما شرط إعتاق الأجنبي فغير معتبر فَلَغَا، فصارت راضية بالمائة درهم لا غير، فلا يزاد لها على ذلك.
55 - لو تزوّج حرّة على رقبة أمة هي زوجته؛ وذلك بإذن مولاها، لا يفسد نكاحه في الأمة.
ولو قال لمولاها: أعتقها عني بألف درهم فأعتقها المولى، فسد نكاحه.
والفرق: أنّ الملك شرط لصحة العتق؛ لأنّه لا وجود له بدونه، فالإعتاق عنه يقتضي ثبوت الملك بطريق الاقتضاء، كأنه اشترى منه، ثم وكّله بالإعتاق، تصحيحاً للتّصرف ما أمكن، ومتى ثبت
الجزء 1 · صفحة 27
الملك له في زوجته، يفسد نكاحه.
أما التّزوج عليها فاستقراض للأمة من مولاها، وليس من شرط صحة القرض
ثبوت حقيقة الملك للمستقرض، بل كما يصح بما يوجب حقيقة الملك يصح بما يوجب حق الملك، ألا ترى أنّ العبد المديون المأذون إذا استقرض ما يوفي به دينه صح، وإن لم يثبت له حقيقة الملك، فثبت أنَّ قضاء الدّين كما يصح بحق يوجب حقيقة الملك، يصح بما يوجب حق الملك، والزوج ثبت له الملك في الأمة ضرورة قضاء دين الحرة، وليس من شرطه الملك، فلا يفسد النكاح، فافترقا.
56 - حلال أخرج ظبية من الحرم، فزادت قيمتها، ثم مات
يضمن الزّيادة.
ولو كان أدّى جزاءها ثمّ زادت القيمة، لم يضمن الزّيادة.
والفرق: أنَّ بالتكفير وأداء الجزاء انعدم أثر الفعل فلم تبقَ الجناية، فلا يضمن الزّيادة.
أما قبل التّكفير، فأثر الفعل باق، فبقيت الجناية إلى حين السّراية، والقيمة زائدة في ذلك الوقت، فيضمن الزيادة.
ونظير ذلك: المحرم إذا أخرج ظبية من الحرم، فولدت ولداً، ثم ماتت هي والولد، فعليه جزاؤهما جميعاً.
ولو كان أدّى جزاءها، ثمّ ولدت فلا شئ عليه في الولد، ووجهه ما ذكرنا.
57 - لو أخرج ظبية من الحرم إلى الحل، فولدت ولداً ثم ماتت وولدها عنده، ضمن قيمة الأم والولد.
ولو غصب جارية، فولدت عنده ثم ماتت وولدها، ضمن قيمة الأمّ دون الولد.
الجزء 1 · صفحة 28
والفرق: من وجهين:
أحدهما: أنَّ الحق في ولد الظّبية لله، وهو مطالب به في كل ساعة، فوجب عليه الرّد إلى الحرم، فإذا لم يَرُدَّ، فقد صار مانعاً بعد وجود طلب صاحب الحق، فيضمن بالهلاك بعده.
أما في ولد المغصوبة، فلم يوجد الطّلب من المالك في الولد، فلم يصر مانعاً، إذ لا منع إلا بعد وجود الطّلب، فلا يضمن بالهلاك، حتى لو طلب المالك الولد، فمنعه
ثم هلك يضمن.
الثَّاني: أنَّ ولد الظَّبية كما حدث حدث مستحقاً للأمن؛ لأنَّ استحقاق الأمن بالإحرام، وهو قائمٌ بالحرم؛ ولهذا يجب عليه إرساله، فإذا أثبت يده عليه، فقد فوّت عليه الأمن بعد استحقاقه، فيضمن بالهلاك بعده.
أما ولد المغصوبة، فالضّمان فيه بالغصب، وهو لم يرد على الولد؛ لأنَّ الغصب يكون بإزالة يدِ المالك على الولد، وحالة الغصب لم يكن الولد موجوداً، فلم يصر غاصباً له، فلا يضمن بالهلاك، فافترقا.
58 - لو جرحَ حلالٌ صيداً في الحرم فنقصته الجراحة، ثم زادت قيمته بعد ذلك، ثمّ مات يضمن قيمته زائداً مع نقصان الجراحة.
ولو جرح صيداً مملوكاً لغيره، فزادت قيمته ثمّ مات، لا يضمن قيمة الزيادة.
والفرقُ: أنّ صيد الحرم إنّما يُضمن بتفويت الأمن عليه، وهو مضمون الأمن من كل زمان، وذلك موجود عند الموت، فتعتبر القيمة يوم يوصف بالزّيادة.
أما في صيد الغير، فالضمان يجب بالإتلاف لا بتفويت الأمن
الجزء 1 · صفحة 29
والإتلاف إنّما هو بالجرح السّابق، فصار مفوتاً من ذلك الوقت، فتجب القيمة ذلك الوقت، فافترقا.
59 - جماعة من المحرمين قتلوا صيداً، فعلى كل واحد منهم جزاءً كاملاً.
ولو كانوا محلّين، فعليهم جزاء واحد.
والفرقُ: أنَّ الواجب في حق المحرم جزاء على فعله، والفعل متعدّد، فيتعدد الجزاء، كما في كفارة القتل إذا قتلوا واحداً خطأ، يجب على كل واحدٍ كفارة
فكذا هذا.
أما في حق الحلال فالواجب بدل المحل الفائت، وهو الصيد، والمحل متّحد فاتحد الجزاء باتحاد محله.
60 - لو قتل صيداً حتى وجبت قيمته عليه، فاشترى بها طعاماً وتصدّق به على المساكين، وبقي منه نصف صاع، فصام عنه يوماً كاملاً، جاز.
وفي كفارة اليمين لا يجوز الجمع بين الصوم والإطعام.
والفرقُ: أنَّ في كفارة الصّيد الصّوم أصل كالإطعام، حتى يجوز الصوم له مع القدرة على الإطعام، فجاز له الجمع بينهما، وإكمال أحدهما بالآخر.
أما في كفارة اليمين، فلا يجوز له الصّوم مع القدرة على التّكفير بالمال، فلا يجوز إكمال أحدهما بالآخر؛ لأنَّه جمع بين البدل والمبدل؛ وذلك لا يجوز.
فصل
[الطلاق وغيره]
61 - لو قال: أنت طالق في علم الله، يقع الطلاق.
ولو قال: في مشيئة الله تعالى، لم يقع.
الجزء 1 · صفحة 30
والفرقُ: أنَّ علم الله تعالى صفة أزلية قائمة بالله تعالى موجودة، والتعليق بالموجود تنجيز، فيقع الطلاق.
أما مشيئة الله تعالى فأمر غائبٌ لا وقوف لنا عليه، فكان تعليقاً بشرط ممتنع، فلا يقع الطلاق.
62 - ولو قال: أنت طالق بحكم فلان، يقع الطلاق في الحال.
ولو قال: بمشيئة فلان، يتوقّف على مشيئته، ولا يقع ما لم يشأ.
والفرقُ: أنَّ التعليق بحكم فلان يراد به الموجود الكائن في العرف، يقال: لي عليه ألف بحكم القاضي، والتّعليق بأمرٍ كائنٍ تنجيزٌ، فوقع.
أما المشيئة، فلا يراد بها من العرف إلا الاستقبال، يقول: أنا خارج غداً بمشيئة الله تعالى، فكان تعليقاً بشرط على خطر الوجود، فيكون تعليقاً، فلا يقع حتى يشاء فلان، فافترقا.
63 - لو قال: شئت طلاقك، يقع.
ولو قال: أردت طلاقك، لا يقع.
والفرق: أنَّ لفظ المشيئة يقتضى إيجاد ما دخلت عليه، كأنّه شاء طلاقها، فيقع.
أما الإرادة فلا تقتضي إيجاد ما دخلت عليه، فلا يقع.
64 - لو قال لعبدين له: أحدكما حر، فقطع رجل أيديهما، ثم بيّن المولى العتق في واحد منهما، فالأرش للمولى.
ولو قال لعبده: أنت حر قبل موت فلان بشهر، فقطعت يد العبد في الشهر، ثم مات فلان لتمام الشّهر، يجب أرش العبد، ويكون للعبد.
الجزء 1 · صفحة 31
والفرقُ: أنَّ بيان العتق في العبد يقع مقصوراً على الحال؛ لمكان التهمة، فكان القطع وارداً على ملك المولى، فيكون أرشه له.
أما في الإضافة، فيقع العتق مستنداً إلى أول الشّهر، إلا أنّه لا يظهر في حق إيجاب
أرش الحر على الجاني؛ لأنَّه إقرارٌ عليه، ويصدّق المولى في إيجاب الأرش للعبد؛ لأنّه إقرار على نفسه، فيصح.
65 - وهذا بخلاف ما إذا قتلهما قاتل معاً، حيث تجب دية حر وقيمة عبد موزّعة بينهما، في هذا نصف الدية ونصف القيمة، وفي الآخر نصف دية ونصف قيمة.
وفيما تقدم يجب أرش المملوك.
والفرق: أنَّ بالموت تعذّر بيان الحرية في أحدهما؛ لفوات محل الإنشاء، والبيان له حكم الإنشاء، وقد تيّقنا الحرية في أحدهما، فتجب دية حرّ وقيمة عبد.
أما بقطع الطرف، فلم يفت محل الإنشاء، والعتق في المحل إنّما يظهر بالبيان، فقبله يكون وارداً على الرّقيق؛ فلهذا يجب أرش المملوك.
66 - ثم يحتاج إلى الفرق بينهما، إذا قتلهما قاتل معاً؛ فإنّه يجب دية حر وقيمة عبد موزعة.
وفيما إذا كان القاتل اثنين، يجب على كل واحدٍ منهما قيمة واحدة، نصفها للمولى ونصفها للورثة.
والفرقُ: أنَّ القاتل إذا كان اثنين كان من عليه الدّية مجهولاً، وكذلك من عليه القيمة، إلا أنّ القيمة متيّقن، وعند جهالة المقضى عليه يُقْضَى بالمتيقن.
أما إذا كان القاتل واحداً، فمن عليه الدّية معلوم، فأمكن القضاء، وقد تيقنا الرّق في والحرية في
الجزء 1 · صفحة 32
الآخر، فتجب دية حر، وقيمة عبد منهما.
67 - لو قال: خلعت امرأتي على ألف درهم، وهي غائبة، فبلغها فقبلت.
جاز.
ولو قالت المرأة: خلعت نفسي من زوجي بألف درهم، وهو غائب، فبلغه فقبل، لم يجز.
والفرقُ: أنَّ الخلع من جانب الزوج طلاق بمال، فعُلّق بشرط القَبول، فكان يميناً، واليمين يتم بالحالف، فيتوقف ذلك على ما وراء المجلس.
أما في جانب المرأة فمعاوضة؛ لأنَّ المبذول من جانبها المال وهو يصلح
عوضاً، وإذا كان معاوضة والموجود منها شطر العقد، وشطر العقد في المعاوضة لا يتوقف على ما وراء المجلس، كالبيع، فافترقا.
حتى لو قالت: خلعت نفسي من زوجي بألف، فاذهب يا فلان، وأخبره بذلك، فذهب الرسول وأخبره، وقبل الزوج صح؛ لأنَّ المحمول على لسان الرسول قائم إلى وقت التبليغ، فصار كلامه كالموجود منها حالة التبليغ، فإذا قبل الزّوج، فقد اتصل القَبول بالإيجاب، فصح.
68 - لو قال لامرأته: أنت طالق للسُّنة، فحاضت وطهرت، ثم قال الزوج: كنت جامعتها في الحيض، لم يصدّق، ويقع الطّلاق بمضى وقت السُّنة.
ولو قال: إن لم أجامعك في حيضك فأنت طالق، فحاضت وطهرت، ثم قال: كنت جامعتها في الحيض، يصدّق، ولا يقع الطلاق.
والفرقُ: أنَّ في المسألة الأولى أضاف الطلاق، والمضاف سبب في الحال، وقضيته نزول الحكم في الحال، لكن تراخى وقوع الطلاق إلى حين
الجزء 1 · صفحة 33
مضي الحيض والطهر، فإذا مضيا نزل الحكم ظاهراً، فدعوى الزوج الجماع دعوى المانع، ورفع الحكم بعد وجود سببه، فلا يصدّق.
أما في المسألة الثانية، فعلّق بعدم الجماع في الحيض صريحاً؛ وذلك شرطٌ محضٌ، والمعلّق بشرط ليس بسبب في الحال، وإنّما يصير سبباً عند وجود الشرط؛ فإذا ادعى الجماع فقد أنكر الشرط؛ وذلك إنكار للسّبب فيقبل قوله، فافترقا.
69 - لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هذه الدّار، فأنتما طالقان، لم يقع الطلاق حتى يدخلا الدّار.
ولو قال: إن دخلتما هاتين الدّارين، فأنتما طالقان، فدخلت كل واحدة منهما داراً، وقع الطلاق، ولا يشترط دخولهما كل واحدة من الدّارين.
والفرقُ: أنَّ في المسألة الأولى شرطُ وقوع الطّلاق دخولهما الدّار؛ لأنَّه قابل الجمع بالفرد بقوله: إن دخلتما هذه الدار، فلا يقع ما لم يدخلا.
أما في المسألة الثانية، فقابل الجمع بالجمع؛ لأن قوله: إن دخلتما جمع، وقوله: هاتين جمع أيضاً، ومقابلة الجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فلا يشترط دخولهما كل واحدة من
الدّارين، بل كل فرد لفرد، فإذا دخلت هذه داراً وهذه أخرى، يقع.
70 - لو قال لامرأته: أنت طالق إن أبيت طلاقك، ثم قال: أبيت طلاقك، يقع الطلاق.
ولو قال: إن لم أشأ طلاقك، فأنت طالق، ثم قال: لم أشأ طلاقك، لا يقع الطلاق.
والفرقُ: أنَّ في المسألة الأولى، علّق الطلاق بفعل الإباء، وقد وُجد بقوله: أبيت، فيقع.
أما في المسألة الثانية، فعلّق الطلاق بعدم المشيئة، وبقوله: لم أشأ لا يتحقق
الجزء 1 · صفحة 34
عدم المشيئة؛ لجواز أن يشاء بعد ذلك، فلم يتحقّق شرط وقوع الطلاق، فلا يقع.
71 - لو قال: والله لا أقربك أربعة أشهر، فمضت المدة، ثم ادعى القربان فيها، لم يصدّق، ويقع الطلاق.
ولو ادعى في المدّة أنّه قربها، يصدّق.
والفرقُ: أنّه إذا ادعى القربان في المدّة، فقد أخبر عما يملك إنشاءه، فيصدّق في الإخبار بذلك؛ لأنّه غير متهم، أما بعد مضي الأربعة أشهر فلا يملك إنشاء القربان فيها، فكان متّهماً، فلا يُصدق.
72 - لو قال: أنت طالق ثلاثاً بوائن إلا واحدة، يقع ثنتان بائنتان.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً بائنة إلا واحدة، يقع ثنتان رجعيتان.
والفرقُ: أنَّ قوله ثلاثاً بوائن قابل لفظ الثلاث، وهي جمع بلفظ البوائن أيضاً، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد، قال الله تعالى: {جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} معناه: جعل كل واحد أصبعه في
أذنه، فصارت كل طلقة من الثلاث موصوفة بالبينونة، وقد استثنى من الثلاث واحدة، فبقي ثنتان بائنتان.
أما في قوله ثلاثاً بائنة، فصفة لجملة الثلاث، والثلاث من حيث جملتها لا تكون إلا بائنة، وإذا كانت صفة البينونة تلازم وقوع الثّلاث، يلغو ذكر هذه الصّفة؛ لأنَّه لافائدة فيها، بقى قوله ثلاثاً وقد استثنى منها واحدة، فيقع الباقي؛ وذلك ثنتان رجعيتان.
73 - لو قال: أنت طالق كل يوم، تقع واحدة.
ولو قال: في كل يوم، تقع الثلاث بمضي ثلاثة أيام.
الجزء 1 · صفحة 35
والفرقُ: أنَّ قوله: كل يوم، جعل كل الأيام ظرفاً لوقوع الطلقة، فتقع واحدة.
أما في قوله: في كل يوم، فجعل كل يوم ظرفاً على حدة؛ لأنّه أدخل عليه حرف الظرف، فيستدعي مظروفاً على حدة، فيقع بمضي كل يوم واحدة على حدة.
74 - لو قال: أنت طالق في قيامك وقعودك، لا يقع الطلاق حتى تقوم وتقعد.
ولو قال: في قيامك، وفي قعودك، يقع الطلاق عند وجود أحدهما لا غير.
والفرقُ: أنَّ في الأولى جعلالقيام والقعود شرطاً لوقوع الطّلاق؛ لأنَّه عطف عليه بحرف العطف، فلا يقع حتى تقوم وتقعد.
أما في الثانية، فجعل كل واحد شرطاً على حدة، فأيهما وجد يقع الطلاق عند وجوده.
75 - لو قال: أنت طالق غداً أو بعد غد، يقع بآخرهما.
ولو قال: إذا قدم فلان أو فلان، يقع بقدوم الأول منهما.
والفرق: أنَّ في الأوّل علّق الطّلاق بأحد الوقتين، فيقع بآخرهما؛ لأنّه لو وقع بأولهما كان كلاهما ظرفاً، وهو إنّما جعل أحدهما ظرفاً.
أما في الثانية، فعلّق الطلاق بأحد الفعلين، فيقع بأولهما؛ لأنّه لو تعلّق بآخرهما كان كلاهما شرطاً، وهو إنّما جعل أحدهما شرطاً؛ فلهذا يقع بأولهما في الثانية، وبآخرهما في الأولى، فافترقا.
76 - ولو قال: أنت طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان، يقع الطلاق بقدوم أولهما.
ولو قال: إذا قدم فلان وإذا قدم فلان فأنت طالق، لا يقع حتى يقدما.
والفرقُ: أنّ قوله: إذا قدم فلان وإذا قدم فلان قدَّم الشرط على الجزاء، وجعل
الجزء 1 · صفحة 36
قدومهما شرطاً لوقوع الطلاق، فلا يقع ما لم يقدم.
أما في الأوّل، فعلّق الجزاء بقدوم المذكور أولاً، فتعلّق به وصار شرطاً له، فلما قال: وإذا قدم فلان، عطف جملة ناقصة؛ لأنّه لم يذكر لها جزاء على جملة تامة، فصار الجزاء الأول جزاء للثاني بقضية العطف المقتضي للشركة، فصار كل واحد منهما شرطاً على حدة، فالجزاء الواحد تعلّق بكل واحد منهما أيهما وجد أولاً يقع الطلاق.
77 - ولو قال: أنت طالق إن لم أطلقك، لا يقع الطّلاق حتى يموت هو، أو تموت هي.
ولو قال: أنت طالق ما لم أطلقك، وسكت ساعة، وقع الطلاق.
والفرقُ: أنَّ في الأولى جعل شرط وقوع الطلاق عدم التّطليق؛ وذلك لا يتحقّق إلا عند العجز عن التطليق، وهو آخر حياته؛ لأنَّ ما مضى زمان لا يحتمل أن يطلّقها فيه، وعجزه يتحقّق في آخر حياته، وهو الشرط، فيقع الطلاق؛ لوجود شرطه.
78 - ولو قال لثلاثة أعبد له: هذا حر أو هذا وهذا، عتق
وله الخيار في الأول والثاني، يوقع عتقاً على أيهما شاء.
ولو قال: والله لا أكلّم فلاناً أو فلاناً وفلاناً، إن كلّم الأول حنث، وان كلّم أحد الآخرين لا يحنث ما لم يكلّمهما جميعاً، كأنه قال: لا أكلّم فلاناً ولا هذين.
وفي العتق كأنه قال: أحدكما حر وهذا.
والفرقُ: أنَّ كلمة ((أو)) إذا دخلت بين شيئين تتناول أحدهما نكرة، إلا أنّ في العتق الموضع موضع الإثبات، وهو إيجاب الحرية، والنكرة في
الجزء 1 · صفحة 37
موضع الإثبات تخص، فتتناول عتقاً بين الأوّل والثّاني، فيوقع المولى ذلك على أيهما شاء، فلمّا قال: وهذا للثالث، صار عطفاً على أحدهما، كأنه قال: أحدكما حر وهذا، ولو قال كذلك عتق الثالث وله الخيار في الباقين، فكذا هذا.
أما في قوله: لا أكلّم فلاناً أو فلاناً وفلاناً، فالموضع موضع النّفي؛ لأنَّه امتناع عن الكلام، والنكرة في موضع النفي تعمّ، ويكون حرف أو بمعنى لا، قال الله تعالى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} معناه: ولا كفوراً، فصار كأنّه قال: والله لا أكلم فلاناً ولا فلاناً للأول والثاني، فإذا ذكر الثالث بحرف العطف، يصير كأنّه قال: لا أكلم فلاناً للأول، ولا هذين للثاني والثالث، فلا يحنث ما لم يكلّمهما، فافترقا.
79 - لو نذر أن يتصدّق بشاتين فتصدّق بشاة سمينة تساوي شاتين، جاز.
ولو أهداها عن شاتين، لم يجز إلا عن أحدهما.
والفرقٌ: أنَّ في النّذر بالتّصدق المقصود دفع حاجة الفقير وسد خلّته؛ ولهذا جاز دفع قيمة الشّاة إليه في باب الزّكاة، فإذا دفع شاةً تساوي شاتين، جاز ذلك؛ اعتباراً للمالية والقيمة.
أما الهدي، فالمقصود منه إراقة الدّم دون التّصدق، وهو غير معقول المعنى، فتقيّد
الواجب بالإراقة قصراً عليها؛ ولهذا لا يجوز أداء القيمة، والإراقة الواحدة لا تعدل إراقتين؛ فلهذا يجب عليه أخرى، فافترقا.
فصل البيع وغيره
80 - لو قال: بعتك هذين العبدين بألف درهم، فقبل في أحدهما، لا يصح.
ولو قال: زوّجتك هاتين الأمتين بألف، فقبل نكاح أحدهما، صحّ.
الجزء 1 · صفحة 38
والفرق: أنَّ العادة جارية في البيع بضم الجيد إلى الرديء؛ لترويج الرديء، فيكون القَبول في العقد الآخر الذي لم يقبل فيه شرطاً لصحة القَبول في الذي قُبل، فإذا لم يقبل كان شرطاً فاسداً، والبيع يبطل بالشرط الفاسد؛ لأنّه في معنى الرّبا
وذلك يُفسد البيع، أما النّكاح فلا يبطل بالشرط الفاسد؛ لأنّه لا مدخل للربا فيه، وتحقيق ذلك أنّ الربا عبارة عن اشتراط منفعة في عقد المعاوضة، لا يقابلها عوض مسمّى، وخلو عقد البيع عن تسمية العوض، مفسدٌ له.
أما خلو عقد النكاح عن تسمية المال فلا يُفسد النكاح، بل يصح ويجب مهر المثل، فافترقا.
81 - لو باع العبد المغصوب من الغاصب، ولم يكن العبد بحضرتهما، جاز البيع، ويصير المشتري قابضاً بقبض الغصب المتقدّم.
ولو باع عبد الوديعة من المودع، ولم يكن العبد بحضرتهما، لا يصير المشتري
قابضاً بالقبض السّابق، ما لم يجدد القبض فيه بعد الشّراء، حتى لو هلك قبل ذلك كان ذلك على البائع.
والفرقُ: أنّ قبض الشراء قبض مضمون على المشترى، وقبض الغصب كذلك، والقبض المضمون ينوب عن مثله.
أما قبض الوديعة فأمانة، وقبض الشراء مضمون، فلا ينوب قبض الأمانة عنه؛ لأنّه دونه، والأدنى لا ينوب عن الأعلى.
82 - ولو باع عبداً على أنّه بالخيار، وقبض المشتري العبد، ثم تقايلا البيع، ثم باعه منه مرّة أخرى والعبد في يد المشتري صحّ البيع، وينوب القبض الأوّل عن
الثّاني، وإن لم يكن العبد بحضرتهما.
الجزء 1 · صفحة 39
ولو كان الخيار للمشتري، والمسألة بحالها، لا ينوب القبض الأول عن القبض الثاني، حتى لو هلك العبد قبل تجديد القبض فيه، يهلك بالثمن في العقد الأول دون الثاني.
والفرق: أنّ خيار الشرط إذا كان للبائع، فالقبض مضمون على المشتري بقيمة المبيع، فشأنه شأن قبض الغصب، فينوب عن قبض المشتري.
أما في خيار الشرط للمشتري، فالقبض مضمون عليه بالثمن، حتى لو هلك في يده يلزم البيع، ويجب عليه الثمن، والضّمان بالثّمن ضمان بغير قيمة العين، والضمان بغير القيمة لا ينوب القبض فيه عن قبض الشراء، كالقبض بجهة الرّهن.
83 - لو أسلم إليه في كرّ حنطة، فلما حلَّ الأجل دفع ربّ السّلم غرائره إلى المسلم إليه، وأمره بكيل الطعام فيها، ففعل ورب السّلم غائب، لا يصير رب السلم قابضاً.
ولو اشترى حنطة، ودفع المشتري غرائره إلى البائع، وأمره بالكيل فيها، ففعل والمشتري غائب، يصير قابضاً.
والفرقُ: أنَّ المبيع جاز ملكاً للمشتري بعقد الشراء، فإذا أمر البائع بالكيل في غرائره صح أمره؛ لأنَّه صادف ملك نفسه، فإذا كاله في غرائر المشتري وهو ملك له أيضاً، صار المشتري قابضاً.
أما في السّلم فربّ السّلم لا يملك المسلّم فيه إلا بالاستيفاء؛ لأنّه دين والدين لا يملك إلا بالقبض والاستيفاء، فلم يصح أمر رب السّلم بالكيل، فبقي المسلّم إليه عاملاً في ملك نفسه، وصار مستعيراً للغرائر من رب السّلم، فلم يصر رب السّلم قابضاً.
يوضّح الفرق: أنّ المشتري لو أمر البائع بإلقاء الطعام في البحر، ففعل كان ذلك على المشتري، ولزمه الثّمن؛ لأنّه صحّ أمره بذلك.
وفي السّلم لو أمر ربّ السّلم المسلّم إليه، كان الهلاك على المسلّم إليه، دون ربّ السّلم، فافترقا.
84 - لو أسلم عشرة دراهم، في كرّ حنطة بقفيز معيّن
الجزء 1 · صفحة 40
لم يصح.
ولو باع بقفيز بعينه، جاز البيع.
والفرقُ: أنَّ قبض المسلّم فيه متأخّر عن العقد، فلو صحّ في قفيز بعينه ربما يهلك هذا القفيز، فيقعان في المنازعة، ويتعذّر التّسليم، فلا يصح.
أما قبض المبيع فمتعيّن حالة العقد؛ لأنّ المبيع يجب تسليمه عقيب العقد، وهلاك القفيز في ذلك نادر، فتحققت القدرة على التّسليم حالة العقد، فتحقّقت فائدته، فافترقا.
85 - لو تقايلا عقد السّلم ثم افترقا قبل قبض ربّ السّلم رأس المال، صحت الإقالة.
ولو تقايلا عقد الصرف ثم افترقا قبل قبض البدلين بطلت الإقالة، وعاد البيع الأول.
والفرق: أنّ إقالة الصّرف فسخ، صرفٌ في حق المتعاقدين، بيع في حق الثالث، والشرع ثالثهما، والبدل في أيديهما، فكأنهما أنشآ صرفاً آخر، وقبض بدل الصرف واجب حقاً للشرع، فإذا افترقا قبل القبض، بطلت الإقالة.
أما الإقالة في السّلم فحصلت قبل قبض المسلّم فيه، وقد انفسخ العقد فيه بالإقالة، فيكون فسخاً في حق الكل، فلم يكن سلماً من كل وجه؛ لأنّ المنفسخ لا يكون قائماً
كما في بيع العين، فلا يشترط قبض رأس المال.
86 - ولو أبرأ المسلّم إليه ربّ السلّم عن رأس المال، يُشترط قبوله، والبائع لو أبرأ المشتري عن الثمن، لا يشترط قَبوله.
والفرقُ: أنَّ قبض رأس مال السّلم في المجلس شرط لصحة السّلم، فلو صح الإبراء من غير قبول ربّ السّلم لانفسخ العقد في المسلّم فيه من غير رضا رب السّلم، وذلك إضرارٌ به، فيتوقف على
الجزء 1 · صفحة 41
قَبوله دفعاً للضرر عنه.
أما قبض الثّمن في البيع فليس بشرط لصحة البيع، فلا ينفسخ العقد بالافتراق
لا عن قبض، والإبراء يقع محضٌ لا ضرر على المشتري فيه، فلا يتوقف على قبوله، فافترقا.
?? - لو وجد المسلّم إليه رأس المال زيوفاً، وهو في مجلس العقد، فتجوّز به جاز، ولا يبطل العقد بالافتراق بعد ذلك.
ولو وجده ستوقة، أو رصاصاً، فتجوّز به في المجلس، لا يجوز، حتى لو افترقا بطل العقد.
والفرقُ: أنّ قبض الزيوف من جنس رأس المال، إلا أن وصف الجودة فائت، أي بدون قبض الثمن في البيع
وقد رضي صاحب الحق بذلك حيث تجوّز به، فصار مستوفياً لحقه، فصح، وتحقّق القبض في المجلس.
أما الستوقة فليست من جنس الدّراهم، بل هي أخرى ليست في النقود، فإذا تجوّز بذلك لو صح، يصير مستبدلاً برأس مال السّلم؛ وذلك باطل؛ لأنه يفوت القبض الواجب.
يوضح الفرق: مسألة اليمين: لو حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي ما عليه من الدراهم، فقضاه زيوفاً، فتجوّز الحالف بها جاز، ولا يحنث في يمينه.
ولو قضاه ستوقة، أو رصاصاً، وتجوّز به، حنث في يمينه.
?? - لو تقايلا عقد السّلم، ثم اختلفا في رأس المال، لا يتحالفان، والقول قول
المسلّم إليه.
ولو تقايلا عقد البيع، ثم اختلفا في الثمن، يتحالفان.
الجزء 1 · صفحة 42
والفرقُ: أنّ المقصود من التّحالف الفسخ، وعقد السّلم قد انفسخ بالإقالة؛ لأنّه دين، وقد سقط، وبعد سقوطه لا يحتمل العود، فتعذّر التّحالف، فيكون القول قول المسلّم إليه؛ لأنّه منكر ما يدعيه ربّ السّلم.
أما الإقالة في عقد البيع فتتصور؛ لأنَّ المبيع قائم ومتى كان قائماً يتصورفسخ الإقالة فيه، وعند ذلك يتحقّق ماهو المقصود من التّحالف
حتى لو كان السّلم فيه قائماً في يد ربّ السَّلم، يجري التّحالف بينهما، ولا فرق لقيام المعقود عليه، وهو المسلّم فيه.
?? - لو ادعى الغصب عليه، وأقام على ذلك شاهدين فشهد أحدهما أنه غصب يوم الخميس، والآخر شهد أنّه غصب يوم الجمعة، لا تقبل الشهادة.
ولو ادعى العتق عليه، وأقام على ذلك شاهدين فشهد أحدهما أنه أعتقه يوم الخميس، والآخر شهد أنه أعتقه يوم الجمعة تقبل الشهادة.
والفرق: أنّ الغصب فعلٌ يزيل يد المالك عن العين، ويظهر أثره بالمغصوب بالنقل والتحويل، والفعل لا يتكرر ولا يعاد، فالفعل في زمان غير الفعل
في الزمان الآخر، ولم يقم على ذلك شاهدان، فلا يقبل.
أما العتق فقول، والقول مما يتكرر ويعاد، فأحد الشّاهدين قد سمع منه في زمان، والآخر سمع منه في زمان آخر، والقول الصادر منه موجب لنزول الحرية، فكمل نصاب الشهادة على العتق وذلك موجب للقبول.
?? - الذمي إذا قذف إنساناً فَحُدَّ، ثم أسلم، تقبل شهادته بعد ذلك على المسلم، وعلى أهل الذّمة.
والعبد إذا قذف فَحُدَّ ثم أعتق، لا تقبل شهادته.
الجزء 1 · صفحة 43
والفرق: أنّ الذّمي كان من أهل الشهادة حالة القذف والحد، وقد ردت كان تلك الشهادة بالحد، وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى، ولم تصر مردودة بالحد؛ لأنّها لم تكن حالة الحد والقذف، فتقبل.
أما العبد، فلم يكن من أهل الشهادة حالة القذف والحد، فتوقف رد الشهادة على حدوثها، فبالإعتاق حدثت له شهادة، فعمل الرد فيها، وصارت مردودة، فلا تقبل، فافترقا.
91 - لو غصب جارية حاملاً، فولدت في يده، وماتت من ذلك، فعلى
الغاصب قيمتها.
فلو غصبها فارغة، فحبلت، ثم ردّها على المالك، فولدت وماتت من ذلك، على الغاصب قيمتها أيضاً.
فقد أوجب الضمان مرتباً على سبب كان في يد الغاصب، وهو الحبل.
وفي المسألة الأولى: ما جُعِلَ التّلف مضافاً إلى الحبل الموجود في يد المالك، حتى يَسقُط الضمان عن الغاصب.
والفرق: أنّ الواجب على الغاصب، ردّ العين المغصوبة كما غصبها، فإذا غصبها فارغة، وردها مشغولة، لم يرد كما قبض، فلم يصح الردّ، فصار الهلاك بعد
الرد كالهلاك قبل الرد، ولو هلكت قبل الرد يضمن، فكذا بعده.
أما إذا غصبها حاملاً، فقد غصبها مشغولة، فوجب عليه ردها كذلك، وبالموت في يده عجز عن ردها، فيضمن قيمتها مشغولة كما قبض.
92 - لو باع عبداً بألف ثم اشتراه وارث البائع من المشتري، بأقل من الثمن الأول، قبل نقد
الجزء 1 · صفحة 44
الثمن الأول، جاز.
ولو اشترى عبداً بألف، ثم باعه وارث المشتري من بائع مورثه، بأقل من الثمن الأول، لم يجز.
والفرق: أنّ الوارث يقوم مقام المورث فيما يرث منه لا فيما لا يرث، ووارث البائع لم يملك الشراء بطريق الإرث من البائع؛ لأنّه كان يملك ذلك حال
حياة مورثه، وإذا لم يقم مقامه في الشّراء لا يكون كشراء مورثه، فجاز له الشراء؛ لأنّه كالأجنبي عن العقد الأول.
أما وارث المشتري فإنّما ملك بيع العين المشتراة بحكم الإرث؛ ولهذا لا يملك بيعها قبل ذلك، وإذا استفاد الولاية من جهة المورث، قام مقامه، فصار بيعه كبيع المورث، ومورثه لو اشترى منه البائع الأول، بأقل مما باع لم يجز، فكذلك إذا اشترى من الوارث القائم مقامه.
?? - ولو اشترى عبداً بألف نسيئة، ثم أوصى به لإنسان، ثم مات فقبل الموصى له الوصية، وقبض العبد، ثم باعه من بائع الموصي بأقل من الثمن الأول جاز.
ولو لم يوص به، ثم مات، فباعه وارث المشتري من البائع الأول بأقل مما اشتراه مورثه، لم يجز.
والفرق: أنّ الموصى له، يملك الموصى به ملكاً جديداً بسبب جديد؛ وهو الوصية؛ ولهذا لا يرد بالعيب على بائع الموصي، فصار الشراء منه كالشراء من ثالث؛ وذلك جائز بأقل من الثمن الأول، كذا هذا.
أما الوارث فَمِلْكُه عين ملك المورث؛ ولهذا يَرُد بالعيب على بائع مورثه، ويُرد عليه أيضاً بالعيب فكان خليفةً عن الميت قائماً مقامه، فصار بيعه كبيع المورث، والمورث لو باع من بائعه بأقل من الثمن الأول قبل نقده، لا يجوز، فكذا إذا فعل ذلك وارثه.
الجزء 1 · صفحة 45
94 - ثم فرق أبو حنيفة بين الوارث إذا اشترى بأقل مما باع مورثه حال حياة مورثه، لم يجز.
ولو فعل ذلك بعد موت مورثه يجوز.
والفرق: أنّ مورثه، وهو البائع إذا كان حياً، فاشترى الوارث، كان شراؤه بمنزلة شراء الأب من وجه؛ لأنّ المنافع متّصلة بينهما؛ ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، ولو إشتراه الأب بنفسه، لم يجز، فكذا الإبن.
أما بعد موته، فانقطعت شبهة الملك؛ لأنّ حقيقة الملك له انقطعت بموته، فالشبهة أولى، فلم يكن شراؤه كشراء مورثه، فلا يمنع الجواز، فافترقا.
95 - لو اشترى عبداً على أنّه خبّاز أو كاتب، صح العقد والشرط.
ولو اشترى ناقة على أنها لبون، لا يصح الشرط.
ويفسد البيع.
والفرقُ: أنّ اشتراط الكتابة اشتراط وصف، والوصف تزداد به مالية العين فكان ملائماً للعقد، والوصف لا يقابله شيء من الثّمن؛ لأنّ العقد يرد على الأصل دون الوصف.
أما اللبن فعين، وهو ليس بوصف، وهو مجهول لا تُعرف حقيقته ولا وجوده، ويقابله شئ من الثمن؛ لكونه عيناً، وإذا قابله شئ من الثمن وهو مجهول، والجهالة تمنع من صحة العقد؛ لأنّها تفضي إلى المنازعة، وكل عقد أفضى إلى المنازعة، كان فاسداً.
96 - لو اشترى شاة على أنها نعجة، فإذا هي كبش، صح البيع، وله الخيار.
ولو اشترى شخصاً على أنه جارية، فإذا هو وصيف، لا يصح العقد أصلاً.
والفرق: أنّ الكبش مع النعجة جنس واحد؛ لقلّة التّفاوت بينهما؛ لتحقق ما هو المقصود
الجزء 1 · صفحة 46
الأصلي منهما، فإنّ المقصود إنّما هو اللحم، والدَّرُّ والنّسل أمر زائد عليه، وإذا اتحد الجنس تعلّق العقد بالمشار إليه، وهو موجود فصح العقد، إلا أنّه ثبت
الخيار لفوات الوصف المرغوب فيه.
أما الذّكر والأنثى من بني آدم فجنسان مختلفان؛ لاختلاف المقاصد، إذ المقصود من الأنثى إنما هو الاستفراش والخدمة داخل البيت، والمقصود من العبد الاكتساب والخدمة البيت، وإذا اختلف الجنس، تعلّق العقد بالمسمّى، وهو معدوم، والعقد لا يرد على المعدوم، فبطل.
ونظير هذا الفرق: ما إذا اشترى فصاً على أنه ياقوت، فإذا هو زجاج، فالعقد باطل.
ولو اشتراه على أنه ياقوت أصفر، فإذا هو أحمر، صح العقد، وثبت الخيار، ووجه ذلك ما قلنا.
?? - إذا اشترى داراً شراءً صحيحاً، وجبت الشّفعة.
ولو كان الشراء فاسداً، لا تجب الشفعة.
والفرقُ: أنَّ البيع الفاسد مستحق الفسخ شرعاً، والأخذ بالشفعة مقرر لما هو مستحق الفسخ شرعاً؛ وذلك لا يجوز، أما البيع الصحيح فغير مستحق النقض شرعاً، فالأخذ بالشفعة مقرر لما يجوز تقريره.
?? - ولو باع والخيار له، لا تجب الشفعة، ولو كان الخيار للمشتري، وجبت الشفعة.
والفرق: أنّ الشفعة تستحق بالعقد المزيل لملك البائع، فاشتراط الخيار للمشتري، يزيل العين عن ملك البائع، فتجب الشفعة.
أما خيار البائع فلا يزيل العين عن ملكه، فلم يوجد سبب استحقاق الشّفعة فلا تجب.
99 - لو باع إلى الحصاد والدّياس، كان فاسداً.
الجزء 1 · صفحة 47
ولو كفل إلى ذلك، جاز.
والفرق: أنّ الكفالة عقد تبرع، وعقود التبرعات مبناها على المساهلة والمسامحة، فتحمل فيها الجهالة اليسيرة، وهذه جهالة يسيرة مستدركة؛ لأنّ أقصاها معلوم فيمكن رفعها.
حتى لو كانت غير مستدركة كالكفالة إلى هبوب الريح وإلى وقوع المطر لا يصح.
أما البيع فعقد معاوضة ومبناه على المضايقة والمماكسة، فكانت الجهالة فيه مفضية إلى المنازعة؛ وذلك يمنع جواز العقد، فافترقا.
وفرقٌ آخر: أنّ في البيع هذه جهالة في وصف الثمن؛ لأنّ الأجل صفة الدّين، وجهالة الثمن الذي هو الأصل يمنع من الصّحة، فكذا الجهالة في وصفه.
أما الجهالة في أصل الكفالة فغير مانعة من الصّحة، فإنه لو كفل بما يجب على فلان صح، فكذا في وصفها.
??? - بيع الطريق جائز.
وبيع مسيل الماء باطل.
والفرق: أنّ الطريق معلوم لا جهالة فيه؛ لأنه عبارة عن الطول والعرض، وذلك معلوم بالمشاهدة، وبيع المعلوم جائز.
أما المسيل فمجهول لا يعلم مقدار ما يسيل ذلك من الماء، فكان لا، والجهالة مانعة من الصحة لإفضائها إلى المنازعة، فافترقا.
??? - بيع حق التّعلي لا يجوز، وصورته: علو لرجل، وسفل لآخر سقطا، فباع صاحب العلو ماله على السفل من حق التّعلي لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 48
وبيع حق المرور، في رواية جائز.
والفرق: أنّ حق التّعلي، متعلّق بما لا يبقى؛ وهو البناء، فأشبه ما لا يبقى، وهو المنافع.
أما حق المرور فتعلّق بما يبقى، وهو رقبة الأرض، وبيع ذلك جائز، فكذا ما تعلّق به.
??? - لو باع ثوباً بثوب، وتقابضا، ثم هلك الثّوبان جميعاً ثم تقايلا، لا تصح الإقالة.
ولو باع ديناراً بدينار وتقابضا، ثم هلك البدلان، ثم تقايلا، صحت الإقالة.
والفرق: أنّ في بيع الثوب بالثوب العقد تعلّق بكل واحد منهما؛ لأنّهما مما يتعيّنان في العقود، وبالهلاك ارتفع محل العقد، فإذا تقايلا لم يصادف الفسخ محله، فلا يصح.
أما في الصرف، فلا يتعلق العقد بالبدل المذكور في العقد؛ لأنّه لا يتعين في العقد، وإنما يتعلّق العقد بالمثل في الذّمة، وما في الذمة موجود حالة الإقالة، فكان محل الفسخ قائماً وقت الإقالة، فصحت.
103 - لو كان له على رجل عشرة دراهم، فأسلمها في كرّ حنطة، لا يجوز.
ولو اشترى بها ديناراً، جاز.
والفرق: أنّ المسلّم فيه دين والعشرة التي هي رأس المال دين أيضاً، فلو صح السلم بها يصير ديناً بدين؛ وذلك حرام؛ لأنّه عليه السلام (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ).
وهو النسيئة بالنسيئة.
أما في الصرف، فأحد العوضين مقبوض، وهو الدّينار، فلا يكون ديناً بدين، بل دين بعين؛ وذلك جائز لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما ـ أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إني أكري إبلاً من البقيع إلى مكة)
الجزء 1 · صفحة 49
بالدراهم، فآخذ مكانها دنانير، أو قال: بالدنانير، وآخذ مكانها دراهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا بأس به إذا افترقتما وليس بينكما عمل).
104 - لو اشترى جارية بمائة درهم، فماتت، ثم تقايلا، لا تصح الإقالة.
ولو أسلم جارية في كرّ حنظة، فماتت بعد القبض في يد المسلّم إليه، ثم تقايلا، صحت الإقالة.
والفرق: أنّ الإقالة فسخ للعقد، وفسخ العقد يقتضي قيام المعقود عليه؛ لأنّ الفسخ لا يتحقق إلا في محله، ومحله قيام المعقود عليه، ففي البيع محل العقد هي الجارية، و بموتها فات محل الفسخ، فلا تصح الإقالة.
أما في السّلم فمحل الفسخ المسلّم فيه؛ لأنه مبيع، فإنّه عليه الصلاة والسلام: (نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخّص في السّلم)، وإذا كان
مبيعاً، كان محل الفسخ المسلّم فيه دون الجارية، فإذا تقايلا، صحت الإقالة ووجب على المسلّم إليه رد الجارية إلى ربّ السلم، وقد عجز عن الرد بالموت في يده، فيضمن قيمتها.
105 - فرق أجاب به محمد - رحمه الله تعالى - لما كتب إليه ابن سماعة يسأله عنه حين كان محمد بالرّقة، وهو ما إذا اشترى
داراً على أنّه بالخيار، فبيعت دار بجنبها، فأخذها المشتري بالشفعة، يكون ذلك منه رضا، ويبطل خياره ويلزم البيع.
ولو اشترى جارية فاكتسبت كسباً، فاطلع المشتري على عيب بها، ثم استهلك المشتري الكسب، لا يكون ذلك منه رضا بعيب الجارية، وله أن يردها.
الجزء 1 · صفحة 50
فكتب إليه محمد - رحمه الله - في الفرق: أنّ الأخذ بالشفعة، يستدعي ملكاً متقرراً في الدار التي يستحقها بالشفعة؛ ولهذا لو باع الدار التي يشفع بها، بطلت شفعته، وإذا استدعى ملكاً متقرراً ولا يتقرر الملك للمشتري إلا بلزوم البيع
وذلك بإسقاط خياره، فسقط خياره لهذه الضرورة.
أما استهلاك الكسب، فلا يستدعي ملكاً متقرراً في الأصل؛ ولهذا لو رد المشتري الجارية، وقد اكتسبت كسباً، يبقى الكسب للمشتري ولا يرده معها، وإذا لم يستدع الكسب ملكاً متقرراً، لم يكن استهلاكه رضا بالعيب في الجارية.
106 - لو وطئ المولى مكاتبته، يلزمه العُقْرُ لها، ولو وطئ الراهن الجارية المرهونة، لا يلزمه العقر.
والفرق: أنّ الراهن أوجب للمرتهن بعقد الرهن ثبوت اليد في المرهون بجهة
الاستيفاء، والاستيفاء إنما يكون من مالية العين، والوطء استيفاء للمنفعة، ولا حق للمرتهن في منافعها؛ ولهذا لا يتمكن المرتهن من الانتفاع بها إلا برضا الراهن، فوطء الراهن صادف محلاً لا حق للمرتهن فيه، فلا يضمن.
أما المكاتبة، فالمولى بعقد الكتابة أزال يده عن المكاتبة، وصار كالأجنبي، وثبت لها حرية اليد، ويد الحرية عامة تظهر في حق المال والمنفعة، وبالوطئ صار المولى مستوفياً منفعة للغير، وقد تعذّر إيجاب الحد للشبهة، فيجب العقر.
??? - ثم استيلاد المولى جارية المكاتب، لا يصح.
واستيلاد الأب جارية الابن، صحيح.
والفرق: أن المكاتب لا يثبت في ماله التبرع، فلو صح الاستيلاد
الجزء 1 · صفحة 51
لنقلنا الجارية والولد إلى المولى بقيمة الأم، وهذا تبرع بأحدهما، فلا يصح.
أما الابن فيثبت في ماله التبرع، فجاز إثبات الاستيلاد، ونقل الأم والولد بقيمة أحدهما.
والفرق الثاني: أنّ الأب له أن يتملك مال الابن عند الحاجة، قال عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك)، وأدنى درجات هذه الإضافة ثبوت شبهة الملك، والاستيلاد يثبت بالشبهة.
أما المولى فلا ولاية له على المكاتب، ولا له ولاية التملك، بل هو بمنزلة الأجنبي منه.
??? - ثم في دعوى المولى ولد جارية المكاتب، لا يثبت من غير تصديق.
وفي جارية الابن، يثبت من غير تصديق.
والفرق: ما قلنا أن المولى أجنبي عما في يد المكاتب؛ لأنّه بعقد الكتابة، منع نفسه من التعرض لما في يد المكاتب، ودعوى الأجنبي ولد جارية الغير، يتوقف على التصديق
أما الأب فغير أجنبي عما في يد الابن، بل له ولاية في مال الابن، ولم يعقد مع نفسه ما يمنعه من التصرف في مال ولده، فكذلك لا يتوقف على التصديق، فافترقا.
??? - ثم الأب إذا تملك الجارية بالقيمة لا يجب عليه العقر.
وفي أحد الشريكين إذا ادعى ولد الجارية المشتركة، يجب عليه نصف العقر لشريكه.
والفرق: أن الأب بالاستيلاد ضمن جميع القيمة، وضمان العقر ضمان الجزء، وإذا وجب هو وضمان القيمة بسبب واحد دخل الأقل في الأكثر، كمن قطع يد رجل خطأ فمات ضمن الدية، ولا يضمن أرش الطرف، فكذا هذا.
أما أحد الشريكين فيضمن نصف القيمة؛ وذلك ضمان جزء، وضمان العقر
الجزء 1 · صفحة 52
كذلك، وضمان الجزء لا يدخل في ضمان الجزء؛ لأنّه مثله، والشيء لا يتبع ما هو مثله، فلم يدخل أحدهما في الآخر.
??? - ثم المولى إذا ادعى ولد جارية المكاتب، فصدّقه يضمن قيمة الولد يوم الولادة، وتعتبر القيمة يوم الولادة.
وفي ولد الجارية المستحقة، يضمن قيمة الولد يوم الخصومة، وتعتبر القيمة يوم الخصومة.
والفرق: أنّ المكاتب لمّا صدّقه، فقد أقرّ أنّ الولد علّق حال قيام سبب الملك للمولى، فكان في معنى المغرور، فقصرت يد المكاتب عن الولد من وقت الولادة،
فوجبت القيمة من ذلك الوقت، فتعتبر من ذلك الوقت.
أما في مسألة الاستحقاق فإنما قصرت يد المستحق عن الولد بالمنع؛ وذلك وقت الخصومة، فيجب الضمان وقت الخصومة، فتعتبر القيمة يوم الخصومة.
??? - ثم الأب يضمن القيمة، موسراً كان أو معسراً.
وأحد الشّريكين إذا أعتق نصيبه، يضمن إن كان موسراً، ولا يضمن إن كان معسراً
والفرق: أنّ ضمان الأب ضمان استيلاد، وضمان الاستيلاد ضمان تملك، وضمان التملك لا يختلف باليسار والإعسار.
أما ضمان أحد الشريكين فضمان إعتاق، وضمان العتق يختلف باليسار والإعسار.
فصل
[العتق وغيره]
الجزء 1 · صفحة 53
112 - لو قال لعبده: أنت حر على ألف درهم، أنت حر على مائة دينار فقبل العبد، عتق، ولزمه المالان.
ولو قال: بعتك هذا العبد بألف، ثم قبل القبول، قال: بمائة دينار، ثم قبل المشتري، كان القبول مصروفاً إلى الإيجاب الثاني، ويلزم البيع بمائة دينار.
والفرق: أن العتق على مال يمين من المولى؛ لوجود معنى اليمين، وهو تعليق العتق بالقبول، واليمين تتم بالحالف، وقد تحققت بالإيجاب الأول، واللفظ الثاني تعليق العتق بمائة دينار أيضاً، والتعليق لا يمنع التعليق، ولا يصير بالإيجاب الثاني راجعاً عن
الأول؛ لأنّ اليمين لا تقبل الرجوع، فصح الإيجابان جميعاً، فإذا قبل، انصرف القبول إليهما، فعتق، ولزمه المالان.
أما البيع فعقد معاوضة، والمعاوضة تقبل الرجوع قبل القَبول من المشتري، فبالإيجاب الثاني يصير راجعاً عن الأول؛ وذلك صحيح، فانصرف القبول إلى الإيجاب الثاني، فلزم البيع بمائة دينار، فافترقا.
113 - الراهن إذا أعتق العبد المرهون، وهو معسر، عتق العبد، ويسعى وهو حر.
والمريض إذا أعتق عبده وعليه دين، يسعى وهو عبد.
والفرق: أن السعاية متى كانت لنزول العتق، يسعى وهو عبد.
ومتى كانت لرد العتق، يسعى وهو حر.
ففي الرهن السعاية لرد العتق؛ لأنّ العتق نفذ لمصادفته ملك الرّاهن، إلا أنّ قيام حق المرتهن أوجب رد العتق، فيسعى وهو حر.
و أما المريض فاعتاقه غير نازل في الحال؛ لأنَّ تصرف المريض إن كان مما يحتمل النقض بعد النفاذ ينفذ في الحال، ثم يُنقض بعد ذلك لحق الورثة، وإن كان مما لا يحتمل النقض بعد النفاذ، يتوقف،
الجزء 1 · صفحة 54
والعتق لا يحتمل النقض، فيتوقف، فكانت السعاية لنزول العتق فيسعى، وهو عبد.
114 - ثم المرهون إذا سعى، يرجع بذلك على المولى.
والمستسعى في الإعتاق، لا يرجع.
والفرق: أن المرهون قضى ديناً عن المولى، وهو مضطر فيه بحكم الشرع، فيرجع عليه بما تحمل عنه إذا أيسر، فصار كمعير الرهن إذا قضى الدين وأخذ العين يرجع بذلك على الراهن، فكذا هذا.
أما المستسعي في الإعتاق فيؤدي ضماناً عليه؛ لأنّه يسعى لتحصيل العتق عند أبي حنيفة، ولتكميله عندهما، ومن أدى ضماناً عليه لا يرجع بذلك على غيره.
115 – ثم العبد المرهون إذا أُعْتِق، يسعى للمرتهن.
والمشتري إذا أَعْتَق العبد المشتَرى قبل القبض، لا يسعى للبائع.
والفرق: أنّ حق البائع في حبس المبيع أضعف من المرتهن؛ لأنّه لا يملك المبيع: في الآخرة، ولا يستوفي الثمن من عين المبيع، ويبطل ويبطل حقه في الحبس بالإعارة من المشتري.
أما المرتهن فيستوفي ماله من العين، وينقلب حقه ملكاً، ولا يبطل
بالإعارة من الراهن، حتى يتمكّن من الاسترداد، فلو وجبت السعاية للبائع لنشأت المساواة بين الحقين، وتفاوتهما ظاهر على ما ذكرنا.
116 - ثم الراهن إذا أعتق العبد المرهون، يسعى في مقدار قيمته لا غير إذا كان الدين أكثر من القيمة.
و لو كان المولى دبّره، يسعى في جميع الدّين لا في القيمة.
الجزء 1 · صفحة 55
والفرق: أنّ ما ملكه المعتق حقه؛ لأنّه صار حراً، إلا أن مالية نفسه صارت محتبسة عنده، فيسعى في مقدار القيمة لا غير.
أما ما يسعى فيه المُدَبّر فهو ملك المولى، وحقه لا حق المدبر؛ لأنّه مملوك للمولى، فكان عليه السعاية في دين المولى؛ ولهذا يرجع المعتق بما أدى على المولى إذا أيسر، والمدبر لا يرجع.
117 - لو جمع بين عبده وبين حمار، وقال أحدكما حر، عتق عبده.
ولو جمع بينه وبين عبد الغير، وقال: أحدكما حر، لا يعتق عبده.
والفرق: أن في الأولى تعين العبد للعتق؛ لأنّ المضموم إليه ليس محلاً للحرية أصلاً؛ ولا يوصف بها، فصار العبد هو المراد بذلك، كأنه نص عليه. أما في الثانية فما تعين عبده للحرية؛ لأن من الجائز أنه وصف عبد الغير بذلك، وهما مما يوصف بها، ويتوقف على إجازة مولاه حتى لو بلغ مولاه وأجازه عتق، و إذا لم يتعين للإعتاق، لا يعتق، فافترقا.
ونظير هذا الفرق: ما لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وعمرو ميت كان جميع الثلث لزيد.
ولو أوصى به لزيد ولوارثه لم يكن لزيد جميع الثلث.
لأنّ في الأولى الميت ليس بمحل للتمليك أصلاً، فزالت مزاحمته لزيد، فتعين صرف الثلث إليه.
أما الوارث فمحل للوصية؛ ولهذا لو أجاز بقية الورثة الوصية جاز، فتحققت المزاحمة، وعند ذلك لا يستحق زيد جميع الثلث، فافترقا.
118 - لو قال لعبده: يا حر، عتق عتق.
ولو قال: يا ابني أو يا أخي، لم يُعْتَق.
الجزء 1 · صفحة 56
والفرق: أنّ النداء لإعلام المنادى وإحضاره؛ إلا أنه إذا نادى بوصف يمكن إثباته من جهته، كان مقصوده تحقيق ذلك الوصف في المنادي، استحضاراً له بالوصف المخصوص، وإذا كان النداء بوصف لا يمكن إثباته من جهته، كان للإعلام المجرد دون تحقيق الوصف فيه لتعذره، فالبنوة لايمكن إثباتها منه حال النداء؛ لأنّه لو كان من ماء غير لا يكون ابناً له بهذا النداء، فكان لمجرد الإعلام.
أما في قوله: يا حر فيمكن إثبات الوصف منه في المنادى حالة النداء، فكان
النداء؛ لتحقيق الوصف فيه، وإذا وصفه بالحرية، يُعْتَق.
119 - لو قال لأمته: أنت طالق ينوى الحرية، لم تعتق.
ولو قال لامرأته: أنت حرة ينوي الطلاق، وقع.
والفرق: أنّ في الأولى نوى ما لا يحتمله لفظه؛ لأنّ الإعتاق لغةً: إثبات القوة، يقال: عتق الطائر إذا قوي وطار، والطلاق: رفع القيد لا إثبات
القوة؛ وهذا لأنّ العبد ملحق بالجمادات، وبالإعتاق يحيا فيقدر، والطلاق رفع لقيد النكاح لا مثبت للقوة، فلا يشرع استعماله في العتق الذي هو فوقه.
أما النكاح، فقيد مضروب على المرأة، والطلاق مزيل لذلك القيد، فالعتق الذي هو فوقه يكون مزيلاً لذلك رافعاً له.
أو نقول: إنّ ملك اليمين أعلى من ملك النكاح وأقوى منه، ولهذا لو طرأ عليه أبطله، ولفظة الحرية مزيلة لملك اليمين، فتكون مزيلة لما هو دونها بطريق الأولى.
أما لفظ الطلاق فمزيل لأدنى الأمرين، وهو النكاح، وماهو لأدنى الأمرين لا يزيل أعلاهما.
الجزء 1 · صفحة 57
120 - لو قال لعبده: أنت مثل الحر، لم يعتق.
ولو قال: ما أنت إلا حر، عتق.
والفرق: أنّ المثل يستعمل للمشاركة في بعض المعاني، فوقع الشك من إرادته العتق فلا يعتق بالشك.
وفي قوله: ما أنت إلا حر، هذا استثناء من النفي، وأنه إثبات على وجه، التأكيد، كما في كلمة الشهادة.
121 - لو قال: رأسك رأس الحر، لم يعتق.
ولو قال: رأسك حر، عتق.
والفرق: أنّ في الأولى تشبيه على معنى حذف مضاف، وهو المثل، وإقامة المضاف إليه مقامه، ومثله لا يفيد الحرية.
أما في الثانية، فإثبات وصف الحرية في الرأس، وهو يعبر به عن جميع البدن، كأنه قال: أنت حر.
122 - لو أعتق جارية حاملاً، تعتق حملها.
ولو أعتق الحمل وحده عتق دونها.
والفرقُ: أنّ إعتاق الحمل ثبت بطريق التبعية للأم؛ لاتصاله بالأم بمنزلة الجزء منها، كاليد والرجل.
أما باعتاق الحمل فلا تعتق الأم؛ لأنه لا وجه إلى اعتاق الأم مقصوداً؛ لعدم التبعية لعتق الحمل؛ لأنّه
الجزء 1 · صفحة 58
تابع لها، وفي تبعيتها له قلب الموضوع؛ فلهذا يعتق الحمل خاصة، فافترقا.
123 - ثم اعتاق الحمل صحيح.
وبيعه، وهبته لا يصح.
والفرق: أنّ من شرط صحة الهبة التسليم، وفي البيع القدرة عليه، وشيء من ذلك لا يتحقّق في الحمل.
أما في الإعتاق، فلا يُشترط شيء من ذلك، بل يُعتمد قيام الملك، دون القدرة.
وفرقٌ آخر: أنّه لو أعتق العبد الآبق، نفذ عتاقه.
ولو باعه لا يصح بيعه، ووجه ذلك ما قلنا.
124 - لو قال لعبده نصفك حر، لا يعتق كله.
ولو قال لامرأته: نصفك طالق، طلقت.
والفرقُ: أنّ الإعتاق إزالة الملك؛ لأنّ الملك حقه، أما الرّق فحق الشرع أو حق العامة، وحكم التصرف ما يدخل تحت ولاية المتصرف، وهو إزالة حقه لا حق غيره والأصل اقتصار التصرف على موضع الإضافة، والتعدي إلى ماوراءه ضرورة عدم التجزئ، والملك متجزئ، فيصح كما في البيع والهبة، وإثبات الحرية في البعض لا يوجب الثبوت في الكل؛ لأن بقاء الملك في البعض يمنع من ذلك، وثم حالة ثالثة غير حالة 0 الرق والحرية، و هي حالة الكتابة، فقلنا بانزاله له مكاتباً أما في النكاح والطلاق فليس لنا حالة ثالثة، فإذا تساويا ترجح جانب
المحرم، وهو الطلاق، أو نقول الطلاق مزيل لقيد النكاح، وهو لا يتجزأ، فكذا ما هو مزيل له.
أما الملك فمتجزئ، والإعتاق إزالة الملك، فافترقا.
125 - لو كان له ثلاثة أعبد، دخل عليه اثنان، فقال: أحدكما حر، ثم خرج واحد و دخل آخر
الجزء 1 · صفحة 59
فقال له وللباقي: أحدكما حر، ومات قبل البيان، يعتق نصف الخارج، وثلاثة أرباع الثابت والداخل يعتق منه نصفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
ولو قال لثلاث نسوة لم يدخل بهن، وقد دخلت عليه ثنتان منهن إحداكم طالق، ثم خرجت إحداهما ودخلت الأخرى، فقال: إحداكما طالق، ومات قبل البيان، سقط من مهر الخارجة الربع ومن مهر الثابتة الربع والثمن، ومن مهر الداخلة الثمن وكان ينبغي أن يسقط الربع عند أبي حنيفة وأبي يوسف على ما قيل، كما يعتق من الداخل نصفه هنا إلا فرقاً بينهما.
والفرق: أنّ للزوجية حالتين: حالة نكاح، وحالة طلاق، وليس ثم حالة ثالثة، فلا نحصار القضية في حالتي الطلاق والنكاح، احتجنا إلى الترديد، فنقول الإيجاب الثاني صحيح في حال إن أريد بالإيجاب الأول الخارجة غير صحيح في حال إن أريد
بالإيجاب الأول الثابتة، ولو كان صحيحاً بكل حال يسقط به نصف مهر موزعاً بينهما، يعني الداخلة والثابتة، وإذا كان صحيحاً في حال دون حال يسقط ربع مهر موزعاً بينهما، فلهذا سقط في مهر الداخلة الثمن.
أما العبيد فلهم أحوال: حلة رق وحالة حرية وحالة مترددة بين الحرية والرق وهي الكتابة، أو معتق البعض والثابت إن لم يكن مراداً بالإيجاب الأول كان رقيقاً، ويصح الإيجاب الثاني، وكذا إذا كان معتق
البعض، وإن أريد بالإيجاب الأول لا يصح الإيجاب الثاني فالصحة ثبتت بتقديرين والمنع بتقدير، فترجحت مقادير الصحة، فصح الإيجاب الثاني مطلقاً، وموجبه عتق رقبة بين الثابت والداخل، فأصاب الداخل منه النصف، والنصف الآخر شاع في الثابت، إلا أن نصفه عتق بالإيجاب الأول، فلا يقبل الحرية؛ لأنه تحصيل ماهو حاصل، ونصف النصف أصاب النصف الرقيق، فأفاد فيه الحرية، وإذا أصابه ربع بالإيجاب، ونصف بالإيجاب الأول كان المجموع ثلاثة أرباعه، فافترقا.
الجزء 1 · صفحة 60
126 - لو قال لعبده: أنت حر بألف، فقال: قبلت في النصف، لايصح، ولو قال لامرأته: أنت طالق بألف، فقبلت في نصف الطلاق بالألف
وقع الطلاق، ويلزمها الألف.
والفرق: أن الإعتاق يتجزأ عند أبي حنيفة، فإعتاق النصف يفارق إعتاق الكل؛ ولهذا لو شهد أحدهما أنه أعتق نصفه، والآخر شهد أنه أعتقه، لاتقبل الشهادة؛ لاختلاف الشاهدين في المشهود به؛ وإذا كان غيره، كان قول العبد في غير ما أوجب المولى، فلا يصح، أما الطلاق فلا يتجزأ، فقبول مالا يتجزأ كقبول الكل، ولو قبلت الطلاق، صح ويجب الألف، فكذا قبول البعض.
127 - ولو قالت المرأة: طلقني ثلاثاً بألف، فطلّقها واحدة، وقعت عليها واحدة بثلث الألف.
ولو قالت: طلقني ثلاثاً على ألف، فطلّقها واحدة، وقعت عليها واحدة بغير
شيء عند أبي حنيفة.
والفرق: أنّ حرف الباء للمعاوضة، وقد قابلت الثلاث بالألف، والمقابلة تقتضي الانقسام، فكل طلقة مقابلة بثلث الألف، فإذا أوقع الواحدة، وقعت بثلث الألف أما كلمة على فتستعمل للعوض، وتستعمل للشرط، فإذا دخلت على ما يصح تعليقه بالشرط تكون للشرط لا للمعاوضة عملاً بالدليلين، والطلاق مما يصح تعليقه بالشرط، فكان شرط وجوب المال عليها وقوع الثلاث، ولم يوجد ذلك، فصار
الزوج موقعاً الواحدة ابتداءً فتقع واحدة بغير شيء، فافترقا.
128 - إذا مات الرجل وعليه دين وله مدبر، يسعى في جميع قيمته للغرماء.
الجزء 1 · صفحة 61
وأم الولد لا تسعى في شيء.
والفرق: أن العتق في المدبر بمنزلة الوصية، والدين مقدّم عليها، فيسعى.
أما العتق في أم الولد فلا بطريق الوصية، وهي ليست بمال متقوّم فلا
يتعلّق بها حق الغرماء، كالقصاص بيعه بخلاف المدبر؛ لأنّه مال متقوم، فافترقا.
??? - لو قال لعبده: إن مِتُ فأنت حر صار مدبراً؛ ولا يجوز بيعه.
ولو قال: إن مت من مرضي هذا فأنت حر لا يكون مدبّراً؛ ويجوز بيعه.
والفرق: أنّ في الأولى، تعلّق العتق بمطلق الموت؛ وهو كائن لا محالة؛ فانعقد السبب لازماً في الحال.
أما في الثانية فتعلق بصفة مترددة وهو أن يموت من ذلك المرض
أم لا؛ فلم يكن لازماً، فافترقا.
130 - لو أعتق عبده على ألف فقبل العبد، عتق في الحال، ووجبت عليه الألف.
ولو دبر عبده على ألف فقبل العبد صار مدبراً ولا يجب المال.
والفرق: أن في الأولى العتق معلق بالقبول، فإذا قبل صار حراً، ووجب المال، والحرية لا تمنع وجوب المال.
أما في الثانية فبالقبول صار مدبّراً، والمدبر عبد، وإيجاب المال للمولى على عبده ممتنع؛ لأنّه لا يفيد فلا يجب، ويصير مدبراً؛ لأنّه علّقه بالقبول، وقد قبل.
131 - لو قال لرجل: أعتق عبدك على ألف عليّ، ففعل، وقع العتق، ولا شيء على الآمر.
الجزء 1 · صفحة 62
ولو قال: طلق امرأتك على ألفعليَّ، ففعل، وقع الطلاق، وعليه الألف.
والفرق: أنّ العبد بالإعتاق سلم له المبدل، وهو مالكية نفسه، والآمر لم يسلم له شئ، وإيجاب البدل على غير من لم يسلم له المبدل لايصح، كالمشتري إذا شرط إيجاب الثمن على غيره، لا يصح.
أما الزوجة فكانت مالكة لنفسها قبل الطلاق، وبالطلاق لم يسلم ذلك لها، فلا مانع من إيجاب البدل على الآمر، فافترقا.
فصل
[النكاح]
132 - الأب إذا زوّج ابنته الصغيرة، ونقص من مهرها نقصاناً فاحشا، جاز.
ولو باع مالها بغين فاحش، لم يجز.
والفرق: أنّ مصالح النكاح خفية، ومعانيه باطنة، والوقوف على ذلك متعذر، فيدار الحكم على باطنه، لاشتمال التصرف على المصلحة، وهو قرب القرابة، ووفور الشفقة، والأب وافر الشفقة، فجاز ذلك منه.
أما البيع فمصلحته ظاهرة لا تخفى، فتعلّق الحكم بحقيقة المصلحة، والتّصرف بالغين الفاحش خسران لا مصلحة، فلا يجوز، فافترقا.
133 - ثم الأب إذا زوج الصّغير أو الصّغيرة ينفذ في الحال، ولا يتوقف على خيار البلوغ.
والأخ أو العم إذا زوج الصغير أو الصغيرة، ينفذ ويثبت الخيار بعد البلوغ.
والفرق: أنّ قرابة الأب كاملة، وشفقته وافرة، فينفذ العقد بمباشرته، كما إذا باشر ذلك بعد البلوغ برضاهما.
أما قرابة الأخ والعم فناقصة، وشفقتهما قاصرة؛ وذلك موجبٌ لتطرق الخلل في مقاصد النكاح،
الجزء 1 · صفحة 63
فيتوقف اللزوم على رضاهما بذلك بعد البلوغ.
134 - بخلاف ما إذا زوّج القاضي الصّغير، حيث يقع لازماً على إحدى الروايتين.
والفرقُ: أنّ ولاية القاضي عامّة، تثبت في النفس والمال جميعاً.
أما ولاية الأخ فقاصرة، فينعقد موجباً للخيار بعد البلوغ، فافترقا.
135 - ثم بعد البلوغ إذا رضي أحدهما ورَدَّ الآخر، لا ينفسخ العقد، ما لم يقض القاضي بذلك.
وفي خيار المعتقة ينفسخ بردها، ولا يتوقف على القضاء.
والفرقُ: أنّ الفسخ بخيار البلوغ؛ لدفع ضرر خفي؛ وهو تمكّن الخلل في العقد؛ ولهذا يشمل الذّكر والأنثى، فجعل إلزاماً في حق الآخر، فيفتقر إلى القضاء، كالرد بخيار العيب.
أما العتق فلدفع ضرر ظاهر جلي، وهو زيادة الملك عليها، فإن قبل العتق كان الزوج يملك عليها طلقتين، وبعد العتق يملك ثلاثاً، وزيادة الملك عليها إضرار بها فاعتبر دفعاً وامتناعاً؛ وذلك لا يفتقر إلى القضاء، كالرد بخيار الشرط.
136 - ثم بعد البلوغ إذا علمت بالنكاح، ولم تعلم أن لها الخيار، لا يكون ذلك عذراً، ويبطل خيارها.
وفي خيار المعتقة يكون عذراً، وهي على خيارها.
والفرق: أنّ في الأولى هي حرة، والدار دار معرفة الأحكام، فلا تُعذر في ذلك؛ ولهذا لو أسلم في دار الإسلام کافر، ومضى عليه زمان ولم يُصل، يقضي ما فاته، ولا يكون معذوراً.
أما في المسألة الثانية، فالأمة معذورة؛ لأنّها مشغولة بخدمة المولى، فلم تتفرّغ لمعرفة الشرائع،
الجزء 1 · صفحة 64
فيكون ذلك عذراً في حقها، كمن أسلم في دار الحرب ومضى عليه أيام، ثم خرج إلى دار الإسلام، لا يقضي ما فاته؛ لأنّها دار حرب، فلم تكن
دار الأحكام، فكذا هذا.
137 - ثم خيار الأنثى البكر يبطل بالسّكوت.
وخيار الغلام لا يبطل ما لم يقل رضيت، أو يجئ منه ما يعلم أنّه رضا.
والفرق: أما في الأنثى فاعتباراً لهذه الحالة بحالة ابتداء النكاح بعد البلوغ، ولو زوّجها بعد البلوغ فسكتت يكون رضا، فكذا إذا علمت وسكتت.
وأما الغلام، فإنّه لو زوّجه بعد البلوغ، لا يكون السكوت رضاً منه، فكذا هذه الحالة.
??? - ثم خيار البلوغ يبطل بالسكوت، ولا يمتد إلى آخر المجلس.
وخيار المعتقة، يمتد إلى آخر المجلس.
والفرق: أنّ خيار البلوغ ما ثبت بإثبات الزوج، بل لتوهم الخلل في العقد، فلا يمتد.
أما خيار العتق، فثبت بإثبات المولى، وهو الإعتاق، فأشبه الخيار الثابت بإثبات الزوج في حق المخيرة، فإنه يمتد إلى آخر المجلس، فكذا هذا. والله أعلم.
139 - الأب إذا زوج الصغيرة، ثم ضمن المهر عن الزوج، صح ضمانه.
ولو باع مال ابنه الصغير، وضمن الثمن عن المشتري، لايصح.
والفرق: أنّ الولي في النكاح سفير ومعبر، وقبضه المهر
للصغيرة اعتباراً بالأبوة، لا باعتبار أنّه عاقد، ولهذا لا يملك القبض بعد بلوغها، فبهذا الضمان
الجزء 1 · صفحة 65
لايصير ضامناً لنفسه، فيصح.
أما في باب البيع فعاقد لنفسه، حتى ترجع العهدة عليه، والحقوق إليه؛ ولهذا يصح إبراؤه عن الثمن، ويملك قبضه بعد بلوغ الصبي، وإذا كان كذلك، فلو صح الضمان يصير ضامناً لنفسه، وذلك غير صحيح، فافترقا.
140 - المولى إذا زوج أمته، ثم قتلها قبل أن يدخل بها الزوج، سقط المهر.
والحرة لو قتلت نفسها قبل الدخول بها، لا يسقط مهرها.
والفرق: أنّ قتل المولى أمته معتبر في حق أحكام الدنيا، حتى تجب عليه الكفارة، فيضاف إليه، وإذا أضيف إليه، صار مانعاً من تسليم المبدل، فيسقط البدل عن الزوج، كالبائع إذا قتل المبيع قبل القبض.
أما جناية الحرة على نفسها فغير معتبرة في حق أحكام الدنيا، فشابه موتها حتف أنفها؛ وذلك لا يوجب سقوط مهرها، فكذا هذا.
141 - إذا تزوجت الأمة ياذن مولاها ثم أعتقت فلها الخيار.
وإن تزوجت بغير إذنه، ثم أعتقت صح، ولا خيار لها.
والفرق: أنّ المولى إذا زوّجها لا يعتبر رضاها، وبالإعتاق ازداد ملك الطلقتان عليها، فثبت لها الخيار؛ دفعاً لزيادة الملك، إذ النكاح يقر عليها قبل الإعتاق.
أما إذا تزوجت بغير إذن المولى فتوقف على إجازة المولى،
وبالإعتاق زال المانع من التوقف، فنفذ النكاح عليها بعد العتق، وبعد العتق لم يزد عليها الملك، وثبوت الخيار باعتباره، فافترقا.
142 - لو قال رجل: تزوّجت فلانة بألف وهي غائبة، فبلغها، فقبلت، كان باطلا.
الجزء 1 · صفحة 66
ولو قال: طلّقت امرأتي بألف وهي غائبة، فبلغها، وأجازت، جاز.
والفرق: أنّ النكاح عقد معاوضة من الجانبين والموجود منه أحد شطري العقد، وهو الإيجاب، وأحد شطري العقد، لا يتوقف العقد فيه على ماوراء المجلس. كما لو قال: بعت عبدي من فلان، بألف، فبلغه فأجاز، كان باطلاً، فكذا هذا.
أما الطلاق بمال فيمين من جانب الزوج؛ لأنه معلّق بقبول المال واليمين يتم
بالحالف؛ ولهذا لا يتمكّن من الرجوع بعد ذلك، وإذا كان تاماً، يتوقّف على ما وراء المجلس
كالعقد التام.
يوضّح هذا الفرق: أنّه لو قال طلّقت امرأتي أمس على ألف، فلم تقبل، فقالت المرأة: بل قبلت كان القول قول الزوج.
ولو كان قال: بعت عبدي هذا من فلان بألف، ولم يقبل فقال فلان بل قبلت كان القول قول المشتري.
والفرق: ماذكرنا أن اليمين لو كانت تتم بالحالف، لم يكن قوله: طلقت امرأتي بألف متضمناً قبول، المرأة، فلا يكون قوله: فلم تقبل رجوعاً عما أقر به فيقبل.
أما قوله: بعت من فلان فالموجود منه شطر العقد، و لا تم به وحده، فكان
كلامه متضمناً وجود القبول من المشتري فصار مقراً بالقبول من المشتري؛ فإذا قال: فلم يقبل، كان رجوعاً بعد الإقرار، فلا يصدق.
143 - لو قال لامرأة: زوجي نفسك مني بألف، فقالت: زوجت تم العقد بينهما.
ولو قال لغيره: بع عبدك مني بألف فقال: بعت، لا ينعقد العقد حتى يقول المشتري: اشتريت.
والفرق: أنّ البيع يقع بغتة وفجأة، فقوله: بعني يكون ذلك استياماً
الجزء 1 · صفحة 67
للبيع عادة، وإذا كان استياماً ما يقول لا بد من قبول المشتري بعد قول البائع: بعت.
أما النكاح فقلَّ ما يكون بغتة؛ لأنّه يتقدّمه مقدّمات من الخطبة وغيرها عادة، فيكون الموجود منه شطر العقد، فإذا قالت: زوّجت، انعقد العقد بينهما، فلا يحتاج إلى القَبول بعد ذلك.
والفرق الثاني: أن قوله: زوّجي توكيل لها، وتفويض إليها، والواحد في باب النكاح يتولّى طرفي العقد؛ لأنّه سفير ومعبّر، فكان قولها: زوجت متضمناً للإيجاب والقبول، فلا يحتاج إلى قبول بعد ذلك.
أما الواحد في باب البيع فلا يتولى طرفي العقد؛ لأنّ الحقوق فيه راجعة إلى العاقد، ومن
المحال أن يكون الشخص الواحد طالباً ومطالباً، قاضياً ومقضياً، مسلماً ومتسلماً، فكان قوله بعت إيجاب لا غير، فلا بد من القبول من المشتري بعد ذلك، فافترقا.
144 - لو قال لامرأتين: تزوجت إحداكما بألف فقبلتا، لا يصح نكاح إحداهما.
ولو طلق إحدى زوجتيه، صح.
والفرق: أنّ نكاح المجهولة لو صح توقّف ذلك على البيان من جهة، والبيان فيه معنى الشرط، والنكاح لا يصح تعليقه بصريح الشرط، فكذا لا يصح بما هو في معناه.
أما الطلاق فيصح تعليقه بصريح الشرط، فكذا بما هو في معناه.
والفقه في ذلك: أنّ النّكاح تمليك مبتدأ، والتّمليكات لايصح تعليقها بالشرط، كالبيع والهبة.
أما الطلاق فإسقاط محض، والتعليق بالشرط مشروع في الإسقاط المحض، فافترقا.
145 - إذا تزوّج امرأة ثم تزوج أختها بعدها، صح نكاح الأولى، وفسد نكاح الثانية.
ولو تزوجهما معاً، فسد نكاحهما.
الجزء 1 · صفحة 68
والفرق: أنّه إذا تزوّج إحداهما أولاً يصح نكاحها؛ لأنّ المنهي
عنه الجمع، ولا جمع في نكاح الأولى، فإذا تزوج الثانية بعدها، فسد نكاحها؛ لأن الجمع عنه قام بها بعد صحة نكاح الأولى، ففسد نكاحها دون الأولى.
أما إذا تزوجهما معاً، فالجمع قام بهما جميعاً، وهو المفسد للنكاح، وقد قام بهما فيفسد نكاحهما.
146 - الذّمي إذا تزوّج ذمية على خمر بعينه، ثم أسلمت المرأة أو الزوج قبل القبض، فلها عين الخمر ولا يمنع ذلك بالإسلام.
ولو باع الذمي خمراً، ثم أسلم المشتري قبل القبض، يبطل ذلك البيع، ويمتنع القبض بعد ذلك.
والفرق: أن القبض في البيع له شبه بالبيع؛ لأنّ به يتأكد ملك التصرف،
فإنه لا يملك التصرف فيه قبل القبض، وإذا كان له شبه بالبيع، كان بالقبض متملكاً الخمر من وجه، والمسلم ممنوع عن تمليك الخمر وتملكه.
أما في النكاح فلا يثبت للزوجة ملك التصرف بالقبض؛ لأنّها كانت مالكة للتصرف قبل ذلك، وإنما يثبت لها ضرورة اليد، ولا بأس بذلك، كما لو أسلم وله خمر مغصوب في يد الغير، فكذا هذا، بل أولى؛ لأن يد الغاصب مانعة، ويد الزوج غير مانعة.
147 - المجبوب إذا خلا بامرأته، ثم طلّقها، فلها المهر كاملاً عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
والمريض العاجز عن الجماع إذا خلا ثم طلّق، فلها نصف المهر.
والفرق: أنّ عجز المجبوب لا يُرجى زواله، فكان المعقود عليه منفعة المساس في حقه، وقد سلمت إليه ذلك من غير مانع، فتستحق كمال المهر.
أما المرض فعجزٌ يرجى زواله، فكان العقد مقتضياً مقابلة البدل بحقيقة الوطء، أو التمكين
الجزء 1 · صفحة 69
الخالي عن المانع، ولم يوجد ذلك، فكان هذا طلاق قبل الدخول فيجب به نصف المهر بالنص.
وكذلك إذا كان أحدهما صائماً في زمان أو محرماً بحج، أو كانت حائضا؛ لأن كل واحد من هذه مانع صحة الخلوة. وفي صوم النفل روايتان. والله أعلم.
فصل
[الطلاق وما يلحق به]
148 - حرّة تحت عبد قال لها: أنت طالق للسُنّة، ثم اشترته، ثم جاء وقت السنة، وقع عليها الطلاق.
ولو قال الحر لزوجته الأمة: أنت طالق للسّنة، ثم اشتراها، ثم جاء وقت السُّنة، لا يقع الطلاق.
والفرق: أنّ الطلاق لا يقع إلا في النكاح أو في العدّة عن النكاح، فالحر إذا اشترى زوجته ارتفع النكاح وثبت الحل بملك اليمين، فلا تظهر العدة، والطلاق لا يقع إلا في النكاح أو عدة النكاح، ولم يوجد فلا يقع.
أما الحرّة إذا اشترت زوجها فلا تحل له بالشراء، فتظهر العدة، فيقع الطلاق بمصادفته العدة، فافترقا.
149 - لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار، يتعلّق الكل بالدخول، وإذا دخلت يقع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق، يقع واحدة، ولا يقع الثلاث.
والفرق: أنّ صدر الكلام يتوقف على آخره، إذا وجد المغير في آخره، ففي الأول وجد المغير؛ لأنه علّقه بالشرط، والشرط يمنع من الوقوع في الحال، وإذا توقف أول الكلام على آخره، تعلّقالكل
الجزء 1 · صفحة 70
بالدخول.
أما في الثانية، فلم يوجد المغيّر في آخر الكلام، فلا يتوقف، فسبقت الأولى في الوقوع وبانت بها، فلا تقع الثانية، فافترقا.
150 - لو قال لها: أنت طالق واحدة قبل واحدة، تقع واحدة.
ولو قال: قبلها واحدة يقع ثنتان.
والفرق: أنّ كلمة قبل إذا ذكرت بين شيئين، إن كانت مقرونة بحرف الهاء، كانت القبلية صفة للثانية، وإن لم تكن مقرونة بحرف الهاء، كانت القبلية صفة للأولى، يقول: جاءني زيد قبل عمرو، فالقبلية صفة لزيد، ولو قلت: قبله عمرو كانت صفة لعمرو، فقوله: قبل واحدة، القبلية صفة للأولى، وسبقت في
الوقوع، فبانت بها، فلا تقع الثانية.
وفي قوله: قبلها واحدة، القبلية صفة للثانية، وليس في وسعه إثبات صفة القبلية للثانية، وفي وسعه القران، فثبت بقدر ما في وسعه كأنه قال: ثنتين، فيقع ثنتان.
151 - ولو قال: واحدة بعد واحدة، يقع ثنتان.
ولو قال بعدها واحدة، يقع واحدة.
والفرق: أن في قوله: بعدها، واحدة البعدية صفة للثانية، فتسبق الأولى في الوقوع؛ لتقدمها عليها، وبانت بها، فلا تقع الثانية.
أما في قوله: بعد، واحدة فالبعدية صفة للمذكور أولاً، فتكون القبلية صفة
للمذكور آخراً، وليس في وسعه جعل الثانية سابقة على الأولى، وفي وسعه القران على ما ذكرنا، فيقعان
الجزء 1 · صفحة 71
جميعاً.
152 - ولو قال: نصف تطليقة، وربع تطليقة، يقع ثنتان.
ولو قال: نصفها وربعها، يقع واحدة.
والفرق: أن في الأولى أضاف كل جزء إلى تطليقة منكرة، والنكرة إذا أعيدت، كان الثاني غير الأول، فيقع تطليقتان بكل لفظ طلقة.
أما في الثانية فكل تطليقة صارت معرفة بالكناية، والمعرفة إذا أعيدت كان
الثاني عين الأول، فيقع طلقة واحدة لا غير، كأنه بلفظ مرة واحدة.
ولو كانت مدخولاً بها، يقع ما تلفّظ به في جميع ما تقدّم؛ لأنها لا تبين منه باللفظ الأول، فيقع ما بعده. والله أعلم.
153 - لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال لأخرى: أشركتك في ظهار فلانة، كان مظاهراً منها.
ولو آلى من امرأته، ثم قال لأخرى: أشركتك معها، لا يصح، ولا يصير مولّياً من الثّانية.
والفرق: أنّ الشّركة تقتضي المساواة في الحكم إذا أمكن، وقد أمكن ذلك في الظهار، كأنه قال: أنتما عليَّ كظهر أمي؛ وهذا لأن حكم الظهار حرمة ترتفع بالكفارة، وأمكن إثبات هذا الوصف في حق الثانية بقضية الشركة، إذ المحل يقبل إثبات
الوصف فيه.
أما الإيلاء فيمين، واليمين يتم بالحالف دون المحل، فكانت صفة له دونها، فلا يمكن إثباتها فيها.
وفرق آخر: أنا لو أثبتنا مشاركة الثانية في إيلاء الأولى، وصار مولياً منها، يتغير حكم الإيلاء
الجزء 1 · صفحة 72
في حق الأولى، فلا يحنث بقربانها، ولو ثبت مشاركة الثانية معها لا يحنث مالم يقربهما جميعاً، وإذا كان مغيّراً للحكم في الأولى، لا يصح.
أما مشاركة الثانية للأولى في الظهار فلا يغيّر الحكم في حق الأولى؛ لأنّه إثبات الحرمة، وإثبات الحرمة في الثانية لا يمنع من إثباتها في الأولى، فافترقا.
154 - ولو قال لنسوة له، وهن ثلاث: أنتن عليّ كظهر أمي، فقرب
الثلاث، يلزمه لكل واحدة منهن كفارة.
ولو آلى منهن، ثم قربهن، لزمه كفارة واحدة.
والفرق: أنّ الكفارة وجبت في الظّهار؛ لدفع الحرمة الثّابتة بالظهار، والحرمة ثابتة في حق كل واحدة منهن، فيجب لكل واحدة كفارة إذا أراد القربان.
أما الإيلاء فالكفارة فيه وجبت؛ هتك حرمة اسم الله تعالى باليمين، واليمين واحدة في حقهن؛ ولهذا لا يحنث ما لم يقرب الجميع، وإذا اتحد وجوب الكفارة يتّحد الحكم، فافترقا.
155 – ولو قال لامرأته: أنت طالق أمس، وقد تزوّجها اليوم، لم يقع شيء.
وإن تزوّجها أول من أمس، وقع الطلاق.
والفرق: أنّ في المسألة الأولى، أضاف الطّلاق إلى زمان كانت أجنبية عنه في ذلك الزّمان، فكان كلامه خبراً، فلا يُجْعَل إنشاء، كما لو قال: أنت طالق قبل أن تُخلقي أو قبل أن أخلق، فإنّه لا يقع بذلك شي، فكذا هذا.
أما في الثانية فأقر بالطلاق في زمان كانت في نكاحه، وقد تعذّر جعله خبراً، فيُجعل إنشاء،
الجزء 1 · صفحة 73
وإسناد الإنشاء إلى الماضي من الزمان متعذّر، فيقتصر على الحال، كأنّه أوقعه فيه.
156 - ولو قال لامرأته: أنت طالق اليوم غداً، يقع اليوم.
ولو قال: غداً اليوم، يقع في الغد.
والفرق: أنّ في الأولى وصفها بالطلاق في اليوم والغد، وإذا وقع الطلاق في اليوم، وصارت موصوفة به، صارت في الغد، فيقع في اليوم.
أما في الثانية فأضاف الطلاق إلى الغد، ووصفها به في الغد، وبوصفها الطلاق في موصوفة به في الحال، فيقع في الغد، إذ المضاف إلى الغد لا يكون الغد، لا تصير واقعاً في الحال.
157 - لو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك، ولا نية له، لا يقع الطلاق حتى يموت هو أو هي، كقوله: إن لم أطلقك.
ولو قال: أنت طالق إذا شئت، لا يتقيّد بالمجلس.
ففي الأولى: اعتبر معنى الشرط، وفي الثانية: اعتبر معنى الوقت، كأنه قال: متى شئت.
والفرق: أنّ كلمة إذا تُستعمل للشرط، قال الشاعر:
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
أي: تصيبك، فحذف الياء؛ لأنّه مجزوم بالشرط.
وتستعمل للوقت أيضاً، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها
الجزء 1 · صفحة 74
أي: ومتى. وإذا دارت بين الوقت والشرط، فقوله: أنت طالق إذا لم أطلقك، باعتبار معنى الشرط، لا يقع في الحال، ويتعلق بآخر العمر، وباعتبار الوقت، يقع في الحال، والطلاق في الحال لم يكن، فلا يقع بالشك في الحال.
أما في قوله: أنت طالق إذا شئت، إن أريد به الشرط، يتقيد بالمجلس، ويبطل بالقيام وإن أريد به الوقت لا يبطل بالقيام، وبالتفويض صار الأمر بيدها بيقن، فلا يبطل بالقيام عن المجلس أيضاً بالشك، وهذا الفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - أما عندهما فلا فرق، ويحمل على الوقت في الموضعين.
158 - ولو قال: أنت طالق حين لم أطلقك وسكت، يقع الطلاق في الحال.
ولو قال: حين لا أطلقك، لا يقع حتى يمضي ستة أشهر.
والفرق: أنّ حرف (لم) يُستعمل للماضي من الزّمان؛ لأنّها تنقل معنى الاستقبال إلى المضي، تقول: لم يقم زيد: معناه ما قام زيد، فشرط وقوع الطلاق زمان خال عن التطليق، وقد وُجد، فيقع في الحال.
أما حرف (لا) فيراد به الاستقبال، تقول: لا أفعل كذا، ومرادك الاستقبال، إلا أنّ الحين يُذكر ويراد به الأبد ويراد به الساعة ويراد به ستة أشهر، قال الله تعالى: {وتُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حين بإذن رَبِّهَا}، والأبد والسّاعة غير مراد عرفاً، فيُحمل على المتوسط وهو ستة أشهر.
159 - لو قال لامرأته: طلقي نفسك، ليس له أن يرجع عنه.
ولو قال لرجل: طلق امرأتي له أن يرجع.
والفرق: أنّ قوله: طلق امرأتي توكيل؛ لأنّ الوكيل من يعمل لغيره، والأجنبي عامل لغيره، والتوكيل يصح الرجوع عنه؛ لأن في لحوق المنة بالموكل ضرراً، فيتمكن من الدّفع.
أما في قوله: طلقي نفسك تمليك، لأنّ المالك من يتصرف لنفسه، والمرأة عاملة لنفسها، وقد تم ما كان من جهة الزوج، فالرجوع يكون إبطالاً لحق المرأة، فلا يصح.
الجزء 1 · صفحة 75
160 - بخلاف رجوع البائع قبل قَبول المشتري، حيث يصح.
والفرق: أنّ البيع يقع بغتة وفجأة، فالشرع بسبيل إلى الرجوع.
أما الطلاق فلا يكون إلا بعد تفكر وتأمل.
161 - ولهذا يصح شرط الخيار في البيع.
ولا يصح في الطلاق في جانب الزّوج.
والفرق: أنّ البيع تمليك بإزاء تمليك، وقبل قبول المشتري، البائع لم يملك الثمن فكذا المشتري لا يملك المبيع تحقيقاً للمعادلة، فالرجوع من البائع لا يكون إبطالاً للملك الثابت.
أما التفويض فتمليك واحد من جانب الزّوج، وقد تمّ ما كان من جهته، فرجوعه يكون إبطالاً لحق المرأة؛ فلا يصح، فافترقا.
162 - ثم في حق الوكيل لا يقتصر التصرف على المجلس، وله أن يطلق خارج المجلس.
وفي المرأة يقتصر على المجلس، ويبطل بقيامها.
والفرق: أنّ في حق الوكيل لو اقتصر على المجلس، ربما لا يقدر على الفعل في المجلس، فلا يحصل الغرض.
أما في حق المرأة فالاقتصار على المجلس، ثبت باجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -.
163 - ولو قال: أمرك بيدك، فطلقي نفسك، فقالت: اخترت نفسي، يقع الطلاق، ولا يصدق الزوج في ترك النية.
ولو قال: أمرك بيدك، وطلّقي نفسك، يصدّق في ترك النية، ولو قالت: اخترت، لا يقع.
الجزء 1 · صفحة 76
والفرق: أن قوله: أمرك بيدك كناية، وقوله: فطلقي يصلح مفسراً لهذا المبهم؛ لأنه ذكره بحرف الفاء، وهي للتفسير، وإذا صارت الكناية مفسّرة بالصريح، تبقى على الكناية، كلفظ الصريح، فلا يصدق، ويقع بقولها اخترت؛ لأنّه يصلح جواب للأمر باليد.
أما قوله في الثانية: وطلّقي نفسك ذكره بحرف الواو، وهو لا يصلح للتفسير، ولم توجد نية الزوج، فلا يقع.
ففي قوله: وطلقي، هذا تفويض لصريح الطلاق، وقولها: اخترت لا يصلح جواباً له، حتى لو قالت: طلقت، يقع واحدة؛ لأنّه يصلح جواباً.
164 - ولو قال: طلقي نفسك فاختاري إن قالت: طلقت، يقع ثنتان 6. وإن قالت: اخترت، تقع واحدة.
والفرق: أنّ قولها اخترت لا يصلح تفسير لصريح الطلاق، لا الكناية دون الصريح، فيحمل حرف الفاء على العطف؛ لأنه من حروف العطف، كأنه قال: طلقي، واختاري، فكان مذكوراً عقيب مذاكرة الطلاق، فيكون تفويضاً، وقولها: اخترت يصلح جواباً له لا غير، فتقع واحدة.
أما قولها: طلّقت فيصح جواباً لهما، فتقع ثنتان، فافترقا.
فصل
[البيع وغيره]
165 - لو اشتري داراً لها طريق، ولم يقل بكل حق، لا يدخل الطريق في البيع.
ولو استأجرها، ولم يقل بكل حق، دخل في الإجارة.
والفرق: أنّ المقصود في الإجارة، إنما هو المنافع دون الرقبة، والانتفاع بالدار إنما هو لطريقها، فتدخل هذه للضرورة.
الجزء 1 · صفحة 77
أما عقد البيع فالمقصود منه ملك الرقبة والانتفاع من ثمرات الملك؛ ولهذا يجوز بيع
الصّغير الرّضيع وبيع المُهر الصّغير، والأرض السّبخة، وغير ذلك، وإذا كان كذلك، لا يدخل في البيع إلا بالذكر، فافترقا.
166 - ثم في البيع لو استثنى الطريق، جاز.
ولو استثناه في الإجارة، لم يجز.
والفرق: ما قلنا إنّ الطريق تدخل في الإجارة من غير شرط، كحمل الجارية في بيعها، فاستثناؤه يكون مفسداً.
أما في البيع فلا يدخل من غير ذكر، فلا يكون العقد متناولاً له، فاستثناؤه لا يكون مفسداً.
167 - الأب إذا باع مال ابنه الصغير، جاز، ويتولى طرفي العقد.
وغير الأب في البيع، لا يتولّى طرفي ذلك.
والفرق: أنَّ الحقوق في البيع ترجع إلى العاقد، والشخص الواحد لا يكون مطالِباً ومطالَباً، قاضياً ومَقضياً، فلا يتولى الأجنبي ذلك.
أما الأب فبحكم الشفقة، وقصد منفعة الصغير، يقوم رأيه مقام رأيين، وعبارته مقام عبارتين، فيجعل كأنه باع منه وهو كبير بالغ، ثم تحمل الحقوق في العقد بحق الأبوة لا بحكم العقد، فيكون أصيلاً في حق نفسه، نائباً في حق الصغير، حتى لو اشترى لنفسه مال ابنه، كانت العهدة بعد بلوغ الصغير على الصغير، وفيما إذا باع الأجنبي الأب، تكون العهدة على الأب، وإذا كان تحمل الحقوق من الأب،
بحكم الأبوة لا بحكم العقد، لا يؤدي إلى الاستحالة، فافترقا.
الجزء 1 · صفحة 78
168 - ثم بيع الأب مال الصغير بالغبن اليسير، جائز.
وبيع المريض المديون بالغبن اليسير، لا يجوز.
والفرق: أن البيع بالغبن اليسير لا يجوز؛ لأنّ في البيع بالغين اليسير هنا تبرع، والمريض المديون محجور عن ذلك لحق الغرماء.
أما الأب فيتحمل ذلك في حقه؛ لتعذر احترازه عنه، فصار عفواً في حقه، إذ حاله أن لا يضر ولده.
169 - ثم الأب لو وكّل أجنبياً ببيع مال ابنه من نفسه، لا يجوز.
والأب لو فعل ذلك، جاز.
والفرق: أنّ الأب إنّما قامت عبارته مقام عبارتين؛ لوفور شفقته، وكمال رأيه.
وهذا غير موجود في الأجنبي، فبقي على قضية القياس.
??? - ثم الأب إذا باع مال أحد الصّغيرين بالآخر، جاز.
والوصي لو فعل ذلك، لم يجز.
والفرق: أنّ البيع إن كان نفعاً في حق أحد الصّغيرين، يكون إضراراً بالآخر،
إلا أنّ الأب وافر الشّفقة كامل الرأي، فيجوز ذلك في حقه.
أما الوصي فغير وافر الشفقة، فيعتبر البيع في حقهما جميعاً، ولم يوجد، فلا يجوز.
??? - ثم الأب لو أذن للصّبيين بالبيع، فتبايعا جاز.
الجزء 1 · صفحة 79
والوصي لو فعل ذلك، لم يجز.
والفرق: أنّ الأب لو فعل ذلك بنفسه جاز، فكذا إذا أذن فيه.
أما الوصي فلو فعل بنفسه لم يجز، فكذا إذا أذن فيه.
???- ثم الأب إذا قال لرجل: بع هذا العبد من ابني فلان وهو يعقل البيع، إن علم الابن بالإذن، جاز، وإلا فلا.
وذكر في المأذون: أنّ المولى إذا قال لأهل السوق بايعوا عبدي، ولم يعلم العبد، جاز.
وذكر في موضع آخر: أنه لا يجوز بدون العلم، فلابد من الفرق على إحدى الروايتين.
والفرق: أنّ ما يلزم العبد بالبيع والشراء يقضى من مال المولى؛ لأنّه يباع فيه، فلا يشترط إذن العبد.
أما دين الصّبي فيقضى من ماله لا من مال الأب، فيشترط رضاه.
??? - ثم في الوكالة إذا قال لرجل: اشتر عبدي من فلان، فاشتراه منه، ولم يعلم فلان بالإذن في رواية يجوز ذلك.
ولو قال: وكّلت فلاناً ببيع عبدي، لا يكون وكيلاً ما لم يعلم.
والفرق: أنّ الوكالة في الوجه الأول تثبت تبعاً لأمر الحاضر بالشراء منه، فلا يشترط فيها العلم، كعزل الوكيل ببيع الموكل.
أما في الوجه الثاني فتثبت قصداً لا تبعاً، فلابد من العلم، وكم من شيء يثبت تبعاً، ولا يثبت قصداً، كبيع طرف العبد، والشرب في الأرض، وغير ذلك.
174 - ثم بيع الشرب لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 80
والوصية به، جائزة.
والفرق: أن الوصية عقد تبرع، مبناه على التوسعة، فالجهالة فيه لا تكون مانعة؛ ولهذا جازت الوصية للحمل وبالحمل.
أما البيع فعقد معاوضة، مبناه على المضايقة، فالجهالة فيه مانعة؛ لإفضائها إلى المنازعة؛ ولهذا امتنع جواز بيع الشيء برقمه.
175 - ثم في الوكالة، لو وكل رجلاً ببيع عبده، فباعه، ولم يعلم، لم يجز.
ولو أوصى إلى رجل، فباع شيئاً في التركة، ولم يعلم بالوصية، جاز ذلك استحساناً.
والفرق: أنّ الإيصاء إثبات الولاية في حالة العجز عن التصرف، فلا يتوقف على الجد العلم، كالولاية الثابتة بطريق الإرث؛ بأن مات أبو الصغير، ولم يعلم به الجد، حتى باع شيئاً من التركة، فإنه يجوز، وكذلك بيع الوارث في أملاك مورثه، جائز بدون العلم.
أما الوكالة فإثبات الولاية حالة قدرة الموكل على التّصرف فلو توقّف على العلم؛ لوجد ذلك من الموكّل لقدرته عليه، فلا ينفذ بدون العلم، كالعزل القصدي.
176 - ثم العزل القصدي في حق الوكيل، يتوقّف على العلم.
وعزل الرسول، لا يتوقّف على العلم.
والفرق: أنّ التوكيل إثبات الولاية للوكيل، والعزل إبطال لذلك، فيتوقف على عنه العلم، دفعاً للضرر أما الرسول فلا ولاية له بل هو سفير محض، فالعزل لا يكون إبطالاً للولاية، فلا يتوقف على العلم.
??? - ثم الأب إذا باع مال الصغير بغين فاحش لا يجوز.
والصبي المأذون لو فعل ذلك، جاز عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى -.
والفرق: أنّ تصرف الأب مشروطٌ بالنظر والمصلحة، ولا نظر ولا مصلحة
الجزء 1 · صفحة 81
في الغبن الفاحش.
أما الصبي المأذون فيتصرّف بحكم المالكية والأصالة، كبيع البالغ لنفسه بالغبن الفاحش جائز، فكذا هذا.
??? - ثم المأذون المديون، إذا باع من مولاه شيئاً بمثل قيمته، جاز.
وبنقصان، لم يجز.
والفرق: أنّ البيع بمثل القيمة لا ضرر على الغرماء فيه، إذ حقهم متعلّق بالمالية دون العين.
أما في البيع بالنقصان فللحوق الضّرر بهم، لا يجوز.
??? - بخلاف ما إذا باع من الأجانب بالغبن اليسير
حيث يجوز إجماعاً.
والفرق: أنه متهم في البيع من المولى، والتهمة مانعة من ذلك.
أما لا تهمة في البيع الأجانب، والعادة جارية به، فلا ضرر فيه، فيجوز ذلك.
??? - ثم بيع المأذون من المولى بمثل القيمة جائز.
وإذا باع المريض عيناً من الوارث بمثل القيمة لم يجز عند أبي حنيفة.
والفرق: أنّ حق الورثة متعلّق بالعين، حتى كان لأحدهم، ولاية الاستخلاص بأداء القيمة.
أما حق الغرماء فمتعلق بالمالية لا غير فلا ضرر على الغرماء فيه.
أما الحق المتعلّق بالعين ففيه تهمة إيثار بعض الورثة دون البعض، وفي ذلك إضرار بهم، فلا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 82
181 - ثم عند أبي يوسف ومحمد، إذا باع المأذون من المولى بنقصان يجوز ويخير المولى في إزالة المحاباة، ونقض البيع.
ومع الأجنبي إذا فعل المأذون ذلك، يجوز من غير خيار.
والفرق: أنّ البيع بالغبن اليسير متردّد بين النفع والضّرر؛ لدخوله تحت تقويم
المقوّمين، فاعتبرناه تبرّعاً في البيع من المولى؛ للتهمة.
غير تبرع في حق الأجنبي؛ لانعدامها.
??? - ثم عندهما أيضاً لو باع المأذون من الأجنبي بالغبن الفاحش لا يجوز.
ومن المولى يجوز، ويؤمر بإزالة المحاباة.
والفرق: أنّ المحاباة من العبد المأذون، لا تجوز على أصلهما إلا بإذن المولى فإذا باشر ذلك، فقد وجد منه الإذن فينفذ، ثم يؤمر بإزالتها لحق الغرماء ولا إذن منه بالتصرف بذلك مع الأجنبي، فافترقا.
183 - ثم المولى لو باع من المأذون شيئاً بمثل القيمة أو أقل، جاز، غير أن الثمن إذا كان دراهم، فسلّم المولى المبيع إلى المأذون قبل قبض الثمن، بطل الثمن.
وإن كان الثمن عرضاً، بأن باعه عبداً بعرض وسلم إليه العبد قبل قبض العرض منه، لا يبطل.
والفرق: أن الثمن إذا كان دراهم، فهو دين في ذمة العبد، والمولى لا يستحق على عبده الدين فبطل بالتسليم
أما إذا كان الثمن عرضاً، فهو عين وليس بدين ولا مانع أن يتعلق حق المولى بعين في يد العبد، ويكون له أسوة الغرماء في ذلك، فافترقا.
الجزء 1 · صفحة 83
فصل
[البيع وغيره]
184 - ولو أمر رجلاً أن يبيع عبده بشرط الخيار للأمر، فباعه من غير خيار.
ولو أمره بالبيع الفاسد، فأتى بالصحيح، جاز.
والفرق: أن في الوجه الأول خالف إلى شر؛ لأنه أمره ببيع لا يزيل الملك إلا برضاه، وقد أتى بخلافه، وذلك إضرار به فلا يجوز.
أما في الثاني فخالف إلى خير؛ لأن البيع الفاسد مستحق النقض شرعاً، واستحقاق الفسخ حق على الأمر لا له فيكون مسقطاً لمؤنة الفسخ عنه، وذلك نفع في حقه، فيجوز، فافترقا.
والفرق: أن في الشراء وجد نفاذا عليه، إذ الأصل نفاذ التصرف على المباشر، والنفاذ على الغير بحكم الإذن، وقد خالف، فنفذ عليه. أما في البيع فتعذر النفاذ عليه، فلا ينفذ. والله أعلم.
186 - لو باع عبداً بكر حنطة في الذمة، وقبض الحنطة، ثم أسلم البائع إلى المشتري عشرة دراهم في كر حنطة، ثم انفسخ البيع الأول بينهما؛ بأن هلك العبد قبل التسليم، ولم يَرُدَّ البائع الحنطة على المشتري حتى حل السلم، فقال المسلم إليه: خذه قصاصاً بمالك لا يكون ذلك قصاصاً.
ولو كان عقد السلم مقدماً على عقد البيع، عقد البيع، 0 والمسألة بحالها، فتقاصا، يكون قصاصاً.
والفرق: أن البيع لما انفسخ، بقي قبض الحنطة مضموناً عليه، وبالقبض المضمون يصير مستوفياً لدينه، إلا أن الاستيفاء إنما يكون إذا وجد القبض بعد عقد لما عرف أن آخر الدينين يكون قضاء لأولهما، ففي الوجه الثاني وجد السلم القبض بعد عقد السلم، فيكون قضاء، كما لو أسلم إليه في كر حنطة، ثم غصب منه
حنطة، ولم يُسَلّمه إليه حتى حل السلم، يكون ذلك قصاصاً بدين رب السلم الذي غصبه الغاصب،
الجزء 1 · صفحة 84
فكذا هذا.
أما في الوجه الأول فالقبض وجد قبل عقد السلم، فلا يكون قصاصاً؛ لأنّه لم يوجد صورة الاستيفاء - وهو قبض مضمون بعد عقد السلم - فلا يكون قصاصاً.
??? - ولو لم يكن انفسخ البيع بالهلاك، لكن تفاسخا بالإقالة، والمسألة بحالها، لا يكون قصاصاً.
وان تقاصا، كان السلم والقبض قبل عقد البيع أو بعده.
أما إذا كان قبله؛ لما ذكرنا، وإن كان بعده، كذلك.
والفرق بينه ما تقدم: أنّ الفسخ بحكم الهلاك، فسخ في حق، وبين الكل، فكان القبض مضموناً، لا بحكم العقد المبتدأ.
أما الإقالة ففسخ في حقهما، بيع في حق ثالث والشرع ثالث كأنهما أنشأ عقداً آخر، فكان القبض بجهة كونه ثمناً لهذا العقد، فلو صحت المقاصة بعد ذلك، يكون استيفاء للمسلم فيه بدين وجب بعد الإقالة، لا بقبض مضمون، فيكون ذلك استبدالاً للمسلم فيه، فيكون ديناً بدين؛ وذلك حرام بالنص.
??? - ثم السلم بدين سبق وجوبه لايصح.
والتصرف بدين سبق وجوبه جائز.
والفرق: قد تقدم.
189 - لو كان للصغير أخ كبير أو صغير، وهما مملوكان لرجل، فباع أحدهما وأمسك الآخر، يكره.
ولو كانا زوجين، فباع أحدهما وأمسك الآخر، لا يكره.
والفرق: أنّ ضرر التّفريق مقصورٌ على القرابة الدّاعية إلى الشّفقة، وقلب الصغير ضعيف،