الجزء 1 · صفحة 5
فيض الفائض لِشَرْح روض الرائض في مسائل الفرائض
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو الأنام فيما كلفهم من أحكام الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام، وعلى أتباعه وأشياعه مِن أئمة الأعلام.
أما بعد:
فيقول المتلجي إلى حَرَمِ رَبِّه الباري علي بن سلطان محمد القاري، عاملهما بلطفه الخفيّ وكَرَمه الوفي: إِنَّ هذه رسالة الرائض مشتملة على مسائل الفرائض متضمنة لشرحها المسمى بـ «فيض الفائض».
فقد قال عليه السَّلامُ: «تعلَّموا الفرائضَ وعلموها الناسَ؛ فإنها نصفُ العِلمِ قال السيد السَّنَدُ: هكذا رواية الفقهاء.
وفيه أنه رواية المحدثين أيضاً، فقد رواه ابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «تعلَّمُوا الفرائضَ وعلموه الناس، فإنَّه نصفُ العلم، وهو أول قضية يُنسَى» ?.
سيأتي تخريجه قريباً.
هو العلامة علي بن محمد الحسيني الجرجاني، المعروف بالشريف الجرجاني أو بالسيد الشريف. ? رواه ابن ماجه ??، والحاكم في المستدرك» 7948، والبيهقي في «السنن الكبرى» 12175، ومداره على حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو متروك. انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر 180/ 3. وقوله: «وهو أول قضية ينسى لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث، ولفظ ابن ماجه: «وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي».
وفي رواية: «وهو أولُ شيءٍ يُنزَعُ مِن أُمَّتِي.
وفي رواية الدارمي والدارقطني: «تعلَّمُوا العلم وعلموه الناسَ، تعلَّمُوا الفرائضَ وعلموها الناسَ، تعلَّمُوا القرآن وعلموه الناسَ، فإنّي امرو مقبوضُ، والعلم سيقبضُ ويظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما»
الجزء 1 · صفحة 7
وفيه دليل على أن تعلم الفرائض فرضُ كفاية، على أنها جمع فريضة بمعنى ما قدر من السهام في الميراث، كما قال تعالى: {فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ [النساء: 11]، وإنما جعل العلم بها نصف العلم؛ لأنَّها من أحكام الممات وما عداها من أحكام الحياة، أو للمبالغة لكونه قضيَّةً مهمة.
وأما إذا كانتِ الفرائضُ بمعنى المفروضات فتعلُّمها فرضُ عينٍ. ويؤيد المعنى الأول ذكره في ذيل: تعلَّمُوا القرآن»، وتخصيصه بعد الأمرِ بتعليم العلوم على وجه العموم.
يُقدَّمُ تجهيز الميّت من تكفينه وتدفينه على قضاء دينه اعتباراً بحال حياته، فإنَّه لباسُه بعد وفاته، من غير تبذير ولا تقتير، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] وذلكَ إِمَّا باعتبار الكميَّةِ، فتكفين الرجل بثلاثة أثواب هي: لفافةٌ وإزارٌ يسترانه من الفَرقِ إلى القَدَم، وقميص يستره من الكتف إلى الكعبِ مِن خلفه وقدماه؛ تبذير. وتكفين المرأة بخمسة: وهي تلك الثلاثةُ مع الخمارِ والخِرقَةِ التي يُربط بها ثديها فوق كفنها؛ تبذير.
وإما باعتبار الكيفيَّةِ، فما كان يلبسُ في حياته ما قيمته عشرة مثلاً، فتكفينه بما قيمته أقل أو أكثر منها يكون تقتيراً وتبذيراً، وإذا كان له ثوب يلبسه في الأعياد، وآخر يلبسه بين أقرانه، وثالث يلبسه في داره، يُكفَّنُ بالثاني؛ لأنَّه الوسط، وهو خير الأمور.
وقال بعضُ المتقدمينَ: يُكفَّنُ الرجل بما يلبسه في الجُمَع والأعياد، والمرأةُ بما تلبسه لزيارة الآباء والأجداد، وكان الحسن البصري يقولُ: يُعتبرُ الكفنُ بما يُلبَسُ في أكثر الأوقاتِ، وهو راجع إلى ما تقدَّمَ في تحسين أوسط الحالاتِ.
ثُمَّ هذا عندَ القُدرةِ، وإلا فيُكفَّنُ بأَيِّ شيءٍ وجدَ عندَ الضرورة.
الجزء 1 · صفحة 8
وقال أبو جعفر?: إذا كان عليه دين مستغرق؛ فللغُرماء أن يمنعوا الورثة من تكفينه بكفنِ السُّنَّة، بل يُكفّنُ بكفن الكفاية، وهو للرجل ثوبان جديدانِ أو غسيلان، وهما إزار ولفافة، وللمرأة ثلاثة، وهي اللفافة والإزارُ والخِمَارُ.
وإذا لم يكن للميّتِ تركةٌ فكفنه على من وجبَ عليه نفقته في حياته. وقال أبو يوسف: كفن المرأة على زوجها مطلقاً سواء كانت ذات مال أو لا خلافاً لمحمَّد، فإنَّ الزوجية قد انقطعت بالموت.
قال الصَّدرُ الشهيدُ وقاضي خان: الفتوى على قول أبي يوسف.
إلَّا في المرهون ونحوه: كأَرْشِ جناية عبدهِ، ودَينِ لَزِمَهُ بعدَ إِذْنِهِ، وكدارٍ قبضَ أجرتها ومات، وكمبيع محبوس الثمن، وإنما قدمت هذه الحقوق على التكفينِ؛ لتعلُّقها بالمالِ قَبلَ صيرورته تركةً.
ثُمَّ بعد تجهيزه يُقضَى ديونه - إنْ كانت من جميع ما بقي من ماله بعد التجهيز، فتكون التركة كالمرهون بالدين، حتّى لا ينفذ تصرُّفُ الورثة فيها قبل أداء دينه.
ثُمَّ بعد تجهيزه وقضاءِ دَينِهِ يُنفّذُ وصاياهُ مِن ثلث ما بقي بعدَ الدِّينِ لا من ثلث أصل المال.
فإن قيل: أليس بدأ الله تعالى بالوصية ثُمَّ بالدِّينِ، حيثُ قَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 11].
فالجواب: إِنَّ الدِّينَ مؤخَرُ عَن الوصيَّةِ نظماً لكنَّها مؤخَّرةٌ عنه حكماً؛ لِمَا رُويَ عن علي كرم الله وجهه: إنَّكم تَقْرَؤون هذه الآيةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] ولقد رأيتُ رسول الله هل بدأ بالدين قبل الوصيَّة.
الجزء 1 · صفحة 9
ف أو بمعنى الواو لمطلق الجمع، كقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يزيدُونَ} [الصافات: 147] وقوله: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْكَفُورًا} [الإنسان: 24]. وقيل: النكته في تقديمها: أَنَّها نسبةُ الميراث في كونها مأخوذة بلا عوض، فيَشُقُ إخراجها على الورثة، وكانت لذلك مَظنَّةً للتفريط فيها، بخلافِ الدِّين، فإِنَّ نفوسهم مطمئنَّةُ إلى أدائه؛ فقدَّم ذِكرَها حقًّا على أدائها معه، وتنبيهاً على أنها مثله في وجوبِ الأداء والمسارعة إليه، ولذا جيء بينهما بكلمة التسوية.
انظر: «مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر» لداماد أفندي 746/2. رواه الترمذي 2094 وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: وقد تكلم بعض أهل العلم في الحديث، والعمل عليه عند عامة أهل العلم.
ثُمَّ الوصيةُ إِنْ كَانتْ بتطوُّع فتأخيرُهَا ظاهر.
وإن كانت بفرض من فروض الله، كالصلاة والصيام وحجَّةِ الإسلام والنَّدْرِ والكفَّارة، فدين العبادِ مُقدَّم على هذه الوصية أيضاً وإِنِ اسْتَوَيَا فِي الفَرْضِيَّة؛ لأنَّه يُجبَرُ على أداء الدين بالحبس، ولا يُجبَرُ به على أداء شيء من تلك الفروض، فالدينُ أقوى.
وإن كانت بالزكاةِ التي تُساوي الدَّينَ في الإجبار بالحبس على الأداء، فالدين المذكورُ أقوى؛ لأنَّ القاضي إذا وجد من مالِ المديونِ ما يُجانسُ الدِّينَ يأخذُهُ بلا رضاه ويدفعه إلى صاحبه، وليس له ذلك الأخذُ في الزكاةِ وإن ظَفَرَ بجنسِها. وأيضاً إذا اجتمع حق الله وحقُّ العبادِ في عين، وقد ضاقت عن الوفاء بهما، يُقدَّمُ حقُّ العبد؛ لاحتياجه وفره مع استغناء الله وكرمه.
الجزء 1 · صفحة 10
والحاصل أنه يُصرَفُ ثلث المالِ إلى الغريبِ، فَإِنْ وفَى به فِيهَا، وَإِنْ لم يَفِ؛ إن شاء عفاه وله حُسنُ الثنَاءِ، وإن شاءَ تركه إلى دار الجزاء. ثُمَّ الدَّينُ الذي من حقوق الله؛ إذا أوصى به وجبَ تنفيذه من ثُلُثِ مالهِ الباقي بعد دين العبادِ، وإن لم يُوصِ لم يجب.
فإذا فاتَتْ صلوات مفروضةٌ وأوصى أن يُطعَمَ عنه، فعلى الورثة أن يُطعِمُوا عنه من الثلث، لكل صلاةٍ نصف صاع من بر أو صاعا من شعير، وكذا للوتر بند أبي حنيفة، إذ قد رُوي عنه أن الوتر فريضة.
وإن فاته صوم رمضانَ بمرض أو سفر، وتمكن من قضائه بعد بُرئه أو إقامته، ولم يَقْضِ حتى مات، وأَوْصَى بالإطعام؛ فعلى الورثة أن يُطعموا مِن الثَّلث لكلّ يومٍ نصف صاع من بُرِّ أو صاعاً مِن شعير، لِمَا رُويَ مِن أَنَّه عليه السَّلامُ لمَّا سُئِلَ عن ذلك قالَ: «إنْ ماتَ قبل أن يُطيق الصوم فلا شيء عليه، وإن أطاقه ولم يَصُمْ فَلْيُقْضَ عنه».
يعني: بالإطعام؛ كما يدلُّ عليه حديثُ ابنِ عُمَرَ موقوفاً ومرفوعاً: «لا يصومُ أحد عن أحد، ولا يُصل أحدٌ عن أحدٍ»؛ فوجب حمل الحديثِ على الإطعام؛ لأنَّ الفدية تقوم مقامَ الصِّيامِ في حق الشيخ الفاني، فكذا في حق الميت؛ لاشتراكهما في وقوع اليأس عن أداء الصوم.
وإن كان الدِّينُ الزكاة وأوصى بها، يجب أداؤها من ثلث مالهِ.
وإن كانَ الحج وأوصى به، يُؤدَّى مِن الثُّلث أيضاً، ولو حج عنه الوارث بلا وصيَّةٍ يُرجى مِن الله تعالى قبوله.
ثُمَّ يُقسَمُ الباقي بينَ ورثتهِ؛ أي: الذين ثبتَ إرتُهم بالكتاب كالمذكورين في الآياتِ القُرآنية والسنَّةِ كمَن ذُكِرَ في الأحاديثِ، نحو قوله عليه السَّلامُ: «أَطْعِمُوا الجدَّةَ السُّدسَ» رواه أبو داود عن المغيرة.
ورَوَى الحاكم عن عُبادة وصححه: أَنَّه عليه السلام قضى للجدَّتينِ مِن الميراثِ بالسدس بينهما
الجزء 1 · صفحة 11
وإجماعُ الأُمَّةِ مِن جَعل الجد كالأب، وابن الابن كالابن، وبنت الابنِ عند عدمِ كالبنت، والأخ لأب كالأخ لأب وأم والأخت لأب كالأخت لأب وأم، عند هؤلاء الخمسة، وكذا سائرُ مَنْ عُلِمَ توريتهم بالإجماع.
فيبدأُ في تقسيم باقي التركة بين الورثة بأصحاب الفرائض، وهم الذين لهم سهام مُقدَّرةٌ؛ أي: مُختصَّةٌ مُقرَّرةٌ في الكتابِ أو السَّنَّةِ أو إجماع الأمة، وتقديمهم على العصبة لقوله عليه السلام: «أَلحقوا الفرائضَ بأهلِهَا؛ فما أبقته الفرائضُ، فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» متفق عليه؛ أي: فلأَقْربِ رَجلٍ.
وذَكَرَ ذَكَر ليُبيِّنَ أَنَّ المراد بالرجل أعم من أن يكونَ بالغاً أو غيرَ بالغ، فإِنَّ الرَّجِلَ عبارة عن ذكرٍ مِن بني آدمَ جاوزَ حدَّ الصغرِ، وليس ذكره للتأكيد؛ لأنه مُغيَّر لا مُقرّر. ثُمَّ إن بقيَ شيءٌ من التركةِ يُبدأ بالعَصَباتِ من جهةِ النسب، فإِنَّ العُصوبةَ النَّسبيَّةَ أقوى من السَّببيَّةِ، يُرشدك إلى ذلكَ أنَّ أصحاب الفروض النَّسبيَّةِ يُردُّ عليهم البقية دونَ أصحاب الفروض السببيَّةِ، وهم الذين بينهم نسبة الزوجية.
وفي البحر الزاخر»: أنَّ فتوى اليوم بالرد على الزوجين، وهو قول المُتأخرين. انتهى.
والخلافُ مبني على نظام بيت المال وعدمه. والعَصَبةُ: كلُّ مَن يأخذُ مِن التركةِ ما أبقته أصحاب الفرائض؛ أي: جنسها؛ ليدخُل الأب مع البنتِ وعندَ الانْفِرادِ؛ أي: انفراده عن غيره في الوراثة يُخرزُ؛ أي: يُحيطُ في الأخذ جميع المالِ دفعةً واحدةً بجهةٍ واحدةٍ؛ فلا يَرِدُ أنَّ صاحبَ الفَرْضِ إِذا خَلا عن العُصوبة؛ فقد يُحْرِزُ جميع المال، كالابن أو الأب عند عدم غيره من الورثة؛ لأنَّ استحقاقه لبعضهِ بالفَرْضية، وللباقي بالردّ.
الجزء 1 · صفحة 12
واعتُرضَ: بأنَّ الأخوات عصبات مع البناتِ، ولا يُحْرِزْنَ جميع المالِ عند الانفراد بجهةٍ واحدةٍ، فلا يكون التعريف جامعاً. وأجيب: بأنَّ المراد بالعَصَبةِ هنا مَن هو عَصَبْتُه بنفسهِ؛ فلا يتناولُ مَن هو عَصَبَةٌ بغيره، أو مع غيره، بل هما بالحقيقة من أصحاب الفرائض كما ستقف عليه.
ثُمَّ يُبدأُ بالعَصبة من جهة السبب، وهو؛ أي: العَصبةُ السببيَّةُ مَوْلَى العَتاقةِ؛ أي: المُعتِقُ بالكسر، مُذكَّراً كان أو مؤنَّثاً، فإِنَّ مَن أَعتَقَ عبداً أو أمةً كان الولاء له، وهو عُصبته، ويرثُ المُعتِقُ من المُعتَقِ بالولاء، ويُسمَّى ذلك: ولاءَ العَتاقة والنّعمة. ثُمَّ يُبدأُ: عَصَبتُه: الضمير المجرورُ لمولى العتاقة، وارتفع بالعطف على المولى، ولا يجوز الجرُّ؛ لأنَّه يلزم أن يكونَ المَصْرِفُ عشرة لا تسعةً، وأن لا يكونَ عصبة مولى العتاقة عصبةٌ مِن جهةِ النَّسَبِ، وأن يكون العصبة من جهة السبب مقصوراً على مولى العتاقة، والكلُّ ممنوع، فالتقديرُ: ثُمَّ يبدأُ عند عدم مولّى العَتاقة بعصبته. الذُّكورة؛ لِمَا سيأتي من قوله عليه السَّلامُ: «ليس للنساء مِن الولاء إِلَّا ما
أعتقن» الحديث.
ثُمَّ الردُّ؛ أي: يُبدأُ بعد انعدام العصباتِ السببية بالرد على ذوي الفروض النَّسبيَّةِ؛ لبقاءِ قرابتهم بعد أخذهم، فرائضَهُم، احترازاً مِن ذوي الفروض السببيَّةِ ممَّن بينهما النسبيّة الزوجيّة، فإنَّه لا يُردُّ عليهم؛ لأنَّهم إذا أخذوا فرضَهُم بالكتاب، لم يبقَ لهم قرابةٌ في هذا الباب كذوي الفروض النسبية - ليُردَّ عليهم.
بقَدْرِ حُقوقِهم؛ أي: يُعتبرُ في الردّ نسبةُ مقادير السِّهامِ بعضها إلى بعض، ويُردُّ الباقي عليهم بحسبها، كما إذا خلَّفَ شخص أختاً لأم، وجَدَّةً، فلكل منهما السُّدس، والباقي بينهما مناصفةٌ بالرد؛ لأنَّ حقَّهما مِثلَانِ فِي الفَرْضِيَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 13
ثُمَّ ذوي الأرحام؛ أي: يُبدأُ عند عدم الرد لعدم ذوي الفروض النسبية بذوي الأرحام، وهم الذين لهم قرابة وليسوا عصبةً ولا ذوي سهم، وإنما أُخروا عن الرد؛ لأنَّ أصحاب الفرائضِ النسبية أقرب إلى الميت درجةً وأعلى منهم منزلةٌ.
ثُمَّ؛ أي: عند عدم هؤلاء المذكورينَ مولى الموالاة؛ أي: يُبدأُ في جميع الميراث به إن لم يُوجد أحد الزوجين، وإن وجد يبدأ به أيضاً، لكن في الباقي من فرضه.
والمراد بمولى الموالاة: شخصٌ عَقَدَ مع آخرَ عقد الأخوَّةِ، بأنْ قال له: إِنْ متُ فما كان لي من المال فهو لك، وإنْ جنيتُ فتعقِلُ عنِّي؛ أي: تُعطي دِيَنّي، وقال الآخرُ مثل ذلك، وأَشْهَدَا هنالك، فيرتُ أحدهما عن الآخَرِ عند عدم أصحاب الفرائض والعصبات وذوي الأرحام إذا كانا مجهولي النَّسب، وإلَّا فيرثُ معروفُ النسب من مجهول النسب دون العكس.
ولكلِّ منهما أن يرجع من عقدِ المُوالاةِ ما لم يَعْقِلُ عنه صاحبه. قال شمس الأئمةِ السَّرَخْسِيُّ: وليسَ الإسلام على يديه شرطاً في صحة عقد الموالاة.
وأما قول النخعي: إذا أسلم الرجل على يدي رجل ثم والاه، يصح؛ فمحمول على سبيل العادة.
وكان الشعبي يقول: لا ولاء إلا ولاء العتاقة وبه أخذ الشافعي، وهو مذهبُ زيد بن ثابت، وما ذهبنا إليه مذهب عمر وعليّ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهم
وإنما أُخْرَ مولى المُوالاةِ عن ذوي الأرحام؛ لقرابتهم الحقيقية إلى الميت. ثُمَّ المُقَرِّ له؛ أي: وبعد مولّى المُوالاةِ يُبدأُ بالمُقَرِّ له بالنسب على الغيرِ؛ أي: غيره، بحيثُ لم يثبت نسبه؛ أي: نسبُ المُقَرِّ له بإقراره؛ أي: المُقر من ذلك الغير؛ متعلّق بنسبه؛ احتراز عن أن يُصدِّقاه، أو شهد رجلٌ آخر مع رعاية شروط الإقرار بالنسب، فإنَّهُ يثبت نسبه من الأب والجد، ويكون أخاً وعماً له على الحقيقة إذا مات المُقِرُّ على إقراره؛ أي: ولم يرجع عنه بإنكاره.
الجزء 1 · صفحة 14
وصورة المسألة: أن يقول رجلٌ: إنَّ زيداً - مثلاً - أخي، وهو مجهول النسب، فهو إقرار على أبيه بأنَّه ابنه، أو يقولُ: إِنَّ زيداً عمي، فهو إقرار على جده بأنه ابنه، فإِنْ لم يُصدِّقا الرجل لم يثبت نسب زيد بإقراره منهما، فإذا مات الرجل على ذلك الإقرارِ ولم يكن له وارثٌ سوى المُقَرِّ له بالنسب على الغير، فهو يرثُ عنه. وإنما أُخَّرَ عن مولى الموالاة؛ لأنها عقد عقده الرجل بطيب نفسه وليس لأحد فيه طعن، بخلافِ الإقرار بالنسب على الغير؛ لأنَّ أباه أو جده مثل كذبه وطعن في إقراره. والحاصل: أنَّه إذا اجتمعتِ الصفاتُ المذكورة في المقرّ له صار عندنا وارثاً في المرتبة المسطورة؛ وذلك لأنَّ المقرّ في هذه الصورة كان مُقرّاً بشيئين: النَّسبِ، واستحقاق المال بالإرثِ، لكنَّ إقراره بالنَّسبِ باطل؛ لتحميل نسبه على غيره، والإقرار على الغيرِ دَعْوَى مجرَّدةٌ، فلا يُسْمَعُ، ويبقى إقراره بالمالِ صحيحاً؛ لأنَّه لا يتجاوَزُ غيره إذا لَمْ يكن للمُقِرِّ وارثٌ معروف.
ثُمَّ المُوصَى له بجميع المال؛ أي: بعد عدَمِ مَن تَقَدَّمَ ذَكَرُه يُبدأ بمن أُوْصِيَ له المال، فيُكمَّل له وصيتُه؛ لأنَّ مَنْعَه عمَّا زاد على الثلث كان لأجل الورثة، فإذا بجميع م يُوجد منهم أحدٌ فله عندنا ما عيّن له بتمامه، وعند الشافعي له الثَّلثُ فقط، وإنما أُخر الموصى له عن المقر له بناءً على أنَّ له نوع قرابة، بخلاف الموصى له.
وفي بعض النسخ: ثُمَّ الموصى له بما زاد على الثلث بدل: بجميع المال، وهذا أعمُّ من الأوَّل، وذلك ظاهر فتأمل.
الجزء 1 · صفحة 15
وفي فتاوى الكافوري» ثُمَّ ولدُ الرّضاع، ورَوَى الدَّيْلَميُّ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أنَّ [وردان] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع من عَدْقِ نخلة فمات، فأُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بميراثه فقال: «انْظُروا له ذا قَرَابة»، قالوا: ما له ذو قرابة، قال: «انظروا هَمْشَهْرِياً له فأعطوه ميراثه»، يعني: بلديا له، كذا في «الجامع الكبير» للسيوطي2. ثُمَّ بيت المالِ؛ أي: إذا لم يُوجَدْ أحدٌ مِن المذكورينَ تُوضع التركةُ في بيتِ المال على أنَّها مال ضائع فصارت لجميع المسلمين، فتُوضَعُ هناك فإنَّهم إخوته حُكْماً؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فيُصْرَفُ إليهم المال.
ولا ينافي هذا أنَّ الذُّمِّيَ إذا لم يكن له وارث يوضع ماله في بيت المال، والحال أنَّه لا ميراث للمسلم من الكفَّارِ؛ لأنَّ بيتَ المَالِ يَعُمُّ الأموال الضائعة في جميع الأحوال.
ثُمَّ لا يَلزمُ منه تسويةُ الذَّكَرِ والأُنثى في العطية من بيت المال؛ لأنَّ ذلك مفوض إلى رأي الإمام، بحسب تفاوت مصالح الأنام، واختلاف الأحوال، وإنما قدم الموصى لَهُ لاهتمام الموصي به.
وعند الشافعيّة عند عدم أصحاب الفروض والعصبيات، وما فَضَل عن أصحاب الفروض، إنْ كانَ بيت المال منتظماً يُقدم على ذوي الأرحام والرد، وإن لم ينتظم رُدَّ أولاً على ذوي الفروض النَّسَبيَّة بنسبة فرائضِهِم، ثُمَّ يُصرف إلى ذوي الأرحام، ولا ميراث عندهم أصلاً لمولى الموالاة، ولا للمُقَرِّ له بالنَّسَبِ على الغير، ولا للموصى له بجميع المال، والله أعلم بحقيقة الحال والمآل موانع الإرث ويمتنع الإرثُ بالرقّ: وافراً كالقِنَّ والمكاتب، أو ناقصاً كالمدبَّر وأم الولد. والتحقيق: أنَّ المِلْكَ ناقص في المكاتب والرقّ كامل، وفي المدبّر وأم الولدِ الملك كامل والرقُ ناقص.
الجزء 1 · صفحة 16
وأما جعل السيِّدِ السَّنَدِ المكاتب في ناقص الرقّ فسهو، والصواب: أنَّ الرقّ فيه كامل؛ لأنَّه عبد ما بقي عليه درهم؛ ولأنَّ الكتابة محتملة للفسخ على ما هو التصريح في «التلويح».
وإنما لا يرث الرقيقُ مِن أقربائه لأنَّه لا مال له، لقوله عليه السلام: «العبد وما في يده لمولاه».
فلو ورثناه من أقاربه لوقع الملك لسيده، فيكونُ توريثُ الأجنبي مِن الأجنبي بلا سبب شرعي، وهو باطل إجماعاً.
وأمَّا مُعتَقُ البعض: فعند أبي حنفية بمنزلة المملوك ما بقي عليه درهم في فكاكِ رقبته بالسعي في خدمته، فلا يَرِثُ، ولا يَحْجُبُ أحداً عن ميراثه.
وعندهما: هو حر، فيرثُ ويحجب.
والمسألة مبنية على أنَّ العِتق يتجزأ عنده خلافاً لهما.
وعند الشافعي: أَنَّ حرَّ البعض يُورَثُ عنه، وإن كان هو لا يرثُ عن غيره.
والقتل عمداً مباشرةً: احْتَرزَ به عن الموتِ تسبيباً، كحفر البئرِ وقَوْدِ الدابَّة ونحوهما بغير حقِّ احترز به عما لو كان الوارث حاكماً وأمر بقتل مورثه قصاصاً، فإنه لا يُحرَمُ مِن إرثه لقوله عليه السلام: «القاتِلُ لا يرثُ» رواه الترمذي وابن ماجه؛ ولأنَّ مَن استعجل الشيءَ قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وتفصيله: أنَّ المانع من الإرث هو القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة:
أما ما وجب فيه القصاص: فهو القتل عمداً، وذلك بأن يتعمَّد ضربه بسلاح أو ما يجري مجراه في تفريق الأجزاء، كالمحدَّد من الخشب، ومُوجَبُه الإِثْمُ والقصاص ولا كفَّارة فيه خلافاً للشافعي، وعندهما: إذا تعمد ضربه بما يقتل غالباً وإن لم يكن محدداً كحجر عظيم فهو أيضاً عمد.
الجزء 1 · صفحة 17
وأما ما يتعلق به وجوبُ الكفَّارة: فهو إما شبه عمد، كأنْ يتعمَّدَ ضربه بما لا يقتل غالباً، وكأن أكرة على صعودِ شجرٍ فزلقَ. ومُوجَبُهُ الدِّيَةُ على العاقلة، والإثم والكفارة، ولا قصاص فيه. وإما خطا، كأن رمى إلى صيد فأصابَ إنساناً وهو مورثه، أو انقلبَ في النوم عليه فقتله، أو وطئته دابته وهو راكبها، أو سقط من سطح على رَجُلٍ، أو سقط حجرٌ من يده عليه فمات، ومُوجَبُهُ الكفَّارَة والديَّة على العاقلة ولا إثم فيه.
فعندنا يُحرَمُ القاتل عن الميراثِ في هذه الصُّورِ كلَّها إذا لم يكن القتل بحق. وأما إذا قتل مُورّتُه قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه، فلا يُحرَمُ أصلاً، وكذا إذا قتل العادلُ مُورِّثَه الباغي، وفي عكسه خلافُ أبي يوسف.
وإذا كان القتل بالتسبيبِ دونَ المُباشرة، كحافر البئر أو واضع الحجر في غير ملكه، ففيه الديَةُ على العاقلة ولا قصاص فيه ولا كفَّارة.
وكذا الحال إذا كانَ القاتل صبيَّاً أو مجنوناً، فلا حرمان عندنا بالقتل؛ لأنَّهما ليسا بمُكلَّفين، ففِعْلُهما كَلَا فِعْل، فلا قصاص ولا كفارة ولا إثم. فإن قيل: أليس الأب إذا قتل ابنه عمداً لم يثبت به قصاص ولا كفارة أيضاً مع أنه لا يرثُ اتفاقاً؟
فالجواب: أنَّ قتل الابنِ موجب على الأب في أصله للقصاص، إلا أنه سقط بقوله عليه السلام: «لا يُقتل الوالد بولده، ولا السيد بعبدِهِ»
قيل: مقتضي عموم قوله عليه السلام: «القاتل لا يرِثُ أن يُحرم مطلقاً كما ذهب إليه الشافعي، عمداً كان أو خطأ، مباشرةً أو تسبيباً، صدَرَ مِن صبي أو مجنون أو عاقل.
وأُجيبَ: بأنَّ إخراج القاتل بحقِّ، كقتل الإمامِ مورّثَه حَدًا للهِ، فإنَّه فرضٌ عليه فلا يمنع إرثه؛ لأنَّ الحِرمانَ شُرِعَ عُقوبةً على القتل المحظور، وكذا المصول عليه لقتله الصائل؛ لأنه مُضطر فيه حيثُ لا إثم عليه في ذلك؛ لأنه يجب عليه حفظ نفسه،
الجزء 1 · صفحة 18
فلو لم يقتله المصول عليه لقَتَلَهُ الصائل، فدفعه غير محظور شرعاً ولا عرفاً. وأما المسبب؛ فلأنه ليس بقاتل حقيقةً، ألا ترى أنه لو فعل ذلك في ملكه لم يُؤخذ به، والقاتل الحقيقي مؤاخذ بفعله، سواء كان قتله في ملكه أو في غيره، كالرامي. ثُمَّ اعلم: أن دية المقتول خطاً كسائر أمواله، حتى يقضى منها ديونه، ويُنفذُ وصاياه، ويرثها كلُّ من يرثُ سائر أمواله.
وقال مالك: لا يرثُ الزوجان من الديَةِ؛ لانقطاع الزوجية بالموت، ولا وجوب للديَةِ إلا بعد الفوتِ.
ولنا أنه عليه السَّلامُ أمر بتوريث امرأةِ أشيمَ الضّبابي مِن عَقلِ زوجها، أي: دِيَتِهِ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ قتل أشيم خطاً.
وكذا يثبت عندنا حق الزوجين في القصاص؛ لقوله عليه السلام: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثتِهِ».
وقال ابن أبي ليلى: لا حق لهما في القصاص.
واختلافِ الدِّينينِ؛ لقوله عليه السلام: «لا يرثُ المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» متفق عليه.
وقوله عليه السلام: «لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتِينِ شَتَّى رواه أبو داود وابن ماجه. فلا يرت الكافرُ مِنَ المسلم إجماعاً، ولا المسلم من الكافر على قول عليّ وزيد وعامَّةِ الصحابة، وإليه ذهب علماؤنا والشافعي.
والقياس أن يرثَ المسلمُ مِن الْكَافِرِ لا عكسه، لقوله عليه السَّلام: «الإسلام يعلو ولا يُعلَى» وإليه ذهبَ معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق.
والجواب: أنَّ المراد به العلو بحسَبِ الحجّة أو الغَلَبَةِ بأنَّ النصرة للمسلمينَ في العاقبة، أو أنَّ الإسلام إذا ثبت عن وجه ولم يثبت عن آخرَ؛ فَإِنَّه يثبتُ ويعلُو، كالمولود بين مسلم وكافر؛ فإنَّه يُحكم بإسلام الولد. وأما كون المسلم يرثُ عندنا من المرتد مع أن المرتد لا يرتُ من المسلم؛ فلأنَّ إرثَ المسلم منه يستند إلى حالِ إسلام المرتد، ولذا قال أبو حنيفة: إنه يُورث فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا».
الجزء 1 · صفحة 19
منه ما اكتسبه في زمان إسلامه، وأما ما اكتسبه في زمان ردَّتِهِ فيكون فيئاً للمُسلمين، وقالا: كلاهما لورثته.
وقال الشافعي: لا يرثُ المرتد أحداً ولا يرثه أحد، بل ماله في يوضعُ في بيت المال.
ثُمَّ الكفَّارُ يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفَ مِلَّتهم، كاليهودي من النصراني وعكسه، والمجوسي منهما وهما منه؛ لأن الكفر كلَّه ملةٌ واحدةٌ كما ذكرهُ المُزنِيُّ في «مختصره» عن الشافعي، وذكره ابن القاسم عن مالك كذلك.
وقال ابن أبي ليلى اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم ولا توارثَ بينهما وبين المجوس، واستدل بأنهما قد اتفقا على التوحيد والإقرار بنبوة موسى عليه السلام وإنزال التوراة، فهما على ملةٍ واحدةٍ، بخلاف المجوس حيث يُنكرون التوحيد ويُثبتون إلهينِ، يَزدَانَ وأَهرَمَن، ولا يعترفونَ بنبي ولا كتابٍ مُنزَلٍ، فهم أهل ملةٍ أخرى.
وذهب بعضُهم: إلى عدم التوارث بين اليهود والنصارى أيضاً؛ لاختلافِ اعتقادهم في عيسى والإنجيل، فهما أهلُ مِلَّتَينِ شتّى، كالمُسلمين مع النصارى، بخلاف أهل الأهواء، كالمعتزلة والرافضة ونحوهما، فإنَّهم معترفون بالأنبياء والكتب، ويختلفون في تأويل الكتاب والسُّنَّة، وذلك لا يُوجب اختلاف الملة، كما لا يوجب اختلاف الأئمة الأربعة.
و اختلاف الدارين لغير أهل الإسلام؛ لأنَّ المُسلمين الوارثين قد يَرِثُ كُلُّ واحد منهما عن صاحبه وإن كان أحدهما في الشرق والآخَرُ في الغرب.
الجزء 1 · صفحة 20
تم الاختلافُ إِمَّا أن يكونَ حقيقة كالحربي والدمي؛ فإذا مات الحربي في دار الحرب وله أب أو ابن ذمي في دار الإسلام، أو مات الدمي في دار الإسلام وله أب أو ابن في دار الحربِ، لَمْ يَرِثُ أحدهما مِن الآخَرِ؛ لأنَّ الذَّمي من أهل دار الإسلام، والحربيَّ مِن أهل دار الحرب، فهُما وَإِنِ اتَّحَدَا مِلَّةً لكنْ بتباين الدارين حقيقةً ينقطعُ الولاية بينهما، فينقطع الوراثة المبنية على الولاية. وكذا لا يرثُ الحربي الرومي من مُورثه الحربي الهندي إذا مات في الهند أو عكسه؛ لاختلافِ الدارين حقيقةً، أمَّا إذا كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدار واحدةً، والوراثة ثابتة.
أو أنْ يكونَ حُكْماً كالمستأمَنِ والذُّمِّي؛ فإنَّ الحربيَّ إِذا دَخلَ دارَ الإسلام بأمان ومات وله ابن ذمي؛ فإنه لا يرثُ عنه؛ لأنَّهما وإنْ كانا في دارٍ واحدةٍ حقيقةً، إِلَّا أنَّهما في دارين مختلفين حُكماً، بدليل أن مَن قتل المستأمَنَ لا يجب عليه القِصاصُ، ومن سرق ماله لا يجب عليه قطع اليد، فإذا مات المستأمنُ يُوقَفُ ماله لورثته الذين في دار الحرب؛ لأنَّ حُكمَ الأمانِ باقٍ في مالهِ لحقِّه، ومن جملة حقه إيصال مالهِ لوَرَتْتِهِ، فلا يُصْرَفُ إلى بيتِ المالِ، بخلافِ ما إذا ماتَ الدِّميُّ ولا وارثَ له كما مرَّ. ثُمَّ الحربيَّانِ المُستأمَنانِ إنْ كانا مِن دارٍ واحدةٍ كالروم أو الهندِ ثبت بينهما توارت، ألا ترى أنَّ المستأمنينَ إن كانوا مِن دارٍ واحدةٍ قبل شهادة بعضهم على بعض، وإن كانوا من دارين لا يُقبلُ، فكذا التوارُثُ.
وليس اختلافُ الدار بمانع من الإرث عند الشافعي، فالحربيان وإن كانا مختلفي الدار كالروم والهند يتوارثان عنده، والدِّميُّ والمُستأمَنُ والمُعاهَدُ يَتوارَثُ بعضُهم من بعض، لكن لا تَوارُثَ بين الدمي والحربي؛ لانقطاع الولاية بمعنى النصرة، وكذا حالُ المُعاهَدِ والحربي.
الجزء 1 · صفحة 21
ثُمَّ اختلافُ الدَّارِ عندنا مانع فيما بين الكفَّارِ دون المسلمين؛ لثبوتِ التوارث بين أهل البغي وأهلِ العدلِ وإن اختلفت المنعة؛ وذلك لأنَّ دارَ الإسلام دار الأحكام؛ فلا تختلف فيما بينهم باختلافِ المَنَعَةِ؛ لأنَّ حكم الإسلام يجمعهم في أصل النُّصرة.
وسيأتي أن استيهام تاريخ الموتِ أيضاً من مواقع الإرث، كما في الغرقى والحرقى.
بابُ الفرائض وأَهْلِهَا
الفروض المقدرة: وهي السهام المعينة في باب الإرث المينة في کتاب الله احْتَرَزَ به عما ثبت بإجماع الأمة، كثُلُثِ الباقي للأم، والسبعِ والتُعِ
والعشرِ عند العَول ستة:
الأول النصفُ: وقد ذَكَره الله في ثلاثة مواضع:
فقال تعالى: {وَإِن كَانَتْ أي: البنتُ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11].
وكذا يُعطى لبنتِ الابن؛ لقيامها مقام بنتِ الصُّلب.
وقال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} أي: زوجاتكم وَإِن لَّمْ
يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12].
وقال تعالى: إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء:
176] والمراد: الأخت لأبوين أو لأب.
و الثاني الرُّبعُ: وهو نصفُ النّصفِ، وهو مذكور في موضعَيْنِ: قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} [النساء: 12] أي: الزوجات.
وقال تعالى: {وَلَهُنَّ أي: للزوجات، الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَكُمْ وَلَدٌ} [النساء: 12].
و الثالثُ الثمُنُ: وهو نصفُ نِصفِ النَّصفِ، ذُكِرَ مرَّةً واحدةً:
قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ أي: للزوجات الثمنُ مِمَّا تَرَكْتُمُ} [النساء: 12]. وحكم ولد الابن وإنْ سفل في الحَجْبِ كحُكْمِ الولد.
و الرابع الثُلثانِ: وهو موضعان:
الجزء 1 · صفحة 22
قال تعالى في حقّ البناتِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11]؛ أي: إذا كانتِ البناتُ ثنتين أو أكثرَ فلهنَّ ثلثا مالِ الميت، ولفظه فَوْقَ معجمة. وفي حق الأَخَواتِ لأبوين أو لأب: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثَّلُثَانِ مَا تَرَكَ} [النساء: 176].
و الخامس الثلث: وهو نصفُ الثُّلثين، وقد ذُكِرَ في موضعين: فقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثَّلْتُ} [النساء: 11]. وقال تعالى: {فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي التَّلْتِ} [النساء: 12]. أي: إن كان أولادُ الأُم أكثرَ مِن أخ وأخت؛ فالقُلثُ بالتّسوية بينهم؛ لأنَّ الشركة تقتضي المساواة كما قالَهُ أهلُ اللُّغة، وفُرِضَ للأم ثلث الباقي بعدَ فَرض أحد الزوجين، وذلك في موضعين: في زوج وأبوين، أو زوجة وأبوين، فإنَّ للأم ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة، والباقي للأب عند للاثنين منهم فصاعداً الجمهور؛ لئلا يلزمَ رَجَحان نصيب الأم على الأبِ، فَإِنَّه خِلافُ الإجماع.
و السادس السُّدس: وهو نصفُ نِصفِ الثُّلثين، وذُكِرَ في ثلاثة مواضع: قال تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: 11] فيُعطى السُّدس للأبِ، ثُمَّ الجد لقيامه مقامه عند عَدَمه مع وجود الولد أو ولد الابن كما يُعطَى السُّدس للأم معهما.
وقال: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11]؛ أي: من أي جهةٍ كانت الإخوة والأخوات، لا أولادهم، فإنها لا تُحجب بهم من الثلث إلى السدس؛ لعدم كونهم إخوة.
وقال في حق ولدِ الأم: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12].
الجزء 1 · صفحة 23
والكَلَالَةُ: ميت لا ولد ولا والد، وقد أجمعُوا أَنَّ المراد: أولاد الأم، ويدلُّ عليه قراءة أُبي وابن أبي وقاص: وَلَهُ أَخٌ أو أختُ مِن أُمْ.
وكذا يُعطى السُّدسُ ِللجَدَّةِ الصَّحيحة إذا انْفَرَدتْ، والجداتِ الصَّحاحِ إذا اجتمعن في درجةٍ واحدةٍ؛ لقول قبيصة بن ذؤيب: جاءت الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ تسألهُ ميراثها، فقال لها: مَا لَكِ في كتابِ اللهِ شيء، ومالك في سنة رسول الله شَيء، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها الشدس، فقال أبو بكر: هل معكَ غيرُكَ؟ فقال محمد بن مسلمة مثل ما قال المغيرة، فأنفَذ لها أبو بكر، ثُمَّ جاءتِ الجدَّةُ الأخرى إلى عُمر تسأله ميراثها، فقالَ: هو ذلك السُّدس، فإن اجتمعتُما فهو بينكما، وأَيَّتُكُما خَلَتْ بِهِ فهو لها. رواه مالك وأحمد وغيرهما.
ولقول بُريدةَ: أَنَّه عليه السلامُ جَعَلَ للجدَّةِ السُّدسَ إذا لم يكنْ دونَها أُمَّ. كذا السُّدسُ لبنتِ الابن مع البنتِ الصُّلْبيَّةِ؛ لأَنَّ حَقَّ البناتِ الثَّلثان، وقد أخذتِ الصُلْبيَّةُ الواحدةُ النصف لقوَّتها؛ فبقيَ السُّدسُ مِن حق البناتِ، فتأخذه بنت الابن، واحدة كانت أو متعدّدة.
وكذا السُّدس للأخت لأب مع الأخت لأبوين، لما قلنا.
ويُخرجُ مِن كلِّ سَمِيه؛ فالثُّمُنُ من ثمانية، والدس من سيّة، وهكذا البواقي إلا النصف؛ فإنه يُخرجُ من اثنين.
ويُخرجُ السُّدسُ ُوضِعْفَاه مع النّصفِ من ستة، يعني: إذا كان النصفُ مع النوع الثاني تكون المسألة من ستَّةٍ؛ لأنَّ مَخرجَ النَّصفِ اثنانِ، وَمَخرجَ الثَّلْثِ والثلثان ثلاثةٌ، وكلاهما داخلانِ في الستَّةِ، فيكونُ مَخرَجاً للكل. ويُخرجُ السُّدسُ وضِعْفاه مع الربع مِن اثْنَي عَشْرَةَ، إذ بين الأربعةِ والثَّلاثةِ مُبايَنةُ، فضُرِبَ الكل في الكلِّ فبلغ اثني عَشَرَ.
الجزء 1 · صفحة 24
ويُخرجُ السُّدَّسُ والثَّلثان مع الثمن من أربع وعشرين؛ إذ بين السنة ومخرج الثّمُنِ موافقة بالنّصفِ فَضَرَبْنا نصف أحدهما في الآخَرِ؛ فحصل أربعة وعشرونَ، ومنها يخرج الفروض المختلطة بالثمن.
وأصحاب هذهِ السَّهَام؛ أي: مستحِقُوها اثْنَا عَشَرَ شَخصا مِن الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، بحكم الاستقراء، أربعة من الرجال: بدلُ بعض مِن الكُل، وهم؛ أي: الأربعة: الأب والجد الصحيحُ: وهو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميتِ أُمّ، وسيأتي، وهو أبو الأب وقدم عليه الأبُ؛ لأنَّ الجدَّ يُحجَبُ به عند وجودِه وإنْ عَلا؛ أي: أبو الأب لا أبو الأم.
والأخ لأم: وهو الأخُ الأخيافي للميت، ويحجبه الجد إجماعاً. والزوج: وأُخْرَ عن الأخ لأم؛ لأنَّ النسب أقوى من السبب شرعاً وطبعاً.
وثمانٍ مِن النِّسَاء عطف على أربعةٌ مِن الرّجال:
الأخ الأخيافي: هو الأخ لأم والأب مختلف. انظر: «المبسوط للسرخسي 154/29.
الزوجةُ: وقُدِّمتْ لأنَّها أصل الولادة، وليقع ذكرها قريباً من ذكرِ الزوج للازدواج والمقابلة.
والبنتُ وبنتُ الابن وإنْ سَفَلتْ: وقُدِّمَت الأُولى لكونها أقرب إلى الميتِ؛ ولأنَّ بنتَ الابنِ تقوم مقامها عند عَدَمِها.
والأختُ لأب وأم وأُخْرَت عن بنت الابن لكونها أبعد منها في القرابة. والأختُ لأب: وأُخْرَت عن بنت الابن؛ لأن الأخت لأب تقوم مقامها عند عدمها.
والأختُ لأم: وأُخْرَت لأنَّ قرابة الأبِ أَقوى مِن قرابة الأم.
والأم: وتقديم الأخت لأم عليها؛ لأنَّ الأختين لأمّ يَحْجِبانِها مِن الثُّلثِ إلى السُّدس.
الجزء 1 · صفحة 25
والجدَّةُ: وأُخْرَت عن الأمّ لأنَّها أقربُ الصَّحيحةُ احتراز من الفاسدة: وهي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جد فاسد؛ وذلك بأن يكون بينها وبين الميت محض إناث كأُم أم الأم، أو محض الذكور كأم أبي الأب، أو محض الإناث إلى محض الذكور كأم أم أبي الأب، فلا تَرِثُ أم أبي الأم، ولا أم أبي أم الأب، إذ توسط بينها وبين الميت جد فاسد؛ فحُكمُها حُكمُ الجد الفاسد، فهما من ذوي الأرحام الذين يَرِثونَ بالقرابة لا بالفَرْضيةِ والعُصُوبة.
وللأب من الرجال الأربعة أحوال ثلاثة:
منها: الفَرْضُ المطلَقُ؛ أي: الخالص عن التعصيب وهو السُّدس وذلك سهمه مع الابن؛ أي وجوده، أو ابن الابن وإنْ سَفَلَ.
و منها: الفرضُ من السُّدس والتعصيب ـ وهو الباقي - معاً، وذلك مع البنت أو مع بنت الابنِ وإِنْ سَفَلتْ، وبيان ذلك:
أنه تعالى قال: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ أَي: للميت وَلَدٌ} [النساء: 11] ذَكَراً كان أو أنثى، فإنَّ الولد يتناول الابن والبنت في باب الإرث بالإجماع شرعاً، قال تعالى: {يَنبَنِي ءَادَمَ} [الأعراف: 26] أي: أولادَ آدم تغليباً، والمراد: أحفاده الموجودون عند الخطاب، وكذا عرفاً.
قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بَنُوهُنَّ أبناء الرّجالِ الأجانب فإنْ كانَ مع الأب ابنُ فَلَهُ فرضُهُ؛ أَعني: السُّدس، والباقي للابن، لقوله عليه السلام: «أَلحقوا الفرائضَ بأهلِهَا فما أبقتهُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» رواه مسلم. أي: فما أبقته الفرائضُ - يعني: أصحابها - فلأَقْربِ رَجُلٍ ذَكَرٍ، وأَولى الرجالِ من العصبات هو الابن كما ستعرفه، ووصفُ الرجُلِ بالذُّكورة لِمَا قدَّمْناهُ من التنبيه على سبب استحقاقه، فإنَّها سببُ العُصوبة وسبب الترجيح في الميراث. وقيل: إشارة إلى أن لا يكون في نسبته إلى الميت أُنثى.
وقيل: احتراز عن الخُنثى.
الجزء 1 · صفحة 26
وإن كانت معه بنت فله سُدسه وللبنتِ النصفُ بالفرْضِ، وما بقي فللأبِ؛ لأنَّه أَوْلَى رَجُلٍ ذكرٍ من العصبات عند عدم الابن.
ومنها: التعصيب المحضُّ وهو عند عدم الولد وعدم ولد الابن ذكوراً كانَ أو إناثاً وإن سفل، وذلك لقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْتُ} [النساء: 11]؛ إذ يُفهم منه أنَّ الباقي للأب، فيكونُ عَصبة 2. والجدُّ الصَّحيحُ كالأبِ عندَ عدمِهِ في ثبوتِ تلك الأحوال الثلاث، بل في جميع أحكام الميراث إلا في أربع مسائل:
الأولى: أن أم الأب لا ترث مع الأب وترتُ مع الجد.
والثانية: أنَّ الميت إذا ترك الأبوين وأحد الزوجين؛ فللأم ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين، ولو كان مكانَ الأبِ جد؛ فللأم ثلث جميع المال، إلا عند أبي يوسف؛ فإن لها ثلث الباقي أيضاً.
والثالثة: أنَّ بني الأعيانِ والعَلَّاتِ - وهم الإخوة والأخوات لأب وأم، ولأب - كلُّهُم يَسقطُونَ مع الأب إجماعاً، ولا يسقطون مع الجد، بل يرثون معه عند مالكِ والشافعي وأبي يوسف ومحمد، خلافاً لأبي حنيفة، فإنَّهم يَسقُطُونَ عنده بالجد كما يسقطون بالأب.
والرابعة: أنَّ أبَ المعتق مع ابنه يأخُذُ سدس الولاء والباقي للابن عند أبي يوسف، وليس للجد ذلك السُّدس؛ فلا يقوم الجد عنده مقامَ الآبِ في أخذ سدس الولاء من المُعتَقِ مع وجود ابن المعتق، بل الولاء كله للابن، ولا فرق بين الأب والجد عند سائر الأئمة في أنَّهما لا يأخذانِ شيئاً من الولاء عندَ وجود الابن، بل يأخذ الابن حينئذ جميع المال.
والحاصل: أنَّه إذا كان للمُعتِقِ ابن؛ فهو حاجب حجابَ حِرمان لأبي المُعتق وجده عند علمائنا الثلاثة، خلافاً لأبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 27
ويسقط الجد الصحيحُ بالأب، لأنَّ الأب أصل في قرابة الجد إلى الميت، وتقدَّمَ أنَّ الجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم كأبي الأبِ وإنْ عَلَا، كأبي أبي الأب، وإنما كان الجد كالأبِ عند عَدَمهِ؛ لأنَّه سُمِّيَ أباً، قال تعالى حاكياً عن يوسف عليه السلام وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ وَ آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: ??]، وكان إسحاقُ جده وإبراهيم جد أبيه، فإذا كان أباً دخل في النَّص إما بطريق عموم المجاز، أو بالإجماع.
ولأولادِ الأم أحوال ثلاث:
منها: السُّدسُ للواحدِ ذَكَراً كان أو أُنثى، لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]، والمراد: أولاد الأم إجماعاً، ويدلُّ عليه قراءة أبي وابن مسعود: وله أخ أو أخت من الأم، ولأنَّ أولاد الأب والأم أو الأب، مذكورون في آية الصَّيْفِ. و منها: الثلث للاثنين فصاعداً؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء:]، ولفظ الشَّركة يقتضي التّسوية في تقسيم التركة، فذكورُهم وإناتُهم في الاستحقاق سواء.
ويَسقُطونَ أولاد الأم بالولد ابناً كان أو بنتا، وولد الابن وإنْ سفَلَ ذكراً كان أو أنثى، وبالأب والجد الصحيح، اتفاقاً، قيد للكل؛ لأنه من قبيل الكَلَالةِ كما عُلِمَ من الآية، وقد اشترط في إرث الكلالة عدم الولد والوالد إجماعاً، لقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ
أُخت} [النساء: 176]؛ أي: من [أب وأم أو من أب].
الجزء 1 · صفحة 28
وقوله عليه السَّلام: «الكلالةُ مَن ليس له ولدٌ ولا والد ذكره السيد وغيره، وولد الابن داخل في الولدِ، لقوله تعالى: {يَنبَنِي ءَادَمَ} [الأعراف: 26]. والجد داخل في الوالد، لقوله تعالى: {أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: ?]؛ أي:
جديكم، وهما: آدم وحواء.
فلا إرثَ لأولادِ الأم مع هؤلاء. وللزوج حالتان:
إحداهما: النصفُ عندَ عَدَمِ الولدِ ووَلَدِ الابنِ وإِنْ سَفَلَ؛ أي: عند عَدَمِهما
معاً، ولذا عطف ولد الابن بالواو لا بـ أو.
و ثانيتهما: الربع مع الولد أو ولد الابن وإنْ سفَلَ؛ أي: يكفي وجود أحدهما في ذلك، ومن ثَمَّ عَطَفَ بـ أو.
والحالتان صُرِّح بهما في القرآن، حيثُ قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} [النساء: 12].
ولفظ الولد يتناول ولد الابن، فيكون مثله بالنص أو بالإجماع.
وللزوجات حالتان إحداهما: الرُّبعُ للواحدةِ منهنَّ فصاعداً عند عدم الولد و عدم ولد الابن
وإن سفل. و ثانيتُهما: الثَّمُنُ للواحدةِ منهنَّ فصاعداً مع الولد أو ولد الابن.
والحالتان مذكورتان في القرآن عند قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} [النساء:].
وقد رُوعِيَ بينَ نصيبي الزَّوجينِ أَنَّ للذَّكر مثل حظ الأنثيين على التقديرينِ.
ولبنات الصلب أحوال ثلاث:
النصف للواحدة؛ لِمَا تقدَّمَ من قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11].
الجزء 1 · صفحة 29
والثلثان للاثنتين فصاعداً عند عدم الابن، والمنصوص عليه في القرآن صريحاً أنَّها إذا كانَتْ نساء فوق اثنتين فلهُنَّ الثَّلثان، وأَمَّا الاثنتان فحُكمُهما عند ابن عباس حكم الواحدة، فجعل لهما النصف، وعند سائر الصَّحابة حكم الجماعة؛ لأنَّه عليه السلام أعطى البنتينِ الثَّلثين، وبه أخذ علماء الأمصار.
ومع الابنِ الصُّلْبي للذَّكَرِ َمثلُ حطّ الأنثيين، لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].
وهو؛ أي: الابنُ يُعصَّبُهِنَّ؛ أي: البناتِ الصُّلْبيَّةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا لم يُبيِّن نصيبَ البنات عند الاجتماع مع الابن دلَّ على أنه يُعصَّبُهِنَّ، وأَنَّ المَالَ يُقسَّمُ بينهنَّ وبينَ الابن على ما ذُكِرَ مِن القسمة بطريقِ العُصوبة؛ ولأنَّه لو لم يُعصِّبِ البنتَ وبَقيتُ على فَرْضيَّتها، لكانت البنتُ الواحدةُ مُعادِلةً للابنِ كمَن ترك ابناً وبنتاً، أو كان حصَّتُها أكثر من حصته كمَن ترك ابنين وبنتاً، وهذا خارج عن النص وإجماع الأمة. وبناتُ الابنِ كبناتِ الصُّلبِ في ثبوتِ تلك الأحوالِ الثَّلاثِ، ولهنَّ أحوال
ثلاث أُخَرُ؛ فلذا قال: ولهنَّ أَحوال سِتَّ:
النصفُ للواحدة والثلثان للاثنتين فصاعداً عند عَدَمِ بناتِ الصُّلْبِ، فهاتانِ حالتان من الثلاث الأولى، ويُشترط فيهما عدمُ الصُّلْبيات؛ لأنَّ النصّ ورد في الصُّلبياتِ تصريحاً؛ فإذا عُدِمْنَ قامت بناتُ الابنِ مقامهنَّ تلويحاً.
وستأتي الحالة الثالثة.
ولهنَّ؛ أي: لبنات الابن، وكذا لو كانت واحدة السُّدسُ مع البنتِ الواحدة
الصلبيَّة تكملة للثلثين. هذه حالةٌ أُولى مِن الثَّلاثِ الأخرى، والدليل على هذه الحالةِ قولُ ابنِ مسعود في بنت وبنتِ ابنِ وأُخت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للبنتِ النصف، ولبنتِ الابنِ السُّدسُ تكملة للثلتَينِ، والباقي للأُختِ.
الجزء 1 · صفحة 30
وقوله: تكملة للثلثين دليلٌ على أنهنَّ يَدخُلْنَ في لفظ «الأولاد»؛ لأنَّ الله تعالى جعل للأولاد الإناثِ ثُلثين، فإذا أَخذَتِ الصُّلْبيَّةُ النصف بقي منه السُّدسُ، فيُعطى لها تكملةً لذلك، فلولا أَنَّهنَّ دخلن في الأولادِ وفرضهُنَّ واحدٌ، لَمَا صار تكملة له، إلَّا أنَّ الصُّلبيَّة أقرب إلى الميت، فتتقدَّمُ عليهنَّ بالنصف، ودخولهنَّ على أنَّه من عموم المجاز، أو بالإجماع، كذا ذَكَرَه العيني في شرح «تحفة الملوك». وقال السَّيِّدُ السَّندُ: لأنَّ حقّ البنات الثلثان، فلو كانت بنات صلبيَّةٌ لم يكن لهنَّ مع الصلبيَّةِ جميعاً إِلَّا الثلثان، فإذا أَخَذَتِ الصُّلبيَّةُ الواحدةُ النصف لقوَّةِ القَرَابة؛ فبقيَ سدس من حقّ البنات، فتأخذه بناتُ الابن واحدةً كانت أو متعددة، وما بقيَ مِن التركة فالأولى عصبة، فبناتُ الابنِ مِن ذواتِ الفروض مع الواحدةِ مِن الصُّلبيَّاتِ، ويَصِرْنَ مع الواحدةِ مِنَ العَصَباتِ إنْ كان معهنَّ ابنُ الابن، فإنْ كان معهنَّ ذكر أسفل من بنات الابن درجةً، فلهُنَّ فرضهُنَّ، وهو السُّدس، كما سيأتي قريباً.
ولا يَرِثْنَ؛ أي: بناتُ الابنِ مع البنتينِ الصُّلبيتين عند عامَّة الصَّحابة؛ إذ لم يبقَ معهما شيء من حق البنات وهو الثَّلثان، خلافاً لابنِ عباس حيثُ حُكْمُهما عنده حُكْمُ الواحدة، وهذه حالةٌ ثانيةٌ من الثَّلاثِ الأخرى.
إلَّا أنْ يكونَ غلامُ بحِذائِهِنَّ؛ أي: بمقابلة بنات الابن، كأخيهن، أو ابنِ عمِّهِنَّ، أو أَسْفَلَ منهنَّ، كابن أخيهِنَّ، فيُعصِّبُهُنَّ؛ أي: ذلك الغلام بنات الابن، وحينئذ يكونُ الباقي وهو الثُّلتُ بينهم؛ أي: بين بناتِ الابن وذلك الغلامِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ.
الجزء 1 · صفحة 31
هذه حالةٌ ثالثة مِن الثَّلاثِ الأُولى، لا أنَّه تتمَّةُ الثَّانية كما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهرِ العبارة؛ وذلك لأنَّ بناتِ الابنِ إذا كان بحذائها غلام، سواء كان أَخاهُنَّ أَوِ ابْنَ عَمِّهِنَّ، فَإِنَّه يُعصِّبُهِنَّ، كما أنَّ الابنَ الصُّلبي يُعصِّبُ البناتِ الصُّلبيَّةَ؛ وهذا لأنَّ الذَّكَرَ من أولادِ الابنِ يُعصِّبُ الإناث اللاتي في درجته إذا لم يكن للميت ولدٌ صُلبي بالاتفاقِ في المال، فكذا يُعصِّبُ بناتِ الابن في استحقاق الباقي من الثلثين مع استحقاق جميع الصلبيَّتين، وإليه ذهب عامَّةُ الصَّحابة، وعليه جمهور علماء الأمة. وقال ابن مسعود: لا يُعصِّبُهنَّ، بل الباقي كله لابن الابن ولا شيء لبناته، إذ لو جُعِل الباقي هاهنا بينهم للذَّكَرِ مِثْل حظ الأُنثَيين؛ لزاد حقُّ البنات على الثُّلثين بانضمامِ الحَقَّينِ
وقد قال عليه السَّلام: «لا تُزادُ البناتُ على الثَّلثينِ».
وأجيب: بأنَّ استحقاق الصُّلبيَّتين بالفَرْضِ واستحقاق بناتِ الابنِ بالتَّعصيب
وهما سببان مختلفان، فلا يُضَمُّ بين الحَقِّين، فلا زيادة على الثلثين.
هذا إذا كان الغلامُ بحِذائِهِنَّ، وأمَّا إذا كان أسفَلَ منهنَّ فالحكم كذلك عندنا في ظاهر المذهب.
وقال بعضُ المتأخرين: لا يعصبهنَّ، بل الباقي للغلامِ خاصَّةً؛ لأنَّ الذَّكَرَ إِنَّمَا يُعصِّبُ مَن في درجته لا مَن هو أَعْلَى منه، فإنَّ ابنَ الابن لا يُعصِّبُ البناتِ الصُّلبيَّة. ولنا: أنَّ هذه الأُنثى لو كانَتْ في درجةِ الذَّكَرِ لصارَتْ به عَصَبَةٌ، فإذا كانَتْ أقرب منه كانَتْ أَوْلَى بذلك.
ويَسْقَطْنَ؛ أي: بناتُ الابنِ بخلافِ بناتِ الصُّلب بالابنِ الصُّلبي، سواء كان أباً لهن أو عماً وهذه ثالثه الأحوال الثلاث الأخرى.
وللأخوات لأب وأمّ أحوال خمس:
الجزء 1 · صفحة 32
الأولى: النصف للواحدة منهنَّ، لقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَللَةِ إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176]. والثانية: الثَّلثان للاثْنَتَينِ منهنَّ فصاعداً، لقوله: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثلتَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] والمراد: الأخواتُ لأب وأم، أو لأب؛ لأنَّ الأخوات لأمّ قد عُلِمَ حالهما في آية المواريث كما مر، وإذا استحقَّتِ الاثنتانِ الثَّلثين كان استحقاق ما فوقهما له أظهر.
والثالثة: لهنَّ مع الأخ لأب وأم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيينِ؛ لأَنَّهُنَّ يَصِرْنَ عَصَبةً به كالبناتِ بالأبناء؛ لاستوائهم في القرابة إلى الميت بمثلهم، قال تعالى: وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَين} [النساء: 176] فلم يُقدِّر نصيب الأخوات حالة الاختلاط كما لم يُقدِّر نصيب الإخوة، فدل ذلك على أنهنَّ قد صرن عصبات معهم. وقد خالف بعضُ العلماء فيما إذا خلَّفَ الميتُ ابنة وأخاً وأختاً لأب وأم،
فقال: الباقي بعد نصيب البنتِ للأخِ دون الأختِ، استدلالاً بقوله عليه السلام: فما أَبْقَتْه الفرائضُ، فلأَوْلَى رَجلٍ ذَكَرٍ.
ورُدَّ: بأنَّهم أجمعوا في بنت وبنت ابن وابن ابن على أنَّ الباقي من نصيبها بين وَلَدَي الابنِ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَين.
وأَجْمَعوا أيضاً في بنت وعم وعمَّةٍ على أنَّ الباقي للعم وحدَهُ.
الجزء 1 · صفحة 33
واختلفوا في الأخ والأختِ مع البنتِ، فنقول: إلحاقهما بابن الابن وبنت الابنِ ا أَوْلَى مِن إلحاقهما بالعم والعمَّةِ، أَلَا تَرَى أنَّهم كما أَجْمَعوا على أنَّه إذا لم يكن مع بنت الابن وابن الابن بنت كان المالُ بينهما للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين، كذلك أَجْمَعوا على أنه إذا لم يَكُنْ مع الأخ والأُخْتِ بنت كان المال بينهما كذلك، بخلاف العم والعمة؛ فإنَّه إذا لم يَكُنْ معهما بنت كان المال كله للعم وحدَه، فكذا الحال في الباقي بعد نصيب البنتِ، ذكره الطَّحَاوِيُّ في «شرح الآثار».
و الرابعة: الهنَّ؛ أي: للأخوات لأب وأم الباقي؛ أي: النصفُ، بأن كانت البنتُ واحدةً فلها النصف، أو الثَّلتُ بأنْ كانَتْ بِنتَيْنِ، أو البناتُ؛ فلهما الثلثان مع البناتِ الصُّلبية، أو مع بناتِ الابنِ؛ لقوله عليه السَّلامُ: «اجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبةً» ?؛ فتُجْعلُ الأخوات عصباتٍ مُنزَّلاتٍ منزلة الإخوة، حتى تُسْقط الأختُ من الأبوين مع البنتِ، الأخ والأخت من الأبِ، كما يُسقط الأخ الأخ. فإن قيل: يقتضي هذا الحديث بعمومه أنَّ الأختَ للأم تكونُ عَصبةً مع البنتِ.
قلنا: نعم، إلا أنه عُرفَ بالنص القاطع، وهو قوله تعالى: {يُورَثُ كَلَلَةٌ [النساء: 12]، والكلالةُ: من ليس له ولد ولا والد، فسقطت الأختُ لأم مع البنتِ، فخرجَتْ مِن مقتضى عموم الحديث.
وقد ذهب أكثرُ الصَّحابة إلى تعصيب الأخوات مع البنات، وهو قول العلماء. جمهور
وقال ابن عباس: لا تعصيبَ لهنَّ مع البنات، وحَكَمَ فيما إذا اجْتَمَعتْ بنتُ وأختُ بأنَّ النصف للبنتِ ولا شيء للأخت، فقيل له: إنَّ عمر كان يقولُ: للأختِ ما بقي، فغضب وقال: أأَنتُمْ أعلمُ أمِ الله يريد أنه تعالى قال: {وَإِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] فقد جعل الولد حاجباً للأختِ.
الجزء 1 · صفحة 34
ولفظ الولد يتناولُ الذَّكر والأنثى كما يتناول في حجب الأمّ مِن الثَّلث إلى السدس، وحجب الزوج من النصف إلى الربع، وحجب الزوجة من الربع إلى الثمن، فلا ميراث للأخت مع الولد ذكراً كان أو أنثى، بخلافِ الأخ؛ فإنه يأخذُ ما بقي من الأنثى بالعصوبة، ولا عُصوبة للأخت بنفسها، وإنما تصير عصبةً بغيرها إذا كان ذلك الغير عصبة، وليست للبنتِ عُصوبةٌ فكيف يصير للأختِ معها عصبة؟
وأجيب: بأن المراد بالولد هاهنا هو الذَّكَرُ، بدليل قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن مَّهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] أي: ابن بالاتفاق؛ لأن الأخ يرثُ مع البنتِ. وقد تأيد ذلك بالسُّنَّةِ؛ حيثُ رَوَى هُزيلُ بنُ شُرحبيل: أَنَّ رجلاً سأل أبا موسى
الأشعري عمَّنْ خَلَّفَ بنتاً وبنت ابنِ وأُختاً، فقال: للبنتِ النصفُ، والباقي للأختِ، ثُمَّ قال للسائل: سل عن ذلك ابن مسعود، وأخبرني عمَّا يُجيبُ به، فلما سأله قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي رواية: وقال أبو موسى: إنَّه سيوافقني - فلما قيل لابنِ مسعودٍ ذلك قال: لو حكمتُ به لكنتُ من الضالين لا من المُهتدين، رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قضى للبنتِ بالنصف، ولبنتِ الابنِ بالسُّدس تكملة للثلثين، وللأختِ بالباقي، فلما أخبر السائل أبا موسى بذلك قال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكُم. فدل ذلك على أَنَّهُ عليهِ السَّلامُ جعلَ الأختَ مع البنتِ عصبةً، وسيأتي الحال الخامسة مندرجةً في الحالِ السابعة 2 للأخوات لأب اختصاراً.
وللأخوات لأب أحوال سبعة:
الأوَّلُ: النَّصفُ للواحدة منهنَّ.
الجزء 1 · صفحة 35
والثاني: الثلثان للاثنتين منهنَّ فصاعداً؛ أي: وما فوقها عند عدم الأخوات لأب وأم قيد في الحالتين، وذلك لما ذكرناه من النصوص في الأخوات لأب وأم. و الثالثُ: السُّدس لهنَّ مع الأختِ الواحدة لأب وأم تكملة للثلثين، فإنَّ حق الأخوات الثلثان، وقد أَخَذتِ الأختُ لأب وأم النصف، فبقي منه سدس، فيُعطى الأخوات لأب حتى يَكْمُلَ حقُّ الأخوات.
و الرابع والخامس من أحوالهنَّ ?: أنهنَّ لا يَرِثْنَ؛ أي: الأخواتُ لأب الأختين لأب وأمّ؛ لأنَّه قد كمُل لهما حقُّ الأخوات ـ أعني: الثلثين ـ فلم يبقَ للأخوات لأب شيء، إلا أن يكون معهُنَّ - أي: مع الأخوات لأب - أخ لأب، فإِنَّهُ مع يعصبهنَّ ويكون حينئذ الباقي وهو الثُّلث بينهم؛ أي: بين الأخ والأخوات لأب للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين؛ لأنَّ ميراث الإخوة والأخوات لأبٍ وأَمَّ أُجري مُجرَى ميراثِ الأولاد الصلبية، وميراث الإخوة والأخوات لأب أُجري مجرى ميراثِ أولادِ الابنِ؛
ذكورهم كذكورهم وإناثهم كإناثهم.
و السادس: أنْ يَصِرْنَ الأخواتُ لأب عصبة مع البنات الصُّلبيَّة أو مع بنات الابنِ، لِمَا ذَكَرْنا من قوله عليه السلام: اجعلوا الأخوات مع البناتِ عصبة» وهو قول أكثر العلماء خلافاً لابن عباس كما مر.
و السابع: بنو الأعيان؛ أي: الإخوةُ لأب وأم والأخواتُ وبنو العلَّات؛:أي: الإخوة والأخواتُ لأب كلَّهم يَسقطونَ بالابن وابن الابن وإنْ سفَل وبالأب اتفاقاً، وبالجَد عند أبي حنيفة وعند غيره من الأئمةِ لا يَسقطون بالجد، بل يُقسم المالُ بين الجد وبينهم كما سيجيء في مقاسمة الجد إن شاء الله تعالى. أما سقوط الإخوة بالابن؛ فلقوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّا وَلَدٌ} [النساء: 176] أي: ابن كما مر.
وأمَّا سقوط الأخوات به؛ فلقوله تعالى: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا ترَكَ} [النساء: 176] والمراد: الابن، كما سبق.
الجزء 1 · صفحة 36
وأما سقوطهم بابن الابنِ؛ فلِدُخولِهِ تحت الابن، وقيامهِ مَقامَه عند عَدَمِهِ. وأما سقوطهم بالأبِ؛ فلأنّهم كلالةٌ، وتوريثُ الكلالة مشروط بفَقْدِ الوالد والولد كما تقدم.
وأمَّا سقوطهم بالجد عند أبي حنيفة فلِمَا سيأتي في مقاسمة الجد إنْ شاء الله سبحانه.
و ما ذكره هاهنا من حُكمِ السقوط مُشتمِلٌ على الحالة الخامسة للأخوات لأب وأم، وعلى السابعة للأخوات لأب.
ويسقط بنو العلات أيضاً، وهم الأخوة والأخواتُ لأبِ بالأخ لأب وأم اتفاقاً، وهم بنو الأعيان؛ وذلك لقوَّةِ قرابتهم وعُصوبَتِهم، فهذه تتمة الحالة السابعة مشتملةً على الخامسة من أحوالِ الأختِ لأب وأم، فتأمل.
واعْلَمْ أنَّ الأختَ لأب وأم أو لأب في بعض المواضع نصيبها أكثر من نصيب الأخ لأب وأم، كما إذا ترك زوجاً وأما وأختاً لأب وأم، فالمسألة ن ستة: للزوج النصفُ، وللأم الثلث، وللأختِ النَّصفُ، تَعُولُ المسألة إلى الثَّمانية، ولو كان مكانَ الأختِ أخٌ لَما تعول المسألة، وله ما بقي وهو واحد. وبالأخت لأب وأم إذا صارت عصبةً؛ أي: إذا كانَتْ مع البنات أو بناتِ الابنِ كما مر، وإنما سقطوا بها لأنَّها حينئذ كالأخ في كونها عصبةً أقرب إلى الميت، كما سيأتي في بابِ العَصَباتِ. وللام أحوال ثلاث:
منها: السُّدسُ مع الولد؛ لقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء:] ولفظ الولد يتناولُ الذَّكَرَ والأُنثى، ولا قرينةَ تَخُصُّه بأحدهما، أو مع ولد الابن وإنْ سَفَلَ، ذكراً كان أو أنثى، وذلك إما لأنَّ لفظ الولد يتناول ولد الابن أيضاً، وإما للإجماع على أنه يقوم مقام ولدِ الصُّلب في توريث الأم، أو مع الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً مِن أي جهة كانا؛ أي: سواء كانا من جهة الأبوين معاً، أو من جهة الأب، أو من جهة الأمّ؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11].
الجزء 1 · صفحة 37
ولفظ الإخوة يتناول الكل؛ للاشتراك في الأُخُوَّة، وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة وجمهور الفقهاء، خلافاً لابن عباس، فإنَّه جعل الثلاثة من الإخوة والأخوات حاجبة للأم دون الاثنين، فلها معهما الثلث عنده، بناءً على أنَّ الإخوة صيغة الجمع فلا يتناول المثنّى.
وأُجيبَ: بأنَّ حُكمَ الاثنين في الميراث حكم الجماعة، فإنَّ البنتين كالبنات والأُختين كالأخوات في استحقاقِ الثَّلثين، فكذا في الحَجْبِ، وبأنَّه عليه السَّلامُ أَعْطَى الأم مع الاثنين منهما السُّدس، فَعَلِمْنَا أَنَّه أَخذَ أَقل الجمع اثنين.
ثُمَّ السُّدسُ الذي حجب عنه الإخوة والأخوات الأم فهو للأب عند جمهور الصحابة.
ويُروى عن ابن عباس: أنَّه للإخوة؛ لأنَّهم إنما حَجَبوها عنه ليأخُذوه، فإِنَّ غيرَ الوارثِ لا يحجب؛ كما إذا كان الإخوة كفاراً أو أرقاءَ، وقد يُستدل عليه بما رواه [ابنُ] طاوس مرسلاً من أنه عليه السَّلامُ أعطى الإخوة السُّدس مع الأبوين ?. ولنا: قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] والمراد من صدر الكلام: أنَّ لأمه الثلث والباقي للأب، فكذا الحال في آخِرِه، كأنه قيل: فإن كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس ولأبيه الباقي.
رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس مع الأبوين، وسألته عن ذلك فقال: كان ذلك وصيةً.
فيصيرُ الحديث حينئذٍ دليلاً لنا؛ إذ لا وصية للوارث.
ثُمَّ الظاهرُ أنَّ هذه الرواية لم تثبت عن ابن عباس؛ لأنه يُوافق الصديق في حجبِ الجد للإخوة فكيف يقولُ بإرثهم مع الأب؟ كذا في شرح الإمام السرخسي.
وذهبت الزيدية إلى أنَّ الإخوة لأم لا يحجبونها بخلاف غيرهم.
والجمهور على أنه لا فرق بين الإخوة؛ لأن الاسم حقيقة في الأصنافِ الثلاثة.
الجزء 1 · صفحة 38
و منها: أنَّ للأم ثلث الكلِّ عند عَدَمِ هؤلاء المذكورين؛ أي: عندَ عَدَمِ الولد وولد الابن وإنْ سَفَلَ وعَدَمِ الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً، عُلِمَ ذلك بقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11].
وهذا إذا لم يكن مع الأبوين أحد الزوجين؛ لقوله:
و منها: أنَّ لها ثلث ما يَبْقَى بعد فَرْضِ أحد الزوجين بالإجماع، وذلك في صورتين؛ إحداهما: زوج وأبوين، والأخرى: زوجة وأبوين، وهو مذهب جمهور الصحابة وعامة الفقهاء.
وكان ابن عباس يقول: إنَّ لها ثلثَ َأصل التركة في هاتين الصورتين، مستدلا بأنه تعالى جعل لها أولاً سدسَ التركةِ مع الولد بقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11] ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ للأُمِّ الثَّلَثَ مع عدمِ الولدِ بقوله: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْتُ} [النساء: 11] فيفهم منه أن المراد: ثلث أصل التركةِ أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 39
وكان أبو بكر الأصم يقولُ: بأنَّ لها مع الزَّوجِ ثُلثَ ما يبقَى مِن فَرْضِه، ومع الزَّوجةِ ثلث الأصلِ؛ لأنَّه لو جُعَلَ لها مع الزَّوجِ ثلث جميع المال لزادَ نصيبها على نصيب الأبِ؛ لأنَّ المسألة حينئذ من ستة؛ لاجتماعِ النصفِ والثَّلث، فللزوج ثلاثةٌ وللأم اثنان على ذلك التقدير، فيبقى للأب واحد، وفي ذلك تفضيل الأنثى على الذَّكرِ، وإذا جُعل لها ثلث ما بقي من فرض الزوج، كان لها واحد وللأبِ اثنان، ولو جعل لها مع الزوجة ثلث الأصل لم يلزم ذلك التفضيل؛ لأنَّ المسألة من اثني عَشَرَ؛ لاجتماع الربع والثلث، فإذا أخذتِ الأم أربعةً بقي للأب خمسةٌ، فلا تفضيل لها عليه. ولنا: أنَّ معنى قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ التَّلْتُ} [النساء: 11] هو أنَّ لها ثلث ما وَرِثاه سواء كان جميع المال أو بعضه؛ وذلك لأنه لو أُريدَ ثلث الأصل لكفّى في البيان: فإنْ لَمْ يكن له ولد فلامِّهِ الثَّلثُ، كما قال عزَّ مِن قائلِ في حقِّ البناتِ: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:] بعد قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11].
فيلزم أن يكون قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ خالياً عن الفائدة.
فإن قيل: نحمله على أنَّ الوراثة لهما فقط، فتَحْصُلُ الفائدة.
الجزء 1 · صفحة 40
قلنا: ليس في العبارة دلالة على حصر الإرث فيهما، وإنْ سُلَّم فلا دلالة في الآية حينئذ على صورة المنازعة أصلاً، لا نفياً ولا إثباتاً، فيُرْجَعُ فيها إلى أنَّ الأبوين هو عبد الرحمن بن كيسان فقيه معتزلي مفسر صاحب المقالات في الأصول، قال ابن حجر: «هو من طبقة أبي الهذيل العلاف وأقدم منه. له: تفسير القرآن» أفاد منه الثعلبي في كتابه «الكشف»، وله الأصول كالابن والبنتِ في الفروع؛ لأنَّ السبب في وراثةِ الذَّكرِ والأنثى واحد، وكلّ منهما يتصل بالميتِ بلا واسطةٍ، فيُجعلُ ما بقي من فرض أحد الزوجين بينهما أثلاثاً، كما في حقٌّ الابن والبنتِ، وكما في حق الأبوينِ إِذا انْفَردًا بالإرثِ، فلا يزيدُ نصيب الأم على نصف نصيب الأبِ، كما يقتضيه القياسُ الأتمُّ، فلا مجال لِمَا ذهب إليه الأصم، الذي لم يسمع ما ذكرنا من معنى الآية، والله أعلم.
ثُمَّ إذا أُعطيتِ الأم ثلث الباقي مع الزوجة اجتمع في المسألة ربعانِ، لكلِّ منهما ربع حقيقةً لا لفظاً، فإنَّ ثلثها حينئذ ربع في الحقيقة، كذا حققه السيد السند. وتوضيح المسألتين على ما ذكره البهشتي: أنَّ المسألة الأولى: زوج وأبوان؛ فللزوج النصفُ وللأم ثلث ما يَبْقَى، فتكون المسألةُ من ستة، فيُعْطَى الزوج ثلاثةً يبقى ثلاثة، أعطينا الأم ثلث ما يَبْقَى من فرض الزوج، وهو واحد، فيبقى اثنان أعطيناهما الأبَ، وهو ضِعْفُ نصيب الأم، وإنما لا تُعطى الأم ثلث الكلِّ هاهنا؛ لئلا يلزم أن يكون نصيبُ الأم ضعف نصيب الأب، وإنَّهُ غير جائز اتفاقاً.
والمسألة الثانية: زوج وأبوان؛ فللزوجة الربعُ، وللأم ثلث ما يَبْقَى، فالمسألة من أربعة؛ لأنَّ أقل عددٍ له ربع وما يبقى منه له ثلث هو أربعة، فأعطينا الزوجةً واحداً بقي ثلاثة، أعطينا ثلثها الأم، وهو واحد، وبقي اثنان للأب.
الجزء 1 · صفحة 41
وإنما لا تُعطى الأم ثلث الكلِّ هاهنا؛ لأنه يلزم منه أن يكون نصيبها أكثر من نصف نصيب الأب، وهو غير جائز؛ وإنَّما قلنا ذلك لأنه حينئذ يعني: إذا أُعطيت ثلث الكل - تكون المسألة من اثني عشر، ويكون للزوجة ثلاثة وللأم أربعة وللأبِ خمسةٌ، وأنت تعلم أنَّ اجتماع الربع والثلث لا يُوجد إلا في هذه المسألة حقيقةً لا لفظاً، انتهى.
فإن قيل: إن الله تعالى جعل للأم الثُّلث، فينصرفُ إلى الكامل، فإعطاء الثُّلكِ مما بَقِيَ مخالف للنص.
قلنا: كما جعل الله للأم ثلث الكل جعل نصيبَ الأَبِ مِثْلَيْ نصيب الأم، فوجبَ التوفيق، والتوفيق فيما ذكرناه من التحقيق.
ولو كان جد مكان الأب في الصُّورتين، فللأم ثلث جميع المال في الأصح، وهو مذهب ابنِ عباس، وإحدى الروايتين عن الصديق.
ورَوَى ذلك أيضاً أهل الكوفة عن ابن مسعودٍ في صورة الزوج فقط. إلا عند أبي يوسفَ فإنَّ لها مع الجد أيضاً ثلث الباقي كما مع الأب، وهو الرواية الأخرى عن الصديق وعمر وابن مسعود، فعلى هذه الرواية جعل الجد كالأب، فيعصبُ الأم كما يعصِّبُها الأب.
ووجه الرواية الأولى: هو أنا إنما تركنا ظاهر قوله تعالى: {فَلِأُمِّهِ الثُّلْتُ [النساء: 11] في حق الأب، وأولنَاهُ بما مرَّ كَيْلا يلزم تفضيلها عليه مع تَسَاوِيهِما في القُرب، وأيَّدَنا تأويله بقول أكثرِ الصَّحابة.
وأما في حقّ الجد: فأَجْرَيناه على ظاهره؛ لعدم التّساوي في القُربِ، وقوة الاختلاف فيما بين الصحابة.
ولا استحالة في تفضيل الأنثى على الذَّكَرِ مع التفاوتِ في الدرجة، كما إذا ترك امرأة وأختاً لأب وأم وأخاً لأب، فإنَّ للمرأة الربع، وللأختِ النصف، وللأخ الباقي. فقد فضّلت هنا الأُنثى؛ لزيادةِ قُربها على الذَّكَرِ.
الجزء 1 · صفحة 42
وللجدَّةِ السُّدسُ، لأم كانت الجدَّةُ كأم الأم، أو لأب كأم الأب، واحدةً كانت أو أكثر، إذا كنَّ صحيحات كالمذكورتين، حيثُ لا يتخلل في نسبتهنَّ إلى الميت ذَكَرُ بين أُنثيين، والفاسداتُ بخلافهنّ، وهُنَّ من ذوي الأرحام كما سيأتي في بيانهنّ.
وإنما يشتركُ الجَدَّاتُ في السُّدس إذا كنَّ ثابتات متحاذيات في الدرجةِ، كأم أم الأم، وأمّ أم الأبِ؛ لأنَّ القُربَى تَحجبُ البُعْدَى كما سيُعلَمُ.
أما إعطاء الجدة الواحدةِ السُّدسَ: فلِمَا رواه أبو سعيد الخدري، ومغيرة ابن شعبة، وقبيصة بن ذؤيب: من أنه عليه السلام أعطاها السدس. وأمَّا التشريك بينهنَّ في ذلك إذا كنَّ أكثر متحاذياتٍ؛ فلِمَا رُوي: أَنَّ أَمَّ الأمّ جاءت إلى الصديق وقالت: أعطني ميراث ولدِ ابنتي، فقال: اصْبِري حتى أُشاور أصحابي؛ فإني لم أجد لكِ في كتاب الله نصَّاً، ولم أسمع فيك من رسول الله شيئاً، ثُمَّ سألهم فشهد المغيرة بإعطاء السُّدس، فقال: هل معك أحدٌ؟ فشهد به أيضاً محمد ابنُ مَسلَمةَ، فأعطاها ذلك، ثُمَّ جاءت أمُّ الأبِ وطلبت الميراث، فقال: أَرى أنَّ ذلك السُّدس بينكما، وهو لمن انفردت منكما، فشَرَّكها فيه.
وفي رواية أخرى أنَّ أمَّ الأب جاءتْ إلى عُمر، وقالت: أنا أَوْلَى بالميراثِ من أم الأم، إذ لو ماتتْ لَمْ يَرِثُها ولد ولدها - أي: بالفَرْضِيَّةِ والعَصَبيَّةِ - ولو متُّ ورثني ولد ولدي، فقال: هو ذلك السُّدسُ، فإن اجتمعتُما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها، فحكم بالتشريك بينهما.
فقد أجمع الشيخان. على أنَّ الجدَّاتِ الصَّحيحاتِ المتحاذِياتِ يتشارَكُنَّ في السُّدس بالسويَّة.
وذهب ابنُ عباس إلى أنَّ الجدَّةَ أَمَّ الأمّ تقومُ مَقامَ الأم عندَ عَدَمِها، فتأخذُ الثَّلَثَ إذا لم يكن للميت ولد ولا إخوة، والسُّدسَ إذا كان له أحدهما، كما أنَّ الجد أبا الأب يقوم مقام الأب ع عند عدمه، وابنُ الابن يقوم مقام الابن عند عدمه.
الجزء 1 · صفحة 43
ثُمَّ إِنَّ الأم لا يُزاحمها من فَرْضِيَّتها أحدٌ من الجدات، فكذا أُمُّ الأُمِّ لا يُزاحمها أحد منهنَّ.
ويَسْقُطْنَ؛ أي: الجدَّاتُ كلُّهنَّ سواء كنَّ أبويَّاتٍ أو أُمِّيات بالأم التي هي أصل في القرابة:
أمَّا الأُمِّيَّات: فلوجودِ إدلائها بالأم واتَّحادِ السبب الذي هو الأمومة.
وأمَّا الأبويَّات: فلاتّحادِ السَّبَبِ الذي هو الأبوَّةُ وحدَهُ.
ويَسقُطُ الجدات الأبويَّاتُ دونَ الأمِّياتِ أيضاً كما يَسْقِطْنَ بالأم بالأب إذا كان وارثاً؛ لأنه أصل في قرابتها إلى الميت، وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابتِ والزبير وغيرهم، وبه أخذَ جمهورُ العلماء.
ونُقِلَ عن عمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وعمران بن الحصين: أنَّ أمَّ الأبِ ترثُ مع الأبِ، وبه أخذ طائفةٌ من أهلِ العلمِ مِن التَّابعينَ وغيرهم، واختاره شريح والحسن وابن سيرين، لِمَا رواه ابن مسعود: من أنه عليه السلام أعطى أمَّ الأَبِ السدس مع وجودِ الأب. وأجيب: بأنَّ ما رواه ابن مسعودٍ يَحتمل أن يكون أبو ذلك الميت رقيقاً أو كافراً.
والحاصل: أنَّ الجدَّةَ التي تُدلي بالأبِ تُحجَبُ به لوجود الإدلاء عنه، وتُحجب بالأم لاتحاد السبب، وأما الجدة التي من قِبَلِ الأم فترتُ مع الأبِ لانعدام الإدلاء واتحاد السبب جميعاً.
وكذا تسقط الجدات الأبويَّاتُ بالجد لِمَا قدَّمنا، إِلَّا أَمَّ الأَبِ وَإِنْ عَلَتْ بحيث تكون هي والجد متساويين في البعد عن الميت، كأم أم الأب .. وهكذا، فإنها لا تسقط بالجد بل ترثُ مع الجد؛ لأنها؛ أي قرابتها إلى الميت ليست من قبله؛ أي: قبل الجد، بل هي زوجته، فهي لا تسقط به بل ترثُ معه، كالأم مع الأب، هذا إذا كان بعد الجد عن الميتِ بدرجةٍ واحدةٍ، وأمَّا إذا بَعُدَ بدرجتين كأبي أبي الأَبِ؛ فإِنَّه يرثُ معه أبويتان، وهما أم أبي الأبِ التي هي زوجة الجد المذكور، وأم أم الأب التي هي أم زوج أبِ الأب] على هذه الصورة:
ميت
أب
أم
أب
أم
الجزء 1 · صفحة 44
وإذا بَعدَ الجدُّ عن الميت بثلاث درجات ترثُ معه ثلاثُ أبويَّاتٍ على هذه الصورة:
ميت
أب
أم
أم
أم
أم
في «ج» و «م»: «التي هي أم زوجة الأب»، والمثبت من المطبوع.
أب
وهكذا كلما ازداد درجاتُ بُعدِ الجد ازداد بحسَبها عدد الأبويَّات التي يرثْنَ من والجدَّةُ القُربى من أي جهةٍ كانت - سواء كانتْ من قِبَلِ الأُمِّ أَو مِن قِبَلِ الأَبِ - تَحجب الجدَّةَ البُعْدَى مِن أي جهةٍ كانت البُعْدَى، فالجدَّةُ القُربى من جهة الأم تُسقط الجدَّةَ البُعْدَى من جِهَتِها ومن جهة الأب، والجدَّةُ القُربي من جهة الأبِ تُسقط البعدى من جهته ومن جهة الأم؛ فيثبتُ الحجب هنا في أقسام أربعةٍ هذا مذهب علي وإحدى الروايتين عن زيد بن ثابت
وفي رواية أخرى عنه: أنَّ القُربى إنْ كانت مِن قِبَلِ الأَبِ والبُعْدَى مِن قِبَلِ الأم فهما سواء، فيكون حينئذٍ حَجْبُ القُربى في أقسام ثلاثة فقط من تلك الأربعة. وقد عمل بهذه الرواية مالك والشافعي في أصح قوليه، فلو مات شخص وترك أبا وأم الأب وأم أم الأم؛ فأمُّ الأب محجوبة بالأب ومع ذلكَ تُحجب أم أم الأم عندنا، ولا يَحْجبها مالك والشافعي، ولو ترك أم الأم وأمَّ وأُمِّ الأَبِ، فأمُّ الأم وارثةٌ، وهي تحجب أم أم الأب بالاتِّفاق؛ لأنَّها أقرب إلى الميت.
وعن أبي حنيفة رواية أخرى موافقاً لقول مالك والشافعي من بعض الوجوه، وهو أن الجدَّةَ القُرْبَى إذا كانَتْ محجوبةٌ بالأبِ لا تَحجبُ البُعْدَى من جانب الأم، فأمُّ الأب مع وجودِ الأبِ لا تَحْجِبُ أم أم الأم حينئذ.
والأول أصح؛ ولذا قال: وارثةً كانت الجدَّةِ القُرْبَى كأَمِّ الأَبِ عِندَ عَدَمِهِ مع أمّ أمّ الأم، وكأم الأم مع أمّ أمّ الأبِ أو محجوبةً كأم الأبِ عند وجوده فإنَّها محجوبة به، ومع ذلك تحجب أم أم الأم.
وقال الحسن بن زياد ميراثُ الجدَّاتِ ـ عند وجودِ الأب ـ لأم أم الأم، وإن كانت أبعد من أم الأب.
الجزء 1 · صفحة 45
وعلى هذا قياس قول عليّ، وهو أن القُربى إِنَّما تَحْجِبُ إِذا كانت وارثةً. وإذا كانت جدَّةٌ ذاتُ قرابة واحدة كأم أمِّ الأَبِ، والأُخرى ذاتُ قَرَابَتَيْنِ أو أكثر؛ فالأُولى كأم أم الأم وهي أيضاً أم أبي الأم، والثانية كأم أم الأم التي هي أيضاً أم أم أم الأبِ، يُقسَمُ السُّدسُ بينهما؛ أي: بين الجدتينِ عند أبي يوسف أنصافاً باعتبار الأبدان، وهو قول سفيان، وعند محمد أثلاثاً باعتبار الجهاتِ إذا كانت الجدة ذاتَ جِهَتين، وأرباعاً إذا كانت ذات ثلاث جهات، وعلى هذا القياس، وهو قول زُفَرَ
وإنما يتصوّر جدَّةٌ ذاتُ قراباتٍ ثلاث حيث كانت امرأة لها ابن وبنت، ولبنتها بنتان، ولابنها ابنان، تزوّج كل واحد من الاثنين كل واحدة من البنتين، فولدت إحداهما ابناً والأخرى بنتاً، تزوّج ذلك الابن تلك البنت، فولد منهما شخص ثُمَّ مات، فتلك المرأة معه ثلاث قرابات معتبرة، وقرابة أخرى فاسدة، وهي أنَّها أم أبي أبي الأم.
بابُ العَصَباتِ
عصبة الرجُل في اللُّغةِ: قرابته لأبيه، وأصلُها بمعنى القوة والإحاطة، ولهذا يُحْرِزُ جميع المال عند عدمِ صاحبِ الفرض ويأخذ الباقي عند وجودِه، وهي وقد تكون سببيَّةً، ولمَّا كان النسبيَّةُ أقوى من السببية قدَّمها، وقال:
العَصَباتُ النَّسَبيَّةُ أنواع ثلاثة: عصبةٌ بنَفْسه، و عصبة بغيره، و عصبة مع غيره:
أما العصبة بنفسه فكلُّ ذَكَرٍ من الورثة، وقيَّد به؛ لأنَّ الأنثى لا تكونُ عصبةً بنفسها، بل تكون بغيرها أو مع غيرها لا تدخل في نسبته إلى الميتِ أُنثى، فإِنَّ مَن دخلتِ الأُنثى في نسبته إليه لم يكن عصبةً؛ كأولادِ الأم؛ فإِنَّهَا مِن ذواتِ الفروض، وكأبِ الأم وابن البنت؛ فإنهما من ذوي الأرحام.
الجزء 1 · صفحة 46
فإن قلت: الأخُ لأب وأم عصبةٌ بنفسه، مع أنَّ الأم داخلةٌ في نسبه؟ قلتُ: قرابة الأب أصل في استحقاق العُصوبة، فإِنَّها إِذا انفردتْ كَفَتْ في ملغاة إثبات العصوبة، بخلافِ قرابة الأم، فإنَّها لا تَصلُحُ بانفرادِها علةً لإثباتها، فهي. في استحقاق العُصوبة، لكنَّا جعلناها بمنزلة وصف زائد؛ فرجحنا بها الأخ لأب وأم على الأخ لأب.
وهو؛ أي: نوعُ العَصبة بنفسه، أصناف أربعة:
الأول: جزء الميت كالابنِ، ثُمَّ بَنُوهُ وإِن سَفَلوا.
و الثاني: أصله، كالأب، ثُمَّ الجد أبو الأب وإن علا.
و الثالث: جزء أبيه، كالأخ لأب، ثُمَّ بَنُوه وإِنْ سَفَلُوا.
و الرابع: جزء جده كالعمّ لأب وأم أو لأب، ثُمَّ بَنُوه وإِنْ سفَلُوا. فيُقدَّم في هذه الأصناف الأقربُ درجةً فالأقربُ من الأصنافِ الأربعة. والمعنى: يترجحون بقرب الدرجة من الميت، فأولاهم بالميراث الذي يستحقُ بالعصوبة جزء الميت؛ أي: البنونَ، ثُمَّ بنوهم وإِنْ سفَلوا، ثُمَّ الأَوْلَى بالميراث بعدهم بطريق العُصوبة أصله؛ أي: الأب، ثُمَّ الجد أبو الأب وإنْ علا. وإنما قدم البنونَ على الأبِ؛ لأنَّهم فروعُ الميتِ والأبُ أصله، واتّصال الفرع بأصله أظهر من اتصال الأصلِ بفرعه، ألا ترى أنَّ الفرع يتبع أصلَهُ ويصير مذكوراً بذكره دون عكسه، فإنَّ البناء والأشجار يدخلان في بيع الأرض ولا تدخل هي في بيعهما، وظهور اتصالهم يدلُّ على أنهم أقرب إلى الميت في الدرجةِ حُكماً وإن لم يكن ذلك حقيقةً؛ لأنَّ الأتصال من الجانبين بغير واسطة.
الجزء 1 · صفحة 47
وقدم بنو البنين وإنْ سفَلوا على الأب؛ لأنَّ سبب استحقاقهم أيضا البنوةُ المتقدمة على الأبوَّةِ، فحكمُ الأبناء في القُرب والبُعدِ حُكمُ الآباء، وكونُ الأَبِ أقرب درجةً من الجد ظاهر كظهوره فيما بين الابن وابن الابن، وتقييد الجد بأبي الأبِ ليَخْرج عنه أبو الأمّ الذي هو الجد الفاسد، فيكون ذلك تصريحاً بما عُلِمَ ضمناً من قوله: فكلُّ ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى، لمزيد الاهتمام بأمر مهم هو إثباتُ إرثه وحرمانه لغيره، ومَن عَلَا مِن الأجداد إذا تعدد وا يُقدَّمُ منهم من كان أقرب درجةً.
ثُمَّ جزء أبيه؛ أي: الإخوة لأب وأم، ثُمَّ لأَبِ، ثُمَّ الأَولى بالميراثِ بعد الإخوة بنوهم؛ أي: بنو الإخوة لأب وأمّ، ثُمَّ بنو الإخوةِ لأب وإنْ سفَلوا.
وتأخير الإخوة عن الجد وإنْ علا قول أبي حنيفة، خلافاً لهما، كما يأتي في بابِ مقاسمة الجد، وإنَّما أُطلق الحكم هنا بلا تنبيه على الخلافِ؛ لأنه المختار للفتوى وأما تأخير بنيهم ? عنهم؛ فلِقُربِ درجتهم.
ثُمَّ جزء جده؛ أي: أعمامُ الميت لأب وأم، ثُمَّ لأَبِ، ثُمَّ بنوهم وإِن سَفَلوا، وجمع نظراً إلى معنى الجزء؛ فإنَّه أُريد به الجنس.
وإنما أُخر الأعمامَ عن الأخ لأب وأم والأخ لأب وأبنائهما؛ لأنَّ الله تعالى جعل الإرث في الكلالة للإخوة عند عَدَمِ الولد والوالد.
ثُمَّ؛ أي: بعد الترجيح بقُربِ الدرجةِ بأن لم يكن بعضُهم أقربَ مِن الميتِ بل استَوَوْا في القُربِ يرجّحونَ بقوَّةِ القَرَابَةِ، فذو القَرَابتينِ أَوْلى بالميراث على طريقِ العصوبة من ذي قرابةٍ واحدةٍ مع تساويهما في الدرجة ذكراً كان ذو القرابتين أو أُنثى؛ لقولهِ عليه السَّلامُ: «إِنَّ أعيانَ بني الأم يتوارثون دونَ بني العلَّاتِ». والمعنى: أنَّ بني الأعيانِ أَوْلى بالميراثِ مِن بني العَلَّاتِ، والمقصودُ مِن ذِكْرِ الأم هاهنا إظهار ما يترجّحُ به بنو الأعيان على بني العلات.
الجزء 1 · صفحة 48
كالأخ لأب وأم؛ فإِنَّه متقدم على الأخ لأب إجماعاً، وهذا مثال للذَّكَرِ مِن ذي القرابتين.
والأختُ لأب وأم إذا صارت عصبةً مع البنتِ أو البناتِ الصُّلبيَّة؛ فإنَّها أيضاً أَوْلَى من الأخ لأب، خلافاً لابنِ عباس، فإنَّ الأختَ لا تصير عصبةً مع البنات عنده كما مر، وهذا مثال للأنثى من ذي القَرَابتين.
وقوله: إذا صارت عَصَبةً احتراز عن أن تكون صاحبة فرض؛ فإنَّها حينئذ لا تكون أولى من الأخ لأب، بل يأخذ الأخ لأب ما بقي بالعصوية. وإنما ذَكَرَ الأختَ هاهنا وإنْ لم تكن عَصَبةً بنفسها؛ لمشاركتها في الحكم لمن هو عَصَبة بنفسه.
وابنُ الأَخِ لأب وأم فإنهُ أَوْلى من ابن الأخ لأب؛ لأنهما متساويان في الدرجة مع كون الأول ذا قرابتين.
وكذا الحُكمُ في أعمامِ الميتِ نفسه، ثُمَّ في أعمام أبيه؛ أي: أبي الميتِ ثُمَّ في أعمام جده؛ أي: جد الميت.
والمعنى: أنه تُعتبر بين هؤلاء الأصناف من الأعمامِ قُرب الدرجة أولاً، وقوة القرابة ثانياً، فعم الميت مقدَّم على عمّ أبيه المقدم على عم جده، وذلك لقُربِ الدرجة الواحدة.
وفي كلّ واحدٍ من هذه الأصنافِ يُقدَّمُ ذو القرابتين على ذي قرابة واحدة مع التساوي في الدرجةِ، فعمُّ الميت لأب وأم أولى من عمّه لأب، وعم الأب لأب وأمّ أولى من عمه لأب، وعم الجد لأب وأم أولى من عمه لأب، وهكذا الحكم في فروع هذه الأصنافِ يُعتبرُ أوَّلاً قُربُ الدرجة، وثانياً قُوَّةُ القرابة، فابن عم الميت مقدَّم على ابنِ ابنِ عمه، وابن عم الميت لأب وأم مقدَّم على ابن عمه لأب.
وأمَّا العَصبة بغيره فأربع من النسوة، وهنَّ، أي: النساء اللاتي فرضُهنَّ النصفُ والثُّلثانِ:
الأُولى منهنَّ: البنتُ، إذ للواحدة النصفُ وللننتين فصاعداً الثَّلثانِ.
الثانية: بنتُ الابن، فإنَّ حالها كحالِ البنتِ عندَ عَدَمِها. الثالثة: الأختُ لأب وأم، فإنَّها كذلك إذا لم يُوجد بناتُ الصُّلْبِ وبناتُ الابن.
الجزء 1 · صفحة 49
الرابعةُ: الأختُ لأبِ، فإنَّ حُكمَها كذلك إذا لم يُوجدِ الثَّلاثُ المتقدمة. فهؤلاء الأربع يَصِرْنَ عصبةً بإخْوَتِهِنَّ، كما ذكرنا في حالاتِهنَّ من أنَّ البناتِ الصُّلبيَّةِ يَصِرْنَ عصبة بالابن وبناتِ الابنِ يَصِرْن عصبة بابن الابن، والأخوات لأب وأمّ يَصِرْنَ عصبة بالأخ لأب وأم والأخوات لأبِ يَصِرْنَ عصبة بالأخ لأب. ويدلُّ على صيرورةِ الأُولَيَينِ عَصَبةً قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].
وعلى صيرورة الأخريين عَصَبةً قوله تعالى: {وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176].
ومن لا فرضَ لها من الإناث وأخوها عصبة لا تصير عصبةً به؛ أي: بأخيها؛ كالتي لها فرضٌ؛ وذلك لأنَّ النص الوارد في صيرورة الإناث بالذكور عصبةً إنما هو في موضعين البنات بالبنين والأخوات بالإخوة؛ كما عرفت آنفاً، والإناتُ في كلّ منهما ذواتُ فروض، فمَنْ لا فرض لها من الإناث لا يتناولها النص؛ لأنَّ الأخَ إنما يصيرُ الأختَ عَصَبةً لئلا يكون نصيبها ـ وهو ما فُرِضَ لها - مساوياً لنصيبه أو أكثر منه، وهنا ليس كذلك.
كالعم والعمة إذا كانَ كلاهما لأب وأم أو لأب كان المال كلُّه للعم دونَ العمَّةِ؛ لأنَّها لا فرضَ لها، وكذا ابن العم لأب يرثُ دونَ بنت العم لأب، وابن الأخ لأب يرتُ دونَ بنت الأخ لأب، إذ لا فرض لهما أصلا".
وأمَّا العَصَبَةُ مع غيره، فكلُّ أنثى تصيرُ عصَبَةً مع أنثى أخرى، كالأختِ لأب وأم أو لأب مع البنتِ، سواء كانت صُلبيَّةً أو بنتَ ابن، وسواء كانت واحدةً أو أكثرَ؛ لِمَا قدَّمنا من قوله عليه السلام: اجعلوا الأخوات مع البناتِ عَصَبةً».
الجزء 1 · صفحة 50
والمراد من الجَمْعين في الحديثِ هو الجنسُ، واحداً كان أو متعدداً؛ ولِمَا في البخاري قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأختِ؟ فقال: للبنتِ النصفُ، وللأختِ النصفُ، وائتِ ابن مسعودٍ فسيتابعني، فسُئِلَ ابنُ مسعودٍ، وأُخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضَلَلْتُ إذا وما أنا مِن المُهتَدِينَ، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للبنت النصفُ، ولبنتِ الابنِ السُّدس تكملةَ الثَّلثين، وما بقي فللأختِ، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكُم. وآخِرُ العَصَباتِ السببيَّة مولى العتاقةِ: وهو المعتق بالكسر، ذكراً كان أو أنثى، قال علي وزيد: مولى العتاقَةِ مُقدَّم على ذوي الأرحام والرد على ذوي الفروض، وهو مذهبنا.
وقال ابن مسعود: هو مؤخَّر عن ذوي الأرحام أيضاً، واستدل بقوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [الأحزاب: 6]؛ أي: بعضهم أقرب إلى بعض ممن ليس له رَحِمٌ، والميراثُ مبني على القُرب. وبقولهِ عليه السَّلامُ لمن أعتق عبداً: «هو مولاك؛ فإنْ شَكَركَ فهو خيرٌ له، وإنْ كفرك فهو شر له، وإن مات ولم يترك وارثاً كنتَ أنتَ عُصبتَه» ه، فقد اشْتَرَطَ في توريث مولى العتاقة أنْ لا يَدَعَ المُعتق وارثاً، وذوو الأرحام من قبيل الورثة.
والجواب عن الآية: أنَّ سبب نزولها ما رُوي أنه عليه السَّلامُ لما قدِمَ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بذلك، فنسخ الله هذا الحُكمَ بهذه الآية، وبيَّنَ أَنَّ الرَّحِمَ مُقدَّم على المؤاخاة والموالاة، ولا نزاع لنا في تقدم ذوي الأرحام على مولى الموالاة.
الجزء 1 · صفحة 51
وعن الحديثِ: بأنه عليه السَّلامُ أرادَ بقوله: «لم يَدَعْ وارثاً» أَنَّه لم يَدَعْ وارثاً هو عَصَبْتُهُ، ألا ترى أنَّه قال في آخِرِه: كنتَ عَصَبتَه»، وإذا كان مولى العتاقة عصبةً هو آخِرُ العَصَباتِ عليهما، كما دلّ عليه الحديثُ، كان مُقدَّماً على ذَوي الأرحام والرد؛ لتقدم العَصَباتِ عليهما.
ثُمَّ المُعتِقُ يرث من مُعتَقهِ مطلقاً، سواءٌ أعتقه لوجه الله، أو للشيطان، أو أعتقه على أنه سائبةٌ، أو بشرط أن لا ولاء عليه، أو أعتقه على مال أو بلا مال أو بطريق الكتابة ... إلى غير ذلك.
وقال مالك: إن أعتقهُ لوجه الشيطان، أو بشرط أن لا ولاء عليه، لم يكن مُستحقاً للولاء؛ لأنَّهُ صلةٌ شرعية، والقاصد لوجه الشيطان قد ارتكب بالإعتاق المعصية، فيُحرَمُ هذه الصَّلةَ، ومَن صرَّحَ بنفي الولاء فقد ردّها، فلا يستحقها.
ولنا: أنَّ السبب هو الإعتاق؛ لقوله عليه السلام: «الولاء لِمَن أعتق» رواه أحمد وغيره، وهذا السبب متحقق في جميع هذه الصُّور، فيَثْبِتُ به مسببه في جميعها. ثُمَّ عصبته؛ أي: عصبة مولى العتاقة على الترتيب الذي ذكرنا في العَصَباتِ النَّسَبيةِ، فتكون عصباتُه النَّسبيَّةُ متقدّمةً على عصباتِهِ السَّببيَّة، أعني: مُعتِقَ المعتق.
والمراد بعصباتهِ النَّسبيَّةِ: ما هو عصبته بنَفْسِه فقط؛ لِمَا سَتَعْرفُه، والترتيب بين هؤلاء العصبات ما مرَّ، فيكونُ ابنُ المُعتِق أَوْلى عَصَباتِهِ، ثُمَّ ابنُ ابنهِ وإِنْ سَفَل، ثُمَّ أبوهُ، ثُمَّ جده وإنْ علا، إلى آخِرِ ما فُصِّلَ هناك، وذلك لقوله عليه السَّلامُ كما رواه الطبراني والحاكم والبيهقي: «الولاء لُحْمَةٌ كَلُحمةِ النَّبِ»؛ أي: وُصلَةٌ كوصلتِهِ، زِيدَ في رواية: «لا يُباعُ ولا يُوهبُ.
الجزء 1 · صفحة 52
ومعنى ذلك: أنَّ الحُريَّةَ حياة للإنسان؛ إذ يثبتُ له بها صفة المالكيَّةِ التي يمتاز بها عما عداه من الحيوانات والجمادات، والرقبة تلفٌ وهلاك، فالمعتق سببٌ لإحياء، كما أنَّ الأبَ سبب لإيجاد الولد، وكما أنَّ الولد يصيرُ منسوباً إلى أبيه بالنَّسب، وإلى أقربائه بتبعيَّتِه، كذلكَ المُعتَقُ يصيرُ منسوباً إلى مُعتقه بالولاء، وإلى عَصَبته بالتبعية، فكما يَثْبُتُ الإرتُ بالنَّسب، كذلك يَثْبُتُ بالولاء.
ولا شيء من تركةِ المُعتَق للإناثِ بناتٍ كانَتْ أو أخوات أو غيرهما من العمات والخالات من ورثةِ المُعتِق بالكسر، فليس في عَصَبةِ المعتق الوارثين من المُعتق بالولاء من هو عَصَبةٌ بغيره أو مع غيره كما سبق، وذلك لقوله عليه السلام:
«ليس للنساء من الولاء إلَّا ما أعتَقْنَ أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ، أو كاتَبْنَ أو كاتبَ مَن كاتَبْنَ، أو دبَّرنَ أو دبَّرَ مَن دَبَّرْنَ أو جرَّ ولاءُ مُعتَقِهنَّ أو مُعتَقِ مُعتَقهنَّ» بفتح التاء في جميعهنَّ. وهذا الحديث وإن كان فيه شذوذ، لكنه قد تأيَّدَ بما رُوي من أنَّ كبار الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود قالوا بمثل ذلك، فصار بمنزلة المشهور هنالك. ومعناه: ليس للنساء شيء من الولاء إلَّا ولاء ما أعتَقْنَه، أو ولاء ما أَعْتَقَه مَن أعتَقْنَهُ، أو ولاء ما كاتَبْنَهُ، أو ولاء ما كاتبه من كاتبنه، أو ولاء ما دبَّرنَهُ، أو ولاء ما دَبَّرَهُ مَن دَبَّرَنَهُ، فكلمةُ ما المذكورة والمقدرة عبارة عن مرقوق يتعلق به الإعتاق، فإنَّه بمنزلة سائر ما يُتملك مما لا عقل له، كما في قوله تعالى: أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ} [النساء: 3].
الجزء 1 · صفحة 53
وكلمة من عبارةٌ عمَّن صارَ حُرَّاً مالكاً، فاسْتَحَقَّ أَنْ يُعبَّر عنه بلفظ العُقلاء. وتوضيح الكلام في مقام المرام أنَّ المراد من ما أَعْتَقْنَ: مرقوق قبل الإعتاق، فإنَّ الرِّقَّ في المرقوق بمنزلة الموتِ، فيكون المرقوق كالميت، والميت جماد، فاستعمل كلمة ما فيه؛ أو لأنه عليه السَّلامُ ألحق العبيد والإماء بغير العقلاء؛ لأنهم يُباعونَ في الأسواق كسائر الأشياء؛ ولأنَّ العُقلاء في أصل الوضع مالكونَ غيرُ مملوكين؛ لأنَّ ما على الأرض من جميع الأشياء خُلِقَ للعقلاء، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ?].
وقوله: أو جر يحتاج إلى تقدير أن ليصير مؤوّلاً بالمصدر بمعنى المفعول، أي: ليسَ لَهُنَّ شيء من الولاء إلا ولاء ما ذُكِر، أو إِنْ جَرَّ ولاءُ مُعتَقِهنَّ .. إلخ. والمعنى: ليس لهنَّ شيءٌ من الولاء إلا ولاء مُعتقهن، أو ولاء معتق مُعتَقِهنَّ ..
إلى آخره، أو الولاء الذي هو مجرورُ مُعتقهنَّ، أو مجرورُ مُعتَقِ مُعتَقِهن. فولاءُ مُعتَقِهنَّ ومُكاتَبِهنَّ ظاهر.
وولاء مُعتَقِ مُعتَقِهنَّ: إن أعتقتِ امرأةٌ عبداً، فاشترى ذلك العبد عبداً آخر فأعتقه، ثُمَّ ماتَ المُعتَقُ الثاني من العبدَينِ، وليس له عصبةٌ نَسَبيةٌ، وقد مات قبله العبد الأول وعصبته أيضاً، فميراثُه لتلك المرأة بالعُصوبة من جهة الولاء، وكذا الحكم في مكاتب مكاتبها.
وصورة ولاء مُدبَّرِهِنَّ إِنْ دبَّرتِ امرأةٌ عبداً ثُمَّ ارتدَّتْ ولَحقتْ بدار الحربِ، وحكم القاضي بحرية عبدِها المُدبَّر، ثُمَّ أسلمت ورجعت إلى دار الإسلامِ، ثُمَّ مات المُدبَّرُ ولم يُخلّف عصبة نسبيةً، فهذه المرأة عصبته.
الجزء 1 · صفحة 54
وحُكمُ مُدبَّرِ هذا الأمر كذلكَ؛ أي: إذا حكم القاضي بحرية عبدها المدبر بسبب لحاقها، فاشترى عبداً ودبَّرهُ ثُمَّ مات، ورجعت المرأة تائبةً إلى دار الإسلام، إما قبل موتِ مُدبَّرِها أو بعده، ثُمَّ ماتَ المُدبَّرُ الثاني ولم يُخلف عصبةٌ نَسبية، فولاؤه لهذه المرأة.
وصورة جرّ مُعتَقِهنَّ الولاء: أنَّ عبد امرأة تزوّج بإذنها جاريةٌ قد أعتقها غيرها،
فولد بينهما ولد لأقل من ستَّةِ أشهرٍ من العِتْقِ، هو حر تبعاً لأمه، فإنَّ الولد يتبعُ أَمَّهُ في الحرية والرّقيَّةِ، وولاء ذلك الولد لمولى أمه، ولم يَنْتقِل منه إلى أحدٍ أبداً، سواء أعتقتِ المرأةُ الغلامَ حينئذٍ أو لم تُعْتِقَ؛ لأنَّ الولد في وقتِ عِتْقِ الأم كان موجوداً، فولاؤه لمولاها، وإن جاءت بولد لستة أشهرٍ أو أكثر فولاءُ الولد للرجل لو لم تُعْتِقِ المرأةُ الغُلام، لقوله عليه السَّلامُ: «الولاء لِمَنْ أَعتَقَ.
ولو أعتقت المرأة عبدَها جرَّ ذلك العبد بإعتاقها إيَّاه ولاء ولده الذي جاءت الجارية به حينئذ من جانب مولى الأم إلى نَفْسِهِ ثُمَّ إلى مولاته، وهيَ المرأةُ؛ لأنَّ يومَ عتقهِ يُمكن أن لا يكون الولد موجوداً، وإذا كان كذلك لم يكن الولاء لمولى الأم، فيكون لمولى الأب؛ لأنَّ جانب الأب أرجح حينئذ؛ لقوته حتّى إذا ماتَ المُعتَقُ ثُمَّ مات ولده وخلَّفَ مُعيّقة أبيه فولاؤُه لها.
الجزء 1 · صفحة 55
وصورة جرّ مُعتَقِ مُعتَقِهنَّ الولاء: أنَّ امرأةً أَعْتَقَتْ عبداً، فاشترى العبد المعتق عبداً، وزوَّجه بمعتقة غيره، فولد بينهما ولد، وهو حر وولاؤه لمولى أمه، فإذا أعتق ذلك العبد المعتق عبده، جرَّ بإعتاقه ولاء ولد معتقه إلى نفسه ثُمَّ إلى مولاته. وقد يُستدل أيضاً على جرّ الولاء، بما رُوي من أنَّ الزُّبير رضي الله عنه رأى فِتيَةً أعجبَهُ ظُرفُهُم، وأمهم مولاةٌ لرافع بنِ خُديج، وأبوهم عبد لغيره، فاشترى الزبير أباهم وأعتقهُ، ثُمَّ قال للفتية: انتسبوا إليَّ، فنازعَه رافع، وقال: هم موالي، فاخْتَصَما إلى عُثمانَ رضي الله عنه، فحكم بالولاء للزُّبير فدل ذلك على أن الولد منسوب إلى موالي أمِّهِ ما لم يثبت له ولاء من قِبَلِهِ، فإذا ثبت ولاء من قِبَلِه جَرَّ الأب ولاءَ الولد إلى مَوَالِيهِ، وكيف لا والنسبة إلى الأم للضرورة، كولد الزنا وولدِ المُلاعنة، حتَّى إذا كذَّبَ المُلاعنُ نفسَه صارَ الولد منسوباً إليه.
ولو تَرَكَ؛ أي: المُعتَقُ أبَ المُعتِق بالكسرِ وابنه، كان عند أبي يوسف سدس الولاء للأب، والباقي وهو خمسة أسداسه للابن، هذا قوله الأخير، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود، وبه قال شُريحُ والنَّخَعِيُّ.
وعند أبي حنيفة ومحمد: الولاء كلُّه للابن، وهو اختيار سعيد بنِ المُسيِّبِ، ومذهب الشافعي، والقولُ الأَوَّلُ لأبي يوسُفَ.
ولو ترك المُعتَقُ ابنَ المُعتقِ بالكسر وجده، فالولاء كلُّه للابنِ بالاتفاق. قال شيخُ الإسلامِ خُوَاهَرْ زادَهُ: ولو ترك جد المعتق وأخاه، كان الولاء كله للجد عند أبي حنيفة؛ لأنه أقرب إلى الميت في العصوبة من الأخ على مذهبه، وعندهما الولاء بينهما نصفين.
الجزء 1 · صفحة 56
وذكر محمد في كتاب الولاء عن كبارِ الصَّحابة، كعمر وعلي وابن مسعودٍ وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وغيرهم أنهم قالوا: الولاء للكُبْرِ، فاستدل بعض الفقهاء بظاهره على أنَّ الولاء لأكبر بني المُعتِق سِنَا بَعْدَ موتهِ، فَإِنَّه قائمٌ مَقامَهُ في العشيرة حينئذ.
لكنَّ المذهب عندَنا أَنَّ المراد بالكُبْر: القُربُ، فيُقدَّم في استحقاق الولاء أقرب بني المعتق يوم موته، حتى إن مات المُعتق عن ابن وابنِ ابنِ آخر، كان الولاء لابنه؛ لأنه أقرب.
ومَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مُحرَّمٍ منه، سواءٌ كان أصوله أو فروعه، أو ابنَ الأخِ أو ابنَ الأختِ، أو العم أو الخالَ عَتَقَ عليه عقِبَ التملك، أرادَ عِنْقَهُ أو لَمْ يُرِدْ، ويكونُ بعدَما عَتَقَ عليه ولاوه له
وتفصيلُ الكلام في هذا المقام: أن القرابة على ثلاثة أنواع:
منها: القريبة، وهي ذو الرَّحِمِ المحرَّمِ مِن الولاء، إما بطريق الأصلية، كالأبوين والأجداد والجداتِ وإنْ عَلَوا، وإما بطريق الفرعية، كالأولاد وأولادِ الأولاد من الذكور والإناث وإنْ سفَلوا، فمَنْ مَلَكَ واحداً من هؤلاء عَتَقَ عليه اتفاقاً، أرادَ عِتْقَه أو لم يُرِدْهُ. ومنها: المتوسطة، وهي قرابة المحارم غيرِ العَمُودَيْنِ، وهم الإخوة والأخواتُ وأولادهما وإنْ سفَلوا، وقرابة الأعمام والعمات والأخوال والخالاتِ دونَ أولادهم، فمَن ملك واحداً من هذه المحارمِ عَتَقَ عليه أيضاً عندنا خلافاً للشافعي.
ومنها: البعيدة، وهي ذو الرَّحِمِ غير المحرم، كأولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات، فمَن مَلَكَ واحداً منهم لم يَعْتِق عليه اتفاقاً.
الجزء 1 · صفحة 57
فللشافعي في مسألة الخلاف: أنَّه ليس بينهما؛ أي: بين المالك والمملوكِ قرابةٌ جزئية، كما في الأصول والفروع، فلا يَعْتِقُ أحدهما على صاحبه، كأولادِ الأعمام. ولنا خصوصاً: ما رُوي عن ابنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رجلاً قال لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي وجدتُ أخي يُباع في السُّوقِ فاشتريته، وأنا أُريدُ أنْ أُعتقه، فقال عليه السَّلامُ: قد أعتقهُ الله». .
وعموماً: قوله عليه السَّلام: «مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحرَّمٍ، فهو حُرٌّ». رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم في مستدركه» عن جابر بن سمرة.
وذهب إليه أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتابعين، وهو مذهب أحمد ابن حنبل.
وذهب مالك إلى أنه يَعْتِقُ عليه الولد والوالدان والإخوة، ولا يَعْتِقُ غيرهم، والله سبحانَهُ أعلم.
***
باب الحجب
هو لغةً: المنعُ، ومنه: الحِجابُ، لستر الباب، والحاجِبُ للبوابِ. واصطلاحاً: منعُ شخص مُعيَّن عن ميراثهِ كلَّه أو بعضه بوجودِ شخص آخر.
وهو نوعان:
أحدهما: حَجْبُ نُقصان؛ أي: النقل عن أكمل ما يستحقه إلى ما دونه، وهو حجب لذوي الفروض عن سهم أكثر إلى سهم أقل منه، وذلك؛ أي: حَجْبُ النقصان لخمسة نفر من الورثة: اللزوجين والأم وبنتِ الابن والأخت لأب كما مر بيانه في هؤلاء.
فالزوج يُحجب من النصفِ إلى الربع بوجودِ الولد أو ولد الابن، وكذا الزوجةُ من الربع إلى الثُّمن بوجودِ أحدهما، والأم تُحجبُ مِن الثَّلْثِ إِلَى السُّدسِ بوجودِ أحدهما أو باثنين من الإخوة والأخوات، وبنتُ الابنِ تُحجب مع بنتِ الصُّلْبِ من النصف إلى السُّدسِ تكملة للثَّلثين، والأختُ لأَبِ تُحجب مع الأخت لأب وأم مِن النَّصفِ إلى السُّدسِ أيضاً تكملة للثلثين.
الجزء 1 · صفحة 58
و ثانيهما: حَجْبُ حِرْمانِ ويقال له حَجْبُ إسقاط، وهو أن يُحجب عن الإرث بالمرة، فيكون محروماً بالكلية، فالأقرب منهم يَحْجِبُ الأبعد، كالجد مع الأب، فإنَّ الأَبَ يَحجِبُ الجِدَّ حَجْبَ حرمان.
والورثة فيه؛ أي: في حَجْبِ الحِرمان وبالقياس إليه، فريقان: فريقٌ لا يُحْجَبونَ هذا الحَجْبَ بحال البتةَ، وإنْ كان البعض منهم يُحجب حَجْبَ النقصانِ، وهم ستة ثلاثةُ من الرِّجالِ: الابنُ والأب والزوج، و ثلاثةٌ من: النساء: البنتُ والأم والزوجة.
وفريقٌ يرثونَ بحالٍ ويُحجبونَ حَجْبَ الحِرمان بحال أخرى وهم غيرُ هؤلاء الستة المذكورة من الورثة، سواء كانوا عَصَباتٍ أو ذوي فروض؛ لأنَّهم يُدْلُونَ إلى الميت بواسطة الغير، فيُحجبون به.
وهذا؛ أي: حَجْبُ الحِرمانِ في الفريق الثاني مبني على أصلين:
الأَوَّلُ: أَنَّ كلَّ مَن يُدلي؛ أي: ينتمي وينتسب إلى الميت بشخص؛ أي: يرثه بسبب شخص لا يَرِثُ مع وجودِه؛ أي: ذلك الشخص؛ كابن الابن؛ فإنَّه لا يرتُ مع الابنِ؛ لِمَا مر من عدم إرثِ الجَد مع وجودِ الأب للأقربيَّةِ، وكذا الإخوة والأخواتُ يَسقطن بالابن وابن الابن وإنْ سفَل، وبالأب والجد وإِنْ عَلَا؛ لِمَا مَرَّ مِن الأصل الأعلى، وكذا أولاد الأم يسقطون بالابن وابن الابن وإنْ سفَلَ، وبالأبِ والجد وإِنْ عَلَا، وبالأخ لأب وأم أيضاً، إِلَّا أَولادَ الأُمِّ؛ فَإِنَّهم يرثون معها؛ أي: مع الأم من جهة واحدة، مع أنهم يُذلون إلى الميت بها، وذلك لانعدام استحقاقها جميع التركة ..
وتحقيق هذا الأصل: أنَّ الشخص المُدلَى بِهِ إِنِ اسْتَحَقَّ جَميعَ التركةَ لَم يَرْثِ المُدلي مع وجوده، سواء اتحدا في تسبب الإرثِ؛ كما في الأب والجد، والابنِ وابنه، أو لم يتحدا كما في الأبِ والإخوة والأخوات، فإنَّ المدلى به لمَّا أَحرزَ جَميعَ المال لم يَبْقَ للمدلي شيء أصلاً.
الجزء 1 · صفحة 59
وإنْ لم يَستحقَّ المُدلَى به الجميعَ: فإن اتحدا في السبب كان الأمر كذلك؛ كما في الأم وأم الأمّ؛ لأنَّ المُدلَى به لمَّا أخذ نصيبه بذلك السبب لم يبق للمدلي من النصيب الذي يُستحَقُّ بذلك السبب شيء، وليسَ له نصيب آخر، فصار محروماً، وإن لم يتَّحِدا في السبب كما في الأم وأولادها، فإنَّ المُدلَى به حينئذ يأخذُ نصيبَهُ المُستنِدِ إلى سببه، والمُدلي يأخذُ نصيباً آخر مستند إلى سبب آخر، فلا حرمان، فتدبَّر.
والأصل الثاني: الأقرب فالأقرب كما ذكرنا في العَصَباتِ أنهم يُرجّحونُ بقرب الدرجة، فالأقرب منهم يحجب الأبعدَ حَجْبَ حِرمان، سواء اتحدا في السببِ أو لا، وهذا جارٍ في غيرهم أيضاً، لكن إذا كان هناك اتحاد السبب كما في الجدَّاتِ مع الأم، وفي بنات الابنِ مع الصُّلبيَّتين، وفي الأخوات لأب مع الأختين لأب وأم، فإذا أخذَ البناتُ الثُّلثين سقطت بناتُ الابن؛ لأنَّ إرثهنَّ كان تكملة للتلثين، وقد كَمُل، فسقطن، إذ لا طريق لتوريثهما فرضاً وتعصيباً، إلا أن يكون معهنَّ أو أسفَلَ منهنَّ ذَكَرُ، فيُعبَ مَن كان بحذائِهِ أو مَن كانت فوقه ممن لم تكن ذات سهم.
ثُمَّ الأصل في بناتِ الابن عند عدم بنات الصلب: أنَّ أقربهن إلى الميت يُنزّل منزلة البنتِ الصُّلبيَّة، والتي تليها في القُربِ منزلة بنات الابن، وهكذا يُفعل وإِنْ سَفَلنَ.
وإذا أَخَذتِ الأخواتُ لأب وأم الثلثين سقطت الأخواتُ لأَبِ وَأُمِّ، إِلَّا أَنْ يكون معهنَّ أخ لأب فيعصبهن، كما في بنات الابن.
والمحروم عن الميراثِ بالكُليَّةِ، احتراز من المحجوب حجب نقصان لما سيأتي، فالمحرومُ عن الإرث بسببِ الرّقيَّة، أو القتل مباشرةً، أو اختلافِ الدارين أو الدين، لا يحجب عندنا غيره أصلاً، لا حَجْبَ حِرمان ولا حَجْبَ نقصان، وهو قول عامة الصحابة.
الجزء 1 · صفحة 60
رُويَ أَنَّ امرأةٌ مُسْلِمةً تركت زوجاً مسلماً، وأخوين من أُمِّها مسلمين، وابناً كافراً، فقضى فيها علي وزيد بن ثابت بأنَّ للزوج النصف، ولأخَوَيهِ الثَّلَثَ، وما بقي فهو للعَصَبة.
وعند ابن مسعودٍ يَحجب المحرومُ حَجْبَ النقصانِ لا حَجْبَ الحِرمانِ، ففي المسألة المذكورة يكون عنده للزوج الربع، وللأخوين الثلث، والباقي للعَصَبِة. وعنه رواية أخرى أيضاً، وهي أنه جعل في تلك الصورة للزوج الربع، ولم يجعل للأخوين شيئاً، بل حكم بأنَّ ما بَقِيَ للعصبة، فعنه في حَجْبِ المحروم لغيره حجب الحرمان روايتان.
كالكافر والقاتل والرقيق هذه أمثلةُ المحرومِ الذي لا يحجب عندنا أصلاً ويحجب عندَ ابنِ مسعود حجبَ النُّقصانِ.
دليله على ذلك: أنَّ هذا الحَجْبَ ثبت في النص باسم الولد والأخ، وهذا الاسم يتناول المسلم والكافر، والحُرَّ والعبد، والقاتل غيره، فالتقييد بكون الولد أو الأخ وارثاً زيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت إلا بما ثبت به النسخُ.
وأمَّا حَجْبُ الحِرمانِ فهو باعتبار تقديم الأقرب على الأبعد، وإنما يتصوَّرُ ذلك إذا كان الأقرب مستحقاً، بخلاف حجبِ النُّقصانِ، فَإِنَّه نقل من الأكثر إلى الأقل، ولا رق في هذا المعنى بينَ أن يكونَ الحاجب وارثاً أو غير وارث.
ولنا: أنَّ الاسم وإنْ كان أعم لكن ذكرَهُ في آية المواريث يدلُّ على أنَّ المراد الوارث، فإِنَّ مَن لا يَصْلُحُ للميراثِ أصلاً ـ
كالكافر ـ جُعِلَ في استحقاق الإرث كالميت، فكذا يجعل في حقٌّ الحَجْبِ بمنزلته أيضاً؛ لفَوَاتِ الأهلية، بخلاف الإخوة مع الأب، فإنهم يحجبونَ الأم من الثَّلث إلى السُّدس، ولا يجعلون كالموتى وإن كانوا لا يرثون مع الأبِ؛ لأنَّ أهليَّةَ الإرث ثابتةٌ لهم، وإنما لم يَرِثوا في هذه الحالةِ لفقدانِ شرط، هو عدم الأب.
الجزء 1 · صفحة 61
وأيضاً إذا لم يحجب الكافرُ حجبَ الحِرمان كما في الرواية المشهورة عنه، فكذا لا يحجب حجب النقصان، إذ لا فرق بينهما؛ لأنَّ في الحرمانِ تقديم الأقربِ على الأبعدِ في الكلِّ، وفي النقصانِ تقديم الحاجب على المحجوب في البعض، فإذا كانت صفة الوراثة في الحاجب شرطاً هناك، كانت أيضاً شرطاً هاهنا.
هذا وقد ادعى الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء» أنهم قد أجمعوا على أنَّ من خلف أباً مملوكاً أو كافراً، وجداً حراً مسلماً، فإنَّ جدَّهُ يرثُ منه، فقد جُعَلَ الأبُ بمنزلة العدم، فلم يُحْجَبْ به الجد أصلاً.
والمحجوب حَجْبَ حِرمان يَحجِبُ غيرَه كِلَا الحَجْبَينِ اتَّفاقاً بيننا وبينَ ابن مسعود، كالاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهةٍ كانا؛ أي: من الأبوين كانا أو من أحدهما، فإنَّهما لا يرثانِ مع الآبِ ولكنْ يَحجِبانِ الأُم من الثُّلث إلى السُّدس؛ أي: من ثلث الكلِّ إلى السُّدسِ في غير مسألتي زوجين وأبوين، ويُردُّ فيهما إلى ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين؛ وذلك لأنَّ إرثَ الإخوة مشروطة بالكلالة، وإرثَ الأمّ الثُّلَثَ مشروط بعدم الاثنين من الأخوة.
***
باب العول
هو لغةً: الميل إلى الجَوْرِ، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] أي: أقرب أن لا تجوروا.
واصطلاحاً: أن يُزادَ على المخرج؛ أي: مَخْرَجِ الفَرْضِ من النصفِ والربع والثَّمَنِ والثَّلانِ والثَّلث والسدس، جزء من أجزائه كدسه أو ثلثه، إلى غير ذلك من الكسور الموجودة فيه، إذا ضاقَ المَخرَجُ عن فَرْضِ. وحاصله: أن المخرج مهما ضاق عن الوفاء بالفروض المجتمعة فيه تُرفعُ التركة إلى عدد أكثر من ذلك المخرج، ثُمَّ تُقسَّمُ التركةُ حتى يدخل النقصانُ في فرائض جميع الورثة على نسبةٍ واحدةٍ.
الجزء 1 · صفحة 62
وأول من حكم بالعول عمر رضي الله عنه، فإنَّه وقع في عهده صورة ضاق مَخرجُها عن فروضها، فشاور، الصحابة، فأشار العبّاسُ إلى العول، وقال: أعِيلُوا الفرائض. فتابعوه على ذلك، ولم ينكره أحدٌ إِلَّا ابنه بعد مدة، فقيل له: هلا أنكرته في زمن عُمَرَ، فقال: هِبْتُه، وكان مَهيباً، وسأله رجلٌ: كيف تصنعُ بالفريضة العائلة؟ فقال: أُدخِلُ الضرر على مَن هو أسوأ حالاً، وهُنَّ البنات والأخوات، فإنَّهنَّ يُنقَلْنَ من فرض مقدَّرٍ، وهو النصف، إلى فرض غير مقدر، وهو حال التعصيب بأخيها، فقال الرجل: ما تُغنيك فتواك شيئاً، فإنَّ ميراثك يُقسم بين ورثتك على غير رأيك، فغضب وقال: هلا تجتمعون حتى نَبْتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إنَّ الذي أَحْصَى رمل عالجِ عَدَداً لم يَجْعَلْ في مال نصفين وثلثاً.
ويؤيد كلامه: أنَّه إذا تَعَلَّقَ حقوق بمال لا يفي بها يُقدَّمُ ما هو أقوى، كالتجهيز والدين والوصية والإرثِ، فإذا ضاقت التركة عن الفروض يُقدّم الأقوى، ولا شك أنَّ مَن ينتقِلُ مِن فرض مُقدَّرٍ إلى فرض آخَرَ مقدَّرٍ يكونُ صاحب فرض من كل وجه، فيكون أقوى ممن يُنقل من فرض مقدرٍ إلى فرض غير مقدر؛ لأنه صاحب فرض من وجه وعصبة من وجه، فإدخال النقصان أو الحرمانِ عليه أَوْلى؛ لأنَّ ذوي الفُروض مقدَّمونَ على العَصَباتِ.
الجزء 1 · صفحة 63
ولنا: أن أصحاب الفروض المجتمعةِ في تلك الصورة قد تساووا في سببٍ الاستحقاق، وهو النص، فيَتَساوَوْنَ في الاستحقاق، وحينئذ يأخُذُ كلُّ واحدٍ منهم جميع حقه إنِ اتَّسع المحل، ويُضرب بجميع حقه إذا ضاق المحل، كالغُرماء في التركة، فإذا أوجب الله تعالى في مالٍ نصفين وثلثاً مثلاً، عُلِمَ أَنَّ المراد الضرب بهذه الفروض في ذلك المال استحالة وفائه بها، بخلافِ التَّجهيز وأَخَواتِهِ فإنَّها حقوق مرتبةٌ كما سبق، والنقل من الفرض إلى العصوبة لا يوجِبُ ضَعفاً؛ لأنَّ العُصوبةَ أقوى أسباب الإرث، فكيف يثبتُ النقصان أو الحرمان بهذا الاعتبار في بعض الأحوال؟! فإذَنْ الحقُّ ما عليه عامَّةُ الصحابة وجمهور الفقهاء.
وإنَّما تَعُولُ السنّة إلى عشرة وتراً وشَفعاً؛ أي: تعول بسدسها? إلى سبعة فيما إذا اجْتَمَعَ نصفٌ وثُلثان، كزوج وأختين لأب وأم، أو اجْتَمَعَ نصفانِ وسُدس، كزوج وأخت لأب وأم وأخت لأب، وتعولُ بثلثها إلى ثمانية إذا اجتمع نصف وثلثانِ وسدس، كزوج وأختين لأب وأم وأم، أو اجتمعَ نصفان وثلث؛ كزوج وأخت لأبِ وأم وأختين لأم، وتَعُولُ بنصفها إلى تسعة إذا اجْتَمَعَ نصفُ وثلثان وثلث، كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم، أو اجْتَمَعَ نصفان وثلث وسدس؛ كزوج وأخت لأب وأم وأختين لأم وأمّ، وتَعُولُ بثُلُثَيها إلى عشرة إذا اجْتَمَعَ نصف وثلثان [وثلث] وسدس، كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم وأم.
وهذه المسألة تسمى شريحية؛ إذ قضى شريح فيها بأنَّ للزوج ثلاثة من عشرة، فجعل الزوج يطوفُ في البلاد، ويسأل الناس عن امرأةٍ خلفتْ زوجاً ولم تترك ولداً ولا ولد ابن، ماذا يُصيبُ الزوج؟ وكانوا يقولون: النصف، فيقولُ: لم يُعطني شريح لا نصفاً ولا ثلثاً، فبلغه ذلك فطلبه وعزّره، وقال: سبقني بهذا الحكم إمام عادل ورع، وأراد به عمر رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 64
وتعول اثنا عشر إلى سبعةَ عشرَ وِتراً لا شَفْعاً؛ أي: تَعولُ بنصف سُدسِها إلى ثلاثة عشر إذا اجتمع ربع وثلثان وسدس، كزوجة وأختين لأب وأم وأخت لأم، وتعولُ بربعها إلى خمسة عشَرَ إذا اجتمعَ ربع وثلثانِ وثُلثٌ، كزوجةٍ وأختين لأب وأم وأختين لأم، أو اجْتَمَعَ ربع وثلثانِ وسُدُسان، كزوجةٍ وأُختينِ لأب وأم وأخت لأم وأمّ، وتعول بسدسها وربعها إلى سبعةَ عَشَرَ إِذا اجتمعَ ربع وثلثان وثلث وسدس، كزوجة وأختين لأب وأم وأختين لأم وأم.
وتعول أربعة وعشرون إلى سبعة وعشرين عولاً واحداً في المسألة المنبريَّة التي اجتمع فيها الثُّمُنُ والثَّلثانِ والسُّدسانِ، وهي امرأةٌ وبنتان وأبوان؛ وإنَّما سميت منبرية؛ لأنها سُئِلَ عنها عليّ كرَّم الله وجهه على منبر الكوفة، فأجاب عنها بديهةً، فقال السائل متعنّاً: أليس للزَّوجةِ الثُّمُنُ، فقال: صارَ ثُمنْهَا تُسُعاً، ومضى في خطبته، فتعجبوا مِن فِطنته، ودقة فهمه، وسرعة دَركِهِ.
ووجه قوله: صار ثمنها تسعا: أنَّ للمرأةِ النُّمُنَ، وهي ثلاثة أسهم مِن أربعة وعشرين؛ فإذا عالَتْ إلى سبعة وعشرين، فهي تُسُعُها. وكان رضي الله عنه فارِها في علم الحسابِ غايةَ الفَراهةِ، حتى رُويَ أَنَّ نصرانياً جاء إلى النبي الله فقال: إنَّكم تقرؤون في كتابكم: ثَلَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ونحن نجد في كتابنا ثلاث مئة سنين، فلا يستقيم هذا، ويُخالفُ كتابنا كتابكم، فقال علي: هذا مستقيم؛ لأنَّ ثلاث مئة سنين في كتابكم على حساب اليونانية، وعلى حساب العرب ثلاث مئة وتسع، فتعجب النصراني من جوابه على البديهة وآمن.
ولهذا قيل: إنَّ عليَّا كان مُعجزةً مِن معجزات النبي؛ لأنَّه مع تبحره في العلوم وشجاعته في الحروبِ كان مُنقاداً ومُطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومُقرَّاً بنبوته، وهذا كما قيل: إنَّ أبا حنيفة كان معجزةً من معجزاته، كذا في «شرح خُوَاهَرْ زادَهُ».
الجزء 1 · صفحة 65
وأنا أقولُ: كلُّ من العلماء الكرام والمشايخ العِظَامِ معجزة من معجزاته عليه السلام، فكرامات الأولياء من بعض معجزاتِ الأنبياء.
هذا، ولا يزاد عول أربعة وعشرين على سبعة وعشرين إلا عند ابن مسعود، فإنَّ عنده تعولُ إلى أحدٍ وثلاثين بزيادة سدسِها وتُمنها عليها، كامرأةٍ وأم وأختين لأب وأم وأختين لأم وابن محروم، إذ عندَه يَحْجُبُ هذا الابنُ الزوجةَ مِن الرُّبعِ إِلى الثُّمن، وإِنَّما عالتْ إلى أحدٍ وثلاثينَ إذ للزَّوجةِ الثُّمن، وهو ثلاثة، وللأم السُّدسُ، وهو أربعة، وللأختين لأب وأم الثَّلثان، أعني: ستَّةَ عشرَ، وللأختين لأمّ القُلثُ، وهو ثمانية، فالمجموع أحدٌ وثلاثونَ. وعند غيره هذه المسألةُ من اثني عَشَرَ، وَتَعولُ إلى سبعةَ عَشَرَ.
وقد أسقطنا بعض الأبوابِ مِن هذا الكتاب؛ لأنه من جملة علم الحساب، وقال عليه السلام: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب» رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عُمر.
***
بابُ الرد
وهو ضِدُّ العَول، إذ بالعَول ينتقص سهام ذوي الفُروضِ وَيَزدادُ أَصلُ المسألة، وبالرد يزداد السهام وينتقص أصل المسألة.
فنقول: ما فضَلَ مِن المخرج عن فرض ذوي الفروض ولا مُستحِق له من العصبة، يُردُّ ذلك الفاضل على ذوي الفروض النَّسَبيةِ بِقَدْرِ حُقوقِهم؛ أي: على حَسَبِ النِّسَبِ بين سهامهم، إلا على الزوجين؛ فإِنَّهُ لا يُردُّ عليهما كما سبق في صدر الكتاب.
وهو؛ أي: الردُّ على الوجه المذكور قول عامة الصحابة؛ أي: جمهورهم، كعلي ومَن تابعه، وبه أخذ أصحابنا، حيثُ قالوا: يُردُّ على ذوي الفُروض النَّسَبيةِ بقَدْرِ حقوقهم، ولا يُردُّ على ذوي الفُروض السَّبَيَّة.
الجزء 1 · صفحة 66
وقال زيد بن ثابت: لا يُردُّ الفاضل على ذوي الفُروض مطلقاً، سواء كانت نَسَبيَّةً أو سَببيَّةٌ، بل هو لبيتِ المالِ وبه أخَذ عروة بن الزبير والزهري ومالك والشافعي. لكنَّ المُحققين من أصحاب الشافعي قالوا: لو انْدَرَسَ بيت المال يُردُّ الفاضل
على ذوي الفروض بنسبة فرائضهم وإلا كان لبيتِ المالِ. ويُروى عن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّه لا يُردُّ على ثلاثة: الزوجين والجدَّةِ.
وقال عثمانُ: يُردُّ على الزوجين أيضاً.
وفي فتاوى الفقيه أبي الليثِ: أنَّ في زماننا هذا يُرد على الزوجين؛ لفسادِ بيت المال.
احتجَّ مَن أَبى الردَّ: بأنَّ الله تعالى قدَّرَ نصيب أصحاب الفرائض بالنص الظاهر، فلا يجوز أن يُزادَ عليه، وبأنَّ الفاضل عن فروضِهم مال لا مستحق له، فيكون لبيتِ المال، كما إذا لم يترك وارثاً أصلاً، اعتباراً للبعض بالكل.
ولنا قوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]؛
أي بعضُهم أولى بميراث بعض بسبب الرَّحِمِ. فهذه الآية دلت على استحقاقهم جميع الميراثِ بصِلَةِ الرَّحِم، وآية الميراث أوجبت استحقاق جزء معلوم من المال لكل واحد منهم، كالنَّصفِ والثمن ونحوهما، فوجب العمل بالآيتين بأن يُجعل لكل واحد فرضُه بتلك الآيةِ، ثُمَّ يُجعَلُ ما بقيَ مُستحَقَّاً لهم بالرَّحِم بهذه الآية، ولهذا لا يرد على الزوجين لانعدام الرَّحِمِ في حقهما.
وأيضاً لما دخل صلى الله عليه وسلم على سعد بن أبي وقاص يَعودُه، قال سعدٌ: أَمَا إِنَّهُ لا تَرِثُني إلا ابنة لي، أفأُوصي بجميع مالي؟ الحديثَ كما في «المشكاة»، إلى أن قال عليه السلام: «الثَّلث خيرٌ، والثلثُ كثير».
الجزء 1 · صفحة 67
فقد ظهر أنَّ سعداً اعتقد أنَّ البنت ترثُ جميع المال ولم يُنكر عليه النبي، ومنعه عن الوصيَّةِ بما زاد على الثَّلث، مع أنَّه لا وارثَ له إِلَّا ابنةٌ واحدةٌ، فدل ذلك على صحة القول بالرد، إذ لو لم تستحِقَّ الزيادة على النصف بالرد لجوَّزَ الوصية له بالنصف، كذا ذكره السيّدُ السَّندُ لكنْ لا يَخْفَى عدم ظهورِ اعتقادِ سعدٍ أَنَّ البنتَ ترثُ جميع المال، فإنَّه لم يكنْ مِن الجُهَّال، والله أعلم بطويَّةِ البالِ وحقيقة الحال.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أَنَّه عليه السلامُ ورَّثَ المُلاعِنَةَ من ولدها؛ أي: جميع المال، ولا يكون ذلك إلَّا بطريق الرد. وفي حديثِ وائلةَ بنِ الأَسقَع: أنَّه عليه السلام قال: «تحرزُ المرأةُ ميراثَ لَقِيطِها وعتيقها والابن الذي لُوعِنَتْ به».
وإنما قدم الرد على ذوي الأرحام؛ لأن أصحاب الفروض بعد إحراز الفريضة صاروا من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام بعضُهم أولى ببعض.
ومن جملة أصحاب الفروض التي يُردُّ عليها: البنتُ، والبنتُ أقرب إلى الميت من جميع ذوي الأرحام، فيجب الرد عليها لقُربها، والله سبحانه أعلم.
باب مقاسمة الجد
بنو الأعيان وبنو العلات من الإخوة والأخوات لأب وأم لا يَرِثُونَ مع الجد، كما لا يرثون مع الأب، بل الجد يستبد بجميع المال كالأب، وهذا قول أبي بكر الصِّدِّيقِ ومَن تابعه من الصحابة، كابن عباس وابن الزبير وابن عمر وحذيفة بن اليَمَانِ وأبي سعيد الخدري وأبي بن كعب ومعاذ بنِ جَبَلٍ وأُبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم.
وبه قال أبو حنيفة وشُريح وعطاء وعُروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن وابنُ سِيرين.
وبه يُفتى عند الحنفية. .
وقالا: لا يرثون معه؛ أي: مع الجد، وهو قول علي وابن مسعود وزيد ابن ثابت، وبه قال مالك والشافعي
وأما بنو الأَخْيافِ: فيسقطون مع الجد إجماعاً.
الجزء 1 · صفحة 68
وتَوقَّفَ بعضُ العُلماء في مسألة الجد، كما توقف أبو حنيفة في مسألةِ الدَّهرِ في باب اليمين، ووقتِ الختان، وأطفال المشركين.
وامْتَنَعَ جماعة عن الفتوى في الجد، وحُكي عن عليٍّ أَنَّه قال: سَلُوني عن المُعضلاتِ إِلَّا مسألةَ الجدّ.
وقال محمد بن مَسْلَمَةَ: يُقضَى فيها بالصلح.
وقال محمدُ بنُ الفضل البخاري: يُدفَعُ إليه السدس الذي اجتمعت عليه الصحابة، ويصطلح عن الباقي.
وقد اختار أبو حنيفة قول أبي بكرٍ؛ لأنه ثبت على قوله، ولم تختلف عنه الرواية.
وأما عمر، فقد رُوي عن عبيدةَ السَّلْمانيّ أنَّه قال: حَفِظْتُ عن عمر في الجد سبعين قضيةً يخالف بعضها بعضاً.
وفي رواية: أنَّ عمر خطب الناس، فقال: هل رأى أحد منكم النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجد بشيء؟ فقال رجل: رأيته حكَمَ للجدّ بالسُّدس، فقال: مع من كان من الورثة؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت، ثُمَّ قام آخر، فقال: رأيته قضى للجد بالثلث، فقال: مع من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، قال: لا دريت.
وعلى هذه الوتيرة شهد ثالث بالنصفِ، ورابع بالجميع، ثُمَّ إِنَّه جمع الصحابة في بيت ليتفقوا في الجد على قول واحد، فسقطت حيَّةٌ من السَّقفِ، فتفرقوا مذعورينَ أي: مفزوعين - فقال عمرُ: أَبَى اللهُ أَنْ يَجتمعوا في الجد على شيء.
وممَّا يُؤيد ما اختاره أبو حنيفة ما نُقِلَ عن ابن عباس أنه قال: أَلَا يَتَّقي الله زيدٌ؟!
يجعل ابن الابنِ ابناً، ولا يَجعلُ أبَ الأب أبا.
ومعناه: أنَّ الاتصال والقُربَ مِن الجانبين يكون على صفةٍ واحدةٍ، فإذا مات
الجد قامَ ابنُ الابنِ مَقامَ الابن في حجب الإخوةِ، فكذا إذا مات ابن الابن ينبغي أن يقوم أبو الأبِ مَقامَ الأب في حَجْبِهم أيضاً.
ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ عليَّا وابن مسعودِ وزيد بن ثابت بعد اتفاقهم على توريث الإخوة
الجزء 1 · صفحة 69
مع الجد اختلفوا في كيفية القسمة: فذهب علي إلى أنَّه يُقاسِمُ الإخوة ما لم يَنتَقِض حظه مِن السُّدس، فإذا انْتَقَصَ يُعطَى السدس.
فإذا كان معه أخَوانِ لأب وأم أو ثلاثة أو أربعة فالمقاسمة خير له؛ لأنَّه بمنزلة واحدٍ منهم، وإذا كانوا خمسةً فالمقاسمة والسُّدس سواء، وإن كانوا ستةً كان السُّدس خيراً له. وأيضاً بنو العلَّات لا يُعَدُّون في القسمة عنده، فإذا كان الجد مع أخ لأب وأم، وأخ لأب، كان المالُ نصفين بينه وبين الأخ لأبوين.
وأيضاً الجد عنده لا يُعصِّبُ الأخوات المنفردات أصلاً، بل تكون عنده صاحبة فرض، فإذا كانت معه أختُ لأب وأم وأخت لأب، فلِلْأُولى نصفُ المال، وللثانية شدسه، وللجد الباقي.
وذهب ابن مسعودٍ إلى أنَّ الجدَّ يُقاسِمُهم ما لم يَنتَقِض حظه مِن الثُّلث ?، وافق فيه زيداً، وأنَّ بني العَلَّاتِ لا يُعتد بهم في المُقاسمة مع بني الأعيان، وافق فيه عليّاً، وأنَّ الأخواتِ المُنفرداتِ ذواتُ فروض مع الجد كما عند علي.
وعند زيد بن ثابت: للجد مع بني الأعيانِ والعَلَّاتِ أفضلُ الأَمْرِينِ؛ من المُقاسَمةِ، ومِن ثلث جميع المال، إذا لم يختلط بينهم ذو سَهم. وقوله هذا مختارُ أبي يوسف ومحمد في القسم، دون قول علي وابنِ مسعود، ولهذا جُعِلَ متناً؛ لأنَّ مِن رَسْمِ المفتي أنه إذا كان أبو حنيفة في جانب، وصاحباه في جانب كان هو مخيَّراً في اختيار أي القولين شاء. فلا بد من معرفة قولهما المؤيَّد بقول زيد بن ثابت، وقد ثَبَتَ في الحديث أنه أفرضُ الصَّحابة.
الجزء 1 · صفحة 70
وتفسير المُقاسمة: أنْ يُجعَل الجدُّ في القسمة كأحد الإخوة، فيُقسَمُ المال بينه وبين الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، ويُجعل نصيبه مع الإخوة كنصيب واحد منهم؛ لأنه يُشْبِهُ الأبَ مِن جهةٍ ويُشْبِهُ الأخَ من جهة أخرى، فوفّرنَا عليه حقه من الشَّبَهين، فجَعَلْناه كالأب في حَجْبِ الإخوة لأم، وكالأخ في قسمة الميراث ما دامَتِ المقاسمة خيراً له، فإذا لم تكن خيراً له أعطيناه ثلث المالِ؛ لأنَّه مع الأولادِ يرثُ السُّدس، فمع الإخوةِ يُضاعَفُ ذلك.
وأيضاً إذا قسم المالُ بين الأبوين، فللأُمِّ الثَّلث وللآبِ الثَّلثان، وهما في الدَّرجةِ الأُولى، ولمَّا كان الجد والجدة فى الدرجةِ الثَّانية، وكان للجدَّةِ السُّدسُ، كان للجد ضِعْفُه، أعني الثَّلَثَ، فإذا كان مع الجدّ أخ واحدٌ أَخذَ بالمقاسمة نصف المال، فهي خير له من الثلث، وإذا كان معهما أخوان فهما مُساوِيان، وإذا كان معه ثلاثة فالتلثُ خيرٌ؛ لأنَّ نصيبه بالمقاسمة حينئذ ربع، وإذا كانَتْ معه أُختان لأب وأم أو ثلاث، فالمقاسمة أنفع له، وإنْ كانَتْ أربع أخوات فهي والثَّلثُ سواءٌ، وَإِنْ زَادَتِ الأخوات على أربع كان الثَّلُثُ خيراً له.
وبنو العلّات يدخلونَ في القِسمةِ مع بني الأعيان إضراراً للجد، فإذا أخذ الجد نصيبه فبنو العلَّاتِ يَخرجون من البَينِ خائبِينَ بغير شيء، والباقي من المالِ بعد نصيب الجد لبني الأعيانِ يتقاسمونه فيما بينهم للذَّكَرِ مِثْلُ حَقٌّ الأُنثيين؛ وذلك لأنَّ بني العلَّاتِ يَرِثُونَ مع الجدَّ إِذا عُدِمَ بنو الأعيان ولا يرثون معهم، فلا بد من اعتبارِ إرثهم في حق الجد، واعتبار سقوطهم في حقّ بني الأعيانِ، فيُعَدُّونَ في القِسمةِ تقليلاً لنصيب الجد ولا يأخذون شيئاً.
الجزء 1 · صفحة 71
ونظيره: أن يخلَّفَ أمَّا وأخاً لأب، فللأم السُّدسُ اعتباراً للأخ من الأب في حجبها لكونه وارثاً معها في الجملة، مع أنه محجوب هاهنا بالأخ من الأبوين، فإذا كان مع الجد أخ لأب وأم وأخ لأب فالمُقاسمة وثلث المالِ سواء، فللجدِّ الثَّلث وللأخ من الأبوين الباقي، وخرج الأخُ لأب خائباً وإن دخل في الحساب.
ولو فرضنا بدل الأخ لأب أختاً لأب كانتِ المُقاسمة خيراً للجد، وتكونُ المسألة في خمسة، فللجد منها سهمان والباقي وهو ثلاثة للأخ من الأبوين، ولا شيء للأخت من الأب.
إلّا؛ أي: بنو العلاتِ يَخرجون مِن البَينِ بغيرِ شيءٍ إِلَّا إذا كانَتْ مِن بني الأعيان أختُ واحدةٌ، فإنها إذا أخذت فرضها؛ أي مقدار فرضِها، أعني: نصف الكُل بعد نصيب الجد، فإن بقي شيء بعد مقدارِ فَرْضِها فلِبَني العلَّاتِ، وإلا؛ أي: وإِنْ لَمْ يَبْقَ شيء بعد مقدارِ فَرْضِها فلا شيء لهم.
وإنما قلنا: مقدار فَرْضِها؛ لأنَّ الأخوات لأب وأم، أو لأبِ، يَصِرْنَ عصبةً مع الجد عند زيد، فلا يَبْقَى لهنَّ فرضٌ عندَه إِلَّا في مسألةِ الأكْدَريةِ كما سيأتي، لكنْ الأخت لأب وأم إذا كانتْ واحدةً لا يُزادُ على نصفِ المالِ ولا يُنقَصُ عنه مع وجودِ العلات، فتأخذُ مقدار فرضها كاملاً.
الجزء 1 · صفحة 72
ألا ترى أنه لو كان مكانَ الجد صاحبُ فَرْضِ سوى البنات وبنات الابن - وأما معهما فالباقي للأختِ - لأَخَذَ صاحبُ الفرض فرضَه، وكان للأختِ مِن الأبوين نصفُ المال، فإن بقي شيء كان لبني العلاتِ، فكذا يكون لها نصف المال مع الجد؛ فإن بقي شيء كان لهم. وذلك كجد وأخت لأب وأم وأختين لأب، فهاهنا المقاسمة خير للجد؛ لأنَّا نجعله كأخ، فكأنَّ في المسألة خمس أخوات، فللجد سهمان، فيبقى ثلاثةُ أسهم، فللأختِ مِن الأبوين نصفُ الكلِّ، وهو اثنان ونصف، فانكسرت المسألة فضَرَبْناها في مَخْرج النصف، صارت عشرة، فللجد أربعة، وللأختِ من أب وأم خمسةٌ، فبقي سهم واحدٌ لا يستقيم على الأختينِ، فَضَرَبْنا عدَدَهما العشرة صار الحاصل عشرين، فمنها تصح المسألة، فللجد ثمانية، وللأختِ من الأبوين عشرة، وللأختينِ مِنَ الأبِ اثنانِ.
وإلى هذا أُشير بقوله: فيَبْقَى للأختين لأبِ عُشْرُ المالِ وتصح من عشرين، وهذا مثالُ ما يَبْقَى لبني العلَّاتِ شيء.
وأمَّا مثالُ ما لا يَبْقَى لهم شيءٌ بعدما أخذتِ الأختُ لأب وأم فرضَها، فقوله: ولو كانت في هذه المسألة أخت واحدةٌ لأب مكان الأختين لأب لم يبق لها شيءُ؛ وذلك لأنَّ الجدَّ يأخذُ هاهنا بالمقاسمة نصف المال، وهو خير له من ثلثه، فيبقي نصفُ آخَرُ، فهو للأخت لأب وأم، فلم يَبْقَ للأختِ لأَبِ شيء.
وكذا الحال إذا كانَتْ مِن بني الأعيان أختانِ فصاعداً، فإنْ كان الثلث خيراً من المقاسمة أو مساوياً لها أخذَ الجدُّ الثَّلث، وكان الثَّلثانِ نصيبَ الأخواتِ مِن الأبوين، المقاسَمه خيراً أَخَذَ ما زاد على الثُّلث، فيبقَى مِن المالِ ما هو أقلُّ مِن وإن كانتِ الثلثين لتلك الأخوات فلهنَّ على التقديرِ الأَوَّلِ مقدار فرضِهنَّ، وعلى الثَّاني ما هو أقل منه، فلم يبق لبني العلاتِ شيء على التقديرين.
الجزء 1 · صفحة 73
وإذ اختلط بهم؛ أي: بالجد والإخوة من بني الأعيان أو العلاتِ، أو منهما في صورة المعادةِ، التي يُعدُّون في القسمة تقليلاً لنصيب الجد ولا يأخذون شيئاً كما مر ذو سهم، فللجد هاهنا أفضل الأمورِ الثَّلاثَةِ بعد فرض ذي السَّهم، أي: يُدفعُ إلى ذي السهم سهمه، ثُمَّ يُعطى الجدُّ ما هو أفضل الأمورِ الثَّلاثة، التي هي: المقاسمة المذكورة سابقاً، وثلث ما يبقى، وسدس المال، وذلك الأفضل من الأحوال.
جميع أمَّا المُقاسمة كزوج وجدٌ وأخ، فإنَّ المسألةَ مِن اثنين لوجودِ النَّصفِ، واحدٌ منهما للزوج، والآخَرُ للجد والأخِ مُناصَفةً، ولا يستقيم عليهما فَضَرَبْنا عددهما في أصل المسألةِ، حَصَلَ أربعة فللزوج اثنان ولكلّ واحدٍ من الجد والأخ واحد، فقد حَصَلَ له بالمقاسمةِ رُبُعُ جميع المال، وهو أفضل من سُدسه، وكذا من ثلث ما يَبْقَى هاهنا؛ لأنَّه سدس كلِّ المال أيضاً.
وأما ثلث ما يَبْقَى بعد فرضِ ذي السَّهم كجد وجدَّةٍ وأخوين وأختِ، فالمسألةُ هاهنا من ستة، للجدَّةِ السُّدسُ فيبقَى ولا ثُلثَ صحيح لها، فضَرَبنا مخرج الثَّلثِ في ستة، صار ثمانية عشر، فللجدَّة ثلاثة فيبقى خمسة عشر: ثلثها وهو خمسةٌ للجد، والباقي منها عشرة، فلكل من الأخوين أربعة، وللأخت اثنان.
وأما سُدس جميع المال كجد وجدة وبنت وأخوين فأصل المسألة من ستة؛ لاجتماع النصفِ والسُّدسِ، فللبنتِ نصفُها وهو ثلاثة، وللجدة سدسُها وهو واحد، فيبقى سهمان، فإن قاسم الجد الأخوين كان له ثلث السهمين، أعني: تلني سهم واحد، وإن أعطيناه ثلث ما يَبْقَى كان له أيضاً ثُلُنا سهم واحد، وإذا أعطينا سدس جميع المال كان له سهم تام فالسدس خير له، وحينئذ يَبْقَى للأخوين سهم واحدٌ لا يستقيم عليهما، فإذا ضَرَبْنا عدد رؤوسهما في الستة بلغ اثني عشر، ومنها تصح المسألة.
الجزء 1 · صفحة 74
وإذا كان ثلث الباقي خيراً للجد، وليس للباقي سهم صحيح، فاضْرِبْ مخرج الثلث في أصل المسألة المذكورة؛ لأفضلية ثلث ما يَبْقَى على المقاسمة وسدسِ كُلِّ المال، حيثُ ضَرَبْنا الثلاثة في الستَّةِ فصار ثمانيةَ عَشَرَ، وصح منها المسألة.
فإن تركت جدًّا، وزوجاً، وبنتاً، وأما، وأختاً لأب وأم أو لأب، فالسدس خيرٌ للجد، والمسألةُ مِن اثني عشر؛ لاجتماع النصفِ والربعِ والسُّدس وتعول المسألة إلى ثلاثة عشر، فالبنتُ تأخذُ النصفَ مِن اثني عَشَرَ، وهو ستَّةٌ، والزوج يأخذُ الرُّبعَ وهو ثلاثة، والجد يأخذُ السُّدسَ وهو اثنان، فيبقى للأم واحد ولا بدَّ لها من اثنين؛ لأنَّ حقها السُّدسُ فيزاد على اثني عشر واحداً وتصيرُ ثلاثة عشر، ولا شيء للأخت؛ لأنَّها تصير عصبةً مع البنات، وكذا مع الجد، وإذا عالتِ المسألة لم يبق للعصبة شيء، وأمَّا أَخْذُ الجدّ السُّدسَ فبالفَرْضِيَّة لا بالعَصَبيَّةِ.
واعلم أنَّ زيد بن ثابت لا يجعل الأخت لأب وأم أو لأبِ صاحبةَ فرضِ مع الجد، بل يجعلُها معه عصبة، إلا في المسألة الأكدرية، فإنه يجعلُها فيها صاحبة فرض مع الجد، وسُمِّيتْ أكْدَريَّة؛ لأنها واقعة امرأة من بني أَكْدَرَ، واشتبه على زيد مذهبه فيها، فنُسبت إليها.
الجزء 1 · صفحة 75
وهناك أقوال أخرى في سبب تسميتها، منها: أنها سميت بذلك لأنه تكدر فيها مذهب زيد، فاضطر وهي؛ أي: تلك المسألة: زوج وأمّ وجد وأختُ لأب وأم أو لأب، فللزوج النصفُ، وللأمّ الثُّلث، وللجدّ السُّدسُ، وللأختِ النَّصفُ، ثُمَّ يَضُمُّ الجد نصيبه إلى نصيب الأختِ فيَقسِمانِ مجموعَ النَّصِيبين للذَّكرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيين وذلك لأن المقاسمة خير للجد من السُّدسِ وثلث الباقي، وهذه المسألة أصلها من ستَّةِ؛ لاجتماعِ النصفِ والثَّلث والسُّدس، وتعولُ إلى تسعة، إذ للزوج من الستَّةِ ثلاثة، وللأم اثنانِ وللجدِّ السُّدسُ فلم يبقَ للبنتِ شيء، فزِدْنا على المسألة نصفها فصارت تسعةً، فللجد واحد وللأختِ ثلاثةٌ، ومجموع النصيبين أربعة، فيقسمها 1 على الجد والأختِ للذَّكر مثل حظ الأنثيين، ولا استقامة في القسمة؛ لأنَّ الجد بمنزلة أختين ولا يستقيم أربعة على ثلاثة فيُضرب الثلاثة التي هي - عدد الرؤوس في المسألة وعولها، أعني: التّسعة، وتصح من سبعة وعشرين، فللزوج منها تسعة، وللأم ستة، وللجد ثلاثة، وللأختِ تسعةٌ، ثُمَّ يُضمُّ نصيبُ الجدِّ إلى نصيب الأخت فيصير اثني عشر، فيُقسَمُ بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فللجد ثمانية وللأخت أربعة.
الجزء 1 · صفحة 76
فقد جَعَلَ زيد هاهنا الأخت ابتداءً صاحبةَ فَرْضِ؛ كيلا تحرم الميراث بالمرَّةِ، وجَعَلَها عصبة بالإخوة؛ لئلا يزيد نصيبها على نصيب الجد الذي كالأخ. ولو كان مكان الأختِ أخ أو أختان فلا عول؛ لأن سدس جميع المال خير للجد، والمسألة من ستة فيكونُ السُّدسُ الباقي بعد فرض الزوج والأم للجد بالفَرْضِ إذ لا ينقص حقه عن السُّدسِ إجماعاً، ولا شيء للأخ، كما لميكن شيء للأختِ في المسألة المتقدمة التي وقع فيها العَولُ من اثْنَي عَشَرَ إلى ثلاثةَ عشَرَ، وأُعطي الجدُّ منها السُّدسَ، ولا أكدريَّة أيضاً؛ لأنَّ الأَخَ عَصَبَةٌ لا يمكن لزيدٍ جَعْلُه صاحب فرض، فاضطر إلى حرمانه، بخلافِ الأختِ في الأكدريَّة، كما سبق تقريره في القضيَّة.
وأما أنه إذا كان مكانها أختان فلا عول أيضاً؛ فلأنهما تردَّانِ الأم من الثلث إلى السُّدس، والمسألة من ستة: فللزوج ثلاثة، وللأم واحد، وللجد أيضاً واحد، فيبقَى للأختين واحدٌ لا يستقيم عليهما، فضربنا عدد رؤوسهما في أصل المسألة، فبلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ؛ فمنها تَصِحُ المسألةُ، بخلافِ الأَكْدَرِيةِ إذ لم يَبْقَ فيها للأخت شيء، فوجب أنْ تَعُولَ على الوجه الذي تَقرَّرَ سابقاً، ولا أكدريَّةَ أيضاً؛ لأن أصول زيد هاهنا مستقيمة، والله أعلم.
باب ذوي الأرحام
ذو الرَّحِمِ في اللُّغةِ بمعنى: ذي القرابة.
وفي الشريعة: هو كلُّ قريب ليس بذي سهم؛ أي: ذي فرض مُقدَّرٍ في الكتاب أو السُّنَّةِ أو إجماعِ الأمَّة ولا عَصَبةٍ يُحرِزُ المال عند انفراده، وهذا تعريفُ ذي الرَّحم على اصْطِلاحِ الفَرضيّين، وإلا ففي الحقيقة لا يَخرجُ الوارثُ مِنْ أَنْ يكونَ ذَا رَحِمٍ.
الجزء 1 · صفحة 77
فعامَّةُ الصحابة؛ أي: أكثرهم؛ كعمر وعلي وابن مسعود وأبي عُبيدةَ بنِ الجراح و معاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عباس في رواية مشهورة عنه يَرَونَ توريث ذوي الأرحام، وتابعهم في ذلك من التابعين علقمة وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ وشريح والحسن وابن سيرين ومجاهد، وبه قال أَئِمَّتُنا أبو حنيفة وأبو يوسف و محمدٌ وزُفَرُ ومَن تابعهم ?، والتعبير في «السراجية» عن أئمتنا بـ أصحابنا ليس من اللائق بآدابنا.
وقال زيد بن ثابت وابنُ عبَّاس في رواية شاذة: لا ميراث لهم؛ أي: لذوي الأرحام، بَلْ يُوضعُ المال. عند عَدَمِ أصحاب الفرائض والعَصَباتِ في بيتِ المالِ، وتابعهما في ذلك من التَّابِعِينَ: سعيد بن المسيب وسعيدُ بنُ جبير، وبه قال مالكُ والشَّافعي احتجَّ النَّافونَ بأنه تعالى ذَكَرَ في آيات المواريث نصيبَ ذَوِي الفُروض والعَصَباتِ ولَمْ يَذكُرُ لذوي الأرحام شيئاً، ولو كان لهم حق لبينه، وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيا} [مريم: 64].
وبأنَّه عليه السَّلامُ لمَّا اسْتَخْبَرَ عن ميراث العمَّة والخالة، قال: «أخبرني جبريل أن لا شيء لهما»
ولنا: قوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] إذ معناه كما مرَّ: بعضُهم أولى بميراثِ بعض فيما كتب الله وحَكَمَ به؛ لأنَّ هذه الآيةَ نَسَختِ التوارثَ بالموالاة كما كان في ابتداء قدومه عليه السلام المدينة، فما كان لمولى الموالاة والمؤاخاة في ذلك الزمان صار مصروفاً إلى ذوي الرحم، وما بقي عندنا من إرث مولى الموالاة صارَ مُتأخّراً عن إرث ذوي الأرحام، كما سبق عليه الكلام، فقد شَرَعَ الله لهم الميراث بلا فَضْلٍ بين ذي رحم له فرض أو تعصيب، وذي رحم ليس له شيءٌ منهما، فيكون الإرث ثابتاً للكل بهذه الآية، فلا يحتاج إلى تفصيل كلهم في آيات المواريث.
الجزء 1 · صفحة 78
وقد رُوي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بين الصحابة، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]
فتوارثوا بالنَّسَبه.
وأيضاً روي عن أبي أمامة بن سهل: أنَّ رجلاً رَمَى بسهم إلى سهل بنِ حنيف فقتله، ولم يكن له وارثُ إِلَّا خاله، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فأجابه: بأنَّ النبي عليه السلام قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارِثُ مَن لا وارِثَ له» رواه الترمذي وحسنه.
وعن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم: منْ تَرَكَ مالاً فلوَرَثَتِهِ، وأنا وارث مَن لا وارِثَ له، أَعْقِلُ عنه وأَرِثُه، والخال وارثُ مَن لا وارِثَ له، يَعْقِلُ عنه ويَرِثُه». رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
وحين مات ثابتُ بنُ الدَّحداح، وكان غريباً لا يُعرَفُ من أين هو، قال عليه السلام لعاصم بن عدي: هل تعرفونَ له فيكم نسباً؟ قال: لا يا رسول الله، فدعا عليه السلام أبا لُبابةَ بن المنذرِ ابنَ أَختِهِ فأعطاهُ ميراثَهُ.
قال الطحاوي: هذه آثارٌ مُتَصلةٌ، قد تَوَاتَرَتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا كانت الصحابة رضي الله عنهم.
لا يُقالُ: المقصود بهذا الكلام النفي دون الإثبات، كقولهم: الصبر حيلةُ مَن لا حيلة له، والصبر ليس بحيلة، فكأنه قيل: مَن كان وارثَه الخال فلا وارثَ له.
لانا نقولُ: صَدرُ الحديث يأبى هذا المعنى، على أنَّ بيان الشرع بلفظ الإثباتِ وإرادة النَّفي يؤدّي إلى الإلباس، فلا يجوزُ مِن صاحبِ الشَّريعةِ الكاشف للغُمَّة أن يُلبس أمراً على الأمة.
واعْلَمْ أنَّ قوله: «الخال وارثُ مَن لا وارثَ له» رواه الترمذي عن عائشةَ، والعقيلي عن أبي الدرداء.
وقد جاء في رواية: «الخال وارث» رواه ابن النجار عن أبي هريرة، وهذا نص في المقصود.
الجزء 1 · صفحة 79
ويؤيده: أَنَّه لما مات ثابتُ بنُ الدَّحداح، قال عليه السلام لقيس بن عاصم: هل تعرفون له نسباً فيكم؟» فقال: إنَّه كان فينا غريباً، فلا نعرف له إلا ابن أخت، هو أبو لبابة بن عبد المنذر، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه له.
ثُمَّ التوفيق بينَ ما رَوَيْناه موافقاً للقرآنِ وبين ما رَوَوُه مخالفاً له:
أنْ يُحمل ما رَوَوْه على ما قبل نزول الآية الكريمة، أو يؤول بأنَّ العمَّةَ والخالة لا ترثان مع عصبته ولا مع ذي فرض يُردُّ عليه؛ لأنَّ الرَّدَّ على ذوي الفروض مقدَّمٌ على توريث ذوي الأرحام، وإن كانوا يرثون مع من لا يُردُّ عليه، كالزوج والزوجة.
وهم؛ أي: ذوو الأرحام أصناف أربعة:
الصنفُ الأَوَّلُ: ينتمي إلى الميت، وهم أولاد البناتِ وإِنْ سَفَلوا، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأولاد بناتِ الابنِ كذ والصنف الثاني: ينتمي إليهم الميت، وهم الأجداد الساقطون؛ أي: الفاسدون وإن علوا، كأبي أم الميت، وأبي أبي أمه، والجداتُ السَّاقطات؛ أي: الفاسداتُ وإنْ علون، كأم أبي أم الميت، وأمّ أم أبي أمه.
والصنفُ الثَّالثُ: ينتمي إلى أَبَوَي الميت، وهم أولاد الأخوات وإنْ سفلوا، سواء كانت تلك الأولاد ذكوراً أو إناثاً، وسواء كانتِ الأخواتُ لأب وأم أو لأب، أو لأمّ، وبناتُ الإخوة وإنْ سفَلنَ، سواء كانت الإخوة من الأبوين أو من أحدهما، وبنو الإخوة لأم وإن سفلوا.
والصنف الرابع: ينتمي إلى جَدَّي الميتِ، وهما أب الأب وأبو الأم أو جدتيه، وهم: العمَّاتُ على الإطلاق، فإنهنَّ أخوات لأبي الميت، فإِنْ كُنَّ أَخوات له من الأبوين أو مِن الأبِ فَهُنَّ مُنتمِيَةُ إلى جد الميتِ مِن قِبَلِ أَبِيهِ.
والأعمام لأم؛ فإنَّهم إخوةٌ لأبي الميت من أُمِّه، وإِنْ كنَّ أخوات له مِن أمه فهنَّ منتمية إلى جدَّتِهِ مِن قِبَل أبيه؛ فهم أيضاً منتمون إلى جدَّةِ الميتِ مِن قِبَلِ أبيه.
الجزء 1 · صفحة 80
واعتُبِرَ في الأعمامِ كونُهم لأم لأنَّ العمَّ مِن الأبوين أو من الأَبِ عَصَبَةٌ. والأخوال والخالات، فإنَّهم إخوة وأخوات لأمّ الميت، فإنَّهم إنْ كانوا مِن أبيها وأمها أو من أبيها، فهم منتمون إلى جد الميتِ مِن قِبَلِ أُمِّه، وإِنْ كانوا مِنْ أُمَّهَا كانوا منتمين إلى جدته مِن قِبَلِ أَمِّه. فهؤلاء الأصنافُ الأربعةُ وكلُّ مَن يُدلي إلى الميت بهم يكونون من ذوي الأرحام، إنَّما أخبر بـ من التبعيضيَّةِ إشعاراً بأنَّ ذوي الأرحام ليسوا محصورين فيما ذكره من الأصنافِ الأربعةِ ومَن يُدلي بهم، فإنَّه لا يتناولُ مَن يَعْلُو مِن الأعمامِ المذكورة، والعمات والأخوال والخالات المسطورة، كعُمومةِ أبوي الميت وخُؤُولتِهما، وعُمومةِ أبوي الميت وخُؤوليهما، مع أنهم من ذوي الأرحام باتفاق الأعلام.
ثُمَّ اختلف في تقديم بعض هذه الأصنافِ على بعض:
فعن أبي حنيفة روايتان:
فرَوَى أبو سليمان عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: أن أقرب الأصنافِ إلى الميت وأقدَمَهم في الوراثة عنه هو الصِّنف الثاني، وهم الساقطون من الأجدادِ والجَدَّاتِ وإنْ عَلَوا، ثُمَّ الصنف الأوَّلُ وإِنْ سفَلوا، ثُمَّ الثالثُ وإِنْ نَزَلوا، ثُمَّ الرابع وإِنْ بَعُدوا بالعلو والسُّغُول.
وتابَعَه في ذلك عيسى بن أبانَ عن محمد، عن أبي حنيفة.
وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وكذا ابنُ سَمَاعةً عن محمدِ ابن الحسن عن أبي حنيفة: أنَّ أقرب الأصنافِ وأقدَمَهم في الميراثِ الصِّنف الأَوَّلُ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالثُ، ثُمَّ الرَّابِعُ، كترتيب العَصَباتِ، إذ يُقدَّمُ منهم الابنُ ثُمَّ الأَبُ ثُمَّ الجدُّ ثُمَّ الإخوةُ ثُمَّ الأعمامُ، وهو المأخوذ للفَتْوَى.
وعندهما؛ أي: أبي يوسف ومحمد: الصنفُ الثَّالِثُ، وهم أولاد الأخوات وبناتُ الإخوة وبنو الإخوة لأمّ مُقدَّم على الجد أبي الأم.
الجزء 1 · صفحة 81
ثُمَّ لمَّا فرغ عن ترتيب الأصنافِ الأربعة شرعَ يُبيِّن كيفية توريث كلّ واحدٍ منهم فقال:
فصل في الصِّنفِ الأَوَّلِ
وهو أولاد البنات، وأولاد بنات الابن، أولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت؛ كبنتِ البنتِ فإنَّها أَوْلَى مِن بنتِ بنتِ الابنِ؛ لأنَّ الأُولى تُدلي إلى الميت بواسطة واحدة، والثانية بواسطتين، وهذا قول أهل القرابة، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف و محمدٌ وزُفَرُ وعيسى بن أبان.
وأما أهل التنزيل: وهم الذين يُنزّلونَ المُدْلي منزلةَ المُدلَى به في الاستحقاقِ، كعلقمة والشعبي ومسروق وأبي عُبيد القاسم بن سلام والحسن بن زياد، فيجعلون المال بينهما، كأنَّه تَرَكَ بنتاً وبنتَ ابن؛ فيكون المالُ بينهما إِمَّا أرباعاً على قياس قولِ عليّ كرَّم الله وجهه، ثلاثة أرباعه لبنتِ البنتِ وربعه لبنتِ بنتِ الابن؛ لأنَّه يرى الردَّ على بنتِ الابن مع بنتِ الصُّلب.
وإما أسداساً على قياس قولِ ابنِ مسعود رضي الله عنه: خمسة أسداسه لبنتِ البنتِ وسُدسُهُ لبنتِ بنتِ الابنِ؛ لأنَّه لا يَرَى الرَّدَّ على بنتِ الابن مع الصُّلبيَّةِ. و ذهب نوح بن دراج وحبيشُ بن مُبشِّرِ ومَن تَابَعَهما إلى أنَّ المال بينهما أنصافاً؛ لأنَّ استحقاقهما إنما هو باعتبار الوصف العام الذي هو الرَّحِمُ، والأقرب والأبعد متساويان فيه، وهؤلاء يُسمون: أهلَ الرَّحِم.
وإنِ اسْتَوَوا في الدَّرجةِ بأنْ يُذلوا كلُّهم إلى الميت بدرجتين أو بثلاث درجات مثلاً، فولد الوارِثِ بالفَرْضِ أَوْلَى من ولد ذوي الأرحام؛ كبنت بنت الابن؛ فإِنَّها أَوْلَى مِن ابنِ بنتِ البنتِ؛ وذلك لأنَّ الأُولَى ولد بنتِ الابن، وهي صاحبة فرض، والثاني ولد بنتِ البنتِ، وهي ذاتُ رَحِمٍ.
والسبب في هذه الأولوية: أنَّ ولد الوارثِ أقرب حكماً، والترجيح يكون بالقرب الحقيقي إِنْ وُجد وإِلَّا فبالقُرْبِ الحُكْمي.
الجزء 1 · صفحة 82
وإنِ اسْتَوَتْ درجاتهم في القُربِ، ولَمْ يَكُنْ فيهم مع ذلك الاستواء ولد وارت؛ كبنت ابنِ، البنت، وابن بنت البنت، أو كان كلهم يُدلون بوارث كابن البنت وبنت البنت:
فعند أبي يوسف في قوله الأخير، والحسن بن زياد: تُعتبر أبدانُ الفروع المتساوية في الدرجات المذكورة، ويُقسَمُ المالُ عليهم باعتبارِ حال ذكورتهم وأنوثَتِهم، فيكون بدنُ الذَّكرِ بَدَنَينِ اعتباراً، سواء اتَّفقتِ الأصول في الذكورة والأنوثة؛ كابن البنت وبنت البنت، أو اختلفت كبنت ابن البنتِ، وابنِ بنتِ البنتِ، فإنْ كانتِ الفروعُ ذكوراً فقط أو إناثاً فقط، تساووا في القسمة، وإن كانوا مختلطين؛ فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولا تُعتبر في القسمة صفاتُ أصولهم أصلاً، وهو رواية شاذة عن أبي حنيفة.
ومحمد يعتبر أبدان الفروع إنِ اتَّفقتْ صفةُ الأصولِ في الذُّكورة والأنوثة موافقاً لهما؛ أي: لأبي يوسف في قولهِ الأخير والحسن بن زياد، ويعتبر محمد الأصول إنِ اخْتَلفتْ صفاتهم ويُعطي الفروع ميراث الأصولِ مُخالفاً لهما، وهو القول الأول لأبي يوسف، وأشهرُ الروايتين عن أبي حنيفة، والظاهرُ من مذهبه.
وقد استدل محمد باتفاقِ الصَّحابة على أنَّ للعمَّةِ الثَّلثين وللخالةِ التُّلكَ، ولو كان الاعتبار بأبدان الفروع لكان المال بين العمة والخالة نصفين، فظهرَ أَنَّ المُعتبر في القسمة هو المُدْلَى به، فإنه الأبُ في العمَّةِ والأم في الخالة، وأيضاً قد اتفقنا على أنه إذا كان أحدهما ولد وارث فهو أَوْلَى من الآخَرِ، فقد تَرَبَّحَ باعتبار معنى في المُدلّى به. وقول محمد أشهر الروايتين عن أبي حنيفة في جميع أحكام ذوي الأرحام.
وذَكَرَ بعضهم أنَّ مشايخ بُخارى أَخَذوا بقول أبي يوسف في مسائل ذوي الأرحام والحيض؛ لأنَّه أيسر على المفتي للأنام ".
فصل في الصنف الثاني من ذوي الأرحامِ
الجزء 1 · صفحة 83
وهم الساقطون من الأجداد والجداتِ، أَوْلاهم بالميراث أقربهم إلى الميتِ مِن أي جهةٍ كان سواء كان الأقرب من جهة الأب أو من جهة الأم؛ فأبو الأم أَوْلَى من أبِ أم الأم، وكذا أب أمّ الأبِ أَوْلَى من أب أم أمّ الأب، وأب الأم أولى من أبِ أمّ الأب وقس على ذلك حالَ الجدَّات.
وعند الاستواء في درجاتِ القُربِ فمَن كان يُدلي إلى الميت بوارث فهو الأَوْلى ممَّن لا يُدلي إليه بوارث عند أبي سَهْلِ الفَرَضي، بفتحتين نسبةً إلى الفَرِيضة، كالحنفي إلى أبي حنيفة، وأبي فضل الخفَّافِ بتشديد الفاءِ الأُولى، وهو صانع الخُفّ أو بائعه، وعلي بن عيسى البصري، فعندهم يكونُ أب أم الأم أَوْلَى مِن أبِ أبِ الأم، لأنهما تساويًا في الدرجةِ، لكنَّ الأولَ يُدلي بوارث، هو الجدَّةُ الصحيحة، أعني: أم الأم، والثاني يُدلي بغير وارثِ هو الجد الفاسد، أعني: أبَ الأمّ الذي لا يَرِثُ مع أم الأم، فكانت أم الأم أقوى، فأبوها أولى.
ولا تفضيل له؛ أي: لمن يُدلي بوارث على مَن لا يُدلي به عندَ أَبي سُليمانَ
الجُوزَ جَاني بضم الجيمِ الأولى وفتح الزَّاي، وأبي علي البُسْتي ? بضم الموحدةِ وإسكان المهملة.
ففي الصورة المذكورة يُقسم المال عندهما أثلاثاً، ثُلثاه لأبِ أَبِ الأم، وثلثه لأب أم الأم، وعلل ذلك بأنَّ الترجيح في الأجداد والجدات الفاسدة بالإدلاء بوارثِ يُؤدي إلى جعل المتبوع - وهو الجد أو الجدة - تابعاً لتابعه، وهو خلافُ المعقول، وليس يلزمُ مثل ذلك في الأولاد، فافترقا.
الجزء 1 · صفحة 84
وإنِ اسْتَوَتْ درجاتُهم في القُربِ والبُعدِ وليس فيهم مع الاستواء في الدرجة مَن يُدلي بوارث، كأبي أبي أم الأب، وأُمِّ أَبِي أُمِّ الأَبِ، أو كان كلُّهم يدلون به؛ أي: بوارث؛ كأبي أم أبي أبي الأب، وأبي أم أم أم الأب، واتَّفَقَتْ صفة من يدلون بهم في الذُّكورة والأنوثة، كما في ما ذكرناه من مثال عدمِ الإدلاء بالوارث، فإنَّ الجد والجدة في ذلك المثالِ مُتحدان فيما يُدليان به، فلا يتصور هناك اختلاف في صفةِ المُدْلَى به، واتحدث أيضاً قرابتهم بأن يكونوا كلهم من جانب أبي الميت أو من جانب أمه كما في ذلك المثال، فالقسمة حينئذ على أبدانهم، فيُقسم المال عند اجتماع هذه الشروط باعتبارِ صفات أبدان الفروع للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين، فيُجعل المال في ذلك المثالِ أثلاثاً، ثُلثاه لأبي أبي أم الأب، وثلثه لأبي أم أبي الأب.
وإنِ اخْتَلَفَتْ مع استواء الدرجة صفةُ مَن يُدلون بهم في الذكورة
موسى بن سليمان أبو سليمان الجوزجاني، فقيه حنفي، أصله من جوزجان بخراسان، تفقه واشتهر ببغداد، من تصانيفه: السير الصغير، و نوادر الفتاوي. انظر: «الجواهر المضية في طبقات
والأنوثة كما في المثال الذي ذكرناه لإدلاء الكلِّ بوارث يُقسم المال على أول بطن؛ أي: أقربِ بطنِ اخْتَلَفَ كما في الصنفِ الأَوَّلِ؛ أي: يُقسم بينهم على أنَّ للذكر مثل حظ الأنثيين، ثُمَّ يُجعل الذكور طائفة والإناث طائفة على قياس ما تَقرَّرَ في الصنفِ الأَوَّلِ.