الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: فتح باب العناية بشرح «النُّقاية»
المؤلف: نور الدين أبو الحسن علي بن سلطان محمد الهروي القاري (930 - 1014 هـ)
مؤلف النقاية: صدر الشريعة عُبيد الله بن مسعود المحبوبي ت 747 هـ)
المحقق: محمد نزار تميم، هيثم نزار تميم
تقديم: خليل المَيْس مدير «أزهر لبنان»
الناشر: دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت
الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 4 جُمادَى الأولى 1444
الجزء 1 · صفحة 5
5)
الإهداء
إلى مَن روانا من فيض حنانه، ورعانا بجميل صبره وإحسانه، إلى من آثر التعب على الراحة، والخمول على الشهرة، إلى من بذل صحته ووقته في سبيل تعليمنا.
إلى صاحب القلب الصافي الكبير، والصدر الواسع، والعلم الغزير.
هذه ثمرة من غرسكم الذي سهرتم عليه، وقطرة من عذب مائكم الذي نهلنا من معينكم.
إلى الملَّا عبد العليم الزنكي - رحمه الله تعالى -.
عربون محبة ووفاء وعرفان.
وإلى من أفنى عمره في خدمة السنة والعلم، إلى المحدث البارع، والمدقق اللامع، إلى صاحب الخلق الرفيع.
إلى العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله تعالى -
محمد وهيثم
الجزء 1 · صفحة 7
7)
مقدمة سماحة المفتي الشيخ خليل المَيْس مدير "أزهر لبنان"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده، محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإن كُتب الفقه - وعند جميع المَذَاهب - جرى التصنيف فيها على مناهج تعرف بالمتون والشروح والحواشي.
والمتون ألَّفها حُذَّاق الأئمة وكِبار الفُقهاء المعروفين بالعِلم والزُّهد والفقه والتَّفقه في الرِّواية .. وقد اشتهر أنها موضوعة لنقل أصل المذهب ومَسائل ظاهر الرِّواية غَالبًا عند فُقَهاء الحنفيَّة، وكثيرًا ما يذكر أربابُ المتون مَسْألة هي من تخريجات المشايخ المُتقدمين .. ويذكرون فيها أيضًا مَذْهب الصاحِبَين: أبي يوسف ومحمد بن الحَسَن إذا كَان رَاجِحًا ..
هذا، وكتاب "النُّقَاية" للإِمَام صَدْر الشَّرِيعة عُبَيد الله بن مَسْعُود المَحْبُوبي (747 هـ) هُو مُخْتصر كتاب "الوِقَاية" المُنتقى مِنْ كِتاب "الهِدَاية" أحد المُتون الأربعة المُعتمدة في ضَبط مَذْهب الإِمَام أبي حنيفة ?، مُضافًا إليها "كَنْز الدَّقائق" للنَّسفي (710 هـ)، و"المُخْتَار" لأبي الفضل مَجْد الدِّين عبد الله بن محمود المَوْصِلي (683 هـ)، و "مَجْمع البحْرين" لمُظَفَّر الدين أحمد بن عَليّ البغْدَادِي المَعروف بـ: (ابن الساعاتي)، (694 هـ)، و"مُخْتَصر القُدُورِيّ" ذَائع الصيت لأبي الحسين أحمد بن مُحمَّد القُدُوري (428 هـ).
وأشهر هذه المُتون ذِكْرًا وأقوَاهَا للاعتماد: "والوقاية" و"الكَنْز" و"مُخْتَصر القُدُوريّ"، فهي المُراد بقولهم: المتون الثلاثة ...
وإِذَا أطلقُوا (المُتُون الأربعة) أرادوا هذه الثلاثة و"المُخْتَار" أو "المجمع" ...
هذا، وإن كتاب "فَتْح باب العِنَاية بشرح النُّقاية" للإِمَام الفقيه الحُجَّة الحافظ عليّ بن مُحمَّد سلطان القَارِي الحنفيّ المكيّ، المتوفَّى (1014 هـ)، قد استقاه من أُمهات شُروح
الجزء 1 · صفحة 8
8)
كُتب المَذْهَب، ولَقِيَ كلٌّ مِنْ المَتن والشرح رَوَاجًا كبيرًا ولِعدة قرون لدَى عُلماءِ البِلاد التي تُعْرف سابقًا ببلاد ما وَرَاء النَّهْر ...
الكتاب متنًا وشرحًا
وإنما شقَّ طريقَهُ إلى بلادنا العلَّامةُ الشيخُ عَبدُ الفَتَّاح أبو غُدَّة رَحِمَهُ الله تَعَالى، حيثُ نَشَر جزءًا من الكتاب محققًا منذ ثلاثين عامًا .. وتوقَّف عند هذا الحد ... ومُنذُ ذلك التارِيخ تَشَوَّفت نفُوس العُلماء وطَلَبة العِلم الشريف لِصُدُور بقية الكِتاب، نظرًا لأسلوبه المُمَيَّز وقُرب تناول مادته.
وأخيرًا قيَّض اللهُ تَعَالى لَهُ كُلًا من الشَّابَّين الفاضلين: محمد وهيثم تميم، حيث بذلا جهدًا مُباركًا في تَحْقيقه وطبَاعتهِ، وأخرجوهُ مشكورين بهذه الحُلَّة الرائعة الرائقة.
ولَا شَكَّ أن فرحة أهل العلم قَاطبةً ستكون عظيمة عندما تَقعُ أبْصَارهم على هَذا السِّفْر النَّفِيس الذي يُعتبر بحقٍّ نموذجًا للفِقه الإِسْلامِي المُقَارن، وبخاصة بين مذْهَبَي أبي حنيفة والشافعيّ رَحِمهُما الله، مدعَّمًا بالأدلة من الكتاب والسُّنة للمَذْهبين، مع بيان وجه الاسْتِدْلَال لكل مِنْهما .. وهذا الأسلُوب الذي بَات اليوم مُفضلًا في تدريس مادة الفِقْه لدى كُلٍّ من الجَامِعات والمَعاهد الإِسْلَامِية وحِلَق العلم الشرعي الشريف.
ونرجُوه تَعَالى أن ينفعَ بهذا الكتاب أهلَ العِلم ويُجْزِلَ المثوبة للأخوين الكَريمَين: محمد وهيثم على حُسن صنيعهمَا .. في إصدَارِ هَذا الكِتاب الذي طالَ انتظارُهُ ..
والله من وراء القصد.
في بيروت
4 جمادى الآخرة سنة 1418 هـ
الموافق له: 7 من تشرين الأول سنة 1997 م
وكتبه
خادم العلم الشرعي
مفتي زحلة والبقاع الغربي
مدير "أزهر لبنان"
الشيخ خليل المَيْس
الجزء 1 · صفحة 9
9)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وأفاض علينا سابغ النِّعَم، في الظاهر والباطن والسِّرِّ والعلن، ما عَلِمنا منها وما لم نعلم، حَمْدَه القديمَ الذي حَمِدَ بهِ نفسَه، أفضلَ الحمد وأكملَه، حمدًا يعجز العقلُ عن حصره، واللسانُ عن وصفه، وتَقْصُرُ عنه الهِمَم.
وأفضل الصلاة وأتمُّ السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للأُمم، من قيل له: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، ورضي الله عن أصحابه مصابيح الظُّلَم أبد الآبدين ما خطَّ قلم.
أما بعد:
فإن أولى ما صُرِفَتْ إليه نفائسُ الأيام، وأعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام: الاشتغالُ بالعلوم الشرعية، ولا سيما الفقه منها، لقول النَّبي ?: "مَن يُردِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّههُ في الدِّين" (1).
فَحَرِصَ العلماءُ على تعلُّم الفقهِ وتعليمه إلى أن لَقِيَ رَواجًا واسعًا، ونشأت عنه مدارسُ متعدِّدة.
وقد مرَّ فقهنا الإسلامي الشامخ بمراحل متعددة من التدوين، وحاز قَصَبَ السَّبْق في هذا المَيدان، مذهبُ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، على يد محمد بن الحسن الشيباني مُدَوَّن المذهب وناشره رحمهما الله تعالى.
وصُنِّف بعد كُتِب الإمام محمد تآليف عديدة: بين مختصَر ومطوَّل، ومُخِلٍّ ومُفْرِط، ومدقَّق ومُحَرَّر، وكان من أدق كتب الحنفية في نقل المذهب تخريجًا وتلخيصًا وتحقيقًا وتمحيصًا كتاب "الهداية" للإمام برهان الدين المَرْغِيناني، واختصر هذا الكتاب الإمامُ تاج الشريعة محمود المَحْبُوبي بكتاب سماه "وقاية الرواية في مسائل الهداية"، وهو أحد المتون الأربعة المعتمدة عند الحنفية، ثم جاء الإمام مُلَّا علي القاري فشرحه واستوفي مقاصده وأظهر فرائده من عيون كتب الحنفية، بكتاب سماه "فتح باب العناية"، فكان شرحه حقًّا فتحًا لباب العناية رحمه الله تعالى.
(1) أخرجه البخاري (فتح الباري) 1/ 164، كتاب العلم (3)، باب من يُرِد الله به خيرًا (13)، رقم (71).
الجزء 1 · صفحة 10
10)
قصتنا مع الكتاب:
هذا، وقد تعرفنا على كتاب "فتح باب العناية" من الجزء المحقَّق الذي اعتنى به شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى. وكنا حريصين على اقتناء ما يحققه أو يعتني به أو يشير إليه من كتب، لكثرة اطلاعه، وسَدَاد نُصْحه، وطول باعه، وَوَفْرَة فوائده، وغَزَارة علمه.
فقرأنا مقدمة الكتاب، وعرفنا مدى شغف شيخنا به، ومدى حرصه على إخراجه لطلبة العلم، فشُغفنا بالكتاب لشغفه، وحَرِصنا على إخراجه لحرصه، وكان هذا منذ سنة 1990 تقريبًا، وما زلنا ننتظر الكتاب سنة بعد سنة، ولكن مشاغل شيخنا رحمه الله تعالى أحالت دون إصدار بقية الكتاب محققًا كما كان يرجو.
وفي سنة 1992 تقريبًا عندما قمنا بخدمة كتاب "شرح شرح نُخبة الفِكَر" لمُلّا علي القاري، وترجمنا له، وقفنا على أرقام مخطوطات لـ: "فتح باب العناية" في المكتبة السليمانية، ومن حسن تقدير الله تعالى، أن يَسَّر لنا زميلًا من تركيا من زملاء الدراسة (1)، فطلبنا إليه أن يساعدنا للحصول على مصوَّرة لهذا الكتاب النفيس، وزوَّدناه بأرقامها، فسعى جاهدًا للحصول على طَلِبَتَنَا، جزاه الله عنا كلَّ خير.
ومضت الأيام والشهور، وبعد حوالي ثمانية أشهر، بعد أن كدنا نَفْقِدُ الأمل، جاءتنا البشرى بمصوَّرة الكتاب على "ميكروفيلم"، فسُرِرنا بها أيَّما سرور وَطِرْنا بها فرحًا، ثم في سنة 1993 يَسَّر الله لنا الحصولَ على مطبوعة باكستان من المدينة المنورة أثناء رحلة الحج.
فرأينا أن الأمور تتيسر بين أيدينا لأمر يعلمه الله سبحانه، وكتابُ شيخنا لم يخرج بعد، واشتدت الحاجة إلى إخراجه أكثر، لما له من مزيد أهمية ومزيَّة، من حيث التدليلُ على المسائل الفقهية وربطها بأصولها من الكتاب والسنة.
فكنا نودّ أن يخرج الكتاب قريبًا، تعميمًا للنفع والفائدة، فعزمنا على إخراجه، إلا أننا كنا نقدِّم رِجلًا ونؤخر أخرى، لأننا لسنا من فرسان هذا المَيدان، ولا من حمائم تلك الأفنان.
فوقعنا في حَيصَ بيصَ، بين أمرين اثنين: أن تَطُولَ مُدَّةُ إخراج الكتاب حتى يتفرع له شيخنا ? ويخرج محققًا التحقيق الأمثل، أو أن يخرج الكتاب في مدة وجيزة بخُطة أقلَّ وتحقيق موجز!
(1) وهو الأخ الفاضل حكمت التركي.
الجزء 1 · صفحة 11
11)
وبقي الأمر هكذا لم يُحسم حتى كنا مرة في زيارة لأزهر بيروت عند شيخنا الفاضل سماحة مفتي البقاع الشيخ خليل المَيْس، فسَأَلَنا عن آخر ما أصدرناه من أعمال علمية، فذكرنا له أنه "شرح شرح نُخْبَة الفكر" لمُلَّا علي القاري، وما كدنا أن ننتهي من عرض الاسم عليه حتى قال الشيخ لنا: لمُلا علي كتاب في الفقه ماتع ومفيد، لِمَ لا تعملون على إخراجه؟! فأخبرناه ما نحن به من حيرة، فشجعنا على ما كنا بصدده من إخراج الكتاب بخطة صغيرة وتحقيق موجز، وقال: فليكن مقسمًا أربعة أجزاء نقرره لطلاب "الأزهر" في كل سنة جزء. فكأنها كانت الإشارة.
فأبرقنا لشيخنا الفاضل عبد الفتاح أبو غُدَّة رسالتين نستشيره بما نحن بصدده، ونستأذنه فيما نحن عازمون عليه، إلا أن الشيخ ? كان مشغولًا جدًّا، بين سفر ومرض، فلم يتسنَّ له أن يردَّ علينا. فاستخرنا الله تعالى، وشرعنا فيما يَسَّرَ لنا أسبابَه، ولم نزل حريصين على معرفة رأي شيخنا رحمه الله تعالى، فأرسلنا إليه مرة ثالثة برسالة شفهية مع بعض الإخوة الذين زاروه، فكان جوابه أن بارك العمل ودعي لنا بخير، فجزاه الله عنا كل خير.
عملنا في الكتاب:
1) مقابلة مطبوعة باكستان على المخطوط، وإثبات الفوارق المُغَيِّرة للمعنى، وإسقاط الكثير مما ليس مهمًا، ويثقل الحواشي بما لا طائل تحته.
وقد عانينا في ضبط النص وترجيح الصواب عند الاختلاف كثيرًا، وكان من المرجِّحات عندنا التي تَحْسِم الخلاف بين المطبوع والمخطوط أو تصحح الخطأ في كليهما: "نصب الراية"، و "فتح القدير" - لأنه ينقل عنهما كثيرًا دون الإشارة إليهما غالبًا - وغيرهما من كتب السُّنَّة واللغة ...
2) إضافة متن "النُّقاية" في أعلى الصفحة كما مشى عليه شيخنا الفاضل عبد الفتاح ?.
3) تخريج الآيات القرآنية، والقراءات أحيانًا.
4) تخريج الأحاديث النبوية: تعهدنا ضمن خطتنا الصغيرة، أن نُخَرِّج. فقط الأحاديث التي لم يعزها مُلَّا علي لمُخَرِّج، فإذا قال مثلًا: أخرجه البخاري، لا نَرُدُّه إلى مصدره بالجزء والصفحة، أما إذا أهمله فإننا نبحث عنه ونُخَرِّجه. وقد خرَّجنا معظم الأحاديث إلا أننا لم نجد بعضها مع كثرة التفتيش وضيق الوقت (وستأتي أمثلة ذلك في: مؤاخذات على الكتاب - ص 13).
الجزء 1 · صفحة 12
12)
لم نُخَرِّج الآثار الواردة في الكتاب، لما في تخريجها من كبير مشقة وعَنَاء وكثير وقت، مما يؤدي إلى تأخير صدور الكتاب، وكنا قد التزمنا إخراجه ليكون مقررًا أزهريًا لسنة 1997 - 1998 م / 1418 - 1419 هـ.
5) شرح غريب الألفاظ: سيجد القارئ أننا شرحنا أحيانًا بعض الألفاظ والعبارات التي لا تخفى على طلبة العلم المتمرسين، علاوة على العلماء، إلا أنها تخفى على المبتدئين. ولمَّا كان هذا الكتاب سيقرر لطلاب الثانوي الشرعيين، كانت هذه الفكرة مسيطرة على معظم عملنا.
6) ضبط الأعلام وبعض الألفاظ: ضبطنا النَّصَّ جهدَ استطاعتنا بحيث يسَّرنا على الطالب قراءة الأعلام وبعض الألفاظ المُشكِلة بشكل صحيح خالٍ عن التحريف والغلط.
7) تصحيح الأخطاء المطبعية والواقعة من الناسخ، وتصحيح معظم التحريف الواقع في الكتاب.
وفاتنا بعض الأشياء التي لا يمكن تصحيحها إلا بنسخة مخطوطة دقيقة موثَّقة، بخطِّ المؤلِّف أو مقابلة على نسخة المؤلف أو مقروءة عليه.
8) التعليق على بعض العبارات، بما يحل مشكلها ويوضح غامضها.
9) شرحنا الموازين والمعايير القديمة بالمصطلحات الحديثة: المِتْرِيَّة أو الكيلوغرامية، وذلك تيسيرًا للفهم وارتباطًا بمعطيات الواقع أكثر.
10) فصَّلنا فقرات الكتاب وجعلنا له علامات ترقيم.
11) عَنْوَنَّا في بعض المواطن حيث يلزم، وجعلنا كل ما أضفناه بين حاصرتين: [].
12) مقدمة تعريفية بالكتاب والماتن.
منهج مُلَّا عليّ في الكتاب:
1 - اختصر مُلَّا علي "نصب الراية" عند تخريج الأحاديث وسَرْدِ الروايات، دون أن يشير إلى هذا إلا أحيانًا قليلة.
وزاد على "نصب الراية" أشياء قليلة ليست فيه، من روايات في الباب تقوِّي الاستدلال وترجح الاختيار.
الجزء 1 · صفحة 13
13)
2 - اختصر أشياء كثيرة من "فتح القدير" و "الكفاية"، دون أن يشير إليهما، حتى إنه ينقل العبارة أحيانًا بحروفها دون زيادة أو نقصان.
3 - أضاف تعليلات قليلة ليست في شروح "الهداية" المطبوعة بين أيدينا.
4 - تتبع أحاديث "الهداية" في كل باب بقوله: أما قول صاحب "الهداية" كذا فكذا.
5 - يعرض المسألة ويأتي برأي المخالف ودليله، ثم يعرض دليل الحنفية في المسألة ويناقش أدلة الآخرين، ويُرَجِّح أخيرًا ما يتبدَّى له، ويُبَيِّن وجهة نظره في هذا الاختيار.
فالحق أنه كتاب في الفقه المقارن في بعض المسائل والأبواب.
ومن المعلوم أنه لا ينقل كلام المذاهب الأخرى من كتاب في الفقه الحنفي أو الشافعي .... ، ولكن تنقل أقوال المذاهب المحررة من كتب المذهب، وكذلك الأمر هنا بالنسبة لأقوال المذاهب الأخرى فهي بحاجة إلى تحرير وتأكد.
وأثناء عملنا في الكتاب تبين لنا أنه ينقل آراء الشافعية المعتمدة غالبًا، ولكن لم يتسنَّ لنا أن نتابعه في كل ما ينقل عن الشافعية حتى نتأكد من الأقوال كلها، فليُتَنَبَّه.
6 - يناقش أقوال المذهب الحنفي ويحرر النقول بما يراه أوفق لقواعد المذهب، فتراه لا يقتنع بسهولة إلا بعد كثرة تمحيص وتفتيش ومحاورة وتدقيق.
7 - تحقيقه للروايات الشائعة وتمحيصه لها كقصة: أن عثمان ? أُرْتِجَ عليه في أول خُطبة بعد ولايته، فحقق الكلام فيها وقال بأنها غير صحيحة. انظر صفحة 406 من الجزء الأول.
مؤاخذات على الكتاب:
1 - ومع هذا التحقيق والتدقيق من مُلَّا علي ? إلا أن الله تعالى أَبَى العصمة إلا لكتابه، فإن المؤلف فاته أشياء من التحقيق كحديث: "إذا نام العبد في السجود يباهي الله ملائكته ... " انظر صفحة 66 من الجزء الأول فهو حديث ضعيف جدًّا.
و"كقصة الحمامة" أنها وَكَرَتْ على باب الغار عند هجرة النبي ?، انظر صفحة 98 - 99 من الجزء الأول، فهو أشبه بأن يكون موضوعًا.
2 - التساهل في تحرير بعض الأقوال في المذهب الحنفي والمذاهب الأخرى،
الجزء 1 · صفحة 14
14)
كمسألة العورة عند الإمام مالك ...
3 - وكعادته مُلَّا علي غالبًا ما ينقل الحديث والعبارات بالمعنى لا باللفظ.
4 - روي أحاديث كثيرة في الكتاب فعزا معظمها إلى مُخَرِّجيها، إلا أنه ترك بعض الأحاديث بلا عزو، وهو بهذا يكون قد خالف منهجه، الذي مشى عليه. فحاولنا ما استطعنا أن نُخَرِّج ما فاته، فوُفِّقنا في كثير منها وبقي أشياء لم نعثر عليها مع شدة الحرص وكثرة البحث وضيق الوقت، مثل حديث: إجابة المؤذن عند قوله في أذان الفجر: "الصلاة خير من النوم" بـ: "صدقت وبَرِرْتَ ... " فقال مُلَا علي: لورود الخبر هكذا! ولم يُصَرِّح بمن أورده. انظر صفحة 206 من الجزء الأول.
5 - روى كثيرة من الآثار ولم يعزها إلى مُخَرِّجيها.
ولما كانت الآثار كثيرة والعمل على عزوها مجهدًا مما يؤخرنا عن تسليم الكتاب في الموعد المطلوب ليكون مقررًا درسيًا لطلبة "أزهر لبنان"، عزفنا عن تخريجها لطبعة لاحقة إن شاء الله تعالى.
أصل الكتاب
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة رحمه الله تعالى:
ألَّفَ أصلَ نصوصه: "المتنَ" المسمَّى "النُّقَاية" الإمام صدرُ الشريعة عُبَيْد الله بن مسعود المحبوبيُّ المتوفَّى سنة 747 هـ. وقد اختصرَ فيه أحدَ المتون الأربعة المعتبرة عند الحنفية: "وقاية الرواية في مسائل الهداية" (1)، الذي ألَّفَه له جَدُّه الإمامُ تاج الشريعة محمود المَحبوبي ليحفظه في أول نشأته. وقد استخلصه من مسائل كتاب "الهداية" للإمام برهان الدين المَرْغِيناني، الذي هو أجلُّ كتب الحنفية التي وصلت إلينا تحقيقًا وتمحيصًا، وأدقُّها في نقل مذاهب أئمتنا الحنفية تخريجًا وتلخيصًا.
ولما كان كتابُ "النُّقاية" ثبات كتاب "الوقاية" الذي هو لُبابُ كتاب "الهداية":
(1) قال العلامة الإمام عبد الحي اللكنوي في "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" في ترجمة (عبد الله بن محمود المَوصلي) صاحب الاختيار شرح المختار" ص 106: "قد كثر اعتماد المتأخرين على الكتب الأربعة: المختار، والكنز، والوقاية، ومجمع البحرين. وسمَّوها المتون الأربعة المعتبرة، ومنهم من يعتمد على الثلاثة: الوقاية، والكنز، ومختصر القدوري".
وذكر اللكنوي نحو هذا في كتابه العظيم "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص 9 - 10، - و "الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - مع فوائد نفيسة لا يستغني عنها العالم الفقيه فضلًا عن المتفقه، فانظره. (انتهى تعليق الشيخ عبد الفتاح ?.
الجزء 1 · صفحة 15
15)
كان بحقٍّ لُبَابَ اللُّباب. ومن أَجْلِ هذا تبارى جهابذة فقهاء الحنفية في خدمته وشرحه، واستيفاءِ مقاصده وإظهار فرائده.
وكان أعلاهم في هذا المضمار كعبًا، وأبلغَهم في نيل مقصدِهِ أرَبًا: الإمامُ الفقيه المحدِّثُ الشيخ علي القاري، فقد نظَمَ في شرحه: "فتح باب العناية" المزايا المنثورةَ في كتب من تقدَّمه من الأئمة، مثل كتاب "المبسوط" للسَّرَخْسِي، و"البدائع" للكَاساني، و"الهداية" للمَرْغيناني، و"الاختيار" للمَوْصِليّ، و"تبيين الحقائق" للزيلعي، و"شرح الوقاية" لصدر الشريعة، و"العناية" للبَابِرتي، و"البناية" للعيني، و "غُنية المُتَمَلِّي" لإبراهيم الحلبي، و"حَلْبَة المُجَلِّي في شرح مُنية المصلي" لابن أمير الحاج الحلبي، و"فتح القدير" للكمال بن الهُمَام، وغيرها.
بل يمكن أن يقال: إنه لخَّص فيه كتابَ "فتح القدير" من معارك المناقشات والخلافات، ويسَّر أسلوبه، وفتَحَ عبارته، وجاء به سهلًا سائغًا عذبًا نَمِيرًا. كما أنه استخلَصَ زُبدةَ شروح و"النُّقاية" التي سبقَتْ شرحَه هذا، فكان شرحُه حقًّا: "فتح باب العناية" وأفضلَ الشروح جميعًا، كما أنه أنقاها لغة، وأسلسُهَا عبارة، وأوفاها استدلالًا، وأحسنُهَا تعليلًا، مع امتيازه - إلى هذه المزايا - بعزو الأحاديث إلى مخرِّجِيها، والأقوال إلى قائليها (1).
لهذا كان قارئهُ لا يجد نفسَه مَحُولًا بينه وبين فهمه، كما هي الحال في جُلِّ كتب الفقه، بل إنه ليرَى هذا الكتاب وكأنه ليس فيه للغة العلمية والمصطلحات الفقهية الخاصة أيُّ نصيب. ومن أجل هذا اخترتُ خدمته وطبعه ونشره، ليكون في يد كل مسلم وشابٍّ متفقّه في دينه، حريصٍ على صحةِ عبادته وفهمِ شريعته (2).
هذا، وقد يظن ظانٌّ أن "النُّقاية" مختصر "الوقاية"، مشى فيه على ترتيب "الهداية"، إلا أنه يتبين عند المقابلة لمَسْرَدِ كتب كلٍّ من الكتابين أن بينهما تقديمًا وتأخيرًا في كثير من المواطن، وقد قمنا بمقابلة لمسرد كتب كلا الكتابين وإليك التفصيل في الجدول الآتي:
(1) وهذا الحكم غالبًا وليس دائمًا.
(2) انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح ? من مقدمته لـ "فتح باب العناية" ص 4 - 5.
الجزء 1 · صفحة 16
16)
جدول يُبيّنُ اختلاف ترتيب كتب "النُّقاية" و "الهداية"
فهرس كتب "النُّقاية (1) ... فهرس كتب "الهداية"
1 - كتاب الطهارة ... 1 - كتاب الطهارات
2 - كتاب الصلاة ... 2 - كتاب الصلاة
3 - كتاب الزكاة ... 3 - كتاب الزكاة
4 - كتاب الصوم ... 4 - كتاب الصوم
5 - كتاب الحج ... 5 - كتاب الحج
6 - كتاب النكاح ... 6 - كتاب النكاح
7 - كتاب الرضاع ... 7 - كتاب الرضاع
8 - كتاب الطلاق ... 8 - كتاب الطلاق
9 - كتاب العتاق ... 9 - كتاب العتاق
10 - كتاب المكاتب ... 10 - كتاب الأيمان
11 - كتاب الأيمان ... 11 - كتاب الحدود
12 - كتاب البيوع ... 12 - كتاب السرقة
13 - كتاب الشفعة ... 13 - كتاب السِّير
14 - كتاب القسمة ... 14 - كتاب اللقيط
15 - كتاب الهبة ... 15 - كتاب اللقطة
16 - كتاب الإجارة ... 16 - كتاب الإباق
17 - كتاب العارية ... 17 - كتاب المفقود
18 - كتاب الوديعة ... 18 - كتاب الشركة
19 - كتاب الغصب ... 19 - كتاب الوقف
(1) الكتب الزائدة في "الهداية" هي غالبًا إما فصول أو أبواب في "النُّقاية".
الجزء 1 · صفحة 17
17)
20 - كتاب الرهن ... 20 - كتاب البيوع
21 - كتاب الكفالة ... 21 - كتاب الصرف
22 - كتاب الحوالة ... 22 - كتاب الكفالة
23 - كتاب الوكالة ... 23 - كتاب الحوالة
24 - كتاب الشركة ... 24 - كتاب أدب القاضي
25 - كتاب المضاربة ... 25 - كتاب الشهادات
26 - كتاب المزارعة ... 26 - كتاب الرجوع عن الشهادة
27 - كتاب المساقاة ... 27 - كتاب الوكالة
28 - كتاب إحياء الموات ... 28 - كتاب الدعوى
29 - كتاب الوقف ... 29 - كتاب الإقرار
30 - كتاب الكراهية ... 30 - كتاب الصلح
31 - كتاب الأشربة ... 31 - كتاب المضاربة
32 - كتاب الذبائح ... 32 - كتاب الوديعة
33 - كتاب الأضحية ... 33 - كتاب العارية
34 - كتاب الصيد ... 34 - كتاب الهبة
35 - كتاب اللقطة واللقيط والآبق ... 35 - كتاب الإجارات
36 - كتاب المفقود ... 36 - كتاب المكاتب
37 - كتاب القضاء ... 37 - كتاب الولاء
38 - كتاب الشهادة ... 38 - كتاب الإكراه
39 - كتاب الإقرار ... 39 - كتاب الحجر
40 - كتاب الدعوى ... 40 - كتاب المأذون
41 - كتاب الصلح ... 41 - كتاب الغصب
42 - كتاب الحدود ... 42 - كتاب الشفعة
الجزء 1 · صفحة 18
18)
43 - كتاب السرقة ... 43 - كتاب القسمة
44 - كتاب الجهاد ... 44 - كتاب المزارعة
45 - كتاب الجنايات ... 45 - كتاب المساقاة
46 - كتاب الديات ... 46 - كتاب الذبائح
47 - كتاب الإكراه ... 47 - كتاب الأضحية
48 - كتاب الحجر ... 48 - كتاب الكراهية
49 - كتاب المأذون ... 49 - كتاب إحياء الموات
50 - كتاب الوصايا ... 50 - كتاب الأشربة
51 - كتاب الخنثى ... 51 - كتاب الصيد
. . . . . . . . . . ... 52 - كتاب الرهن
. . . . . . . . . . ... 53 - كتاب الجنايات
. . . . . . . . . . ... 54 - كتاب الديات
. . . . . . . . . . ... 55 - كتاب المعاقل
. . . . . . . . . . ... 56 - كتاب الوصايا
. . . . . . . . . . ... 57 - كتاب الخنثى
الجزء 1 · صفحة 19
19)
وصف الأصول المعتمدة
1 - مطبوعة كراتشي /الباكستان، بمجلدين ضخمين من القَطْع الكبير، عدد صفحات الأول: 767 صفحة، والثاني: 567 صفحة.
وبهامشه "شرح النقاية" لمحمود بن إلياس بن يحيى الرومي، استفدنا منه في بعض المواطن.
طُبِعَ الأول سنة 1326 هـ = 1908 م، والثاني سنة 1928 هـ = 1910 م.
جعلنا المطبوع أصلًا وقابلنا المخطوط عليه، وفي بعض الأحيان كانا يتفقان على الخطأ في موضع واحد ولفظ واحد، مما يضطرنا إلى الرجوع لمرجِّح خارجي لضبط العبارة.
2 - مخطوطة السليمانية، وهي عبارة عن جزءين رقمها: (512)، (513).
مسطرتها: 15 × 21 سم
عدد الأسطر: 25 - 26
عدد الأوراق:
الجزء الأول: 332 ق من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الحج.
الجزء الثاني: 376 ق من كتاب البيوع إلى آخر الكتاب.
سنة النسخ: 1160 هـ.
وبشكل عام النسخة جيدة مع ما فيها من أخطاء وأسقاط وتحريفات، وقد عانينا الكثير لضبط النص، وبذلنا جهدنا ليكون في أقرب صورة لنص المؤلف ?، ومع هذا بقي في الكتاب أشياء من التصحيف والتحريف لم نهتد إلى تصويبها، وقد علقنا عليها بلفظ: كذا في الأصل! مع علامة تعجب. وهي ليست كثيرة بالنسبة لحجم الكتاب، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لاستدراكها في طبعة مقبلة إن شاء الله تعالى.
3 - مخطوطة للمتن: "النقاية"، قابلنا معظم المتن عليها وساعدتنا في تصويب بعض الأخطاء.
وهي نسخة خاصة من مكتبة شيخنا الفاضل زهير الشاويش.
مسطرتها: 8 × 14 سم.
عدد الأسطر: 11.
الجزء 1 · صفحة 20
20)
عدد الأوراق: 142 ق.
سنة النسخ: 988 هـ.
بلد النسخ: مَرْوَ الشاهِجَان.
خطها واضح مقروء، فيها بعض التصحيفات والأغلاط، إلا أننا استفدنا منها في بعض المواضع.
4 - "فتح القدير" لابن الهمام. كثيرا ما كنا نصوب بعض العبارات من "فتح القدير"، وذلك لأن مُلَّا علي لخص هذا الكتاب تقريبًا أثناء نقله عنه.
5 - "نصب الراية" للزيلعي، وكذلك استفدنا منه استفادتنا من "فتح القدير".
تنبيه:
لم نترجم للعلّامة مُلَّا علي القاري - رحمه الله تعالى - هنا اكتفاءً بترجمته الواسعة التي كتبناها في مقدّمة "شرح شرح نُخْبَة الفِكَر". فانظره إذا شئت.
خبرٌ مفجع:
جاءنا خبر وفاة شيخنا الفاضل عبد الفتاح أبو غُدّة رحمه الله تعالى الأحد 9 من شوال سنة 1417 هـ، الموافق له: 16 من شباط سنة 1997 م، قبل دفع الكتاب للطباعة، فعدّلنا بعض التعليقات المنقولة عنه بالترحم عليه، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا وعن طلبة العلم والعلماء كلَّ خير، وجعله الله تعالى في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسْنَ أولئك رفيقًا.
فكم كنا نتمنى أن نبعث إليه بهذه الطبعة المتواضعة التي قمنا بخدمتها، لتكون أصلًا لعمله، وتيسيرًا لتحقيق الكتاب كما يرتضيه، ولكنه قَدَرُ الله تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11].
وكذلك كان الأمر بالنسبة لصحيح الإمام البخاري، كنا نتمنى أن نبعث إليه بنسخة اعتنينا بها وأثبتنا على صفحة الغلاف اسم الكتاب العلمي، الذي طالما تمني الشيخ أن يراه مثبت على نسخ "صحيح البخاري"، فصدرت النسخة بعد وفاة الشيخ أيضًا، ولم تكتحل عينه برؤيتهما، فإنا لله وإنَّا إليه راجعون.
كلمة شكر:
هذا، ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر من كل مَنْ أسهم معنا في إخراج هذا الكتاب، ونخصُّ بالذكر منهم: الحاج الفاضل: أحمد أكرم الطَّبَّاع صاحب "دار الأرقم" على ما
الجزء 1 · صفحة 21
21)
يُسديه من خدمة للتراث الإسلامي فجزاه الله خيرًا، وكذلك نشكر الإخوة - في مكتبنا - الذين بذلوا الجهد في مساعدتنا على إخراج هذا الكتاب، فكانوا كالجنود المجهولين يعملون من وراء ستار ولهم كبير الأثر والفضل، وهم:
فادي مرشود، وعثمان دياب، وأحمد اليوسف. فجزاهم الله كل خير.
وأخيرُا لا ندّعي الكمال في عملنا، ونطلب من أهل الفضل والعلم أن يزودنا بملحوظاتهم واستدراكاتهم مشكورين مأجورين، حتى نُلْحِقَهَا بالكتاب أو نضعها في أماكنها.
ونرجو ممن استفاد من عملنا المتواضع أن يخُصَّنا وشيوخَنا بدعوة صالحة في ظهر الغيب، وأن يَغُضَّ الطَّرْف عن زلاتنا وينصحَ لنا.
"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (1).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصالحات.
وكتبه
في بيروت
الجمعة: 1 من جمادى الثانية سنة 1418 هـ
الموافق له: 3 من تشرين الأول سنة 1997 م
محمد بن نزار تميم وهيثم بن نزار تميم
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2074، كتاب الذكر والدعاء (11)، رقم (38 - 2699).
الجزء 1 · صفحة 22
22)
ترجمة صاحب "النُّقاية" (1) (000 - 747 هـ)
عُبَيد الله صدر الشريعة الأصغر ابن مسعود بن تاج الشريعة، محمود بن صدر الشريعة أحمد بن جمال الدين عُبَيد الله المَحْبُوبي، صاحب "شرح الوقاية"، المعروف بين الطلبة بصدر الشريعة.
هو الإمام المُتَّفَق عليه، والعَلَّامة المختلف إليه، حافظ قوانين الشريعة، مُلَخِّص مشكلات الأصل والفرع، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيهٌ خلافي جَدلِيّ، محدِّثٌ نَحْويّ لُغَويّ، أديب نَظَّارٌ متكَلِّمٌ منطقي، عظيم القدر جليل المَحَلِّ، غُذِّي بالعلم والأدب، وورِثَ المجد عن أبٍ فأبٍ.
أخذ العلم عن جدِّه الإمام تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة، عن أبيه صدر الشريعة، عن أبيه جمال الدين المحبوبي، عن الشيخ الإمام المفتي إمام زاده، عن عماد الدين، عن أبيه شمس الأئمة الزَّرَنْجَرِيّ، عن السَّرَخْسِيّ، عن الحلواني، عن أبي عليٍّ النَّسفي، عن محمد بن الفضل، عن السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير، عن أبيه، عن محمد.
وكان ذا عناية بتقييد نفائس جَدِّه وجمع فوائده. شَرَح كتاب "الوقاية" من تصانيف جده تاج الشريعة، وهو أحسن شروحه، ثم اختصر "الوقاية" وسماه "النُّقاية"، وألَّف في الأصول متنًا لطيفًا سماه "التنقيح"، ثم صنَّف شرحًا نفيسًا سماه "التوضيح"، وله "المقدمات الأربعة"، و"تعديل العلوم"، و"الشروط والمحاضر".
مات سنة سبع وأربعين وسبع مئة (747 هـ)، ومرقده ومرقد والديه وأولاده وأجدادِ والديه كلها في شرع آباد ببخاري، وأما جَدُّه أبو أبيه تاج الشريعة وأبو والدته برهان الدين فإنهما ماتا في كَرمان ودُفِنَا فيها. كذا ذكره عبد الباقي الخطيب بالمدينة المنورة الذي يرفع نسبه إلى قاضيخان (2).
(1) انظر ترجمته في: الجواهر المضية 4/ 369، والطبقات السنية 4/ 429،، وتاج التراجم ص 203، وكتائب أعلام الأخيار رقم (517)، وكشف الظنون: ص 419، 496، 1047، 1270، 1971،2011، 2021، والفوائد البهية ص 109 - 112، وفيه بحث نفيس حرَّر فيه العلَّامة اللَّكْنَوِيّ الاضطراب الواقع في ترجمته. والأعلام 4/ 197 - 198.
(2) انتهى بحروفه من الفوائد البهية ص 109 - 110.
الجزء 1 · صفحة 23
23)
نماذج من المخطوطات
صفحة وقْفِيَّة الجزء الأول من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 24
24)
الصفحة الأولى من الجزء الأول من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 25
25)
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 26
26)
صفحة وَقْفِيَّة الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 27
27)
الصفحة الأولى من الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 28
28)
الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من "فتح باب العناية"
الجزء 1 · صفحة 29
29)
صورة الصفحة الأولى من "النُّقَاية"
الجزء 1 · صفحة 30
30)
صورة الصفحة الأخيرة من "النُّقَاية"
الجزء 1 · صفحة 31
31)
?
[وبه أَستعين، ربِّ تَمِّم بالخير] (1)
الحمدُ لله الذي جعل العلماءَ ورثة الأنبياء، وخلاصةَ الأولياء، الذين يدعو لهم ملائكةُ السماء، والسَّمَكُ في الماء، والطيرُ في الهواء. والصلاةُ والسلامُ الأتمَّان الأعمَّان على زُبدةِ خُلاصة الموجودات، وعُمدة سُلالة المشهودات، في الأصفياءِ الأزكياء، وعلى آله الطيبينَ الأطهارِ الأتقياء، وأصحابه الأبرار نجومِ الاقتداءِ والاهتداء.
أمّا بعد (2)، فيقول الملتجي إلى حَرَمِ ربّه الباري، عليُّ بن سلطانٍ محمدٍ القاري الحنيفي (3) الحنفي، عاملهما الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي:
إنَّ من المعلوم عند أرباب الفهوم أنَّ علم الفقه من العلوم أهمُّها، ولنفع الخاصَّة والعامَّة أعمُّها وأتمُّها، فينبغي الاعتناء به، لتحصيل درجة الاعتلاء بسببه، وقد قال الله تعالى: {وما كان المؤمنون لِيَنْفِروا كافَّةً فلولا نَفَرَ من كلّ فِرقةٍ منهم طائفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِروا قومَهم إذا رَجَعُوا إليهم لعلَّهم يَحْذَرُون} (4)، وقال ?: {قد فصَّلنا الآياتِ لقومٍ يفقهون} (5).
وقد ورد في «مسند أحمد» و «صحيحي الشيخين» وغيرهما، عن جَمْعٍ من الصحابة أنه ? قال: «من يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّههُ في الدِّين». وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: «فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان مِنْ ألفِ عابد» (6). وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا (7): «إنَّ أُناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤن القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء، ونُصيب من دُنياهم، ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يُجتنَى من القَتَاد (8) إلا الشَّوكُ، كذلك لا يُجتنَى مِنْ قُرْبِهم إلا الخطايا».
(1) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوطة.
(2) في المطبوعة: وبعد.
(3) الحنيفي: زيادة من المخطوطة.
(4) سورة التوبة، الآية: (122).
(5) سورة الأنعام، الآية: (8).
(6) سنده ضعيف، ولكن يتقوى بتعدد طرقه. انظر كشف الخفاء 2/ 144.
(7) لفظ "مرفوعًا" سقط من المطبوعة والمخطوطة، واستدركه الشيخ عبد الفتاح أَبو غُدَّة رحمه الله تعالى في الجزء الذي حققه من هذا الكتاب.
(8) القتاد: شجر له شوك. مختار الصحاح ص 218، مادة (قتد).
الجزء 1 · صفحة 32
32)
وروى الترمذي عن أبي أُمامة: «فَضْلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وما ذلك إلا لكون العلم نفعُهُ متعدَ والعبادةُ نفعُها قاصر، ولأنَّ العلم إما فرضُ عين وإما فرضُ كفاية، والعبادةُ الزائدةُ على الفرائض لا تكون إلا نافلة، والعابدُ قد يكون مُقلِّداً، والعالم يكون مُحقِّقاً مجتهداً، فلا يكونانِ متساويَيْنِ أبداً. ومِن ها هنا
وَرَد: «يُوزَنُ مِدادُ العلماء بدماء الشهداء، ويرجُحُ مِدَادُ العلماء» (1)، مع أَنْ مدادهم أَدنى مراتب أفعالِهم، ودِماءَ الشهداء أعلى مناقب أحوالِهم.
(قَبُولُ الحديثِ المْرسَلِ)
والحاصل: أنَّ علم الفقه هو الباحثُ عن الحلال والحرام، والباعثُ على التمييز بين الجائز والفاسد من وجوه الأحكام، المحتاجُ إليه الخواصُّ والعوامّ، في جميع الساعات والأيام، لكن روى الدَّيْلَمِيّ عن علي مرفوعاً: «من ازداد علماً ولم يَزدد في الدنيا زُهداً، لم يَزدد من الله إلا بُعداً» (2).
اعلم: أن علماءنا رحمهم الله تعالى أكثَرُ اتّباعاً للسُّنَّة من غيرهم، وذلك أنهم اتَّبعوا السلفَ في قبول المُرسَل، معتقدين أنه كالمُسنَد في المعتمد، مع الإِجماع على قبول مَرَاسِيل الصحابة من غيرِ النزاع.
قال الطبري: أجمَعَ العلماءُ على قَبول المُرْسَل، ولم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكارُه إلى رأس المئتين. قال الراوي: كأنه يعني (3) الشافعي، وأشار إلى ذلك الحافظ أبو عُمرَ بنُ عبد البَرّ في «التمهيد». فمَنْ نَسَبَ أصحابَنا إلى مخالفةِ السُّنَّةِ واعتبارِ الرأي والمقايسةِ، فقد أخطأ خطأً عظيماً، لأنَّ الحديث الموقوف على الصحابة مقدَّم على القياس عندنا، وكذا الحديثُ الضعيف، فمَنْ خَالَفنَا فيما ذكرنا فهو مِنْ رأيهِ الفاسد وقياسِه الكاسِد.
والحاصل: أنَّ المُرْسَل حُجَّةٌ عند الجمهور، ومنهم الإِمامُ مالك، وقد نَقَل الحافظُ أبو الفرج بنُ الجوزي في «التحقيق» عن أحمد، ورَوَى الخطيبُ في كتاب
(1) قال المُنَاوي: قال الزين العراقي: سنده ضعيف .. وقال في "الميزان": متنه موضوع. انظر فيض القدير 6/ 466، وكشف الخفاء 2/ 400.
(2) قال المُنَاوي: قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف. فيض القدير 6/ 52. ولفظه في المطبوعة: "ولم يزدد به في الدنيا".
(3) لفظ: "يعني" لم يرد في المطبوعة، بل هو مثبت من المخطوطة.
الجزء 1 · صفحة 33
33)
«الجامع»، أنه قال: رُبَّما كان المُرسَلُ أقوى من المُسنَد. وجَزَم بذلك عيسى بنُ أبانٍ من أصحابنا، وطائفةٌ من أصحاب مالك: أنَّ المُرسَلاتِ أولى من المسنَدَات. ووَجْهُهُ أن مَنْ أسنَدَ لك فقد أحالَكَ على (1) البحث عن أحوالِ مَنْ سَمَّاه لك، ومَنْ أرسَلَ من الأئمَّة حديثاً مع علمهِ ودينِهِ وثقتِهِ، فقد قَطَعَ لك على صحته وكَفَاكَ بالنَّظَر. وقالتْ طائفة من أصحابنا ومن أصحاب مالك: لسنا نقولُ: إنَّ المُرسَلَ أقوى من المُسنَد، ولكنهما سواءٌ في وجوب الحُجَّة. واستدلُّوا بأنَّ السلفَ أرسَلوا ووَصَلوا وأسندوا، فلم يَعِبْ واحدٌ منهم على صاحبِه شيئًا مِنْ ذلك.
ورَدَّ الشافعيُّ المُرسَل إلا أن يجيء من وجهٍ آخَرَ مُسنَداً، أو مُرسَلاً أرسَله عن (2) واحد مِنْ غير رجال الأَوَّل، أو اعتَضَد بقولِ الصحابي، أو بقولِ أكثر أهل العلم، أو كان المُرسِلُ لا يُرسِلُ إلا عن عَدْل، هكذا نَصَّ عليه الإِمام فخرُ الدين والآمِدِي.
قال ابنُ الحاجِب: وقد أُخِذَ على الشافعي فقيل: إنْ أُسْنِدَ فالعمَلُ بالمُسنَدِ وهو وارِدٌ، وإنْ لم يُسنَدْ فقد انضمَّ غيرُ مقبولٍ إلى مِثْلِهِ، لكنَّ الشقَّ الثاني لم يَرِد، لأنَّ الظنَّ قد يحصل أو يقوى بالانضمام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام.
ثم اعلم: أنَّ المتأخّرِين اصطلحوا على تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف، ومُرسَل، ومُنقطِع، ومُعضَل، وغير ذلك من الأنواع المعروفة في أصول الحديث كما حققَّناه في «شرحنا» على «شرحِ النُّخبة» (3) للحافظ ابن حَجَر العسقلاني، ثم رَدُّوا مِنْ ذلك المُرْسَلَ وما بعده.
وأمَّا المتقدّمون من السلف، فلم يَرُدُّوا شيئاً مِنْ ذلك، كما فَعَل الإِمامُ مالكٌ في «موطَّئه» كذلك، وذلك لعَدَمِ الفَرقِ عندهم بين المُرسَلِ والصحيحِ والحسَنِ، ويُطلقون المُرسَلَ على المنقطِع وعلى المُعْضَل. فإذا رأى مخالِفُنا أنَّا احتَجَجْنَا بأحاديثَ مرسلةٍ، أطلق عليها أنها ضعيفةٌ على اصطلاحهم ونَسَبنا إلى العَمَل بالحديثِ الضعيفِ المعارض للحديث الصحيح أو الحسَنِ بزعمه.
(1) لفظ: "على" زيادة من المخطوطة.
(2) لفظ: "عن" زيادة من المخطوطة.
(3) طُبع "شرح شرح نُخْبَة الفِكَر" لملا علي القاري في دار الأرقم بن أبي الأرقم بتحقيقنا، وقدّم له شيخنا الفاضل عبد الفتاح أَبو غُدَّة رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 34
34)
(السَّبَبُ الدَّاعي لِذِكْرِ الأَدِلَّةِ)
ثم لم يزل أصحابُنا المتقدّمون يَعْتَنُون في كتبهم بذكر الأدلَّة من السُّنَّة، والبحثِ عنها وتبيينِ الصحيحِ والحسن والضعيف ونحوِها، كالطَّحاوي، وأبي بكر الرازي، والقُدُوري وغيرِهم. وإنما قَصَّر في ذلك المتأخرون من أصحابنا لاعتمادهم على ما تقرَّرَ عند متقدِّميهم، فنُسِبُوا إلى هَجْر السُّنَّة والشريعة ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَنْسُبَ أصحابَنا إلى هذه الخَصْلة الشنيعة.
مع أنَّ المخالفين من الشافعية يَعِيبون على أصحابِنا ما هم واقعون فيه، فلقد أكثَرَ الإِمامُ أبو إِسحاق في «المهذَّب»، وإمامُ الحَرَمين في «النهاية» وغيرُهما مِنْ ذكر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وقد بيَّنَ ذلك البيهقيُّ من متقدميهم، ثم النوويُّ والمُنْذِريُّ مِنْ متأخِّريهم في عِدة مواضع (1)، بل صَرَّحَ إمامُ الحرمين عن حديثٍ ضعيفٍ بأنه صحيح، وغلَّطه الشيخُ تقيُّ الدين، وابنُ الصلاح، والنوويُّ وغيرُهم.
فهذا الذي أوجَبَ علينا ذِكرَ الأحاديث وتبيينَها، وتعريفَ المُخَرِّجينَ لها وتعيينَها، فإنَّ صاحب «الهداية» لمَّا ذكَرَ أحاديثَ مجملةً في تقوية الدراية بالرواية، من غير إسنادٍ إلى المخرِّجين، صار سبباً لطعنِ بعضِ أحاديثه للمتأخّرين، والله الموفق والمعين.
ولما كان كتابُ «النُّقَاية» مختَصَرُ «الوقاية» التي هي مقتَصَرُ «الهداية» المقبولُ عند أرباب البداية والنهاية، من أوجزِ المتونِ الفقيهة، في مذهب السادة الحنفية، الذين هم قادة ذي المِلَّة الحنيفية، قصدتُ أن أكتب عليه شرحاً غيرَ مُخِلَ ولا مُمِلَ، يُبيِّنُ مُشكلاتِ مَبَانيه، ويُعَيِّنُ مُعْضِلاتِ مَعَانيه، مشحوناً بالأدلة من الكتابِ، والسُّنَّة، وإجماعِ الأُمَّة، واختلافِ الأئمة، وأَكتفي من الفروع بما هو كثيرُ الوقوع، رجاءَ أن أُدرجَ في سلِكْ العلماء العاملين، وأُحشَرَ في زُمرةِ الفقهاءِ الكاملين، فأقول، وبعون الله سبحانه أَحُولُ وأَجُول، وهو حَسْبي ونِعم الوكيل، في أن يَهدِيِني سَواءَ السبيل:
قال المصنِّفُ عُمدةُ العلماء، وزُبدةُ الفضلاء، الجامعُ بين معرفة الفروع والأصول، والحاوي لطريق المنقول والمعقول، صاحبُ «التنقيح» وشرحِهِ «التوضيح» مولانا وسيدُنا صدرُ الشريعة، عُبَيدُ الله بنُ مسعودِ بنِ تاج الشريعة، ـ جعل الله سَعْيَه مِنْ أعلى السعاية، والذريعة إلى مراتب الدرجات الرفيعة، مات في نَيِّفٍ وثمانين وستِّ
(1) عبارة المخطوطة: "من متأخريهم، بل في عدة مواضع صرح إمام الحرمين ... ".
الجزء 1 · صفحة 35
35)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رافعِ أعلام الشريعة الغرَّاء،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مئةٍ (1) ? سبحانه رحمةً تامةً ـ:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
أي باسمه أشرعُ لا بغيره (الحمد لله) وهو: الثناءُ بالجميل على جهة التبجيل. وجَمَع بينهما اقتداءً بالكتاب المجيد، وعملاً بما ورد من الحديث الحميد، كما رواه الحافظ الرُّهاوي في «أربعينه»: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأُ فيه بِبِاسم (2) الله فهو أقطع»، وفي رواية: «بذكرِ الله». قال ابنُ الصلاح: رجالُهُ رجالُ «الصحيحين»، وفي رواية: «فهو أبتر» رواه ابنُ حِبَّان. وروى أبو داود والنَّسائي في «عمل اليوم والليلة»: «كلُّ كلام ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمدُ لله فهو أجذم»، ورواه ابنُ ماجه: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمدُ لله فهو أقطع».
والحمدُ لغةً: هو الثناءُ بالجميل على جهةِ التبجيل، وعُرفاً: صَرْفُ العبدِ جميعَ نِعَمِ رَبِّه إلى ما خُلِقَ لأجلِه، كصَرْفِ النَّظَرِ إلى مَصُوغات مصنوعاتِه (3)، والسَّمْعِ إلى ما يُنبِاء بمرضِيَّاته، والاجتنابِ عن مَنْهِيَّاتِهِ، والقلبِ إلى تَذكُّر آياته والتفكر في صفاته. وقد بَسَطنا القولَ على مفردات البَسْمَلة والحَمْدَلة وما يتعلَّقُ بهما في بعض مصنَّفاتِنا المطوَّلة (4).
(رافعِ أَعلامِ الشريعة الغَرَّاء) بدلٌ أو بيانٌ للجلالة، ويجوز رفعُهُ وجرُّه، كما قُرِاء بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى: {الحمدُ ربّ العالمين}، ورُويَ بها في حديث «بُنِيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله ... » الحديثَ (5).
والمرادُ بالأعلام علماءُ الأنام. والغرَّاءُ: البيضاءُ النَّوْراء. وفي رفعِهم إشارةٌ إلى
(1) قال العلامة اللَّكْنَوي: لعل فيه زلة من قلم الناسخ فلتراجع نسخة أخرى. الفوائد البهية ص 110. والصواب أنه توفي سنة: سبع وأربعين وسبع مئة. انظر المراجع التالية: كتائب أعلام الأخيار رقم (517)، وتاج التراجم ص 203، والطبقات السنية 4/ 429، والجواهر المضية 2/ 506 حاشية (3)، و 4/ 369، وهدية العارفين 1/ 649، والأعلام 4/ 197 - 198، ومعجم المؤلفين 2/ 296.
(2) فائدة: ذكر شيخنا الفاضل عبد الغني الدَّقر أن ألِف الوصل تحذف من "باسم" إذا كُتبت في البسملة فقط، بشرط أن تُذكَر كُلُّها، وألّا يُذكر معها متعلِّق، فلو كتبتَ: باسم الله فقط، لم تُحذف ألِفُ الوصل، وكذلك: باسم الله الرحمن الرحيم كتابتس. انظر معجم القواعد العربية ص 539 بتصرف.
(3) في المخطوطة: مصنوعات موضوعاته.
(4) وهو: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" 1/ 3 - 7.
(5) رواه البخاري (فتح الباري) 1/ 49، كتاب الإيمان (2)، باب دعاؤكم إيمانكم (2)، حديث رقم (8).
الجزء 1 · صفحة 36
36)
جاعِلِها شجرةً أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء. والصلاةُ والسلامُ على رسولِهِ محمدٍ أفضلِ الرُّسُل والأنبياء، وعلى آله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {يَرفَعِ اللهُ الذِين آمنوا مِنْكم والذين أُوتُوا العلمَ درجاتٍ} (1). وفيما بعده إيماءٌ إلى حدِيث: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَاءِ» (2)، ولا يبعُد أن يراد بالأَعلام ما يدل على الأحكام من الكتاب، والسُّنَّةِ، وإجماعِ الأُمَّة، والقياسِ: الأدلَّة، أو ما يَدُلُّ على ترويجها كالأذان والجماعَة. ورفعُها إظهارُها.
(جاعلها) أي مُصيِّر الشريعة أو أعلامِها. والمرادُ قواعدُ أصولِ الفقه وأحكامُها (شجرةً) أي كجشرةٍ عظيمة، لها ثمرة وَسِيمة (أصلها ثابت) أي في أرضِ قلوبِ العلماء (وفرعها) أي أعلاها، أو غُصْنُها أو نتيجَتُها (في السماء) أي في سَماءِ الرِّفعةِ والعلاء، وفيه اقتباسٌ لطيف، وتضمين شريف لقوله تعالى: {ألَمْ تَرَ كيف ضَرَبَ اللهُ مثلاً كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيبة} (3) الآيةَ.
وقد وَرَد عن عبد الله بن عُمر أنه ? قال: «إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شجرةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإنها مِثْلُ المُسْلمِ، فحدِّثُوني ما هي»؟ قال عبدُ الله: فوقَعَ الناسُ في شجر البوادي، ووقَعَ في نفسي أنها النخلة، فاستَحْيَيْتُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا ما هي يا رسولَ الله؟ قال: «هي النخلةُ» قال عبد الله: فذكرتُ ذلك لعمر فقال: لأن تكون قلتَ: هي النخلةُ أحبُّ إليَّ مِنْ كذا وكذا». والمرادُ بأصلها الدلائلُ القطعية، وبفرعها المسائلُ الظَّنِّية.
(والصلاةُ) وهي: أفضلُ الثناء (والسلامُ) هو: أكمل الدعاء (على رسوله) أي المُجتَبَى من الأصفياء (محمدٍ أفضل الرُّسُلِ والأنبياء). والأنبياءُ أفضلُ من الملائكة عند أكثر العلماء، فهو أَفضلُ أهل الأرض والسماء. والصحيحُ أن النبيَّ إنسانٌ أُوحِيَ إليه، سواء أُمِرَ بالتبلِيغ أَوْ لا، والرسولُ من أُمِرَ بتبليغه.
(وعلى آله) أي أَهلِ بيته وأَقاربه، أَوْ جميع أُمَّته، لِمَا روى تمَّام في «فوائده» أَنه قيل: مَنْ آلُك يا رسول الله؟ قال: «آلي كلُّ تقيّ إلى يوم القيامة» (4). والتقوى لها
(1) سورة المجادلة، الآية: (11).
(2) أخرجه الخطيب عن جابر ? بلفظ: "الحنيفية السمحة"، والديلمي عن عائشة ? بلفظ: "إني بعثت ... "، وأحمد في مسنده بسند حسن. انظر كشف الخفاء 1/ 217، وفيض القدير 3/ 203.
(3) سورة إبراهيم، الآية: (24).
(4) خلاصة ما قيل فيه: إن أسانيده ضعيفة، ولكن شواهده كثيرة، توصله لدرجة الحسن لغيره. انظر كشف الخفاء 1/ 18 - 19.
الجزء 1 · صفحة 37
37)
وأصحابه نُجُومِ الاقْتِدَاء والاهْتِدَاءِ.
وبعد، فإنَّ العبدَ المتوسِّلَ إِلى الله تعالى بأقوى الذَّرِيعَة: عُبَيدَ الله بن مسعود بن تاج الشريعة - سَعِدَ جَدُّه، ............
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مراتبُ أدناها الاجتنابُ من الشرك بالله، وأعلاها من ملاحظةِ ما سِواه.
(وأصحابِه) أي كلِّ مَنْ لقِيَه وآمَنَ به وماتَ عليه (نجوم الاقتداء والاهتداء) وفيه تلميحٌ إلى أنَّ أنوارَ عُلومِهم وأسرار فُهومِهم، مقتبسةٌ مِنْ مِشكاةِ صَدْرِ أربابِ النُّبُوَّة، الموصوف بكونه {سراجاً منيراً} (1) المرادِ به شمسُ سماءِ الرِّفْعَة والعَلاء، كما أنَّ أنوار الكواكب مستفادةٌ من ضياءِ شمسِ السماءِ، كما أشار إليه شارح متن «الحِكَم». وفيه أيضاً إيماءٌ إلى قوله ?: «أصحابي كالنُّجومِ بَأيِّهم اقتديتُم اهتديتم» (2)، وفيه تنبيهٌ نبيهٌ على تقديم الحَسَب على النَّسَب.
(وبعدُ) مبنيّ على الضم لِقَطْعِه عن الإِضافة، أي بعدَ البسملة والحمدلةِ والتَّصْلِيَة (فإنَّ العبدَ) الفاءُ لتوهم تحرير أمَّا، أو تقريره بتقدير، أو لدفعِ تجويز إضافةِ بعدُ إلى ما بعده، وقيل: الواوُ قائمة مقام أمَّا. (المتوسِّلَ) أي طالب الوسيلة إلى مقام القُربة والوُصْلة. وفي بعض النسخ: يقول العبدُ المتوسِّل (إِلى الله تعالى) شأنُه، وتعظَّم بُرهانُه (بأقوى الذريعة) أي بأعظم أنواع الوسيلة الشريفة، إلى وصولِ الدرجات المُنِيفة، ومنه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وابتغوا إليه الوسيلة} (3).
(عبيد الله) عطفُ بيان للعبد. فعلى النسخة الأولى منصوب، وعلى الثانية مرفوع (بن مسعود بن تاج الشريعة، سَعِدَ) بفتح فكسر، أو بصيغة المفعول، وبهما قُراء قوله تعالى: {وأمَّا الذين سَعِدُوا} (4). (جَدُّه) بفتح الجيم، أي حَظُّه، ومنه حديثُ: «ولا يَنفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ (5)»، وفُسِّر بِأبي الأمّ والأبّ، وعُلوِّ النسب أيضاً. فيكون في العبارة تورية، وهي: أن يُؤتى بكلمة لها معنيانِ، أحدُهما قريبٌ متبادر إلى الذهن، والآخَرُ بعيد، ويُراد به الأخير.
(1) سورة الأحزاب، آية: (46).
(2) رواه البيهقي في "الاعتقاد" ص 171. وقال اللَّكنَوي في "تحفة الأخيار" ص 53: وقد طال كلامهم على هذا الحديث تضعيفًا وجرحًا حتى ظن بعضهم أنه موضوع، وليس كذلك، نعم طُرق روايته ضعيفة، ولا يلزم منه وضعها، بل قد حسَّنه الصَّغَاني. انتهى باختصار.
(3) سورة المائدة: آية: (35)
(4) سورة هود، آية: (108). قرأ حفص والأَخَوَان: (حمزة والكسائي)، وخَلَف بضمِّ السين، وقرأ الباقون بفتحها. "البدور الزاهرة" ص 159.
(5) أخرجه البخاري (فتح الباري) 2/ 325، كتاب الأذان (10)، باب الذكر بعد الصلاة (155)، حديث رقم (844).
الجزء 1 · صفحة 38
38)
وأُنجحَ جِدُّه - يقول: لَمّا ألَّفَ جَدِّي ومولاي العالمُ الربَّانيّ، والعاملُ الصَّمَدَاني، بُرهانُ الشريعة والحقِّ والدِّين، وارثُ الأنبياء والمرسلين، محمودُ بن صدر الشريعة، جزاه الله تعالى عني وعن سائر المسلمين خير الجَزَاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وأُنجحَ جِدُّه) بكسر الجيم، أي سَعْيُهِ. ورُوِي به في الحديث أيضاً. وفي نسخة: قَصْدُه، أي نِيَّتُه ومَقْصِدُه. فالمعنى: ظَفِر (1) بمقصوده مِنْ باب معبوده. والجملتان دعائيتانِ معترضتان. (يقول) خبر إنَّ على النسخة الأولى، وساقطٌ من النسخة الثانية:
(لما ألَّف جدي) أي حين صَنَّف أبو والدي (ومولاي) أي مخدومي في مقام الفضل، ومُعتِقي مِنْ رِقّ الجهل (العالمُ الربانيّ) منسوبٌ إلى الربّ بزيادة الألف والنون للمبالغة كاللِّحيْاني، ومعناه: الكاملُ الجامعُ في العلم النافع، والعمل الرافع، لما رَوَى شعبة، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود ? في قوله تعالى: {ولكن كونوا رَبَّانِيِّين} (2) قال: حُكَمَاءَ وعُلمَاءَ. وفي رواية: كادوا أن يكونوا أنبياءَ. وعن ابن عباس ?: الربَّانيُّ: هو الذي يُربِّي الناسَ بصِغَارِ العلمِ قبلَ كباره (والعاملُ الصَّمَدانيّ) أي منسوب إلى الصَّمَد، لأنه يُصْمَدُ إليه في الحوائج ويُقْصَد، وقيل: الصَّمَدانيُّ: هو الذي يَقْصِدُ بعمله وجْهَ الله سبحانه لا غير (برهان الشريعة) وهي ظاهِرُ المِلَّة. والبرهانُ بيانُ الحُجَّة (والحقِّ) وهو الأمرُ الثابت من أطوار الطريقة وأسرار الحقيقة (والدين) وهو جامعُ المعارف اليقينية (3) (وارثُ الأنبياء والمرسلين) أي آخِذُ علومِهِم مِنْ بعدِهم.
وقد وَرَد أنَّ: «العلماءَ ورَثَةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لا يُورِّثونَ ديناراً ولا درهماً وإنّما ورَّثوا العلمَ، فمن أخَذَه أخَذَ بحظٍ وافر» (4)
(محمودُ بن صدر الشريعة جزاه الله تعالى عني) أي جزاه عن قِبَلي، وكافأه عِوَضي وَبَدَلي (وعن سائرِ المسلمين) فيما أفادني وإياهم مِنْ أمر الدين (خيرَ الجزاء)
(1) في المخطوطة: "ظاهر" بدل "ظَفِر".
(2) سورة آل عمران، آية: (79).
(3) في المخطوطة: جامع معارف اليقين.
(4) أخرجه أَبو داود في سننه 4/ 57 - 58، كتاب العلم (24)، باب الحث على طلب العلم (1)، رقم (3641). والترمذي في سننه 4/ 47، كتاب العلم (39)، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (16)، رقم (2682). وابن ماجة في سننه 1/ 81، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (17)، رقم (223). وقد أخرج البخاري جزأً منه تعليقًا (فتح الباري) 1/ 159 - 160، كتاب العلم (3)، باب العلم قبل القول والعمل ... (10).
الجزء 1 · صفحة 39
39)
لأجل حفظى كتابَ: "وِقاية الرِّوَاية في مسائِلِ الهداية"، وهو كتابٌ لم تَكْتَحِلْ عينُ الزمان بثانيه، في وجَازَةِ ألفاظه، مع كثرة معانيه.
لكن قَصَرَتْ هِمَّةُ أكثر أهل الزمَان عن حفظه، فاتَّخَذْتُ منه هذا "المختصر"، مشتملًا على ما لا بُدَّ منه، فمَن أَحَبَّ استحضارَ مسائل "الهِدَاية"، فعليه بحفظ "الوِقاية"، ومَن أَعْجَلَهُ الوقتُ، فليصرفْ إِلى حفظ هذا المختصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد وَرَد: «من أتى إليكُم بمعروفٍ فكافِئُوه، فإنْ لم تجدوا فادْعُوا له» (1)
وفي حديثٍ آخر: «من صُنِعَ إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء» (2)، أي فكافأه في الجزاء في مقام الدُّعاء (لأجل حفظي) عِلْمَ الفِقْه. متعلِّقٌ بـ: أَلَّفَ (كتاب «وقاية الرواية») مفعول ألَّفَ. والوِقاية بالكسر، وتُثَلَّث: ما وَقَيْتَ به شيئاً وحفظتَهُ بالرعاية (في مسائل الهداية) وهي «شرح البداية» للإِمام بُرهان الدين المَرْغِينَاني.
(وهو) أي: كتابُ «وِقايةِ الرواية»، أو «وقايةُ الرواية»، وتذكيرُهُ لأنه مصدر، أَوْ لتذكير خبرِهِ وهو (كتابٌ لم تَكْتَحِل عينُ الزمان بثانيه) أي لم يُوجَدْ له نظير (في وجَازة ألفاظه) بكسر الواو أي قِلَّةِ مَبَانِيه (مع كثرة معانيه) أي فكان الواجبُ على كلِّ أحدٍ أن يُقبِلَ عليه، ويَقْبَلَ ما يُنْسَبُ إليه.
(لكن قَصَرت) أي بَعُدَت أو خلت (هِمَّةُ أكثر أَهل الزمان) من جملة الإِخوان (عن حفظه) مع أنه في غاية من الإِتقان (فاتخذتُ منه هذا المختصرَ) وكان الأولى أن يقول: فاتخَذْتُ هذا المختَصَر عنه ليكونُ مُسَجَّعاً مع قوله (مشتملاً على ما لا بُدَّ منه) أي لا مَنْدُوحَة عنه، ولا استغناءَ منه، حالٌ مقدَّرة كقوله سبحانه: {فادخُلُوها خالدين} (3). ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً نحو قوله تعالى: {اتخَذُوا أيمانَهم جُنَّةً} (4). وفي بعض النسخ: مشتملاً على مسائِلَ لا مندوحَةَ عن حفظها.
(فمن أحب) وفي نسخة: أراد (استحضارَ مسائل الهداية) ضبطاً. وفي نسخة: أحبَّ ضَبْطَ مسائِلِ الهداية (فعليه بحفظ «الوقاية») ربطاً، (ومَنْ أعجله الوقتُ) أي لم يَسَعْهُ حِفْظُه في مقام الرعاية (فليصرف إِلى حفظ هذا المختصر) المسمى بالنُّقاية
(1) أخرجه أَبو داود في سننه 2/ 310، كتاب الزكاة (9)، باب عطية من سأل بالله (38)، رقم (1672). والنسائي في سننه 5/ 87، كتاب الزكاة (23)، باب من سأل بالله ? (73)، رقم (2566). ومسند الإمام أحمد 2/ 68، 99، 127.
(2) أخرجه الترمذي في سننه 4/ 333، كتاب البر والصلة (5 2)، باب ما جاء في المتشبِّع بما لم يُعطه (87)، رقم (2035).
(3) سورة الزمر، آية: (73).
(4) سورة المجادلة، آية: (16).
الجزء 1 · صفحة 40
40)
عِنان العناية، إِنه وَلِيُّ الهداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(عِنان العناية) أي لجام الاهتمام في الغاية (إِنه) أي الله سبحانه (ولي الهداية) وهي: ضِدُّ الضَّلالة والغَوَاية. وقيل: الضميرُ إلى المختَصَر، والهداية إمَّا اسمُ الكتاب، والمعنى أنَّ المختَصَر متولِّي أمْر «الهِدَاية»، بمعنى أنه يَحْصُل منه ما يَحْصُل من مسائل «الهداية». وإمَّا معناه اللغوي، أي هذا المختَصَرُ يَهدِي إلى علِمِ الفِقه لأرباب البِداية. والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 41
41)
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
فَرضُ الوُضُوءِ: غَسْلُ الوَجْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الطهارة
(كتابُ الطهارةِ) أي جِنسها، وافتَتَح بها لأنها مفتاحُ الصلاة التي هي أمُّ العبادات المقدَّمةُ على المعاملات، مع ما في الطهارة من الإِيماء إلى النزاهة الباطنيَّة، عن الاعتقادات الرديَّة، والأخلاق الدنيَّة.
والكتابُ مصدرٌ بمعنى المفعول، واصطلاحاً: طائفةٌ من المسائل إما في الفروع وإما في الأصول. والطهارةُ لغةً: مجرَّدُ النظافة، وشرعاً: النظافةُ عن الحدَث أو الخَبَث. وسبَبُ وجوبِها إرادةُ الصلاة وما يُشابهها مما لا يصِحُّ وجوبُه (1) بدونها. وشَرْطُه الحَدَثُ أو الخَبَث.
(فَرضُ الوُضوء) بضمّ الواو: الفعلُ المخصوص، مشتقٌّ من الوَضاءة وهي: النَّقاوة. وبفتحها: الماءُ المُعَدُّ له. وقدَّمَه على الغُسْل لأنَّ الحاجة إليه أكثر، ولأنَّ محلَّه جزءٌ من محلّ الغُسل، ولأنه تعالى قَدَّمَهُ عليه.
والفرضُ عندنا: ما لَزِمَ فعلُه بدليلٍ قطعي، وحُكمهُ، أن يَستحِقَّ فاعلُه الثوابَ، وتاركُه العقابَ.
وأما الواجبُ فما ثَبَتَ لُزومُه بدليلٍ ظنّي. وثوابُ فاعلِهِ دون ثواب فاعلِ الفرض، وعقابُ تارِكِه أقلُّ من عقابِ تارك الفرض. الفرضُ ما يفوت العملُ بفوته، بخلاف الواجب. والعجَبُ من الإِمام الشافعي في عدمِ الفرقِ بينه وبين الظني، وتسميتِهِ الكلَّ واجباً، مع أنه اضطرَّ إليه في باب الحجّ.
وقال السُّهَيلي: «وكانت فريضةُ الوضوء بمكة، ونزلَتْ آيتُهُ بالمدينة، وأخرَجَ عن أسامة بن زيد بن حارثة أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ رسول الله ? في أوَّل ما أُوحِيَ إليه أتاه جبرائيلُ ? فعلَّمه الوضوءَ، فلما فَرَغ من الوضوء أخذ غَرْفَةً من ماءٍ فنَضَحَ بها فَرْجَه».
وَزَعَم ابنُ الجَهْم المالكي أنه كان مندوباً قبل الهجرة، وابنُ حَزْمٍ أنه لم يُشرَع إلا في المدينة.
فَفَرْضُ الوضوء مبتدأ، أي فرائضهُ أربعة: (غَسلُ الوجه) بفتح الغين مصدرُ غَسَلَ،
(1) في المخطوطة: وجوده.
الجزء 1 · صفحة 42
42)
من الشَّعَرِ إِلى الأُذُن وأسفلِ الذَّقَن، ويديه ورِجليه مع مِرْفَقَيه وكعبيه، ومسحُ رُبْع رأسه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى إسالةِ الماءِ وإمرارِه على العضو بحيث يتقاطر، وعن أبي يوسف أنه مجرَّدُ الإِسالة، وعنه أنه يكفي بَلُّ العضو. وبالضمّ: الاسمُ للفعل المخصوص. وبالكسر: ما يُغسَلُ به.
وحَدُّ الوجه: (من) مبدأ (الشَّعَر) بفتحهما، ويُسكَّن الثاني، أي شَعرِ الرأس غالباً، والأوجَهُ أن يقال: من مبدأ الجبهةِ الذي يلي الشعر (إِلى الأذن) بضمتين، وبضمّ فسكون، فهذا بيانُ عرْضه الشامل لليُمنَى واليُسرَى، فيكون ما بين العِذَارِ (1) والأذُنِ واجب الغَسْلِ كما هو مذهبُ أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف (و) إلى (أسفل الذَّقَن) بفتحتين وهو: مَجْمعُ اللَّحْيَيْن، وهذا بيانُ طوله. وفي الابتداءِ من الجبهةِ الحدِّ الأعلى: إيماءٌ إلى أن السُّنَّة في غَسلِ الوجه أن يَمُرَّ من الجبهة إلى الذَّقَن.
(ويديه ورجليه) أي وغَسلُ يديه ورجليه. والضميرُ لصاحبِ الوجه، لدلالة الوجه عليه، أو إلى المتوضّاء، لأنَّ سياق الكلام يُشير إليه.
وقالت الشيعةُ: الواجبُ في الرجلين المسحُ، وقال ابنُ جرِير: هو مخيَّر، وقال بعضُ الظاهرية: يجبُ الغَسلُ والمسحُ، ويأتي تحقيقُ الكلام على هذا المرام (2).
(مع مرفقيه وكعبيه) أي مع غَسْل كلّ منهما. والمِرفَقُ بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسِهِ: مُجتَمعُ العَضُدِ والساعِد. والكعْبُ ها هنا: العظمُ الناتاء عند أسفلِ الساق، وقال زُفَر وداودُ: لا يَدْخُل المرفَقان ولا الكعبان في غَسْل الوضوء.
ويُستَحبُّ ابتداؤه مِنْ رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين، لأنه سبحانه جعَلَ المرافقَ والكعبين غايةَ الغَسْل، فينبغي أن تكون نهايةَ الفِعل.
(ومسحُ رُبْع رأسه) عطفٌ على غَسْل الوجه. والمسحُ إصابَة اليدِ المبتلَّةِ العضوَ، إما بَللاً يأخذه من الإِناء، أو بَللاً باقياً في اليدِ بعد غَسْلِ العضو من المغسولات، لا بللاً باقياً في يدِهِ بعدَ مَسْحِ العضوِ الممسوح، أو مأخوذاً من العُضوِ المغسولِ أو الممسوح.
وقال الشافعي: الفرضُ في المسح ما يقع عليه اسمُه، وهو روايَةٌ عن أحمد. وقال مالك وأحمد: جميعُ الرأس.
(1) العِذَار: عذارا اللحية: جانِباها. المغرب في ترتيب المعرب: 2/ 48. وهو الشعر النابت على العَظْم الناتئ بقرب الأُذن. القاموس الفقهي ص 245.
(2) ص 45.
الجزء 1 · صفحة 43
43)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ودليلُ جملةِ ما ذكرنا قولُه تعالى: {يا أيها الذين آمَنوا إذا قمتُم إلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامْسَحُوا برءُوسِكم وأرجلَكمِ إلى الكعبين} (1). ومعنى قمتم إلى الصلاة: أردتم القيام إليها، فأُقِيمَ السبب مقامَ سببِهِ الخاصّ للملابسة بينهما في تمام النظام ولإِيجاز الكلام. وظاهرُ الآية وجوبُ الوضوء على كلّ قائم إلى الصلاة وإن لم يكن مُحدِثاً، وهو خلافُ الإِجماع، ولأنه ? «صلَّى بوضوءٍ واحدٍ خمسَ صلواتٍ عام الفتح، فقال عُمَرُ ?: صَنَعَت ما لم تكن تصنعه؟ فقال: عَمْداً صَنَعتُه يا عُمَر» (2). فلا بُدَّ من تأويلٍ في الآيةِ، فقيل: مطلَقٌ أُرِيدَ به التقييد، والمعنى وأنتم مُحدِثون. وقيل: الأمرُ فيها للندب، ولهذا كان ? يُجدّدُ الوضوءَ لكلّ صلاة في غالب الأيام.
ومعنى «إلى» عند المحققين الغايةُ مطلقاً، وأمَّا دخولُ ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجُهُ عنه، فأمرٌ يدورُ مع الدليل. فممَّا قام الدليلُ فيه على خروجِ ما بعدها قولُه تعالى: {فنَظِرةٌ إلى مَيسرة} (3)، إذ لو دَخَل لكان الإِنظار واجباً حالةَ اليسر أيضاً، وهو ممنوع اتفاقاً. وقولُه تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصيامَ إلى اللَّيل} (4)، إذ لو دخل لوجَبَ الوصال، وهو من المُحال. ومَّما قام الدليلُ فيه على دخولِ ما بعدها قولُه تعالى: {سبحانَ الذي أسْرَى بعبدِه ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى} (5)، للعِلم بأنه لا يُسرِي به إلى البيتِ المُقدَّسِ من غير أن يُدْخلِه. وقد وَرَد أحاديثُ ممَّا يدلُّ على دخوله.
وأمَّا قولُه تعالى: {إلى المرافقِ} وقولُه: {إلى الكعبين} (6) فأخَذَ زُفَر وداودُ فيهما بالمتيقَّنِ فلم يُدخلاها في الغَسل، وأَخَذ الجمهورُ بالاحتياط وأدخلوها فيه لكونه ? أدارَ الماءَ على مَرافِقه.
ومعنى الباءِ في {برءوسِكم} للإِلصاق، وماسِحُ بعضِ رأسه ومستوعِبُه كلاهما مُلصقٌ المسحَ برأسه. فأخَذَ الشافعي بالمتيقَّن، وأخَذَ مالكٌ بالاحتياط، وأخَذَ أبو حنيفة
(1) سورة المائدة، آية: (6).
(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 1/ 232، كتاب الطهارة (2)، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (25)، رقم (86 - 277).
(3) سورة البقرة، آية: (280).
(4) سورة البقرة، آية: (178).
(5) سررة الإسراء، آية: (1).
(6) سورة المائدة، آية: (6).
الجزء 1 · صفحة 44
44)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رحمه الله تعالى ببيَانِ رسول الله ? وهو ما روى مسلم والطبراني عن عُروة بن المُغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة: «أنَّ النبي ? توضَّأ ومسَحَ بناصيته وعلى الخُفَّين». وروى أبو داود والحاكم وسَكَتا عنه، من حديث أبي مَعْقِل، عن أنس بن مالك (1) قال: «رأيتُ رسول الله ? يتوضَّأ وعليه عمامةُ قِطْريَّة ـ وهي بكسر القاف نوعٌ من البُرود ـ فأدْخل يدَه مِنْ تحتِ العِمامة فمَسَحَ مقدَّمَ رأسه ولم يَنْقُض العِمامة». وروى البَيهِقيُّ عن عطاءٍ: «أنه ? توضَّأ في (2) العِمامة ومسَحَ مقدَّمَ رأسهِ ـ أو قال ـ ناصيتِهِ». وهو وإن كان مُرسَلاً إلا أنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، كيف وقد اعتَضَد بالمتَّصل.
أما قولُ صاحب «الهداية»: «والمفروضُ في مسحِ الرأس مقدارُ الناصية، وهو رُبعُ الرأس، لما روى المُغيرةُ بن شُعبة: «أنَّ النبي ? أَتَى سُباطَةَ (3) قومٍ فبال، وتوضَّأ ومسَحَ على ناصِيَتِهِ وخُفَّيه» فمركَّبٌ من حديث المغيرة وحديث حذيفة، أَما حديث المغيرة فرواه مسلم عنه: «أنَّ النبيَّ ? توضَّأ فمسَحَ بناصيته وعلى العِمامة وعلى خُفَّيه». وأمَّا حديث حذيفة فرواه الشيخان عنه قال: «أَتَى النبيُّ ? سُبَاطَةَ قومٍ فبال قائماً، ثم دعا بماءٍ فجئتُه بماء فتوضَّأ»، وفي روايةٍ لمسلم: «فتوضَّأ، فمسَحَ على خُفَّيه». وقد رواه ابنُ ماجه عن المغيرة (4) بأَسنادٍ مختلفة مختلَفٍ فيه (5) كما ساقه صاحبُ «الهداية». ومعلومٌ أنَّ الناصيةَ ومقدَّمَ الرأس أحَدُ جوانبه الأربعة، إذ ظاهرهُ استيعابُ تمام المقدَّم، وتمامُه هو الرُّبع المسمَّى بالناصية، فلو كان مسحُ ربع الرأس ليس بمُجزاءٍ لم يَقتَصر في ذلك الوقت عليه، ولو كان مسحُ ما دونه مُجزِئاً لَفعَلَه ? ولو مرَّةً في عُمُرِه تعليماً للجواز، إذ يجب عليه مثلُ ذلك.
بقي الكلامُ على أنَّ مسحَ الرُّبع فرضٌ عملي لا اعتقادي، لأنَّ خبرَ الآحادِ ظنّي في نفسِه مع قطعِ النظر عن صحة دلالته. وقد يُطلقُ الفرضُ على ما يفوت الجوازُ بفوته، كغَسْل الفم والأنف في الغُسل، ويُسمَّى ذلك فرضاً ظنيّاً.
(1) قوله: "عن أنس بن مالك" سقط من المطبوعة والمخطوطة واستدركها الشيخ عبد الفتاح أَبو غُدَّة ?. فتح باب العناية 1/ 24.
(2) في المخطوطة: "فحسر" بدل "في".
(3) الشباطة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يُكنس من المنازل. النهاية 2/ 335.
(4) في المخطوطة والمطبوعة: "وقد رواه المغيرة من جهة ابن ماجة" وهو تحريف فيه قلبٌ. نبه عليه شيخنا عبد الفتاح أَبو غُدّة ?.
(5) عبارة المطبوعة: "بإسناد مختلفة كما" والمثبت من المخطوطة.
الجزء 1 · صفحة 45
45)
وكلِّ ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ مِن لِحْيَتِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والواجبُ: هو الذي لا يَلزَمُ اعتقادُ حقِّيَتِه، لثبوتِه بدليلٍ ظنيّ. ويَلزَمُ العمَلُ بمُوجَبِهِ للدلائل الدالَّةِ على وجوب اتِّباع الظنّ في أخبار الآحاد. وقد يُستعملُ الواجبُ بمعنى الفَرْض وبالعكس، كقولهم: الحجُّ واجب، والوِتْرُ فَرْض.
ثم قوله تعالى: {وأرجُلَكم} بالنصب على قراءةِ نافعٍ وابن عامر وحفصٍ والكِسائيِّ عطفاً على {وجوهَكم}. والباقون بالجرّ. فقيل: على الجِوَار (1)، كقولهم: ماءُ بئرٍ (2) باردٍ، وجُحْرُ ضَبَ خَرِبٍ. وحكمةُ العُدُولِ إفادةُ الترتيب سُنِّيَّةٍ (3) أو وجوباً. وقيل: عُطِفَتْ على الممسوحِ لا لتُمْسَح بل ليُنبَّه على وجوبِ الاقتصاد في صَبّ الماءِ عليها، لكون غَسْل الرِّجْل مظِنَّةً للإسرافِ الموهوم (4). ونبَّه بقوله: {إلى الكعبين} على أنها غيرُ ممسوحة، لأن المسح لم يُضرَبُ له غاية في الشريعة.
والأظهَرُ أنّ القراءتين مُبْهَمتان محمولتان على الحالتين، كما نبّه عليه (5) ? بفعلهِ حيث غَسَلهما وقت عُرْيهِما، ومسَح عليهما حالَ لبسِهما، وقد قال الله تعالى: {لتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم} (6). ومما يدلُّ عليه ما تواتَرَ عنه أنه ? كان يَغْسلِ رجْلَهِ. ولم يُرْوَ أنه مسَحَ على رِجْلهِ قطُّ مكشوفة، بل ولمَّا رأى لُمْعة على رِجْلَيْ بعض الصحابة حيث غَسَلهُمَا عَجَلَةً قال: «ويلٌ للأعقاب من النار» رواه مسلم.
(وكلِّ ما يستر) بالجرّ، عَطْفٌ على رُبْع رأسِه، أي ومَسْحِ كلِّ ما يُغَطّي (البشرة من لحيتهِ) بيانٌ لـ «مَا»، والبَشَرةُ ظاهِرُ البَشَر. واحتَرَز بما يَسترها عن الشَّعر المسترسِل، فإنه لا يجب غَسْلُه عندنا، وأوجَبَه مالكٌ والشافعيُّ بقوله ? لرجُلٍ غطَّى لحيتَه بثوبٍ: «اكشِفْها فإنها مِنْ الوجه». والجوابُ أنه غيرُ صحيح، ولا على المدَّعَى صريح. ثم هذه روايةٌ عن أبي حنيفة، ووجهُهَا أنَّ غَسْلَ البَشَرَة لمَّا سقَطَ لعدَمِ المواجهةِ بها أو لعُسْرِه، وجَبَ مَسْحُ شيء هو ساتِرُها كالجَبيرة.
أو عطفٌ على رأسهِ، أي ومَسْحِ رُبع كلّ ما يسترها. فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: يجِبُ مَسْحُ رُبع ساتِرِ البَشَرة، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحته صار
(1) المجاورة: هي إعطاء الكلمة حركة الكلمة المجاورة لها. معجم القواعد العربية ص 422.
(2) في المخطوطة: "شن" بدل "بئر".
(3) في المخطوطة: "سنة" بدل "سنية".
(4) في المخطوطة: "المذموم" بدل "الموهوم".
(5) عبارة المخطوطة: "كما بيَّنه ?".
(6) سورة النحل، آية: (44).
الجزء 1 · صفحة 46
46)
[سُنَنُ الوُضُوءِ ومُسْتَحبَّاتُه]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كالرأس يُفترَضُ مَسْحُ ربعه (1).
والأصَحُّ ما رُوِي عن أبي حنيفة ومحمد أنه يجبُ إمرارُ الماءِ على ظاهرِ اللحية، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحت الشَّعر انتقَلَ الواجب إليه من غيرِ تغييرٍ، كالحاجبينِ وأهدابِ العينين. وفي «البدائع» عن أبي شُجَاع: أنهم رَجَعُوا عما سوى هذا القول. وفي «الفتاوى الظهيرية»: وعليه الفتوى.
والخلافُ إنما هو في اللحيةِ الكثيفة، إذ يجبُ اتفاقاً غَسلُ شعر اللحية الخفيفة، وهو ما يشاهد منه البشَرةُ اللطيفة. ولا يجبُ غَسْلُ ما انكتم من الشفتين عند الانضمام المعتاد، فإنه تبَعٌ للفم على الأصح، وما ظَهَر فللوجه. ولا باطِنِ العينين ولو في الغُسل لخوفِ الضرر. وقد تكلَّفه بعضُ السَّلَف كابنِ عُمَر وابنِ عباس فكُفَّ بصَرُهما في آخِر عُمرهما.
فروع
ومن الفروعِ الكثيرة الوقوعِ: لو انضمَّت الأصابعُ، أو طال الظُّفُر فغطَّى الأُنملَةَ بحيث لا يُتيقَّنُ وصولُ الماء إلى أثنائها في الصورتين، أو كان فيه ما يَمنعُ وصولَ الماء كعجينٍ يابس وشمعِ: يجبُ غَسْلُ ما تحته، ولا يكفي إجراءُ الماء على البَدَن لعروض الحائل. واختُلِفَ في التراب، ولا يَمْنعُ الوسخُ ولا خُرءُ البراغيث ووَنِيمُ الذباب (2). ونحوُ ذلك.
ويجب تحريكِ الخاتم الضيِّق في المختار من الرواية، لأن النبي ? «كان إذا توضَّأ وضوءَ الصلاة حرَّك خاتمه في إصبعه» رواه ابنُ ماجه.
ولو ضَرَّه غَسْلُ شُقوقِ رِجْليه أَجرى الماءَ على ظاهر الدواء.
ولا يجوزُ المسحُ على ما جاوز الأُذنينِ من الشعر، لعدَمِ كونه من الرأس حقيقةً ولا حكماً. ولا يُعاد الغَسْلُ والمسحُ على موضعِ الحلْق وقطعِ الظفر ونحوِ ذلك لعدم الحدَث.
(سُنَنُ الوُضُوءِ)
(وسُننه): أي سُنن الوضوء. وفي نسخة: سُنَّتُه، وهي الطريقةُ المسلوكةُ في الدين من غير افتراضِ ولا وجوب، ويَستحِقُّ فاعِلُها الثواب، وتاركُها الملامةَ والعتاب. قال ابنُ الهُمَام: «والسُّنَّةُ ما واظَبَ عليها ? مع تركها أحياناً». وفيه: أنَّ بعضَ سُنَن الوضوء مما لم يَثْبت أنه ? تركَهُ أصلاً كالترتيب،
(1) عبارة المخطوطة والمطبوعة: "كالرأس يفترض مسح ربع رأسه" ولعله سبق قلم.
(2) ونيم الذباب: خُرؤه. المصباح المنير ص 258، مادة (ونم).
الجزء 1 · صفحة 47
47)
البِدَاءةُ بالتسمية،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والوِلاءِ (1)، والتيامُنِ، وكذا النيَّة.
(البداءةُ) بالكسر، ويُضَمّ. وكذا البِداية بالياء. وفي «المُغْرِب» (2) أنها عاميَّة، وهو الابتداءُ (بالتسمية) وأقلُّها باسم الله، وأعلاها تكميلُها بالنَّعْتَين. وقال ابنُ الهمام: لفظُها المنقولُ عن السَّلَفِ الكرام وقيل عن النبي ? باسم الله العظيم والحمدُ لله على دين الإِسلام. انتهى. وقد روى معمرٌ عن ثابت، وقتادة عن أنس قال: «نظَرَ أصحابُ رسول الله ? وَضُوءاً فلم يجدوا، قال: فقال رسولُ الله ? ها ها ماءٌ، فرأيتُ النبيَّ ? وضَعَ يدَه في الإِناء الذي فيه الماء ثم قال: توضَّؤا بِبِاسم الله، قال: فرأيتُ الماءَ يفورُ مِنْ بين أصابِعه، والقومُ يَتوضَّؤن حتى توضَّؤا مِنْ آخِرِهِم. قال ثابتٌ: فقلت (3) لأنس: تُراهم كم كانوا؟ قال: نحواً مِنْ سبعين». رواه البيهقيُّ وقال: هذا أصحُّ ما في التسمية، وأخرجه النسائي، وابنُ مَنْدَه، وأبو بكر بنُ خُزَيمة، والدَّارَقُطْني، قاله في «الإِمام»، وقال النووي: إسنادُهُ جيِّد.
وذهب أحمدُ إلى أنَّ التسميةَ شرطٌ في الوضوء، لما روى الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي ? قال: «لا صلاةَ لمن لا وضُوءَ له، ولَا وُضوءَ لمن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عليه»، وضُعِّفَ حديثُ أبي داود بالانقطاع، وهو عندنا ـ كالإِرسال بعد عدالة الرواةِ وثقتِهم ـ لا يَضرُّ، وروى ابنُ ماجه عن أبي سعيد أنه ? قال: «لا وُضوءَ لمن لم يَذكُرِ اسم الله عليه»، وكذا رواه البيهقي.
وأُجيبَ: بأنَّ المرادَ نفيُ الفضيلة والكمال، لا نفيُ الجواز والصحة، كحديث: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ»، ولِما رَوَى أصحابُ «السُّنَن الأربعة» من حديث علي بن يحيى بن خلاَّد أنَّ النبي ? قال للمُسيءِ صلاتَه: «إذا قُمتَ فتوضَّأ كما أمَرَك اللهُ». وليس في الوضوءِ الذي أَمرَ الله به التسميةُ. ولِمَا رواه الدارقطني مرفوعاً: «من توضَّأ وذكَرَ اسم الله فإنه يَطْهُر جسَدُه كلُّه، ومن توضَّأ ولم يَذكُر اسمَ الله لم يَطهُرْ إلا موضعُ الوضوء» (4).
وفي «الهداية»: الأصحُّ أنها مستحبة. قال ابنُ الهمام: يجوزُ كَوْنُ مستَندِهِ فيه ضعفَ الأحاديث، ويجوزُ كونُهُ حديثَ المهاجِرِ بن قُنْفُذ، قال: «أتيتُ النبيَّ ? وهو
(1) الوِلاء: التعاقب بين الأفعال، بفعل الثاني منها بعد الأول من غير فصل. معجم لغة الفقهاء ص 509.
(2) المغرب في ترتيب المعرب: 1/ 60.
(3) لفظ: "فقلت" زيادة من المخطوطة.
(4) قال العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني 1/ 74: قال الذهبي: [في الميزان 4/ 88] مرداس بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبان الواسطي: لا أعرفه، وخبره منكر في التسمية على الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 48
48)
وبغسلِ يديه إِلى رُسْغَيه ثلاثًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتوضأ فسلَّمت عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلما فَرَغ قال: إنه لم يَمنعني أن أردَّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء». رواه أبو داود، وابنُ ماجه، وابنُ حِبَّان في «صحيحه». وروى أبو داود عن نافع قال: انطلقتُ مع عبدِ الله بن عُمَر في حاجة إلى ابنِ عباس، فلما قَضَى حاجتَه كان من حديثه أن قال: مَرَّ النبيُّ ? في سِكَّة من سِكَك المدينةِ وقد خَرَج من غائطٍ أو بولٍ إذْ سلَّمَ عليه رجلٌ، فلم يرُدَّ ?، ثم إنَّه ضرَبَ بيده الحائطَ فمسَحَ وجهَهُ مسحاً، ثم ضَربَ ضربةً فمسَحَ ذراعيه إلى المرفقين، ثم كَفَّه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرُدَّ عليك إلا أني لم أكن على طهارة»، وما في «الصحيحين»: أنه ? أقبَل مِنْ نحو بئرِ جَمَل (1)، فلقيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه حتى أَقبل علَى الجِدار فمَسَحَ وجهه ويديه، ثم رَدَّ ?. فهذه الأحاديثُ متظافِرةٌ على عدم ذكرِه ? على غير طهارَة، ومقتضاه انتفاؤهُ في أوَّل الوضوء الكائن عن حَدَث.
والجوابُ أنَّ المُعارضَةَ غيرُ متحقِّقة، لأن كراهة (2) ذكرٍ لا يكونُ من متمّمات الوضوء لا يَستلزم كراهة ما جُعِلَ شرعاً مِنْ ذكرِ الله تعالى تكميلاً له، فذلك الذِّكرُ ضروري للوضوء الكامل شرعاً، فلا تعارُضَ للاختلاف قطعاً.
(وبغسلِ يديه إِلى رُسْغيه ثلاثاً) جرَّ الغَسْلَ بالباء وعَطَفه على بالتسمية، للتصريح بأنَّ هذا الغَسْلَ سُنَّة باعتبار البداءة به، كما أنَّ التسمية كذلك، ولذا لا يكون الإِتيان بواحدٍ منهما في أثناء الوضوء إتياناً بالسُّنَّة. وأما تقديمُ التسمية على غَسل اليد فجائز بل متعيِّن. والرُّسْغ بضّم الراء وسكونِ السين المهملة، فغين معجمة: المَفْصِلُ الذي بين الساعدِ والكفّ.
ولم يُقيِّد الغَسلَ بالاستيقاظِ من النوم في بعض النسخ، لأنَّ هذا الغَسلَ سُنَّة في غير المستيقظ أيضاً، لأن عِلَّة الغَسل وهي احتمالُ أنَّه مَسَّ بيده أعراقَ (3) بدنه موجودةٌ في المتنبِّه أيضاً، ولأنَّ مَنْ حَكى وضوءَه ? قدَّمه، وإنما كان يُحكَى ما كان دأبَه وعادتَه في سائر الأيامِ، لا خصوصَ وضوئِه الذي بعد المنام. بل الظاهرُ أنَّ اطَّلاعهم على وضوئه من غير النوم كان أكثر.
(1) بئر جَمَل: موضع بالمدينة فيه مال من أموالها. معجم البلدان 1/ 299.
(2) عبارة المخطوطة: "لأن ذكر الله تعالى ذكر لا يكون من متممات الوضوء، فلا يستلزم كراهة".
(3) العَرَق: رَشْحُ جلد الحيوان، ويستعار لغيره. القاموس المحيط ص 1171 مادة (عرق).
الجزء 1 · صفحة 49
49)
والسِّواكِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأمَّا التقيدُ به في حديث «الشيخين» عن أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِسْ يدَه في الإِناء حتى يَغسِلَها، فإنَّه لا يدري أين باتَتْ يدُه»، ولفظُ مسلم: «حتى يغسلها ثلاثاً»، ولفظُ البزَّار من حديث هشام بن حسان: «فلا يغمسَنَّ يدَه في طَهوره حتى يُفرِغَ عليها ثلاثاً»، مؤكَّداً بالنون الثقيلة، وهو هكذا في «الهدايةِ» ومُعظَمِ كتبِ أصحابنا؛ فلأنَّ توهُّمَ نجاسةِ اليدِ يكونُ من المستيقظ غالباً.
وعن عروةَ بن الزبير وأحمد بن حنبل وداودَ الظاهري: أنه يجبُ على المستيقظ من نومِ الليل غَسْلُ اليدين لظاهر الحديث. قيل: وهو مذهبُ أبي هريرة وابن عمر والحسن.
وفي «الكفاية»: ينوبُ هذا الغَسلُ المسنونُ عن الغَسلِ المفروض، كالفاتحةِ واجبةٌ في الصلاة، وتنوبُ عن القراءة المفروضة فيما لو صلَّى ولم يَقرأ غيرَها.
(والسِّواكِ) قيل: عطفٌ على البدايةِ، والأظهَرُ أنه مجرورٌ عطفاً على التسمية، ليدلَّ على أن السُّنَّة استعماله في أوَّله. وقد صرَّحوا بأنَّ محلَّه قبل المضمضة. ولعلَّ مرادَهم أنه آخِرُ وقته، إذ يجوزُ تقديمُه على غَسل يده، كما صَرَّح به بعضُهم. ثم هو بكسر السين، اسمٌ للاستياك، وهو المرادُ هنا، وقد يُطلَق على العُود الذي يُستاكُ به، فيقدَّرُ مضافٌ، أي استعمالُه.
وإنما كان سُنَّةً لقوله ?: «لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواكِ عند كلّ صلاة» أو: «مع كلّ صلاة» رواه الستة، وعند النسائي في رواية: «عندَ كلّ وضوء»، ورواها ابنُ خُزيمة في «صحيحه» وصحَّحها الحاكم، وذكرها البخاريّ تعليقاً.
والمعنى: لأمرتُهم وجوباً، وإلاَّ فقد أمرَهم سُنَّة. وروى أبو داود عن عائشة أنه ?: «كان لا يَرْقُدُ مِنْ ليلٍ أو نهار فيستيقظ إلا تسوَّكَ قبل أن يتوضَّأ». وورد في «مسند أحمد» أنه ? قال: «صلاةٌ بسواكٍ أفضلُ مِنْ سبعين صلاةً بغير سِواك». واختار ابنُ الهمام أنه من مستحبات الوضوء.
وينبغي أنْ يكون ليِّناً في غِلَظ الإِصبع وطولِ الشِّبر، مستوياً قليلَ العُقَد، من الأشجار المُرَّة، ليكون أقطعَ للبلغم، وأنقى للصدر، وأهنأ للطعام. وأنْ يَستاكَ به عَرْضاً وطُولاً أي عَرْضَ الأسنانِ، وهو طولُ الفم، ولو اقتصر على أحدهما فطُولاً، وقيل: يَستاك عَرضاً لا طولاً. ويَستاكُ بأصابعِه عند عدمهِ أو عدم أسنانه لقوله ?: «يُجزِي مِنْ السِّواكِ الأصابعُ»، رواه البيهقي عن أنس بألفاظ مختلِفة، وروى الطبراني عن عائشة ? قالت: قلتُ: يا رسول الله، الرجلُ يَذهبُ فُوهُ يَستاكُ؟ قال: «نعم»، قلتُ: كيف يَصنعُ؟ قال: «يُدخِلُ إصبعَهُ في فيه».
الجزء 1 · صفحة 50
50)
وغسل فمه بمياهٍ كأنفه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وغسلُ فمه) برفعه (بمياهٍ) متعلِّق به (كأنفه) أي بثلاثِ غَرَفات لكلّ منهما، لا بثلاثٍ لها كما قال الشافعي ومالك علَى الصحيح، لِما رُوِيَ «أنه ? مضمض واستنشق (1) ثلاثَ مرات من غَرفة واحدة».
ولنا صَريحُ ما رواه الطبراني بسنده إلى كعب بن عَمْرو الياميّ: أن رسول الله ? توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكلّ واحدةٍ ماءً جديداً، وغسلَ وجهَهُ، فلما مَسح رأسه قال هكذا وأومأ بيديه من مُقدَّم رأسِه حتى بَلغ بهما إلى أسفل عنقه مِنْ قِبَل قفاه. وروى الطبراني وأبو داود عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدّه: أنَّ رسول الله ? توضَّأ فمضمض واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكلَّ مرةٍ ماءً جديداً.
وتحقيقُ التوفيقِ بعد صحة الروايات كلّها: أنَّ كُلاًّ رَوَى ما رأى، ولا منافاة بينهما في حصولِ أصل السُّنَّة، وإنما الخلافُ في زيادة الفضيلة.
والحاصِلُ: أنه ? واظَبَ على المضمضة والاستنشاق في غالب الأيام، إذْ أكثَرُ حُكاةِ وضوئه ? قولاً وفعلاً ـ وهم اثنان وعشرون نفراً من الصحابة ـ نَصُّوا عليهما، إلا أنَّ بعضَهم سكت عن ذكر العَدَد فيهما، وذكَرَ بعضُهم أنه مضمض واستنشق مرة، وبعضُهم وهو عبدُ الله بن زيد بن عاصم حكاه فعلاً، وفيه: «مضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاثِ غَرَفاتٍ» وفيه: «فمسَحَ رأسه فأقبلَ بهما وأدبر مرةً واحدة». روى الأخيرَ الستةُ عنه. وقد بسطنا الكلامَ على هذا المرام في «المِرقاة شرح المِشكاة» (2).
وأمَّا المبالغةُ للمفطر فيهما فمستحبةٌ، لقوله ? للَقِيط بن صَبِرَة: «أسبِغ الوضوءَ، وخَلَّلْ بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» رواه أصحابُ «السنن الأربعة». وروى ابنُ القطّان بسندٍ صحيح: «وبالِغْ في المضمضة والاستنشاق».
وحَدُّ المضمضة استيعابُ جميع الفم. والمبالغةُ فيه أن يصل الماءُ إلى رأس الحلق.
وحَدُّ الاستنشاق أن يصل الماءُ إلى المارِن. والمبالغةُ فيه أن يُجاوِزَ المارِنَ (3)، وهو بكسر الراء: ما اشتدَّ من الأنف. وفي «المحيط»: يَفعلُ كلاً مِنَ المضمضةِ
(1) في المخطوطة: "واستنثر".
(2) 1/ 309
(3) المارِنُ: ما لان من الأنف وفَضَلَ عن القَصَبَة. لسان العرب 13/ 404، القاموس المحيط ص 1592، مجمل اللغة 3/ 828، مادة (مرن). وهذا المعنى مخالف لما ذكره المؤلف ?.
الجزء 1 · صفحة 51
51)
وتخليلُ اللحيةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والاستنشاقِ بيمينه، وقيل: يَستنشق بِيساره، والصحيحُ أنه يَستنشق بيمينه، ويَستنثر بيساره.
وقال أحمدُ في أقوى الروايتين عنه بوجوبِ المضمضة والاستنشاق (في الوضوء لما روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ? بالمضمضمة والاستنشاق) (1). هذا، وقال المصنّفُ (2): إنما قلتُ: بمياهٍ ليدلَّ على أنَّ المسنون التثليث بمياهٍ جديدة، انتهى. وذلك لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، لكن لا خفاءَ في خفاءِ الدلالة على التجديد، فلو قال: بغَرَفاتٍ بدلَ قوله: بمياهٍ لكان مشعراً بما ذَكَر.
وقدَّمَ غَسلَ الفم لأن تقديمه سُنَّة. ومِن الدليلِ على الفصل بين المضمضة والاستنشاق ما رواه أبو داود عن طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جدّه: «أنه رأى رسولَ الله ? يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاق». وسكت عنه المنذري، فهو حديثٌ حسن، لكن روى أبو داود في «سننه» ضدَّ ذلك عن عليّ: «أنه وصَفَ وضوءَ رسول الله ? فتمضمض مع الاستنشاق بماءٍ واحد» فمحمولٌ على بيانِ الجواز، فإنَّ الأوَّل أولى كما لا يخفى.
(وتخليلُ اللحيةِ) بالرفع أيضاً، لما روى الترمذي وابنُ ماجه عن عثمان: «أن رسول الله ? كان يُخَلِّلُ لحيتَه». ولفظُ الترمذي: «توضَّأ وخلَّل لحيتَه»، وقال: حسَنٌ صحيح، وصحَّحه ابنُ حِبَّان والحاكم، وقال الترمذي في «عِلله الكبير»: قال محمدُ بن إسماعيل ـ يعني البخاري ـ: أصحُّ شيء عندي حديثُ عثمان، وهو حديثٌ حَسن انتهى. فكيف وله شواهِدُ من حديث عمَّارٍ وأنس؟ كما رواها (3) الحاكم والترمذي وابن ماجه: «رأيتُه ? يُخلِّلُ لحيتَه». وحديثُ أنس قال: «كان ? إذا توضَّأ خلَّل لحيته» رواه البزار وابن ماجه، وحديثُ أبي أيوب نحوُه، رواه ابنُ ماجه.
وكيفيةُ تخليلها أنْ يُدخِل أصابَعه من أسفل لحيته إلى ما فوقها لما رَوَى أبو داود عن أنس قال: «كان النبيّ ? إذا توضَّأ أَخَذَ كفّاً من ماءٍ فأدخلَهُ (4) تحت حَنَكِهِ فخلَّل به لحيته وقال: بهذا أمَرني ربي» وسكَتَ عنه، وكذا المنذري. ويؤيده حديثُ ابن عباس: دخلتُ على رسول الله ? وهو يتوضَّأ، وقال فيه: فخلَّلَ لحيتَه، فقلتْ: يا
(1) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوطة.
(2) شرح الوقاية 1/ 60.
(3) في المخطوطة والمطبوعة: "رواهما". والمثبت من الجزء الذي حققه شيخنا الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة - رحمه الله تعالى - من هذا الكتاب.
(4) في المخطوطة والمطبوعة: "أدخل"، والمثبت من سنن أَبي داود 1/ 101، كتاب الطهارة (1)، باب تخليل اللحية (57)، رقم (145).
الجزء 1 · صفحة 52
52)
والأصابعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله هكذا الطُّهور؟ قال: «هكذا أمَرني ربِّي». رواه الطبراني في «الأوسط». ورَوَى أيضاً حديثَ أبي أُمامة وحديثَ عبد الله بن أبي أوْفى. وفي حديثِ أبي الدرداءِ وحديثِ أم سَلَمة: كان إذا توضَّأ رسولُ الله ? خلَّل لحيتَه. وروى البزَّارُ عن أبي بَكْرة: أنه ? توضَّأ وخلَّل لحيتَه. وروى ابنُ عَدِيّ عن جابر: أنه توضَّأ رسول الله ? غيرَ مرةٍ ولا مرَّتينِ ولا ثلاثَ مرَّاتٍ، فرأيتُه يخلِّلُ لحيتَه بأصابعه كأنها أسنان المُشْطِ.
فهذه الأحاديثُ تؤيِّدُ قولَ أبي يوسف: إنَّ تخليل اللحية سُنَّة، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لم يَثْبُت منها المواظبةُ، بل مجرَّدُ الفعلِ إلا في شذوذٍ من الطُّرق، فكان مُستحبّاً لا سُنَّة.
(والأصابعِ) أي وتخليلُ أصابعِ اليدين والرجلين، لِمَا تقدَّم من حديث لَقِيط، ولِمَا روى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ? «إذا توضَّأْتَ فخلِّلْ أصابعَ يديك ورجليك». وتخليلُ الأصابع يكون بالتشبيك، والأَولَى أن يَجْعَل باطنَ كفِّه اليُمنى على ظهر اليُسرى، وبَطْنَ كفِّه اليُسرى على ظهر اليُمنى. وروى أحمدُ في «مسنده» عن المُسْتورِد بن شدَّاد صاحبِ النبي ? قال: رأيتُ رسول الله ? إذا توضَّأ يخلَّل أصابعَ رجليه بِخِنْصَرِه.
وكيفيةُ تخليلِها: أن يضع يدَه اليُسرى في أسفلِ رجله اليُمنى ويُدخِلَ خِنْصَرَها بين الأصابع، مُبتدِءاً مِنْ خِنصرِهِ اليُمنى منتهياً إلى خِنصَرِه اليسرى. وهذا إذا وصَلَ الماءُ داخلَ الأصابع، وأمَّا إذا لم يصل بأنْ كانت مُنضمَّةً، فإنَّ تخليلها واجب، فقد ورد في الدارقطني مرفوعاً: «خَلِّلوا (بين) (1) أصابِعِكم، لا يُخلِّلها الله بالنار يوم القيامة». وفي الطبراني: «مَنْ لم يُخلّل أصابعَه بالماء خلَّلها الله بالنَّار يومَ القِيامة» (2).
وقال ابنُ الهُمام: أمثَلُ أحاديث التخليل ما في «السنن الأربعة» من حديث لَقِيط بن صَبِرَة قال: قال رسول الله ? «إذا توضَّأتَ فأسْبِغ الوضوء، وخلِّلْ بين الأصابع»، قال الترمذي: حسَنٌ صحيح. ورَوَى هو وابنُ ماجه عن ابن عباس قال ?: «إذا توضَّأْتَ فخلَّل أصابعَ يديك ورجليك»، وقال: حسَنٌ غريب (3).
(1) ما بين الحاصرتين من سنن الدارقطني.
(2) إسناده واهٍ جدًّا كما قال ابن حجر. انظر فيض القدير 3/ 451.
(3) عبارة المخطوطة: "حسن صحيح غريب" وعند الرجوع لسنن الترمذي 1/ 57، كتاب الطهارة (1)، باب ما جاء في تخليل الأصابع (3)، رقم (3)، وجدنا أن لفظة "صحيح" زائدة من المخطوطة.
الجزء 1 · صفحة 53
53)
وتثليثُ الغَسل، ومسحُ كلِّ الرأس مرَّةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وتثليثُ الغَسْل) أي غَسْلِ الوجه، واليدين، والرجلين، عطفٌ على تخليل اللحية. وإنما كان سُنَّةً لِمَا روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً أتَى النبيَّ ? فقال: يا رسول الله كيف الطُّهورُ؟ فدَعا بماءٍ في إناءٍ فغَسَل كفَّيه ثلاثاً، فذكَرَ صفةَ الوضوء ثلاثاً ثلاثاً إلاَّ الرأسَ، ثم قال: «هكذا الوضوءُ فمَنْ زادَ على هذا أو نَقَص فقد أساء وظَلَم» أو: «ظَلَم وأساء». وفي روايةِ ابن ماجه: «فقد تَعَدَّى وظَلَم»، وللنسائي: «فقد أساء وتعدَّى وظَلَم». وهذا إذا زاد على الثلاث أو نَقَص عنه معتقداً أنَّ السُّنَّة هذا، أمَّا لو زاد لطمأنينةِ القلب عند الشكّ، أو نقَصَ لحاجةٍ فلا بأسَ به، إذ توضَّأ ? ثلاثاً ثلاثاً، ومرَّتين مرَّتين، ومرَّةً مرَّةً.
وظاهرُ العبارة تُوهِمُ أنَّ كُلاً من المرَّات الثلاث سُنَّة، لكن المراد منه أن الأُولَى ركنٌ، والثانيةَ والثالثةَ سُنَّة. وهذا هو الصحيح. وقيل: الثانيةُ سنةٌ، والثالثةُ نَفْل، وقيل: بعكسه، وقيل: إذا توضَّأ ثلاثاً ثلاثاً فالثلاث فرض، وهذا بعيدٌ جداً.
(ومسحُ كلِّ الرأس) أي استيعابُه (مرَّة) لِمَا تقدَّم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، ولِمَا حكَت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ أنها رأت النبيَّ ? يتوضَّأ، قالتْ: فمسَحَ رأسَه ما أقبَلَ منه وما أدبرَ، وصُدْغَيهِ، وأُذُنيه مرَّةً واحدة، ولِمَا رُوِي أنَّ رسول الله ? مسَحَ رأسَه بيديه، فأقبلَ بهما وأدبر، بدأَ بمُقدَّم رأسه، ثُم ذهَبَ بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما حتى رجع إلى المكانِ الذي بدأ منه، ثم غَسَل رجليه. رواه الترمذي.
والأظهرُ في كيفية المسح: أن يَضعَ كفَّيهِ وأصابعَه على مقدَّمِ رأسه ويمُدَّها إلى قفاه على وجهٍ يستوعبُ الرأسَ، ثم يمسَح بإصبعيه أذنيه. ولا يكونُ الماءُ مستعملاً بهذا، لأن الاستيعابَ بماءٍ واحد لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأن مسحَ الأذنين بماء الرأس، ولا يكونُ ذلك إلا بماءٍ مَسَحَ به (1) الرأس، ولأنه لا يَحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأُذن أولى لكونه تبعاً له، كذا ذكره في «شرح الكنز» (2)، واختاره ابنُ الهمام لأنه أوفق بما رُوِي عنه ?.
وقال صاحبُ «المحيط»: يُستحبُّ في الاستيعاب أن يضعَ مِنْ كلِّ واحدةٍ من اليدين ثلاثَ أصابع على مقدَّم رأسه ـ ولا يضعُ الإِبهام والسبَّابة ـ ويُجافيَ كفَّيه،
(1) لفظة: "به" زيادة من المخطوطة.
(2) المسمى "تبيين الحقائق" للزيلعي 1/ 6.
الجزء 1 · صفحة 54
54)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويَمُدَّهما إلى القَفَا، ثم يَضَع كفَّيه على مؤخَّر رأسِه ويَمُدَّهما إلى مقدَّمه، ثم يَمْسَح ظاهرَ كلّ أُذنٍ بإبهام، ويَمسِحَ باطنَهما (1) بمُسَبِّحة (2).
وفي «الأسرار»: إنْ كرَّر إقبالاً وإدباراً مرَّةً بعد أُخرى بغيرِ ماءٍ جديد لم يكن فيه بأس. هذا، وقد توافَر وتكاثر، كادَ أَنْ يتواتر الطُّرقُ الصحيحةُ على المسحِ مرَّةً واحدة.
وقال الشافعي: السُّنَّةُ في مسح الرأس التثليثُ، لِمَا روى مسلم: أنَّ عثمان بن عفَّان ? توضَّأ بالمَقَاعد ـ وهو مَوضِع ـ وقال: ألا أُرِيكم وُضوء رسولِ الله ? ثم توضَّأ ثلاثاً ثلاثاً. قال البيهقي: على هذا الحديثِ اعتمَدَ الشافعيُّ في تكرير المسح. والرواياتُ الثابتةُ عنه المفسَّرةُ، تدلُّ على أنَّ التكرارَ وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنَّه مسَحَ برأسه مرةً واحدة.
وأمَّا ما رواه الدارقطني عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن عليّ كرَّم الله وجهه: أنه توضَّأ فغسَلَ يديه ثلاثاً، وفيه: مسَحَ رأسَهُ ثلاثاً، وغسَلَ، رجليه ثلاثاً، ثم قال: من أحبَّ أن يَنظر إلى وضوءِ رسول الله ? كاملاً فلينظر إلى هذا، فهكذا (3) رواه أبو حنيفة عن خالد بن علقمة، عن عبدِ خَيْر، عن علي، لكن خالفه جماعةٌ من الثقات: كسفيان الثوري، وشَريك، والشعبي وغيرهم، وقالوا: مسَحَ برأسه مرةً.
نعم، روى البزَّارُ في «مسنده» من طريق أبي داود الطَّيالِسي: أنَّ عليّاً توضَّأ في الرَّحْبة (4) فغسَلَ كفَّيه ثلاثاً، ثم مضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسَلَ وجهه ثلاثاً، وذِراعيهِ ثلاثاً، ومسَحَ رأسَه ثلاثاً، وغسَلَ رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: إني أحببت أن أُريَكم كيف كان طُهورُ رسول الله ? فهذا دليلُ الشافعيِّ وكذا دليلُ روايةِ الحسَنِ في تثليثِ المسحِ عن أبي حنيفة، ولكن بماءٍ واحدٍ كما رواه الطبراني عن علي في كتاب «مسند الشاميين». والجوابُ رُجحانُ روايةِ الإِفرادِ على التثليث، أو
(1) عبارة المخطوطة: "ويمسح بباطنهما. وفي الأسرار ... ".
(2) قال ابن الهمام في "فتح القدير" 1/ 12: "والمسنون في كيفية المسح أن يضع كفَّيه وأصابعه على مقدَّم رأسه، آخذًا إلى قفاه على وجه يستوعب، ثم يمسح أذُنَيه بماء الرأس. وأما مجافاة السباحتين مطلقًا ليمسح بها الأذُنين، والكفَّين في الإدبار ليرجع بهما على الفَوْدَين: فلا أصل له في السنة". انتهى.
والفَوْدَان: شعرٌ يلي الأذنين.
(3) في المطبوعة: "فهذا"، وفى سنن الدارقطني "هكذا"، والمثبت من المخطوط.
(4) الرحبة: محلة بالكوفة .. والأصل في الرَّحبة: الفضاء بين أفنية البيوت، أو القوم والمسجد. معجم البلدان 3/ 33.
الجزء 1 · صفحة 55
55)
والأُذُنَينِ بِمَائِهِ، والنِّيَّةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حمْلُهُ على تحقيق الاستيعاب، أوحملُ تعدَّدَ المياه على قلَّةِ البِلَّة أو نَفادِها، لا لتكون سُنَّةً مستمرة. وقال البيهقي (1): وقد رُوِيَ من أوجُهٍ (غريبةٍ) (2) عن عثمان تكرارُ المسح، إلا أنه مع خلافِ الحُفّاظ ليس بحُجَّة عند أهل العلم.
(والأذنينِ) أي ومَسْحُهما (بِمَائِهِ) أي بماء مسحِ الرأس.
وقال مالك والشافعي وأحمد: بماءٍ جديد، لِمَا روى الحاكمُ من حديثِ حَبَّان ابن واسع، أنَّ أباه حدَّثه، أنه سمع عبدَ الله بن زيد يذكر: أنه رأى رسولَ الله ? يتوضَّأ فأخَذَ لأُذنيه ماءً خلافَ الماءِ الذي أخَذَ لرأسه.
ولنا صريحاً: ما رواه ابنُ حِبَّان، وابنُ خُزيمة، والحاكم عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بوُضوء رسول الله ? وفيه: ثم غَرَف غَرفةً: فمسَحَ بها رأسَه وأذُنيه. ودلالةً: ما رواه ابنُ ماجه بإِسنادٍ صحيح عن عبد الله بن زيد، والدارقطنيُّ بإسنادٍ صحيح عن ابنِ عباس: أنَّ النبي ? قال: «الأذنانِ مِنْ الرأس»، أي حُكمُهما، فإنه ? ما بُعثَ لبيان الخِلْقة، فيُحمَل ما تقدَّم على نَفادِ البِلَّة توفيقاً بين الأدلَّة. وروى ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس: أنه ? مسَحَ أذنيه فأدخلهما السبَّابتين وخالفَ إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسَحَ ظاهرَهما وباطنَهما. وقد صرَّح الشيخ في «الإِلمام» عن أبي أُمامة أنَّ رسول الله ? قال: «الأُذنانِ من الرأس وكان يمْسَحُ المأْقَيْنِ» (3) وقال أخرجه ابنُ ماجه، وهو حديثٌ حسن.
(والنيَّةُ) وهي: أن يُقصَدَ بالقلب الوضوءُ، أو رفعُ الحدَث، أو عبادةٌ لا تصحُّ إلا بالطهارة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: النيَّةُ فَرْضٌ في الوضوء، لقوله ?: «إنما الأعمال بالنيات».
ولنا أنه ? لم يُعلِّم الرجلَ الذي سأله عن الوضوء النيَّةَ، ولأنَّ الوضوء شرطٌ للصلاة فلا يَفتقر إلى النيَّة كسائر شروطها، فالمرادُ بالأعمالِ العباداتُ،
(1) عبارة البيهقي في السنن 1/ 62: "وقد روي من أوجه غريبة عن عثمان ? ذكر التكرار في مسح الرأس، إلا أنها صح خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها". انتهى. ولعل المؤلف نقلها بالمعنى كما هي عادته.
(2) ما بين الحاصرتين زيادة من السنن الكبرى"للبيهقي" 1/ 62.
(3) مأق العين: طرفها مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع من العين. القاموس المحيط ص 1191، مادة (مأق).
الجزء 1 · صفحة 56
56)
والترتيبُ، والوِلاءُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإنَّ المباحاتِ تُعتبر شرعاً بلا نيَّة، كالطلاق، والنكاح، وسائرِ المعاملات، بل المرادُ بها الطاعاتُ المستقلةُ، دون ما يتعلَّق بها من الشرائط التي هي كالوسيلة من طهارةِ الثوب، وسَتْرِ العورة، ومعرفةِ القِبلة، فالنيَّةُ فيها تُوجبُ المثوبة، وتُصيِّرُ العملَ عبادة، فمن ادَّعى أنَّ الشرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ، فعليه البيانُ.
وصورةُ الخلاف إنما يَتحقَّقُ في نحوِ مَنْ دَخَل الماء مدفوعاً أو مختاراً لقصدِ التبرُّد، أو مجرَّدِ قصدِ إزالةِ الوسَخ، أو مجرَّدِ تعليم الضوء.
ثم محلُّ النية إمَّا في مبدأ سُنَن الوضوء، أو في أوَّل فرائضه، والأوَّل أكملُ وأفضل، لكن الأولَى أن يَستديمها إلى غَسْل الوجه، فتأمَّل.
(والترتيبُ) أي بين أعضاء الوضوء المفروضة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: فَرْضٌ لقوله تعالى: {إذا قُمْتُم إلى الصلاة فاغسِلُوا وجوهَكم} (1)، فإنَّ غَسْلَ الوجه فيها مرتَّب على القيام بِالصلاة، فيجبُ الترتيبُ في الباقي، إذْ لا قائل بالفَصْل.
وأُجيبَ بأنه لا يتِمُّ هذا الاستدلالُ إلا إذا كانت الفاءُ الجزائيةُ تدُلُّ على تعقيب مضمون الجزاءِ مضمونَ الشرط من غير تراخٍ، وتدُلُّ على وجوبِ تقديمِ ما بعدَها على ما عُطِفَ عليه بالواو، وكلاهما ممنوع، لأنَّنا نقطع بأنْ لا دلالةَ في قوله تعالى: {إذا نُودِي للصلاوة من يوم الجمعة فاسعَوْا إلى ذكر اوذَرُوا البَيْع} (2)، على وجوبِ السعي عقيبَ النداء بلا تراخٍ، وعلى وجوبِ تقديم السعي على ترك البيع. فمعنى آيةِ الوضوء: فاغسِلُوا هذه الأعضاء، ولا دلالةَ فيه على ترتِيبها في الأداء، فهو على نظير قولك: إذا دخلتَ السوقَ فاشترِ لنا خُبزاً ولحماً، حيث كان المُفادُ إعقابَ الدخولِ بشراء ما ذُكِرَ كيف وَقَع. نعَمْ، لو استُدِلَّ بمواظَبِتِه ? ومداومتِهِ على مُراعاة الترتيب لكان أولَى كما لا يخفى.
(والوِلاءُ) بكسر الواو: المتابعةُ، وهو: أن يَغسِلَ العضوَ الثاني قبل جفافِ الأوَّل في زمَانِ اعتدالِ الهواء. وقيل: أنْ لا يَشتغل بينهما بعملٍ غيرِ ما يتعلَّقُ بالوضوء. وشَرَطه مالكٌ، والدَّلْكُ كذلك لمواظبةِ النبي ?
والجوابُ أنها تدلُّ على السُّنيَّة دون الفَرْضية، لأن الله تعالى أمَرَ بالغَسْل مطلقاً
(1) سورة المائدة، آية: (6).
(2) سورة الجمعة، آية: (9).
الجزء 1 · صفحة 57
57)
ومُستحَبُّه: التيامُنُ، ومَسْحُ الرَّقَبَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عن قيدِ الوِلاءِ والدَّلْكِ قد روى ابنُ دَقيقِ العِيد في كتابه «الإِمام» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ أهلي تَغارُ عليَّ إذا أنا وطِئتُ جَوارِيَّ، قال: «ومِمَّ يَعلَمْنَ ذلك»؟ قلتُ: مِنْ قِبَلِ الغُسل، قال: «فإذا كان ذلك منك فاغْسِل رأسَك عند أهلك، فإِذا حَضَرَت الصلاةُ فاغْسِل سائرَ جسدِك». فهذا يُفيد عدَم اشتراط الوِلاء في الغُسل، ففي الوضوء كذلك.
(مستحبات الوضوءِ)
(ومُستحَبُّه) أي الوضوءِ: (التيامُنُ) أي الابتداءُ باليمين في غَسل اليدين والرجلين.
والمستحبُّ: ما فعله ? أحياناً وتركه أحياناً، فالأصحُّ أنه سُنَّة كما صَرَّح به في «التحفة» لمواظبته ?، ولقوله ? «إذا توضَّأتم فابدؤا بميامنكم» رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن خُزيمة، وابن حِبَّان في «صحيحيهما». قال في «الإِمام»: وهو جدير بأن يُصحَّح. وغيرُ واحدٍ ممن حَكَى وضوءه ? صَرَّحوا بتقديم اليُمنى على اليُسرى من اليدين والرجلين، وذلك يُفيد المواظبة، لأنهم إنما يَحكون وضوءه الذي هو دأبُه وعادتُه، فيكون سُنَّة، ولِمَا روى البخاري ومسلم والأربعةُ عن عائشة ? قالت: «كان رسول الله ? يُحبُّ التيامُنَ في كل شيء، حتى في طُهُوره، وتَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِهِ، وشأنِهِ كلِّه». والطُّهورُ: بضم الطاء عند الجمهور، والتَّنَعُّل: لُبسُ النعلين، والترجُّلُ: تسريحُ الشعر.
(ومَسْحُ الرقبة) وقيل: إنه سُنَّة، وهو اختيارُ بعضِ الشافعية وأكثرِ العلماءِ كما في «الخلاصة» من كتب الحنفية، لِمَا روى أبو عُبَيد القاسمُ، عن القاسمِ بن عبد الرحمن، عن موسى بن طلحة قال: «من مَسَح قفاه مع رأسِهِ وُقيَ من الغُلّ» (1). والحديثُ موقوف لكنه حكماً مرفوع، لأنَّ مثله لا يقال بالرأي، ويُقوِّيه ما رُوِيَ مرفوعاً في «مُسنَد الفِردَوْس» من حديث ابن عُمَر (2)، لكن سنده ضعيف، إلا أنَّ الاتفاق على أن الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، على أنَّا رَوَيْنا عن كعب بن عَمْرو الياميّ: «أنه ? توضَّأ وأومأ بيديه من مقدَّم رأسه حتى بلغ بهما إلى أسفلِ عنقهِ من قِبَل قفاه» (3). ومسْحُ الحُلقُوم بدعةٌ كما في «الظهيرية».
(1) الغُل: هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه. النهاية 3/ 380.
(2) ولفظه: "مسح الرقبة أمانٌ" من الغُل يوم القيامة".
(3) سبق تخريجه عند الشارح صفحة 50 عن الطبراني.
الجزء 1 · صفحة 58
58)
[نَوَاقِضُ الوُضُوءِ]
وناقِضُهُ: ما خَرَج
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(آداب الوضوءِ)
ومن آداب الوضوء: أنْ لا يَتكلَّم فيه بكلام الناس، ويَستقبلَ القبلة، ولا يَستعينَ بغيره عند القدرة.
وعن الوَبَري: لا بأس بصبِّ الخادم، لأنه ? كان يُصَبُّ الماءُ عليه. ويَقرأُ الأدعيةَ المأثورةَ عن الصحابة والتابعين. وقد ورد عنه ? «ما منكم مِنْ أحدٍ يَتوضَّأ فيُسبِغُ الوضوءَ ثم يقولُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ يَدْخلها من أيّ بابٍ شاء» رواه مسلم وزاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين». ويُستحَبُّ أن يُصلّي ركعتين بعده لقوله ?: «ما مِنْ مسلمٍ يَتوضَّأ فيُحسن وضوءه ثم يقومُ فيُصلّي ركعتين يُقبِلُ علَيْهِما بقلبِهِ ووجهِهِ إلا وجبَتْ له الجنَّةُ» رواه مسلم.
(مكروهات الوضوءِ)
ويُكرَه: الإِسرافُ في الماء لقوله ? لسعدٍ لمَّا مَرَّ به وهو يتوضأ: «ما هذا السَّرَفُ يا سعد؟» فقال: أفي الوضوءِ سَرَفٌ؟ قال: «نعم، وإنْ كنتَ على نهرٍ جار» رواه أحمد وابن ماجه.
(فروع)
ومن الفروع: شَكَّ في بعض أعضاء وضوئه قَبْلَ الفراغ، فعَلَ ما شكَّ فيه إنْ كان أوَّل شَكّ، وإلاَّ فلا عليه، وإنْ شَكَّ بعده فلا مطلقاً. ولو شَكَّ في الوضوءِ أو الحدَثِ، وتَيقَّنَ سبْقَ أحدِهما: بَنَى على السابق، إلاَّ أنْ يتأيَّدَ اللاحق.
(نواقض الوضوءِ)
(وناقِضُهُ) أي مُبطِلُ الوضوءِ ومُخْرِجُه عما هو مطلوب فيه من استباحةِ الصلاة ونحوِها، سواء كان وضوؤه كاملاً أو ناقصاً: (ما خَرَج) أي ظَهَر حقيقةً أو حكماً، فلا يَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى قَصَبة الذكر، لعدم ظهوره أصلاً، ويَنْقُضُ البولُ النازلُ إلى القُلْفة لظهوره حكماً. وإنما لم يجب إيصالُ الماء إلى ما تحت القُلْفة في الغُسْل عند بعض المشايخ للحرج في ذلك. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس عنه ? قال: «الوضوءُ مما خَرَج وليس مما دَخَل». وقيل: هذا موقوف، وقيل: مِنْ قولِ علي ? فلو أَدْخَلتْ إصبعها فيه نَقَض، لا لِمَا دَخَل، بل لأنها لا
الجزء 1 · صفحة 59
59)
من السَّبِيلَينِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَخْرُج إلا بِبِلَّةٍ معها، وكذا العُودُ في الدُّبُر كالمِحْقَنةِ وغيرها.
(من السبيلين) أي من أحدهما، معتاداً كان أو غيرَ معتاد، كالدُّودِ والحَصَى، لقوله تعالى في التيمم الذي هو بدَلٌ عن الوضوء: {أو جاء أحدٌ منكم من الغائط} (1)، وهو المكان المطمئنُّ والمنخفِضُ من الأرض. واستُعمِلَ في الحدَث مجازاً، لأنه في مثلِهِ يُقْضَى مُستَتِراً (2).
وقال مالك: لا يَنْقُضُ الدُّودُ، والحصاةُ، والاستحاضة، ونحوُها من سَلَسِ بولٍ، وانطلاقِ بطنٍ، أو انفلاتِ ريح، لأنَّ الله تعالى كنَّى بالغائط عن الحاجة، وهي المعتادة.
ولنا ما صحَّ مِنْ قولِه ?: «المُستحاضَةُ تتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاة» (3).
فإنْ قيل: الريحُ الخارجةُ مِنْ قُبُلِ المرأة وذَكَرِ الرجل خارجةٌ من أحدِ السبيلين، وليسَتْ بناقضة؟ أُجِيبَ بأنَّ ذلك اختلاجٌ أي انجذابٌ وتحرُّك، وليسَتْ بريحٍ خارجة، ولو سُلِّمَ، فليستْ بمنبعثة عن محلِّ النجاسة، ولهذا لا تَخْرجُ مُنتِنة، فصارت كالجُشَاء، إلاّ أنَّ المرأة إذا كانت مُفْضاةً (4) يُستحبُّ لها الوضوءُ، لاحتمال خروجها منِ دُبُرِها، على أنه رُوِي عن محمد: أنَّ الريح الخارجة مِنْ قُبُلِ المرأَة حدَثٌ، قياساً على دُبُرها.
وأمَّا ما ذكره صاحبُ «الهداية»: أنه قيل لرسول الله ? ما الحدَثُ؟ قال: ما يَخْرُج من السبيلين. فلا أعرِفُ له أصلاً. نعَمْ، روى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: «الوضوءُ مما خرج وليس مما دخل»، إلا أنَّ في شعبة ـ مولى ابنِ عباس الراوي ـ اختلافاً في توثيقه وتضعيفه (5)، والأصحُّ أنه موقوف على ابن عباس كما ذكره سعيد بن منصور. وقال البيهقي: ورُوِي أيضاً عن عليَ مِنْ قولِه.
فإن قيل: الحدَثُ شَرْط الوضوء، فلا يكون ناقضاً له. أُجِيبَ بأنه ناقِضٌ لِمَا كان، وشَرْطٌ لِمَا يكون.
(1) سورة النساء، آية: (43).
(2) عبارة المخطوطة: "لأنه يقضي في مثله تسترًا".
(3) أخرجه الطبراني في "الأوسط"
(4) المُفضاة: المرأة التي صار مسلكاها واحدًا، يعني مسلك البول ومسلك الغائط، "المغرب في ترتيب المعرب": 2/ 143.
(5) عبارة المخطوطة: "إلا أن شعبة مولى ابن عباس الراوي اختلف في ... ".
الجزء 1 · صفحة 60
60)
أَو غيرِه إِن كان نَجَسًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم الأصحُّ مِنْ مذهبِ الشافعي أنَّ المنيَّ لا يَنْقُض الوضوء، وإنْ أوجَبَ الغُسلَ لقول ابن عباسٍ: المنيُّ كالمُخاط، فأمِطْه عنك ولو بإذْخِرة (1). ولأنه أصلُ خِلقةِ الآدمِي، فكان طاهراً كالتُراب، لاستحالة أن يقال: خُلِقَ الأنبياءُ من شيءٍ نَجِس.
ولنا قوله ? لعمَّار بن ياسر: «إنما يُغْسَل الثوبُ من خمسةٍ: البولِ، والغائطِ، والخمرِ، والمنيِّ، والدَّمِ». وكونُه أصلَ الخِلقة لا يُنافي النجاسة كالمُضْغَة والعَلَقة. وابنُ عباس شبَّهه بالمُخاط في النظرِ لا في الحُكم، وأمْرُهُ بالإِماطةِ للتمكُّن من غَسله، إذْ قبلَها يَشِيع إذا أصابه الماء.
فروع
ومن الفروع: أنَّ المرأة إذا خَرَج الأقلُّ مِنْ وَلَدِها لم تصر نُفَساء، ويجبُ عليها الصلاةُ حينئذٍ، وإن لم تُصَلِّ صارَتْ عاصية، كذا في «الخلاصة». وفيه إشكال حيث يَدلُّ على أنَّ خروجَ بعض الولد ليس بناقض للوضوء، ودُفِعَ بأنَّ خروجَ بعض الولد في حقِّها كخروج البول في حقّ مَنْ به سَلَسُ البول، فكما أن خروجَ البول في حقِّه اعتُبِرَ عَدَماً في الوقت للضرورة، كذا خروجُ بعض الولد في حقِّها. انتهى. وفي تنظيرِهِ نظر لا يخفى، والظاهرُ نقضُ وضوئها، فتتوضَّأ وتُصلِّي في آخِرِ الوقت.
(أو غيرِه) أي من غيرِ أحدِ السبيلين، أو مِنْ غيرِ المذكور. والمرادُ من الخروج أعمُّ من أن يكون بنفسه أو بالإِخراج، ليُلائم الخروجَ المذكورَ في المعطوف عليه، فإنه كذلك. فعلى هذا: لو عُصِر جُرحٌ وخَرَج منه شيء، وهو بحيث لو لم يُعْصَر لا يَخْرج، يَنْقُض (2) الوضوءَ، لأنه مُخْرَج لا خارج بنفسه.
(إِنْ كان نَجَساً) بفتح الجيم، أي عينَ نجاسة، كدمٍ، وقيحٍ، وصديد، فلا يَنْقُض نحوُ المُخاطِ، والدمعِ، والبُزاقِ، واللُّعابِ، والعَرَقِ. وكذا العِرْقُ المَدَني (3) الذي يقال له بالفارسية: رِشْتَهْ، فهو بمنزلة الدُّودِ الخارجِ حيث لا يَنْقُض الوضوءَ، لأنهما طاهِرانِ. وإن كان العِرْقُ المَدَني يَسِيلُ منه الماءُ يَنْقُض كذا في «الظهيرية». ولو دَخَل الماءُ في أُذُنه وخَرَج، ففي «الخلاصة»: أنه لا يَنْقض. وفي «المحيط»: خروجُ القيح من الأذُن مع
(1) الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. النهاية 1/ 33.
(2) في المخطوطة: "ينتقض".
(3) العِرْق المدني: نُسِب إلى المدينة لكثرته بها وهي بَثْرَة - نُفَّاخة مملوءة ماء - تظهر على سطح الجلد تتفجر عن عرق يخرج كالدودة شيئًا فشيئًا. حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 61.
الجزء 1 · صفحة 61
61)
سال إِلى ما يُطَهَّر،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوجَع ناقض، وبدونه لا. ثُمَّ الماءُ الخارجُ من النَّفِطَة (1) بمنزلة الدَّم على الأصحّ، وكذا الصَّديدُ (2). وقيل: الماءُ بمنزلة الدَّمْع، كذا في «المضمرات».
(سال إِلى ما يُطَهَّر) أي ما يجبُ تطهيرُه في الجملة، ولو في الجنابة كالفم والأنف، فلا يَنْقضُ ما ظَهَر في موضعه ولم يَرتقِ كنَفِطَةِ الجُدَرِيّ والبَثْرَةِ (3) إذا قُشِرَتْ، ولا ما ارتقَى عن موضعه ولم يَسِلْ، والدمُ المرتقي مِنْ مَغْرِز الإِبَرِ، والحاصِلُ في الخلال من الأسنان، وفي الخُبزِ من العضّ، وفي الإِصبَعِ من إدخالِ الأنف (4)، ولا ما يَسِيلُ بعَصْرٍ وكان بحيث لو لم يُعْصَر لم يَسِل.
فالمرادُ بالسَّيَلانِ أعمُّ من أن يكون بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبة منه. ولا يَنْقُض نحوُ الدَّم يَخْرُج من العينِ أو الجِراحةِ ويَسيل فيهما بحيث لا يتجاوزهما. وقال زُفَر: لا يُشترط السَّيَلانُ اعتباراً بالمَخْرَجينِ. ولنا قولُه ?: «ليس في القَطْرَة والقطرتين من الدم وضوءٌ إلا أن يكون سائلاً» رواه الدارقطني في «سننه»، لكنّ في إسناده ضعفاً.
وقال أحمد: يَنْقُضُ الدَّمُ الفاحشُ والدود الفاحش (5) الخارجُ من الفرج. وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض الخارجُ من غير السبيلين لِمَا أسنده أبو داود والحاكم وعلّقه البخاري فقال: «ويُذكَرُ عن جابر بنِ عبد الله أنَّ النبي ? كان في غزوة ذات الرِّقاع ـ بكسر الراء ـ فرُمِيَ رجلٌ بسهم فَنَزَفه الدمُ، أي خرج منه حتى ضَعُف، فرَكَعِ وسَجَد ومَضَى في صلاته». وسمَّاه البيهقي وقال: فنام عمَّارُ بنُ ياسر، وقام عَبَّادُ بنُ بِشْر يُصَلِّي وقال: كنتُ أصلِّي بسورة الكهف فلم أُحبَّ أن أقطعها. والاستدلالُ به مُشكِل، ولذا قال الخَطَّابي: ولستُ أدري كيف يصحُّ الاستدلال به، والدمُ إذا سال يُصِيبُ بدنَه، وربما أصاب ثوبَه، ومع إصابة شيء من ذلك لا تصحُّ صلاته، إلا أن يقال: إن الدم كان
(1) النِّفِطَة: الجُدَرِي. حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص 61. والقامرس المحيط ص 891 مادة (نفط).
(2) الصَّديد: ماء الجُرح الرقيق. القاموس المحيط ص 373، مادة (صد).
(3) في المطبوعة: البَشَرة، والمثبت من المخطوط، وهو الأصح. والبَثرَة: خُرَّاج صغير مملوءٌ قيحًا. معجم لغة الفقهاء ص 104.
(4) عبارة المخطوطة: وفي الإصبع من إدخاله في الأنف.
(5) لم ترد عبارة: "والدود الفاحش" في النسخة التي حققها شيخنا الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة ?، وهي مثبتة في المطبوعة والمخطوطة اللتين بين أيدينا، ولكن بإبدال لفظ: "المخرج" بدل: "الفرج" في المخطوطة.
الجزء 1 · صفحة 62
62)
والقيءُ دَمًا رقيقًا إِن احمرَّ به البُزاقُ لا إِن اصفرَّ به، وغيرَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يجري من الجُرح على سبيل الدَّفق حتى لا يُصيبُ شيئاً مِنْ ظاهر بدنه، وإن كان كذلك فهو أمرٌ عَجِيب. انتهى. ومع هذا لا يَنْهضُ حجةً إلا إذا ثَبَتَ اطِّلاعُ النبي ? على صلاة الرجل وتقريُرُه له عليها.
ولنا ما روى الدارقطنيُّ فى «سننه» عن تمِيمٍ الداريِّ، وابنُ عَدِيَ في «كامله» عن زيدِ بن ثابت: أنَّ رسول الله ? قال: «الوضوءُ مِنْ كلِّ دمٍ سائل». وروى البخاري عن عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش جاءت إلى النبي ? فقالت: إني أُستحاضُ فلا أَطْهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلكِ عِرْقٌ، وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلَت الحَيْضةُ فدَعِي الصلاة، وإذا أدْبَرَتْ فاغْسلِي عنكِ الدَّم، وتوضَّئي لكل صلاة». فنبَّه ? على العِلَّة المُوجِبةِ للوضوء، وهو كونُ ما يَخْرجُ منها دَمَ عِرْقٍ، وهو أعمُّ من أن يكون خارجاً من السبيلينِ أو غيرِهِما، ثم أمَرَها بالوضوء لكلّ صلاة.
وقد قالوا: مَنْ رَمِدَتْ عَيْنُه وسال الدمُ منها وجَبَ عليه الوضوءُ، فإذا استمرَّ فلِوَقْتِ كلِّ صلاة. وأمَّا ما رواه الدارقطني من أنه ? «احتَجَم وصلَّى ولم يَتوضَّأ، ولم يَزِدْ على غَسْل مَحاجِمِه» فضعيف.
(والقيءُ) بالرفع عَطفٌ على ما خَرَجَ، والواوُ بمعنى أو. وقولُه: (دَماً) مفعول، لأنه مَصدَرُ قَاءَ يقِيءُ (رقيقاً) فإنَّه حينئذٍ يكون مِنْ قَرْحةٍ في الجوف وقد وَصَل إلى ما يُطَهَّر (إِنْ احمَرَّ بهِ البُزاقُ) لأنَّ الدم حينئذٍ غالبٌ أو مُساوٍ، فيكون سائلاً بقوَّةِ نَفْسِه فيُعتَبَر (لا إِنْ اصفَرَّ به) لأنه حينئذٍ مغلوبٌ فيكون سائلاً بقوَّةِ غيره فلا يُعتَبر (1).
(وغيرَهُ) بالنصب عَطفٌ على دَماً والضميرُ له، أي والقيءُ غيرَ دم، وهو شاملٌ للطعامِ والماءِ والمِرَّةِ والدَّمِ الغليظة.
وقال أحمدُ: يَنْقُضُ القيءُ الفاحش، وقال مالك والشافعي: لا يَنْقُض القيءُ مطلقاً لِمَا صحَّحه الترمذي من حديث صفوانَ بن عسَّال (2) قال، «كان رسول الله ? يأمُرنا إذا كنا سَفْراً أن لا نَنْزِعَ خِفافنَا ثلاثة أيام وليالِيَها إلا مِنْ جنابة، ولكن مِنْ غائطٍ وبولٍ ونوم»، فلم يَذْكُر القيءَ، فلو كان حدَثاً لذكره.
ولنا ما روى أبو داود والنسائي والترمذيُّ وقالَ: أصحُّ شيءٍ في الباب، والحاكمُ
(1) في هامش المخطوطة: وفي الظهيرية: ولو كان في البزاق عروق الدم فهو عفو.
(2) جاء في المطبوعة: "غسان" وهو تحريف، والتصحيح من المخطوطة وسنن الترمذي 1/ 159، كتاب الطهارة (1)، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم (71)، رقم (96).
الجزء 1 · صفحة 63
63)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في «مستدركه» وقال: صحيحٌ على شَرْط الشيخين ولم يخرجاه، من حديث مَعْدانَ بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أنَّ النبيّ ? قاءَ فتوضَّأ فلقيتُ ثَوبانَ في مسجد دمشق فذكرتُ ذلك له، فقال: صَدَقَ، وأنا صببتُ له وَضوءَه.
وأُجيبَ عن حديث صفوان بإنه إنما لم يُذْكَر القيءُ فيه لقلَّة وقوعِه، ولذا لم يُذْكر فيه الإِغماءُ والجنونُ. وقد روى ابنُ ماجه عن عائشة مرفوعاً: «من أصابه قَيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، أو مَذْيٌ فليَنصَرفْ وليتوضَّأ ثم ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يَتكلَّم» وفي روايةِ الدارقطني: «ثم ليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلَّم»، والحديثُ هذا وإن كان مرسَلاً، لكنه حُجَّة عندنا وعند الجمهور، لا سيما ويَعضُده حديثُ مَعْدان، والله المستعان. وروى الدارقطني: أنه ? قال: «القَلَسُ حَدَثٌ». والقَلَسُ ـ محرَّكة ويُسكَّن ـ الخارج مع الغَثَيان، والقيءُ مع سكونِ النَّفْس أو الأعمُّ، والله تعالى أعلم.
وأمَّا قولُ صاحب «الهداية» في دليل الشافعي: على أنَّ الخارج من غير السبيلين لا يَنْقُض الوضوءَ لِمَا رُوي أنه ? «قاءَ ولم يتوضأ» فليس له أصل. وأمَّا حديثُ ابن جُرَيج عن أبيه كما رواه الدارقطني فقد ذكَرَ البيهقي عن الشافعي: أنَّ هذه الرواية ليست بثابتة عن النبي ?.
ومن الغريبِ ما ذكره القاضي أبو العباس من أنَّ إمامَ الحرمين في «النهاية» والغزالي في «البسيط» ذكَرَا أنَّ هذا الحديث مَرويٌّ في كتب الصحاح، قال: وهو وَهَمٌ منهما، ولا معرفةَ لهما بالحديث لأنهما ليسا مِنْ أهل هذا الشأن. وأمَّا ما رواه الدارقطني عن ثوبان: أنَّ رسول الله ? قاءَ فَدَعَا بِوَضوئِهِ، فقلتُ: يا رسول الله أفريضةٌ الوضوءُ مِنْ القيء؟ قال: «لو كان فريضةً لوجدتَه في القرآن». فقال (1): لم يَروه عن الأوزاعي غيرُ عُتبة بن السَّكَن، وهو متروك.
ومِن أدلَّتِنا ما في «موطَّأ مالك» عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا رَعَف رجَعَ فتوضَّأ ولم يتكلَّمْ، ثم رَجَع وبَنَى على ما قد صلَّى، وما في «مصنَّف عبد الرزَّاق» عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ? قال: إذا وَجَدَ أحدُكم رِزّاً أو رُعَافاً أو قَيْئاً فلينصرِفْ وليتوضَّأ، فإن تكلَّم استقبل وإلاَّ اعتدَّ لِمَا مضى. وفيه عن سلمان مثلُه، وفي «مسند الشافعي» عن ابن عُمَر نَحوُه. والرِّزُّ بكسر الراء وتشديد الزاي: القَرَقَرَةُ، وقيل: هو غَمْزُ الحدَثِ وحَرَكتُهُ للخروج، كذا في «النهاية»، وقال
(1) أي الدارقطني.
الجزء 1 · صفحة 64
64)
إِن مَلأ الفمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السيوطي: هو صوتٌ خَفيّ، وفي «القاموس»: صوتٌ تَسمعه من بعيدٍ أو أعمُّ.
وقولُ من نَفَى صِحَّة حديثٍ في نقضِ الوضوءِ بالدمِ والقيءِ والضحكِ إن سُلِّمَ لم يقدح في صحة الاحتجاج، لعدمِ توقُّفه على صِحَّةَ الحديثِ إذ الحُسْنُ كافٍ، على أنها قد تحْصُل من العَدَدِ المجتمِع، كما في المتواترِ المعنوي، مع أنه رأيٌ من النافي لها، وهو لا يَمنعُ رأيَ مثلِهِ من الصحيح بالنسبة إليه عند غلبةِ ظنِّه.
(إِنْ مَلأ) أي القيءُ (الفمَ) بأن لم يُمكِنْ ضبطُه إلا بكُلفة. وقيل: بأنْ لم يُمكِن معه الكلام. وقال زُفَر: قليلُ القيء ككثيره اعتباراً بالخارج من السبيلين. ولنا: ما رويناه مقيَّداً بالسَّيَلان (1)، وما رواه البيهقي في «الخلافيات» من قوله ?: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْعٍ: من إقطارِ البولِ، والدَّمِ السائل، والقيحِ، ومن دسْعةٍ تَملاء الفم، ونومِ المضطجِعِ، وقهقهةِ الرجل في الصلاة، وخروجِ الدم»، ولا يَضرُّ ضعفُ سهلِ بن عفَّانَ والجارودِ بن يزيد لوجود أصل الحديث عند غيرهما. والدَّسْعةُ: الدَّفعةُ الواحدة من القيء على ما في «النهاية».
وأمَّا ما ذكره صاحب «الهدايةَ» من قول علي ? حين عَدَّ الأحداث: «أو دَسْعَةٍ تَملأ الفم» فهذا اللفظُ عن علي ? ليس له أصل.
ويَنتقِضُ بمصّ قُرَادٍ (2) وشُربِ الذُّبابِ دمَ جُرْح بحيث لو شُرِطَ القُرَاد (3) أو تُرِكَ دمُ الجرح لسالَ، لا بسُقوطِ لحمٍ ودُودٍ منه لعدمِ نجاسة الدُّود في ذاته واللحمِ في أصله.
وأمَّا قيءُ الدم المائع فناقضٌ عند أبي حنيفة ? وإن لم يَملأ الفم، وشَرَط محمد مِلْئه، وعن أبي يوسف أنه إن كان من قَرْحة نَقَض مطلقاً، وإن كان من الجوف لا يَنْقُض حتى يملأ الفم. وفي «النوادر». لو قاء مراراً كلَّ مرَّة دون ملء الفم والمجموعُ قد ملأه قال أبو يوسف: يَنقُضُ إذا اتحد المجلس، لأن اتحاده يَجمع المتفرقات كما في سجدة التلاوة. وقال محمد: إن اتحد السببُ وهو الغَثَيان، لأن الأصل إضافة الفعل إلى سببه، وهو الأصحُّ كما في «الكافي».
ولو أرخينا العِنَان، وجعلنا الأدلة تتعارض في مَيدان البيان، فإنْ جَمَعنا بينها فهو
(1) راجع ص 61. يريد حديث: "ليس في القطرة والقطرتين ... ".
(2) القُراد: دُوَيْبَّةٌ معروفة تَعَضُّ الإبل. تاج العروس 9/ 26، مادة (قرد).
أطلق الشارح هنا نقض الوضوء بمصِّ القراد، كبيرًا أو صغيرًا، والصواب تقييده بالكبير كما نص عليه في "رد المحتار على الدر المختار" 1/ 94: "إن كان كبيرًا نقض وإلا لا ينقض".
(3) شُرِطَ: شُقَّ.
الجزء 1 · صفحة 65
65)
لا بَلْغمًا أصلًا. وما ليس بحَدَثٍ، ليس بنَجَس. ونومُ مُتَّكىء إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولى عند الإِمكان، حَمَلْنا ما رواه الشافعي على القليل في القيء وما لم يَسِل، وما رواه زُفَر على الكثير توفيقاً بين الأدلة.
ثم القليلُ في القيء غيرُ ناقض، وعلى هذا يَظهر ما في «المجتبى» عن الحَسَن: لو تَناول طعاماً أو ماءً ثم قاء مِنْ ساعته لا يَنتقضُ لأنه طاهرٌ حيث لم يَستحِل، وإنما اتَّصل به قليلُ القيء فلا يكون نَجِساً، وكذا الصبيُّ إذا ارتضع وقاءَ من ساعتِه، قيل: هو المختار.
(لا بَلْغماً) عطفٌ على «دَماً»، أو منصوبٌ بمحذوف، أي لا يَنْقض القيءُ إذا كان بَلْغماً (أصلاً) أي سواءٌ كان من الرأسِ أو من الجوف، لم يكن مِلء الفم أو كان مِلئه، ولم يكن مخلوطاً بطعام أو كان مخلوطاً به، والحالُ أنَّ الطعام دون مِلء الفم، وأمَّا لو كان الطعامُ مِلء الفم فإنه يَنْقُض بالاتفاق. وقال أبو يوسف: البلغمُ النازلُ من الرأس لا يَنْقُض، والصاعِدُ من الجوف إن كان مِلء الفم يَنْقُض كغيره من أنواع القيء.
(وما ليس بحَدَثٍ) كالدَّم الذي ليس بسائل والقيءِ دون مِلء الفم (ليس بنَجَس) بفتح الجيم، ليس بنجاسةٍ عند أبي يوسف وهو الصحيحُ عند صاحبِ «الهداية» وغيرهِ، وقال محمد: وهو نَجَسٌ احتياطاً، واختاره أبو جعفر الهِنْدُوَانيُّ وغيرُه. فإن قيل: دمُ الاستحاضةِ والجُرح الذي لا يَرقأ ليس بحَدَثٍ وهو نَجَسٌ؟ أُجِيبَ بأنَّا لا نُسلِّم أنه ليس بحَدَث، غايتُهُ أنه حدَثٌ، لا يَظهر أثرُه إلا بخروج الوقت.
(ونومُ مُتّكاء) أي مستندٍ (إِلى ما لو أُزِيلَ لسَقَط). واعلم أنْ النوم إِنْ كان اضطجاعاً أو اتكاءً على أحدِ الوَرِكينِ نَقَضَ، وإِن كان استناداً إلى شيء يَسْقطُ المُتَّكيءُ عند إزالتِهِ، فإن زالت المَقْعَدةُ عن الأرض نَقَض اتفاقاً، وإن لم تَزُل ذكَرَ الطَّحاويُّ والقُدُوريُّ أنه يَنْقض لحصولِ غايةِ الاسترخاء، والمرويُّ عن أبي حنيفة ? أنه لا يَنْقض، لأنَّ استقرارَ المَقْعَدةِ على الأرض يَمنع من الخروج. وإِن كان في قيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ، فإن كان في الصلاة لا يَنْقض، وكذلك إن كان خارجَها وهو على هيئتها مِنْ رفع البطن في السجود عن الفخذين وتجافي العَضُدينِ عن الجنبين. وذَكَر ابنُ شُجَاع أنه يَنْقُض خارجَ الصلاة.
وقال الشافعي: يَنْقُضُ مطلقاً، لأنه لا يُؤمَنُ الحدَثُ في هذه الهيئات، ففارقَتْ هيئةَ القعود متمكناً.
ولنا قولُه ?: «لا يجبُ الوضوءُ على من نام جالساً، أو قائماً، أو
الجزء 1 · صفحة 66
66)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ساجداً، حتى يضَعَ جنبيه، فإذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصِلُه» رواه البيهقي، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: أنه رأى النبيَّ ? نامَ وهو ساجدٌ حتى غَطَّ أو نَفَخ، ثم قام فصلى فقلتُ: يا رسول الله إِنك نِمْتَ؟ فقال: «إنَّ الوضوءَ لا يجبُ إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجَعَ استرخَتْ مفاصِلُه». وغَطَّ النائمُ ـ بفتح الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ـ إذا نَخَر (1).
وأخرَجَ ابنُ عدي عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدّه قال: قال رسول الله ?: «ليس على من نام قائماً أو قاعداً وُضوءٌ حتى يَضْطَجِعَ جَنْبُه إلى الأرض»، وأخرَجَ أيضاً عن ابن عباسٍ عن حُذَيفة بن اليمان قال: كنتُ جالساً في مسجد المدينة أَخْفِقُ (2) فاحتَضَنَني رجلٌ مِنْ خلفي، فإذا أنا بالنبيّ ?، فقلتُ: يا رسول الله وجَبَ عليّ وضوء؟ قال: «لا حتى تَضَع جَنْبَك على الأرض».
وهذه الأحاديثُ وإن كانت بانفرادِها لا تخلو عن ضعف، إلاَّ أنها إذا تعاضَدَتْ لم تُنْزِله عن درجةِ الحَسَن، ولم يُعارضه صريحٌ مثلُه، فيجوزُ العمَلُ به.
وقال أبو يوسف: يُنْقَضُ الوضوءُ بتعمُّدِ النوم في سجود الصلاة، وقالا: لا يُنْقَضُ به لعموم ما رَوَينا، ولقولهِ ?: «إذا نام العبدُ في السجود يُباهِي اللهُ ملائكتَه فيقول: انظروا إلى عبدي، رُوحُه عندي، وبدَنُه في طاعتي» (3). وإنما يكونُ في الطاعة أنْ لو بَقيَتْ طهارتُه، لأنه بدونها إمَّا كُفرٌ أو كبيرة.
وفي «الظهيرية»: لو نام قاعداً فسقَطَ إن انتَبَه قبل أن يَصِلَ جنبُه إلى الأرض لا يَنْقُض. وقيل: يَنقُض إذا ارتفَعَ مَقْعَدَتُهُ عن الأرض، والأوَّلُ أصحُّ. وفي «الخلاصة»: أن الأوَّلَ قولُ أبي حنيفة، والثانيَ قولُ محمد. ولو وضَعَ يدَه على الأرض ونام، أو نامَ محتبياً ورأسُهُ على ركبتيه لا يَنْقُض. ولو صلَّى المريضُ مضطجعاً، فنام فالصحيحُ أنه يَنْقُض. ولو نَعَسَ مضطجعاً إن كان نُعاسُهُ خفيفاً بحيث يَسْمعُ ما يُتحدَّثُ عنده لا يَنْقُض.
ثم النومُ وما ذُكِرَ بعده من الإِغماءِ والجنونِ: مَظِنَّاتٌ للأحداثِ أُقيمَتْ مُقامَها. والأصلُ فيها قولُه ?: «العَيْنانِ وِكاءُ السَّهِ، فإن نامَتْ العينانِ استَطْلَق
(1) النَّخِير: صوت الأنف. "النهاية" 5/ 32.
(2) خَفَقَ الرجل: حرك رأسه وهو نَاعِسٌ. مختار الصحاح ص 77، مادة (خفق).
(3) هذا حديث ضعيف جدًّا كما قاله النووي في "المجموع" 2/ 13. وانظر "التلخيص الحبير" 1/ 120 - 121.
الجزء 1 · صفحة 67
67)
والإغماءُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوِكاءُ» (1). وأمَّا إذا نام قاعداً وتمايَلَ بحيث احتُمِلَ زوالُ المَقْعَدةِ به فلا يَنْقُض، لما في «سنن أبي داود»: كان أصحابُ رسول الله ? ينتظرون العِشاءَ حتى تَخْفِقَ رؤسُهم ـ أي تَضطرب ـ (ثم يصلون) (2) ولا يَتوضَّؤُون.
واعتبَرَ مالكٌ ثِقَلَ (3) النوم حالَ الجلوس لأنه مظِنَّةُ استرخاء المفاصل غالباً، فأُدِيرَ الحُكمُ عليه بخفاءِ سببه.
ولنا إطلاقُ ما رَوَيْنا من حديثِ حذيفةَ وغيرِه. وأمَّا ما في «مسند البزَّار» بإسنادٍ صحيح «كان أصحابُ رسول الله ? يَنتظرون الصلاةَ فيَضعون جُنوبَهم، فمنهم من ينامُ ثم يقومُ إلى الصلاة»، فيجبُ حملُه على النُّعاس.
وقال الحَلْواني: لا ذكْرَ للنُّعاس مضطجِعاً، والظاهرُ أنه ليس بحَدَث، لأنه نومٌ قليل. أقول: بل هو مقدِّمةُ النوم، وقد قال الدَّقَّاقُ: إن كان لا يَفهَمُ عامَّةَ ما قِيلَ حوله كان حَدَثاً، وإن كان يَسْهو حرفاً أو حرفينِ فلا.
وأمَّا نومُهُ ? فليس بحَدَث، لأنه مِنْ خُصوصيَاتِهِ ولقوله ?: «تَنامُ عيناي ولا يَنَامُ قلبي» (4).
(والإغماءُ) وهو مرضٌ يُوجِب ضعفَ القُوَى، والمرادُ به هنا: الغَلَبةُ على العقلِ بأيّ سببٍ كان، فيَشمل السُّكْرَ وهو: خِفَّةٌ تعتري الإِنسان. والضابطُ هنا كاليَمِين (5)، وهو أن يكون في مَشْيهِ اختلال، وهو الأصحُّ على ما في «المجتبى». وفي «الخلاصة»: السُّكْر حدَثٌ إذا لم يَعرِف به الرجلَ من المرأة.
(1) جعل اليقظة للاسْتِ كالوكاء للقِربة، كما أن الوكاء يمنع ما في القِربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الاست أن تُحْدِث إلا باختبار. والسَّه: حَلْقَةُ الدُّبُر. النهاية 5/ 222.
(2) ما بين الحاصرتين أثبتناه من المخطوطة وسنن أبي داود 1/ 137 - 138، كتاب الطهارة (1)، باب في الوضوء من النوم (79)، رقم (200).
(3) في المطبوعة: "نقض"، والمثبت من المخطوطة، وهو الأصح، لما صرح به المالكية في كتبهم، بأن النوم إذا ثقل نقض، وإلا لا. انظر الإِكليل شرح مختصر سيدي خليل ص 23.
(4) أخرجه البخاري (فتح الباري) 6/ 579، كتاب المناقب (61)، باب كان النبي ? تنام عينه ولا ينام قلبه (24)، رقم (3569).
(5) أي ضابط السُّكْرِ الذي ينقض الوضوء هنا كضابط السُّكْرِ في اليمين، وهو أن يكون في مشيه اختلال، فلو حلف أنه ليس بسكران، يعتبر في صدق يمينه هذا الضابط. انتهى من "فتح باب العناية" 1/ 74، الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أَبو غُدَّة رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 68
68)
والجنونُ، وقهقهةُ بالغٍ في صلاةٍ مُطْلَقةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما يَنتقِضُ وضوؤه بالغَلَبةِ على العقل، لأنها فوق النوم مضطجعاً، ولهذا كانت ناقضةً في جميع الأحوال، ألا تَرى أنّ المُغْمَى عليه لا يَنتبه بالتنبيه بخلاف النائم.
(والجنونُ) وهو عِلَّةٌ تُزيل العقلَ وتَسْلبه، وهو أقوى مما قبله.
(وقهقهةُ بالغٍ) عمداً كان أو سهواً، وهي ما تكون مسموعةً له ولجيرانه، سواءٌ ظهرت أسنانُهُ أوْ لا. والضحِكُ: ما يكون مسموعاً له دون غيرهِ، وتَبْطُلُ به الصلاةُ دون الوضوء. والتَّبَسُّمُ: ما لا يُسْمَعُ أصلاً، وليس بمُبِطلٍ لواحدٍ منهما. وقَيْدُ «بالغٍ» لأنَّ قهقهة الصبيّ لا تُبطِلُ وضوءه وتُبطِلُ صلاتَهُ.
(في صلاةٍ مُطْلَقةٍ) أي ذاتِ ركوعٍ وسجود أو ما يقوم مقامَهما من الإِيماء، فلا تَنْقضُ القهقهةُ في صلاة الجنازة ولا في سَجْدة تلاوة، وتَنقُضُ في نافلةٍ على الدابَّة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تَنقُضُ القهقهةُ وضوءاً، لأنها لو نَقَضتْ في الصلاةِ لنقضَتْ خارجَها، وفي صلاةِ الجنازةِ وسجدةِ التلاوةِ كباقي النواقض.
ولنا أنَّ القياس ما ذكروه ولكن تركناه ـ فيما إذا كانت القهقهةُ في ذاتِ ركوعٍ وسجود ـ بما رواه الدارقطنيُّ عن أبي هريرة وعِمرانَ بن حُصَين، والطبرانيُّ عن أبي موسى الأشْعَري واللفظُ له قال: بينما رسولُ الله ? يُصلِّي بالناس إذْ دَخَل رجلٌ فتردَّى ـ أي وقَعَ ـ في حُفرةٍ كانت في المسجد، وكان فِي بَصَرِهِ ضَررٌ، فضَحِكَ كثيرٌ من القوم وهم في الصلاة، فأمَرَ رسولُ الله ? مَنْ ضَحِكَ أن يُعيد الوضوءَ والصلاةَ.
ولنا أيضاً ما قدَّمنا (1) مِنْ قولِهِ ?: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْع»، وقولُهُ: «مَنْ ضَحِكَ في الصلاةِ قهقهةً فليُعِدِ الوضوءَ والصلاةَ»، فإنَّه رُوِيَ مُرسَلاً ومُسنَداً، وقد اعتَرَفَ أهلُ الحديث كلُّهم بصحَّتِه مُرسَلاً، والمُرسَل حجَّةٌ عندنا وعند الجمهور. وأمَّا رِوايتُهُ مُسنَداً، فعن عِدَّةٍ من الصحابة كابنِ عُمَر، ومَعْبَدٍ الخُزاعي، وأبي موسى الأشْعَري، وأبي هريرة، وأَنس، وجابر، وعِمران بن حُصَين، وقد اسْتَوفَى صاحبُ التخريج الكلامَ على الطُّرقِ كلِّها (2)، ونَقتصرُ منها على طريقينِ:
طريقِ ابنِ عُمَر، وهو ما رَوَى ابنُ عَدِي في «الكامل» من حديث عَطِيَّة بن بَقِيَّة:
(1) في ص 64.
(2) يقصد الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" 1/ 47 - 54. وانظر "عمدة القاري".
الجزء 1 · صفحة 69
69)
والمُباشرةُ الفَاحِشَةُ، لا مَسُّ المرأةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَدَّثنا أبي: حدثنا عَمْرُو بن قَيْس السَّكُوني، عن عطاء، عن ابنِ عمر قال: قال رسول الله ?: «من ضَحِك في الصلاةِ قهقهةً فَليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وأمَّا الطَّعْنُ فيه بأنَّ بَقِيَّة مُدَلِّس، فكأنه سَمِعَهُ مِنْ بعضِ الضعفاء وحَذَفَ اسمَه: فمدفوعٌ بأنه صَرَّح فيه بالتحديث، والمُدَلِّس الصَّدُوقُ إذا صرَّحَ بالتحديث تَزولُ تُهْمَةُ التدليس، وبَقِيَّةُ مِنْ هذا القَبيل.
وطريقِ مَعبَد، وهو ما رَوَى أبو حنيفة في «مسنده» عن منصور بن زَاذَان الواسطي، عن الحسن، عن مَعْبَد بن أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعي، عنه ? قال: بينما هو في الصلاة إذْ أقبَلَ أعمى يُريدُ الصلاةَ، فوقع في زُبْيَةٍ ـ بضمّ الزاي وسكون الموحدة فتحتيَّة ـ، أي حُفرةٍ، فاستَضْحَكَ القومُ فقهقهوا، فلما انصرَفَ رسولُ الله ? قال: «من كان منكم قَهْقَه فليُعِدِ الوضوءَ والصلاة».
وقِيلَ: مَعْبدٌ هذا لا صُحبة له، فهو مُرسَلٌ أيضاً، ورُدَّ بأنَّ المَعْبَد الذي لا صُحبةَ له هو مَعْبَدٌ البَصْري الجُهَني، كان الحسَنُ يقول فيه: إياكم ومَعْبداً، فإنه ضالّ مُضِلّ (1)، ومَعْبدٌ هذا هو الخُزَاعي كما هو مصرَّحٌ في «مُسنَدِ أبي حنيفة»، ولا شَكَّ في صُحبته، ذكره ابنُ مَنْدَه وأبو نُعيمٍ في الصحابة، ورَوَيا له حديثَ جابر: أنَّه لما مَرَّ النبيُّ عليه بخِبَاءِ أمِّ مَعْبَدٍ، فبَعَثَ مَعْبَداً وكان صغيراً فقال: «ادْعُ الشاةَ» ... الحديث.
(والمُباشرةُ الفاحِشةُ) وهي أن يَمَسَّ (2) فَرْجُه فَرْجَها وهو مُنتشِر الآلة، وقال محمد: إنما يَنْقُض إذا خَرَج المَذْيُ، لأنَّ الناقض خروجُ النَّجَس. ولهما أنَّ المباشَرةَ على هذه الصفة لا تخلو غالباً عن مَذي، فجُعِلَ الغالبُ كالمتحقِّق احتياطاً. وفي «القُنْيَة»: وكذا المباشَرَةُ بين الرجلِ والغلامِ، وكذا بين الرَّجلين، تُوجِبُ الوضوءَ عليهما. ثم عباراتُ أكثرِ الكتبِ متظاهِرَةٌ من أنَّ الصحيحَ والمُفَتى به قولُ محمد (3).
(لا مسُّ المرأةِ) أي لا يَنْقضُ الوضوءَ مَسُّ المرأة، سواءٌ تَكُونُ إضافةُ المصدر إلى فاعلِه أو مفعوله، وهو قولُ عليّ وجماعةٍ من الصحابة.
(1) لأنه هو أول من أظهر القَدَر بالبصرة. تقريب التهذيب ص 539، ترجمة رقم (6777).
(2) في المطبوعة والمخطوطة: "أن مس"، والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. "فتح باب العناية" 1/ 78.
(3) لم يرتضِ ابن نجيم صاحب "البحر" هذا التصحيح، حيث قال: ولا يعتمد على هذا التصحيح، فقد صرح في "التحفة" - كما نقله شارح "المنية" - أن الصحيح قولهما، وهو المذكور في المتون. البحر الرائق 1/ 45.
الجزء 1 · صفحة 70
70)
والذَّكَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشافعي وأحمد: يَنْقُضُ مَسُّ المرأةِ التي غيرُ مَحْرَمٍ وضوءَ اللامس، وهو قولُ عُمَر وبعضِ الصحابة لقوله تعالى: {أو جاء أحدٌ منكم من الغائطِ أو لمَسْتُم النّساءَ} (1) بقصر اللام كما قرأه حمزة والكِسائي (2)، وحقيقةُ اللَّمْس المَسُّ، لقوله تعالى: {فَلَمَسُوه بأيديهم} (3). وقال مالك: يُنْقَضُ بالمَسِّ إذا كان يتلذَّذُ به.
ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ?: أنها قالتْ: كنتُ أنامَ بين يدَيْ رسولِ الله ? ورِجْلاي في قِبْلتِه، فإذا سَجَدَ غمَزَني فقبضتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسطتُهما، وما في «السُّنَّن الأربعة»: عن عائشة: أنَّ النبي ? كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه ثم يُصَلّي ولا يتوضَّأ، ورواه البَزَّار في «مسنده» بإسنادٍ حسَّنه.
وأُجِيبَ عن الآية بأنَّ اللَّمْسِ يُكْنى به عن الجماع، وحَمْلُ الآية عليه أولى ليُوافِقَ قراءةَ: {لامَسْتُم} فإنه مُفسَّر بالجماع عند الجمهور، وقد قال ابنُ عباس: المُرادُ باللَّمْس: الجماعُ، إلا أنَّ الله تعالى حَيِيٌّ كَنَّى بالحَسن عن القبيح، كما كَنَّى بالمَسِّ عن الجماع في قوله تعالى: {وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهُنَّ} (4)، والمُرادُ الجماعُ بالإِجماع، ولأنَّ الآية تَصيرُ بياناً لكون اللَّمس رافعاً للحدث الأصغر والأكبر.
(و) لا (الذَّكَرِ) أي ولا يَنْقُضُ الوضوءَ مَسُّ ذَكَرِه أو ذَكَرِ غيرِه مطلقاً.
وقال الشافعي: يَنْقُضُه إن كان بِبَطْن الكفّ أو بطنِ الأصابع، وبه قال مالكٌ إذا كان بشهوة، وقال أحمد: مَسُّ الفَرْج يَنْقُض الوضوءَ ذَكَراً كان أو أُنثى، لما روى أحمد والطبراني عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ? «إذا أفضى أحدُكم بيده إلى فَرْجه ليس دونها حِجاب فقد وجَبَ عليه الوضوءُ»، وما روى أصحابُ «السُّنَن الأربعة»: عن بُسْرة بنتِ صفوان أَنه ? قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فليتوضَّأ».
ولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قَيْس بن طَلْق، عن أبيه، عن النبي ? أنه سُئِلَ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرهُ، في الصلاة؟ فقال: «هل هو إلا بَضْعَةٌ منك»، بفتح الموحَّدة، أي قِطعة من جسدك، قال الترمذي: هذا الحديثُ أحسَنُ شيء يُروَى في هذا الباب، ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه الطَّحاوي وقال: هذا حديثٌ مستقيمٌ غيرُ
(1) سورة النساء، آية: (23).
(2) انظر "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" ص 80.
(3) سورة الأنعام، آية: (7).
(4) سورة البقرة، آية: (237).
الجزء 1 · صفحة 71
71)
وفَرْضُ الغُسْل:
غَسْلُ فمِهِ وأنفِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مضطربٍ في إسنادِه ومَتْنِه، فهو حديثٌ صحيحٌ معارِضٌ لحديث بُسْرةَ. وأمَّا ما قيل من أنَّ المُرادَ به المَسُّ بحائل: فرُدَّ بأن تعليله ? يأبَى ذلك.
قال بعضُ المحققين: إنَّ الحديثينِ لم يَسْلَما من الطعن فيهما، والحقُّ أنهما لا يَنزِلانِ عن دَرَجةِ الحُسْن، لكن يَترجَّح حديثُ طَلْق بأنَّ الرجال أقوى في الحال، لأنهم أحفظ وأضبطُ للأقوال.
وقد ثبَتَ عن عليّ، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وحُذَيفة ابن اليمان، وعِمران بن الحُصَين، وأبي الدَّرْداء، وسعدِ بن أبي وقاص: أنهم كانوا لا يَرون النقضَ منه، وإن رُوِيَ النَّقضُ عن غيرهم كعُمَر، وابنِه، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص، وجابر، وعائشة ?، ذكره ابنُ الهُمَام.
وفي «شرح الآثار» للطَّحاوي: لا نعلمُ أحداً من الصحابة أفتَى بالوضوء مِنْ مَسّ الذَّكَر إلا ابن عُمَر، وقد خالفَهُ في ذلك الأكثرُ فتأمَّل وتدبَّر، فإنه على تقدير تساويهما إذا تعارَضَا تساقَطَا، والأصلُ عدَمُ النَّقْض. وإنْ سَلَكْنا طريقَ الجمع جُعِلَ مَسُّ الذَّكَر كنايةً عما يَخْرُج منه، وهو من أسرار البلاغة، يَسكتون عن ذِكر الشيء وَيرمزون عليه بذِكرِ ما هو مِنْ رَوَادِفه، فلما كان مَسُّ الذَكر غالباً يُرادِفُ خروجَ الحدَثِ منه ويُلازِمُه، عُبِّر به عنه، كما عَبَّر الله سبحانه بالمجيء من الغائط عما يُقْصَد الغائطُ لأجله ويَحُلُّ فيه، فيَتَطابَقُ طريقا الكتابِ والسُّنَّة (1). وكذا الخِلافُ في مَسّ الدُّبُر.
(فَرْضُ الغُسْلِ)
(وفَرْضُ الغُسْلِ) بالضمّ أي الاغتسالِ (غَسْلُ فمِهِ وأنفِهِ) بالفتح مصْدَرُ غَسَلْتُ. وبه قال أحمَدُ في أقوى الروايتين.
وقال مالك والشافعي: غَسْلُهما سُنَّة في الغُسْل كالوضوء.
فهما فَرْضَان كما قدَّمنا. ولنا في الفَرْقِ بينهما أنَّ المأمورَ به في الوضوء غَسْلُ الوجه، وهو ما تَقع به المواجهَةُ ولا مواجهة (2) بداخلِ الفمِ والأنفِ، والمأمورَ به في الجَنَابة غَسْلُ جميعِ البدَن على وجهِ المبالغةَ لقوله تعالى: {وإنْ كنتُم جُنُباً
(1) وقع في الأصول: "فيتطابق طريق الكتاب والسنَّة". والتصويب من فتح القدير: 1/ 49.
(2) في المطبوعة: "وهو ما تقع به المواجهة، وليست بداخل الفم ... "، والمثبت من المخطوط.
الجزء 1 · صفحة 72
72)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فاطَّهَّرُوا} (1). فما في غَسلِه حَرَجٌ كداخلِ العين: يَسْقُط، وما لا حَرَجَ فيه: يَبْقى. وداخِلُ الفمِ والأنفِ ممَّا لا حَرَج فيه. وأيضاً يُغْسَلانِ عادةً وعِبادةً: نفلاً في الوضوء، وفرْضاً من النجاسة الحقيقية، فشَمِلَهُما نَصُّ الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأمَّا استدلالُهما (2) بقوله ? كما رواه أبو داود عن عمَّارٍ، ومُسْلِمٌ عن عائشِةَ: «عَشْرٌ من الفِطْرةِ» وعَدَّ منها المضمضةَ والاستنشاقَ: فمدفوعً بأنَّ كونَهما من الفِطرة لا يَنفِي وجوبَهما، لأنها الدِّينُ، وهو أعمُّ منه فلا يعارضه، قال الله تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها} (3)، ووَرَدَ «كلُّ مولودٍ يُولَد علَى الفِطرة» (4).
وروى الدارقطني عن أبي هريرة لكن بسند ضعيف جدّاً أنه ? جَعَل المضمضةَ والاستشناقَ فريضةً للجنب، وفي رواية أنه ? «جَعَل المضمضةَ والاستنشاقَ للجُنُب ثلاثاً فريضةً» (5). وقد انعقد الإِجماعُ على إخراج اثنتين منها عن الفَرْض فيَبْقَى مرَّةٌ واحِدة.
وأمَّا ما في «الهداية» من أنه ? قال: «إنهما ـ يعني المضمضةَ والاستنشاقَ ـ فَرْضانِ في الجنابة، سُنَّتانِ في الوضوء»، فلا أصْلَ له. وروى أبو حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنتِ عَجْردَ، عن ابن عباس فيمن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ قال: لا يُعِيدُ إلاَّ أن يكون جُنُباً. وبمثلِهِ يُترَكُ القياسُ، وإن ادَّعى الشافعيُّ أنَّ عثمان وعائشة الراويين غيرُ معروفين ببلدِهما، إذ عدَمُ معرفتِهِ بحالهما لبُعْدِ عهدهِ بينهما: لا يَنْفي معرفةَ مَنْ أَخَذَ عنهما.
وفي «الظهيرية»: من اغتَسَل وبين أسنانه طعامٌ لا بأس به، لأنَّ ما بين الأسنانِ رَطْبٌ فيَصِلُ الماءُ إلى ما تحته. وقال الأستاذ الإِمام عليٌّ البَزْدَوِي: يَجِبُ عليه غَسْلُ ذلك الموضعِ، ويَنْبغِي أن يُحمَل الأوَّلُ (6) على حالِ تخلخله، والثاني (7) على عَدَمِهِ.
(1) سورة المائدة، آية: (6).
(2) يعني الإمامين: مالكًا والشافعي.
(3) سورة الروم، آية: (30).
(4) أخرجه البخاري (فتح الباري) 3/ 245 - 246، كتاب الجنائز (23)، باب ما قيل في أولاد المشركين (92)، رقم (1385).
(5) في المخطوطة، والمطبوعة: "في الجنب". والتصويب من سنن الدارقطني 1/ 115، كتاب الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، رقم (3).
(6) أي كلام "الظهيرية".
(7) أي كلام البزدوي.
الجزء 1 · صفحة 73
73)
وكلِّ البَدَن.
[سننُ الغُسْل]
وسُنَنُهُ: أنْ يَغسِل يديه وفرْجَهُ، ويُزيلَ النجاسةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو نَسِيَ المضمضمةَ ثم شَرِبَ ماءً وأتَى على جميع فمِهِ أجزأه وإلاَّ فلا. والدَّرَنُ اليابِسُ في الأنفِ كالخُبْزِ الممضوغِ والعجينِ يَمْنَع.
(وكلِّ البَدَنِ) أي وغَسْلِ جميع بَدَنه مرَّةً واحدةً مْستوعِبَةً للشَّعر والبَشَرة لقولِهِ ?: «تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعر، وأَنْقُوا البَشَرَ» رواه أبو داود والترمذي. وقولِهِ ?: «مَنْ تَرَك شَعْرةً مِنْ جسَدِهِ ولم يَغسِلها فُعِلَ به كذا وكذا مِنْ النار». قال علي كرَّم الله وجْهَهُ: فمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ شَعْري وكان يَجُزُّه. كذا رَوَى في «الإِمام».
فيَجِبُ غَسْلُ السُّرَّةِ وفَرْجِ المرأةِ الخارجِ، وداخِلِ القُلْفَة (1) عند بعض المشايخ. ولو كان في الأُذُن ثَقْبٌ فإن كان فيه قُرْطٌ وظنَّ أن الماء لا يصِلُ إلا بتحريكِه حُرِّكَ، وإنْ لم يكن فيه قُرْطٌ فإن كان لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بالتكلُّف ارتكبه، وإنْ كان بحالِ إنْ أمرَّ الماءَ عليه دَخَل وإن لم يُمِرَّ لم يَدْخُل: أمَرَّ الماءَ، وأجزأه كالسُّرَّةِ، لا سِيَّما بالنسبة إلى السِّمَان، ولا يَتكلَّفُ بإدخالِ شيءٍ، ولا يَضُرُّ ما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِه في الإِناء، بخلافِ ما إذا قَطَرَ فيه كلُّه أو أكثَرُه.
(سُنَنُ الغُسْلِ)
(وسُنَنُهُ) وفي نسخةٍ: سُنَّتُه، أي يُسَنُّ في الغُسْل (أنْ يَغْسِل يديه) أي إلى رُسْغَيْه أوَّلاً، لأنهما آلةُ التطهير (وفَرْجَهُ) لأنه مظِنَّة النجاسة، فيَشْمَل قُبُلَه ودُبُرَه، وإن اختَصَّ في اللغةِ بالقُبُل.
(ويُزيلَ النجاسَةَ) أي الحقيقيَّة عن بَدَنِه إن كانت عليه، لئلا تَشِيع بإسالةِ الماء. ولا يُغْنِي ذِكرُها عن ذِكْرِ الفَرْج كما ظَنَّه شارحُ «الكنز» (2)، لأنَّ تقديم غَسْلِه ها هنا سُنَّةٌ وإن لم يكن فيه نجاسة كتقديم الوضوءِ حتى مَسْحِ الرأس على الصَّحيح، وهو ظاهِرُ الرواية. لقولِ ميمونَةَ: «توضَّأ وضوءه للصلاة» ... الحديث كما سيأتي (3)، وإن
(1) القُلْفة: الجلدة التي تقطع من ذكر الصبي. النهاية 4/ 103.
(2) أي الإِمام الزيلعي صاحب "تبيين الحقائق" حيث قال: وكان يغنيه أن يقول "ونجاسة" عن قوله "وفرجه"، لأن الفرج إنما يغسل لأجل النجاسة. تبيين الحقائق 1/ 14.
(3) في الصفحة التالية.
الجزء 1 · صفحة 74
74)
ثم يَتوَضَّأَ إِلَّا رِجْلَيه، ثم يُفيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثًا، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتنْقَع. ويَكفي لذاتِ الضَّفيرةَ أن يَبْتلَّ أصلُها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَوَى الحَسَنُ عَدَمَه، لأنَّ غَسْلَه لا بُدَّ منه.
(ثمَ يتوَضَّأ، إِلاَّ رِجْلَيهِ) هذا الاستثناء ثابتٌ في بعض النسخ، فهو متَّصِل أي يَغْسِلُ أعضاءَ وضوئِه، أو يستكملُ أجزاءَه (1) إلا غَسْلَهما فإنه يُؤَخَّرُ إلى آخِر الأمر.
(ثمَّ يُفِيضَ الماءَ على بَدَنِهِ ثلاثاً، ثم يَغْسِلَ الرِّجْلينِ لا في المُسْتَنْقَع) بصيغة المفعول، أي مُجْتَمَعِ الماءِ المستعْمَل، بل إنْ كان اغتسالُهُ في مكانٍ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ غَسلَ رِجْليه في مكانٍ آخَر، وإنْ كان في مكانٍ لا يَجْتَمِع فيه الماءُ كما لو اغتسل على لوْحٍ أو حجَرٍ أو قُبْقَابٍ غسَلَ رِجْليه فيه.
وثُمَّ في المواضع الثلاث للتراخي في الرتبة مع الإِيماء إلى الترتيبِ، وإلى جوازِ المُهْلة، فإنَّ الموالاة ليسَتْ بشرطٍ عندنا. وكان الأولى أن يَعطفَ بالواوِ أو الفاءِ فإنه أخصرُ وأظهرُ.
وأصْلُ ذلك ما روى أصحابُ «الكتب الستة» عن ابن عباس قال: حدَّثَتْنِي خالتي ميمونَةُ قالتْ: أدْنَيْتُ ـ أي قرَّبْتُ ـ لرسولِ الله ? غِسْلَهُ من الجنابة ـ بكسر الغين أي ما يُغْتَسَلُ به ـ فغسَلَ كفَّيه مرَّتَيْنِ أو ثلاثاً، ثم أدخَلَ يدَهُ في الإِناءِ، ثم أفرَغَ على فَرْجهِ وغَسَلَه بِشمالِهِ، ثم ضَرَب بِشمالِهِ الأرضَ فدَلَكَها دَلْكاً شديداً، ثم تَوضَّأَ وُضوءَه للصلاة، ثَم أفْرَغَ على رَأسِهِ ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفنةٍ مِلءَ كَفَّيْه، ثم غَسَل سائرَ جَسَدِه، ثم تَنَحَّى عن مَقامِه ذلك فغَسَل رِجْليه، ثم أتيتُهُ بالمِنْدِيلِ فَردَّه.
ثم كيفيةُ الصَّبّ أن يُفِيضَ على مَنْكِبِهِ الأيمنِ ثلاثاً، ثم الأيسر ثلاثاً، ثم على سائرِ جَسَدِه، أو يَبْدَأَ بالرأس، وهو الأظهرُ، لحديثِ ميمونة وغيرِها من عِدَّةِ أحاديث أوردها البخاري في «جامعه».
(ويكفي لذاتِ الضَّفِيرَة) أي لصاحبةِ الشَّعر المضفور (أن يَبْتلَّ أصلُها) أَي أصلُ الضفيرة. وفيه إشعارٌ بأنه لا يجبُ عليها بَلُّ ذوائبها وعصْرُها كما قال بعض المشايخ، والصحيحُ: أنه يجبُ غَسْلُ الذوائب وإن جاوَزَت القدمين (2). ثم المرادُ بالابتلالِ هذا: هُوَ وصولُ الماءِ إلى أُصولِ الشعر، حتى لا يَكفي الابتلالُ الحاصِلُ بالمسح، لكن في
(1) في المطبوعة والمخطوطة: "يستعمل"، والمثبت من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أَبو غدة رحمه الله تعالى، 1/ 86.
(2) الراجح في المذهب عدم وجوب غسل الذوائب، بل يُكتفى بإيصال الماء إلى أصول الشعر. راجع فتح القدير 1/ 52، تبيين الحقائق 1/ 14، رد المحتار على الدر المختار 1/ 103.
الجزء 1 · صفحة 75
75)
[مُوجِبات الغُسْل]
وموجِبُه: إِنزالُ مَنِيّ ذي دَفْقٍ ......................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«المُلتَقط»: أنه إذا لم يُصِب الغُسْلُ بعضَ البدنِ فمسَحَه بيده حتى ابتلَّ جسَدُه كلُّه أجزأه.
واحتَرَز بذاتِ الضفيرة عن ذي الضفيرة، فإنه يجبُ عليه نَقْضُها في الصحيح. وأمَّا إذا كانت الضفيرةُ منقوضةً فيجِبُ إيصالُ الماء إلى أثناءِ الشعر كما في اللِّحية لعدمِ الحرج.
وإنَّما لا يجبُ عليها نَقْصُ ضفيرتِها لما روى الجماعةُ إلا البخاري: عن أمّ سَلَمة قالت: قلتُ: يا رسول الله إني امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رأسِي أفأنقُضُه لغُسْلِ الجنابة؟ وفي روايةٍ للحَيْضةِ والجنابة؟ فقال: «لا، إنما يَكفِيكِ أن تَحْثِي على رأسِكِ ثلاثَ حَثَيَات ثم تُفيضي عليك الماءَ فتطهُرِي».
والضَّفْرُ بفتحٍ وسكون، وقيل بضَمّهما.
ولِمَا في أبي داود من أنهم استَفْتَوا رسولَ الله ? عن ذلك فقال: «أمَّا الرَّجُلُ فليَنْشُرْ رأسَه فليَغْسِل حتى يَبْلُغَ أصولَ الشَّعر، وأمَّا المرأةُ فلا عليها أن تَنْقُضه، لِتغْرِفْ على رأسِها ثلاثَ غَرَفاتٍ بكَفَّيْها»، وفي روايةٍ لمسلم عنها: أفأنْقُضُه للحَيْضةِ والجنابة؟ قال: «لا» .. الحديث. لكن روى الدارقطني عن أنس قال: قال رسول الله ? «إذا اغتسلت المرأةُ مِنْ حَيْضِها نقضَتْ شعرَها نقضاً وغسلته بخِطْمِيَ وأُشْنان (1)، فإذا اغتسَلتْ مِنْ الجنابة صبَّتْ على رأسِها الماءَ وعصرَتْه».
وأوجَبَ مالك الدَّلْكَ في الغسل كما في الوضوء. وأوجَبَه أبو يوسف في الغُسل، ووَجْهُهُ ما في آية الغُسل من المبالغة.
(مُوْجِبَات الغُسْلِ)
(ومُوجِبُهُ) بكسر الجيم، أي سبَبُ وجوبِه أي فرضيَّتِه، فإنَّ المُوجِبَ الحقيقيَّ هو الله سبحانه (إِنزالُ مَنِيّ) أي نُزولُه وخروجُه. وهو مِنْ المرأةِ: رقيقٌ أَصفَرُ. ومِن الرَّجُل: غليظٌ أبيَضُ رائحته كرائحة الطَّلْع (2) (ذي دَفْقٍ) وفي بعض النسخ: ذي قُوَّة،
(1) الخطمي: شجرة من الفصيلة الخُبَّازية، كثيرة النفع، يُدق ورقُها يابسًا، ويُجعل غسلًا للرأس، فينقيه، القاموس الفقهى ص 118. الأُشْنَان: شجر ينبت في الأرضِ الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي. القاموس الفقهي ص 20.
(2) الطَّلْع من النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان. القاموس المحيط ص 961، مادة (طلع).
الجزء 1 · صفحة 76
76)
وشهوةٍ عند الانفصال، وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي دَفقٍ وغَلَبة
(وشهوةٍ) أي ذي شهوة، وكأنه عطفُ تفسير (عند الانفصال) أي انفصال المَنِيِّ عن الظَّهْر، حتى لو أَنزَل مِنْ غير شهوةٍ، بأن حَمَل شيئاً ثقيلاً أو ضُرِبَ على ظهره، فسبَقَه المنيُّ، لا غُسْلَ عليه.
وقال مالك والشافعيُّ: عليه الغُسْلُ لِمَا روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ? «إنَّما الماءُ من الماء». أي الغُسْلُ من المنيِّ واجبٌ، إذ هو خِطابٌ جارٍ مَجرى الأمر.
ولنا قولُه تعالى: {وإنْ كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا} (1) والجُنُبُ من قَضَى شهوته، لأنَّ الرجل إذا قَضَى شهوتَه مِنْ المرأةٍ جانَبَها. والحديثُ محمولٌ على الخروج بشهوة، لأنَّ اللام فيه للعهد الذهني، أي الماءُ المعهودُ وهو الخارج عن شهوة، كيف وهو مُتناوِلٌ لماءٍ لا يُوجب الغُسْلَ كالمَذْي ونحوِه، ورُبَّما يأتي على أكثرِ الناس جميعُ عُمرُه ولا يرى هذا الماء مجرّداً عن شهوة، إذْ حُصولُه إنما يكون بضَربٍ على الصُّلْبِ ونحوِه. على أنَّا نَمْنَعُ وجودَ مَنِيّ بلا شهوة، ألا تَرى إلى تفسير عائشة المَنِيَّ بأنه أبيَضُ ثَخِينٌ يَنكسِرُ منه الذَّكَر؟ (2) وانكسارُهُ لا يكون إلا مِنْ شهوة، كذا ذكره بعضُ المحقَّقين. وفيه بحثٌ لا يَخْفَى على المدقِّقين.
وقال أبو يوسف: لا بُدَّ من بقاءِ الشهوة عند خروج المنيّ مِنْ ذَكَرِه. واكتفَيَا بوجودِها عند انفصالِها من الصُّلبِ احتياطاً، مع الاتفاقِ على أنه لا يجبُ الغُسْلُ إذا انفصَلَ عن مقَرِّه من الصُّلب بشهوةٍ إلا إذا خَرَج على رأس الذَّكَر. وتَظَهر ثمرتُهُ فيمن استَمْنَى بكفّه (3) وأمسَك ذَكَره حتى سكنَتْ شهوتُه فخرج المنيُّ بلا شهوة، وفيمن اغتَسَل قَبْلَ البولِ والنومِ والمشيِ ونحوِها، ثم خَرَج منه بقيَّةُ المنيّ حيث يَلزمُه الغُسلُ عندهما خلافاً له. وقولُهما أحوطُ كما لا يَخفى.
(وغَيْبَةُ حَشَفَةٍ) وهي ما فوقَ موضعِ الخِتان من رأس الذَّكَر، أو قَدْرُها إذا كانت
(1) سورة المائدة، الآية: (6).
(2) قال الشيخ عبد الفتاح ?: "التفسير المنسوب إلى عائشة ? غير واردٍ بهذا اللفظ إطلاقًا". "فتح باب العناية" 1/ 92.
(3) ولم يتعرض الشارح هنا لحكم الاستمناء بالكف، وسيذكره في كتاب الصوم، فصل فيما يفسد وما لا يفسده ص 534، وخلاصته أنه لا يجوز الاستمناء إن قصد قضاء الشهوة، أما إن أراد تسكين ما به من الشهوة فلا بأس. وانظر لمزيد تفصيل "رد المحتار" 2/ 100، و"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" ص 437.
الجزء 1 · صفحة 77
77)
في قُبُلِ أو دُبُر، على الفاعلِ والمفعولِ به،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مقطوعةً ولو مِنْ مقطوع الأُنثَيْين (1) (في قُبُلٍ أو دُبُر) وإنما لم يَقُل: والتقاءُ الخِتانَينِ كما في الحديث الآتي، لأنه لا يَتناول الدُّبُر، ولأنَّ الحاصِلَ في القُبل أيضاً ليس بالتقاءٍ حقيقةً وإنما هو محاذاةٌ، لأنَّ ختان المرأة أعلى الفرجِ فوقَ مخرجِ البول، ومحلُّ الوطء أسفَلُه. والخِتانُ سُنَّةٌ للرجل تكرِمةً لها، إذْ جِماعُ المختون ألذّ. وفي «نَظْم الفقه»: سُنَّةٌ فيهما غير أنه لو تركه يُجبَرُ عليه إلا مِنْ خشية الهلاك، ولو تركَتْه هي لا.
(على الفاعلِ) وهو ظاهرٌ، لأنَّ الحدَّ واجبٌ عليه اتفاقاً (والمفعولِ به) أمَّا عند أبي يوسف ومحمدٍ فلأنه لمَّا وجَبَ عليه الحدُّ الذي يُحتاط في تركِهِ ففي (2) الغُسْل الذي يُحتاط في فعِله أولى. وأمَّا عند أبي حنيفة فلأنَّ الاحتياطَ في الحَدّ تَرْكُه وفي الغُسل فِعلُه.
وقالت الظاهرِيَّةُ: لا يجب الغُسْل بدون الإِنزال لِمَا في «الصحيحين» عن أُبَيّ بن كعب قال: سألتُ رسول الله ? عن الرَّجُل يُصيبُ من المرأة ثم يُكسِلُ؟ فقال: «يَغْسلُ ما أصابه مِنْ المرأة، ثم يَتوضَّأُ ويُصلِّي». يُقال: أَكْسَلَ الرجلُ في الجماع: إذا خالَطَ أهلَه ولم يُنزل.
ولنا ما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: اختلَفَ رَهْطٌ من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريُّون: لا يجبُ الغُسل إلا من الدَّفْق أو مِنْ الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالَطَ فقد وجَبَ الغُسل، وقال أبو موسى: أنا أَشْفِيكُم مِنْ ذلك، قال: فاستأذنتُ على عائشة فأُذِنَ لي فقلتُ: يا أُمَّاهُ إِني أُريد أَنْ أسألكِ عن شيءٍ وأَنا أستحييك، قالت: لا تَسْتَحْيِي أن تسألَنِي عمَّا كنتَ سائلاً عنه أُمَّك التي ولدَتْك فإنَّما أنا أُمُّك، قلتُ: فما يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قالتْ: على الخَبِيرِ سقطتَ، قال رسول الله ? «إذا جَلَسَ (3) بين شُعَبِهَا الأربع (4)، ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وَجَبَ الغُسْلُ».
وفي «مُسنَد عبد الله بن وَهْب» أنه قال ?: «إذا التَقى الخِتَانانِ وغابَتْ الحشَفَةُ وجَبَ الغُسلُ أَنزَل أو لم يُنْزِل». ولفظُ ابنِ أبي شيبة في «مُصنَّفه»: و «توارَتْ الحشَفَةُ». وفي الترمذيِّ وابنِ ماجه عن عائشة ?:
(1) أي الخصيتين
(2) في المخطوطة: "يحتاط في تركه، فلأن يجب الغسل الذي ... ".
(3) في المطبوعة والمخطوطة: "إذا جلس أحدكم"، والمثبت من صحيح مسلم 1/ 271، كتاب الحيض (3)، باب نسخ الماء من الماء ... (22)، رقم (87 - 348).
(4) شعبها الأربع: اليدان والرجلان. النهاية 2/ 477.
الجزء 1 · صفحة 78
78)
ورُؤيةُ المستيقِظِ المَنِيَّ أو المَذْيَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«إذا جاوَزَ الخِتانُ الخِتانَ وجَبَ الغُسْلُ، فعلتُهُ أنا ورسولُ الله ? فاغْتَسلْنا».
ولا يُعارِضُهُ قولُه ? «إنَّما الماءُ مِنْ الماءِ» لما روى أبو داود والترمذي وصحَّحه أنَّ الفُتْيَا التي كانوا يُفتُون ـ إنما الماءُ مِنْ الماءِ ـ كانتْ رُخصةً رَخَّصها رسولُ الله ? ثمَّ أمَرَ بالاغتسال، وفي روايةٍ: «ثم أمَرَنا»، فهذا مُصَرِّحُ بالنَّسْخ، ولأنَّ الماءَ موجودٌ فيه تقديراً لأنه سبَبُ الإِنزال، إذ الغالبُ في مِثلِه الإِنزال، وهو مُتَغيِّبٌ عن بَصَرِه، فأُقِيم السبَبُ الظاهرُ ـ وهو الالتقاءُ ـ مُقامَ الإِنزال احتياطاً، وما ذكرناه مأثورٌ، لأنَّ هذا الفعلَ أُقِيمَ مُقامَ الإِنزال في حقِّ وجوبِ الحَدِّ، فلأنْ يقومَ مَقامَهُ في وجوب الغُسل أولى. وبهذا احتَجَّ عليّ ? على الأنصارِ فقال: تُوجِبُون الرَّجْمَ ولا تُوجِبُون صاعاً من الماء.
ثمَّ السببيَّةُ موجودةٌ على الكمالِ في الإِيلاج في الدُّبُر لكونه سبباً لخروج المنيّ غالباً كالإِيلاج في القُبُل لاشتراكهما في دواعي الإِنزال، ويجبُ على المفعولِ به وإن لم يكنْ سبباً لنزول مائه احتياطاً لوجوب الغُسل.
ثمَّ مُطلَقُ الإِيلاج في الآدمي يتناوَلُ الذَّكَرَ في القُبُلِ والدُّبُرِ وإيلاجَ الإِصبع، وفي إيلاج الإِصبعِ الدُّبُرَ خلافٌ في إِيجابِ الغُسْل (1).
(ورُؤيةُ المستيقِظِ) أي عِلمُهُ ليَدْخل الأعمى. والرؤيةُ تُستعمل في معنى العلم باتفاقِ أهل اللغة، ومنه: رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيء. (المَنِيَّ) بالنصب على المفعولية (أو المَذْيَ) بفتح الميم فسكون معجمة، وبكسر المعجمة وتشديد الياء: ما يَخرجُ من الرجل عند الملاعبةِ مع أهله. وهو ماءٌ رقيقٌ يَضرِبُ إلى البياض. وأمَّا ما يَخرجُ من المرأةِ فيُسمَّى القَذَى بفتح القاف والذال المعجمة. يَعنِي إذا استيقَظَ النائمُ فوجَدَ بَللاً، فإن كان مَنِيّاً يجبُ عليه الغُسلُ تذكَّرَ احتلاماً أو لم يتذكَّر، وكذلك إن كان مَذْياً.
وقال أبو يوسف: لا غُسْلَ عليه إن رأى مَذْياً ولم يتذكَّر احتلاماً، لأنَّ خُروجَ المَذْي موجب (2) للوضوءِ لا للغُسْلِ حالَ اليقَظَة، فبالحَرِيّ (3) أن لا يُوجِبَ في المنام، وبه أخَذَ خلَفُ بن أيُّوب وأبو الليث لكونِه أقيس.
(1) والمختار أنه لا يجب الغسل، وأفاد كلامه أنه لا خلاف في وجوب الغسل بإيلاج الأصبع في القُبُل، والظاهر أن فيه خلافا، والمختار عدم وجوب الغسل منه أيضًا. أفاده الشيخ عبد الفتاح ? وانظر "رد المحتار" 1/ 112.
(2) في المطبوعة: "يوجب" بدل "موجب".
(3) في المخطوطة: "فبالأحرى".
الجزء 1 · صفحة 79
79)
وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاسِ، لا وَطْءُ بهِيمةٍ بلا إنزالٍ. وسُنَّ للجُمُعَةِ، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولهما ما روى أبو داود والترمذي: عن عائشة قالتْ: سُئِلَ رسول الله ? عن الرَّجُل يَجدُ البَلَل ولا يَذْكُر احتلاماً؟ قال: «يَغتَسِلُ»، وعن الرَّجُل يَرى أنه قد احتَلم ولا يَجِدُ البَلَل؟ قال: «لا غُسْلَ عليه». فقالت أمُّ سَلَمة: يا رسول الله قالمرأةُ تَرى ذلك أعليها الغُسْلُ؟ قال: «نعم، إنما النِّساءُ شَقَائقُ الرجال». ولأنَّ النوم مظِنَّةُ الاحتلام فيُحمَل عليه، ثم يُحتمَلُ أنه كان مَنِيّاً فرَقَّ بواسطةِ الهواء، والاحتياطُ لازمٌ في بابِ العبادات.
وإنَّما قيَّدَ بالمستيقِظِ، لأنه لو أفاق السَّكرانُ والمُغْمَى عليه فوجَدَا مَذْياً لا غُسْلَ عليهما، لأنه وُجِدَ سببُ خروجِ المذي وهو السُّكرُ والإِغماءُ، فيُحالُ عليه. وتوضيحُهُ: أنَّ المَنِيَّ لا بُدَّ له مِنْ سببٍ، وقد ظهر في النوم وإن لم يَتذكَّر احتلاماً لكونه مظِنَّتَهُ، فإنَّ راحة النوم تهيجُ الشهوةَ مع احتمالِ حدوثِ الرِّقَّة، فاعتُبِرَ مَنِيّاً احتياطاً، ولا كذلك المُغْمَى عليه والسَّكرانُ، لأنه لم يَظهر فيهما هذا السَّبَبُ.
(وانقطاعُ الحيضِ) لقوله تعالى: {ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطَّهَّرْنَ} (1)، بتشديد الطَّاء، أي يَغْتَسِلن، فإنَّ مَنْعَ الزوجِ من القِربانِ الذي هو حقُّه، وجَعْلَ الغُسْلِ غايةً لذلك المنع، دليلٌ على وجوب الغُسل. (والنِّفاسِ) للإِجماعِ والقياسِ على الحَيْضِ.
(لا وَطْءُ بهيمةٍ) أي لا يوجب الغُسْلَ (2) وطءُ دابَّةٍ، وكذا وطءُ ميتةٍ وصغيرةٍ لا تُشْتَهَى (بلا إِنزالٍ) لنقصانِ السَّببيَّة في اقتضاء الشهوة.
وقال مالك والشافعي: لا يُشتَرَطُ الإِنزالُ فيهما اعتباراً لهما بغيرهما.
(فيما يُسنَّ الغُسْلُ)
(وسُنَّ) أي الغُسْلُ (للجُمُعَة) بضمتين ويُسكَّنُ الميم، لِمَا روى أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن (3) عن سَمُرة قال: قال رسول الله ? «من توضَّأ يومَ الجمعة فبِهَا ونِعْمَتْ، ومَنْ اغتَسَل فهو أفضل». وهو مذهَبُ جمهورِ العلماءِ
(1) سورة البقرة، آية: (222) قرأ شُعبة والأَخَوان: (حمزة، والكِسَائي)، وخَلَف، بفتح الطاء والهاء مع التشديد فيهما، وقرأ الباقون بسكون الطاء وضم الهاء مخفَّفة. "البدور الزاهرة" ص 49.
(2) عبارة المطبوعة: "أي لا يوجب وطء دابة"، والمثبت من المخطوطة.
(3) في المخطوطة والمطبوعة: "عن قتادة قال: قال رسول الله ... "، والمثبت من سنن أبي داود 1/ 251، كتاب الطهارة (1)، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة (128)، رقم (354). والترمذي 2/ 369، كتاب الجمعة (4)، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة (5)، رقم (497)، والنسائي 3/ 105، كتاب الجمعة (14)، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة (9)، رقم (1379).
الجزء 1 · صفحة 80
80)
والعِيدينِ والإِحْرَامِ وعَرَفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفقهاءِ الأمصار في الأعصار (1)، وهو المعروفُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابهِ الأبرار.
وقيل: إنه قال بوجوبه لظاهر قولهِ ?: «الغُسْلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلّ محتلِمٍ» أي بالغٍ، رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْري.
وأجابوا عنه بأنَّ معنى واجب: متأكِّدٌ لازمٌ ثابت، جمعاً بين الحديثين. وقيل الأوَّلُ ناسخٌ للحديث الثاني، والدليلُ على تأخُّرِهِ ما رواه أبو داود: عن عِكْرِمة أن أُناساً من أهلِ العراق جاؤا فقالوا لابن عباس: أتَرَى الغُسْلَ واجباً يوم الجمعة فقال: لا، ولكنه أطهرُ وخيرٌ لمن اغتَسَل، ومن لم يَغْتَسِل فليس عليه بواجب، وسأُخبِرُكم كيف بَدْءُ الغُسْلِ؟: كان الناسُ مجهودِين يَلْبَسُون الصُّوفَ ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدُهم ضيِّقاً مُقارِبَ السَّقْف إنما هو عَرِيش، فخرج النبي ? في يوم حارّ وعَرِقَ الناسُ في ذلك الصُّوف (2) حتى ثارَتْ منهم رِياحٌ آذَى بذلك بعضُهم بعضاً، فلمَّا وجَدَ النبي ? تلك الرياحَ قال: «يا أَيُّها الناس إذا كان هذا اليومُ اغتَسِلوا، وليَمَسَّ أحدُكم أمثَلَ ما يَجِدُ مِنْ دُهنِه وطِيبه». قال ابنُ عَبَّاس: ثم جاء اللهُ بالخير، ولَبِسُوا غيرَ الصُّوف، وكُفُوا العَمَل، ووُسِّعَ مَسجِدُهم، وذهَبَ بعضُ الذي كان يُؤذي بعضُهم بعضاً من العَرَق.
ثم هذا الغُسْلُ لليوم عند الحسن بن زياد، وللصلاةِ عند أبي يوسف وهو الأصحُّ، لقوله ?: «إذا جاء أحدُكُم الجمعةَ فليغتَسِلْ». رواه الشيخانِ عن ابن عُمَر.
(والعِيدينِ والإِحرامِ وعَرَفة) أمَّا العِيدانِ وعرفة فلِمَا رَوَى ابنُ ماجه في «سننه» والطبرانيُّ في «معجمه» عن ابن عباس: أنه ? كان يَغتسِلُ يومَ العيدين. والبزَّارُ في «مسنده» من حديث الفاكِهِ بن سَعْد ـ وهو صحابي مشهور، ولا يُعرَفُ له غيرُ هذا الحديث ـ: «أنَّ رسول الله ? كان يغتَسِلُ يومَ الفِطرِ ويومَ النَّحْر ويومَ عَرَفة».
وأمَّا الإِحرامُ فلِمَا روى الترمذي والدارقطني عن خارجة بنِ زيد بن ثابت عن أبيه: «أنه ? تجرَّدَ لإِهلالِهِ واغتَسَل»، والمعنى أنه كان يَتَجرَّدُ لإِحرامِه ويَغتَسِلُ سواء كان حَجّاً أو عُمرة، فيُفيد المواظبةَ الدالةَ على كونِه سُنَّة.
(1) قوله: "في الأعصار" زيادة من المخطوطة لم ترد في المطبوعة.
(2) في المطبوعة والمخطوطة: "في تلك الصوف"، والتصحيح من الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أَبو غُدة رحمه الله تعالى ص 100.
الجزء 1 · صفحة 81
81)
[أَقْسَامُ المِيَاهِ]
ويَتوضَّأُ بماءِ السماءِ والأرضِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الفروع: أنَّ الجُنُبَ أولى بالماءِ المُباح إذا وجدَهُ ومعه حائض، أوْ وَمَعه مَيِّت، ويَتيمَّمُ الميِّتُ والحائضُ، وكذا مِنْ المُحدِث (1).
(أقسام المياه)
(ويَتوضَّأُ) أي المتوضِّيءُ أو مُريدُ الصلاة، والأولى أن يُقرأ مجهولاً، ولو قال: يَتطهَّرُ لكان أعمَّ وأظهر (بماءِ السماءِ) كماءِ المطَرِ، والنَّدَى، والثَّلْجِ، والبَرَدِ الذائبَينِ لقوله تعالى: {ويُنَزِّلُ عليكم من السماءِ ماءً لِيُطهِّرَكُم به} (2)، (والأرضِ) أي وبمائِها من العيونِ والآبار والغُدْرانِ لقوله تعالى: {ألم تَرَ أنَّ اأَنزَل مِنْ السماءِ ماءً فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرض} (3). ومنها ماءُ البِحار لِمَا روى مالك وأصحاب «السُّنن الأربعة»: عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله ? فقال: يا رسولَ الله إنا نركَبُ البحرَ ونحملُ مَعَنا القليلَ من الماء، فإنْ توضَّأْنا به عَطِشنا أفتوضَّأُ من البحر؟ فقال ?: «هو الطَّهُورُ ماؤه الحِلُّ مَيْتَتُهُ». صحَّحه الترمذيُّ وقالَ: سألتُ محمدَ بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: حديثٌ صحيح.
وروى أبو داود والترمذي من حديث الخُدْري قيل: يا رسول الله أنتوضَّأ من بِئرِ بُضَاعَةَ ـ وهي بِئْر تُلْقَى فيها الحِيَضُ ـ أي خُروقُها ـ ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ ـ؟ فقال رسول الله ? «الماءُ طَهُور لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وحسَّنَه الترمذي وصحَّحه ابنُ القطَّان، وكذا قال الإِمامُ أحمد: هو حديثٌ صحيح، فحينئذٍ يُستدَلُّ بالقَدْرِ الصحيحِ على طَهُوريَّة الماء، وبالإِجماع على تنجُّسه بتغير وصفه بالنجاسة. وأمَّا أنه لا يتنجَّسُ إلا إذا تغيَّرَ كما قال مالك فلا، إذْ لا يمكنُ الاستدلالُ عليه بصدر الحديث وهو قولُهُ: «لا يُنَجِّسُه شيء»، إذ الإِجماعُ على تنجُّسه بالتغيُّرِ: يُفِيدُ أنَّ ظاهره غيرُ مراد، على أنَّ ماءها كان جاريًا في البساتين كما رواه الطحاوي بسنده عن الواقدي.
(1) إنما كان الجُنُب أولى بالماء من المُحدِث لأن الجنابة أغلظ من الحدث، وكان أولى به من الحائض أيضًا لإمكان تيممها واقتدائها به دون إمكان اقتدائه بها، ولأن اقتداء المتيمم بالمتطهر أفضل من عكسه، وكان أولى به من الميت أيضًا بسبب أنه يؤدي به ما كُلِّف به من صلاة وقراءة، فاحتياجه إليه أكثر من الميت الذي يمكن أن يُيمَّم للصلاة عليه. وهذا كله فيما إذا كان الماء يكفي للغُسل، أما إذا كان لا يكفي إلا للوضوء، فالمحدث أولى به من الباقي. أفاده الطحطاوي في حاشيته على "الدر المختار" 1/ 133، ونحوه في "رد المحتار" 1/ 169، أفاده الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة رحمه الله تعالى.
(2) سورة الأنفال، آية: (11).
(3) سورة الزمر، آية: (21).
الجزء 1 · صفحة 82
82)
وإِنْ تَغيَّرَ بالمَكْثِ، أو اختَلَط به طاهِرٌ، إِلا إِذا أَخرَجَهُ عن طَبْع الماءِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وإِنْ تَغيَّرَ) أي لَونُهُ وطَعْمُهُ وأنْتَنَ (بالمَكْثِ) بفتح الميم أي طُولِ اللَّبْث، وهو مصدَرُ مَكَثَ بفتح الكاف وضمِّها، والاسمُ منه المُكْثُ بضّم الميمِ وكسرِها، وذلك لبقاءِ اسمِ الماءِ عليه.
(أو اختَلَط به طاهر) كالأُشْنانِ (1) والزَّعْفَرانِ والصَّابونِ والوَرَقِ الواقعِ في المياه زمانَ الخريف، لأنْ النبي ? اغتَسَل يومَ الفتح من قصعةٍ فيها مِنْ أثَرِ العجين. رواه النسائي، والماءُ بذلك يتغيَّر. ومِمَّا يَدُلُّ على ذلك ما رواه الشيخانِ عن ابن عباس: أنَّ رجلاً كان واقفاً مع النبي ? فوقَصَتْهُ ناقتُهُ ـ وفي روايةٍ: فأوْقَصَتْه، وفي أخرى: فأقْصَعَتْهُ ـ أي كَسَرَتْ عُنُقَهُ وهو مُحْرِم فمات، فقال رسول الله ? «اغسِلُوهِ بماءٍ وسِدْر (2)، وكَفِّنوهُ في ثَوْبَيْه، ولا تُحَنِّطُوه، ولا تُخَمِّرُوا رأسَهُ، فإِنَّ الله ? يَبْعَثُه يوم القيامة مُلَبِّياً». وليس في الحديث أنَّ الماء أُغلِيَ بالسِّدْرِ كما ذكره صاحبُ «الهداية».
وأمَّا تغطيةُ رأسِ المُحْرِم وتَطْييبُهُ حال موتِهِ عندنا فمأخوذٌ من دليلٍ آخَرَ يأتي في محلّه، والميِّتُ لا يُغسَلُ إلا بما يَجوزُ للحيّ أن يَتطهَّرَ به. وروى مالك في «الموطَّأ» من حديث أُمّ عَطِيَّة قالتْ: دَخَلَ علينا رسول الله ? حين تُوفِّيَتْ ابنتُهُ فقال: «اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثَرَ من ذلِكِ بماءٍ وسِدْر، واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافوراً، أو شيئاً من كافور ... »، الحديثَ. والغَسْلُ بالماءِ والسِّدْر لا يُتَصَوَّرُ إلا بخَلطِ السِّدْرِ بالماءِ أو بوَضْعِهِ على الجَسَد وصَبّ الماءِ عليه، وكيفما كان فلا بُدَّ من الاختلاطِ والتغيُّرِ، فيكونانِ مما لا يَضُرُّ.
(إِلاَّ إِذا أَخرَجَهُ) أي الطاهِرُ أو اختلاطُهُ (عن طَبْع الماءِ) وهو الرِّقَّةُ والسِّيَلانُ بأن غلَبَ الطاهِرُ المُخالِطُ على الماء. والصحيحُ أنه لا يُعتَبرُ غلبةُ اللون كما قال به محمد، بل يُعتبَرُ الأجزاءُ كما قال به أبو يوسف، ونُقِلَ بالعكس عنهما، فكان لهما روايتان.
وقال مالك والشافعي: لا يُرْفَعُ الحَدَثُ بماءٍ غالبٍ على شيءٍ طاهرٍ كأُشنانٍ وزَعْفَران، مع الاتفاق على أنَّ الماءَ المُطَلقَ يُزيلُ الحدَثَ، وأنَّ المُقَيَّد لا يُزِيل، إذ الحُكُم منقولٌ إلى التيمّم عند فَقْدِ المُطَلق فى النَّصّ. والخِلافُ في الماءِ الذي خالطَهُ الأشنانُ ونحوُه مَبنِيٌّ على أنه هل تَقَيَّدَ بذلك أَمْ لا؟ وقالا: تقيَّدَ به، لأنه ماءُ الزعفران.
(1) مر التعريف به ص 75، التعليقة رقم (1).
(2) السدر: نوعان: أحدهما ينبت في الأرياف فينتفع بورقه في الغسل وثمرته طيبة، والآخر ينبت في البر ولا ينتفع بورقه في الغسل. المصباح المنير ص 103، مادة (سدر).
الجزء 1 · صفحة 83
83)
أو غَيَّرَهُ طَبْخًا، وهو مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ. وإِن اختَلَطَ به نَجَسٌ، فإن كان جاريًا أو عَشْرًا في عَشْر،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ونَحنُ لا نُنكِرُ أنه يُقالُ ذلك، ولكن لا يَمتنع مع ذلك ما دام الخَالِطُ مغلوباً أن يقول القائلُ فيه: ماء، من غيرِ زيادة، كما في ماء المَدِّ (1) والسَّيلِ حالَ غلبةِ لونِ الطِّينِ عليه. وإضافتُهُ إليه للتعريف كإضافته للبئر أو للعَيْن، لا للتقييد كماء البِطِّيخ. والفَرْقُ بين الإِضافتين عدَمُ صِحَّةِ نفي الماءِ في الأُولى وصحَّتِهِ في الثانية، فحيثُ لم يَصِحَّ النَّفيُ ـ وقيل الإِطلاق ـ كان مُطلَقاً ولَزِمَهُ حُكْمُه من إزالة الحُكمية شرعاً، إذْ زَوالُهُ بارتفاعه، وهو بأن يَحْدُثَ له اسمٌ على حِدَة، ولزومُ التقييدِ يَندرجُ فيه، وإنما يكونُ ذلك إذا كان الماءُ مغلوباً، إذْ في إطلاقه على المجموع حينئذٍ يكون اعتبارُ الغالبِ عَدَماً، وهو عكسُ الثابتِ لغةً وعرفاً وشرعاً.
(أو غَيَّرَهُ) أو إذا غيَّرهُ الخالِطُ الطاهِرُ (طَبْخاً) أي مِنْ جهةِ الطبخ، لأنه حينئذٍ ليس بماءٍ مطلقٍ لعدم تبادُرِهِ عند إطلاقِ اسمِ الماء، ولا مَعْنِيَّ (2) بالمطلق إلا ما يَتبادَرُ عند إطلاقه (وهو) أي الطَّبْخُ بمعنى المطبوخ (مما لا يُقصَدُ به النَّظافةُ) جملةٌ حالية، وقيَّدَهُ به لأنه لو كانت النظافة تُقْصَدُ به كالسِّدْرِ والأُشنانِ يُطبَخُ بالماءِ: فإنَّه يُتوضَّأُ به، إلا إذا أَخرَجَ الماءَ عن طَبْعِه.
(وإِن اختَلَطَ به) أي بالماء (نَجَسٌ) بفتح الجيم، ويجوزُ كسرُها، إذ المتنجِّس لا يخلو عن النجاسة، فتُفهَمُ عينُها بالأَولى.
(فإن كان) أي الماءُ (جارياً): إِمَّا حقيقةً وهو ما يَعُدُّه الناسُ جارياً، وقيل: ما لا يتكرَّرُ استعمالُه، أو: ما يَذَهَبُ بِتِبْنةٍ. وألحقوا بالجاري حَوْضَ الحَمَّام إذا كان الماءُ يَنْزِلُ مِنْ أعلاه، حتى لو أُدخِلَتْ القصعة النجِسةُ فيه لا يتنجَّسُ. وإِمَّا حُكماً كما أشار إليه بقوله:
(أو عَشْراً في عَشْر) وبه قال عامَّةُ المشايخ، وعليه الفتوى. كما قال أبو الليث. وقيل: ثمانٍ في ثمانٍ، و: اثْنَيْ عَشَر في اثْنَيْ عَشَر.
وفي «الهداية» وغيرها: تُعتَبَرُ بذراعِ الكِرْباسِ (3) توسعةً على الناس، وهو سَبْعُ مُشْتات (4)، ليس فوق كل مُشْت إِصْبَعٌ قائمة. وفي «الخانيَّة»: يُعتَبَرُ ذراعُ المَساحة، لأنه أليَقُ بالممسوحات، وهو سَبْعُ مُشْتات، فوقَ
(1) المَدُّ: السّيل. القاموس المحيط، ص 406، مادة (مد).
(2) في المخطوطة: "نَعْنِي" بدل "مَعْنيّ".
(3) الكِرباس: ثوب من القطن الأبيض. القاموس المحيط ص 73، مادة (الكرباس). والمراد هنا ذراع القُمَاش، لا ذراع المساحة.
(4) المُشْت: قبضة الأصابع الأربع مضمومة. وهي لفظة فارسية. انظر الجزء الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى من فتح باب العناية 1/ 108.
الجزء 1 · صفحة 84
84)
لا تَنْحَسِرُ أرضُه بالغَرْفِ: لا يَنْجَس،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كلِّ مُشْت إصْبَعٌ قائمة. وفي «المحيط»: الأصَحُّ أن يُعتَبَر في كلِّ زَمانٍ ومكانٍ ذراعُهُ.
وفي «شرح الوقاية»: إنما قدَّرنا الغَدِيرَ بعَشْر في عَشْر بناءً على قوله ? «مَنْ حفَرَ بِئراً فله حَرِيمُها أربعون ذِراعاً» (1) فيكون له حَرِيمُها مِنْ كلِّ جانبٍ عَشَرةَ أذْرُع، ففُهِمَ مِنْ مَنْعِ غيرِ صاحب البئر عن حَفْرِ بئرٍ في العَشْر لانجذاب الماء إلى ما يَحفِرُه، ومِن عَدَمِ منعِهِ عن الحَفْر فيما وراء ذلك لعدم انجذاب الماءِ إليه، اعتبارُ العَشْرِ في العَشْر، هذا خُلاصَةُ كلامه. وفيه نظر، لأنَّ كونَ حَرِيم البئر عشرةَ أذرع مِنْ كلّ جانبٍ قولُ البعض، والصحيحُ أنه أربعون ذِراعاً من كلّ جانبٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه (2).
(لا تَنْحَسِرُ) أي لا تنكشف (أرضُه بالغَرْفِ) أي بالاغتراف بكفَ واحدٍ أو بكفَّينِ. وقيل: يُعتبَرُ تقديرُ عُمقه بذِراعٍ أَوْ شِبْر (لا يَنْجَس) بفتح الجِيم وضَمِّها، وهو مجزومٌ على جواب قوله: فإن كان، ويجوزُ رفعُهُ. أمَّا عدَمُ نجاسة الجاري، فإنَّ عدَمَ أثَرِ النجاسةِ دليلٌ على عدَمِ بقائِها، وأمَّا عدَمُ نجاسةِ العَشْر فى العَشْر فَلأَنَّه في معنى الجاري.
وكلامُ المصنِّفِ ظاهرٌ في عدَمِ نجاسةِ موضعِ وقوعِ النجاسة، وهو مرويٌّ عن أبي يوسف، وبه أخذَ مشايخُ بُخارَى وبَلْخ توسِعةً على الناس، إذا لم تكن النجاسةُ مَرْئيَّة. وفي «المبسوط» و «البدائع» و «المفيد»: أنَّه يَنْجُسُ، وإليه أشار القُدُوريُّ في «مختصره» بقوله: جازَ الوضوءُ مِنْ الجانبِ الآخَر، وعن أبي يوسف: أنه كالماءِ الجاري لا يَنْجُسُ إلاَّ بالتغيُّرِ، وهو الذي ينبغي تصحيحُه، فينبغي عليه عدَمُ التفرقةِ بين المَرْئيَّة وغيرِها، لِمَا روى الطَّحاويُّ عن جابرٍ وَأبي سعيدٍ قالا: «كنا مع رسولِ الله ? في سَفَرٍ فانتهينا إلى غَدِيرٍ فيه جِيفَة، فكَفَفْنا وكفَّ الناسُ، حتى أتانا النبيُّ ? فقال: «مالَكم لا تَسْتَقُون»؟. فقلنا: يا رسول الله هذه جِيفةٌ، قال: «اسْتَقُوا فإنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيء، فاستقينا وارتوينا».
ومِن الفروع: إذا وجَدَ الماءَ مُتَغيِّرَ اللونِ والريحِ يَتوضَّأ منه ما لم يَعلم أنه مِنْ نجاسةٍ، لأنَّ التغيُّرَ قد يكون لِطاهرٍ أو لمَكْثٍ.
واعلم أنَّ علماءنا اتَّفقوا على أنّ الغَدِيرَ العظيمَ في حكم الجاري، واختلفوا بماذا يُعتَبَر؟ فقال المتقدِّمون: بعدَمِ تحرُّكِ طَرَفِه عند تحريك الطَّرَفِ الآخَر، بأن لا يَنخفِضَ ويرتفعَ من ساعته. ثُمَّ عن أبي حنيفة ?: تحريكُ الاغتسال، لأنَّ الحاجة إلى
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه 2/ 831، كتاب الرهون (16): باب حريم البئر (22)، رقم (2486). بلفظ قريب.
(2) في كتاب إحياء الموات.