فَتَحُ الأَسماع في شرح السماع
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
فَتَحُ الأَسماع في شرح السماع
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وأَستَعينُ بفَضْلِه الكريم
الحمد لله خير الأسماء، خافِضِ الأرضِ ورافِعِ السَّماء، الذي ابْتَلَى الخَلْقَ بأنواع البَلاء وأصناف العناء، كالفَقْرِ والغِنَى والغناء.
والصَّلاة والسَّلامُ على سيد الأنبياء وسندِ الأصفياء، وعلى آله وأصحابه نُجومِ الاقتداء والاهتداء، وعلى أتباعه وأشياعه من العلماء والأولياء.
أما بعد:
فيَقُولُ أفقَرُ عبادِ اللهِ الغَنِيُّ الباري علي بنُ سُلطانِ محمد القارِي: رأيتُ كثيراً من مشايخ الزَّمانِ وعلماء الدَّوَرانِ مالوا إلى سماعَ الغِناءِ وَفْقَ مُتابعة نزاع الهوى، وعَدَلوا عن جادَةِ صِراطِ المستقيم وطريق أهل الهدى، وأحَلُّوا من مُنكَراتِ الدِّينِ ما أجمعَ على حُرمتِه أئمَّةُ المُجتهدين، وأرباب المعرفة واليقين، فأحببْتُ أن أذكر ما يتعلق به من الكتاب والسُّنَّة، وبقولِ الأئمة من علماء الأمة، لتَنكَشِفَ الغُمَّةُ عن أربابِ الهِمَّة.
فاعلَمْ أَنَّ اللهَ سُبحانَه قال في كلامه القديم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أَوْلَمَكَ هَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ايَتُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَانَ فِي أُذُنَيْهِ وَقَرَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 6 - 7]
ففي هاتين الآيتين نهاية الوعيدِ وغايَةُ التّهديد، لِمَن كانَ له قلب أو ألقَى السمع وهو شهيد، فيمن يهوى إلى الغناء المُوجِبِ للغناء، ويَعْدِلُ عَن سَماعِ القُرآنِ وما يتعلَّقُ به المُقتضي لرفع الدرجاتِ في دار البقاء.
فقَولُه: مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ؛ أي: يختارُ الكلام الذي يُلهيه عن كلام المَلِكِ العلام، وما يتعلق به من سائر الأحكام.
قالَ مُجاهِدٌ: يعني اشتراءَ المُغَنِّينَ والمُغَنِّيَاتِ، فالمَعنَى: مَن يشتري ذَوِي لَهْوِ الحديث، ويُؤَيّده ما ذَكَرَه البَغَوِيُّ في تفسيره «معالمُ التَّنزيل» بإسنادِه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ تعليمُ المُغنِّيَّاتِ ولا بَيعُهُنَّ، وأَثْمَانُهُنَّ حَرامٌ، وفي مثل هذا أُنزِلَتْ هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، وما من رَجُلٍ يرفَعُ صَوتَه بالغِناءِ إِلا بَعَثَ الله عليه شيطانَين، أحدهما على هذا المَنكِبِ، والآخَرُ على هذا المَنكِبِ، فلا يزالان يضرِبانِ بأرجُلِهما حتَّى يكون هو الذي يسكتُ». وبسنده أيضاً عن ابن سيرين عن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه: يَ اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَن ثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.
وقال مكحول وهو خَيرُ التّابعين من أهلِ الشَّامِ: مَن اشترى جاريةً ضَرَّابةٌ ليُمسكها لغنائها وضَرْبِها مُقيماً عليه حتى يموت لم أُصَلِّ عليه؛ إِنَّ الله تعالى يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} الآية.
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وابنِ عَبَّاسِ والحَسَنِ البَصرِيٌّ وعِكْرِمَةَ وسعيد بن جبير قالوا لَهُوَ الْحَدِيثِ هو الغناء، والآية نزَلَتْ فيه. و معنى قوله: {يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ: يَستَبدِلُ ويختارُ الغِناءَ والمَزامير والمَعازِفَ على القُرآنِ.
وقال أبو الصهباءِ البَكرِيُّ: سألتُ ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يُرَدُّدُها ثلاثَ مَرَّاتٍ.
قال الواحِدِيُّ: وعليه أكثَرُ المُفسرين.
وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64]، قال مجاهد: هو الغِناءُ والمَزامير
وقال عزّ وعَلَا: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: ??]، قال محمد ابنُ الحنفية: هو الغناء.
وفي الترمذي: نُهينا عن صوتَينِ أحمَقَينِ فاجِرَين؛ صوتٍ عندَ نغمة لهو ولعب، ومزامير الشيطان.
وفي (صحيح البُخارِيِّ) تعليقاً بصيغةِ الجَزْمِ عن هشام بن عمارٍ مرفوعاً: ليكونَنَّ مِنْ أُمَّتِي قوم يستَحِلُّون الخَمْرَ والخنزير والمَعَازِفَ، وَالْمَعَازِفُ: آلَةُ الغِناءِ.
والحاصِلُ: أَنَّ اللهَ سُبحانَه لم يَشرَع الغِناءَ مُفرَداً، فَضْلاً أن يكونَ مَعَ الدُّفُ والشَّبَابِةِ وغيرها من الآلاتِ المُطرِبة، إلَّا ما يجيء من الاستثناء في العُرْسِ وحال الحداء.
رواه الطبري في تفسيره» (14 (657، وأورده الثعلبي في تفسيره) (113/6)، ولفظ الطبري: «باللهو والغناء».
وفي مُسنَدِ الفِرْدَوس» حديث مرفوع إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «إِبليسُ أَوَّلُ مَن ناحَ، وأوَّلُ مَن تغنّى».
وقد صَحَ: أن أبا بكرِ الصِّدِّيقَ سَمَّاه: (مَرْمُورَ الشَّيْطَانِ) بحُضورِه عليه السَّلامُ فأقره ولم يُنكر عليه.
وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ وهو من أجلاءِ التّابعين من أهلِ الكُوفَةِ، ومن جُملَةِ مَشايخ إمامنا الأعظَمِ وهُما مِنا الأقدَمِ: الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاق في القَلبِ. وكانَ أصحابنا يأخُذونَ بأفواه السِّكَكِ، ويُحرِقُونَ الدُّفوفَ.
وقال الفضيل بن عياض وهو من أكابر التابعين وصلحائهم، ومن تلاميذ
أبي حنيفة وأصحابه: الغِناءُ رُقيَةُ الزِّنا.
وقالَ ابنُ جُرَيج: {لَهْوَ الْحَدِيثِ}: هو الطَّبَلُ.
وقيل: الغِناءُ مَنفَدَةٌ للغنى، ومَجلَبَةٌ للعنا، ومَفْسَدَةٌ للقلب، ومَسخَطَةٌ للرَّبِّ. وعن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين: كلُّ كلام سوى كتابِ اللهِ
وسُنَّةِ رَسولِه وسيرةِ الصَّالحين فهو لَهْو.
وقالَ القُشَيرِيُّ في «تفسيره»: إِنَّ لَهْوَ الحديثِ: كلُّ ما يَشغَلُ عن اللَّهِ ذِكرُه، ويحجُبُ عن اللهِ سَماعُه وفكره.
والمُقتَرِفُ بنَهمَتِه، والمُتشبِّثُ بعِلَّتِه، لا يزيده كثرةُ الوَعظ إلا نُفُوراً عن ربِّه وتباعُداً عن قُربِه، فسَماعُه كَلَا سَماعِ، وَوَعِظُهُ هَبَاءٌ وضَيَاعٌ. وفي التفسيرِ المَأثورِ المُسمَّى بـ «الدُّرِّ المَنشور»: أَخْرَجَ أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدُّنيا في «ذَمِّ المَلاهي»، وابنُ جَرِيرٍ، وابنُ المُنذِرِ، وابنُ أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبَيْهَقِيُّ، عن أبي [أُمامة]: أَنَّ رسولَ اللهِ قال: «لا تبيعوا القينات، ولا تشتَرُوهُنَّ، ولا تُعلِّمُوهُنَّ، ولا خير في تجارة فيهِنَّ، وثمنهنَّ حَرام، وفي مثل هذا أُنزِلَتْ هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث} [لقمان: 6] إلى آخرها.
وأخرج ابن أبي الدُّنيا في ذَمِّ المَلاهي وابنُ مَردَوَيه عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ القَيْنةَ، وبيعها، وثَمَنَها، وتعليمها، والاستماع إليها»، ثمَّ قرأَتْ: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ.
وأخرج البخارِيُّ في «الأدَبِ المُفرَدِ»، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم وابنُ مَردَوَيه، والبيهقي في «سنيه»، عن ابن عباس: لَهْوَ الحديث: هو الغِناءُ وأَشباهه.:
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحَسَنِ، قالَ: أُنزِلَت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) في الغِناءِ والمَزامير.
وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في «سنيه»، عن ابن مسعود قال: الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاق في القَلبِ كما يُنبِتُ الماءُ الزّرع، والذِّكرُ يُنبِتُ الإيمان في القلبِ كما يُنبِتُ الماء الزرع.
وأخرج ابن أبي الدُّنيا، والبيهقي في سننه»، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: الغِناءُ يُنبتُ النِّفاق في القلب كما يُنبِتُ الماءُ البَقْل. وأخرج ابن أبي الدُّنيا، والبيهقي في «الشُّعَبِ»، عن ابنِ مَسعودٍ قَالَ: إِذَا رَكِبَ الرَّجلُ الدَّابَّةَ ولم يُسَمَّ رَدِفَهُ شَيطان، فقالَ: تَغَنَّ، فَإِن كَانَ لا يُحسِنُ قَالَ لَهُ: تَمَنَّ. وأخرج ابن أبي الدنيا عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السَّبعة من أهل المدينةِ، وَأَوْحَدِ الأجلاء التابعين: أَنَّه سُئِلَ عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرَهُه لك، قالَ السَّائلُ: أَحَرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا مَيَّزَ الله الحق من الباطل، ففي أيهما يُجعَلُ الغِناءُ؟
لكن عن ابنِ جُرَيجِ أَنَّه كانَ يُرَخُصُ في السَّماعِ، فقيل له: يُؤتَى به يومَ القيامة في جُملة حسَناتِك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسَناتِ ولا في السيِّئاتِ؛ لأنَّه شبيه باللغو، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [البقرة: 225]. فهو من المباحاتِ.
وأمَّا الطَّبْلَخاناتُ: فهو من البِدَعِ التي لا بأس بها إذا صَحتِ النِّيَّةُ فيها، ودَعَتِ الحاجة إليها، وقد جوّزَ الفُقَهَاءُ الوَصيَّةَ بطبل الحرب، وقالوا: إِنَّهُ ممَّا يُرهِبُ العدو، لكِنْ لم يَكُنْ فِي غَزَواتِه طَبْل قطُّ، فتركه تأسياً به عليه السَّلامُ أُولى؛ فإِنَّ الخيرَ كلَّه في اتَّبَاعِه تَرْكاً وفعلاً.
وأخرج ابن أبي الدُّنيا والبَيْهَقِيُّ عن الشعبي، قالَ: لَعَنَ اللهُ المُعَنِّي والمُغَنَّى له.
وعن عمر بن عبد العزيز: أَنَّه كَتَبَ إِلى مُؤَدِّبِ ولده: ليكُنْ أَوَّلَ ما يعتقدون من أدَبِكَ بُعْضُ المَلاهي التي بَدْؤُها من الشَّيطانِ، وعَاقِبَتُها سَخَطُ الرَّحمنِ. وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بنِ حُسَينِ، قَالَ: مَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ فيها البَرْبَطُ.
وأخرَجَ الحاكِمُ في «الكُنَى» عن عطاء الخُراساني، قال: نزَلَت هذه الآية:
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ، في الغِناءِ والطَّبَلِ والمَزامير ورَوَى الخطيب عن عليّ: أَنَّه عليه السَّلامُ نَهَى عَن ضَرْبِ الدُّفٌ، وَلَعِبِ الصَّنْحِ، وضَرْبِ الزَّمَّارَةِ.
ورَوَى ابنُ عَساكِرَ عن أنس: مَن قَعَدَ إلى قَيْنَةٍ يَسْمَعُ مِنها صَبَّ اللَّهُ فِي أذنيه الأنكَ يومَ القِيامةِ.
ورُوِيَ عن جابر: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: كانَ إبليسُ أَوَّلَ مَن ناحَ، وَأَوَّلَ مَن غَنَّى». وأخرج ابن أبي الدُّنيا عن الحسَنِ، قالَ: صَوتَانِ مَلعُونَانِ: مِزْمارُ عندَ نغمةٍ، ورَنَّةٌ عندَ مُصيبة.
وأخرَجَ الدَّيلَمِيُّ عن زيدِ بنِ أَرقَمَ قالَ: بَينا النَّبيُّ الله. في بعض سكَكِ المَدينةِ إِذ مَرَّ بشاب وهو يُغَنِّي، فوقف عليه فقالَ: «وَيْحَكَ يا شاب! هلا بالقُرآنِ تغَنَّى؟» قالَها مراراً.
ويُؤيده قوله عليه السَّلامُ: زَيَّنوا القُرآنَ بأصواتكم». رواه أحمد وغيره، وفي رواية: «فإنَّ الصَّوتَ الحَسَنَ يزيدُ القُرآنَ حُسْناً».
وأخرج ابن أبي الدنيا و البيهقي عن نافع، قال: كنتُ أسير مع عبدِ اللهِ بنِ عمر في طريق فسَمِعَ زَمَّارَةَ راعٍ، فوضَعَ أُصبعيه في أُذُنَيه، ثمَّ عَدَلَ عن الطَّرِيقِ، فلم يزل يقولُ: يا نافِعُ! أتسمعُ؟ حتّى قلتُ: لا، فأخرَجَ أُصبعيه، وقال: هكذا
رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصنَعُ فتامَّلُ أَيُّها المُؤمِنُ اللبِيبُ إنَّ قلب الحبيب مع كمال قُربه من حضور ربه، إذا كان سماعُ زَمَّارَةِ الرَّاعي يشغَلُه عن ذكره، وتأمل فكره، فكيف يسعُ لغَيره أن يستَحسِنَ سَماعَ الزَّمَّارَةِ والرَّبابِ وأمثالها مما هو مُستَعمَلٌ في مجالسِ الفُسَّاقِ عند أبخس أحوالها، وأنجس آمالها.
وما أحسَنَ مَن قالَ مِن أرباب الحال: أكرَهُ الدُّنيا لسرعة فنائها، وكثرة عَنائِها، وحَشَةِ شُركائها.
بل يتعيَّنُ على أربابِ الكَمالِ أن يقتدوا به عليه السَّلامُ في جميع الأفعال؛ فإنَّ بركةَ الصَّفاءِ في الأحوالِ إِنَّما تكونُ بِقَدْرِ المُتابعة، ألا ترَى أَنَّ فتحَ العَينِ في الصَّلاةِ مَعَ من غَمْضِها مع تصورِ الحُضورِ والجَمعِيَّةِ. کونه سببَ التَّفرقة خيرٌ من.
ثمَّ المَشايخُ إِنَّما يليقُ بهم أن يعمَلُوا بالعَزيمة دونَ الرُّخصة، ويكونَ جميعُ أعمالهم وَفْقَ السُّنَّةِ، وتَركِ الشَّهوة، وما يكونُ أَحوَطَ في الدِّينِ هو طريقُ أربابِ التَّدينِ واليقين من المجتهدين، رَحمةُ اللهِ عليهم أجمعين.
نعَمْ، أجازَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغِناءَ المُجرَّدَ عن الأوتار والآلات في العُرْسِ والعيد
ونحوهما من الأوقاتِ، لا سيما إذا كانَ مُشتَمِلاً على مَحاسِنِ الكلمات. فقد روى أبو نُعَيمٍ عن عامرِ بنِ سَعْدٍ قالَ: دَخَلْتُ على قُرَظَةَ بن كعبٍ، وثابت بن يزيد، وأبي مسعود الأنصارِيَّين، وإذا عندهم جوار وأشياء، فقُلتُ: تفعَلونَ هذا وأنتم أصحاب محمد الله؟ فقالوا: إن كنتَ تسمَعُ وإلا فامض؛ فإنَّ رسولَ اللهِ رخص لنا في اللَّهوِ عندَ العُرْسِ
وظاهِرُ هذا الحديثِ أَنَّ جَوازَ اللَّهوِ في العُرْسِ من خصائص الإنكار. ويدلُّ عليه: ما رَوَى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّه عليه السَّلامُ دخل علينا حينَ تَزَوَّجَتِ ابنة أبي لهب فقالَ: «يا عائشة! أما كانَ معَكم لَهْوٌ؟ فإنَّ الأنصارَ يُعجِبُهم اللَّهْو».
وفي رواية أخرى له عنها: «إِنَّ الأنصار قوم فيهم غَزَل، فلو أرسَلْتُم مَن يقولُ: أَتيناكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحيَّانا وحَيَّاكُم
ومثله عن ابن عباس.
وفي رواية الحاكم عنها: هل كانَ معَكُم مِن لهي؛ فإنَّ الأنصار يُحبُّونَ اللَّهْوَ. وفي رواية البخارِيُّ عنها: «أمَا كانَ معَكُم لَهْوٌ، فإِنَّ الأنصارَ يُعجِبُهم اللَّهْ. وفي رواية أحمد عنها: «أهدَيتُمُ الجارِيَةَ؟ فهَلًا بِعَثْتُم معَها من يُغنِّيهم، يقولُ: أَتيناكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحِبُّونا نُحيّيكُم
فإِنَّ الأَنصارَ قَومُ فِيها غَزَلٌ».
وأما الدُّتُ: فمُباح في العُرْسِ ونحوه؛ لقوله عليه السَّلامُ: «أَعلِنُوا هذا النكاح، واجعَلُوه في المَساجِدِ، واضربوا عليه بالدفوفِ». رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها.
وفي معناه: أوقات السور؛ كدوم الغائب، وولادة الولد، وعند ختانه، وحفظه للقُرآنِ، ويدلُّ على هذا من النَّقل إنشادُ النِّساءِ على السطوح بالدُّفَ والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: طَلَعَ البَدْرُ عَلَينا من ثَنيَّاتِ الوَدَاع
وَجَبَ الشُّكرُ عَلَينا ما دعا الله داع
وقولُهنَّ:
نحنُ جَوار من بني النَّجَارِ وحَبَّذا محمد من جار وقد صَرَّحَ بعضُ عُلمائِنا: بأنَّ الدُّفَ إِنَّما يكونُ مُباحاً في العُرْسِ إذا لم يكُنْ فيه جَلاجِلُ على طِبْقِ دُفوفِ السَّلَفِ.
ورَوَى أحمد عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ بعضَ الجَوارِي كَنَّ يُغَنِّينَ أَيامَ عيد، فنَهَاهُنَّ أبو بكرٍ رضيَ الله عنه، فقال: دَعْهُنَّ يا أبا بكر؛ فإنَّها أَيَّامُ عيد، لتعلَمَ: اليهودُ أَنَّ في ديننا فُسحَةً، وأَنِّي أُرْسِلْتُ بالحنيفيَّةِ السَّمحَةِ.
ورَوَى ابنُ عَساكِرَ عن الشَّعبي قالَ: مرَّ عياض الأشعري بالأنبار في يوم عيد،
فقال: ما لي لا أراهُم يُقَدِّسُونَ فإنَّه من السُّنَّةِ؟.
وفي رواية: مالي لا أراهُم يُقَلِّسُونَ كما كانُوا يُقَدِّسُونَ على عَهْدِ رَسولِ الله؟
قال يوسُفُ بنُ عَدِيٌّ: التَّقليسُ: أن تقعُدَ الجَواري والصبيانُ على أفواءِ الطُّرقِ يلعبُونَ بالطَّبل وغير ذلك.
ومن الغناء المُباحِ: الحداء، فقد رَوَى أبو نُعَيم عن أنس قال: كانَ البَراءُ بن مالك حَسَنَ الصَّوتِ، وكان يرجُزُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره. ورَوَى أبو نُعَيمٍ وابنُ مَندَه، عن أبي الهيثَمِ بنِ التيهان، عن أبيه: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خَيْبَرَ لعامرِ بنِ الأَكْوَع: «خُذْ لنا من هَنَاتِكَ»، فنزلَ يرتَجِزُ الرَسولِ الله ورُوِيَ عن أنس: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُحدَى له في السَّفَرِ، وأنَّ أنجشة كانَ يحدو بالنِّساءِ، والبَراءَ بن مالك كان يحدو بالرّجالِ.
ورَوَى ابن ماجه عن أسلَمَ قالَ: سَمِعَ عمر رضي الله عنه رجُلاً يتغَنَّى بفَلاةٍ من الأرض، فقال: الغِناءُ من زادِ الرَّاكِبِه. وفي رواية له عن مجاهد، قال: كانَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سَمِعَ الحادِيَ قال: لا تُعَرِّضُ بذكرِ النِّساءِ.
وأخرج ابن أبي الدُّنيا في «الصَّمتِ» عن العَلاءِ بنِ زِيَادٍ: أَنَّ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه كانَ في مَسيرٍ فتَغنَّى، فقالَ: هلا زَجَرْتُموتي إِذ لَغَوتُ.
وأخرج ابن ماجه وابن عساكِرَ عن خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرِ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجاً معَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَسِرْنا في رَكب فيهم أبو عُبيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وعبدُ الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما، فقالَ القَومُ: غَنّنا يا خَوَّاتُ، فَغَنَّاهم، فقالوا: غَننا من شعرِ ضِرار، فقال عمرُ: دَعُوا أبا عبد الله يَتَغَنَّى من بُنَيَّاتِ فُؤَادِه يعني من شعره، فما زِلتُ أُغَنِّيهم حتَّى إذا كانَ السَّحَرَ فَقالَ عمرُ رضي الله عنه: ارفَعْ لِسانَكَ يا خَوَّاتُ، فقد أسحَرْنا.
هذا، وروى الحكيم الترمذي عن أبي مُوسى مَرفوعاً: «مَن استَمَعَ إِلى صَوْتِ غِناء لم يُؤْذَنْ له أن يَسمَعَ الرُّوحانيين في الجنَّةِ»، قيل: ومَن الرُّوحانيُّونَ؟ قالَ: «قُرَّاءُ أهل الجنَّةِ».
ورَوَى الدِّيلَمِيُّ: «إذا كانَ يومُ القِيامة قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَينَ الذين كانُوا يُنزهون أسماعهم وأبصارهم عن مَزاميرِ الشَّيطانِ؟ ميزوهُم، فيُمَيَّزون في كُتُبِ المسك والعنبر، ثمَّ يقولُ للملائكةِ: أَسمِعُوهم تسبيحي وتمجيدي، فيَسْمَعُون بأسماع لم يسمَعِ السَّامِعون بمثلِها قَطُّ.
ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ والدَّيلَمِيُّ عن صفوان بن أُمَيَّةَ: أَنَّ عمرو بن قُرَّةَ قَالَ: يا رسول الله! كُتِبَ عليَّ الشَّقْوَةُ، فلا أُرَاني أُرزَقُ إلا من دُنّي، أَفَتَأْذَنُ لي في الغناء من غَيرِ فاحشةٍ؟ فقال: «لا آذَنُ لك، ولا كرامة، ولا نُعْمَةَ عَينٍ، كذَبْتَ عدو اللهِ، لقد رَزَقَكَ اللهُ حَلالاً طيباً، واختَرْتَ مَا حَرَّمَ اللهُ عليكَ من رِزْقِه مكانَ ما أحل الله لك من حَلالِه، ولو كُنْتُ تقدَّمتُ إليك لفَعَلْتُ بك وفَعَلْتُ، قُمْ عَنِّي، وتُبْ إلى اللهِ، وأَوْسِعْ على نفسك وعيالك حلالاً؛ فإنَّ ذلك جهاد في سبيل الله، واعلَمْ أَنَّ عَونَ اللَّهِ مَعَ صالحي التُجَّارِ».
وأما عبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ: فإِنَّه كانَ يُكثِرُ الغِناءَ، ولم يكُنْ ذلك من محاسنه، وغايته أنه كان يرى إباحته ويتواجد في السَّماعِ تَواجُداً عظيماً، على أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يسمع غالباً من جواريه، أو من شخص لا ريبة في تلاقيه، بغير آلة، وحيثُ إِنَّ المسألة خلافيَّةٌ فليس قول أحد فيها حُجَّةً على غيره.
وأما ما وَقَعَ مثله من مُعاويةَ في بيتِ عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ على غِناءِ جَوارِ لعبدِ اللهِ جَعفَرٍ، فسُئِلَ مُعاوية عن ذلك فقالَ: إِنَّ الكريمَ طَروبٌ. فَإِنْ صَحَ فَمَعناه: أَنَّ ذَا الطَّبْعِ السَّليمِ إِلى القَلْبِ القويمِ يُؤَثِّرُ فِيهِ المُطرِباتُ مِن غَيرِ قَصْدِ اللَّهَواتِ.
وكان ذلك منه اعتذاراً عن الحركةِ التي صَدَرَتْ منه على غيرِ اهْتِبالٍ، ومُعاوِيةُ لم يَنقُلْ عنه أعداؤُه مع كثرتهم وتتبعهم لعَوْرَته أنَّه كَانَ يَسْمَعُ الغِناءَ وَيُؤْثِرُه، معَ كمال قدرته عليه.
ونحن فلا نُنكر لذَّة سماع الصوتِ الرَّقيق بالشَّعرِ الدَّقيق، وإِنَّما يَصُدُّنا عن استماعه علمنا بما فيه من الضَّرَرِ الباطِنِ والظَّاهِرِ، وكم من عاقِل يترُكُ ما يستَلِذُه ويستَطِيبُه؛ خَشيَةَ الوقوع في ضَرَرٍ يُصيبه.
وفي فتاوى قاضي خان»: أمَّا استِماعُ صَوتِ المَلاهي كالضَّرب بالقضيب ونحو ذلك حَرامٌ ومَعصِيةٌ؛ لقوله عليه السَّلام: «استِماعُ المَلاهي معصية، والجُلوس عليها فسق، والتلذذ بها من الكُفْرِ، إنما قال ذلك على وَجْهِ التشديد، وإن سَمِعَ بَغتةً فلا إثم عليه، ويجب عليه أن يجهد كلَّ الجَهْدِ حتّى لا يسمع؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَدْخَلَ أُصْبُعَه في أُذُنَيْهِ. وممَّا يُؤَيِّدُ كلامَ أَئِمَّتِنا: ما رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ والخطيب عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّه عليه السَّلامُ نَهَى عن الغناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، وعن النَّميمة والاستماع إلى النميمة.
ورَوَى الخَطيبُ عن عليّ أنَّه نَهَى عليه السَّلامُ عن ضَرْبِ الدُّفٌ، ولَعِبِ الصَّنْحِ، وَضَرْبِ الزَّمَّارَةِ.
فالصَّنْجُ: آلةٌ من صُفْر، يُضرَبُ أحدهما على الآخرِ، وَالزَّمَّارَةُ: آلةٌ ذاتُ أوتار. كذا في «النهاية».
ثم لا يخفى أن قوله: «والتلذذ بها من الكُفْرِ» لو صح به الحديث يُمكن أن يُحمل على معنى الاستحلال بها، فوُضِعَ مَوضِعَه؛ لأَنَّه غالباً سبَبُه. قال: وأما قراءة أشعار العرب ما كان منها من ذكرِ الفِسْقِ والخَمْرِ والغُلامِ فمكروه؛ لأنَّه ذِكرُ الفَواحش، انتهى.
وقوله: مكروه؛ أي: كراهة تحريم، كما يدلُّ عليه قوله: لأَنَّه ذِكرُ الفَوَاحِشِ. ثم تقييده بأشعار العرب إشعار بأن أشعار العَجَمِ بالأولى، أو يُساويه، فيكون التَّقييدُ به مثلاً لا مفهوم له. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الغِناءَ على ثلاثة أقسام:
قسم ساذج بغيرِ آلةٍ، مع سلامةِ القَوْلِ من الفتنة والمَلامةِ، فَذَهَبَ قوم إلى إباحتِه من غيرِ الكراهة، ونُقِلَ هذا عن جماعة من الصَّحابة والتابعينَ والأَئِمَّةِ المُجتهدين في الدين، كأبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وغيرِهم، واختاره القُشَيرِيُّ، وحَكَى الغزالي الاتفاق عليه.
وهو مَذهَبُ الظاهرية، حكاه ابنُ حَزْمٍ وصنف فيه، وابن طاهر ونقل إجماع الصَّحابة والتابعين عليه، ونقَلَ جَوازَه صاحِبُ النّهاية في شرح الهداية».
وقال بعضُهم: إذا كانَ لِدَفْعِ الوَحشَةِ عن النَّفْسِ فلا بأس به، وبه أخذَ شَمسُ الأئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، واستدلَّ عليه بأنَّ أنساً صاحِبَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذلك). و اختاره من مُتأخري الأئمةِ جَماعةٌ منهم الإمام عن الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلام
الشافعي، والإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والإمامُ بدرُ الدِّينِ بن جَماعة.
و من العلماء مَن قسمه إلى مُباحٍ ومُستَحَبُّ، وَجَعَلَ مِنَ المُستَحَبُّ الغِناءَ في العُرْس ونحوه، والمُباحُ فيما سوى ذلك.
قلتُ: وهذا هو الأَظْهَرُ؛ لِما قدَّمنا هنالك.
وأما ما نقله الطَّبَرِيُّ عن أبي حنيفة: أنَّه يكره ذلك ويجعَلُ سماعَ الغِناءِ من الذُّنوبِ، وكذلك سائر أهل الكوفة، سفيانُ الثَّورِيُّ وحمَّادٌ وإبراهيمُ والشَّعبِيُّ، فينبغي أن يُحمَلَ على الغِناءِ المَقرونِ بألحانِ الفُسَّاقِ، أو معَ الآلاتِ المُحَرَّمِةِ. والقسم الثاني: وهو سَماعُ الغناء بالأوتار وسائرِ المَزامير، فالمشهور من مَذاهِبِ الأئمة الأربعة أنَّ الضَّرَبَ به وسَماعَه حَرام. وحُكي عن بعض المالكيَّةِ والشَّافعيّةِ إباحته، وبه قالَ شِرْذِمَةٌ من السَّلَفِ. وقد استَدَلَّ القاضي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عن الأئمة الأربعةِ وجَماعةِ من العلماء بألفاظ على أنَّهم رأوا تحريمه، وكذا ذكر العلَّامَةُ إبراهيمُ بنُ جَماعةَ المَقدِسيُّ الشَّافِعِيُّ في إفتائه للسَّماع فقال: فأمَّا أَبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَمَذْهَبُهُ فِيه أشدُّ المَذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرَّحَ أصحابه بأنَّ استماعه فِسْقٌ، والتلتذ به كُفْرٌ، وليس بعدَ الكُفْرِ غايةٌ.
وأمَّا مالكٌ فإنَّه لمَّا سُئِلَ عنه قالَ: إِنَّما يفعله عندَنا الفُسَّاقُ. وفي كُتُبِ أصحابه: إذا اشترى جاريةً فوَجَدَها مُغنّيةً فله أن يُرُدَّها بالعَيْبِ. وأَمَّا أحمدُ بنُ حَنبلٍ فَإِنَّ ابنَه عبدَ اللهِ سأله فقالَ: يا بُنَيَّ! الغِناءُ يُنبِتُ النَّفَاقَ في القلب، ثمَّ ذكَرَ قولَ مالك: إِنَّما يفعله عندَنا الفُسَاقُ.
وأمَّا الشَّافِعِيُّ فقد قال في كتاب (أدَبِ القَضاءِ): إِنَّ الغِناءَ لَهْوٌ مكروهُ يُشبِهُ الباطل. وقال لأصحابه بمِصْرَ: خَلَّفْتُ ببغدادَ شيئاً أحدَثَتْه الزَّنادِقَةُ يُسمُونَه التَّغبير، يَصُدُّونَ به النَّاسَ عن القُرآنِ.
فإذا كان هذا قوله في التَّغبير، وهو عبارةٌ عن شِعْرِ مُزَهْدِ فِي الدُّنْيا إِذا غَنَّى به المُغَنِّي ضَرَبَ بعضُ الحاضرينَ بقَضيب على نِطْعِ أو مخدَّةٍ ضَرْباً مُوافياً للأوزانِ الشعريَّةِ، فليتَ شِعري! ماذا يقولُ في السَّماع الواقع في زَمانِنا؛ فَإِنَّهُ إِنَّما يُتغَنَّى فِيه بالشَّعرِ الرَّقيقِ المُشتمل على القُدودِ والخُدودِ والنُّهود، والشعورِ والخُصورِ، والعاشِقِ والمعشوقِ والوَصْلِ والهَجْرِ، والإِقبالِ والصَّدِّ.
فمَن قال بإباحةِ هذا النوع فقد أحدَثَ في دينِ اللهِ ما ليس منه.
وأحسَنُ الأقسامِ أن يسمَعَ المَرءُ أبياتاً بديعَةً من رجل صالح بتحزين فيُهيج له بكاءً وحُزْناً على انقطاعه عن بابِ مولاه، فيَستَيقِظَ بذلك عن الغَفْلَةِ في أمر دينه ودنياه، ولو أنَّه تغَنّى بالقُرآنِ وحَسَّنَ به صوتَه، أو سَمِعَه من مُقرِي مُطرِبٍ ذِي قَلْبٍ مُنِيبٍ، لا نتفع به أضعافَ مَنفعته بالأشعارِ.
وهذا كانَ سَماعَ الصَّحابة، وفيهم نَزَلَ: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: ??]، وفي موضع آخرَ: نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]. وقد رُوِيَ أَنَّ أَبا بكر الصديق رضي الله عنه كَانَ إِذَا قَرَأَ القُرآنَ لا يَتَمَالَكُ من البكاء.
وكانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَمُرُّ بالآية في وِرْدِه فَتَحْنُقُه العَبْرَةُ، ويسقُطُ ويلزَمُ البيت اليوم واليومين، حتَّى يُعادُ ويُحسَبُ مريضاً.
وهذا سَماعُ السَّلَفِ بخِلافِ الخَلَفِ، ولهذا قالَ الجُنَيدُ: إذا رأيتَ المُريد يطلُبُ السَّماعَ فَاعلَمْ أَنَّ فيه بقيَّةً للبطالة.
وكانَ الفُضَيلُ يُسمّيه: رقيَّةَ الزنا.
وقد امتَنَعَ الجُنَيدِ منَ السَّماعِ لمَّا فَقَدَ أهله من الأصحاب والأحباب، وقال: الذين كُنَّا نَسمَعُ منهم صاروا تحتَ التُّراب.
وقد قالَ الشَّافِعِيُّ: ما تَصَوَّفَ أحدٌ بُكرَةَ النَّهارِ إِلا وقد حَمِقَ قبلَ العَصْرِ. يعني: فيَقَعُ في الدعوى بدونِ المعنى، ويقولُ: ما يَصنَعُ بالسَّماع من عبدِ الرَّزَّاقِ مَن يسمَعُ من الخَلَّاق، ولنا عِلمُ الحَرَقِ ولهم عِلمُ الوَرَقِ، ومن حماقته لم يَدْرِ أَنَّه لولا عبدُ الرَّزَّاقِ وأمثاله من الحُفَّاظِ الحُذَاقِ، لَمَا عَرَفَ هذا المغرور كيف يستنجي بالاتفاق.
والقِسمُ الثَّالثُ: الغِناءُ المُقارَنُ بالدُّفَ والشَّبَابِةِ، وهي القَصَبَةُ المُثقَّبَةُ، واختلَفَ العلماء فيه، فذهَبَت طائفةٌ إلى التحريم، وعليه الجمهور من الأئمة الأربعة، وهو مُختارُ النَّووِيُّ ومَن تبعه من الشَّافعيّة.
وذهبت طائفةٌ إلى الإباحة، وهو مُختارُ جَماعة من الشَّافعيّة، كالرَّافِعِي والغزالي والإمام عز الدين بن عبد السلام" وطائفة أخرى من الأعلام. وقد قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ لمَّا سُئِلَ عن هذا فقالَ: لم يَرِدْ في هذا حديث صحيح على منعه، ولا حديث صحيح على جوازه، فهذه مسألة اجتهاديَّةٌ، فَمَن اجتَهَدَ وأَدَّاه اجتهاده إلى التَّحريم قال به، ومَن اجتَهَدَ وأَدَّاه اجتِهادُه إِلى الجَوازِ قالَ به.
وأمَّا الرَّقصُ، مع أنه نوع من النقص، فذهبت طائفة إلى الكراهة، وذهبت طائفة إلى الإباحة، منهم الرَّافِعِيُّ والغَزاليُّ والنَّوَوِيُّ، وذهبَت طائفةٌ إلى التَّفْرِقِةِ بين أرباب الأحوال، فيجوز لهم، ويُكرَهُ لغَيرِهم.
وهذا القول هو المَرضِيُّ عندَ جُمهورهم، وعليه أكثرُ الصُّوفيَّة، ولهذا قال الجُنَيدُ: النَّاسُ في السَّماعِ على ثلاثة أضرب: العَوامُّ والزُّهَّادُ والعارِفون، أَمَّا العَوامُ فحرام عليهم لبقاء نفوسهم، وأمَّا الزُّهَّادُ فيُباحُ لهم لحُصولِ مُجاهَدَتِهم، وأَمَّا أصحابنا فيُستَحَبُّ لهم. لـ ومما يدلُّ على رُخصَةِ الرَّقص وإباحتِه في الجُملة: ما رَوَتْه عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في «الصحيح من رَقْصِ الحَبَشَةِ في المسجد يوم عيد، وأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
دَعاها فوَضَعَت رأسها على منكبه، قالت: فجَعَلْتُ أنظُرُ إليهم حتَّى كنتُ أنا الذي أنصَرِفُ عن النَّظَرِ إليهم. وكذا ما رُوِيَ أَنَّ جَعْفَراً وعليَّاً وزَيداً حَجَلُوا لَمَّا قالَ لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما قالَ من الثَّناء عليهم، فقال لعليّ رضي الله عنه: أنتَ منّي بِمَنزِلِةِ هَارُونَ مِن مُوسى»، وقالَ لجَعفَرٍ رضيَ الله عنه: «أَشبَهْتَ خَلْقي وخُلُقي»، وقال لزيد: «أنتَ منَّا ومَوْلانا».
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ ارتكاب الصَّغيرة لا يَقدَحُ في الولاية، وإذا تكررت ورُفِعَت إلى الحُكّامِ لا يُعزّرُونَ عليها، لأنَّهم أولى مَن سُتِرَت عَورَتُه وأُقِيلَت عَشْرَتُه، قالَه الإمام عز الدين بن عبد السلام.
ومن ارتكب أمراً فيه خلافٌ لا يُعزِّرُ عليه؛ لقوله عليه السَّلامُ: «ادرَؤُوا الحدود بالشُّبُهَاتِ».
وقال الإمامُ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ على فعل اختَلَفَ العلماء فيه. و معلوم من مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أَنَّه لا يُكفَّرُ أَحدٌ بذنبٍ من أهلِ القبلة، واختِلافُ الأَئِمَّةِ رَحمةٌ في هذه الأُمَّةِ، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: ??]، وقد ورَدَ: «بُعِثْتُ بالحنيفيَّةِ السَّمحَةِ».
وقال الإمامُ ابنُ عبدِ السَّلامِ إِنَّ الله تبارك وتعالى لم يُوجِبْ على أحدٍ أن يكونَ حنفيّاً أو مالكيَّاً أو شافِعِيّاً أو حَنْبَلِيَّاً، وإنَّما الواجِبُ عليهم اتِّباعُ الكتابِ المُنزَلِ والنَّبيِّ المُرْسَلِ، ومَن اقتَدَى بقولِ عالم فقد سَقَطَ عنه المَلامُ، والسَّلامُ.
قلتُ: لقوله تعالى: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]
ولقوله عليه السَّلام: «أصحابي كالنُّجومِ بأيهمُ اهْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُم، ولقول بعض مشايخنا: مَن تَبعَ عالِماً لقِيَ الله سالماً.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ الله تعالى يقولُ: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللَّهُ وَأَوَلَبَكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَبِ} [الزمر: 17 - 18]. وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ الآية [المائدة: ??].
فهذا السَّماعُ هو السَّماعُ الحقُّ الذي لم يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، محكوم لصاحبه بالهداية والإحسان، وقد قالَ سُبحانَه: وَاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِها مَّثَانِيَ نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الزمر: ??]، وقد قال علام الغيوب: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: ??]، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، وقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].
روي من طرق أوردها الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف» (ص 94 ـ 95) ولا تخلو من ضعيف أو متروك، وأورد له أيضاً ابن الملقن طرقاً في البدر المنير» (9/ 587) وأعلها جميعاً ثم قال: فتلخص ضعف جميع هذه الطرق، لا جرم قال أبو محمد بن حزم في رسالته الكبرى في إبطال القياس والتقليد وغيرهما هذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط.
ورُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنهما كانَ رُبَّما مرَّ بآيةٍ في وِرْدِه فَتَحْنُقُه العَبَرَةُ ويسقُطُ ويلزَمُ البيتَ اليومَ واليَومَينِ حتَّى يُعادَ ويُحسَبَ مريضاً. ورَوَى زيدُ بنُ أَسْلَمَ قالَ قرأَ أُبي بن كعب عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَقُوا، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اعْتَنِمُوا الدُّعاءَ عندَ الرّقَةِ فإنَّها الرَّحمَةُ».
ورَوَتْ أُمُّ كُلثوم رضيَ اللهُ عنها، أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «إِذا اقشَعَرَّ جِلدُ العبدِ من خشية الله تحاتَتْ عنه الذُّنوبُ كما يتَحاثُ عن الشَّجَرَةِ اليابسة وَرَقُها».
وهذه جملةٌ لا تُنكر، ولا اختلاف فيها بين الأعيان، وإنما الاختِلافُ في سماع الأشعار بالألحان، وقد كَثُرَت في ذلك الأقوال، وتفاوتت فيه الأحوال، فمن منكر يُلحِقُه بالفسقِ المُطلق، ومن مُتولّعٍ بِهِ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ واضِحُ الحَقِّ، فَوَقَعا في طَرَفَي التَّفريط والإفراط، وبعدا عن بساطِ الانبساط.
ففي «عَوارِفِ المَعارِفِ»: أَمَّا الدُّفُ والشَّبَابِةُ وإِن كَانَ في مذهبِ الشَّافِعِيُّ فيهما فُسحة؛ الأولى تَرْكُهما، وأمَّا غيرُ ذلك فإن كانَ من القصائد في ذِكرِ الجنَّةِ والنَّارِ، والتشويق إلى دارِ القَرارِ، وَوَصْفِ نِعَمِ المَلِكِ الجَبَّارِ، وذكرِ العِبادات، والترغيب في الخيراتِ، فلا سبيل إلى الإنكار.
وأما ما كانَ فيه من ذِكرِ القُدودِ والحُدودِ ووَصْفِ النِّساء، فلا يليق بأهل الديانات من العُلماءِ والصُّلَحاءِ الاجتماع لمثل ذلك.
وأمَّا ما كانَ من ذِكرِ الهَجْرِ والوَصْل، والقَطيعة والصَّدِّ والفَضْل، ممَّا يَقْرُبُ حمله على أمور الحقِّ سُبحانه وتعالى؛ من تلوُّنِ أحوالِ المُريدين، ودخولِ الآفاتِ على الطالبين، فمَن سَمِعَ ذلك وحدَثَ عندَه ندَمٌ على ما فات، أو تجدَّدَ عندَه عَزْمُ لما هو آت [فكيف يُنْكَرُ سماعه] (1).
فلا وَجْهَ للإنكار على من هذا حاله من الأبرار، وقد قيل في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: 1]؛ الصَّوتُ الحسَنُ، وقال عليه السَّلامُ اللهُ أَشَدُّ أذنا بالرَّجُلِ الحسَنِ الصَّوتِ بالقُرآنِ من صاحبِ قينَةٍ إلى قينَتِه.
ووَرَدَ في مَدْحِ داودَ عليه السَّلامُ: أَنَّه كانَ حَسَنَ الصَّوتِ بالنِّياحة على نفسه وتلاوة الزبورِ، حَتَّى كان يجتمع إليه الإنسُ والجِنُّ والطَّيرُ لسماع صوته، وكان يُحمل من مجلسه أربع منَةٍ جَنازَةٍ.
وقال عليه السَّلامُ في مَدْحِ أبي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه: «لقد أُعْطِيَ مِزْماراً من مزامير آل داود.
ودَخَلَ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده قوم يقرؤُونَ القُرآنَ، وقوم يُنشِدُونَ الشُّعرَ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! قرآن وشِعرُ؟ فقالَ: مِن هذا مرَّةً، ومن هذا مرَّةً». وأنشَدَ النَّابِغَةُ عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبياته التي فيها: ولا خيرَ في حِلْمِ إذا لم يكُنْ لَهُ بوادِرُ تَحمي صَفْوَهُ أَن يُكَدَّرا ولا خير في أمر إذا لم يكُن له حكيم إذا ما أَوْرَدَ الأمرَ أَصْدَرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحسنْتَ يا أبا ليلى، لا يفضُض الله فاك»؛ أي: لا يُسْقِط أسنانك، والفَضُّ الكَسرُ بالتَّفرقة، فعاش أكثر من مئة سنة، وكان أحسَنَ النَّاسِ ثَغْراً.
وكان رسول الله الله يضَعُ لحسَّانَ مِنبَراً في المسجد، فيقوم على المنبر قائماً يهجو الذين كانوا يهجُونَ رسول الله، ويقولُ النَّبِيُّ عليه السَّلامُ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ معَ حسَّانَ ما دامَ يُنافِحُ - أو: يُفاخِرُ - عن رسول الله.
وقد جعل التّرمذي في «الشَّمائلِ» باباً فيما أَنشَدَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وفيما أُنشِدَ لديه، وقد بسَطْتُ الكَلامَ في شرح الوَسائلِ عليه
وقد قال عليه السّلامُ: «إنَّ من الشَّعرِ لَحكمة».
وأنشدَتْ عَائِشَةُ:
ذَهَبَ الذين يُعاشُ في أكنافهم وبقيتُ في خَلْفِ كَجِلْدِ الأَجْرِبِ ورُوِيَ في «الصَّحيحَينِ» عن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّها قالت: لمَّا قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وُعِكَ أبو بكر وبلالٌ، وكانَ بها وَبَاءٌ، فقلتُ: يا أبه! كيف تَجِدُكَ؟ ويا بلال! كيف تجِدُكَ؟ فكانَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه إِذا أَخَذَتْه الحُمَّى يقول:
كلُّ امي مُصبَّح في أهله والموتُ أَدنى من شراكِ نَعِلِهِ وكان بلال رضي الله عنه إذا أقلَعَت عنه الحُمَّى يرفَعُ عَقيرَته ـ أي: صَوتَه - ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة بوادٍ وحَوليَ إِذْخِرٌ وجَليلُ وهل أَرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ وهل تَبدُونْ لي شامَةٌ وطَفيلُ قالت عائشة رضي الله عنها: فَأَخَبَرْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مَكَّةَ أو أشَدَّ، وانقُلْ حُمَّاها فاجعَلْها في الجُحْفَةِ». وكان ينقل اللبن مع القوم في بناء المسجد، وهو يقول: هذا الحِمالُ لا حِمالُ خَيْبَرْ هذا أبَرُّ رَبَّنَا وأطهر»
وقال أيضاً مرَّةً أُخرَى:
«اللَّهُمَّ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَة فارْحَم الأنصار والمُهاجِرَة» وقد سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قصيدة بانَتْ سُعادُ من شِعْرِ كَعَبِ بْنِ زُهَيْرٍ في المسجدِ من أوَّلِها إلى آخرِها، وقد تصَرَّف في بعضها، وأَوْصَلَه بُرْدَةً لأجلها.
وفي «العوارِفِ»: لكِنْ لا يليقُ الرَّقصُ بالشَّيوخ ومَن يُقتَدَى به؛ لما فيه من مُشابهةِ اللّهو.
وأما الصيحَةُ: فحكى أن الشبلى سَمِعَ قائلاً يقول: فحُكِيَ أَنَّ الشَّبليَّ أسائل عن سَلْمَى فهل من مُخبرٍ يكون له علم بها أين تنزل
فزَعَقَ وقال: والله ما في الدَّارِينِ عنه مُخبرٌ.
فإِنْ قالَ القائِلُ: هذه الهَيئَةُ من الاجتماعِ بِدعة.
فيقال له: إنما البدعة المحذورَةُ الممنوع منها بدعة تزاحم سنة مأثورةً، وما لم يكن هكذا فلا بأس به، وهذا كالقيام للدَّاخِلِ؛ إذ لم يكُن، بل كان من عادةِ العَربِ تركُ ذلك، حتّى نُقِلَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدخُلُ ولا يُقامُ له، وفي البلاد التي هذا قطعة من الحديث السابق، وفيه: «اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... »
القِيامُ عادَتُهم إذا اعتُمِدَ ذلك لتَطِيبَ القُلوبُ والمُداراة لا بأس به؛ لأنَّ تركه يُوحِشُ الصدور، ويُصَعَّبُ الأمور، فيكون ذلك من قَبيلِ العِشْرَةِ وحُسنِ الصُّحبةِ مَعَ الخَلْقِ الأجل الحق في دوام الألفة، كما قيل:
و دارِهِمْ ما دُمْتَ في دارِه
وأَرْضِهم ما دُمْتَ في أَرْضِهم
هذا، وقد نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال في كتابِ القَضاءِ): الغِناءُ لَهْوٌ مكروه
يُشبه الباطل.
وقالَ: مَن استكثَرَ منه فهو سفيه تُرَدُّ شَهادَتُه.
ونُقل عن الشَّافِعِيُّ: أَنَّه كان يكرَهُ الطَّقْطَفَةَ بالقضيب، ويقولُ: وَضَعَه الزَّنادِقَةُ ليَسْتَغِلوا به عن القُرآنِ.
قلت: ومنه قوله تعالى إخباراً عن أهل الكُفْرِ والكُفْرانِ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: (26]، وقوله سبحانه: {وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].
وعند مالك: إذا اشترى جارِيَةً فوجدَها مُغنّيةً فله أن يَرُدَّها بالعَيبِ، وهو مَذهَبُ سائرِ أهل المدينة، وهكذا مذهَبُ أبي حنيفة.
قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ: ومن الذُّنوبِ سَماعُ الغِناء، وما أباحه إلا نفَر قليل من الفُقَهَاءِ، ومن أباحه أيضاً لم ير إعلانه في المَساجِدِ والبِقاعِ الشَّرِيفَةِ والمَشاهِدِ المُنيفَةِ.
وأما ما أحدثه بعضُ المُتصَوِّفَةِ في زَمانِنا من ضَرْبِ الدُّفٌ مَعَ ذكرِ اللَّهِ سُبحانَه وصفاته، أو معَ نَعْتِ النَّبِيِّ وصلاته؛ فلا شك أنَّه من البِدَعِ المُحَرَّمِةِ؛ لِمَا فِيهِ مِن خَلْطِ اللَّهوِ بالعِبادة، فهُمْ مِن الذين خَلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سَيِّئَاً.
وقال بعضُهم: إِيَّاكَ والغِناءَ؛ فإنَّه ليَنُوبُ عن الخَمر، ويفعل ما يفعَلُ السُّكْرُ. قال صاحِبُ العَوارِفِ»: وهذا الذي ذكره هذا القائِلُ صحيح؛ لأنَّ الطَّبعَ الموزونَ يُفيقُ بالغناء والأوزان، ويستَحْسِنُ صاحبُ الطَّبْعِ عندَ السَّماعِ ما لم يستَحْسِنْه من الفَرْقَعَةِ بالأصابع والتصفيق والرَّقص، ويصدرُ منه أفعال تدلُّ على سَخافةِ العَقْلِ. ورُوِيَ عن الحسَنِ أَنَّه قال: ليسَ الدُّفُ من سُنَّةِ المُسلمين.
والذي نُقِلَ عن رسولِ الله: أَنَّهُ سَمِعَ الشَّعرَ لَا يَدُلُّ على إباحةِ الغِناءِ؛ فَإِنَّ الشَّعَرَ كلام منظوم، وغَيْرُه كلامٌ مَنشور، فحَسَنُه حَسَنٌ، وقَبيحه قبيح، وإِنَّما يصير غناءً بالألحان. وإِنْ أَنصَفَ المُنصِفُ وتفَكَّرَ في اجتِماعِ أهلِ الزَّمانِ وقُعُودِ المُغَنِّي بدُفِّه والمُشَبِّبِ بِشَبَابَتِه، وتصَوَّرَ في نفسه هل وقَعَ مثل هذا الجُلوسِ والهيئة بحَضْرَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ وهل استَحْضَر وا قوَّالاً وقَعَدُوا مُجتمعين لاستماعه؟ لا شَكٍّ أَنْ يُنكِرَ ذلك من حالِ رسول الله الله وأصحابه، ولو كانَ في ذلك فضيلةٌ تُطَلَبُ ما أهمَلُوها، فمَن يُشيرُ بأنَّه فضيلةٌ تُطَلَبُ ويُجتَمَعُ لها لم يحظَ بذوقِ من معرفة أصحابِ رسولِ اللهِ وأصحابه والتابعين، ويَستَروحُ إلى استحسانِ بعض المُتأخرين ذلك. وكثيراً ما يغلَط النَّاسُ في هذا، كلَّما احتج عليهم بالسَّلَفِ الماضين يَحتَجُ بالمُتأخرين، وكانَ السَّلَفُ أقرَبَ عهداً إلى رسولِ اللهِ، وهَديُهِم أَشبَهُ بِهَدْيِ رسولِ اللهِ وكثير من الجَهَلَةِ يتهيّج عند قراءة القرآن بأشياء من غيرِ الغَلَبَةِ.
قال عبد اللهِ بنُ عُروَةَ بنِ الزُّبير رضي الله عنهم: قلتُ لجدتي أسماء بنتِ أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله الله يفعلون إذا قُرِئَ عليهم القُرآنُ؟ قالت: كانُوا كما وَصَفَ اللهُ تعالى: تَدْمَعُ أعينهم وتَقْشَعِرُّ جلودهم، قال: قلتُ: إِنَّ أُناساً اليوم إذا قُرِئَ عليهم القُرآنُ خَرَّ أحدُهم مَغشِيَّاً عليه، قالت: أعوذُ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّ- ويُروى: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله عنهما مرَّ برجل من أهلِ العِراقِ يتساقط، قال: ما لهذا؟ قالوا: إِنَّ هذا إذا قُرِئَ عليه القُرآنُ وسَمِعَ ذِكرَ اللَّهِ سَقَطَ، فقالَ ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنَّا لَنَخْشَى الله وما نَسقُطُ إِنَّ الشَّيطانَ يدخُلُ فِي جَوْفِ أحدهم، ما هكذا كانَ يَصنَعُ أصحاب رسولِ اللهِ (2).
وذُكِرَ عند ابن سيرين رحمه الله - وهو من أجِلَّاءِ التّابعينَ ـ الذين يُصْرَعُونَ إذا قُرِئَ عليهم القُرآنُ، فقال: بيننا وبينهم أن يقعُدَ واحِدٌ منهم على ظَهْرِ بيتٍ باسِطاً رِجليه، ثمَّ يُقرَأُ عليه القُرآنُ من أوله إلى آخره، فإن رَمَى بنفسه فهو صادِقٌ. ويؤيده قول السَّرِي: شرط الواحد في زَعْقَتِه أَن يبلُغَ إلى حد لو ضُرِبَ وجهه بالسُّيوف لا يشعر فيه بوجع.
ورُوِيَ عن أبي الحُسَينِ النُّورِيِّ: أَنَّه حَضَرَ مجلِساً فَسَمِعَ هذا البيت: ما زِلْتُ أُنزِلُ مِن وِدادِكَ مَنزِلاً يتَحَيَّرُ الألباب عندَ نُزُولِهِ
فقامَ وتواجد وهامَ على وجهه، فوَقَعَ في أَجَمَةِ قَصَبٍ قد قُطِعَ وبَقِيَت أُصوله مثل السُّيوفِ، فكان يعدو فيها ويُعيدُ البيتَ إلى الغَدْوَةِ والدَّمُ يخرُجُ من رِجليه، حتَّى وَرِمَت قَدَماه وساقَاهُ، وعاش بعده أياماً ومات رحمه الله.
وسيأتي زيادة الإفادة في مقامِ الإعادة.
ويُقالُ: إِنَّ مُوسى عليه السَّلامُ وَعَظَ قومه، فشَقَّ رجُلٌ منهم قميصه، فقيل لموسى عليه السَّلامُ: قُلْ لصاحب القميص: لا يَشُقَّ قَميصَه، ولْيَشْرَحْ قلبه. وكَانَ بعضُ الصَّالِحِينَ لا يَسمعون اتَّقاءً لمَوضِعِ التُّهَمةِ، ومَعَ ذلك لا يُنكِرُونَ على مَن يَسْمَعُ بالنِّيَّةِ الحَسَنَةِ.
وقد قالَ الحُصَرِيٌّ: ما أَدْوَنَ حالِ مَن يحتاجُ إِلى مُزعِجٍ يُزعِجه. وقال بعضُ أصحابِ سَهْلِ التُسْتَرِيّ: صَحِبْتُ سَهْلاً سنين، ما رأيتُه تغير عند شيء يسمَعُه من الذُّكرِ والقُرآنِ، فلمَّا كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِه قُرِئَ عندَه: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} [الحديد: 15] ارتعد وكاد يسقُطُ، فسألته عن ذلك، فقال لي: نعَمْ لَحِقَني ضَعْفٌ.
وسَمِعَ مرَّةً: {الْمُلْكُ يَوْمَذٍ الْحَقُّ} [الفرقان: 26] فاضطَرَبَ، فسأله ابنُ سالم وكانَ صاحبَه، قال: قد ضَعُفْتُ، فقيل له: إنْ كانَ هذا من الضَّعَفِ فما القُوَّةُ؟ قالَ: القُوَّةُ أن لا يرِدَ عليه وارِدٌ إلا يبتَلعُه بِقُوَّةِ حالِه، ولا يُغيّره الوارِدُ.
ومن هذا القَبيلِ قَولُ أبي بكر الصِّدِّيقِ رضي الله عنه لما رأى الباكي يبكي عندَ قِراءةِ القُرآنِ: هكذا كنَّا حَتَّى قَسَتْ قُلُوبُنا؛ أي: تصَلَّبَتْ وأَدْمَنَتْ سَماعَ القُرآنِ وآثاره، وأَلِفَتْ أنواره، فما استَغْرَبَتْه حتّى يتغيَّرَ، والواجِدُ كالمُستَغْرِبِ ولهذا نِسوَةُ مِصرَ قَطَّعْنَ أيديَهُنَّ عندَ رُؤيَةِ يوسف عليه السَّلامُ دونَ زَليخا، معَ أنَّها كانَت أَتَمَّ منهُنَّ فِي مَقامِ المحبَّةِ والولاء.
ومن هذا القبيل مَن قَدِمَ حاجاً فرأى بيتَ اللهِ أَوَّلاً بكَى وزَعَقَ، ورُبَّما يُغشَى عليه إذا وَقَعَ عليه بصره، وقد يُقيم بمكةَ شَهْراً و لا يُحِسُّ من ذلك في نفسه أثراً ولا شعراً.
وقد قال بعضُهم: حالي قبلَ الصَّلاةِ كحالي بعدها، إشارةً منه إلى استمرار
حال الشهود في جميع مراتبِ الوُجودِ. وقد قالَ الجُنَيدُ رَحِمَهُ الله تعالى: لا يَضُرُّ نُقصانُ الوَجْدِ مَعَ فضلِ العلمِ، وفَضْلُ العِلمِ أتمُّ من فَضْلِ الوَجْدِ.
وسُئِلَ الجُنيدُ: ما بالك في عَدَمِ السَّماءِ؟ فَأَجَابَ بِقَولِه تعالى: {وَتَرَى الْجَبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَر السَّحَابِ} [النمل: ??].
وقيل: السَّماع لقوم كالدَّاءِ، ولقوم كالدواء، ولقوم كالغذاء. ومن أفضل أقسامِ البُكاء: ما صدَرَ عن سيّد الأنبياء وسَنَدِ الأصفياء، كما رُوِيَ أَنَّه قال لأبي: «اقرأ»، فقال: أَقرَأُ عليك، وعليكَ نَزَلَ؟! فقالَ: «أُحِبُّ أن أسمعه من غَيري»، فافتَتَحَ سورةَ النِّساءِ حتّى بلَغَ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، فإذا عَيْناهُ تهملان؛ أي: تسيلان.
ورُوِيَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم استَقْبَلَ الحَجَرَ واستَلَمَه، ثمَّ وَضَعَ شفتيه عليه طويلاً يبكي، وقال: «يا عُمَرُ! ها هنا تُسكَبُ العَبَراتُ.
ووَرَدَ عنه عليه السَّلامُ أَنَّه قالَ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَيْنَيْنِ هَطَالتَينِ تَشْفِيانِ القَلبَ بدروفِ الدَّمع من خَشيَتِك».
قيل: وكانَ النَّصْرُ أبادِيُّ مُولعاً بالسَّماع، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: نعم هو خيرٌ أن نَقعُدَ ونَعْتابَ، فقال له أبو عَمْرِو بنِ نُجَيدِ وغيره من إخوانه: هيهات يا أبا القاسِمِ، زَلَّةٌ في السَّماعِ شَرٌّ من كذا وكذا سنَةٌ يعْتابُ النَّاسَ.
وأما ما رُوِيَ عن أنس قال: كُنَّا عندَ رسول الله، إذ نَزَلَ عليه جبريل عليه السَّلام، فقال: يا رسولَ اللهِ! إِنَّ فُقَراءَ أُمَّتِك يدخلُونَ الجنَّةَ قبل الأغنياء بنصفِ يومٍ، وهو خَمس مئة عام، ففَرِحَ رسولُ اللهِ، فقالَ: «أَفيكُم مَن يُنشِدُنا؟» فقالَ بدوِيٌّ: نعم يا رسول الله، فقال: «هاتِ»، فأنشأ البدوي: قَد لَسَعَتْ حَيَّةُ الهوَى كَبِدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيبُ الذي شُغِفْتُ به فعنده رقيتي وترياقي فتَواجَدَ رسول الله له، وتواجد الأصحاب معه حتَّى سَقَطَ رِداءُه عن مَنكِبَيه، فلمَّا فَرَغُوا، وآوَى كلَّ واحدٍ منهم مَكانَه، قالَ مُعاوِيةُ بنُ أَبِي سُفْيانَ: ما أَحسَنَ لَعِبَكُم يا رسول الله! فقالَ: «مَة يا مُعاويةُ! ليسَ بكريمٍ مَن لم يهتز عند ذكرِ السَّماعِ للحبيب»، ثمَّ قَدَّمَ رِداءَه بينَ مَن حَضَرَهم بأربع مئةِ قِطْعَةٍ. فَمَوضوعٌ وكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهلِ العلم بالحديثِ، كما ذكرَه السَّخاوِيُّ عن ابنِ تيمية.
وكأنَ واضِعَه عمار بن إسحاق، فإنَّ باقي الإسنادِثِقَةٌ، هكذا قاله الذَّهِبِيُّ وغيره.
وهو ممَّا يُقطَعُ بكذبه، وإن رَواهُ أبو طاهِرِ المَقدِسي، وصاحِبُ العَوارِفِ»
بإسنادِه أيضاً، مع أنَّه قال بنفسه: وتَخَالَجَ في سِرِّي أَنَّه غير صحيح، ولم أَجِدْ فِيهِ ذَوْقَ اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وما كانوا يعتمدونَه على ما بلغنا في هذا الحديثِ، ويأبى القَلبُ قبوله، وإِنَّما أَوْرَدْناه مُسنَداً كما سَمِعْناه ووَجَدْناه، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ. ورُوِيَ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ مرَّ ذاتَ يومٍ في موضع من نواحي الكوفة، وإذا الفُسَّاقُ قد اجتَمَعُوا في دارِ رَجُلٍ منهم، وهم يشربونَ الخَمْرَ ومَعَهم مُغَنِّ يقال له: زَادَانَ، كَانَ يضرِبُ بالعُودِ ويُغَنِّي بصوتٍ حَسَنٍ، فلمَّا سَمِعَ ذلك عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ قالَ: ما أحسَنَ هذا الصَّوتَ لو كانَ بقِراءة كتابِ اللهِ وجَعَلَ رِداءَه على رأسه ومَضَى، فسَمِعَ ذلك الصَّوتَ زَادَانُ فقالَ: مَن هذا؟ قالوا: كانَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ صَاحِبَ رسول الله الله، قال: وأيش قالَ؟ قالوا: قالَ ما أحسَنَ هذا الصَّوتَ لو كان بقراءةِ كتابِ اللهِ. فَدَخَلَتِ الهَيبةُ في قلبه، فقامَ وضَرَبَ بالعُودِ على الأَرْضِ فَكَسَرَه، ثمَّ أَسْرَعَ حتّى أدركه وجعَلَ المنديل على عُنُقِ نفسه، وجَعَلَ يبكي بين يدي عبدِ اللهِ، فاعتنقه عبد اللهِ وجَعَلَ يبكي كلُّ واحدٍ منهما، ثمَّ قال عبدُ اللَّهِ: كيف لا أُحِبُّ مَن أحبَّه الله؟ فتاب من ضربه العودَ وجَعَلَ يُلازِمُ عبد الله حتّى تعلَّمَ القُرآنَ، وَأَخَذَ الحظ الوافِرَ من العلم حتّى صار إماماً في العلم.
وقد جاء في كثير من الأخبارِ: رَوَى زَادانُ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، رَوَى زادان عن سلمان الفارسي رضي الله عنهما، كذا ذَكَرَه الشَّيخُ عبد القادرِ الجيلاني في «الغُنْيَةِ».
وفيها أيضاً: رُوِيَ في الخبر أنَّه ليسَ أحدٌ من خلقِ اللهِ أَحسَنَ صَوتاً من إسرافيل عليه السَّلامُ، فإذا أخَذَ في السَّماعِ قَطَعَ على أهلِ سبع سماواتِ صَلاتهم وتسبيحهم، فإذا رَكِبَ أهل الجنَّةِ الرَّفارِفَ، وأخَذَ إسرافيل في السَّماعِ بألوانِ الأغاني تسبيحاً وتقديساً للمَلِكِ القُدُّوسِ، فلم يبقَ في الجنَّةِ شجرةٌ إلا ورَّدَتْ، ولم يبقَ سِترُ ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم يبقَ حَلْقَةُ بابِ إلا طنَّت بألوانِ طنينها، ولم يبقَ أَجَمَةٌ من آجامِ الذَّهَبِ إلا وَقَعَ هُبوبُ الصَّوتِ في مَقاصِبِها فَزَمَرَت تلك المَقاصِبُ بفُنونِ المَزامِيرِ، فلم يبقَ جاريةٌ من جَواري الحُورِ إلا غَنَّت بأغانيها، والطَّيرُ بألحانها، فيُوحي الله إلى الملائكة أن جاوِبُوهم، وأَسمِعُوا عبادي الذين نَزَّهُوا أسماعهم عن مَزامِيرِ الشَّيْطانِ، فيُجاوِبُونَ بألحان وأصواتٍ رُوحانيين، فتختلط هذه الأصواتُ فتصيرُ رَجَّةً واحدةً، ثم يقولُ الله: قُمْ يا داود عندَ ساقِ عَرْشِي فَمَجِّدْني، فيَندَفِعُ داود في تمجيده بصوتٍ يعُمُّ الأصوات ويُجلِّيها، وتتضاعَفُ اللَّذَّاتُ، وأهلُ الخِيام على تلكَ الرَّفارِفِ تَهوي بهم، وقد صَفَتْ بهم أفانينُ اللَّذَّاتِ والأغاني، فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 15].
قلت: وقد جاءَ عن مُجاهد في قوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ: أنَّه السَّماعُ من الحُورِ العين، يقُلْنَ بأصواتٍ شهِيَّة: نحن الخالِداتُ فلا نموتُ أبداً، نحنُ النَّاعِماتُ فلا نبأَسُ أبداً.
وفيها أيضاً: عن أبي هُرَيرَةَ أَنَّه قال: قال رجل: يا رسول الله! إِنِّي رَجُلٌ قد حُبِّبَ إليَّ الصَّوتُ الحسَنُ، فهل في الجنَّةِ صَوتُ حسَنُ؟ قَالَ: «إي، والذي نفسي بيده، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ليُوحِي إلى شجرة في الجنَّةِ: أن أسمعي عبادِيَ الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عَزْفِ البَرابِطِ والمَزامير، فتَرفعُ بصوتٍ لم يسمَعِ الخَلائِقُ بمثله من تسبيح الرب وتقديسه، انتهى.
وقد صَرَّحَ الشَّيخُ فيها بأنَّ السَّماعَ والصوت بالقصب والرقص غير جائز عنده.
وقالَ القُشَيرِيُّ: سمِعتُ محمَّدَ بنَ الحُسين يقولُ: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ محمَّدِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ الرَّازي يقولُ: سمعتُ الجُنَيدَ: إذا رأيتَ المُريد يحِبُّ السَّماعَ فَاعلَمْ أنَّ فيه بقيَّةً من البطالة. وسُئِلَ أبو سُلَيمانَ الدَّارانيُّ عن السَّماع فقالَ: كُلُّ قلبٍ يريدُ الصَّوتَ الحَسَنَ فهو ضعيف، يُدارى كما يُدارَى الصَّبِيُّ إِذا أُريد أن ينام.
قال: وسمعتُ الشيخ أبا عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيَّ يقولُ: سمعت أبا عثمانَ المغربي يقولُ: مَن ادَّعَى السَّماعَ ولم يسمَعْ على صوتِ الطُّورِ، وصَرِيرِ البابِ، وتصفيق الرِّياحِ، فهو مُفتَرٍ مُدَّعِ كَذَّابٌ.
وعن الحُصَرِيِّ يقولُ في بعض كلامه: أيش أَعْمَلُ بِسَماعِ ينقطِعُ إِذا انقطَعَ مَن يُسمع منه.
قالَ القُشَيرِيُّ: يعني: ينبغي أن يكونَ سَماعُكَ سَماعاً مُتَّصِلاً غيرَ مُنقَطِع. قال: وقد قال الحُصَرِيُّ: ينبغي أن يكونَ ظَماً دائماً، وشُرْباً دائماً، فكلما ازداد شُربه از دادَ ظَماه.
قال: وسمعت محمد بن الحسين يقولُ: سمعت أبا عُثمانَ المَغربي يقول: قلوب أهل الحقِّ قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماعٌ مَفتوحة. وقد سَمِعَ أبو سليمانَ الدَّمشقِيُّ طَوَّافاً يُنادي: يا سَعْتَر بَرِّي، فَسَقَطَ مَعْشِيَّاً عليه، فلما أفاقَ سُئِلَ، فقالَ: حَسِبتُه يقولُ: اسعَ تَرَبِري.
ورُوِيَ عن غيره أنَّه قال: حسِبتُه: السَّاعَةَ تَرَى بِرِّي.
فكأنَّ الأَوَّلَ كانَ في مَقامِ المُجاهدة، والثَّانِيَ فِي مَقامِ المُراقبةِ والمُشاهَدَةِ. قال: وسمعتُ الشَّيخَ أبا عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ يقولُ: دَخَلتُ على أَبي عُثمانَ المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على بكرة، فقال لي: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ! أتدري ما تقولُ البَكْرة؟ فقلتُ: لا، فقال: تقول: الله الله.
قال: وسمعتُ محمَّد بن عبدِ اللهِ الصُّوفيَّ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بن طاهرٍ يقولُ: سمِعتُ عبد الله بن سهل يقولُ: سمِعتُ رُوَيماً يقولُ: رُوِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ صوتَ ناقوس فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قالَ: إِنَّه يقولُ: سُبحانَ اللهِ حَقَّاً حَقًّا، إِنَّ المَوْلى صَمَدٌ يَبقَى. وحُكِيَ: أَنَّ عَلِيَّاً - كرَّمَ اللهُ وجهَه - مرَّ على ندَّافٍ، فقال: هل تدرون ما يقول؟
فقالوا: لا، فقال: يقولُ:
وَهَبْكَ عِشْتَ عُمَرَ نُوحٍ وضِعْفَ ضِعْفِ ضِعْفِ أَلَسْتَ بعدَها تَموتُ فأُفٍّ أُفٍّ أُفٍّ
وقيل: سَمِعَ الشَّبلي قائِلاً يقولُ: الخِيارُ عَشَرَةٌ بدَاني، فصاحَ وقالَ: إِذا كانَ الخيارُ عَشَرة بداني، فكيف الأشرار؟
وقال الحريري: كُونُوا رَبَّنِينَ} [آل عمران: 79]؛ أي: سامعين من الله، قائلين بالله.
قال: وسمعتُ محمَّدَ بنَ الحُسَينِ يقولُ: سمعتُ مَنصور بن عبدِ اللهِ الأصبهاني يقولُ: سمعت أبا عليّ الرُّوذَبارِيَّ يقولُ: جُزْتُ بقَصرِ فرأيتُ شاباً حَسَنَ الوَجْهِ مَطرُوحاً وحَولَه، ناس، فسألتُ عنه، فقالوا: إِنَّه اجتاز بهذا القَصْرِ
وجارية تغني:
كَبُرَتْ هِمَّةُ عبد
أَوَمَا حَسْبُ لَعَينِ
طَمِعَتْ في أن تراك
أن تَرَى مَن قد رَاكَا
هذا، وذَهَبَ الغَزالي في «الإحياء» إلى أنَّ الغِناءَ المُجرَّدَ لَا يُكرَهُ، وكذا القَضِيبُ والطَّبْلُ والدُّقُ وغيره، قال: ولا يُستثنى من هذا إِلَّا الأوتارُ والمَزامِيرُ؛ إذ وَرَدَ الشَّرِعُ بالمنع منها، لا للذَّتِها؛ إذ لو كانَ للذَّةِ لَقيس عليها كل ما يلتَدُّ به الإِنسانُ، ولكِنْ حُرِّمَتِ الحمورُ، واقْتَضَتْ ضَراوَةُ النَّاسِ بها المُبالغَةَ في الفِطام عنها، حتّى انتهى الأمر في الابتداء إلى كَسْرِ الدَّنانِ، فحُرِّمَ معها ما هو شِعارُ أهلِ الشُّربِ، وهي الأوتارُ والمَزامير فقط، وكان تحريمه من قبيل الإتباع، كما حُرِّمَت الخَلَوَةُ مَعَ الأجنبيَّةِ لأَنَّه مُقدِّمة الجماع، وحُرِّمَ النَّظَرُ إِلى الفَخِذِ لاتصاله بالسَّواتَينِ، وحُرِّمَ قليلُ الخَمرِ وإِن كانَ لا يُسكِرُ؛ لأنَّه يدعو إلى المُسكِرِ، وما من حرام إلا وله حَريمٌ يُطيفُ به، وحُكمُ الحُرمةِ ينسَحِبُ على حَريمه، فيكونُ حِمى للحرام، وحصاراً مانِعاً حوله، كما قالَ: «إِنَّ لكُلِّ مَلِكِ حِمّى، وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحارِمُه.
فهي مُحرَّمةٌ تبعاً لتحريمِ الخَمْرِ بثلاثِ عِلَلٍ:
إحداها: أَنَّها تدعو إلى شُرْبِ الخَمْرِ؛ فإنَّ اللَّذَّةَ الحَاصِلَةَ بِهَا إِنَّمَا تِمُّ بِالخَمِرِ، وبمثل هذه العِلَّةِ حُرِّمَ قليلُ الخمرِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّها في حقٌّ قَريبِ العَهْدِ لَشُرِبِ الخَمرِ تُذَكَّرُ مجالس الأُنسِ بالشُّربِ، فهو سَبَبُ الذَّكرِ، والذَّكرُ سبب انبعاثِ الشَّوقِ، وانبعاثُ الشَّوقِ إِذا قَوِيَ فهو سببُ الإقدام، ولهذه العِلَّةِ نُهُوا في الابتداء عن المُزَفَّتِ والدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والنَّقيرِ، وهي الأواني التي كانت مخصوصةً بها، فإِنَّ مُشاهِدَةَ صُورَتِهَا تُذَكَّرُ بها.
الثَّالثةُ: أنَّ الاجتماع عليها لما أن صار من عادَةِ أَهلِ الفِسْقِ فَيَمتَنِعُ التَّشبه بهم؛ لأنَّ مَن تشبه بقوم فهو منهم، وبهذه العِلَّةِ نَقُولُ بتركِ (3) السُّنَّةِ مهما صارَتْ شعاراً لأهلِ البِدْعَةِ خَوْفاً من التّشبه بهم.
وبهذه العِلةِ يحرُمُ ضَرْبُ الكُوبة، وهو طَبْلٌ مُستَطِيلٌ دقيقُ الوَسَطِ، واسِعُ الطَّرَفَينِ، وضَربها من عادةِ المُخَبَّثين، ولولا ما فيه من التشبه لكان مثل طبل الحج والغَزْو.
وبهذه العِلَّةِ نقولُ: لو اجتَمَعَ جَمَاعَةٌ وزيَّنوا مَجلِساً، وأَحضَرُوا آلَاتِ الشُّرْبِ وأقداحَه، وصَبُّوا السَّكَنْجَبِينَ، ونَصَّبُوا ساقياً يدور عليهم فيسقيهم، فيَأْخُذُونَ من الساقي، ويَشربُونَ ويُحيّي بعضُهم بعضاً بكلماتهم المُعتادَةِ بينَهم، حَرُمَ ذلك عليهم، وإن كانَ المَشروبُ مُباحاً في نفسه؛ لأنَّ في ذلك تشبيهاً بأهلِ الفَسادِ. بل لهذا ينهى عن لُبْسِ القَبَاءِ في بلادٍ صارَ القَباءُ فيها من لباسِ أهْلِ الفَسادِ، ولا يُنهى عن ذلك فيما وراء النَّهرِ؛ لاعتيادِ أهلِ الصَّلاحِ ذلك فيهم. فلهذه المعاني حُرِّمَ المزمار العراقي والأوتار كلُّها؛ كالعُودِ والرَّبابِ والبَرْبَطِ وغيرها.
وما عدا ذلك فليس في معناها؛ كشَاهِينِ الرُّعاةِ والحَجيج، وشاهِينِ الطَّبالين، وكالطبل والقضيب، وكلّ الةِ يُستخرج منها صوتٌ مُستَطَابٌ مَوزُون - سوى ما يعتاده أهل الشرب - قياساً على أصوات الطيور وغيرها، انتهى.
و به يظهرُ عدَمُ صِحَّةِ ما نَقَلَ السَّيِّدُ عبدُ الأَوَّلِ عن خاتمةِ الجَمْعِ النَّقْشِبَندِيِّ، خواجه عُبِيدِ اللهِ السَّمَرْقَندِيّ، من أنَّ الإمامَ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المَزامير وما استعمل في مجالسِ الفُسَّاقِ، ولم يكن تارةً من حرير، يُباحُ استماعه كالشَّبابِةِ والدُّفٌ والرَّبابِ الذي يُقال له: الشَّاهِينُ.
ثم الحاصل من الكِتابِ والسُّنَّةِ وأقوال أئمة الأمة: الأُمَّةِ:
أنَّ المَزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار حرام بالإجماع، ولا اعتدادَ لِمَن خَالَفَهُم في مَقامِ النزاع.
وأنَّ الشَّبَابَةَ والقَضيبَ العِراقِيَّ مَكروه تحريماً؛ لِمَا ذَهَبَ إِلَى مَنْعِه الجُمهورُ. والدُّفُّ المُجَلْجَلُ والغِناءُ بالألحانِ المُجرَّدة أو المخلوطة بالأشعارِ المُطلَقَةِ مكروه تنزيهاً؛ لاختِلافِ العُلماء في إباحته وكراهيته.
وأما التّواجُدُ والرَّقصُ والزَّعقُ ونحو ذلك: فإنْ كانَ من غيرِ اختيار فلا حَرَجَ فيه، وإنْ كانَ عن رياء وسُمعَةٍ وإظهارِ مَشيَخَةٍ فيَحْرُمُ عليه. وأما البكاء والدموع، بل التباكي والخُشوع، فهو من أفضل أحوالِ الكُمَّل، كما أشار إليه قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ وَايْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا [الإسراء: ??? - ???].
وقد وَرَدَ: «عَينانِ لا تمسُّهُما النَّارُ أبداً، عَينٌ بكَتْ من خَشْيَةِ اللهِ، وعَينُ باتَتْ تحرسُ في سبيلِ اللهِ». رواه أبو يعلى والضّياءُ عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً.
وأما ما حكاه بعضُ الفُقَراءِ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تواجَدَ عندَ بني النَّجَّارِ حَتَّى سَقَطَ رداءه، فكَذِبٌ لا شكّ فيه، وليسَ الفُقَراءُ ممَّن يؤخَذُ عنهم الأحاديثُ النَّبويَّةُ، إلا أن يكونوا من أهلها العارفين بصحيحها من سقيمها.
وكانَ بعضُ السَّلَفِ يقولُ: ما رأيتُ الصَّالحين في شيء أكذَبَ منهم في مثلِ ذلك؛ لأنَّهم يحسنونَ الظَّنَّ بِالنَّاسِ فَيَأْخُذونَ عن كلِّ أحد، وليس عندهم من العِلمِ ما يُميزون به من الحق والباطل.
وهكذا رأينا كثيراً من العوام إذا سَمِعُوا حديثاً من آحادِ الفُقَهَاءِ، أو وَجَدُوه في أي كتاب من كُتُبِ الفُضَلاءِ، جَزَمُوا بِصِحَتِه، وعَمِلُوا بَدَلالتِه، تَحسيناً للظَّنِّ بناقليه ورواته (2)، وهذا خَطَأً فَاحِشُ فالشَّيءُ إِنَّما يُؤخَذُ من مَعادِنِه، وقد قال تعالى: {وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: ???].
وعن ابن سيرين: إنَّ هذا العِلم دِين، فانظُرُوا عمن تأخُذونَه، كما في «الشمائل».
ورُوِيَ عن مُسلمِ العَبَّادانِيٌّ قالَ: قَدِمَ علينا مَرَّةً صالِحُ المُرِّيُّ، وعُتَبَةُ الغُلامُ، وعبد الواحد بن زيد، فنزلوا على الساحل، قال: فَهَيَّاتُ لهم ذات يوم طعاماً، فَدَعَوتُهم إليه فجاؤوا، فلما وَضَعتُ الطَّعامَ بين أيديهم إذا قائِلُ يقولُ:
ويُلهيك عن دارِ الخُلودِ مَطاعِمُ ولَنَّةُ نفسٍ غَيُّها غير نافع
أي: المتصوفة.
قال: فصاحَ عُتبَةُ الغُلامُ صَيحَةً خَرَّ مَغشِيَّاً عليه، وبكى القَومُ فَرَفَعنا الطَّعامَ وما ذاقوا والله منه لقمَةٌ.
وفي «الإحياء»: أنَّه عليه السَّلامُ قُرِئَ عندَه: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُضَةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل: ?? - ??] فصَعِقَ.
وفي رواية: أنه قرأ: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: ???]، فبَكَى.
ورُوِيَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَلصَدْرِهِ أَزِيزُ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ. وأمَّا ما نُقِلَ منَ الوَجْدِ بالقُرآنِ عن الصَّحابة والتابعينَ، فعن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: أَنَّه سمِعَ رجُلاً يقرأ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعِ} [الطور: ? - ?]، فصاحَ صَيحَةً حَرَّ مَعْشِيَّاً عليه، فحُمِلَ إلى بيته فلم يَزَلْ مريضاً شهراً.
ورُوِيَ: أَنَّ زُرارَةَ بنَ أَوْفَى ـ وكانَ من التَّابعينَ - كَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ بِالرَّقِّةِ، فَقَرأَ
ليلة: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: ?]، فصَعِقَ فمات في محرابه.
وسَمِعَ الشَّافِعِيُّ قارئاً يقرأُ: هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) المرسلات: 35 - 36] فغُشِي عليه.
وسَمِعَ علي بن الفضيل قارئاً يقرأُ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:]، فَسَقَطَ مَعْشِيَّاً عليه.
وكانَ الشَّبلي في مسجده ليلة من رمضان وهو يُصلي خلف إمام له، فقراً الإمامُ وَلَيِن شِئنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86]، فَزَعَقَ الشَّبلي زَعْقَةً ظَنَّ النَّاسَ أَنَّه قد طارَتْ رُوحُه، واخضَرَّ وَجهُه، وارتَعَدَ بدَنْه، وكان يقولُ: بمثل هذا يُخاطب الأحباب، يُردِّدُ ذلك مراراً.
وقال الجُنَيدُ: دَخَلتُ على سَرِي السَّقَطِيّ فرأيتُ بينَ يَدَيْهِ رَجُلاً قد غُشِيَ عليه، فقال لي: هذا رجُلٌ قد سَمِعَ آيةً من القُرآنِ فَغُشِيَ عليه، فقلتُ: اِقرَؤُوا عليه تلك الآيةَ بعينها، فقُرِئَ فأفاق، فقالَ السَّرِيُّ: من أينَ قُلتَ هذا؟ فقلتُ: رأيتُ يعقوب عليه السَّلامُ كانَ عَماه من أجل مخلوق، فيمخلوق أبصَرَ، ولو كانَ عَماهُ من أجل الحقِّ ما أبصَرَ بمَخلوق، فاستَحْسَنُوا ذلك منه. ويُشير إلى ما قاله الجنيدُ قَولُ الشَّاعِرِ:
وكَأْسٌ شَرِبتُ على لَذَّةٍ
وأُخرَى تَدَاوَيتُ منها بها
وسَمِعَ رجل من أهلِ التَّصَوُّفِ قارئاً يقرأُ: {يَتَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة} [الفجر: ??-??]، فاستَعادَها من القاري، وقال: كم أقول لها: ارجعي، فلَيسَتْ ترجعُ، وتَوَاجَدَ وزَعَقَ زَعقَةٌ، فَخَرَجَت رُوحُه.
وسمِعَ بكرُ بنُ مُعَاذٍ قارئاً يقرأُ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ} [غافر: ??]، فاضطَرَبَ ثُمَّ صاحَ وقالَ: اِرحَمْ مَن أنذَرْتَه ولم يُقبل إليك بعد الإنذار بطاعَتِك، ثمَّ غُشِيَ عليه. وسَمِعَ إبراهيم بن أدهم أحداً يقرأ: {إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ [الانشقاق: 1]،
فاضطَرَبَتْ أوصاله حتّى كاد يرتَعِدُ.
وعن محمَّدِ بنِ صُبَيحٍ قال: كانَ رجُلٌ يغتَسِلُ فِي الفُراتِ، فَمَرَّ به رجُلٌ على الشَّط يقرأ: {وَامْتَرُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59]، فلم يزَلِ الرَّجُلُ يضطَرِبُ حتَّى غَرِقَ ومات.
وقال أبو علي المُغازِليُّ للشَّبلي: رُبَّما يطرُقُ سَمعي آيةٌ من كتابِ اللهِ فتحدوني على الإعراض عن الدُّنيا، ثمَّ أرجع إلى أحوالي وإلى النَّاسِ فلا أبقى على ذلك، فقال: ما طَرَقَ سَمعَك من القُرآنِ فاجتَذَبَكَ به إليه فذلك عَطْفٌ منه عليك، ولُطف منه إليك، وإذا رَدَّكَ إلى نفسِكَ فهو شَفَقَةٌ منه عليك؛ فإنَّه لا
يصلُحُ لك التبري عن الحَولِ والقُوَّةِ والتَّوجه إليه بوَصفِ الدَّوامِ). وقد وَرَدَ: «رَوِّحُوا القُلوبَ ساعةً وساعةً». أخرجه الدِّيلَمِيُّ من جهة أبي نُعَيمٍ، وغيره عن أنس مرفوعاً، ويَشهَدُ له ما في صحيح مسلم وغيره من حديثِ: «يا حَنْظَلَةُ، ساعة وساعة».
وأمَّا مَن كانَ القُرآنُ لا يُؤَثِّرُ فيه أصلاً، لا صَباحاً ولا مَساءً: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاء وَنِدَاءً} [البقرة: ???].
وقالَ سَهلٌ: كلُّ وَجْدٍ لا يشهَدُ له الكِتابُ والسُّنَّةُ فهو باطِلٌ؛ فلا يصلُحُ السَّماعُ لِمَن قلبه مُلوّث بعدُ بحُبِّ الدُّنيا، وشَهوةِ المَجْهَرَةِ والثَّناءِ، فالسَّماعُ مزلة قدم يجب عنه حفظ الضعفاء".
وأَمَّا مَن له قلب سليم، وسمع مُستقيم؛ فله أن يسمع الحق بالحقِّ من الحقِّ، وهذا إنَّما يكون إذا كانَ المُريدُ في مَقامِ المَزيد، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]؛ يعني: من تجاوَزَ المُجاهَدَة ووَصَلَ إلى المُشاهِدَةِ، فإنَّ المراتب ثلاثة: إسلام وإيمان وإحسان، وهو أن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تراه، فإن لم تكُنْ تَراهُ فإِنَّه يراك.
وهذا سَماعُ مَن جاوَزَ الأحوالَ والمَقاماتِ، فغَرَبَ عَن فَهِمِه مَا سِوَى اللَّهِ، حَتَّى عَزَبَ عن نفسه وأحوالها، ومُعامَلاتها وأهوالها، وكانَ كالمدهوش الغائص في بحرِ الوجود، والواقع في عَينِ الشُّهودِ الذي يُضاهي حالَ النِّسوةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي مُشاهَدَةِ جمالِ يوسُفَ حينَ بَرَزَ لَهُنَّ، حَتَّى بُهتْنَ وسَقَطَ إِحْساسُهُنَّ.
وعن مثل هذه الحالةِ تُعبِّرُ الصُّوفيَّةُ بأنَّه فَنِيَ عن نفسه، ومهما فَنِيَ عن نفسه فهو عن غيره أفنى، فكأَنَّه فَنِيَ عن كل شيء، إلا عن الواحد المشهودِ، وفَنِيَ أيضاً عن الشُّهودِ؛ فإنَّ القَلبَ إِن التَفَتَ إلى الشُّهودِ وإلى نفسه بأنَّه مُشاهَدٌ فقد غَفَلَ عن المشهود.
فالمُستَهْتِرُ بالمرئي لا التفات له في حالة استغراقه إلى رؤيته، وإلى عينه التي بها رؤيتُه، وإلى قلبه الذي به لذّته، فالسكرانُ لا خَبَرَ له من شكره، والمُتلَذُّذُ لا خَبَرَ له من التذاذه، وإنَّما خَبَرُه من المُلتَد به فقط، ومثاله العلم بالشَّيء فإنَّه مُغاير للعلم بالعلم بذلك الشَّيء، فالعالِمُ بالشَّيء مهما وَرَدَ عليه العلم بالعلم بالشَّيء كانَ مُعْرِضاً عن الشَّيء.
قال الإمامُ حُجَّةُ الإسلام ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حقٌّ المخلوقين، فتطرأُ أيضاً في حق الخالق، ولكنَّها في الغالبِ تكونُ كالبَرْقِ الخاطِفِ الذي لا يثبتُ ولا يدوم، فإن دامَ لم تُطِقه القُوَّةُ البَشريَّةُ.
فهذه دَرَجَةُ الصِّدِّيقين في الفَهْمِ والوَجْدِ، وهي أعلى الدَّرَجَاتِ؛ لأَنَّ السَّمَاعَ على الأحوالِ وهي مُمتَزِجَةٌ بصِفاتِ البَشرِيَّةِ نوع قُصورٍ، وإِنَّمَا الكَمالُ أَن يَفْنَى عن نفسه وأحواله؛ أعني: أنَّه ينساها فلا يبقى له التفات إليها، كما لم يكُن للنِّسوة التِفاتُ إلى اليد والسِّكِّينِ، ويسمَعُ بِاللهِ وللهِ وفِي اللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ.
وهذه رُتبةُ مَن خاضَ لُجَّةَ الحقائق، بعد قطع العلائق والعوائق، وعَبَرَ ساحل الأحوال والأعمال، واتَّحد بصفاءِ التَّوحيد، وتجرَّدَ بسِرِّ التَّفريد، وتحقق بمحض الإخلاص، ووَصَلَ إلى مَقامِ الاختصاص، فلم يبق فيه منه شيء أصلاً، بل خَمَدَت بالكلية بشَريَّتُه، وفَنِيَ التِفاتُه إلى صِفاتِ البَشَرِيَّةِ بِكُلِّيتِه.
ولستُ أعني بفَنائِه فَناءَ جَسَدِه، بل فناءَ قَلبِه فِي مُشاهَدَةِ رَبِّه بسر الرُّوحِ الذي هو من أمر الله بنِسبَةٍ خَفِيَّةٍ، عَرَفَها مَن عَرَفَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها، ولذلك السر وُجودٌ في مَقامِ شُهودِ وصُورَةِ ذلك الوُجودِ ما يحضُرُ فيه، فإذا حَضَرَ فيه غيره فكأَنَّه لا وُجودَ إلا للحاضِرِ.
ومثاله المرأةُ المَجلِيَّةُ إذ ليس لها لون في نفسها، بل لونها لون الحاضِرِ فيها، وإلى هذا المعنى يُشيرُ حديثُ: «المُؤْمِنُ مِرأَةُ المِؤْمِنِ»؛ أي: مَظْهَرُ المُؤْمِنِ الحقيقي عند تجلياتِه سُبحانَه بعد تصفية مرآة قلبه عن شَهَواتِه.
وكذلك الزُّجاجَةُ فإنَّها تحكي لون قزازها، ولونها لون الحاضر فيها، وليس لها في نفسها صورة، بل صُورَتها قبولُ الصُّوَرِ، وَلَونُها هو هيئة الاستبدادِ لقبول الألوان، ويُعرِبُ عن هذه الحقيقة في سر القلب بالإضافة إلى ما يحضُرُ فيه قول الشاعر:
رق الزجاج ورَفَّتِ الخَمْرُ
فتَشَابَها وتَشَاكَلَ الأَمرُ
فَكَأَنَّما خَمْرٌ ولا قَدَحُ
وَكأَنَّما قَدَحٌ ولا خَمرُ
قال الإمامُ: وهذه مُفاصةٌ من مُفاصاتِ عُلومِ المُكاشَفَةِ، نشَأَ مِنها خَيالُ مَن ادَّعَى الحُلولَ والاتحاد وقال: أنا الحَقُّ، وحَولَها يُدَنْدِنُ كلامُ النَّصَارَى فِي دَعوَى اتّحادِ اللَّاهُوتِ بالنَّاسوتِ، أو تَدَرُّعِها بها، أو حُلولِها فيها، على ما اختلفت فيه عباراتهم، وهو غَلَطٌ مَحضٌ يُضاهي غَلَطَ مَن يحكُمُ على المِرآةِ بصُورةِ الخَمرِ، إِذا ظَهَرَ فيها لونُ الحُمرَةِ من مُقابَلَتِها.
قُلتُ: ومن هنا غَلِطَ الوُجودِيَّةُ من ابنِ عَرَبِيِّ وأتباعه من جَهَلَةِ الصُّوفيَّةِ،
حيثُ أخطؤوا عن جادَةِ توحيدِ طريقة الشُّهودِيَّةِ، ولم يُفرِّقُوا بينَ المَعِيَّةِ والعينيَّةِ، كما أوضَحْتُ هذه المسألة في رسالةٍ مُستقلة.
والله سبحانه هو الهادي إلى سواء الطَّريقِ، وبيدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق، وعَنانُ التوفيق، فخَتَمَ الله لنا بالحُسنَى، وبلَّغَنَا المَقامَ الأسنى.