ضوء المعالي لبدء الأمالي
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
ضوء المعالي لبدء الأمالي
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
قصيدة بدء الأمالي
يقول العبد في بَدء الأمالي لتوحيد بنظم كاللآلي إلهُ الخَلقِ مَولانا قَديمٌ ومَوصُوفُ بأوصافِ الكَمالِ هو الحي المدبّر كل أمر هوَ الحقُّ المقدر ذو الجَلالِ مُريد الخير والشر القبيح ولكن ليسَ يَرْضَى بالمُحالِ صفات الله ليسَتْ عين ذات ولا غَيراً سواه ذا انفصالِ صفاتُ الذَّاتِ والأفعالِ طُرَّاً قديماتٌ مَصُوناتُ الزَّوالِ نسمي الله شيئاً لا كالاشيا وذاتاً عن جهاتِ الست خال وليس الاسم غيراً للمُسمَّى لدى أهل البصيرة خير آلِ وما إن جوهر ربِّي وجسم ولا كلٌّ وبعضُ ذُو اشتمال وفي الأذهان حقٌّ كونُ جُزءٍ بلا وصف التجري يا ابن خال وما القُرآنُ مَخلوقاً تَعالى كلام الرب عن جَنسِ المَقالِ وربُّ العَرشِ فوق العرش لكن بلا وَصفِ التَّمَكُنِ واتصال وما التشبيه للرَّحمنِ وَجهاً فصُنْ عَن ذاك أصناف الأهالي ولا يمضي على الديَّانِ وقت وأخوال وأزمان بحال ومُستَغنِ إلهي عن نساء وأولاد إناث أو رجال كذا عَن كلِّ ذِي عَونِ ونَصرٍ تفرَّدَ ذُو الجَلالِ وذُو المَعالِ يميت الخلق قهراً ثم يُحيي فيجزيهمْ عَلى وَفقِ الخِصالِ لأهلِ الخَيرِ جَنَّاتٌ ونُعمى وللكفَّارِ إدراكُ النَّكال ولا يَفنَى الجَحِيمُ ولا الجِنان ولا أهلُوهُما أَهلُ انتقالِ يراه المؤمنونَ بغَيرِ كيف وإدراك وضَرب من مثال فينسونَ النَّعِيمَ إِذا رَأَوهُ فيا خُسران أهل الاعتزال وما إن فعل اصْلَحُ ذو افتراض على الهادِي المُقدَّسِ ذِي التَّعالي وفرض لازم تصديقُ رُسل وأملاكِ كرام بالنَّوالِ وختم الرسل بالصَّدر المعلى ـبي هاشمي ذِي جَمالِ إمام الأنبياء بلا اختلاف وتاج الأصفياء بلا
اختلال وباقٍ شَرعُهُ في كلٌّ وَقتٍ إلى يوم القيامة وارتحال وحقٌّ أمرُ مِعراج وصدق ففيه نص أخبار عوالي ومَرجوِّ شَفاعَةُ أَهلِ خَيرٍ لأصحَابِ الكبائر كالجِبالِ وإنَّ الأنبياء لفي أمان عن العصيانِ عمداً وانعزال وما كانَتْ نبيَّاً قط أُنثى ولا عبدٌ وشَخص ذُو افْتِعالِ وذو القرنين لم يُعرف نبياً كذا لقمانُ فَاحْذَرْ عَن جِدالِ وعيسى سوف يأتي ثم يُنوِي لدجال شقي ذي خَبالِ كرامات الولي بدار دنيا لها كون فهم أهلُ النَّوالِ ولم يَفضُل ولي قط دَهراً نبياً أو رَسُولاً في انتحال وللصّدِّيقِ رُجحانٌ جَلِيٌّ على الأصحَابِ مِن غَيرِ احتمالِ وللفاروقِ رُجحان وفَضل عَلى عُثمانَ ذي النُّورَينِ عالِ وذُو النُّورَينِ حقَّاً كَانَ خَيراً من الكرار في صف القتال وللكرارِ فضل بعد هَذا على الأغيارِ طُرَّاً لا تُبالِ وللصديقةِ الرُّحجانُ فاعلَمُ عَلى الزّهراء في بعض الخِلالِ ولمْ يَلعَن يزيداً بعد موت وى المكثار في الإغراء غالِ وإيمانُ المقلد ذو اعتبار بأنواع الدلائل كالنصالِ وما عُذر لذِي عَقلِ بِجَهل لخلاق الأسافل والأعالي وما إيْمَانُ شَخص حالَ بأس بمَقبول لفقد الامتثال وما أفعال خير في حِساب من الإيمانِ مَفروض الوِصالِ ولا يُقضَى بكفر وارتداد بعَهْرٍ أو بقتل واختزال ومن ينو ارتداداً بعد دهر يَصِرْ عَن دين حق ذا انسلال ولفظ الكُفْرِ مِن غَيرِ اعتقادِ بطوع رد دين باغتفال ولا يُحكم بكفر حالَ سُكر بما يَهْدِي ويَلغُو بارتجال ومَا المَعدُومُ مَربَّيًّا وشَيئاً لفقه لاحَ في يُمْنِ الهلالِ وغَيْرانِ المكوَّنُ لا كشَيء مع التكوين خُذه لاكتحال وإنَّ السُّحْتَ رِزْقٌ مِثلُ حِلٌ وإن يكرَهُ مَقالي كلُّ قالِ وفي الأجداثِ عَن توحيد ربي سيُبْلَى كُلُّ شَخص بالسُّؤال وللكفَّارِ والفساقِ يُقضَى عَذابُ القَبرِ مِن سُوءِ الفِعالِ دخولُ النَّاسِ في الجنَّاتِ فَضلُ مِن الرّحمن يا أهل الأمالي حِسابُ النَّاس بعد
البعث حقٌّ فكونوا بالتحز عن وبال ويُعطى الكتبُ بَعضاً نحوَ يُمنَى وبعضاً نَحوُ ظَهرِ والشّمالِ وحقٌّ وَزْنُ أعمالٍ وجَري عَلى مَتنِ الصِّراطِ بلا اهتبال ومرجو شَفاعةُ أهل خيرٍ لأصْحَابِ الكبائر كالجبال وللدعوات تأثير بليغ وقد يَنفيه أصحابُ الضَّلالِ ودنيانا حَديثُ والهَيُولَى عَديمُ الكَونِ فاسمَعْ باجتِذال وللجنَّاتِ والنيران كون عليها مرُّ أحوالِ خَوَالِ رذو الإيمان لا يبقَى مُقيماً بسوء الذُّنب في دار اشتعال لقد ألبستُ للتَّوحيدِ نَظماً بديعَ الشَّكلِ كالسحرِ الحَلالِ يُسلّي القَلبَ كالبُشرى بروح ويُحيي الرُّوحَ كالماء الزلال فخُوضُوا فيه حفظاً واعتقاداً تَنالُوا جنس أصنَافِ المَنالِ وكونوا عَونَ هَذا العَبدِ دهراً بذكر الخير في حال ابتهال لعلَّ اللهَ يَعفوهُ بِفَضلٍ ويُعطِيهِ السَّعادة في المآلِ وإنَّ الحقَّ أدعُو كل وقت لمن بالخير يوماً قد دعالي وإنّي الدهر أدعُو كُنة وسعي لمن بالخير يوماً قد دعالي
***
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحَمدُ للهِ الَّذِي وَجبَ وُجود ذاتِهِ، وثَبَتَ كرمُهُ وجُودهُ وشُهودُ صِفاتِهِ، وظَهَرَ أفعاله الحميدة في صحائفِ مَصنوعاتهِ والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى زُبدة مَخلُوقاتِهِ، وعُمدة مَوجُوداتِهِ، وعَلى آله وأصحابه وأتباعه في حركاته وسكناته.
أما بعد:
فيقولُ الملتجي إلى حَرمِ رَبِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القارِي: لما شرعتُ في شرح الفقه الأكبر» للإمام الأعظَمِ والهمامِ الأقدم، كانَ في نيتي وطَوِيَّتي أنْ يَكُونَ مُختصراً بحيثُ يرتفعُ بِهِ المُبتدِي، ويقتنع بهِ المُنتهي، ثمَّ انجر الكلام إلى الكلام حتَّى خرج عنِ النَّظام المرام، فسنح ببالي وخيالي أن أضع شرحاً موجزاً على قصيدة «بدء الأمالي» ليكُونَ مُفيداً للأدَاني والأعالي، ويصيرَ مُوجِباً لترقّي حالي، وسبباً لحُسنِ مَالي، وسميته:
ضَوء المعالي لبدء الأمالي»
فأقولُ: قالَ النَّاظمُ وهُو الشَّيخُ العلامة أبو الحَسنِ سِراجُ الدِّينِ، عليُّ بنُ عُثمانَ
الأوشي سقى الله ثَرَاهُ، وطَيَّبَ مَضجَعَهُ ومَثواه:
يقول العبد في بَدْءِ الأمالي لتوح
لتوحيد بنظم كاللآل
أراد بالعبد نفسه؛ أي: عبد اللهِ، وَصَفَ نَفْسَهُ بالعُبودية اعترافاً للحقِّ بالربوبية، وتشريفاً لها بهذِهِ النِّعمةِ الجَليَّة، وتكريماً لها بهذهِ الصفة العليَّة، كما قال القائل: لا تَدْعُني إلَّا بيا عبدَها فإنَّه أشرَفُ أسمائيا والأمالي: جَمعُ الإملاء، واللآلي: جَمعُ اللُّؤلؤ، والتوحيد مُتعلّق بـ يقول، لا بـ بدء، ولا بمُقدَّر كما قيل؛ أي: لأجل توحيدٍ عَظيمِ لربِّ كَريمِ وهو إثبات الوحدانيَّةِ للذَّاتِ الصَّمَدانية، والمعنى: أقول في ابتداء أنواع الإملاء؛ لإظهار توحيدِ رَبِّ السَّماء، بمنظومٍ مُشتَملٍ عَلَى مَسالِكِ الثَّنَاءِ، كَنَظمِ اللَّآلي في الضّياءِ والصَّفاءِ.
فاعلَمْ أنَّ أدلَّةَ التَّوحيدِ مَشحون بها القُرآنُ لأهلِ العِرفانِ؛ قالَ اللهُ تَعَالَى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وقال سبحانه وتعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]. وقد جعلت كلمة التوحيدِ مُفيدة لنفي ما سواه في الألوهية، وعُدْمِ غَيرِهِ في استحقاق العبودية، مع اعترافِ جَميعِ الكُفارِ بتوحيد الربوبيَّةِ، حَيثُ قَالَ اللهُ تَعالى: {وَلَبِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وقالَ اللهُ
تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]. وزَعَمتِ المَجوسُ والثَّنويةُ أَنَّ الصَّانعَ اثنانِ؛ أحدهما خالق الخير، والآخرُ خالق الشر، وردَّ بقوله تعالى: {اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وأما قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ فمن باب الاكتفاء، أو من طريق الأدب في مقام الثَّنَاءِ، ومنه قولهُ عَليهِ السَّلامُ:
الخيرُ كلُّه بيديك والشرُّ لَيسَ إليكَ»؛ أي: لا يُنسب إليكَ الشرُّ تَعظِيماً، كما لا يُقالُ: خالقُ الكَلبِ والخِنزير؛ تكريماً، وإِلَّا لَمَا قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}
[آل عمران: 154] و قُل كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} [النساء: 78].
وقال بعضهم: أحدهما الظُّلمةُ، والآخرُ النُّورُ.
وفسَادُهُ أظهرُ مِن الشَّمس؛ لأنَّهما عَرَضانِ مُفتقِرانِ إلى مُوجِدهما؛ كما قالَ تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، فهما مجعولانِ لَهُ سُبحانهُ مسخَّرَانِ لأَمرِهِ؛ كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ايَنَيْنِ} [الإسراء: ??]، ودَليلُ التَّمانُع في قولهِ تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا المَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: ??] قطعيٌّ إِجماعي، لا ظني إقناعي كما توهم بعضُهم على ما بيناه في محلّهِ الأليقِ بهِ.
وزعم الطبائعيُّونَ أنَّ الصانع أربعة: الحرارة والبرودة والرطوبة واليوسة. وزعم الأفلاكتُونَ أَنهُ سَبعةٌ؛ زحلُ والمُشترِي والمريخ والزهرة وعُطارد والشَّمس والقمر.
وبطلانهما ظاهرُ عَقلاً ونَقلاً.
وعبدة الأصنامِ معَ أَنَّهُمْ الجُهلاء، أقرب إلى مَعرفةِ الرَّبِّ مِن هؤلاء، الَّذِين يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ الحُكماءُ، فإنَّهُمْ يَعترفُونَ بربوبيَّتِهِ سُبحانهُ وتَعالى، وإِنَّما يَعبُدونَ آلِهَة ليقر بوهم إليه تعالى، وليكُونُوا لهمْ شُفعاء لديه.
وأمَّا التَّوحيدُ الصِّرفُ الَّذِي يقولُ بهِ الوُجوديَّةُ والحُلوليَّةُ والاتحاديَّةُ مِن أَنَّ الحق هو الوجودُ المُطلق؛ فشرٌّ مِن كفرِ التَّنْوِيَّةِ.
والحاصِلُ: أَنَّ تَوحيد أهل الإيمانِ هُو تصديقٌ بالجَنانِ، وإقرار باللسانِ، عَلَى أنه تعالى واحد في ذاته، وواحدٌ في صفاته، وخالق لمَصنُوعاتِهِ، كما أشار إليهِ بقَولِهِ: إلهُ الخَلقِ مَولانا قديم وموصوف بأوصافِ الكَمالِ المراد بالإله: المَعبُودُ بالحقِّ، وبالخلقِ المخلوق، وهو ما سوى اللهِ سُبحانهُ وتعالى. والمَولى هو السيّد، والنَّاصر، والربُّ، ومُتولّي الأمرِ والقَديمُ: ما لَمْ يُسبق بالعدم، وما ثبت قدمهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ، فهو مُتضمِّنْ لنَعَتِ البقاء؛ فهو الأَوَّلُ بلا ابتداء، والآخِرُ بلا انتهاء، والظاهرُ بالصِّفات، والباطنُ بالذات.
وهو مولانا ونِعْمَ المَولى ونِعْمَ النَّصيرُ، ليسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ. وهو متصف بصفاتِ الكمال، مِن نُعوتِ الجَلالِ، وصِفاتِ الجَمالِ الذَّاتِيَّةِ والأفعاليّةِ والثَّبوتيَّةِ والسَّلبيَّةِ، فهو كما أنه موصوفٌ بأوصَافِ الكمالِ مِنزَّهُ عَن سماتِ النُّقصانِ والزَّوالِ.
ثمَّ الخَلْقُ مِن صِفاتِ الأفعالِ وهِي قَديمةٌ عِندنا، فإنهُ سُبحانهُ كانَ خالقاً قبلَ أنْ يخلُقَ الخَلقَ خِلافا للأشاعرة، فما قالَ شَارِحٌ مِن أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَم يَكُنْ خَالِقاً قبلَ أنْ يخلُقَ الخَلَقَ؛ َفقَدْ كفرَ، نشَأَ مِن جَهلِهِ بتَحقيقِ المَسأَلةِ.
قالَ اللهُ تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر: 65]، وقال: {يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِن السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5]، وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، وقال تبارك وتعالى: نَبَرَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْحَلَلِ وَالإِكرام} [الرحمن: ??]؛ أي: ذي العظمةِ والرَّحمةِ. قال أهل السُّنَّةِ: الحياةُ مِن صِفاتِ الذَّاتِ، وهِي صِفةٌ حَقيقيَّةٌ قائمة بالذَّاتِ، تقتضي صحةَ وُجودِ الصَّفاتِ مِن العلم والإرادَةِ والقُدرةِ ونَحوِها لمنْ قامَتْ بِهِ. وقالت المعتزلةُ: هِي عَدمُ امتناع العِلمِ والقُدرةِ.
ثمَّ المدبّر: هو العالم بعواقبِ الأُمورِ، و الحقُّ: هو الثَّابِتُ، وهُو مِن أسمائه سبحانه، والمقدِّرُ: مُوجدُ الأشياء عَلى قَدْرٍ مَخصوص، وقيلَ: المُوجِدُ الَّذِي يصح
منه الفعل والترك. و كل أمر مفعولُ المدبر، ومفعول المقدر محذوف تقديره: كلَّ أمرٍ، بقرينة ما تقدم، فكل شيء من خير وشر، ونفع وضر، وحلو ومر، بقضاء وقدر في الأزلِ، فلا يَتبدل ولا يتغيّر، وفيه إشارة إلى دخولِ أَفعالِ العِبادِ في مَخلُوقاتِهِ رداً عَلى المُعتزلة.
مرد الخير والشر القبيح ولكن ليسَ يَرْضَى بالمُحالِ الإرادة من صِفاتِ الذَّاتِ، تَقتضي ترجيح أحدِ الجائزَينِ مِن التَّركِ والفِعلِ بالوقوع، ويُرادِفها المشيئة.
والرّضا والمحبَّةٌ سواء، هَذَا مَذهَبُ أكثرِ أَهْلِ السَّنَّةِ.
وقالت المعتزلةُ وبَعضُ الأشاعرة: الرّضا والمحبَّةُ نَفسُ الإرادةِ والمَشيئة.
واختصَّتِ المُعتزلة بقولهمْ: إِنَّ الخيرَ مِنَ اللهِ والشَّرَّ مِن العَبدِ.
ونَقولُ: نَعَمْ، يَظهرُ مِن العَبدِ بِحَسَبِ كَسْبِهِ لَكِنْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى سُبحانهُ
فيه، فالكل منه ثمَّ القَبيح بالجرّ صفةٌ كاشفة لـ الشر، وتسميته شراً وقَبيحاً بالنسبةِ إلى تعلقه بنا وضَرره لنا، لا بالنسبة إلى صُدورهِ عَنْهُ سُبحانهُ، وهَذا أحدُ مَعاني حَديثِ: «والشرُّ ليسَ إليكَ».
ثمَّ القُبح والحُسنُ يُعرفانِ بالشَّرِعِ، وعندَ المُعتزِلَةِ بالعَقلِ.
و المحال بضم الميم: ما لا يُمكنُ في العَقلِ تَقديرُ وُجودِهِ في الخارج، وقيل: المُحالُ والمُستَحيلُ ما يقتضي ذاتُهُ عَدَمَهُ. والمُرَادُ بِهِ هُنا: ما كانَ بعِيداً عَن الصَّوابِ عندَ أُولي الألباب؛ كالكُفْرِ والمعصية، فإنهُ سُبحانهُ مُرِيدٌ لهما غَيْرُ راض بهما؛ لقولهِ تَعَالَى: {وَمَا نَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، وقوله: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: 7].
ولمَّا كانَ عِبارةُ النَّاظم: مُريد الخير والشر مظنة توهم رِضاه بهما استدرك بـ لكن. ومما يدل لاستعمالِ المحالِ عَلى غيرِ المَرضِي مِن الفِعال، قولُ مَن قال:
تعصي الإله وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ هَذا محال في الفعال بديعُ إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مُطيع لو كان حبُّكَ صادِقاً لأطعتَهُ صفات الله ليسَتْ عينَ ذاتِ ولا غَيراً سواه ذا انفصال أطلقَ النَّاظمُ صِفاتِ اللهِ فشمِلتْ صِفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعالِ، فهي ليسَ عينَ الذَّاتِ ولا غَيْرَها كما هو مذهب أهل السنَّةِ.
ومَذهب الحكماء: أَنَّ الصِّفاتِ عينُ الذَّاتِ، ومَذهَبُ المعتزلةِ أَنَّهَا غَيْرُها، كذا ذكره ابن جماعة.
والمشهورُ عَن المُعتزلة نفي الصِّفاتِ بالكلّيةِ، حَيثُ زَعَمُوا أَنَّ صِفاتِهِ عَينُ ذاته، بمعنى أنَّ ذاته تسمَّى باعتبار التعلُّق بالمعلوماتِ عالِماً، وبالمقدَّرات قادِراً .. إلى غَيْرِ ذلكَ، نَظراً إلى أنَّ في إثباتها إبطالاً للتَّوحيد؛ للزومِ تعدُّدِ القدماء. والضمير في سواهُ عائد إلى الذَّاتِ، وذُكرَ مُراعاة للأدب وتنزيهاً للرب، و سواه بدلٌ مِن غير للتأكيد.
وقوله: ذا انفصال مُشير إلى أنَّ المُرادَ بالغَيريَّةِ: الغَيريَّةُ الاصطلاحِيَّةُ؛ وهُوَ الَّذِي يُمكن انفصاله عَن الذَّاتِ، لا الغَيريَّةُ اللُّغويَّةُ؛ لظهورِ التَّغَايرِ بينَ الذَّاتِ والصِّفاتِ، أَمَّا كونُها لَيستْ عينَ الذَّاتِ فلأنَّ الصِّفةَ لَيستْ عينَ المَوصُوفِ، وأَمَّا أَنَّهَا ليسَتْ غَيْرَها؛ لأنَّ صفاتِهِ تَعالى لا تنفكُ عَن ذاتِهِ أزلاً وأبداً، بخلافِ صِفاتِ مخلوقاته.
صفاتُ الذَّاتِ والأفعالِ طُرَّاً قديماتٌ مَصُوناتُ الزَّوالِ اعلَمْ أَنَّ صِفاتِ الذَّاتِ ما يلزمُ مِن نفيهِ نَقيصَةٌ، وصِفاتِ الأَفْعالِ: ما لا يَلزمُ مِن نَفيهِ نَقيصةُ، والفَرقُ بينَ الذَّاتِ والصَّفةِ: أنَّ الذاتَ كُلُّ ما يُمكنُ أَنْ يُتصوَّرَ بالاستقلال، بخِلافِ الصِّفةِ فإنَّها كُلُّ ما لا يُمكِنُ تصورهُ إِلَّا تَبعاً.
هذا عند الأشعرية أن ما يلزم من نفيه نقيصة فهو من صفات الذات كما في نفي الحياة والعلم، وما لا يلزم من نفيه نقيصة فهو من صفات الفعل كالإحياء والإماتة والخلق والرزق، فعلى هذا الحد الإرادة والكلام من صفات الذات؛ استلزام نفي الإرادة الجبر والاضطرار، ونفي الكلام الخرس والسكوت. وقال غيرهم صفات الذات هي ما لا يجوز أن يوصف الذات بضدها كالقدرة والعزة وصفات الفعل هي ما يجوز أن يوصف الذات بضدها كالرحمة والغضب، وعند المعتزلة: أن ما يثبت ولا يجوز نفيه فهو من صفات الذات كالعلم، وكذا في سائر صفات الذات، وما يثبت وينفى فهو من صفات الفعل كالخلق والإرادة والرزق.
والتحقيقُ: أَنَّ مَن قالَ: الصَّفاتُ غيرُ الذَّاتِ، نَظَرَ إِلى أَنَّ الصِّفةَ قائمة بالذات، وتقدُّمُ الذَّاتِ مِن الضَّروريَّاتِ ومَن قال: الصفات عين الذاتِ، نَظَرَ إلى أنَّ الذاتَ غَيرُ مُنفكَةٍ عَن الصَّفاتِ. ومَن قالَ: لا عَينُ ولا غير نظر إلى أنَّها لو كانتْ عَيناً لكانتْ ذاتاً، ولو كانت غيراً لزِمَ التركيب، وهُو مِن المحالات، والله أعلم بحقيقة الحالات، والعجزُ عَن دَركِ الإدراك إدراك. ثمَّ صِفاتُ الذَّاتِ الحياةُ والعِلمُ والقُدرة والإرادة والكلام - قديمة بالإجماع، وأمَّا الفعليَّةُ وهي التكوين المعبّر عنهُ بخَلقِ الأشياء، ورزق الأحياء، والإبداع والإنشاء، والإحياء والإفناء والإنباتِ والإنْماء، وأمثالِ ذَلكَ، ففي كونها قديمةً نزاع، فمَذهب أئمتنا الحنفيَّةِ أَنَّها قَديمةٌ، ومذهب الأشاعِرةِ أَنَّها حادثةٌ، وقيلَ: المُنازعةُ في القضيَّةِ لَفظيَّةٌ لا حقيقيَّة.
وقوله: طراً بضم الطاء وتشديد الرَّاءِ؛ أي: كافَّةً، ونَصبهُ عَلى الحالِ مِن الضَّمِيرِ المُستكن في قديمات.
ومعنى مصوناتُ الزَّوالِ؛ أي: مَحفوظاتٌ مِن الزَّوالِ عَنِ الذَّاتِ المَوصُوفِ بها، أو مِن الزَّوالِ بمعنى الفَناءِ والعَدمِ، إذ ما ثَبَتَ قِدمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ جميعَ صِفاتِهِ صَمَديَّةٌ أزليَّةٌ أبديَّةٌ.
نسمي الله شيئاً لا كالاشيا وذاتاً عَن جهاتِ الست خالِ نسمي صيغة متكلّم معلوم، لا غائبِ مجهول كما في بعض النسخ؛ إذ يردُّهُ نصب قوله: وذاتاً.
والأشياء معرَّفةٌ، ويستقيمُ الوزنُ بنقل حركة الهمزة، وفي نسخة: كأشياء منكرةً، وفي أُخرى: كشيء وهو ليس بشيء.
والمعنى: نحن معشر أهل السنَّةِ نسمّي اللَّهَ شَيئاً، إلَّا أنه ليس كسائر الأشياء ذاتاً وصفةً، بناءً على أنَّ الشيء بمعنى المَوجُودِ فهو أولى بإطلاقه عَليهِ؛ لأنه سُبحانهُ واجب الوجودِ، وغيره ممكن أو ممتَنعُ الشُّهود. ومما يدلُّ عَلى جَوازِ إطلاقهِ عَليهِ قَولُهُ سُبحانهُ: وَقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19].
وأما إذا قيلَ: الشَّيء مصدرُ شَاءَ؛ فإنْ أُريدَ بهِ معنَى الفَاعليَّةِ وهُو المُريديَّةُ، فيَجوزُ إطلاقهُ عَلَى اللهِ كما سبق، وإنْ أُريدَ بهِ مَعنَى المَفْعُولية فلا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [البقرة: 284]. وفي المسألة خِلافُ الجَهْميَّةِ حيثُ قالُوا: إنهُ سُبحانهُ لا يوصف بأنه شيء، ولا بكل ما يشاركه المخلوقُ في إطلاقه.
ثمَّ قوله: وذاتاً؛ أي: ونسميه ذاتاً لا كسَائِرِ الذَّواتِ؛ كما أشار إليهِ بقَولِهِ: عَن جهات الست خال؛ لأنَّ حَقيقتهُ تَعالى مُخالفةٌ لسَائِرِ الحَقائقِ والذَّواتِ، كما أنَّ صفته مُخالفة لسائرِ الصِّفاتِ والدَّليلُ عَلى جواز إطلاقِ الذَّاتِ عَليهِ بعد الإجماع قوله عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تتفكَّروا في ذاتِ اللهِ».
ثم اعلم أنَّ ما وردَ الشَّرعُ بإطلاقهِ عَلى اللَّهِ سُبحانهُ إِنْ كَانَ مُشتركاً بَيْنَهُ وبينَ غَيْرِهِ وَجبَ عندَ إطلاقه نفي المُماثلة فيه كالشَّيء والذَّاتِ؛ بخلاف ما لم يَرِدِ الشَّرعُ بإطلاقه، فلا يُقالُ: جسم لا كالأجسام، مثلاً، خلافاً للكراميَّة في تجويز هم ذلك، والجهات الستُ: فوق وتحت، ويمين ويسار، وأمام وخلف.
وقوله: عَن جهاتِ الست متعلق بـ خال وهو خبر مُبتدأ مُقدَّرٍ، والجُملةُ صِفةُ ذاتاً، وفيهِ ردُّ عَلى المُعتزلةِ والقَدرِيَّةِ أَنَّ اللهَ تَعالى في كلِّ مَكَانٍ، وعلى المشبهةِ والكَرَّاميَّةِ أنهُ عَلى العَرشِ، سبحانه وتعالى وهُو ربُّ العَرشِ العظيم؛ أي: خالقُهُ وحامله، فإنه قيُّومُ العُلويَّاتِ والسُّفَلَيَّاتِ.
وليس الاسم غيراً للمُسمَّى لدى أهل البصيرة خيرِ آلِ إثبات همزة الاسم لحن ولو ضَرورةً، كما صرحوا في قوله: كلُّ سر جاوز الاثنين شاعَ والبصيرة: نور في القَلبِ يُدرك به الأشياء، والمُرادُ بأهلها: أهل السنَّةِ، و خير بالجر صفة أو بدل، ويَجوزُ رَفعهُ ونَصبه.
والمعنى: ليس الاسم غير المُسمَّى عند أهل السنَّةِ، بَلْ هُو عَينُهُ؛ كما قالهُ شارحونَ 1، فلو قال: وإنَّ الاسم عين للمُسمَّى لكانَ أَظهَرَ وأسمى.
ثمَّ المسألةُ اختلف فيها على مذاهب:
أحدها: أنَّ الاسم عين المسمَّى والتسمية، وهو بعيد جداً.
وثانيها: أنه غَيرُهما، وهو المنقولُ عَن الجَهميَّةِ والكَرَّاميَّةِ والمُعتزلة، وقال العزّ بنُ جَماعةٍ: وهو الحقُّ، ولعلَّهُ نَظَرَ إلى ظهورِ الفَرْقِ في الاستعمالات
اللغوية والعرفية.
وثالثها: أنه عين المسمَّى وغَيْرُ التّسمية، وهو المصَحَّحُ، ودَليلُهُ قولهُ سُبحانُهُ وتعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أَي: ذاتَهُ.
قال ابن جماعة: وكانَ عينُ التَّحقيقِ مِن مَشايخي يقول: عجبتُ مِن العُقلاء كيفَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ المَسأَلةِ.
قلت: وقد نبَّة الإمام الرازي والآمدي عَلى أَنه لا يَظْهرُ فِي هَذِهِ المَسأَلِةِ ما يصلُحُ مَحَلاً لنزاع العُلماء، وقد أوضح العلامة البيضاوي في أَوَّلِ «تفسيرهِ» هَذا المَعنَى، وقد سبقه حجَّةُ الإسلام في «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنَى».
وما إن جوهر ربِّي وجسم ولا كلّ وبعضُ ذُو اشتمال ما هنا نافية، وكذا إنْ، وهي زائدةٌ لتأكيدِ النَّفي؛ كَقَولهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ مَكَتَهُمْ فِيمَا إِن مَّكَنَّكُمْ فِيهِ} [الأحقاف: 26].
والجوهر: هو الجزء المتحيّز الذي لا يتجزأ، والجسم: هو المتحيز المركَّبُ من جزأينِ فصاعداً، وهو يقبلُ القِسمةَ.
والكلُّ: اسمٌ لجُملة مركَّبَةٍ عَن جُزأينِ فَأَكثَرَ مِن أجزاءٍ مَحصُورةِ.
والبَعضُ: اسمٌ لجزء يتركَّبُ الكلُّ منهُ ومِن غَيرِهِ.
فأشار المصنِّفُ في هَذا البَيتِ إلى بعض الصفاتِ السَّلبَيَّةِ، وهُو أَنَّ اللَّهَ تعالى ليس بجوهرٍ ولا جسم، ولا كل، ولا بعض مشتمل بالكل؛ أي: داخل فيه، أو ليس بمُشتمل بمَكانٍ ولا زَمانِ ولا بشَيءٍ مِن المكوَّناتِ بحال؛ إذ المذكورات عَلى واجِبِ الوُجودِ مُحالٌ؛ لحدوثها وافتقارها إلى باريها.
وفي الأذهان حق كونُ جُزءٍ بلا وصف التجزي يا ابن خالِ الأذهان: جمعُ ذهن، وهو الفِطنة، والمُرَادُ بِهِ هُنا: العقل.
والحقُ: الثَّابت، والكونُ: الوجود.
اعلَمْ أَنَّ هَذا البَيتَ في بعض المُتونِ المُصححةِ مُوجُودٌ هُنا، وفي بَعضِها متأخُرُ عَن هَذا المحل، ومَضمُونَهُ مُستفادٌ مِن سابقه.
والحاصل: أنَّ المُتكلّمينَ مِن أهلِ السُّنةِ والجَمَاعَةِ ذَهَبُوا إلى إِثْبَاتِ وجودِ الجُزء الَّذِي لا يتجزأ في الخارج، وإن لم ير عادةً إلا بانضمامه إلى غيره، وعبروا عنه بالنقطة، وقالوا: إنَّها شيءٌ ذُو وضعِ غَيْرِ مُنقَسِمٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُستقلَّةً بذاتها فهو الجزء، وإلَّا كانَ محلُّها غيرَ مُنقسم، وإِلَّا لِزِمَ انقسام الحالِ بانقسامه فيلزم الجزء، وذَهَبَ الفلاسفة وبعض المعتزلة إلى امتناع وُجودِ الجُزءِ الَّذِي لا تجزأ، وهَذا مِن جُملةِ الفَوائدِ، وليسَ مِن ضَروريَّاتِ العَقائدِ.
وما القُرآنُ مَخلوقاً تَعالى كلام الرب عن جَنسِ المَقالِ ما هنا بمعنى: ليسَ والقُرآنُ يُطلقُ ويُرادُ بِهِ القِراءةُ، ويُراد به المُصحَفُ، ويُراد به المقروء، وهو المُراد هنا، فإنهُ الكَلامُ النَّفسي القائم بذاتِهِ سبحانه وتعالى.
و كلام الربِّ فاعلُ تَعالى؛ أي: تَعَظَّمَ وتَقَدَّسَ كلامُ الحَقِّ عَنْ أنْ يكُونَ مِن جِنس مقولِ الخَلقِ ـ وهو الحُروفُ والأَصْواتُ الَّتِي هِي مَخلوقةٌ - ليَكونَ مَخلُوقاً.
وفي الكلام إشارة إلى أنه يُقالُ: كلامُ اللهِ غير مخلوق، ولا يُقالُ القُرآنُ غير مخلوق؛ لئلا يسبِقَ إلى الفهم أنَّ المؤلَّفَ مِن الأصواتِ والحُروفِ قديم كما نُقلَ عَن بعض الحنابلة. واتَّفَقَ المُسلمونَ عَلى إطلاق لفظ المتكلّم عَلَى اللهِ تَعَالَى، لكنَّهُمْ اختلفوا في معناه؛ فذَهَبَ أهل الحقِّ إلى أنَّ كلامه تَعالى معنى قائم بذاته ليسَ بصوتٍ ولا حَرفٍ، ثمَّ اختلفَ هؤلاءِ؛ فذهَبَ الحنابلةُ مِنهُمْ عَلى ما نُقل عنهُمْ إلى أنهما قديمةٌ قائمةٌ بذاتِهِ تَعالى، وذهبَ المُعتزلة إلى أنهما حادثةٌ قائمةٌ بغَيْرِ ذاتِهِ تَعالى، وذهبَ الكَرَّامِيَّةُ إلى أنهما حادثةٌ قائمة بذاتِ اللهِ تَعالى.
ودليل أهل الحقِّ أنَّ الحرفَ والصَّوتَ مَخلوقانِ، وكلامُ اللهِ تَعالى غَيْرُ مَخلوق؛ لامتناع قيام الحوادثِ بذاتِهِ تَعالى، إذ هُو مِن أماراتِ الحُدوثِ؛ نعَمُ القُرآنُ مَقروء بألسنتنا، محفوظ في صُدورِنا، مكتوبٌ في مصاحفنا، كما نَقولُ: اللَّهُ مَذكورٌ بِالسِنَتِنا، مَعبودٌ في مَساجِدِنا، مَسجودٌ في مَحارِبنا، غيرُ حالٌ فينا ولا فيها.
قال العزُّ بنُ جَمَاعَةٍ: رُوِّينا بالسَّندِ عَن الرَّبيع عَن أحمدَ: أَنَّ رَجُلاً سألهُ: أَصلَّي خَلفَ مَن يشرب الخمرَ؟ فقال: لا، فقال: أصلي خلفَ مَن يَقولُ: إِنَّ القُرآنَ مَخلُوق؟ فقالَ: سُبحانَ اللهِ! أنهاكَ عَن مُسلمٍ وتَسألني عَن كافِرٍ ?؟!
وربُّ العَرشِ فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال ربُّ العَرشُ؛ أي: خَالِقُهُ ومالكه، والإضافةُ للتَّشْرِيفِ ك: ربُّ البَيتِ، وربُّ جبريل، وهو أعظَمُ المَخلُوقاتِ، ومحيطٌ بالمَوجُوداتِ، وقد قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
ومَذهب الخلَفِ جَوازُ تأويل الاستواء بالاستيلاء، ومُختارُ السَّلفِ عدمُ التّأويل، بل اعتقادُ التَّنزيل معَ وصفِ التَّنزيهِ لهُ سُبحانهُ عمَّا يُوجِبُ التّشبية، وتفويض الأمر إلى الله وعلمه في الماد به، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب. واختاره إمامنا الأعظم، وكذا كلُّ ما ورد من الآياتِ والأحاديثِ المُتشابهات؛
مِن ذكرِ اليدِ والعَينِ والوَجهِ، ونحوها مِن الصِّفاتِ.
ومنه لفظ فوق في قولهِ تَعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: ??]، وفي قوله سبحانه وتعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، فلا يُؤولونه بالعظمة والرفعة كما قالَ بهِ الخَلَفُ.
ولما عبر النَّاظمُ بالفوقية، وغيَّرَ العِبارة القرآنية لضرورةِ النَّظم، استدركه بقوله: لكِنْ بلا وَصفِ التَّمَكِّنِ واتِّصالِ؛ أي: بلا وَصفِ الاستقرار، ولا نَعتِ الاتصال؛ لأنَّ كليهما في حقٌّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ المُحالِ.
وفيه رد على الكراميةِ والمُجسّمة في إثباتِ الجِهَةِ؛ فإِنَّ الكَرَّامِيَّةَ يُثبتونَ جِهةَ العلوِّ من غير استقرار على العرش، والمُجسّمةَ وهمُ الحَشوية يصرحونَ بالاستقرارِ عَلى العَرشِ لظاهر الآية، ولا حجّة فيها؛ لأنَّ الاستواء له معانٍ كالاستيلاء؛ ومنه قولُ الشَّاعِرِ:
قد استوى بشرٌ عَلى العِراقِ من غير سيف ودم مهراق وكالتّمامِ والكَمالِ، وَمِنْهُ قَولهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: 14].
وكالاستقرار، ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي} [هود: 44].
فإن قيل: فما الفائدة حينئذٍ فِي نُزولِ المُتشابهاتِ؟
أجيبَ: بأن فائدتَهُ: إظهارُ عَجزِ الخَلقِ َوقُصورِ فَهَمِهمْ عَن كلامِ رَبِّهِمْ، وتعبدهم بإيمانهم؛ فيقولُ الرَّاسخون في العِلم منهمْ: ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا [آل عمران: 7]، فالتفويض إلى الله والاعتقادُ بحَقيقةِ مُرادِ اللَّهِ مِن غَيرِ أَنْ يُعرفَ مُرادِهُ كمالُ العُبودية في العبد، ولهذا اختاره السَّلفُ، والتعرُّضُ إلى تفسير المُتشابهات وتأويلها ـ كما اختاره الخلف غير جازمينَ عَلى أَنه مُراده سبحانه ـ عبادة في العَبدِ إِلَّا أَنَّ العُبودية أقوى من العِبادة؛ لأنَّ العُبوديَّةَ هِي الرِّضاءُ بما يفعلُ الربُّ، والعبادة فعل ما يرضى بهِ الربُّ، والرّضاءُ فوقَ العمل، حتَّى كَانَ تركُ الرّضاءِ كُفراً، وترك العملِ فِسقاً، وكذلك تسقط العبادة في الآخرة، والعبودية لا تسقط في الدارين، وبهذا تبيَّنَ أَنَّ مَذهَبَ السَّلفِ أسلم وأعلَمُ و أَحكَمُ. وما التشبيه للرَّحمنِ وَجها فصُنْ عَن ذاك أصناف الأهالي ما نافية بمعنى: ليس، وخَبْرُها وجهاً، والصّونُ: الحِفظُ، والأهالي: جَمعُ أهل، والمُرادُ بهم أهلُ السُّنةِ والجَماعةِ؛ أي: ليسَ التَّشبيه لهُ سُبحانهُ طَرِيقاً مُستَحسَناً عن ذلك الاعتقادِ الفاسد أهلَ العِلمِ الَّذِي لا يَروجُ عندَهمُ الأمر الكاسِد، وكُنْ بوَصفِ التَّنزيه بينَ التَّعطيلِ والتَّشبيه؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ??]، فإنَّ الجُملة الأولى تردُّ عَلى المُشبِّهِةِ فِي الذَّاتِ، والجُملةُ الثَّانيةُ تردُّ عَلى المُعطّلِةِ النَّافِيةِ للصَّفاتِ.
وذكر ابنُ جَماعَةَ أَنَّ الرَّحمن اسم مختص باللهِ تَعالى، لا يُستعمل في غيره، ثم قال: فإنْ قُلتَ: قدْ أُطلِقَ في قولِ بنِي حنيفة على مسيلمة: رحمانُ اليمامة، وقول شاعرهم:
وأَنتَ غيثُ الوَرى لَا زِلتَ رَحمانا
قلتُ: المُختصُّ المُعرَّفُ بالألفِ واللَّامِ دونَ غيرهِ، وأَمَّا جوابُ الزَّمخشري
بأنهُ مِن بَابِ تَعتُهمْ، فَغَيْرُ مُستقيم.
ولا يمضي على الديَّانِ وقت وأخوال وأزمان بحال الديَّانُ: المُجازِي، مأخوذ مِن الدِّينِ بمعنى الجَزاء، ومنه قولهُ تَعَالَى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ وحَديثُ: «كما تَدينُ تُدانُ»، وهو من أسمائه سبحانه كما رواه البخاري في باب قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23].
والوقتُ والزَّمانُ بمعنى واحد، ولعلَّهُ أراد بالوَقتِ: المعيَّنَ، وبالأزمانِ: الأزمنةَ
المختلفة، والحال صفةٌ غيرُ راسخةٍ.
والمعنى: لا يجرِي عَليهِ سُبحانهُ ولا يُقارنهُ وَقتُ بِحَيثُ لا يُمكنُ انفكاكه عنه؛ فإنهُ تَعالى منزَّهُ عَنْ أنْ يمضِي عَليهِ وقت أو حال، لأنَّ الزَّمَانَ والمَكَانَ والحالَ والشَّأَنَ مَخلُوقةٌ للهِ تَعالى، فتَمضِي عَلى المَخلُوقينَ لا على خالقهم؛ لئَلَّا يَلْزَمَ قبولُ الحوادثِ والتغيُّر، فإنَّ كلاهُما مِن أماراتِ الحُدوثِ، وقد ثبتَ قِدَمُهُ سُبحانهُ.
وقوله: بحال؛ أي: في حالٍ مِن أحوالِ الإِنسَانِ وغيره من ذوي الأحوال؛ لئلا يلزم التناقض في كلامِ النَّاظمِ في هَذا المقال.
وقالَ ابنُ جماعةٍ: ليسَ سُبحانهُ بزماني؛ لئَلَّا يَلْزِمَ أَنْ يَكُونَ حَالَّا فِي الحَوادِثِ.
والحاصل: أنه سُبحانهُ وتَعالى خلق الأمكنة والأزمنة والأحوالَ المُختلفة،
وكانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيءٌ، فالآنَ عَلى ما كانَ، وَلَو جُعَلَ هَذا البَيْتُ بعدَ قَولِهِ:
وذاتاً عَن جِهاتِ الست خالِ
لكان أنسب في الجَمعِ بينَ نفيِ الزَّمانِ والمَكانِ.
هَذا، وفي المواقفِ»: أنَّ الربَّ تَعالى لو كان في جهةٍ ومكان لزمَ قِدمُ المكان، وقد برهنا أنْ لا قديم سوى الله تعالى، وعَليهِ الاتفاق.
ومُستَغنِ إلهي عَن نِساءِ وأولاد إناث أو رجال أرادَ بالنِّساءِ الزَّوجات ونَحوَها مِن المَمْلُوكات، وقوله: إناث بالجر بدلٌ مِن أَوْلادِ بدلَ البَعضِ مِن الكلِّ والمُرادُ بِهِ التَّفصيلُ عَلى قصدِ التكميل، وإِلَّا فالولد يَشملُ الذَّكَرَ والأُنثَى لغةً وشرعاً؛ قالَ اللهُ تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا [الجن: 3] يعني: الزوجة وما يتولَّدُ مِنها، وقالَ اللهُ تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4].
وفيه تنبيه على أنهُ أحَدِيُّ الذَّاتِ، واحديُّ الصِّفاتِ، مُستَعْنِ عَن
الكائنات، ومرجعهم في قضاء الحاجاتِ، لم يَحدُثْ عَن شيءٍ ولم يحدث عنه شيء، والمعنى: ليس بحادِثِ، ولا بمحل حادث، فليس له والد ولا والدة ولا ولد، ولا شَبيهَ لهُ مِن ولد ولا من صاحبةٍ ولا من غيرِهما.
وفي البيتِ ردُّ عَلى النَّصَارَى في زَعمِهِمُ الزَّوجيَّةَ فِي مَريم، والابنيَّةَ في عيسى، وعَلى كفَّارِ مكَّةَ في قولهم: الملائكةُ بَناتُ اللهِ.
وقد قال سبحانه وتعالى ردّاً عَلى الأَوَّلِينَ حيثُ قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةِ إلى أنْ قالَ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعام} [المائدة: 74 - 75]؛ أي: يحتاجان إلى أكلهما، بلْ يَفتقِرانِ إلى خُروج فَضلِهما، فيبولانِ ويَغوطانِ؛ فكَيفَ يَصلحانِ للأُلُوهِيَّةِ؟!
وقال الله في الآخَرينَ: {وَجَعَلُوا الْمَلَمكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِننَّا أَشْهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف: 19]، وقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَنَةٌ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} الآياتِ [النحل: 57].
ولا بدَّ مِن تقديرِ مُضافٍ في البَيتِ ليَستَقِيمَ معنَى الكلام؛ أي: ومُستغن إلهي عَن أَتَّخاذ نساء، إذْ لا يلزمُ مِن الاستغناءِ عَن الشَّيء التَّنزيهُ عنهُ؛ فلو قالَ: وقل ربي المنزَّهُ عَن نساء، لكانَ أَحسَنَ بناءً.
گـذا عن كلَّ ذِي عَونٍ ونَصر تفرَّدَ ذُو الجَلالِ وذُو المَعالِ العونُ هُنا بمعنى الإعانة، والنَّصْرُ بمَعنَى النُّصرة والإغَاثَةِ عُطَفَ عَليهِ، ويُقالُ: تفرَّدَ بالأمر، إذا قَامَ بِهِ مِن غَيْرِ مُشارِكِ لَهُ فِيهِ.
والمعنى: أنَّ اللهَ تَعالى كما هُو منزَّهُ عَن النِّساءِ والأولاد، منزّه عن المُعين والناصر من العبادِ في البلاد؛ فإنَّ الله تعالى غني عن العالمين، وقد قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذُ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكُ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيُّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا له [الإسراء: 111].
قال العزُّ بنُ الجماعةِ: وهذا البيتُ مَسوقٌ للردَّ عَلَى النَّصارى والتَّنْوِيَّةِ والوثنية، انتهى.
وأرادَ بالوثنيَّةِ عَبدة الأوثان، والثَّنويَّةِ: المَجُوسَ القائلينَ بِالهَينِ اثْنَيْنِ، وقالَ اللهُ
تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ فَإِنَّى فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]. وأطلقَ التفرُّدَ ليَسْمَلَ معَ التفرُّدِ عما ذكر التفرُّدَ بِالأَحَدِيَّةِ الَّتِي هِي صِفةٌ ذاتِيَّة، وبالواحديَّةِ الَّتِي هِي صِفةٌ فِعليَّةٌ، كما أشارَ إلَيهِما بالوَصفين وهما: ذُو الجَلالِ وذُو المَعالي؛ كما قالَ اللهُ تعالى: {نَبَرَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكرام} [الرحمن: ??]؛ أي: ذي العظمة والهيبة، والإنْعامِ والرَّحمةِ، فهو سُبحانهُ مَوصُوفٌ بِنُعوتِ الكَمالِ الشَّامِلِ لأوصافِ الجَلالِ والجَمالِ.
يُميتُ الخلق قهراً ثم يُحيي فيجزيهمْ عَلَى وَفقِ الخِصالِ نَصبَ قهراً عَلى التَّمييز؛ أي: يُميتُ المَخلُوقاتِ مِن جِهَةِ الجَلالِيَّةِ، ثُمَّ يُحييهم بتجلّي الجَماليَّةِ. فسُبحانَ مَن قهرَ العِبادَ بالمَوتِ كما قالَ اللهُ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ} [آل عمران: 185] و: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ} [الرحمن: 26] و: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??] إلَّا ما استثناه كالحور العين وغيرِهنَّ عند بعض أهلِ السُّنَّةِ كأبي حنيفة ومَن تَبعه.
وفي بعض النسخ: طُرَّاً بدلَ: قهراً فهو حال؛ أي: جَميعاً عِندَ النَّفْخِةِ الأُولى، ثمَّ يُحييهم جميعاً عندَ النَّفخة الثانية، وما بينهما أربعونَ يَوم، يَقولُ اللهُ سُبحانهُ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ويُجيبُ بذاتهِ: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]. وفي البيت دلالةٌ عَلى البَعثِ للحَشرِ والنَّشْرِ، والجَزاء بالأعمال على حسب الأحوال؛ لقولهِ تَعالى: {يَوْمَيذِ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانَا لِيُرَوْا أَعْمَلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: 6 - 8]، فلأهلِ الجنَّةِ درجات، ولأهلِ النَّارِ دَركات.
والمراد من الخلق هنا: الحيوانات، لا الجماداتُ والنَّباتات، فإنَّ اللهَ يبعث من في القبور، ومن في أجواف الوحوش وحواصلِ الطُّيُورِ، بأن يجمَعَ أجزاءهم الأصلية بعد إعادةِ ما فَني مِنها بالكلية بعينها، ويجمع أجزاءها ويُعيد الأرواح إليها بالنفخة الثانية، وهذا هو البَعثُ والنَّشْرُ، ثُمَّ يَسوقهم إلى الموقِفِ، وهَذا هو الحَشر، وقد قالَ تَعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16]، وقال تعالى: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]. وعن ابن عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما: النَّاسُ مَجزِيُّونَ بأعمالهمْ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وإِنْ شراً فشر.
فالجزاء عام لكلِّ مُكافأة، فإنهُ يُستَعمل تارةً في مَعنَى المُعاقَبَةِ، وأُخرَى فيمَعنَى الإثابة.
ويَجزِي بفتح الياء، ومنه قوله تعالى: {وَجَزَيْهُم بِمَا صَبَرُوا} [الإنسان: ??]. وذَهَبَ بعضُ الكرامية إلى إثباتِ الإعادَةِ بِمَعنَى جمع ما تفرَّقَ مِن الأعضاء والأجزاء، لا بمَعنَى إعادة ما عُدمَ مِن الأشياء، ونقله العلامة ابنُ جماعة عن بعض أهل السنة.
قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ.
وأنكرَتِ الفلاسفة حشر الأجسادِ مُطلَقاً، وزَعَمُوا أَنَّ الحَسْرَ إِنَّما يَكُونُ
للأرواحِ دُونَ الأشباح، وهو باطل بالنُّصوص القُرآنيَّةِ وبالقواطع الفُرقانيَّةِ،
وببَيانِ الأحادِيثِ النَّبوية.
وأنكَرَ كثير من المعتزلة حشرَ مَن لا خِطابَ عَليهِمْ؛ وَهُو مَردُودٌ بما وَرَدَ من أنَّ اللهَ يُحيي الحيوانات للاقتصاص إظهاراً لكَمالِ العَدلِ، فيقتَصُّ للشاةِ الجماءِ مِن القرناء، ثم يقول لهنَّ: كوني تُراباً، فيصرنَ تُراباً، وحينئذ يقول الكافِرُ: لَيْتَنِي كُنتُ تُرَبَا} [النبأ: 40].
لأهلِ الخَيرِ جَنَّاتٌ ونُعمى وللكفَّارِ إدراك النَّكال
هَذا بيان لتفصيل الأحوالِ مِمَّا سبقَ مِن قَولِهِ:
عَلى طَريقِ الإجمال.
فيجزيهمْ عَلَى وِفقِ الخِصال
ونعمى بضم النُّونِ، والقصر لغةٌ في النعمة بالكسر. والإدراك بالكسر: اللحوق والاتصال.
والنَّكالُ بفَتح النُّونِ: العُقوبةُ والوَبَالُ، وفي نُسخةٍ: أدراك بفتح الهمزة،
فهو جمعُ دَرَك بفتحتَينِ.
أو بفتح وسُكونٍ طَبَقةٌ مِن طَبَقاتِ النَّارِ، وَمِنْهُ قَولَهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
والمعنى: للأبرار جنَّاتٌ ودَرجاتٌ مِن النِّعمةِ والقُربةِ بمقتضى فضْلِهِ، وللكفَّارِ
طبقاتٌ ودَركاتٌ مِن الحُرقةِ والفُرقة بمُوجَبِ عَدلهِ، ولا يجِبُ على اللهِ تَعالى شيء
من إثابة المُطيع وعُقوبةِ العاصِي، خلافاً للمعتزلة.
ثم ذهب أهل الحقِّ أنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقانِ الآنَ خِلافا للمعتزلة ومَن تبعهم من أهل البدعةِ؛ قال الله تعالى في حق الجنَّةِ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وفي حقُّ النَّارِ: أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ} [آل عمران: 131] وفي بعض نُسخ المُتونِ هُنا بَيت زائد وهو قوله:
ولا يفنى الجحيم ولا الجنان ولا أهلُوهُما أهل انتقال الجنانُ بكَسرِ الجِيمِ جَمعُ الجِنَّةِ، والمعنَى: أَنَّ الجِنَّةَ والنَّارِ وَأَهْلَهُما يَبقَونَ بوَصفِ التّخليدِ والتَّأبيد كما نطقَ بهِ الكِتابُ والسنَّةُ، خلافاً للجَهميَّةِ ومَن تَبِعَهُمْ مِن أهل البدعة، حيثُ يَقُولُونَ بِفَنَائِهِما وفَناءِ أَهْلِهما.
يراه المُؤمنونَ بغَير كيف وإدراك وضرب من مثال الضمير البارز في يراه يرجع إلى اللهِ سُبحانهُ الدال عَليهِ لفظُ مُستغنِ إلهي؛ أي: يراه المؤمِنونَ الأبْرارُ دُونَ الكفَّارِ فإِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَومَئِذٍ لمحجُوبونَ، رُؤيةً بِغَيْرِ كَيفيَّةٍ ولا إدْراكِ إحاطة.
فلا ينافي قولَهُ تَعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ} [الأنعام: 103]، ولا بنوع من مِثالِ صُورةٍ وهَيئةٍ؛ قالَ اللهُ تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَيذِ نَاضِرَةٌ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَة [القيامة: 22 - 23].
وقالَ عَليهِ السَّلامُ: ستَرونَ رَبَّكُمْ كما تَرونَ القَمرَ ليلةَ البَدرِ لا تُضامُّونَ»
وفي رواية: «لا تُضارُّونَ، والمعنى: لا تشكون في رؤيته تعالى، كما لا تشكون في رُؤيةِ القَمَرِ حَالَ البَدرِ.
وقال الله تعالى: {وَلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وفسَّرَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ تَعالى عَليهِ وسلَّمَ الحُسنَى بالجنَّةِ، والزيادةَ بِالرُّؤية. رزقنا الله هذه النعمة.
وفي حَديثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما عَند الترمذي وغيره في أهل الجنَّةِ: وأكرمُهُمْ عَلَى اللهِ مَن يَنظُرُ إِلى وَجهِهِ غُدوةً وعَشِيَّاً».
قيل: ويَحصُلُ الرُّؤيةُ بأنْ ينكشف انكشافاً تاماً مُنَزَّهاً عَن المُقابلة والمكانِ والجهة والصُّورِ.
ثمَّ وُقوعُ الرُّؤيةِ لمُؤمِني هَذِهِ الأُمَّةِ بإجماع أهلِ السُّنة، وفي الأُممِ السَّالفة
احتمالان لابن أبي جمرة، وقال: الأظهر مُساواتُهمْ لهذهِ الأُمَّةِ فِي الرُّؤيةِ. وفي «آكام المرجانِ» نقلا عن «القواعدِ الصُّغرى» لابنِ عَبدِ السَّلامِ ما يقتضي أنَّ الرُّؤية خاصة للبشر، وأنَّ الملائكة والجنَّ لا يرونه، وبسط الكَلامَ في ذلك، ومن أرادَهُ فليراجع هنالك.
وفي شرح جمعِ الجَوامِعِ لابنِ جَمَاعَةَ نَحوُهُ. والمَنقُولُ عَن الإبانة في أُصولِ الدِّيانة» لإمام أهل السنة والجماعة
الشيخ أبي الحسن الأشعري: أنَّ الملائكة يرونه، وتابعهُ عَلَى ذَلكَ البيهقي في كِتابِ الرُّؤيةِ» له.
وممَّنْ قالَ بذَلكَ مِن المُتأخرين الحافظ العلامة ابن القيم، ثمَّ الجَلالُ ابن البلقيني، كما نقله عنهما شيخُنا الحافِظُ الجَلالُ السُّيوطي، ثم قال: وهوَ الأرجح بلا شك، انتهى.
ضعفه.
ومقتضى ما نقلهُ عَن البلقيني الميل إلى حُصولِ الرُّؤية لمؤمِني الجنِّ أَيضَاً.
ثمَّ في حقٌّ النِّساءِ أقوال حكاها ابن كثير في أواخر «تاريخه:
الأول: أنهنَّ لا يَرين لأنهنَّ مَقْصُورَاتُ فِي الْحَيَامِ} [الرحمن: 72]، ولا يَحْفَى
والثاني: أنَّهنَّ يَرينَ، أَخْذا من عُمومات الصوص الواردة في الرؤية،
وهو الظَّاهرُ بلا مِرية.
والثَّالثُ أَنَّهنَّ يرينَ فِي مِثلِ أَيَّامِ الأعيادِ في الدُّنيا عند تجليه لأهل الجنَّةِ تجلياً عاماً في الأيام المذكورة، كما في حديث رواه الدارقطني في كتاب الرؤية.
ثمَّ مَذهب أهلِ السنَّةِ أَنَّهُ تَعالى يَرى ويُرى في الدَّارِ الأُخرى، ومَذهب أبي الهذيل العلاف أنه تعالى لا يرى ولا يُرى، ويردُّهُ قولُهُ تَعالى: {أَلَ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يرى} العلق: 14] وقوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ [الأنعام: 103].
ومذهبُ المُعتزلة أنهُ تَعالى يَرى ولا يُرى، وقد سبق ما يردُّه.
وذكر ابن جماعة أنه قال بعضُ أشياخي: أفحَشُ ما للمعتزلة مَسأَلتان:
هَذهِ، وقِدَمُ العَالمِ.
قلتُ: فِي نِسبةِ الثَّانِيَةِ إِلَيهِمْ تَساهل.
أقولُ: ولعلَّ وَجهَ الأفحَشيَّة: أنَّ المُعتزليَّ ولو دَخلَ الجنَّةَ يَكُونُ مَحرُوماً من الرؤية.
وقالت النجاريةُ: الرُّؤية حقٌّ ولكِنْ بِالقَلبِ.
وقالتِ الكَرَّامِيَّةُ: يُرى الله في الآخِرة جسماً. تَعَالَى اللَّهُ عَن ذَلكَ علَوًّا كَبِيراً. فيَنسونَ النَّعيم إذا رأوهفيا خُسران أهل الاعتزال المُنادى محذُوفٌ، ونُصبَ خُسرانَ بفعل مقدَّرٍ، تَقدِيره: فيا قومِ احْذَرُو بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَمِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةِ بِالْجَوْهَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى تِلْكَ الْمَنَابِرِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ الْغُرَفِ مِنْ غُرَفِهِمْ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى تِلْكَ الْكُثْبَانِ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعَدِي، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي ... ». ولعل الشاهد فيه عموم قوله: «ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ الْغُرَفِ مِنْ غُرَفِهِمْ».
خُسرانَ المُعتزلة في تحقيق ربح هَذِهِ المَسأَلةِ، كَقَولِ الشَّاطِبي رَحمهُ اللهُ:
فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا
وكما في التنزيل على قراءة الكسائي: اليَسْجُدُوا " بتخفيف اللام على أنه للتنبيه، و اسجدوا صيغة أمر، والمُنادَى محذوفٌ؛ أي: يا قَومِ. وأَمَّا قَولُ الشَّارِحِ القُدسي: إِنَّ قوله خُسرانُ مُبتدأَ سُوِّعَ الابتداءُ بِهِ لَكَونِهِ
موصوفاً تقديراً، تَقدِيره: خُسرانٌ عَظيمٌ، فَغَيرُ مُستقيم عندَ ذِي فَهم قويم. وأشار المصنِّفُ إلى أنَّ سائر أنواع النَّعيمِ في جَنبِ لقاء الله الكريم كخَر دلة بالنسبة إلى الكنز العظيم، وقد روى هشامُ بنِ حَمَّانٍ عَن الحَسَنِ أَنْهُ قالَ: إِنَّ الله عزّ وجلَّ ليتَجلَّى لأهلِ الجنَّةِ فإذا رأوه نسُوا نَعيم الجنَّةِ.
وفي البَيتِ إشارة إلى حِرمانِ المُعتزلةِ عَن نِعمةِ الرُّؤية ولو دخلوا الجنَّةَ، وذلك بسبب إنكارهم، جزاءً وفاقاً لإصرارهم، وللحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي وذلك هو الخُسرانُ المُبينُ.
وما إن فعل اصْلَحُ ذو افتراض على الهادِي المُقدَّسِ ذِي التَّعالي ما نافية، وكذا إنْ، وجَمعَ بينهما تأكيداً، ويتَّزَنُ البَيتُ بنقل حَركةِ همزة
أصلحَ إلى ما قبلَهُ مِن تَنوينِ فِعْلٌ المرفوع على أَنَّهُ اسم ما وأصلحُ صِفته. وقوله: ذا افتراض بالنَّصبِ خبرُ ما عَلَى اللُّغةِ الفُصحى ?؛ كَقَولِهِ تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا} [يوسف: ??] وقوله تعالى: {مَا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ} [المجادلة: 2] وفي أكثر النسخ: ذو افتراض بالرفع، فيُحمل على اللغة الأخرى. والحاصِلُ: أَنَّ مَذهَبَ أهلِ السَّنَّةِ أَنَّ الأصلَحَ للعَبدِ ليسَ بواجِبِ عَلَى اللهِ تَعالى، وجُمهور المُعتزلةِ عَلى أنهُ واجِبُ، وذهبَ بعضُهم إلى وُجوبِ رِعايَةِ المَصلحةِ لا وجوب الأصلح.
ورُدَّ كلامهمْ أَوَّلاً: بأنَّ الألوهية تُنافي الوُجوبَ المُختص بالعبودية، ولا يُسأل عمَّا يَفعلُ.
وثانياً: بأنَّ الأصلح بحَسبِ الظَّاهِرِ أنْ يهدِيَ الخَلَقَ جَميعاً، وقد قالَ سُبحانهُ وتَعالى: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} [النحل: 93] معَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ هَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9] فما أرادَ باختِلافِ العِبادِ إِلَّا إِظهار عدلهِ وإِيْثَارَ فَضلِهِ، وأيضاً قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَا [آل عمران: 178] مع أنَّ الإملاء لزيادة الإثم ليسَ بصَلاحٍ عِندَ العُقلاء، ففيهِ الحجَّةُ البالغةُ والحِكَمُ السَّابقة.
وفي تخصيص ذكرِ الهادِي إيماء إلى أنه لو كانَ وُجودُ الأصلحِ أو المَصلحةِ واجباً عليه سبحانه لما كانَ لهُ منةٌ عَلى العِبادِ في هِدايَتِهِمْ إِلى طَرِيقِ المُرادِ، النَّافِعِ لهمْ المبدأ والمَعادِ، فقد قالَ تَعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: 17] وذلك لأنَّ مَن أدَّى حقاً واجِباً عَليهِ لا مِنْةَ لَهُ عَلَى المُؤدَّى إِلَيهِ، وهَذا القَولُ يُبطل الحَمدَ والشُّكَرَ معَ أَنَّهما ثابتانِ لَهُ سُبحانهُ.
ثمَّ هِدايتُهُ تَعالى تارةً يُرادُ بها خَلقُ الاهتِداءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56]، وتارةً يُراد بها مجرَّدُ البَيانِ والدَّلالةِ؛ ومنه قولهُ تَعالى: {وَأَمَا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ} [فصلت: ??]، وقولُه تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
والمُعتَمَدُ عند أهل السنّةِ أَنَّها الدّلالةُ المُطلَقةُ إلى البغيةِ سَواءٌ حَصلتْ أم لا
تحصل، وعندَ المُعتزِلَةِ هِي الدِّلالةُ المُوصِلة إلى البغيةِ.
ثم في قوله: المقدَّسِ ذي التَّعالي إشارة إلى تَنزِيهِهِ تَعَالَى عَن وُجوبِ شَيءٍ عَليهِ، أو نِسبةِ عَدمِ حِكمةٍ إليه.
وفرض لازم تصديق رُسل وأملاك كرام بالوال
بالنُّونِ، وفي بعض النسخ بالتَّاءِ، وسيأتي بيانهما.
فاعلَمْ أَنَّ قوله: فرضٌ لازِمٌ خَبرٌ مُقدَّم لقوله: تَصديقُ رسل، وُصفالفَرضُ باللُّزومِ الدِّلالِةِ عَلَى أَنهُ فَرضُ عَينِ لا فَرضُ كِفاية، أو إلى أنهُ قَطعيٌّ لا ظني. والرُّسل: جمعُ رَسولِ، والمُرادُ بهم الأنبياءُ جَميعُهُمْ إِذ فرضٌ عَلينا الإيمانُ
بهم، وتصديقهم في أخبَارِهِمْ.
ولعل الناظِمَ ذَهَبَ إلى أنَّ النبيَّ والرَّسُولَ مُترادِفانِ كما قالَ بَعضُهُمْ، واختاره
بعدها في النسخ: بسكونِ السِّينِ لغةً، واختاره ضرورةً»، وقد رأيت جعلها في الحواشي لئلا يفصل
ابنُ الهُمام، لكنَّهُ مُخالِفٌ لما عَليهِ جُمهورُ العُلماءِ الأعلامِ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ أَخصُّ مِن النَّبِيِّ؛ لأنهُ إِنسَانُ أُوحِي إليهِ سَواءٌ أُمَرَ بِتَبليغهِ أمْ لا، والرَّسُولُ مَأْمورٌ بِالتَّبليغ. والأملاك: جمعُ مَلَكَ؛ كأجمالٍ وجَمل، وهُو عَطفٌ عَلى رُسل، ويجب الإيمان بوجودهم، وأَنَّهُمْ عِباد مكرمونَ لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، ولا يُوصفون بذكورة ولا أُنوثة، وحقيقتهم أجسام لطيفةٌ نُورانيَّةٌ قادِرةٌ على التشكُلِ بصورٍ مُختلفة وقوية على أفعال شاقة.
ثمَّ الأظهرُ أنَّ الكِرامَ صفةٌ للملائكة، وهو لا يُنافي كَونَ الرُّسل مكرَّمينَ أيضاً، إلَّا أنَّ الملائكَةَ وُصفوا بهذا الوَصفِ في الكِتابِ العَزيزِ دُونَ الأَنبِياءِ والرُّسُلِ. وقوله: بالنَّوالِ متعلّق بالكِرامِ، وهُو بفتحِ النُّونِ بِمَعنى العَطاءِ والنَّصِيبِ عَلَى
ما في «القاموس، والمعنى: أنَّهم مكرَّمونَ بأنواعِ العَطاءِ وأَصنَافِ الجَزاء. وأما قولُ بعض الشرَّاحِ مِن أنَّ قوله: بالتّوالِ متعلّق بِمَحذُوفٍ تَقدِيرهُ: جاؤوا بالتوالي، وعَليهِ فيَجِبُ الإيمانُ بإرسالِ الرُّسلِ مُتوالين: أي: متتابعين = فَبَعيدٌ مِن جهة الإعْرابِ، وكذا غَرِيبٌ مِن جِهَةِ المَعْنَى عَلَى وَجهِ الصَّواب.
وبيانه: أنه يقتضي حينئذ أنْ لا فترة بينَ الرُّسل، وهُو مُخالف لقولهِ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} [المائدة: 19] وقوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَترا} [المؤمنون: 44]؛ أي: واحِداً بعد واحد، وقولهِ تَعَالَى: {وَقَفَيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: ??]، وكذا يقتضي عَدمَ إرسالِ نبيَّين، وهُو مُنتَفٍ بِنَحْوِ مُوسَى وهَارُونَ، وبإبراهِيمَ ولوطٍ، عَليهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
فالظَّاهِرُ أَنَّ التَّوالِ تصحيفُ النَّوالِ، وعَلى تقديرِ صحتِهِ يَنبَغِي أَنْ يُقالَ: إِنَّهُ متعلق بقوله: فرض ومعناه: بالتَّواتِرِ القَطعي نقلهُ إِلَينا مِن الكِتابِ والسنَّةِ وإجماع الأُمةِ.
ولا يبعد أنْ يَكُونَ نَعتاً للملائكة، والمَعنَى: كائنينَ بالتَّوالي والتتابع؛ لمُحافظة العباد، وكتابة ما يقعُ مِنهم فيما يتعلَّق بالمعاد.
ثم اعلم أنَّ الله تعالى لما خلق الجنَّةَ لأوليائه والنَّارَ لأَعْدائِهِ، وليس في عُقولِ النَّاسِ إمكانُ مَعرفة ما يجِبُ عَليهِمْ عِلماً وعملاً إِلَّا بِتَعْليمِهِ سُبحانهُ كَرماً وفضلاً، ولا مُناسبة بين ما خُلقَ مِن التُّرابِ ورَبِّ الأَرْبابِ فاقتضت حكمتُهُ أنْ يُرسل رُسلاً مبشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لتَحقيقِ السُّبُلِ؛ لئلا يَكُونَ للنَّاسِ عَلَى اللهِ حجَّةٌ بعدَ الرُّسل، فيكونون وسائط بينَ الحقِّ والخَلقِ، وَأَنَّهُمْ يَستفيضونَ الأَنْوارَ مِن اللهِ سُبحانهُ بواسطةِ المَلائكَةِ الرُّوحَانيينَ المُقَرَّبِينَ؛ لغَلبةِ النُّورانيَّةِ والرُّوحانيَّةِ عَلى الرُّسل والأنبياء المؤيدين بالأسرارِ الصَّمدانيَّة بالنسبة إلى سائر الأفرادِ الإنسانية.
ثمَّ المُعتَقدُ المُعْتَمَدُ أنَّ خواص البَشر أفضَلُ مِن خواص الملائكة، وفي المسألة خِلافُ المُعتزِلَةِ وبعض أهلِ السُّنةِ.
وختم الرسل بالصدر المعلى نبي هاشمي ذِي جَمالِ ختمُ الرُّسل مُبتدأً خَبرهُ قَولُهُ: بالصَّدِرِ، وهو العُصْرُ المَعْرُوفِ مِن البَدنِ، و المعلَّى بتشديدِ اللَّامِ المَفتوحة صفةٌ لهُ، وَمَعْناهُ: المُرتَفِعُ الشَّأْنِ عَلَى البرهان.
و نبيء وما بعده يَجوزُ فِيهِ الجِرُّ بَدلاً وعَطفَ بيانٍ، والرَّفعُ عَلَى أَنهُ خبرُ مُبتدأ محذوف، كذا قرره الشرَّاحُ ويَجوزُ نَصبه بتقدير: أعني، وفي بعض النسخ: ذُو جمال بالواو فيتعيَّنُ رَفعهُ: إِمَّا عَلى ما سبق، وإِمَّا عَلَى أَنَّ نبيء هُو الخبرُ. وقوله: بالصَّدرِ ظرف؛ أي: في المَقامِ الأعلى والمَرامِ الأعلى.
ثم النَّبيء مهموز باعتبار أصله، وقد قرأ نافع به، والجمهور أبدلوا الهمزياءً وأدغموهُ في مِثلِهِ، وهُو فَعيل بمعنى المُخبِرِ أو المخبَرِ، فَإِنَّ كَلَّا مِنْهُما صادق عليه.
وقيلَ: إِنَّهُ بالتَّشْدِيدِ فعيل مَأخوذُ مِن النَّبوة بمعنى الرّفعة، فأصلهُ: نَبِيو، فَأُبدلَ الواو ياء وأدغِمَ في مِثلِهِ.
والهاشمي نسبةً إلى هاشم جد أبيهِ، خُصَّ بِهِ لأَنَّ قَبيلتهُ أَفضَلُ قبائل قُرِيشٍ، وأما كونه ذا جمالٍ لأنه نبيُّ الرَّحمةِ؛ كما قالَ تَعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] وقالَ تَعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159].
والحاصل أنهُ كانَ مَوصوفاً بنُعوتِ الكَمالِ مِن نعتَي الجَلالِ والجَمالِ حَيثُ كَانَ مَظْهَراً اللهِ سُبحانهُ، إِلَّا أَنَّ نعتَ الجَمالِ كانَ غالباً عليهِ تخلُّقاً بأخلاقِ اللهِ، حَيثُ وردَ في الحَديثِ القُدسي: «سبقتْ رَحمتِي غَضَبِي» 1، وكذا كانَ حال إبراهِيمَ عَليهِ السَّلامُ حيثُ قالَ تَعالى: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36]، وكذا حالُ عِيسَى عَليهِ السَّلامُ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
بخلاف حالِ نُوحٍ وَمُوسَى عَليهما السّلامُ حيثُ حالُ الجَلالِيَّةِ غَالبةٌ عَليهِما؛ ولذا قالَ: نوح: {رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] وقالَ مُوسَى: رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ??]. والعلماء ورثة الأنبياء، ولذا قالَ الصِّدِّيقُ الأكبرُ لمَّا كَانَ مَظهَرَ الجَمَالِ حِينَ المُشاورة يومَ بدرٍ: هُم إخوانك وأقاربك فاقبل منهم الفداء، وقال الفارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُم أئمَّةُ الكُفْرِ؛ اقتلهم ولا تترك واحِداً مِنهمْ، فمالَ عَليهِ السَّلامُ مِن جُملة الآمال إلى ما ظَهَرَ مِن آثارِ الجَمالِ.
والحاصل: أنهُ عَليهِ السَّلامُ خاتم الأنبياء والرسلِ الكِرامِ؛ لقوله تعالى: {وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ} [الأحزاب: 40]، ولحَديثِ مُسلم: «وخُتِمُ بِي النَّبِيُّونَ»، ولحَديثِ: «لا نبي بعدِي» فأوَّلُ الرُّسل والأنبياءِ آدمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فيجِبُ الإِيمَانُ
بجَميعِهِمْ مِن غَيرِ تعيين لعددهم، وإنْ وَردَ في مسند أحمدَ: أَنَّ الأنبياء مثةُ ألفٍ
وأربعةٌ وعُشرونَ أَلفَ نبي، والرُّسُلُ منهمْ ثَلاثُ مئةٍ وثَلاثةَ عَشَر إمام الأنبياء بلا اختلاف وتاج الأصفياء بلا اختلال اعلَمْ أَنَّ البشر ثلاثة أقسام: كامل مكمل وهم الأنبياء، وكامل غيرُ مكمل وهم
الأولياء، ولا ولا وهُم مَن عداهُمْ.
فالأصفياء: جمعُ صفيّ، وهُم الصَّافُونَ عَن الكُدورَاتِ النَّفْسِيَّةِ، والمَوصُوفونَ
بالحالاتِ القُدسِيَّةِ والمَقاماتِ الأُنسيَّة.
وفي البيت إشارة إلى ما وقع له عَليهِ التحيَّةُ والثَّناء، من إمامته الأنبياء عَليهِمُ السَّلامُ في المسجد الأقصى أو في السَّماء.
ولا يَبعُد أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهِ أَنَّهُ مقدَّمُ الأنبياء في العُقبى حالَ نشرِ اللُّواءِ؛ لَقَولِهِ عَليهِ السَّلام: «ما مِن نبيٍّ يَومَئِذٍ آدم فمَن سِواهُ إِلَّا تحت لوائي يومَ القِيامَةِ ولا فَحْرَ» رواه الترمذي.
وفي رواية لهُ: «أنا أكرَمُ الأوَّلين والآخِرينَ عَلَى اللهِ ولا فخرَ». وأمَّا قولُ الشَّارح القدسي: معناه: أن نبينا صلى الله عليه وسلم مقتدى الأنبياء بلا اختلافٍ في ذَلكَ بينَ الأئمةِ = فلَيسَ في محلّهِ كما لا يَحْفَى عَلَى أَهْلِهِ.
ولكون التاج أشرف أنواع الحليّ وأظهرها - لشَرفِ محَلِّهِ وظُهورِه لأهلِهِ - خص بذكرِه.
ولعل اختيار الأصفياء على الأولياء؛ ليعم العُلماء والشُّهداء وسائر الأتقياء. وباقٍ شَرعُهُ في كل وقت إلى يوم القيامة وارتحال يشير إلى أن شريعتهُ ناسِخةٌ غَيْرُ مَنسُوخة إلى يوم القيامة، وارتحال النَّاسِ مِن العاجلة إلى الآجلة، وهذا لأنه خاتَمُ الأنبياء، ولا نبيَّ بعدَهُ لِيُنسخَ شَرعهُ بِشَرعِ ذلكَ النبي إذ لا نسخ إلا بوحي إلى نبي.
وقوله: في كلِّ وقتِ ردُّ لما يُنسب إلى الجَهميَّةِ مِن انتهاء شَرِيعَتِهِ - أو شيء منها ـ بنزُولِ عِيسَى عليه السَّلامُ؛ لِمَا ورد في «الصَّحيحَين» وغيرِهما: أنَّ عِيسَى عَليهِ السَّلامُ يضَعُ الجزية، ومعناه كما قال المحققون: أنه يبطل تقرير الكفَّارِ بالجزية، فلا يُقبل منهم لرفعِ السَّيفِ عَنهم إلَّا الإسلامُ لا غير. والجواب: أنَّ نبينا قد بَيَّنَ أنَّ التَّقرير بالجزية ينتهي وَقتُ شَرعيَّته بنُزولِ عيسَى عَليهِ السَّلامُ، وأنَّ الحُكمَ في شَرعِنا بعدَ نُزولِهِ عَدمُ التَّقريرِ بها، فعَملُهُ في وغيرِهِ بشَريعَتِنا لا بغَيرها، كما نصَّ عَلى ذلكَ العُلماء كالخَطابي في «معالم السننِ»، والنووي في «شَرحِ مُسلم، ووَردتْ فيهِ أحادِيثُ ثابتةٌ مِن غَيْرِ نِزاعٍ، وانعقدَ عَليهِ الإجماع.
ذلكَ
فالحقُّ أَنَّ عِيسَى عَليهِ السَّلامُ عندَ نُزوله يتابع نبينا؛ لأَنَّ شَرِيعَته قد تُسخَتْ بشريعته، فلا يكون له بعد نزوله وحي بنصب حكم شرعي، بل يكون خَليفَةً رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعلى ملته؛ كما رواه أحمد والطبراني والبزَّارُ مِن حَديثِ
سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَرفُوعاً.
وإِنَّما قُلنا: بنَصبِ حُكم شرعيّ؛ لأنه قد يُوحَى إِلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلكَ مما لا حُكمَ فيه؛ كما ورد في آخرِ صَحيحِ مُسلم في حَديثِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وفيه: «فبينما هو كذَلكَ إذ أوحى الله إلى عِيسَى عَليهِ السَّلامُ إِنِّي قد أخرجتُ عِباداً لي لا يَدَانِ لأحدٍ بقتالهم، فحرّزُ عِبادي إلى الطُّورِ» الحديث.
وحن أمر مراج وصدق ففيه نص أخبار عوالي حق خيرٌ مقدم على مبتدئه وهُو أمرُ معراج. وصِدقُ عَطَفٌ عَلَى حق؛ أي ثابت أمره وصادقٌ خَبِرُهُ، ومُطابق وقوعه.
و فيه بالإشباع لغةً وقراءة لا ضرورة، وضميره راجع إلى أمر المعراج، و أخبار: جَمعُ خَبرٍ، و عَوالٍ: جَمعُ عالٍ صِفتهِ، ويَجُوزُ جمعُ فاعل على فواعل في بعض مسائل؛ منها: أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، كذا قال شارح. ولا يَبعُدُ أَنْ يَكُونَ جمعَ عالية.
والمعني بها أحادِيثُ مُسْتَهِرَةٌ كَادَتْ أَنْ تَكُونَ مُتواتِرةً:
أما الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فتُبُوتُهُ بالكِتابِ، ولذا يَكفُرُ مُنْكِره
وأمَّا المِعراج إلى السَّماءِ فقَدْ قَالُوا: إِنَّ مُنكِرِهُ مُبتدِعٌ لا كافر.
وأطلَقَ النَّاظمُ أَمَرَ المِعراج ليشمله يقظةً ومَناما، والصَّحِيحُ أنهُ كَانَ يَقَظَةٌ ببَدنه وروحه لا بمُجرَّدِ رُوحِهِ، مَعَ أنهُ عُرجَ بِهِ مرَّاتٍ مُتعدّدةً، وبهذا يُجمَعُ بينَ روايات مختلفة.
قالَ ابنُ جماعةَ: المذاهب الممكنة في المسألة خمسة:
إثباتهما؛ أي: إثباتُ الرُّوحاني والجسماني؛ وهُو مَذهب أهلِ السُّنةِ.
وإنكارهما، يعني بهِ: مذهَبَ المُعتزِلَةِ.
وإثبات الجسماني فقط، وفيهِ: أَنه غَرِيبٌ وعَجِيبٌ.
وإثباتُ الرُّوحاني فقط؛ أي: يقظةً أو مَناماً، وقد قالَ بِهِ بَعضُهُمْ.
والوقف؛ أي: عَن كَيفيَّتِهِ مَعَ اعْتِقادِ حَقيقتِهِ.
وفي بعض الشروح» زادَ هُنا بيتاً، وهو قوله:
ومَرجو شَفاعة أهل خير لأصحَابِ الكبائر كالجبال والمراد بأهلِ الخَيْرِ الأَنْبياءُ؛ لقولهِ عَليهِ السَّلامُ: «شَفاعتِي لأهل الكبائر من أُمَّتي».
وإنَّ الأنبياء لفي أمان عنِ العصيان عمداً وانْعزال العصيان: مُخالفة الأمر قصداً، بخلاف الزلَّةِ فَإِنَّهُ مُخالفة الأمرِ سَهواً، فالأنبياءُ عَليهِمُ السَّلامُ مَعصُومونَ عَن أنواع الكُفْرِ مُطلَقاً قَبلَ البعثةِ وبَعدَها بالإجماع، وكذا عن سائرِ الكَبائرِ عَمداً باتِّفاقِ العُلماءِ المُعتبَرين، ومحله
بعد البعثة كما يُشيرُ إليه تعبيره بالأنبياء، وأمَّا سَهواً فَجُوزَ وُقوعُها مِنهُمْ عِندَ الأكثرين كما في شرح العقائدِ». وأمَّا الصَّغائر فما كانَ مِنها دالاً عَلى الخسَّةِ كسَرقةٍ لُقمةٍ، فلا خِلافَ في عصمتهم منهُ مُطلَقاً، وما لا يدلُّ عَلى ذَلكَ فالمُختارُ الجُمهور أهلِ السُّنةِ عِصمَتُهمْ عَن عَمْدِهِ، وأَمَّا سَهُوهُ فنَقلَ ابنُ جماعةَ أنَّ المعصية ضدُّ الطَّاعَةِ، وأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعصُومُونَ عَن الكَبائِرِ والصَّغائرِ، عَمداً وسَهواً، خلافاً للحنفيَّةِ في سهوِ الصَّغائر، انتهى. وهو مُخالِفٌ لِمَا حَكَى التَّفتازاني فيه الاتفاق.
وأما قولُ الشَّارحِ القُدسي: لعلَّ مُرادَهُ اتَّفَاقُ الحَنفية، فغَيْرُ صَحِيحِ؛ لِمَا بيَّنَهُ في شَرح العقائدِ أَنَّهُ أرادَ بهِ الإجماع، ولعلَّ مُراده إجماعُ المُتقدمين أو جمهورهم، فلا يُنافيه المنقولُ عَن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأبي الفتح الشهرستاني، والقَاضِي عِياض: أَنَّهُم مَعصُومونَ عَن الكَبَائِرِ والصَّغَائِرِ عَمداً أو سهواً، واختاره الشبكي.
وا يبعد أن يُقالَ: المُراد بالاتفاقِ هُو التَّجويز، ومَورِدُ الاختلافِ الوُقوع، والله أعلَمُ.
هَذا ويُقالُ في الأنبياء: مَعصُومون، وفي الأَوْلياءِ: مَحفُوظُونَ؛ لَفَرِقِ دَقيق بينهما لَيسَ هُنا محلّ بَسطه.
ثمَّ قوله: وانعزال عَطَفٌ عَلى قَولهِ: العصيانِ، والمَعْنَى: إِنَّ الأنبياء لفي أمانٍ مِن العَزلِ عَن مرتبةِ النبوَّةِ والرِّسالة، وحكَى شَارِحُ «الطوالع» فيه إجماع الأئمة، وهذا بخلافِ حالِ الأولياء، فإنه قد تُسلبُ مِنهم
الوِلايةُ كما يُسلَبُ الإيمانُ مِن المُؤمِنِ فِي الخَاتِمَةِ نَسأَلُ اللهَ العافِيةَ. ويؤيده أنه سُئل الجنيدُ: هَل يزنِي العَارِفُ باللَّهِ؟ فقالَ: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرا
مقدُورًا} [الأحزاب: 38].
لكِنْ ذكَرَ بَعضهمْ أَنَّ مَن رَجَعَ إِنَّما رجع مِن الطَّريقِ، لا مَن وَصَلَ إلى الفَرِيقِ، كما قال شيخُ مَشايخنا أبو الحَسنِ البكري: الإيمانُ إِذا دَخلَ القَلبَ أَمِنَ السَّلبَ، ويُشيرُ إِلَيهِ قَولهُ تَعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنَ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256].
ويؤيدُهُ حَديثُ هِرقل: وكذلك الإيمانُ حِينَ تخلط بشَاشته القُلوبَ لا يَسخَطُ أبداً» رواه البخاري. وما كانت نبيا قط أُنثى ولا عبد وشَخص ذُو افتعال
أي: ذو فعل قبيح، وأرادَ بالافتِعالِ السِّحَرَ والكَذِبِ؛ كما تُؤذِّنُ بِهِ الصَّيغَةُ. قال ابنُ جَماعةَ: مَذهبُ أهلِ التَّحقيقِ أَنَّ الذَّكوريَّةَ شَرط للنُّبوة، خلافاً للأشعري ثمَّ القُرطبي.
ومن شرائطهِ أيضاً: الحرية لأنَّ الرّقيَّة أثرُ الكُفْرِ، وعَدمُ الكَذِبِ لعَدمِ
الوثوق بقوله
ثم قال: وقع الاختلاف في وقوع نبرة أربع نسوة: مريم وآسية وسارة وهاجر، وزادَ العلامة المُتقنُ السِّراجُ ابن الملقن في «شَرحِهِ لعُمدة الأحكامِ» حواءَ وأَمَّ مُوسَى عَليهِ السَّلامُ
ثم مما يُؤكدُ شَرط الحرِّيةِ أنَّ الرِّقيَّةَ وصفُ نقص، ويستنكِفُ النَّاس لها أنْ يَقتدوا به.
وذو القرنين لم يُعرف نبياً كذا لقمانُ فَاحْذَرْ عَن جِدالِ أي: مجادلة إلا بالتي هي أحسن، وهُو أن ظاهر الأدلَّةِ يُشير إلى نفي النبوة عن الأنثى، وعَن ذِي القرنين ولقمانَ ونَحوِهما كتبع، فإنهُ عَليهِ السَّلامُ قَالَ: «لا أدرِي أَنه نبيٌّ أَمْ مَلِكٌ»، وكالخَضرِ فإنهُ قيلَ: نبي، وقيل: ولي، وقيل: رسول، على ما في «التمهيد»، فلا ينبغي لأحد أن يقطع بنفي أو إثبات، فإنَّ اعتقاد نبوَّة من ليس بنبي كفر؛ كاعتقادِ نفي نبوة نبي من الأنبياء.
قال ابنُ جَماعة: اختلف في نبوة الإسكندر؛ فقيل: ليس بنبي بل ملك مُؤمن عادل؛ وهو الحق، وقال مقاتل: هو نبي، ويُؤيده ما في سورة الكهف، ب الظَّاهرُ، ووافقه الضحاك.
قالَ: واختلف في لقمانَ؛ فَقِيلَ: نبي، وقيل: لا؛ بل هو وليٌّ وهُو الحق.
قال: والإسكندر اثنانِ رُوميٌّ وهُو صاحبُ الخَضر، ويُوناني وهو صاحِبُ أرسطو، ومحل النزاع هو الأَوَّلُ.
قالَ: ولقمانُ تَلْمَذَ لألفِ نبيٍّ، ونُقل عن المفسرينَ منْهُمْ مُجاهدٌ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَلَكَ الدُّنيا شرقاً وغرباً مُؤمِنان: سُليمانُ وذو القرنين، وكافِرانِ: بُحْتَ نصَّرُ ونُمرود ابنُ كَنعان، انتهى.
وقال القُرطبي: وسيملكُها مِن هَذهِ الأُمَّةِ خامس وهو المهدي.
وقيل: سمِّيَ الإسكندرُ ذا القرنين لأنهُ بلغَ مَغرِبَ الشَّمسِ ومَطلعها كما قالهُ الزهري، واختاره البغوي.
وقيل: عمره ألف وستُ مئة.
وقيل: ألفان؛ كما رُويَ أَنَّ قُسَ بنَ ساعِدةٍ لمَّا خَطَبَ بِسُوقٍ عُكاظ قالَ في خُطبتهِ: يا معشر إيادِ بنِ الصَّعبِ ذو القرنينِ مَلكَ الخافِقينِ، وأَذلَّ الثَّقلين، وعمر ألفين، ثمَّ كَانَ ذلكَ كَلَحظةِ العين.
والأكثَرُونَ عَلى أَنَّ ذا القَرنين كان في زَمانِ إبراهيمَ عَليهِ السَّلامُ، وهُو صاحب
الخضرِ حِينَ طَلَبَ عَيْنَ الحياةِ فَوَجدَها الخَضِرُ ولم يجدها.
وقيل: كانَ في الفترةِ بينَ عِيسَى ونبينا مُحمدٍ عَليهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وبه جزمَ عبد الحق في «تفسيره، وأعْرَبَ بَعضُهُمْ فجَمعَ بينَ القَولين بأنهُ عَمِّرَ طَويلاً حَتَّى أدرك زمن الفترة.
وعِيسَى سَوفَ يأتي ثم يُنوِي لدجال شقي ذي خَبالِ التَّوَى بالمثنَّاةِ والقَصرِ: هَلاكُ المالِ في الأصل؛ يقال: تَوِيَ المالُ ـ بالكَسرِ -
يَتْوَى؛ أي: هَلَكَ، ثمَّ استُعمل في مُطلقِ الهلاكِ كما هنا، والإتواء: الإهلاك.
يعني: وسوف يأتي عِيسَى، ثمَّ يُهلِكُ الدجّالَ بأَنْ يَقتله، والأَظْهَرُ أَنهُ مِن بَابِ التَّنازع؛ فقوله: لدجَّالِ مُتعلّق بـ يأتي، وضميره: لـ يَتوَى. والخَبَالُ بفَتحِ الخاءِ المُعجَمةِ: الفَسادُ.
قالَ ابنُ جَماعةٍ: يُشيرُ إلى خُروج الدجّالِ، ونُزولِ عِيسَى وَقَتلِهِ لَهُ، والإيمانُ بكل ذلك واجب، انتهى. وإنما ينزِلُ عِيسَى حِينَ حاصرَ الدجَّالُ في قَلعةِ القُدسِ المَهدِيَّ وأَتْبَاعَهُ، فيَنزِلُ عِيسَى عَليهِ السَّلامُ مِن السَّماءِ عَلى المَنارِةِ الشرقيَّةِ فِي مَسجِدِ الشَّامِ، ويأتي القدس فيقتله بحربةٍ في يدهِ، وهُو بمجرَّدِ رُؤيَتِهِ عِيسَى يَذُوبُ كما يَذوب الملح في الماء، وقد ثبتَ هَذهِ الأخبارُ والآثارُ عَن سيد الأخيارِ فَيَجِبُ الإيمان بها.
وفي فوائد «الأخبار» لأبي بكر الإسكافِ مُسنَدَاً إلى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَن محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ عَن جابرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تَعالى عَليهِ وسلَّمَ: «مَن كذَّبَ بالدَّجالِ فقد كفرَ، ومَن كَذَّبَ بالمَهدي فقدْ كَفَرَ»، نقله الشَّارِحُ القُدسي.
کرامات الولي بدار دنيا لها كون فهم أهلُ النَّوالِ
قوله: لها كون؛ أي: تحقيق وثُبوت.
وقوله: فهم؛ أي: الأولياء؛ لأنَّ المُرادَ بالولي الجنس.
وقوله: أهلُ النَّوالِ؛ أي: أهل العطايا والإفضال، ولو قال: أهلُ الوِصالِ
لكانَ أَوْلى؛ لئلا يقع في الإبطاء بناءً على صحةِ النَّوالِ فيما تقدَّمَ.
ثمَّ الكَراماتُ جَمعُ الكَرامة، وهي أمر خارق للعادةِ، مَقرون بالمعرفةِ والطَّاعَةِ، خالٍ عَن دَعوى النُّبُوَّةِ، وبه فارقَ المُعجِزة.
والولي هو العَارِفُ باللهِ حَسَبَ ما يُمكنُ مِن مَعرفةِ الذَّاتِ وَالصِّفاتِ المُواظب عَلى الطَّاعات، المُجتَنِبُ عَن السَّيِّئات، المُعرِضُ عَن الانهماكِ فِي اللَّذَاتِ
والشَّهوات، المُدْبِرُ عَن الدُّنيا، المُقْبِلُ عَلى العُقبى، المُديمُ عَلى ذكرِ المَولى. وفي المسألةِ خِلافُ المُعتزلة في منعهمْ جَوازَهَا مُطلَقاً؛ مُعلَّلينَ بأَنَّ في جوازها وقوع الاشتباه بينَ المُعجِزةِ وغَيْرِها، وخِلافُ الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني في بعضها، حيثُ قال: كلُّ ما جازَ تَقديره مُعجزة لنبي لا يجوز ظهورُ مِثلِهِ كَرامةً لولي.
وأجيب: بأنَّ المُعجِزةَ شَرطُها دعوى النبوَّةِ، بخلافِ الكَرامَةِ، حيثُ يُقَرُّ صاحبها بالمتابعة، فإنَّ الوَليَّ يخرج بدعوَى النُّبُوَّةِ عَن الإسلام فضلاً عن الوِلاية، وبهذا تبيَّنَ أنَّ كلَّ كرامة لولي تكون مُعجزة لمتبوعه مِن نَبَيٍّ.
ولم يفضل ولي قط دَهراً نبياً أو رَسُولاً في انتحال قوله: لمْ يَفضُلْ بضم الضَّادِ؛ أي: لم يَزِدْ فَضلُ ولي أبداً في جَميعِ الأَزْمنةِ
السَّابقة واللاحقةِ فَضيلة نبيٍّ أو رَسولٍ في انتِسابِ مِلَّةٍ مِن مللِ أهْلِ الإِسْلامِ، وكانَ الأولى تقديمُ رَسُولاً عَلى نبيَّاً كما لا يَحْفَى؛ ليَكونَ أو بمعنى بل للتّرفَّي وإنْ كانَ أُريد بهذا التّنويعُ، وذلك لأنَّ الولي تابع للنَّبِيِّ ولا يَكُونُ التَّابِعُ بأعلَى مَرتبةً من المتبوع، ولأنَّ النبيَّ مَعصُومٌ مأمُونُ العاقبة، والوليُّ يجبُّ أَنْ يَكُونَ خَائِفاً عَن الخاتمة، ولأنَّ النَّبي مكرم بالوحي ومشاهدة الملائكة الكرام، والرسول مأمورٌ بتبليغ الأحكام وإرشادِ الأنامِ بعدَ اتِّصافِهِ بكَمالاتِ الوليّ في المَقامَاتِ الفِحَامِ، فما نُقلَ عَن بعض الكَرَّامِيَّةِ مِن جَوازِ كونِ الولي أفضَلَ مِن النبيِّ كُفْرٌ وضَلالَةٌ.
وعبارة النسفي في «عَقائدِهِ»: ولا يَبلغ وليٌّ دَرجة الأنبياء، أولى مِن عِبارةِ النَّاظم؛ لإفادتها نَفيَ المُساواة أيضاً، فلو قال: ولم يبلغ بدل: ولمْ يَفضُلُ؛ لبلَغَ المَرامَ وفَضْلَ الكِرام.
ومن الأدلَّةِ الواضِحةِ في هَذا المَقامِ قَولُهُ عَليهِ السَّلامُ: «ما طَلَعَتْ شَمس ولا غَربَتْ عَلى أحدٍ بعدَ النَّبيينَ أفضَلَ مِن أبي بكرٍ»، فإِنَّهُ صَرَّحَ عليهِ السَّلامُ بأَنَّ النَّبيِّين أفضَلُ مِن أبي بكر، وهو أفضلُ مِن غَيرهم، فيَكونُ أَفضَلَ مِن كُلِّ وليٍّ، إِذْ مِن المَعلُومِ أنَّ أولياء هذهِ الأُمَّةِ أفضَلُ مِن أولياء الأُممِ السَّالفةِ؛ لقولهِ تَعَالَى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية [آل عمران: ???] فإذا كانَ مَن هُو دُونَ النَّبِيِّينَ أَفضَلَ مِن جنس الولي، فالنَّبيون أفضلُ مِن الأولياء، بل صرَّحَ النسفي في «عُمدتِهِ» أَنَّ نبيَّاً واحِداً أفضلُ مِن جَميعِ الأولياء.
وللصديقِ رُجحانُ جَلِي على الأصحَابِ مِن غَيرِ احتمالِ قال ابن جماعة: الحقُّ أنَّ أفضَلَ الصَّحابة هو أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهُو الخليفةُ بَعده بالحقِّ، انتهى. لأنهُ عَليهِ السَّلامُ جَعَلَهُ خَليفَةً فِي قِيامِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عُمدة أحكام الإسْلامِ، ولقب أبو بكر بالصِّدِّيقِ لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم فِي النُّبُوَّةِ مِن غَير تلعثم، وفي المعراج بلا تردد. وفي «الرياض» للمحِبِّ الطَّبري: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي لقَبهُ بالصديق. والرجحان: الفضل في الرتبة، والجليُّ: هو الأمرُ الظَّاهر، والاحتمال:
الشَّكُ والتَّردُّدُ والتَّجويز.
فالمعنى: أنَّ لأبي بكرِ الصَّدِّيقِ ترجيحاً ظاهِراً وتفضيلاً باهراً على سائر الصحابةِ مِن غَيرِ احتمال تجويز خلافه، ولا شك ولا تردد في صحة خلافتِهِ. وفي المسألةِ خِلافُ الشَّيعةِ وكَثيرِ مِن المُعتزلة، حيثُ قالُوا بتفضيل علي على سائرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وللفاروقِ رُجحان وفضل عَلى عُثمانَ ذي النُّورَينِ عال الفاروقُ هو عُمَرُ رَضِيَ الله عنه، لقّب بهِ لفَرْقه بين الحق والباطل، وفي «تهذيب النَّوويّ، ورياض المحبِّ الطَّبري: أَنه عَليهِ السَّلامُ لقَبَه بِذَلكَ. وأمَّا وَصفُ عثمانَ بذِي النُّورين لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجهُ ابْنَتَهُ رُقيَّةَ، ولمَّا مَاتَتْ زوجه ام كلثوم.
وقوله: عال؛ أي عالي القَدْرِ والمَرتبةِ بالنِّسبة إلى سائرِ الصَّحابةِ عَلى ما عَليهِ جُمهورُ أهل السنَّةِ، فَإِنَّ بَعضهُمْ ذَهَبُوا إلى تفضيل عليٌّ عَلَى عُثمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُما.
وذُو النُّورَين حقاً كان خيراً من الكار في صف القتال وقوله: حقاً يحتمل أن يكون قسماً، وأن يكون مصدراً الفعل مقدر؛ أي: حَقَّ حَقَّاً، يعني: ثَبَتَ ثُبوتاً كونُهُ أفضَلَ مِن عليّ الموصوف بالحيدر الكرار في صف القِتالِ الَّذِي لم يقع له نعتُ الفِرارِ لا بالاختيار ولا بالاضطرار، وذلك لثبوتِ قَلبهِ فِي مَقامِ القَرارِ. وللكرار فضل بعدَ هَذا على الأغيارِ طُرَّاً لا تُبَالِ
أي: على غيرِ المَذْكُورينَ مِن الصَّحابةِ الكبار جميعاً لا تُبالِ؛ أي: لا تكترث بهذا القَولِ عن أقوال الأغيار، كما سُئل أبو الطفيل: أعلي أفضل أمْ معاوية؟ فقال: أَلَا يَرْضَى مُعاويةُ أنْ يَكُونَ مُساوِياً لعلي حتَّى يَطمع في أن يكُونَ أَفضَلَ منه؟!
وقوله: بعد هذا؛ أي: بعد ما ذُكرَ مِن تَفضِيلِ الثَّلاثَةِ عَليهِ، أو بعدَ ذِكرِ ذِي النُّورين، وعلى هذينِ التَّقديرين فذكرُهُ تأكيد للعلم به، أو للإشارة إلى الرد على القائلين بتفضيل عليّ عَلى الثَّلاثةِ، أو عَلى القَائِلِينَ بتَفضِيلهِ عَلَى عُثمانَ فقط، أو بالوَقفِ عَن المُفاضَلَةِ بَينَهُما.
واختُلفَ فِي أَوَّلِ مَنْ آمَنَ مِنَ الصَّحابة؛ فقيل: عليٌّ؛ لقولهِ:
سبَقْتُكُمُ إلى الإِسْلامِ طُرَّاً ... غُلاماً ما بَلغتُ أوانَ حُلمِي
وهَذا دليل لأصْحابنا أنَّ إِسْلامَ الصَّبيَّ صَحيحُ خِلافاً للشَّافعي، وقد ثبت أنه
عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ دَعا عليَّاً إلى الإِسْلامِ وَهُو ابنُ سَبْعِ سِنِينَ.
وقيل: أبو بكر، وقيل: خَديجة، وقيل: زيد.
وجُمعَ: بأنَّ مِن الرِّجالِ أبو بكر، ومن الصبيانِ علي، ومن النِّساءِ خديجة، ومن الموالي زيد، ثم قيل: العبرة بإيمان أبي بكرٍ إذ لا رُتبة للصبي
والمرأةِ والعَتيق عندَ النَّاسِ.
ويُعلمُ مِن تَفضِيلِ كلِّ مِن الأَربَعَةِ عَلَى مَن بعدَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ تَفضِيله على سائر الصَّحابة لانعِقادِ الإجماعِ عَلى أفضليَّةِ الأرْبعَةِ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بعدهم، واستحقاقِ هَوْلاءِ الأَربَعَةِ رُتبةَ الخِلافةِ عَلى التَّرتيبِ المَذْكُورِ؛ كما يدلُّ عليهِ قولهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «الخِلافةُ بَعدِي ثَلاثُونَ سنةٌ».
وذكرَ الشَّارِحُ القُدسِيُّ أَنَّهم أفضلُ ممَّنْ عَدا أولادِ النبي صلى الله عليه وسلم مِن الصَّحابة، وفيهِ بَحثُ لا يَحْفَى؛ لأنه يأتي في كَلامِ النَّاظمِ ترجيح الصديقة على فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما، وهي أفضل بناتِ النَّبيِّ؛ لِمَا رَوى البزَّارُ مِن طَرِيقِ عائشة أنهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قالَ لفَاطمة: «هي خير بناتي، إنَّها أُصيبت بي يعني: مِن جُملةِ فَضيلتها أن أكونَ في صَحِيفَتِها؛ لأَنِّي أُمُوتُ في حَياتِها، بخلافهنَّ فَإِنَّهنَّ مُتنَ في حَياتِهِ صلى الله عليه وسلم فكن في صَحِيفَتِهِ.
ثمَّ الإجماع قائمٌ عَلى تفضيل الأربعةِ عَلى عائشة، فيكونون أفضَلَ مِن أولاده، نعم؛ صرَّحُوا بأنَّ الأصح أنَّ أولاد عليَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن فاطمة أفضل من سائر أولادِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
وقد أغربَ أيْضاً حَيثُ قال: لا في قوله: لا تُبالي نافية لا نَاهِيةٌ، بدليل عدمِ جَزم الفعل بعدها، انتهى.
ولا يخفى غرابته؛ إذ لا عبرة بكتابة الياء في لا تُبالي؛ فَإِنَّهُ يَحتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لا ناهية وعلامة جزمها حَذف الباءِ الَّتِي هِي لام الفعل لأنهُ مِن بَالَى يُبالي، وَأَنَّ هَذِهِ الياء للإشباع، ويحتمل أن تكُونَ لا نافيةً والياء أصليَّةً، ولا شَكٌّ أَنَّ المعنَى عَلَى النهي، ولو قدرَ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ للنَّفي.
وللصديقة الرحجان فاعلم على الزهراء في بعض الخِلالِ بكسر الخاء جمعُ اللَّةِ بضمها بمعنى الخصلة، والمراد بالصديقة عائشة، وبالزّهراء فاطمةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، ولقبت بها لأنَّها لم تحض قطُّ ولم يُرَ لها دم في ولادة حتّى لا تفوتها صلاة؛ كما ذكرَهُ صاحِبُ «الفتاوى الظُّهيرية» من الحنفية، والمحبُّ الطبري مِن الشَّافعية، وأورَدَ فِيهِ حَدِيثَنِ.
ثم اعلم أنَّ المُصنف أراد أنه لم يَردْ نص بتفضيل عائشة على فاطمةَ، وإِنَّما وَردَ رُجحانُها عَليها من جهة كثرةِ الرّوايةِ والدراية، أو مِن حَيثَيَّةِ كونها في الآخرة معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ تَعالى عَليهِ وسلَّمَ في الدرجة العالية، وفاطمة معَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُما، فشتان ما بينهما، وهَذا لا يُنافي ما نُقلَ عَن الإمامِ مالكِ مِن أنَّ فاطمة بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم ولا أفضّلُ عَلَى بَضْعَةٍ مِنْهُ أَحَداً، فَإِنَّهَا مِن هَذهِ الحَيثَيَّة ليسَ يخالفه أحدٌ في الفَضيلةِ.
هذا وقد نقل بعضُ الشُّرَّاحِ تَفضِيلَ عائشةَ عَلى فَاطِمَةَ عَن أكثرِ العُلماء، ثمَّ حَكي تفضيل فاطمةَ عَلى عائشةَ عَن بَعض، وعَن بَعض آخر أنهُ لا فَضل لإحداهما على الأُخرى، وهو يحتمل التّساوي والتوقف في المُفاضلة، بل الوَقفُ هُو المذهب الأسلم كما قاله ابن جماعة وجَماعةٌ، وهو الَّذِي مَالَ إِليهِ القاضي أبو جعفر الأستروشني من الحنفية، وبعضُ الشَّافعيّة؛ لتعارض الأدلَّةِ في ذلكَ؛ لقولهِ عَليهِ السَّلامُ لفَاطمةَ: «أما تَرضينَ أَنْ تَكُوني سيدةَ نِساءِ أَهلِ الجنَّةِ» أو «نِساءِ المُؤمِنينَ» أو «نِساءِ هَذهِ الأُمَّةِ»، ولقولهِ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ:
«فَضل عائشةَ عَلى النِّساءِ كَفَضلِ الشَّرِيدِ عَلى سائر الطَّعامِ، رواهما الشيخان. وأرادَ الشَّريدَ باللحم كما رَواهُ معمرُ في «جامعه» مفسّراً عَن قَتادةَ وأَبانَ يَرفعهُ فقال فيه: «كَفَضلِ الشَّرِيدِ باللَّحمِ».
قال السهيلي في روضهِ»: ووَجهُ التَّفضِيلِ مِن هَذا الحَدِيثِ أَنهُ قالَ فِي حَدِيثٍ آخر: «سيّدُ إدامِ الدُّنيا والآخِرَةِ اللَّحْمُ» معَ أَنَّ الشَّرِيدَ إِذا أُطلَقَ لَفَظَهُ فهو تَرِيدُ اللَّحْمِ،
كما أنشَدَ سيبويه:
إذا ما الخُبز تأدِمُهُ بلحم فذاك أمانةَ اللهِ النَّريدُ وقال السبكي: فاطمة أفضَلُ، ثمَّ خَديجة، ثمَّ عائِشَةُ، ووافقه البلقيني، وقد
أو ضَحْتُ الدَّليل الأظهَرَ فِي شَرحِ الفِقهِ الأَكْبرِ
ولم يلعن يزيداً بعد موت سوى المكثار في الإغراء غالِ وفي نسخة: ولنْ يَلعَنَ ونُونُ يَزيداً ضَرورة، والمكثار بكَسرِ أَوَّلِهِ: المُبالغ في الكثرة. والإغراء بكسر الهمزة: الإفسَادُ والتَّحريضُ عَليهِ. وغال بالغَينِ المُعجَمةِ: اسم فاعل من الغلو، وهو المُبالغة في التعصب، وهُو بَدل من المكثار.
والمعنى: لم يلعن أحدٌ مِن السَّلفِ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَةَ سِوى الَّذِينَ أَكثرُوا القَولَ في التحريض على لعنهِ، وبالغوا في أمرِهِ، وتَجاوزُوا عَن حَدِّهِ؛ كالرَّافضةِ والخَوَارِجِ وبعض المعتزلة؛ بأنْ قالُوا: رِضاهُ بقتل الحُسين واستبشاره، وإهانته أهلَ بيتِ النُّبوة، مما تواتر معناه كما ذَهَبَ إِلَيْهِ التَّفتازاني. ورُدَّ: بأنهُ لمْ يثبتْ بطَريقِ الآحاد، فكَيفَ يدَّعي التَّواتِرَ فِي مَقامِ المُرادِ؟ مع
أنهُ نَقَلَ في «التَّمهيد عَن بَعضِهِمْ أَنَّ يَزِيدَ لم يأمُرُ بقَتلِ الحُسينِ، وإِنَّما أَمَرَهُمْ بِطَلْبٍ
البيعةِ، أو بأخْذِهِ وحَملِهِ إِلَيْهِ، فَهِمْ قَتَلُوهُ مِن غَيْرِ حُكمهِ.
على أنَّ الأمر بقتل الحُسينِ - بلْ قَتلُهُ - لَيسَ مُوجِباً للعنةِ عَلَى مُقتضَى مَذهب أهلِ السُّنةِ مِن أنَّ صاحِبَ الكبيرة لا يكفر، فلا يَجوزُ عِندهم لعن الظَّالِمِ الفاسِقِ كما نقله ابنُ جَماعةَ، يعني: بعينه، وإلَّا فلا شكٍّ أنهُ يَجوزُ: لعنةُ اللَّهِ عَلَى الظالم والفَاسِقِ؛ لقولهِ تَعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ} [هود: ??] ولقَولِهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العنَ اللهُ آكل الربا ومُؤكِله».
ثمَّ نَقلَ عَن بعض مَشايخه أنهُ يَجوزُ لَعنهُ مُعيَّناً بَلْ فِي وَجْهِهِ، ولعله أَرادَ بِهِ الزَّجَرَ لينتهي عَن فِعلهِ، وهَذا قدْ يُتصوَّرُ في حَياتِهِ بخِلافِ ما بَعدَ ممَاتِهِ؛ إذ لا يَجوزُ لعن كافر بعينهِ حِينئذٍ إِلَّا إِذا عُلمَ بدَليل قطعِيٌّ أنهُ ماتَ كَافِراً، ولعلَّ هَذَا وَجهُ تَقييد النَّاظمِ بما بعدَ المَوتِ؛ إِذْ يُحتمل أَنْ يُختم له بِخَيْرٍ.
وفي الخلاصة وغَيْرِها: أنه لا ينبغي لعنهُ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَن لعنِ المُصلِّينَ، ومَن كانَ مِن أهل القبلة، وجوَّزَ بعضُ العِراقيينَ لَعَنهُ، قَالَ: لِمَا أَنْهُ
كفَرَ بما استَحَلَّ مِن مَحارِمِ الله بفعله في أهل بيت النبوة، انتهى.
ولا يخفى أنَّ الاستحلال أمر قلبي غائب عن ظاهر الحال، ولو فُرضَ وُجودُهُ أوَّلاً يُحتمل أنهُ ماتَ تائباً عنهُ آخِراً؛ فلا يَجوزُ لعنه لا باطِناً ولا ظاهراً، وهَكذا الجَوابُ عَمَّا رُويَ إِنْ صح أنهُ قالَ:
ليت أشياخي بدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأمل
وكذا ما نُقلَ عَن صاحبِ التَّمهيد مِن أنَّ الأصحَ هُو أن نقول: بأَنَّ يَزِيدَ لو أمر بقتل الحُسينِ أو رَضِيَ بذلك فإنه يجوزُ اللَّعنُ عَليهِ؛ وإِلَّا فلا، وكذا قاتِلُهُ لا يكفُرُ مِن غيرِ استحلال، انتهى.
ولا يَخْفَى ما فيهِ مِن التَّناقض؛ حَيثُ أطلقَ اللَّعِنَ عَلَى مَجرَّدِ الأَمْرِ بِقَتلِهِ ورِضَاهُ، وقيد قاتِلهُ بغَيرِ استِحلالٍ، فإنَّ مِن المعلومِ أنَّ القتلَ أَشدُّ مِن الأمرِ بالقِتلِ، مَعَ أَنَّ قتل غير الأنبياء ليس بكفر عند أهل السنَّةِ خلافاً للخوارج وأهل البدعة، فلا شكٍّ أنَّ السكوت أسلم، والله أعلم.
وأما ما ذكَرهُ شَارِحٌ مِن أنَّ مَن قتل نبيَّاً لا تُقبل توبته، ولا يصح إيمانهُ، فَغَيْرُ ظاهرِ بُرهانه؛ لأنَّ الإيمان والتّوبَةَ يَجُبَّانِ ما قبلهما بالإجماع.
وإيمان المقلّد ذو اعتبار بأنواع الدلائل كالنصال هو بكسرِ النُّونِ: جمعُ نَصلٍ، وهُو حَديدةُ السَّيْفِ والسَّهمِ ونَحْوهما. والتَّقليدُ: قَبولُ قولِ الغِيرِ بلا دَليلٍ، فَكَأَنَّهُ بِقَبولِهِ لَهُ جَعَلَهُ قِلادةٌ فِي عُنقهِ. والمعنى: أنَّ إيمانَ المقلّدِ مُعتبر عند الأكثر بأنواع الأدلَّةِ القاطعة، ومِن الدَّلائلِ الواضحة أنَّ النبي لو كان يكتفي بالإيمان من الأعرابِ الخَالِينَ عَنِ النَّظِرِ فِي هَذا البابِ بِمُجرَّدِ التلفظ بكلمتي الشَّهادةِ.
ثم التحقيق ما ذكره الشبكيُّ: مِن أنَّ التَّقليدَ إِنْ كَانَ أَخذاً بقولِ الغَيرِ مِن غَيرِ حجَّةٍ ولا جَزم به فلا يكفي إيمانُ المقلّد قطعاً؛ لأنهُ لا إِيمَانَ معَ أَدنَى تردُّدٍ فيه، وإنْ كانَ التَّقليد أخذاً بقولِ الغَيرِ بغيرِ حجَّةٍ لكنْ جَزماً فيَكفِي إيمانه عِندَ الأشعري وغيره، انتهى. ويؤيده أصول أهل السنَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ هُو التصديقُ بما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِن عندِ اللهِ تَعالى، والإقرارُ بهِ عَلى ما اختارهُ بعضُ أئمةِ الحَنْفِيَّةِ كَشَمس الأئمةِ السَّرَحْسي وفخرِ الإِسْلامِ البَزْدَويّ خلافاً لجمهور المحققين، ومنهم الشيخ أبو منصور الماتريدي ومُعظمُ الأَشاعِرةِ؛ حَيثُ ذَهَبُوا إلى أنه التصديقُ بالقَلبِ فقط، والإقرار شرط لإجراء أحكام الإسلام في الدنيا.
وخلاصة الكلام في هذا المقامِ أنَّ إيمانَ المُقلِّدِ صَحِيحٌ عندَ الأئمة الأربعةِ، وإنْ كانَ عاصِياً بتركِ الاستدلال.
ونُقل عن الأشعري: أنَّ شرط صحة إيمانهِ أنْ يَعرِفَ كُلَّ مَسألةٍ بدِلالةٍ عَقليةٍ.
زادَ المُعتزلةُ: وأنْ يعبر عنه بلسانه، ويجادِلَ خَصْمَهُ في بُرهانه.
وما عُذر لذِي عَقلِ بِجَهل لخلاق الأسافل والأعالي اعلمُ أَنَّ حدَّ الجهلِ: مَعرفةُ المَعلُومِ عَلى خِلافِ ما هُو بِهِ، وحدَّ العِلمِ: مَعرفةُ
المَعلُومِ عَلى ما هُو بِهِ، عَلَى مَا ذَكرَهُ ابنُ جَمَاعَةَ.
والعقلُ: غَريزةٌ يَتبعها العلمُ بالضَّروريَّاتِ عندَ سَلامَةِ الآلاتِ.
واختلف في محَلّهِ؛ فَقِيلَ: الدَّماغُ ونُورُهُ في القَلْبِ حَتَّى يُدرِكَ الغَائِباتِ. وكمالُهُ: أَنْ يُنجِيَ صاحِبهُ مِن مَلَامَةِ الدُّنيا ونَدامَةِ العُقبي.
وقد قيل: إنَّ العقل حياةُ الأرْواحِ كما أنَّ الرُّوحَ حياة الأشباح، فالنَّفْسُ جسم كَثيف، والرُّوحُ جسم لطيف.
وسئلَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَن مَعدنِ العَقلِ فَقَالَ: القَلبُ، وإِشْرَاتُه إِلى الدِّماغِ.
وهُو خِلافُ ما ذكرهُ الحُكماء، وقولُ على أعلَى عِندَ العُلماء.
ووردَ في بَعض الأخبار أنَّ الجَهلَ أقرب إلى الكُفْرِ مِن بَياضِ العَينِ إِلَى سَوادِهَا. ثم اعلم أنَّ اللهُ سُبحانه ركَّبَ العَقل بلا شهوة فِي المَلائكَةِ، ورَكَّبَ الشَّهوةَ بلا عقل في البهائم، وركَّبهما في بني آدم؛ فمَن غَلبَ عقلُهُ شَهِوَتَهُ الحِقَ بِالمَلائِكَةِ بَلْ أكمَلُ، ومَن غَلَبَ شَهوتُهُ عَقلَهُ فهُو فِي مَرتبةِ البَهَائِمِ بَلْ أَسفلُ.
ثم قال ابن جماعة والجهل يُوجبُ المعرفة معَ البُلوغِ والعقلِ عند الشافعية، خلافاً للحنفيَّةِ والمُعتزلة، انتهى. والمعنى: أنه لا عُذرَ لصَاحِبِ عقل - أي: كامل - بَلغَ مَبْلغَ الرّجالِ أَنْ يَجهلَ صَانعهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ - أي: العُلْوِيَّاتِ والسُّفْلِيَّاتِ - الدَّالَةَ عَلى صَانعِها وخالقها ومُبدئها ومُنشئها؛ كما قالَ تَعَالَى: {وَكَأَتِن مِّنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]، وقال: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].
وكما قالَ بَعضُ العارفين:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحِدُ وفي فطرةِ الخَلقِ إثباتُ وُجودِ البَاري كما قالَ اللهُ تَعَالَى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، وكما قال: كلُّ مَولودٍ يُولدُ عَلَى الفِطرة».
ويدلُّ عَليهِ قضيَّةُ المِيثَاقِ أيضاً، ويُشيرُ إلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، ولهذا لمْ يُبعث الأنبياءُ إِلَّا للتَّوحيد لا لإثبات وجودِ الصَّانع كما يُشعرُ به قولهُ تَعَالَى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَاءُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]، فالكفَّارُ لمْ يَكُونُوا شاكينَ فِي وُجودِ الصانع، وإنَّما كَفَرُوا اللقَولِ بتعدد الآلهة متعللين بأن مولاء شُفعاؤنا عند الله، وإنَّهم ليقربونا إلى اللهِ زُلفى.
وخُلاصةُ المَسأَلِةِ: أَنَّ العَاقِلَ الَّذِي لَمْ تَبلُغهُ الدَّعوةُ: هَلْ يَجِبُ عَليهِ الإِيمَانُ
باللهِ تَعالى أم لا؟ وإذا لم يُؤْمِنْ هَل يَخلِدُ فِي النَّارِ أم لا؟
فيهِ خِلافُ بَينَ مَشايخ الحنفية؛ فعن عامَّتهمْ: نَعَمْ؛ وهو المَرويٌّ عَن الإمام أبي حنيفةَ، فَقَدْ رَوى الحاكِمُ الشَّهيدُ في «المُنتقَى» عن أبي حنيفة أنه قال: لا عُذر لأحد في الجَهلِ بخَالِقِهِ لِمَا يَرى مِن خَلقِ السَّماواتِ والأَرْضِ وخَلقِ نَفسه وسائر مخلوقاتِ رَبِّهِ.
وعن أبي حنيفة أيضًا أنه قال: لو لم يبعثِ اللَّهُ رَسُولاً لَوَجَبَ عَلَى الخَلْقِ معرفته بعقولهم.
وفي ظاهرِ الرّواية عنه: أنه لو لمْ يَعرفُ رَبَّهُ وماتَ يَخلُدُ فِي النَّارِ. وقال أبو اليُسْرِ البَزْدَوِيُّ مِنهُمْ: لا يجِبُّ عَليهِ ويُعْذِرُ لَو لم يُؤْمِنْ بِهِ، وبهِ قالَ الأشعري، وهو روايةٌ عَن أبي حنيفة.
ومنهم من قال بوجوبِهِ عَليهِ إلَّا أنه لا يعذَّبُ بِهِ، كما هُو رِوايَةٌ عَن أَبي حَنِيفَةَ ما من مولود إلا يولد ... ».
رَحمهُ الله، فيكُونُ عاصِياً؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] عَلَى أَنَّ الجُمهورَ حَملوا نفيَ العَذَابِ عَلى عَذَابِ الاستئصال في الدُّنْيا لا عَلى العَذَابِ في العُقبى، وبعضهمْ جَعَلُوا الرَّسُولَ ما يَشمل العقل أيضاً.
وأجمعُوا عَلَى أَنهُ فِي أَحكامِ الشَّرِعِ مَعذورٌ. ثمَّ الصَّبيُّ العاقل إذا كان بحالٍ يُمكنه الاستدلالُ: هَل يَجِبُ عَليهِ معرفةُ اللهِ أم لا؟
قالَ الشَّيخُ أبو منصورٍ وكَثيرٌ مِن مَشايخ العِراقِ: تَجِبُ، وقالَ بَعضُهُمْ: لا يجِبُ عَليهِ شيء قبل البلوغ، وأمَّا إذا أسلم قبل البلوغ يَكونُ إِيْمَانَهُ صَحِيحاً وارْتَدادُهُ يَكُونُ ارتداداً، وأمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لا يعقل لا يكُونُ ارتداده ارتداداً وإسلامهُ يَكُونُ إِسْلاماً. وما إيْمَانُ شَخص حال بأس بمقبول لفقد الامتثال حال بأس بسكونِ هَمزةٍ وإِبْدالِهِ، وبالمُوحَّدةِ فِي أَوَّلِهِ، ونُصبِ حَالَ عَلَى أنه ظَرفُ، ولم يقل: يأس بالتحتيَّة؛ المُوافَقةِ قَولهِ تَعَالَى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: 85]. وأصل البأس الشدَّةُ والمَضرَّةُ والمُرادُ بِهِ هُنا: سَكراتُ المَوتِ، ومُعايَنةُ العذابِ، ويستوي فيه الإيمانُ والتَّوبة، كما هو ظاهرُ القُرآنِ؛ حَيثُ قَالَ تَعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ} [النساء: 18].
وقد قال البغوي في تفسيره: إنَّهُ لا تُقبل توبة عاصي، ولا إيمان كافر إذا تيقَنَ المَوتَ.
ويُؤيدُ ما قَالَهُ: أَنَّ مِن شَرطِ التَّوبةِ عَن الذَّنبِ العَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعودَ إِلَيْهِ، وذَلكَ إنَّما يَتحقَّقُ معَ ظَنِّ التَّائبِ المُتمكِّنِ مِنَ العَودِ.
وأيضاً: فلا شبهة أنَّ كلَّ مُؤمن عاصِ يَندَمُ عِندَ البَاسِ، وَقَدْ وَردَ أَنَّ التَّائبَ مِن الذَّنبِ كَمَن لا ذَنَبَ لَهُ؛ فيلزم منه أنْ لا يَدخل أحدٌ مِن المُؤمِنِينَ النار، وقدْ ثبتَ أَنَّ بعضهُمْ يدخُلونَها.
وأيضاً: نحنُ مكلَّفونَ بالإيمانِ الغَيبيّ؛ لقولهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَذَلكَ الوقتَ يَكُونُ الإيمانُ العيني فلا يصح.
وأما ما أخرجه الترمذي مِن حَديثِ ابنِ عُمَرَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقبلُ تَوبةَ العِبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ ?، فيَسْمَلُ تَوبَةَ المُؤمِنِ والكَافِرِ.
والمراد بالغَرغرة هو حال البأس ووقْتُ البأس، وبعد تحققه لم يتصوّر منهما الامتثال في الأفعالِ عقلاً ونَقلاً؛ كما قال سبحانه: {وَلَوْ رُدُّ والعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ??] فقولُ الشَّارحِ: فهَذا بخلافِ توبة العاصي؛ للحديثِ المذكُورِ، لَيسَ في محله.
وكذا قولُ ابنِ جَمَاعَةٍ وجَزمُهُ في المَسألة بأنَّ إِيمَانَ الكَافِرِ إِذَا رَأَى مَوضِعَهُ مِن النَّارِ غَيْرُ مَقبول، وتوبةَ العاصِي في تِلكَ الحالة مقبولة.
ثمَّ قالَ: فإن قلت: ما الفَرقُ؟ قلتُ: انسحابُ حُكمِ الإيمانِ، انتهى. ولا يخفى أن انسحاب حكم الإيمان لا يقتضي أن حال الباسِ يُقبلُ التَّوبِةُ مِن العصيان، ومن القواعدِ: أَنَّ مُعارضة النصّ بالدَّليل العقلي غَيْرُ مَقبولةٍ عندَ الأعيانِ. وأما قولُ الشَّارحِ: إِنَّ عَليهِ أَئمَّةَ بُخارى مِن الحَنْفيَّةِ وجَمعاً مِن مُتأخري
الشافعية كالسُّبكي والبلقيني، فعلى تقدير صحتِهِ يحتاجُ إلى ظُهورِ حجَّتِهِ. وما أفعال خير في حساب من الإيمانِ مفروض الوِصالِ
نصبه على الحالِ، والمعنى: ليست العباداتُ المَفْرُوضَةُ مَحسوبةً من الإيمانِ، ولا داخلةً في أجزائه، حال كونها مفروضاً وصلها بالإِيْمَانِ عَلَى وَجْهِ الإِحْسَانِ، فإنَّها وأن لم تكُنْ مِن مَفهومِ الإِيْمَانِ، إِلَّا أَنَّ الإيمان بها مُتحتّم، والإتيان بها متصلةً فَرضٌ لازم، لأنَّها لا تُعتد بدونه باتِّفاقِ أهل الحقِّ.
و ما قاله النَّاظمُ مِن أنَّ الأعمالَ غَيرُ داخِلةٌ في الإيمانِ، هُو ما عَليهِ أكابر علماء الأعيانِ؛ كأبي حنيفة وأصحابه، واختارهُ إمَامُ الحَرمينِ وجُمهور الأشاعرة؛ لِمَا مَرَّ مِن أَنَّ حَقيقة الإيمانِ هُو التصديقُ القَلبي فقط، أو هُو مَعَ الإقرار باللسان.
وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي، وهو المَنقُولُ عَن السَّلْفِ وَكَثِيرِ مِن
المُتكلّمينَ، ونَقله في شرح المقاصدِ عَن جَمِيعِ المُحدِّثِينَ.
وفي «شرح العقائدِ عَن جُمهورِهمْ: أَنَّها داخلةٌ في الإيمانِ.
والظَّاهر - كما قالَ بَعضُ المُحقِّقينَ - أَنَّ مُرادَهمْ: أَنَّها داخِلَةٌ فِي الإِيْمَانِ الكامل، لا أَنَّهُ يَنتفِي الإيمانُ بانتفائها كما هُو مَذهَبُ المُعتزلةِ والخَوارِج، فالنزاعُ في المسألةِ بينَ الفَريقَينِ مِن أهلِ السُّنةِ لفظي، وكذا ما يتفرّعُ عَليهِ مِن زِيادَةِ الإِيْمَانِ ونقصانه، مع الإجماعِ عَلى أَنَّ مَنْ آمَنَ وماتَ قَبلَ فَرضِ عَمَلٍ عَلَيهِ أَنهُ ماتَ مُؤْمِناً. ولا يُقضى بفر وارتداد بعَهْرٍ أو بقتل واختزال العَهْر بفَتحِ العَينِ المُهملة: الزِّنا، والاختزالُ: الاقتطاعُ، والمُرادُ: أَخذُ مالِ الغَيرِ غَصْباً أو سَرقةً، وفي معناه جَميعُ مَظالمِ العِبادِ.
وهذا البَيتُ بَيانُ حُكمِ الأفعالِ المُحرَّمة، كما أَنَّ البَيتَ السَّابَقَ بيانُ حُكمِ الأعْمالِ الوَاجبةِ، فإيْرادُ الواوِ في محلّهِ، ولَيسَ هَذا مَبنيَّاً عَلَى مَا قَبلَهُ كما توهَّمَهُ الشَّارِحُ القُدسي، وقال: كانَ حقهُ التَّعبير بالفاءِ بَدلَ الواو، نعم كانَ الأَولى أَنْ يُقدِّمَ القَتلَ عَلَى العَهِرِ ليَكونَ التَّرتيبُ الذِّكرِيُّ عَلى وَفِقِ التَّرتيبِ الرُّتبي.
والمعنى: لا يُحكُم بكُفِرِ أحدٍ وارتدادهِ بسَببِ ارتكاب زناً، أو قتلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حق، أو سرقة، ونحوها من الكبائر، وهذا مذهب أهلِ السُّنةِ، خلافاً للخَوَارِجِ حَيثُ يَقولُونَ بكفرِ مُرتكبُ الكَبيرةِ والصَّغيرة، وللمعتزلة فإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لا يُقضَى بكفرٍ ولا إيمان، ويُثبتُونَ المَنْزِلَةَ بينَ المَنزَلَتين، ويسمونه فاسقاً لا كافراً كالخوارج، مع أنَّهما قائلان بأَنَّهُ مخلَّدُ فِي النَّارِ.
ونَحنُ نَقولُ: إنه عاصِ تَحتَ المَشيئةِ؛ لقوللِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] ولا نَقولُ: إِنَّ المَعصِيةَ لا تَضِرُّ معَ الإِيْمَانِ، كما لا تنفعُ الطَّاعةُ معَ الكُفْرِ عَلى ما ذَهَبَ إليهِ بَعضُ أَهْلِ البِدعَ، وَتَبْعَهُمُ المَلاحِدَةُ والإباحية والوجودية.
ومن يو ارتداداً بعد دهر يَصِرْ عَن دين حق ذا انسِلال
مَن شَرطيَّةٌ، و يَصِرْ جَوابُها، والانسلال: الخُروجُ بخُفْية. والمَعنَى: أَنَّ مَن يَنوِ الارتداد بعدَ مدَّةٍ طالَتْ أَو قَصرتْ يَخْرُجْ بِذَلكَ عَن دِينِ الحقِّ والإيمانِ المُطلق في الحَالِ، وإنْ قَصد الاستقبال، لأنَّ استدامة الإيمان من واجباتِ الإيقان؛ كما قالَ تَعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا؛ أي: اثبتوا، فإذا أَتَى بما يُنافيها ولو بالنيَّةِ فَقَدْ كَفَرَ اتِّفاقاً، ولأنَّ قصدَ الكُفْرِ يُنافي التصديقَ ويُزِيلُ التَّحقيقَ، ولأنهُ رِضى بالكُفْرِ، والرّضا بكُفِرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ إِجْمَاعاً.
وإنَّما الخِلافُ في كُفر غيرهِ لقصد ضرهِ، لا لكونِ استحسانِ الكُفْرِ في نفسه، فقول الشارح القدسي الرضى بالكُفْرِ كُفْرٌ عَلى المُرجح، ليس في محلّهِ، وقد عُلمَ كُفرُهُ بالأولى فيما إذا نَوى الارتداد في الحال، أو بعد لحظة كما لا يخفى.
ثمَّ اعلمُ أَنَّ قَصِدَ الكُفْرِ كفر، وهُو غَيْرُ معفو بِالإِجْمَاعِ؛ لأنَّ اللَّهَ سُبحانهُ يعفُو عمَّا دُونَ الشَّركِ لا عنِ الشَّرِك بلا نزاع بخِلافِ قصدِ السَّيِّئَةِ فَإِنَّهُ سَيِّئَةٌ، ولكنَّها مَعفَوَّةٌ بوعدِ اللهِ سُبحانه؛ لقولهِ: مَن همَّ بِسَيئة فلمْ يَعمَلها لمْ يُكتبُ عَليهِ شَيءٌ، فَإِنْ عمِلها كُتبتْ عَلَيْهِ سَيئةٌ واحدةٌ».
وهَذا عند أهلِ السُّنة، وقالتِ المُعتزلة والخوارج: لَيستْ معفوةً؛ كالهم بالكُفْرِ. ثمَّ الهمُ الَّذِي لم يُكتبْ عَليهِ ما خَطر بباله ولم يَعْزِمْ عَلَى ارتكابه، وإِلَّا فالمحققونَ عَلى أنه يُكتبُ عَليهِ، لكنْ معَ هَذا قابل أن يعفو الله عنه، وأنه تحتَ المشيئة، بخلافِ قصدِ الكُفْرِ وعَزمه.
وأما خطراته فلا تضرُّ كما يُشيرُ إليهِ حَديثُ: وهَذا صَرِيحُ الإيمانِ» أو: «محضه»، والحمدُ للهِ الَّذِي ردَّ أَمَرَ الشَّيطانِ إِلى الوَسوسة.
ولفظ الكفر مِن غَير اعتقاد بطوع رد دين باغفال الباء في بطوع للمعيَّة، وفي باغتِفالِ للسَّببيَّة، ورد مرفوع عَلَى أَنهُ خَبر لـ لفظ.
والمَعنَى: أَنَّ إجْراءَ لَفظِ الكُفْرِ ومَبْناهُ على اللّسانِ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ اللَّافِظِ بمَعناهُ معَ طَواعِيتِهِ وعَدمِ كَراهِيتِهِ النَّاشئةِ عَن مُوجب إكراه لذَلكَ الكَلام حالَ كَونِهِ مُلْتِبِساً بالغَفْلَةِ عَن ذَلكَ المَرامِ ردُّ لِدِينِ الإِسْلامِ، وخُروجُ عَن دائرة الأحكامِ، وهَذا ما عَليهِ أئمَّةُ الحَنْفيَّةِ؛ لِمَا سبقَ مِنْ أَنَّ المُختارَ عِندَ بَعضهمْ أنَّ الإيمانَ هُو التصديقُ والإقرار، فبإجراء الكُفْرِ عَلى اللَّسانِ يتبدَّلُ الإقرار بالإنكارِ، وذَلكَ كُفْرُ عندَ العُلماء الأبرار. وقال شارح حنفي: يكفرُ عِندَ عامَّةِ العُلماء، ولا يُعذرُ بالجَهل، وقالَ بَعضُهم:
لا يكفرُ ويُعذرُ بالجَهلِ. ثمَّ قال: والأصح أنه لا يكفرُ وعَليهِ الفَتوى، انتَهى. والظَّاهِرُ أَنَّ هَذا إذا تكلَّمَ بكَلمةٍ عَالِماً أَنَّها كَلمةُ كَفَرٍ غَيْرَ مُعتقدِ لَمَعْنَاهَا، أَمَّا مَن تكلم بكلمةِ كُفْرٍ ولمْ يَدرِ أَنَّهَا كَلمةُ كُفْرٍ، ففي فتاوى قاضيخان» حِكايةُ خِلافٍ مِن غَيرِ تَرجيح، حَيثُ قال: قيلَ: لا يكفر لعذره بالجَهلِ، وقيل: يكفرُ ولا يُعذَرُ بالجَهْلِ وقال العز ابنُ جَماعةَ: اختلف في التَّلفظُ بالكُفْرِ مِن غَيرِ اعتقادِ ولا إِكْرَاهِ،
فقيل: يكفرُ بذَلكَ، وقيلَ: لا؛ فلو كانَ عَن إكراه فلا كُفَرَ اتَّفاقاً، انتهى. ومفهوم كلامهِ: أَنَّهُ إِذا كانَ عَن اعتقادِ كَفَرَ اتَّفاقاً كما ذكرهُما الشارِحُ القُدسِيُّ عنه بالمعنَى دُونَ المَبنى، ويُؤيَّدهُ قَولهُ تَعَالَى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَيْنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ
[النحل: 106].
ثمَّ في إطلاقه الإكْراهَ نَظرٌ لا يَحْفَى؛ ففي فتاوى قاضيخان» تفصيل حسن، وهو: أنهُ إِنْ أكرِهَ بقيد أو حَبس فتلفظ لذلكَ كَفَرَ، أو بقتل أو إتلافِ عُضو أو ضَرب مُؤلم فتلفظ لذلك وقلبهُ مُطمئن بالإيمان لا يكفر استحساناً. يعني: وكانَ القِياسُ أنْ يَكُونَ كُفراً؛ لأنه إنكارٌ مُبْطِلُ لِمَا سَبَقَ عَنهُ مِن إِقْرَار. ثمَّ مِن فُروع الارتدادِ: أنه يُبطل أعمالَهُ الصَّالحةَ، وَتَقعُ الفُرقةُ بَينَهُ وَبَينَ امْرَأَتِهِ، ولو جدَّدَ الإيمانَ بخِلافِ مَذهَبِ الشَّافعي فإنَّهُ لا يُبْطِلُهَا إِلَّا بِالمَوتِ عَلَى الكُفْرِ، ففي مَذهبِنا يَجِبُ عَليهِ إعادةُ حِجَّةِ الإِسْلامِ لأَنَّ وَقتَ الحج مُمتد إلى آخرِ العُمرِ، وكذا إذا أسلَمَ في آخِرِ الوَقتِ وقد ارتدَّ في أوَّله بعد أداءِ صَلاتِهِ، فإنهُ تَجِبُ إعادة تلكَ الصَّلاةِ، وأمَّا قضاءُ الصَّلواتِ ونَحوِها الواقعة في أَيَّام الارتدادِ فلا يجِبُ اتَّفاقاً.
ولا يُحكم بكفر حال شكر بما يهذي ويلغو بارتجال لا ناهية، ويُحكَمْ بصيغةِ المَجهُولِ، وقيل بالمثناةِ الفَوقِيَّةِ خِطاباً، وفي نُسخةٍ بصيغة المُتكلّم، ونُصبَ حال عَلى الظَّرفِ، وما مصدريَّةٌ ويَهْذِي بِفَتحِ المُضارعةِ وكسرِ ذالِهِ المُعجَمةِ مِن الهَدْيانِ، وهو الكَلامُ السَّاقط الاعتبارِ فِي مَيدانِ البَيانِ، وفي معناهُ اللَّغو فإنهُ الكَلامُ البَاطِلُ.
والارتجالُ بالجِيمُ: هو القَولُ بَديهةً مِن غَيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن قَبْلِهِ تَهِيئَةٌ ورَوِيَّةٌ، وباؤُهُ متعلق بـ يَهذِي أو يلغُو، وفاعلهما السَّكرانُ فَإِنَّ المَذْكُورَ معَنِّى كَالمَذْكُورِ مَبَنِّى.
والمعنى: أنهُ لا يُحكَمُ بكُفِرِ إنسانٍ بسَببِ ما يجرِي عَلَى لِسانِهِ مِن كَلمةِ الكُفْرِ حالَ سُكرهِ دُونَ تأمل في أمرِهِ، والنَّاظمُ أَطلَقهُ.
وفي فتاوى قاضيخانَ تَفصيلهُ، حَيثُ قال: فإِنْ كَانَ يَعرِفُ الخَيْرَ مِن الشَّرِّ، والسَّماءَ مِن الأَرْضِ، فيُحكَمُ بكُفْرِهِ؛ وإلَّا فلا.
وذَهَبَ ابنُ جَماعةَ وشَارِحٌ مِن الحَنفيَّةِ إلى إطلاقِهِ وعَدمِ تَكفِيرِهِ مِن غَيْرِ نظر إلى اختلافِ حاله، قيل: وهو المشهورُ عَن الحنفية بدليل أَنَّ الإِسْلامَ يعلو ولا يُعلى، على ما ورد في الصحيح.
ويؤيده أنه قرأ بَعضُ الصَّحابة وهو سكرانٌ: أَعْبُدُ ما تَعبُدونَ، وَصَارَ سَبباً لتحريم الشكرِ حالَ الصَّلاةِ.
ونقل الشارح أيضاً عَن أبي حنيفة أنَّ ردَّةَ السَّكرانِ ردَّةٌ؛ لإتيانهِ بِحَقيقَةِ الردَّةِ. قالَ القُدسي: وهَذا مَذهبُ الشَّافعي
ونقل الشَّارِحُ أيضاً أَنَّ السَّكرانَ هُو الَّذِي لا يَعرِفُ الرَّجِلَ مِن المَرأَةِ عِندَ
أبي حنيفة.
ثم قال: واعلَمُ أَنَّ الشكر على نوعين: شكر بطريق مباح كشُرب الدواء، والشكر بالبنج وبما يتَّخذُ مِن الحُبوبِ والعَسل، فلا يقعُ طلاقه ولا إعتاقه، ولا يَنفذُ جميع تصرُّفاته؛ لأنه ليسَ مِن جِنسِ اللَّهوِ فصَارَ مِن أقسام المرض، وسُكر بطريق محظور كشربِ الخَمرِ والنَّبيذ، فيلزمه أحكامُ الشَّرع، وينفذ تصرُّفاتهُ كلُّها إِلَّا الردَّةَ استحساناً.
ومَا المَعدُومُ مَريَّا وشَيئاً لفقه لاحَ في يُمْنِ الهلالِ ما بمعنى: لَيسَ، والمُراد بالفقهِ هُنا: الفَهم، ويصح أنْ يُرَادَ بِهِ الدَّليلُ، واللام فيه للتّعليل، وهُو مُتعلّق بمُقدَّرٍ نَحوُ: قُلتَ. ولاحَ بمَعنَى: ظَهَرَ، واليُمنُ بضم الياء: البركة.
والمَعنَى: لَيسَ المَعدُومُ مَريَّيًّا للهِ تَعالى، ولا شَيئاً. بِمَعْنَى أَنهُ لا يُطلَقُ عَليهِ أنهُ شَيءٌ مُطلَقاً؛ كقولهِ تَعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]. وهو لا يُنافي كونَهُ مُقيَّداً كما قالَ اللهُ تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1].
وقلتُ ذَلكَ جازماً لِمَا هُنالِكَ، لأَجْلِ فَهُم ظَهَرَ لي ظهوراً بيناً كما في الهلال
المُبارَكِ الحال.
وفي المسألةِ خِلافُ المُعتزِلِةِ مُستدِلِّينَ بقَولِهِ تَعَالَى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ عظيم [الحج: 1] عَلى خِلافِ أَنَّها يَومَ القِيامةِ كما قالَ الحَسنُ والسدِّيُّ، أو قَبَلَ يومِ القيامة وهي من أشراطها كما قالَ عَلقمةُ والشَّعبي وابنُ جُريج. وقالَ مُقاتل: تَكونُ قبلَ النَّفْخِةِ الأُولى.
وأجيب عنه: بأنَّ مَعنَى الآيةِ: إِنَّ زلزلة الساعة تكونُ شَيْئاً عَظِيماً عِندَ وُجودِها، وبأنَّها لما كانَتْ أمراً مُتحقِّقَ الوقوع في عِلْمِهِ سُبحانَهُ صَارَتْ كأَنَّها مَوجُودةٌ في الحَالِ، والله أَعلَمُ بالأحوال.
قيلَ: والتَّحقيقُ في هَذِهِ المَسأَلِةِ ما ذَهَبَ إِلَيْهِ المُحقِّقُونَ: مِنْ أَنَّ الشَّيئيَّةَ تُرادف
الوُجودَ، والعَدمَ يُرادِفُ النَّفي، فالحُكمُ بكَونِ المَعدومِ لَيسَ بِشيءٍ ضَروري. ويُؤيده ما حكَى شَارِحُ المَواقِفِ»: مِن أنَّ أهلَ اللُّغةِ في كلُّ عَصرِ يُطلِقونَ لَفظَ الشَّيء عَلى المَوجُودِ، حتّى لو قيل لهم: المَوجُودُ شيءٌ، تَلقَّوه بالقبول، ولو قِيلَ: لَيسَ بشَيء، قابلوه بالإنكار، انتهى.
وقيلَ: النَّزاعُ لَفظيٌّ فإِنَّ مُرادَهمْ بِالمَعدُومِ: الشَّيءُ الثَّابِتُ المُتحقِّقُ نَفيه. ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ المَسأَلةَ مِنْ أَشْهِرِ مَسائلِ الخَلافِ بَينَ أَهْلِ السَّنَّةِ والمُعتزِلَةِ، إِلَّا أَن مَحلَّ الخِلافِ المَعدُومُ البَسيطُ المُمكنُ الوُجودِ، وأَمَّا المَعدُومُ المُمتَنعُ الوُجودِ لذَاتِهِ ـ كاجتِماع الضدَّينِ - فلَيسَ شَيئاً، ولا يُرى بلا خِلافٍ.
وقال العزُّ بنُ جَماعةٍ: اسْتَمَلَ هَذا البَيْتُ عَلَى قَاعِدتينِ:
الأولى: أنَّ اللهَ تَعالى هَل يَرى المَعدُومَ أم لا؟ فَمَذهَبُ الحَنْفِيَّةِ الثَّاني، ومَذهَبُ
المُعتزِلَةِ الأَوَّلُ.
والثانيةُ: أَنَّ المَعدُومَ هلْ هُو شيء أم لا؟ فَمَذهبُ أَهلِ السَّنَّةِ الثَّانِي، وَمَذهَبُ
المُعتزِلَةِ الأَوَّلُ، والله أعلم.
وغَيْرانِ المكونُ لا كشَيء ــــع التكوين حذه لاكتحال غيرانِ بكَسرِ النُّونِ: تَثنية غير التَّكوين: الإيجاد، والمكوَّن بفتح الواو:
المَوجُودُ، وهُما متغايرانِ؛ إذ السَّبب غيرُ المُسبَّب، والفعل غيرُ المَفعول. قالَ ابنُ جَماعة: وهَذا عند أهلِ السُّنةِ خِلافاً للمعتزلة، فإنَّهما شيء واحدٌ عِندهم. ثمَّ الضَّميرُ في خُذهُ راجع إلى ما قَالَهُ مِن أنَّ المُكوَّنَ والتَّكوينَ مُتغايرانِ، وأَكَّدَ ذَلكَ بقوله: لا كشيءٍ؛ أي: لا مُتَحدانِ، وجَعَلَ هَذا القَولَ بِمَنزلةِ الكُحل؛ لتنويرِهِ عَينَ البَصيرةِ مِنْ عَمَى الجَهْلِ بِهِذِهِ المَسأَلِةِ.
فاعلَمْ أنَّ التكوينَ أَثْبتهُ عُلماؤنا الحَنفِيَّةُ صفَةٌ اللَّهِ تَعَالَى زائِدَةً عَلَى القُدرةِ والإرادَةِ، وقالُوا بِقِدَمهِ، وفسَّروه بإخراجِ المَعدُومِ مِن العَدَمِ إلى الوُجودِ. والمراد: مبدأ الإخراج لا نفسه؛ لأنَّ نَفْسَ الإخراج وصف إضافي حادث وقَديمٌ.
ونُسب قولُ المُعتزِلَةِ إلى الأشعري أيضاً، لكنَّ العلَّامةَ التَّفتازاني ردَّ نِسبَةَ ذَلكَ على ظاهِرِهِ إلَيهِ، وحَمَلَ كلامَهُ عَلى مَحملٍ صحيحِ لدَيهِ، فَقَالَ: مَن قالَ: إِنَّ التَّكوينَ عَينُ المُكوَّنِ، أَرادَ أَنَّ الفَاعلَ إذا فَعَلَ شَيئاً فلَيسَ هاهنا إِلَّا الفَاعِلُ والمَفْعُولُ، وأمَّا المَعنَى المعبر عَنهُ بالتَّكوين فهو أمر اعتباري يَحصُلُ في العَقلِ مِن نِسبةِ الفَاعِلِ إلى المفعول، وليس أمراً مُحقَّقاً مُغايراً للمَفْعُول في الخارج، ولَمْ يُرِدْ أَنَ مَفهُومَ التَّكوينِ هُو بِعَينِهِ مَفهُومُ المُكوَّنِ.
وهَذا خُلاصةُ ما في كلامِهِ مِن شَرحي «المَقاصِدِ» و «العقائدِ».
وقد سبق شَرحُ قَولِهِ: وفي الأذهانِ حقِّ .. البيت المذكور هنا على ما في بعض النسخ. وإنَّ السُّحْتَ رِزْقٌ مِثلُ حِل وإن يكرَهُ مَقالي كلُّ قال الشحت بضم السين وشكون الحاءِ ويُضم: هو الحَرام، بل أَشَتُه، والحل
بكسر الحاء: الحَلالُ، والمَقالُ مصدرٌ مِيمي بمَعنَى القَولِ أو المقول. والقَالي: المُبغِضُ، ومنه قوله تعالى: {مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا لَى} [الضحى: 3]،
وقوله: {إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168].
والمَعنَى: أَنَّ الحَرامَ مَرْزُوقٌ مثلُ الحَلالِ لأَنَّ الرِّزْقَ مَا يَسوقهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى
الحَيوانِ ليَنتفِعَ بِهِ حَراماً كَانَ أَو حَلالاً.
وفي المسألة خِلافُ المُعتزِلَةِ مُستدلَّينَ بأَنَّ الرِّزْقَ مُستنِدٌ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي الجُمْلَةِ،
والمُستنِدُ إِلَيْهِ تعالى يَقبحُ أَنْ يَكُونَ حَراماً يُعاقَبونَ عَلَيهِ.
وأجيب: بأنهُ لا قَبيح بالنسبة إليهِ تَعالى؛ لأنهُ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ فِي مِلكهِ، ويَحكُمُ ما يُريدُ في ملكه، وعِقابُهمْ عَلى الحَرامِ لسُوءِ مُباشَرتهم أسبابَ الأَحْكامِ، مَعَ أَنهُ يَلزمُ المُعتزِلَةَ أَنَّ المُنتفِعَ بالحَرامِ طُولَ الأَيَّامِ مِن عُمرِهِ لَمْ يَرْزُقهُ اللَّهُ أَصْلاً؛ وهُو مُخالفٌ لقَولِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].
ثم اعلم أن هذا البيت في بعض النسخ مَوجُودٌ دُونَ غَيرِهِ. وفي الأجداثِ عَن توحيد ربي سينلى كل شخص بالسؤال الأجداث بالجِيمِ والمُثلثة: القُبورُ، جَمعُ جَدَثٍ بِفَتَحتَينِ، و سيُبْلَى صِيغَةُ
مجهولٍ مِن البَلاءِ بفتح ومدَّ بمَعنَى: يُمتحَنُ، وهُو مُتعلَّقُ المَجرُوراتِ كلها. قالَ ابنُ جَماعةَ: يُشيرُ إلى أنَّ سُؤالَ مُنكر ونكير حقٌّ يَجب الإيمانُ بهِ، وقد
أجمعَ عَليهِ أهلُ السُّنةِ، خلافاً للجهميَّةِ وبَعضِ المُعتزلة، انتهى.
ومَعنَى البَيتِ: أَنَّهُ سَيُختَبَرُ كُلُّ شَخص في قَبْرِهِ أَو مَقرِّهِ بِالسُّؤالِ عَن رَّبِّهِ وَدِينِهِ ونبيه، كما وَردَ في الحَديثِ الصَّحِيحِ: «فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: رَبِّي اللهُ وديني الإسلام، ونَبيِّي مُحمدٌ، ويقول الكافر والفاجِرُ: هاه هاه لا أدري
وفي «الخُلاصة» و «فتاوى البزازيَّةِ مِن أئمَّةِ الحنفيَّةِ: إِنَّ مَن جُعَلَ فِي تَابُوتٍ أياماً ليُنقل ما لم يُدفَنْ لمْ يُسأل، وهُو ظَاهِرُ الأحادِيثِ، فتأمل.
أما لو أكلَهُ سَبع فالسُّوَالُ فِي بَطْنِهِ كما صَرَّحا بِهِ.
وأمَّا سُؤالُ الصَّغِيرِ فَمَنقول عَن السَّيِّدِ أبي شُجاعٍ مِن الحنفية، واعتمدهُ صَاحِبُ «الخُلاصةِ» والبزَّازِيُّ في «فَتاوِيهِ»، وجرَى عَليهِ النسفي في «العُمدةِ»، لكنْ جَزمَ صاحِبُ البَحرِ» بخلافه؛ وهُو مُقتَضَى قولِ النَّوويّ في «الروضة» و «الفتاوى».
وتوقَّفَ التاج الفاكهاني في سُؤالِ المجنونِ ونَحوه.
وأما الأنبياءُ عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالأصحُ أَنَّهُمْ لا يُسْأَلُونَ كما جَوْمَ به النسفي في «بحري».
وما ورد في «الصحيحين من استعاذة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن فِتنةِ القَبْرِ وَعَذَابِهِ أَجَابَ عَنهُ القاضي عياض في شَرحِ مُسلم» بأنَّ ذَلكَ التزام لحقِّ اللَّهِ تَعَالَى وإعْظامِهِ والافتِقارِ إلَيهِ، وليقتدي بهِ أُمته، وليُبَيِّنَ لهمْ صِفةَ الدُّعاءِ، والمهم منه.
وأما الجنُّ فمالَ بعضُ المتأخرينَ إلى أنهُمْ يُسألُونَ؛ لَعَدمِ الأدلَّةِ الشَّامِلةِ لهمْ ولغيرهم.
وأَمَّا الملائكةُ فَقَالَ الفَاكِهانيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لا يُسألونَ، وَمَيلُ القُرطبي إلى خلافه، والأظهرُ الأَوَّلُ؛ لِمَا سبق من أنَّ الأنبياء لا يُسألُونَ عَلَى الأَصحُ. ثم قالَ ابنُ عبد البر: لا يُسأل الكافرُ الصَّريح؛ بل يعذَّبُ مِن غَيرِ سُوَّالٍ، وإِنَّما السُّؤالُ للمُنافِقِ، وخالَفَهُ القُرطبي وابن القيم فقَالا بسُؤال كلٌّ مِنهُما
هذا، وقد وردَتْ أحاديثُ باستثناء عدَّةٍ فلا يُسْأَلُونَ؛ منهِمُ: الشَّهِيدُ، والمُرابط يَوماً ولَيلةً في سَبيلِ اللهِ، ومَن ماتَ في يَومِ الجمعةِ أو لَيْلَتها، ومَن قَرَأَ سُورةَ المُلكِ في كل ليلة، والمَبطُونُ والمُرادُ بالبَطن الاستسقاء أو الإسهال قولان للعلماء؛ كم ذكره القُرطبي وأما ما ذكره البلقيني مِن أنَّ سُؤالَ القَبرِ يكُونُ بالسرياني، فغَيرُ مَعروفِ بين المتكلمين ولا بينَ المُحدِّثِينَ.
وذكر الترمذي وابنُ عبدِ البرِّ أَنَّ سُؤالُ القَبْرِ مِن خَصائصِ هَذِهِ الأُمةِ، ولعل الحكمة في ذلكَ أنْ يُعجَّلَ عَذابُهمْ في البَررْخِ فيُوافُونَ القِيامَةَ عَنِ الذُّنوبِ ممحصةٌ.
وللكفَّارِ والفساقِ يُقضَى بصيغة المجهولِ مِن القَضاءِ، وفي نُسخةٍ صحيحة: بغضاً بالغَينِ المُعجَمةِ عَلى أَنه مَنصوب بالحاليَّة؛ أي: مبغوضينَ، أو بالعِلَّيَّة؛ أي: بُعْضَاً مِن اللهِ لَهُمْ. وفي بَعضِ النَّسَخِ: بعض بالعَينِ المُهملةِ مَحْفُوضاً عَلَى أَنَّهُ بِدلٌ مِن الفُساقِ بدَلَ بَعض.
عَذابُ القَبرِ مِن سُوءِ الفِعالِ عَذابٌ مرفوع عَلى أنه نائبُ الفَاعِلِ بناءً عَلى نُسخة الأصل، أو عَلى أَنه مُبتدأ خبره الجار والمجرورُ السَّابِقُ عَليهِ؛ للإِشَارَةِ إِلى حَصِرِ العَذَابِ المَذْكُورِ في الكفَّارِ
وبعض الفجار.
و الفعال بكسرِ الفاءِ: جَمعُ فِعْلٍ، وأمَّا بالفَتح فَمَصدرُ؛ ك: ذَهَبَ ذَهاباً، وقيل: يُستعمل بالكَسرِ للشر وبالفتح للخَيرِ.
والحاصل: أنه يجِبُ اعتقادُ أنَّ عذابَ القَبرِ حق واقع للكفَّارِ، وثابِتُ لبَعضِ
الفجَّارِ مِمَّنْ أَرادَ اللهُ تَعذِيبَهُ فِي تِلكَ الدَّارِ؛ لسُوءِ فِعالهمْ وقُبح حالهمْ. وقد أجمعَ أهل السنَّةِ عَلى ذَلكَ ففي «الصَّحيحَينِ»: «عذاب القبرِ حق» ?، ويُؤيده قولُهُ تَعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا} الآية [غافر: 46].
وفي المسألةِ خِلافُ المُعتزِلَةِ والجَهميَّةِ والرَّافضةِ.
وزيد هنا بيتٌ في بعض الشروح وهو قوله:
دخول الناس في الجنَّاتِ فَضل من الرّحمن يا أهل الأمالي الأمالي: جمع أمل، ولو قال: يا أهل المعالي، لخص من صُورةِ
الإيطاء ولو لمْ يَقعُ عَلى التوالي.
والمَعنَى: أَنَّ دُخول المُؤمن في الجنَّةِ ليسَ بِمُجرَّدِ أعمالهِ الصَّالِحَةِ، بَلْ بفضل الله وكرمه؛ لقولهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لنْ يَدخل أحدُكُمْ الجنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ! قالَ: «ولا أنا إِلَّا أَنْ يتغمَّدَني اللهُ بَرَحمتِهِ»، وهو لا يُنافي قَولَهُ تَعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] سواء قيل بأن الباءَ للسببية أو البدلية، خلافاً للمعتزلة في هَذهِ المَسأَلةِ؛ حَيْثُ يَقُولُونَ بإيجابِ إِثابَةِ المطيعِ وعِقابِ العاصي.
ونَحنُ نَقولُ: لا يَجبُ عَلى الله سبحانه شيء، وإِنَّما أدخَلَهم الجنَّةَ بِفَضلِهِ، كما في و: كذهب» وذهاب وقد يستعمل.
أنَّ الكفارَ أدخلَهمُ النَّارَ بعَدْلِهِ؛ نعمُ الدَّرجاتُ والدَّركاتُ بحَسبِ اختِلافِ الحَسناتِ وتَفاوُتِ السَّيِّئاتِ والخُلود فيهما بواسطة النيَّاتِ، ولذا قِيلَ: النَّيَّاتُ بِمَنزِلِةِ الأَزْواحِ، والأعمال في مرتبة الأشباح.
حِسابُ النَّاس بعد البعث حق فكونوا بالتحز عن وبال
الوَبَالُ بالفَتح: الإثمُ الَّذِي كَانَ مِن قِبَلِ العَبْدِ كَالقَتلِ والظُّلم ونَحوِهما.
والمعنى: إذا كانَ حِسابُ جَميعِ النَّاسِ حقاً ثابتاً فكُونُوا مُحترزين احترازاً شَديداً عَن حُقوقِ العِبادِ خُصوصاً؛ لأنَّ ما كانَ بَينهُ سُبحانهُ وبَينَ عِبادِهِ يُرجى منه العفو، كذا قاله بَعضُ الشراح.
والأظهرُ أَنَّ المُرادَ بِالوَبالِ: شدَّةُ الأثقالِ مِن ذُنُوبِ الأَعْمَالِ، أَعمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ
مِن حُقوقِ اللهِ أو حُقوقِ العِبادِ؛ لِمَا فِي الصَّحيحَينِ» أنهُ علَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مَرَّ بقَبرين فقَالَ: «إنَّهما ليُعذبانِ .. » الحَديثَ.
وأشارَ النَّاظمُ إلى حقِّيَّةِ بعثِ الخَلقِ مِن القُبورِ فِي يَومِ الحَشْرِ والنَّشورِ. ثمَّ مِن الأدلَّةِ عَلَى ثُبوتِ الحِسابِ قَولُهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا لله الانشقاق: ?]، وقوله: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 14]، وقوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، إلى غير ذلكَ مِن الآياتِ والأخبار. ومقتضى ما نَقلَ ابنُ عبدِ البرِّ، والبزَّازِيُّ مِن تكليف الجنِّ اتَّفاقاً، وأنَّ لهمْ ثواباً وعِقاباً: أَنَّهُمْ يُحاسبونَ كالإِنْسِ، فكأنَّ الناظِمَ ذَهَبَ إِلى أَنَّ الجنَّ فِي الأَحْكامِ
تابع للإنس، أو مالَ إلى تَوقُفِ أبي حنيفة في أمرِ ثَوابِهِمْ المُترتِّبِ عَلَى حِسابِهِمْ، مَعَ الإجماع على تحققِ عِقابِ الكَفرةِ مِنْهُمْ، أو تَبعَ بعضَ اللُّغويّينَ فِي أَنَّ الجِنَّ داخِلونَ في مسمَّى النَّاسِ.
وأمَّا المَلائِكَةُ فَقَدْ أَخرجَ ابنُ أَبي حاتم عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ أَنهُ قَالَ: أَوَّلُ مَن
يحاسَبُ جِبريلُ؛ لأنهُ كانَ أمِينَ اللَّهِ فِي وَحيهِ إِلى رُ ُسلِهِ.
لكن أخرج أبو الشَّيخِ بنُ حَيَّانَ عَن أبي سنانَ قالَ: اللَّوحُ المَحفُوظ معلَّق بالعرش، فإذا أرادَ اللهُ أنْ يُوحي بشيءٍ كَتبَ في اللُّوحِ، فَيَجِيءُ اللَّوحُ حَتَّى يَقرعَ جَبهِةَ إسرافيل، فينظرُ فيهِ، فإنْ كانَ إلى أهلِ السَّماءِ دَفعه إلى ميكائيل، وإنْ كانَ إلى أهل الأَرْضِ دَفعه إلى جبريل؛ فأَوَّلُ ما يُحاسب يَومُ القِيامَةِ اللَّوحُ، يُدعَى بِهِ تُرْعَدُ فرائصُهُ، فيُقالُ لهُ: هلَ بلَّغتَ؟ فيقولُ: نعم، فيُقالُ: مَن يَشْهدُ لكَ؟ فيقولُ: إِسْرافيل فيدعى إسرافيل تُرْعَدُ فرائِصُهُ، فيُقالُ: هل بلغكَ اللُّوحُ؟ فإذا قال: نعمْ؛ قالَ اللَّوحُ: الحمدُ للهِ الَّذِي نجاني مِن سُوءِ الحِسابِ. ثمَّ كَذَلكَ.
وأخرج أيضاً عَن وُهَيبِ بنِ الوَردِ قالَ: إذا كانَ يومُ القِيامةِ دُعِيَ إسرافِيلُ تُرعدُ فَرائصُهُ، فيُقالُ: ما صنَعتَ فيما أدَّى إلَيكَ اللُّوحُ؟ فيَقولُ: بلَّغتُ جِبريلَ؛ فيُدعَى جبرائيل تُرعدُ فَرائصه؛ فيُقالُ: ما صنعت فيما بلَّغكَ إِسْرافيل؟ فيقولُ: بلَّغتُ الرُّسلَ؛ فيُؤتَى بالرُّسل فيُقالُ: ما صَنعتُمْ فيما أدَّى إليكُمْ جِبريلُ؟ فيقولُونَ: بلغنا النَّاسَ، وهُو قوله تعالى: {فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]
هَذا ورَوى مسلم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «التُؤدُّنَّ الحُقوق إلى أهلِها يومَ القِيامَةِ حَتَّى
يُقادَ للشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِن الشَّاةِ القَرْناءِ».
وروى الإمام أحمد: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: يُقتصُّ للخَلقِ بَعضِهِمْ مِن بَعضٍ، حَتَّى
للجَمَّاءِ مِن القَرْناءِ، وحتّى للذرَّةِ مِن الذّرة».
وقالَ: «اليَختصمنَّ كُلُّ شيءٍ يَومَ القِيامةِ، حتَّى الشَّاتانِ فيما انتطحتا». قال المُنذِرِيُّ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ: رُواتَهُ رُواةُ الصحيح، وفي الثاني: إسناده حَسَنٌ. وقال الجَلالُ المحلّي: قضيَّةُ هَذهِ الأحادِيثِ أنْ لا يَتوقَّفَ القِصاصُ يَومَ القِيامَةِ على التكليفِ والتَّمييز، فيُقتصُّ مِن الطِّفْلِ لطِفلٍ وغَيْرِهِ.
قلت: وكَذَا المَجنُونُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد حكى الإمامُ بدرُ الدِّينِ الشَّبليُّ الحنفي في كتابه: «آكامُ المَرجانِ في أحكام الجانِ» أنه اختلف في دُخولِ الجنَّ الجنَّةَ عَلى أربعة أقوالٍ؛ أحدها: نَعَمْ، الثَّاني: لا، بلْ يَكونُونَ في ربَضِها، الثَّالثُ أَنَّهُمْ عَلى الأعراف، الرَّابع: الوَقفُ. وحكى القَولَ: بدخولهمْ عَن أكثرِ العُلماء.
وعن مجاهد: أنَّهم إذا دخلوا الجنَّةَ لا يأكُلُونَ فيها ولا يَشْرَبُونَ، ويُلهمونَ مِن التسبيح والتَّقديس ما يجده أهلُ الجنَّةِ مِن لذَّةِ الطَّعَامِ والشَّرابِ، والله أعلمُ بالصَّوابِ. وذهب الحارثُ المُحاسبي إلى أنَّا نَراهُمْ إذ ذاكَ وهُم لا يَرونَنَا، عَكس ما كانُوا عَليهِ في الدُّنيا.
ويُعطى الكُتبُ بَعضاً نحوَ يُمنَى وبعضا نَحوُ ظَهرِ والشّمالِ الكتب بضمتينِ: جَمعُ كتاب، وخُفِّفَ هاهنا للضَّرُورَةِ، والمُراد بها: صَحائف
الأعْمالِ الَّتِي كتبها الحفظةُ فِي أَيَّامِ حَياتِهِمْ، وَهُو مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الفاعل. و بعضاً نَصبٌ عَلى أنه مفعولٌ ثانٍ، وكانَ الأظهرُ أَنْ يَرفعَ بعض ويَنصبَ الكتب؛ لأنَّ ذَوي العُقولِ أولى بأنْ يكُونوا المَفعُولَ الأَوَّلَ، وليُوافَقَ قَولَهُ تَعَالَى:
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كَتَبَهُ، وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوفَ يَدْعُوا تُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ? - ??] وفي آية أُخرَى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة: 25]، والجمعُ بَينَهُما بأنهُ يُعطَى بِشِمَالِهِ مِن وَراءِ ظَهَرهِ، واختُلفَ فِي كَيفيَّتِهِ:
فقِيلَ: تُلوَى يدُهُ اليُسرى مِن صَدرهِ إلى خَلْفِ ظَهرِهِ ثُمَّ يُعطَى كِتابَهُ.
وقيل: تُنزَعُ يده اليُسرَى مِن صَدره إلى خَلْفِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعطَى كِتابَهُ.
وقِيلَ غَيْرُ ذَلكَ، والله أعلم بما هُنالكَ.
وقد أغربَ الشَّارِحُ القُدسي فيما أعرَبَ حَيثُ قالَ: إِنَّ بعضَاً حال، والمفعولُ
الثاني مقدَّرُ؛ أي: النَّاسِ أَو المُكلَّفينَ أَو نَحو ذَلكَ.
وحقُّ وَزَنُ أعمالٍ وجَري عَلى مَتنِ الصِّراطِ بلا اهتبال
أي: وزنُ الأعمالِ حقٌّ؛ لقولهِ تَعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَيذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَتِبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِايَتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: ?-?].
والميزانُ عِبارة عمَّا يُعرفُ بِهِ مَقادير الأعمال، وما يَتَرتَّبُ عَليهِ مِن العَدلِ والفَضلِ بحسب تفاوتِ الأحوالِ والعَقلُ قاصرٌ عَن إِدْراكِ كَيفيَّتِهِ وتصورِ مَاهِيَتِهِ؛ لأنَّ الأعمال أعراض يستحيل بقاؤها، فلا يُوصَفُ بالخفَّةِ والنقل أجزاؤها، لكن لمَّا وَردَ الدَّليلُ عَلى ثُبوتِهِ وَجبَ اعْتِقادُ حَقَّيَّتِهِ مِن غَيْرِ اشتغال بكَيفيَّتِهِ، فإنهُ سبحانهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعرِّفَ عِبادَهُ مَقادير أعمالهم بأي طريق أرادَهُ.
وقدْ وَردَ أَنَّ المَوزُونَ صَحائفُ الأعمال كما يدلُّ عَليهِ حَديثُ البطاقةِ الَّتِي فيها كَلمةُ التَّوحيدِ والبسملة، وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الأعمالَ تُجسَّدُ وتُجسَّمُ بحَسَبِ تفاوتِ الأحوالِ، ثمَّ تُوزنُ ليعرِفَ الخلقُ مَا لَهُمْ مِنَ النَّوالِ والوَبَالِ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن المُفسِّرِينَ إلى أنهُ مِيزانٌ حَقيقي لهُ لسانُ وكَفَّتَانِ، وأَسنَدهُ اللالكائي في كتابِ شَرحِ السنَّةِ» لهُ إلى كلِّ مِن سلمان الفارسي والحَسنِ البَصري. وروى ابن جرير واللالكائي عَن حذيفة مرفوعاً: أَنَّ صاحِبَ المِيزان يومَ القيامةِ جِبريلُ عَليهِ السَّلامُ.
وأشارَ النَّاظمُ بقَولِهِ: وزنُ أعمالٍ إلى أنَّ الوَزْنَ مُختص بالأعمالِ الظَّاهرة كما نَقلهُ القُرطبي في تذكرتِهِ عَن الحَكيم الترمذي، وأنَّ الإيمانَ لا يُوزَنُ إذ لا مُوازنَ لهُ، فإنه لا ضدَّ لَهُ إِلَّا الكُفْرُ، ومُحالٌ وَزَنهُ.
ثمَّ الصِّراطُ جِسرٌ مَمدودٌ عَلَى مَتنِ جَهَنَّمَ - وفي رواية: على ظَهرِ جَهَنَّمَ - أدقُ من الشعر، وأحدُّ مِن السَّيفِ، يمرُّ عَليهِ جَميعُ الخَلقِ، فَيَجوزهُ أهلُ الجَنَّةِ، وتَزِلُّ بِهِ أقدام أهلِ النَّارِ؛ كما قالَ تَعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيا لا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ??-??].
وفي «الصَّحيحَينِ»: أنَّ المُؤمِنينَ يمُرُّونَ عَليهِ سِراعاً كطَرفِ العَينِ وكالبرق وكالرِّيحِ وكأجاويد الخيل والركاب، وإلى هَذا أشارَ النَّاظمُ بِقَولِهِ: وجري إِلَّا أَنَّ
هَذا الجري لا يحصل لكلّهمْ، فكانَ الأنسَبَ أَنْ يَقول: ومر بمعنى مُرُورٍ. وقوله: بلا اهتبالِ أي بلا كذب وافتراء أو بلا اعتماد على شيء، ففي
«القاموس»: اهتبلَ: كذَبَ كَثِيراً، وعَلى ولدهِ: اتَّكل. وأما ما ذكره القدسي مِن أنَّ المُرادَ بهِ ثقل البدنِ، وما قاله غيره بأنه
بمعنى النقص، فغَير ظاهر في المعنى كما لا يخفى. ثمَّ هُو متعلق بـ جري أو بخَبره وهوَ: حقٌّ، المقدَّرُ، أو بـ حق مُطلَقاً، ولا يبعدُ أَنْ يَكُونَ هو خبرَ جري.
وفي الجملة ردُّ عَلى المُعتزِلِةِ في إنكارِهِمْ كَلَّا مِن المِيزَانِ والصِّراطِ مُستدلِّينَ بأدلة واهية يستحقُونَ بِهِ أَنْ يُعذَّبوا في نارٍ حَامِيةٍ.
ومرجو شَفاعة أهل خير لأصحاب الكبائر كالجبال صفةٌ لـ الكبائر؛ أي: الذُّنوبِ الثقال أمثالِ الجِبالِ، والخيرُ كلُّهُ مَجموع في أربعة: النظرُ والحَركةُ والنُّطقُ والصَّمتُ، فكلُّ نظرِ لا يَكُونُ فِي عِبرة فهو غَفلةٌ، وكلُّ حركة لا تكُونُ في عِبادة فهو فَترَةٌ، وكلُّ نطق لا يكُونُ في ذكرٍ فهو لغو، وكلُّ صمتٍ لا يَكُونُ في فكرٍ فَهُو سَهو.
والمعنى: شفاعةُ أهل الخيرِ مِن الأنبياء والأولياء لأهلِ الذُّنوبِ الكَبائر – فضْلاً عَن الصَّغائِرِ - مرجو.
والمُرادُ بالكَبائر هنا: ما عَدا الشَّركِ؛ لقولهِ تَعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]؛ أي: بالشَّفاعة وغيرها.
فروى الترمذي وغيره أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: «شَفاعتِي لأهلِ الكَبائِرِ مِن أُمتِي وفيه ردُّ عَلى المُعتزلةِ حَيثُ لم يقُولُوا بالشَّفاعةِ إِلَّا في علو الدرجةِ، مَعَ قولهم: إِنَّ أَهلَ الكَبَائِرِ مُخلَّدُونَ فِي النَّارِ.
وفي «سنن ابنِ ماجه عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَرفُوعاً: «يشفع يومَ القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثُمَّ العُلماء، ثمَّ الشُّهداء».
واعلَمْ أَنَّ قوله: مرجو يُوهمُ أنَّ الشَّفاعة ظنِّيةٌ، وَلَيْسَ كَذَلكَ، بَلْ هِي قَطعيَّةٌ؛
لورودِ أحادِيثَ مُشتَهرةٍ كادَتْ أَنْ تَكُونَ مُتواترةً.
وقال ابنُ جَماعة: النَّاسُ عَلى قِسمين: مؤمن وكافر، فالكافر في النَّارِ إجماعاً، والمؤمنُ على قسمين: طائع وعاص؛ فالطَّائعُ في الجنَّةِ إجماعاً، والعاصي على قسمين تائبِ وغَيرِه؛ فالتَّائبُ في الجنَّةِ إجماعاً، وغيرُ التَّائبِ في مَشيئة الله تعالى.
وللدعوات تأثير بليغ وقد يَنفيه أصحابُ الضَّلالِ
الدعوات بفتحتينِ: جَمعُ الدَّعوةِ بمعنى الدُّعاءِ.
والمعنى: إنَّ لدَعواتِ المُطيعين الله تأثيراً بليغاً في صرفِ القَضاءِ المُعلَّقِ دُونَ المُبرَمِ؛ لقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم [غافر: 60]، ولقولهِ عَليهِ السَّلامُ: «لا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعاءُ» رواه الترمذي وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، ورَواهُ ابنُ حِبانَ والحاكِمُ ولَفظُهما: «لا يردُّ القَدرَ إِلَّا الدُّعاءُ».
ولقولهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الدُّعاءُ يَنفَعُ مما نَزَلَ وممَّا لَمْ يَنزِلُ» رواهُ البَزَّارُ
والطبراني والحاكِمُ وقالَ: صَحيحُ الإسْنادِ.
وكذا دُعاءُ الأَحْياءِ للأمْواتِ له تأثيرُ في تَخفِيفِ الذُّنوبِ، وفي دَفعِ العَذَابِ ورفع الدرجاتِ؛ لقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ??]
فإنه سُبحانهُ قاضِي الحَاجَاتِ، ودافعُ البَليَّاتِ.
وأرادَ النَّاظمُ بقوله: أصحَابِ الضَّلالِ المُعتزِلَةَ، حَيثُ خَالِفُوا فِي هَذِهِ المسألة أهلَ الهِدايةِ مِن أهل السنَّةِ والجَماعةِ.
وأمَّا إجابةُ دَعوةِ الكَافِرِ ففيها خِلافُ بينَ مَشايخ الحنفيَّةِ، ونَقلَهُ الرُّويانيُّ في كتابه «بحر المذهب» عن الشَّافعيّةِ، ونفى الاستجابةفيه، وهو المنقول عن الجمهور على ما ذُكر في شرح العقائدِ»، وكانَ مُستدلَّهُمْ ما نَقله البغوي في معالمِ التَّنزيل عن الضحاكِ في تَفسِيرِ قَولهِ تَعَالَى: {وَمَادُعَاهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلِ [الرعد: 14].
وأَمَّا المُحققون فعَلى أَنَّ هَذا في العُقبى، وأمَّا في الدُّنيا فَقَدْ يَقبلُ اللهُ دُعاءَ الكافِرِينَ؟؛ لأنَّهُ تَعالى حِينَ قالَ إِبْلِيسُ: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر: 36 - 38] فأجابَ دُعاءهُ في الجُملة، ولقولهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اتَّقوا دَعوةَ المَظْلُومِ ولو كَانَ كَافِراً، فَإِنَّهُ لَيسَ دُونَهَا حِجابٌ رَواهُ أَحمدُ وغَيرَهُ عَن أَنَسٍ مَرفُوعاً.
ودنيانا حَديثُ والهَيُولَى عَديمُ الكَونِ فاسمع باجتذال الهيولى بفتح الهاء وضم الياء المشدّدة - وقد تُخفَّفُ كما هُنا -:
القُطنُ، وشبه الأوائل طينة العالم به، أو هو في اصطلاحهمْ مَوصُوفُ بما يَصفُ بهِ أهلُ التَّوحيد الله سُبحانَهُ أنهُ مَوجُودٌ بلا كميةٍ وكَيفيَّة، ولمْ يَقترن به شيءٌ مِن سماتِ الحَدثِ، ثمَّ حلَّتْ بهِ الصَّنعةُ واعترضتْ بهِ الأَعْراضُ، فَحَدَثَ مِنهُ العالم. كذا في «القاموس.
وقيل: الهَيُولى عندَ الفَلاسفة اسمٌ لِمَا يُتَّخِذُ مِنْهُ الأَشياءُ؛ كَالخَشْبِ يُتَّخِذُ مِنْهُ البَابُ، والحِنطةِ يُتَّخِذُ مِنهُ الدَّقيقُ، والتُّرابِ يُتخذُ مِنْهُ العمارة.
والاجتذالُ بالذَّالِ المُعجَمةِ بِمَعنى الفَرح.
والحَديثُ فعِيلٌ بمعنى الفاعل، والعَديمُ بمعنى المَفعُول.
والمُرادُ مِن الدُّنيا هنا: المَخلُوقاتُ بأسرها مِن جَواهِرها وأعراضها.
والمعنى: أنَّ العالَمَ - وهو كلُّ ما سوى الله ـ بظَاهِرها وباطنها حادث بإحداثِ اللهِ سُبحانَهُ إيَّاها وإيجادها، وبإبقائها بإمدادها، وأنَّ القولَ بكَونِ الهَيُّولى - وهُو أصل العالم ومادَّةُ بني آدمَ من العناصر الأربعة وغيرها - قديماً في الكونِ عَديمٌ وغيرُ مَوجود؛ فإنَّ الأشياء كلَّها مَخلوقٌ لَهُ سُبحانهُ، وكانَ الله ولمْ يكُن معه شيء، وهَذا هو المذهبُ الحَقُ الَّذِي عَليهِ جَمِيعُ أَهْلِ الملل من أهلِ الإسْلامِ، واليهود والنصارى وغيرهمْ مِن أتباع الأنبياءِ عَليهِمُ السَّلام، وإِنَّما خالفهم الفلاسفة والحكماء المُتقدِّمونَ القَائِلُونَ بقدم العالم، وقد أجمعوا عَلى كُفْرِهِمْ وكُفْرِ مَن تَبعهمْ مِن الأنامِ؛ فاسمع حالَ كَونكَ مُلتبساً بالشرورِ الَّذِي يُوجبُ النّورَ عَلى ظُهورِ النُّورِ، فإِنَّهُ يُفيدُ أَنَّ اللَّهَ قادرٌ عَلَى إِيجَادِ
وللجنَّاتِ والنيران كون عليها مر أحوالٍ خَوَالِ ضمير عليها راجع إلى مجموع الجنَّاتِ والنيران، ومر: مصدرُ مر، وهو مرفوع بالابتداءِ مُضافُ إلى أحوال جَمعِ حالٍ، أَو حَولٍ وهُو السَّنةُ، والخَبرُ عليها مُقدَّم.
و خَوالٍ: جَمعُ خالٍ أو خالية، بمعنى: ماض أو جارية.
ومعنى البَيتِ: أَنَّ للجنَّاتِ بطبقاتِها ودَرجاتِها، والنيرانِ بطَبقاتِها ودَرَكاتِها، وُجوداً الآنَ وثُبوتاً فيما قَبْلَ ذَلكَ مِن الأَزْمانِ، كما يُستَفادُ مِن القُرآن؛ نَحوَ قَولِهِ تعالى في الجنَّةِ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمان: ???]، وفي النَّارِ: أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ [آل عمران: ???] بصيغة
الماضي، وهذا الَّذِي عَليهِ أهلُ السُّنَّةِ خِلافاً لأكثرِ المُعتزلة.
وفِي بَعضِ الشُّروحِ ذَكروا هُنا قوله: ولا يَفْنَى الجَحِيمُ ... البيت، وفي «شَرحِنا» قد تقدَّمَ، والله أعلم.
وذُو الإيمان لا يبقى مُقيماً بسوء الذُّنب في دار اشتعال حاصلُ البَيتِ: أَنَّ فِي مَذهب أهلِ السُّنةِ أَنَّ صاحِبَ الكَبيرةِ ولَو مِاتَ مِن غَيرِ توبةٍ لا يَخلُدُ في النَّارِ، خلافاً للمعتزلة والخوارج بناءً عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِن خُروجِ
العبد بالمعصية عن الإيمان.
ولنا قَولُهُ تَعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: 48]، وقولُهُ عَليهِ السَّلامُ في «الصَّحيحَينِ» لأبي ذر: «ما من عبد قالَ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، ثم ماتَ عَلى ذَلكَ إِلَّا َدخَلَ الجنَّةَ» قلتُ: وإِنْ زَنى وإن سرق؟
قالَ: «وإن زنى وإنْ سَرقَ .. » الحَديثُ.
ولا يُمكنُ دُخولُ الجنَّةِ قبل دخولِ النَّارِ، ثمَّ دخولُ النَّارِ؛ لأنه باطل بالإجماع، فتَعيَّنَ خُروجُ مَن شَاءَ تعذيبَهُ مِن النَّارِ في عاقبة الأمرِ، وقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَعمال الأركانِ غَيْرُ داخلةٍ في حَقيقة الإيمانِ، فلو فعلَ جَميعَ السَّيِّئاتِ ما عدا الشَّرِكَ فَهُو مُؤْمِنٌ، كما أَنَّ
الكافر لو أتى بجميعِ الطَّاعاتِ، ولم يصدِّقِ اللهَ ورسولَهُ، فهو كافر. ثم الاشتعالُ بالعَينِ المُهملة هو الصَّوابُ والمُرَادُ بِهِ اسْتِعالُ لهبِ الجَحِيمِ وتَعبِ الحَميم، وقد تصحَّفَ عَلى الشَّارحِ القُدسي فضَبطه بالغَينِ المُعجَمةِ، ثُمَّ تكلف فقال: وقيل لها ذلك لاشتغال أهلها بالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ والنَّدَامَةِ، ولاشتغالها هي وما فيها من الحيَّاتِ والعقارب بأبدان أهلها.
وفيه: أنَّ الاشتغال أمرٌ مُشترك بين أصحَابِ الجَحِيمِ، وأربَابِ النَّعِيمِ، قال الله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِي ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَّكِمُونَ} [يس: 55 - 56].
لقد ألبستُ للتَّوحيدِ نَظماً بديعَ الشَّكل كالسحرِ الحَلالِ لام للتوحيد للتوكيد؛ لكونها زائدةً داخلةً بينَ الفِعل المتعدِّي ومَفْعُوله، و نظماً مفعول به، وفي نسخة: وشيا، والمُراد به: المنظوم، وهو الكَلامُ المقفى المَوزُونُ عَلَى سَبِيلِ القَصدِ.
وشبَّهَ النَّظمَ باللَّبَاسِ والمَنظُومَ بالمَلبُوسِ مَجازاً، وَسَمَّاه وَشَياً لأَنهُ زِينَةُ
الكلام، كما أنَّ اللُّبَاسَ زِينةُ اللَّابِسِ عَلَى وَجهِ النِّظامِ.
و بَديعُ الشَّكل صفةٌ لـ نَظماً أو وشياً؛ أي: غَرِيباً شَكلُهُ وهَيئتهُ مِثْلُ السحرِ؛ يَحلُّ محلَّه، ويُشارِكُ صِفته، والسِّحرُ عِندَ الحُكماء: قوَّةُ فِي النَّفْسِ تتأثَرُ عَنها الأشْياءُ مِن غَيْرِ استِعانة بعَزيمةٍ ولا غَيْرِها. قالَهُ ابنُ جَمَاعَةٍ.
وقالَ الرَّازِيُّ في «تَفسِيرِهِ»: هُو في عُرفِ الشَّرِعِ مُختص بِكُلِّ أَمْرٍ يَحْفَى سَببُهُ، ويُتخيَّلُ عَلى غيرِ حَقيقَتِهِ، ويَجْرِي مَجْرَى التَّمويه والخِداع، وإذا أُطلَقَ ذُمَّ فاعِلهُ، وقد يُستعمل مقيَّداً فيما يُمدَحُ ويُحمد؛ كقَولِهِ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّ مِن البَيانِ لسحراً»؛ أي: بعضُ البَيانِ سِحرُ؛ لأنَّ صَاحبهُ يُوضحُ الشَّيءَ المُشْكِلَ، ويكشِفُ
عَن حَقيقتِهِ بِحُسنِ بَيانِهِ، فَيَسْتَمِيلُ القُلوبَ إِلَيْهِ كما تُستَمالُ بالسِّحرِ.
فوَجهُ تَشبِيهِ النَّظمِ بالسِّحرِ: استجلاب كلِّ مِنهُما القُلوبَ بالمَحبَّةِ. وفي هَذا البَيتِ مِن صَنيع البديع الاحتراسُ، حَيثُ وَصفَ السِّحَرَ بالحَلالِ، فإِنَّ الاحتراسَ عِندهمْ هُو أنْ يأتي المُتكلّمُ بمعنى يتوجَّهُ عَليهِ فِيهِ دَخَلٌ، فَيَتَفطَّنُ لهُ، فيأتي بما يُخلّصهُ مِن ذَلكَ؛ لئلا يقعَ لأحدٍ عَليهِ اعتراض هنالكَ.
يُسلَّي القَلبَ كالبشرى بروح ويُحيي الروح كالماء الزلال المراد هنا بالقَلبِ الشَّكلُ الصَّنوبريُّ، لا اللطيفةُ القائمةُ بِهِ؛ وهي البَصيرةُ عَلَى ما قاله ابن جماعة، ولا يخفَى بُعدُهُ في هَذا المَحلَّ، فَإِنَّ تَسليتَهُ تَفْرِيجُهُ عَن هِم نزلَ بِهِ. والبشرى: البشارة بالخَبرِ السَّار؛ لأنهُ يَتغيَّرُ البَشرةُ بِهِ.
و الرُّوحُ بفتح الرَّاءِ الرَّاحَةُ، وهو مرتبط بـ يُسلي.
والمعنى: لا يَنالُ القَلبَ مَشقَةٌ وتَعب، بلْ يَحصُلُ لَهُ راحةٌ وطَرَبٌ؛ لِكَونِ مَبْناهُ نظماً باهراً، ومعناه تاماً ظَاهِراً.
و الرُّوحُ بالضم: جوهر نوراني له سَريان في البَدنِ كسَريانِ ماءِ الوَردِ في الورد، كما قاله ابنُ جَماعة وجماعة آخرون.
و الزلالُ بضمّ الزَّايِ: الماءُ العَدْبُ الصَّافِي الَّذِي لَا يُخالطه شيءٌ. والمعنى: ويكُونُ هَذا النَّظمُ سَبباً لحياةِ الرُّوحِ وهُو العلمُ عَن مَوتِ الجَهْلِ، كما أنَّ الرُّلالَ سَببٌ لبَقَاءِ مَن بقيَ بِهِ رمقٌ في الحال بحُكمِ المَلكِ المُتعالِ. فخُوضُوا فيه حفظاً واعتقاداً تَنالُوا جِنس أصنَافِ المَنالِ الاعتقادُ: جَزْمُ القَلبِ ورَبطُهُ عَلى الشَّيء، والمَنالُ: العَطاءُ؛ أي: اشرعوا هَذا النَّظمِ مِن جهةٍ حِفظِ المَبَنَى واعتقادِ المَعنَى، غيرَ مُقتَصرِينَ عَلَى مَجرَّدِ المُطالعةِ والاكتفاء بالمُقابلة، تَبلُغوا أصناف العطايا مِن الله تعالى في الدُّنيا والعُقبى.
وكونُوا عَونَ هَذا العَبدِ دهراً بذكر الخير في حال ابتهال العَونُ: المُعين، والمُرادُ بالعَبدِ نَفْسُهُ، و هذا يُشار بهِ إلى الحاضِرِ ومَن في حكم الحاضر. والمراد بالدَّهرِ: الزَّمانُ والعَصر، وقد يُطلقُ عَلَى قِطعةٍ منه، ويُشيرُ إِلَيْهِ تَنكِيره هنا ونَصبهُ عَلى الظَّرفيَّةِ، و بذكرِ مُتعلَّق بـ عون، وفي حال بـ ذكر. والمعنى: أعينُوا هَذا العَبدَ المُصنِّفَ، وساعِدُوا هَذا الفَقِيرَ المُنصِفَ، بذِكرِ له والدُّعاءِ والاستغفار في حقِّهِ حالَ تضرُّ عكمْ إِلَى اللَّهِ سُبحانَهُ ما تيسَّرَ مِن الدَّهرِ كلِّهِ أو بَعضهِ، فإِنَّ دَعوةَ المُؤْمِنِ لَأَخِيهِ بِظَهِرِ غَيْبِهِ مُسْتَجَابَةٌ.
لعل الله يعفوه يفضل ويُعطيه السعادة في المآلِ يقرأ يعفُوهُ بالإشباع كما هو قراءة ابن كثير مِن السَّبعة، ولعل للترجي. والعفو: تَركُ المُؤاخَذَةِ، والمَعْرُوفُ تَعدِيتهُ بـ عَن، فيَكُونُ مِن بَابِ الحَذَفِ
والإيصال كقَولِهِ تعالى: {وَأَخْنَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155].
و المال بالهمز قبل الألِفِ: المرجع والعاقبة، والمُرَادُ بِهِ الآخرةُ؛ إذ لا سعادةً إِلَّا سَعادةُ القِيامةِ، وسَلامةُ الخاتمة؛ كما وَردَ: «اللَّهمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرة».
وإنَّ الحق أدعُو كل وقت لمن بالخير يوماً قد عالي
وإِنِّي الدهر أدعُو كُنة وسعي لمن بالخير يوماً قد دعالي أي: وإني في جَميع عُمرِي - خصوصاً في آخر أمري ـ أدعُو ربي وهو حسبِي، غاية وسعي وطاقتي، ونهاية جَهدِي وطَاعَتِي، لكلِّ مَن دَعا لي مِن الأنام بالخير يوما من الأيام.
فنسألُ اللهَ سُبحانهُ أنْ يَرحمَ النَّاظمَ وجَميعَ مَشايخنا الكرام، وآبائنا وأسلافنا الفخام، وأن يختم لنا ولأحبابنا بالحُسنَى، وأَنْ يَرزُقنا المقامَ الأَسنَى
معَ النَّبيينَ والصَّديقِينَ وَالشُّهداء والصالحين.
وسلامٌ عَلى المُرسلينَ والحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
***