الجزء 1 · صفحة 5
صنعة الله في صِيغَةِ صبغة الله
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمُتَّقين، والصَّلاة والسَّلامُ على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين أجمعين.
أمَّا بعد: فيقول راجي بر ربِّه الباري، علي بن سُلطان محمد القاري: إنَّه قالَ عُمدَةُ العُلماءِ المُفَسّرين، وزُبدَةُ الفُضَلاءِ المُتبَحرين، مولانا العلامة البيضاوي في خاتمة الفاتحة: عن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ رضيَ اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ القَومَ لَيَبعَثُ الله عليهم العَذابَ حَتْماً مَقضِيَّاً، فيَقرَأُ بِي من صبيانهم في الكتابِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، فَيَسْمَعُهُ اللهُ تعالى، فيَرفَعُ عنهم بذلك العذاب أربعين سنةً».
وقد تصدى بشرح هذا الحديث ـ معَ أَنَّه رَواهُ التَّعَلبِيُّ، وَصَرَّحُوا بأنَّه مَوضُوعٌ - مولانا الحَبرُ العلَّامَةُ والبَحرُ الفَهَّامَةُ، مُفيدُ الطَّالبينَ، ومُرشِدُ السالكين، السيّدُ صِبغَةُ الله، سلَّمَه الله وأبقاه، ونفعنا بعلومه وتقواه، فها أنا أذكُرُ كلامه كما يقتضي مرامه، وأُبيِّنُ ما لم يقع منه مَقامَه.
فقال: (قوله: «إِنَّ القَومَ لَيبعَثُ اللهُ عليهم عذاباً حَتْماً»، هذا تغيير في المبنى، ونقل بالمعنى، والصّحيحُ عند أربابِ الحُصولِ في الأُصولِ أنَّه لا يجوز في الحديث مع تذكاره، وإمكان استحضاره).
الجزء 1 · صفحة 7
ثمَّ قال: (أي وُجوباً). فسَّرَ الحَتْمَ بالوُجوبِ، فيَصيرُ التَّقديرُ: عذاباً وُجوباً، أوحالَ كَونِ العذابِ وُجوباً، ولا يخفَى عَدَمُ صِحَّةِ حَملِهِ فَيُتَكَلَّفُ ويُحمَلُ، على أنَّ التقدير: ذا وُجوب، أوأريد به المَصْدَرُ مُبالَغةً، فكان الأولى أن يقول: واجِباً؛ أي: ثابتاً وقوعه؛ إذ لا يجب على الله شيء، خلافاً لِمَن خالَفَه، فحينَئِذٍ يُطَابِقُ فِي الوَصفِيَّةِ. قوله: (مَقْضِيَّاً قضَى الله تعالى به)، وهوصفةٌ كاشفةٌ لما قبله.
ثمَّ قوله: (لا مُبَدِّلَ لقَضائِهِ وحُكمِه عَطفُ بيانٍ في كلامِه، فاعلَمْ أَنَّ القَضَاءَ على نوعين: إِمَّا قَضاءٌ مُبَرَمٌ، وإِمَّا قَضاءٌ مُعلَّقٌ، ومن الثاني قوله: «لا يردُّ القضاء إلا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العُمرِ إلا البِرُّ». رواه الترمذي، وابن ماجه، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، والحاكِمُ في مُستَدرَكِه». ويدلُّ عليه من الكتاب قوله: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ [الرعد: 39]، وكذا قوله سُبحانَه: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ (([فاطر: 11].
ثمَّ هذا التّرديدُ إنَّما هوباعتبارِ ما في اللوح المحفوظ، وأمَّا بالنِّسبةِ إِلى عِلمِه سُبحانَه، المُعبّر عنه بأم الكتاب؛ فليس إلا الحُكمُ الذي لا يُتصَوَّرُ فيه التَّغيير بلا ارتياب، وتحقيقه ليس هذا محله.
ثمَّ قوله: (قيل) أرادَ بقائله هذا من المحققين عصام الدين.
الجزء 1 · صفحة 8
يدلُّ على أنَّ القضاء يُغيّر)؛ أي: قد يُغَيَّر إذا لم يكُنْ مُبَرَماً فِي المُقدَّرِ، وذلك لأَنَّ العذاب ههنا قد ارتفع، ولوكانَ مُبْرَماً ما كانَ أحدٌ من القَومِ بقراءةِ الصَّبي انتفعَ، إلا أن يُراد بالمُقْضَى، المقْضِي؛ أي: المُبَرَمُ على تقديرِ عَدَمِ قراءة صبي من صبيانهم الفاتحة. وفيه أنَّه حينَئِذٍ يرجعُ إلى المُعلَّقِ اللَّهُمَّ إلا أَن يُحقَّقَ ويُقالَ: إِنَّه يتبيَّنُ حِينَئِذٍ أَنَّه كانَ حُكماً مُبرَماً، وفائدة قوله: حَتْماً مَقضِيَّاً أنَّه ليس لتخويفهم ليتُوبُوا ويرجعوا؛ أي: بل لما يستحِقُونَه بما فَعَلُوا، لَكِنْ ببَركَةِ قِراءة صغير منهم في الكتابِ بفاتحة الكِتَابِ ارتَفَعَ عنهم العَذابُ. انتهى. أي هذا القيل. (ولا يخفى عليكَ أَنَّه؛ أي: هذا العالمُ الجَليلُ (فَهِمَ من رَفْعِ العَذَابِ عَدَمَ الوقوع)؛ أي: مُطلَقاً، وهوالمُطابِق للإطلاقِ الذي هوالأصل بالاتفاق، (وليس كذلك)؛ أي: مثل ما فَهِمَه، بل) المُرادُ تأخيره)، هذا مَردودٌ مَوهوم؛ لأنَّ المُرادَ غَيْرُ معلوم، ووقوعه بعدَ رَفعِه من الكلامِ غيرُ مَفهوم.
(وإلا)؛ أي: ولولم يُرِدْ تأخيره (لم يكُنْ لقوله: «أربعين سنةً» فائدةٌ يُعتَدُّ بها). وهذا مدفوع بأن يُقالَ: أَوَّلاً يحتمل أنَّ المُرادَ بالعَدَدِ التَّكْثِيرُ لا التَّحديدُ اليَسِيرُ.
وثانياً: أنَّ العذابَ الإلهي إذا ارتفع عن قومِ بسبب من الأسبابِ، لا يُعرَفُ رجوعه بعينه إليهم قط في هذا الباب، وعلى تقدير التسليم في اعتبارِ العَدَدِ المذكور على الوجه المسطور يُقالُ: فائدته عظيمةٌ، ونتيجته جَسيمةٌ؛ وهي أنَّ جنسَ العَذَابِ أوالفَردِ المُتعَلَّقِ بنَوعِ مِنَ الذَّنبِ الذي ارتكبه القومُ في هذا الباب يرتفع عنهم ببركة تلاوة فاتحة الكتاب التي صَدَرَت من بعض أولادِ الكُتَّابِ.
الجزء 1 · صفحة 9
ثم بعد الأربعين يكون الأمر تحتَ مَشيئةِ اللهِ سُبحانَه، فإن شاءَ عَذَّبَهم بعذاب آخر، أوبذلك العذاب المُؤخَّر، أوصَرَفَ عنهم بعبادةٍ أُخرى كما قَدَّرَ، سواءٌ صَدَرَت من صبي آخَرَ، أومن جماعة أُخَرَ، فلا دِلالة في الكلام على تضييق المَرامِ، وإنَّ ذلك العَذابَ بعينه البتّة يعود إلى ذلك القوم، وهم من أهل الإسلام، ومُستَحِقُونَ للتعظيم والإكرام.
ونظيره حديث: «مَن صَلَّى الجُمُعَةَ تكونُ كَفَّارةً لذُنوبِه إلى الجُمُعَةِ الأُخرَى»؛ إذ ليس معناه أنَّ بعدَ الجُمُعَةِ الآتية يُؤاخَذُ بالذُّنوبِ السَّابقة، بل قد يُؤاخَذُ بِاللَّاحِقَةِ إِن
لم يكن هناك دافع عنها، ومانع منها. واستدراكه بقوله: (إلا ... إلخ)؛ أوهَنُ من نسيج العنكبوتِ)، قد عرفت ما تقدَّمَ من الفائدة، مع أن نسيجَ العَنكَبوتِ صنعَةٌ ظَاهِرةٌ، وصَنَعَةٌ باهِرَةٌ، مُتضَمِّنَةٌ للدَّلالة على قدرة صاحِبِ العِزَّةِ والعَظَمَةِ، يَعْجَزُ عن معرفتها وكيفيَّةِ هَيئاتِهَا الحُكَمَاءُ والمُهَندِسون في البناء، كما بينَه حُجَّةُ الإسلام في الإحياء).
ورد الحديث بروايات وطرق عدة منها عند البخاري (???) عن سلمان الفارس رسي قال: قال النبي: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
الجزء 1 · صفحة 10
فكلامُ القائل في حقه أنّه كأَنَّه نسجه، وكلامُ المُعتَرِض يقال في شأنه أَنَّه منسوجه على ما حُقِّقَ في الفَرْقِ بينَ القَضاءِ والمَقضِي في بابِ الرّضاء. ثمَّ قوله: (ورَفعُ العَذَابِ يتعلَّقُ بالبَعْثِ؛ لا بالحَلْمِ وَمَعطوفه، فغَلَةٌ في المُطالعة، وقال ما قال تأمل)، أقولُ: تأملنا، وتصحيح كلامه أَملنا، ورَأَيْنا أَنَّ كلّاً من كلاميك أسقَطُ من الآخر، فاكتفينا بالمَعروفِ وأعرَضْنا عن المُنكَرِ فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْتَر فَإِنَّ كلَّ كلام لا يُعتبر، وانظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَن قال، أوكُنْ من أرباب الحالِ، واترك عنكَ القيل والقال وكثرة السُّؤالِ، واشتغل بذكرِ المَلِكِ المُتَعَالِ.
ثم قوله: (والكتابُ بضَمِّ الكافِ وتشديدِ النَّاءِ)؛ أي: المنقوطة من فوق، كرُمَّان: المَكتَبُ)؛ أي: على ما قاله بعضُهم، وهوالمراد ههنا)؛ أي: بقرينَةِ المَقامِ، وجَمعُه كتاتيب)، هذا غير محتاج إليه، معَ أَنَّه مُستَدْرِكُ بما سيأتي في نقل صاحب «القاموس» وغيره. والكتبةُ جمعُ كاتب: هذا ممَّا ليس له مَدخَلٌ في هذا المَحَلَّ، مَعَ أَنَّه غيرُ مطابق لقوله على ما قال في الصحاح»، حيثُ قال: الكُتَّابُ والمَكتَبُ واحِدٌ، اللّهُمَّ إلا أن يُقالَ: قوله: والكتبةُ جمعُ كاتب جُملَةٌ معترضَةٌ بينَ المُتعلَّقِ والمُتعَلِّقِ.
(وفي القاموس»: الكُتَابُ كرُمَّان)؛ أي: في صُورةِ وَزْنِهِ لا في حقيقة مَوزُونه، كما يُوهِمُ مَن تَوَهَّمَ؛ لأنَّ الرُّمَّانَ فرد، والكُتَابَ جَمعُ، ولذا فسَّرَه بقوله: (الكاتبون، والمكتَبُ كَمَقْعَددٍ، مَوضِعُ التَّعليم؛ أي: تعليم الكتابة والقراءة، فغَلَبَ تَفاؤُلاً جانب الكتابة؛ لأنَّها أَقوَى في المرتبة، أولما بينهما من المُلازَمةِ العُرْفِيَّةِ، كما في كتاب «أولادِ العَرَبِ».
الجزء 1 · صفحة 11
وقولُ الجَوهَرِيّ: الكُتَّابُ والكَتَبَةُ واحِدٌ؛ غَلَطْ)؛ أي: لاختلافِ بنائهما؛ لأنَّ الأَوَّلَ جمع بلا شُبهة، والثاني اسم مكان لا محالة، فإطلاقُ الكتبة على موضعِ الكتابة غَلَط باعتبار أصلِ اللُّغةِ، وأَمَّا ارتكابُ المَجازِ فلا منع منه بذكرِ الحال وإرادة المحل، فتأمل، فإنَّه مَوضِعُ ذلل. وسهم صَغيرُ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ يتعلَّمُ به الصَّبِيُّ الرَّمي)، هذا استيفاء اللُّغةِ، وإلا فلا تَعَلُّق له بالقَضِيَّة.
وجَمعُ «كاتبٍ) يعني أنَّ الكُتَابَ يُستَعمَلُ بمعنى المكتب على حد سواء، وهوفي أصله جمع كاتب»، وهذا من تتمَّةِ كلام صاحب الصّحاحِ»، فلا تكرار مع قولِ صاحب القاموس». انتهى؛ أي: ما في «القاموس» أصلاً واعتراضاً.
ثمَّ قَولُ المُحَنِّي: (وهذا صَريح في أَنَّ «الكُتَابَ إِمَّا اسمُ جَمع كَرُمَّان، أوجَمعُ «كاتب»؛ هذا الرديدُ غَلَط صريح، وخَطَأَ قبيح؛ لأنَّ «الكُتَّابَ» جمع غير صحيح، بل مُكَسَّر.
وقول صاحب القاموس»: كرُمَّانِ؛ إِنَّما أراد به الوَزْنَ الصَّرْفِيَّ لا مَورُونَ المعنوي، كما سبقَتِ الإشارة إليه، مع أنَّ الرُّمَّانَ بنفسه أيضاً لا يصح أن يكونَ اسم جَمع؛ فَإِنَّ اسْمَ الجَمْعِ تعريفه: أَنَّه يُطلَقُ على ما فَوقَ الاثْنَيْنِ، وليس له مُفرَةٌ من لفظه، كقَومٍ ورَهْطِ، والرُّمَّانُ ليس كذلك، فإنَّه اسم جنسِ يُطلَقُ على القليل والكثير، كالتَّمِرِ والجَرادِ، وواحِدَةُ كلِّ منها بالتَّاءِ كَرُمَّانةٍ، وتَمرةٌ خَيرٌ من جَرَادَةٍ، فَغَلِطَ المُحَشِّي من الجهتين في هذا الباب.
الجزء 1 · صفحة 12
فالصَّوابُ أنَّ «الكُتَابَ» جمع كاتب لا غير، كفُجَّارِ جَمعُ فاجر، وتُجَّارِ وتاجر، فمن لم يُفَرِّق بين الجمع والجنس واسمِ الجَمعِ، كيف يصلُحُ تصنيفه أن يُعتبر عندَ الجَمْعِ؟ أم كيف يصلُحُ لصاحبه أن يجترى بالاعتراض على العصامِ، الذي جُل بالعربية بلا كلام، ومَنشَأُ هذا منه إنَّما هوالغَفْلَةُ على ما نبهنا عليه سابقاً، بأنَّ قولَه: جمعُ «كاتب» ليس من كلام صاحب «القاموس»، فالخَلطُ أَورَثَه الخَبْطَ، أوبالعكس، وهوأَظهَرُ، فَتَدَبَّر.
فإنَّ قول صاحب القاموس»: الكُتَابُ كرُمَّان: الكاتِبونَ؛ لا يُتَصَوَّرُ أَنَّه يكونُ مُقابِلاً لقوله: أوجَمعُ كاتب»؛ فإنَّه بعينه، لا كما توَهَّمَ من المُغايَرةِ الحَامِلَةِ له على أنَّ أَحدَهُما اسمُ جَمعِ، والآخر حقيقةُ جَمعِ.
ثمَّ قَولُه: (وليس بمعنى الكتبِ حقيقةً)، هذا هوالمُتَبادَرُ، وَسَيَجِيءُ ما يُخالِفُ هذا الظَّاهِرَ.
ثم قوله: (ولهذا خُطَّئَ الجَوهَرِيُّ) هذا التعليل خَطا؛ لأنَّه ما التَزَمَ كصاحبِ «القاموس» أيضاً أنَّ جَميعَ ما في كتابهما يكونُ اللُّغَاتِ الحقيقيَّةَ، فَإِنَّهما مَشحونانِ من الإطلاقاتِ المَجازِيَّةِ.
(فما قيل: أرادَ بقائلِ هذا الكلامِ مولانا العِصامَ أيضاً، والكُتَّابُ كرُمَّانِ المَكتَبُ؛ أي: المُراد به ههنا جمعُه «كتاتيب»؛ أي: كما يدل عليه جَمعُه؛ إذ لوأُريدَ به حقيقةُ المَكانِ لقيل في جمعِه: «مَكاتِب» كَمَقاعِدَ ومَكاسِبَ. فَلَمَّا عُدِلَ عنه إلى هذا الجمع دلّ على أنه موضوع ابتداءً لهذا المعنى، وليس إطلاقه مجازاً في هذا المبنى، وهولا يُنافي قوله: وجَمعُ «كاتب»؛ لأنه على قياس مُرد، حيثُ يُجمَعُ «فاعل» على «فعال» كجاهل وجُهَالٍ، وعامل وعُمَّال.
الجزء 1 · صفحة 13
وقوله: (كذا في «القاموس») يحتمل أنه أشار إلى الأخير، وهوقوله: جمع كاتب نَقْلاً بالمعنى، أوأشار إلى جميع ما ذَكَرَه عن المبنى، بمعنى أنَّ هذا المجموع مذكورٌ في «القاموس سواء يكون من كلامه أومن كلام صاحبِ «الصحاحِ مَرْضِيَّاً له، أوضعيفاً عندَه.
وبهذا التصحيح بطل قوله بعد قوله: انتهى). خَيْطُ شَنيع وغَلَط شَبيع لأنَّه صَرِيحٌ في أنَّ الكُتَابَ بمعنَى المَكتَبِ في «القاموس»؛ أي: موجود فيه، وليس كذلك كما عَرَفْتَ، وأنتَ عَرَفتَ بما سبَقَ نظام تحقيقه، وعصام تدقيقه. ثمَّ قوله: (ومَنشؤُه أَنَّه جَعَلَ قول «القاموس»: والمكتب؛ عطفاً على «الكاتبون»،
ولم يدر أنَّه أَورَدَه ردَّاً على الجَوهَرِيَّ).
أقولُ: هذا التزييف لا يروجُ على الصيرفي، فكيف يخفى على ناقدِ الجوهري؟
فإنَّ العِصامَ أجلُّ من أن ينشَأَ منه هذا الكلام.
ثم قوله: (وما قيل: الكُتَّابُ يُطلَقُ على الكتبةِ جمعُ كاتب وعلى المكتب أيضاً. انتهى. إجمال لم يدر أنه في أيهما حقيقةً، بل يُشعِرُ بأَنَّه في كليهما مجاز)؛ فيه أبحاث؛ أمَّا أَوَّلاً فقائِلُ هذا القيلِ مَجهولٌ على أصلِ وَضعِ «قيلَ».
ثم قوله: (يُطلَقُ على الكَتَبةِ جمعُ كاتب) خَطأُ واضِح؛ لأنَّ الكُتَّابَ ليس جمع الجمع، بل كُلّ من الكتابِ والكتبة جمع كاتب، وهذان بطريق الحقيقة بلا مِرْيةٍ لأرباب الطَّريقةِ، وإنَّما الخِلافُ في إطلاقه على المكتب كما قدمنا بعضَ بيانه، وسيأتي توضيح برهانه. فقَولُه: (لم يَدْرِ) دَليلٌ على أنَّه لم يَدْرِ، بل لم يَشْعُرُ أَنَّ الأَوَّلَ إطلاقه حقيقي، والثاني مجازي أواختِلافي، معَ أَنَّه لا إشعار فيه أصلاً أَنَّه في كليهما مَجازِيٌّ؛ فَإِنَّ أصل الإطلاقِ مَحمولٌ على استعمالِ الحقيقي حتَّى يظهَرَ وجهُ المُنافي.
الجزء 1 · صفحة 14
ثم قوله: (وقال المُحقِّقُ التَّفتازاني: الكُتَّابُ؛ بِضَمِّ الكافِ وتشديدِ التَّاءِ: المَكتَبُ وَضْعاً ابتدائياً، أولأنه مَوضِعُ الكُتّابِ؛ أي: الكَتَبَةُ جَمعُ كاتب، انتهى). وكأنَّ هذه العبارة أوقَعَتْه في الغَلَطِ الذي سبَقَ إليه الإشارَةُ، ودَفعُه أَنَّ الكتبةَ تفسير للكتاب بالمعنَى، وجَمعُ كاتب تعبير بالمبنى.
ثمَّ قوله: (وأرادَ به أنَّ المُرادَ ههنا المكتب ليس إلا؛ فإما أن يكون حقيقةً فيه كما ذهَبَ إِليه الجَوهَرِيُّ وغيرُه، أومجازَ الطَّرفِ كما ذَهَبَ إِليه مَن رَدَّها، وأَنَّه حقيقةً في جمع الكاتب).
وهذا الكلامُ منَ المُحقِّقِ في غاية من التحقيق، ونهاية من التدقيق، وجمع بين ما وقع فيه من التفريق، وبالله التوفيق.
ولكِنَّ المُحَشَّيَ الجامِعَ كحاطِبِ عشاء، وخَابط عشواء.
ثمَّ قوله: (وقالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: الكُتَّابُ؛ بضَمِّ الكافِ وتشديدِ النَّاءِ جمعُ «كاتب»، وقد يُطلق على المكتب أيضاً؛ أي: احتمال كونه حقيقياً أومَجازِيَّاً،
وهوالمُراد ههنا؛ أي بأي معنى يكون في المبنى.
وخُطَّى المُبرِّدَ؛ أي بجواز إطلاقه على المكتب، ورُدَّ بِأَنَّ اللَّيتَ نقله؛ أي: وإذا صح النقل لا يجوزُ التَّحْطِئَةُ بمُجرَّدِ العقل، لا سيما ويُمكن توجيهه عند أهلِ الفَضْلِ كما قال، فإما أن يكون حقيقة بالاشتراك، أومجازاً لأَنَّه مَوضِعُ الكتبة. انتهى)؛ أي: كلامُ السَّيِّدِ، وهوبعينه كلامُ السَّعِدِ، فَإِمَّا تَوارَدا في العَقْلِ، أوتوافقا في النقل.
ثمَّ قوله: (أرادَ)؛ أي: السَّيِّدُ أنَّ إطلاقه على المَكتَبِ وارِدُ من الثَّقَاتِ)، الأولى أن يُقال: من الثقة، فتَخطِئَةُ الإطلاقِ مَردودٌ)، الصَّوابُ مَردودَةٌ، (أوإطلاقُ التَّخطئة مردود، وگونه جمعُ «كاتب» حقيقةً مُحقَّق).
الجزء 1 · صفحة 15
أقول: هذا ممَّا لا يشُتُ فيه مُوَفَّقٌ، (فما قيل)؛ أي: قاله العِصام، (وفي «الحواشي الشَّريفيَّةِ على الكشَّافِ: خَطَأُ المُبرِّدِ تحققه بمعنى المكتبِ، ورُدَّ بأَنَّ اللَّيثَ نقله، فإطلاق الكتاب على المكتب إما حقيقةٌ للاشتراك، أومجاز في المَحَلِّ، أي كما سبق كلامِ المُحقِّقِ التَّفتازاني. انتهى)؛ أي: ما قيل (افتراء على السيِّدِ السَّنَدِ، كما أنَّ الأول افتراء على «القاموس» كما لا يخفى). أقول: هذا الطَّعنُ بطريقِ الإجمالِ غيرُ مُناسب لأهل الكمال، فكأنَّ هذا المُعتَرِضَ عارَضَ بينَ نَقلِهِ وفِعله في بعض المَبْنَى، مع اتحادِهما في تحقيق المعنَى، أولم يجد ما قيل في حاشيةِ السَّيِّدِ على الكشَّافِ» فَحَمَلَه الاعتِسافُ على عَدَمِ الإنصاف، وغَفَلَ عن احتمالِ الانتصافِ، بأن يُحسِنَ الظَّنَّ بالقائلِ أَنَّه رآه في الحواشي المنسوبة إلى السَّيِّدِ الشَّرِيفِ المَكتوبة على هوامش «الكشَّافِ» من غير إدخاله في حاشيته المُؤَلَّفَةِ مَعَ احتمالِ تصحيفِ الشَّريفةِ بالشَّريفيَّةِ.
هذا، وغايته أنَّه اشتبه عليه أنَّه من كلام التفتازاني، أومن كلامِ الجُرجَانِيِّ، فنسبه إليه، بناءً على وَهْم نسخ لديه، فلا يُقالُ في مثلِه أَنَّه افتراء عليه؛ لأنَّ الافتراء هوتعمد الكذب من غيرِ ضَرورة ألجأت إليه، فلا يصح إطلاق الافتراء، لا على صاحب القاموس» ولا عليه. ثم قوله في معنى الحديثِ: (فَيَسْمَعُه الله؛ أي: يقبَلُه ويرتضيه البتَّةَ بِمُقْتَضَى وَعْدِه، لن تَقرَأَ حَرْفاً منهما إلا أعطيتُه؛ لا وَجهَ للعدول عن المعنى الحقيقي في (يسمعه) إلى المعنى المجازي بقوله: (يقبله) مع تحققِ سَمْعِه سُبحانَه بقوله:
الجزء 1 · صفحة 16
والسَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وإِنَّما يُؤَوَّلُ نحوقوله تعالى: {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران:76]؛ أي: يُثيبه. ثمَّ قَولُه: (وصدُورُه من المعصومِ)، فيه أنَّ العِصمَةَ للأنبياء كما أنَّ الحِفْظَ للأولياء على فرق بينهما عندَ العُلماء، وليسَ الصَّبيُّ من أحدِ القَبِيلَينِ؛ إذ يُتَصوَّرُ منه كلمات الكفر، وأفعالُ الشَّركِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وأمثال ذلك ممَّا هومعصيةٌ حقيقيَّةً أوصورة، فيُضرَبُ ويُؤَدَّبُ إذا كانَ مُمَيِّزاً، غايتُه أَنَّه غيرُ مُكلَّفٍ قبل البلوغ على تفصيل يُعلَمُ مِن كُتُبِ الفِقهِ أُصولاً وفُروعَا.
ثم قوله: (الذي ليس له رياءً وسُمعَةٌ غَرِيبٌ)، وكذا قوله: (أوغَرَضٌ من الأغراض) عَجيب، حيثُ عَمَّم بعد ما خَصَّصَ، وجَعَلَ أَفعال الصَّبِيِّ في مَقامِ إخلاص أرباب الكمال، وأصحابِ الأحوالِ الذي عَجَزَ عنه فُحول الرّجالِ، كما هومُبَيَّن في كتبُ الصُّوفيَّةِ.
فالصبي من أين له مَقامُ الإخلاص؟ إلا أن يكون نادِراً من جهة طرُقِ العادة بخُلُقِه، مَجذوباً من أهل الاختصاص، إذ من المعلومِ عند العام والخاص أنَّ الصَّبيَّ لولم يكن له خَوفٌ من الأستاذ، أوطَمَع من الآباء والأجداد لم يَقرَأَ حَرْفاً من حُروفِ أبي جاد، ورُبَّما يَغارُ من بعض الأولاد، فيُريدُ أَنْ يُرِيَهم الاجتهاد، أويُسمِعَهم ما يحصل له به المُراد.
ثمَّ قوله: (بذلك؛ أي: بسبب القراءة المذكورة)، الأولى: بسبب ما ذُكِرَ من القراءة المذكورة؛ فإنَّه يُستَحْسَنُ في العبارات المشهورة على طِبْقِ التّصانيف المسطورة.
ثمَّ قَولُه: «العَذابَ» منصوب مفعول «يرفعُ»)، هذا من الواضح الذي لا يُحتاجُ فيه إلى اللائح، وكذا قوله: ((أربعين سنةً» ظرفٌ لقَولِه: «يرفَعُ»)، ولعلَّه تَوَهَّمَ أَنَّهُ رُبَّما يُتَوَهَّمُ تعلُّقه بقوله: «يبعثُ»، فبَعَثَه على هذا المبحثِ.
الجزء 1 · صفحة 17
ثمَّ قَولُه: (أي يُؤَخِّرُ ذلك العذابُ المَقضِيُّ حَتْماً عن القَومِ المَبعوث عليهم أربعين سنةً)، الصَّوابُ أن يُقالَ: يُؤَخَّرُ العذاب من غير ذكر ذلك؛ لما فيه من إيهام تقدم دَفْعِه قبل ذلك، فمن قال في الحديث: إِنَّ القضاء قابل للتغيير، كما قال الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ} [الرعد: 39]، انتهى. لم يُصِبْ كما عَرَفْتَ، وأنتَ عَرَفتَ أَنَّكَ ما أَصَبْتَ، وَأَنَّه قد أصابَ، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
وهذه الإعادَةُ غايةُ المُبالغة في التَّحْطِيَّة، ونهاية الإقدامِ في القَضِيَّةِ، بالجَزْمِ على أنَّ العذابَ المَرفوع بعد أربعين سنة يكونُ لازِمَ الوُقوعِ، ومن أين له ذلك الموضوع، معَ أَنَّ فيه مُخالفة لتحسينِ الظَّنِّ باللهِ المُخالِفِ بطريقِ أولياءِ اللَّهِ، المُعتَقِدِينَ سَعَةَ رَحمةِ اللهِ، فإنَّه سُبحانَه إِذا رَفَعَ عن عبادِهِ عُقوبَةٌ كانُوا يَستَحِقُونَها لِما صَدَرَ عنهم من المُخالَفَةِ، بسببِ شفاعة، أوظُهورِ طاعةٍ من أيّ بابٍ، فهوسبحانه أكرم من أن يعود عليهم بالعذاب.
نعم إذا صَدَرَ عنهم بعد ذلك ما يُوجِبُ العِقابَ، ولم يُوجَد مانع ولا دافِعُ لرَفْعِ الحِجابِ، فَتَحْتَ المَشيئة حينئذ لا محالة، مع أنَّ ما ادعاه هذا المُعتَرِضُ على القائل الذي يبني أمره على الاحتمالِ، ويمْنَعُ مَعرِفَةَ قَطْعِ المُرادِ في الاستقبال، إنَّما هوبالمفهوم من العدَدِ من أَنَّ اعْتِبَارَ مُطلَقِ المَفهوم في الأدلَّةِ دُونَ الرواية ليس من مَذهَبِ أَئِمَّةِ الجامعين بين الرواية والدراية، لا سيما ومفهومُ العَدَدِ غيرُ مُعتبر بالإجماع، بلا خلاف ولا نزاع.
الجزء 1 · صفحة 18
انتهى الكلام على هذه الحاشيةِ الصَّغيرةِ المُسْتَمِلَةِ على الفوائدِ الكثيرة، التي يُستَدَلُّ بها على الحاشية الكبيرة، فنسأل الله لنا وله مَحوالذُّنوبِ، وسَترَ العُيوبِ، وتوفيق التَّوجُهِ نحوعلَّامِ الغُيوبِ ليَزول عنا الهُمومُ والكُروبُ، ويحفَظَنا من تقلُّبِ القُلوبِ، بالثَّباتِ على الحالةِ الحُسنَى والمَماتِ ِلحُسنِ الخاتمة، وحُصولِ المَقامِ الأَسنَى ووُصولِ الرّفيق الأعلى، آمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.