صلات الجوائز في صلاة الجنائز
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
صلات الجوائز في صلاة الجنائز
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وأَستَعينُ بلُطفِه الكريم
الحمد الله الذي جَعَلَ الأرضَ كلَّها مَسجِداً وطَهوراً، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن أُعطِيَ بالحَرَمَينِ المُحْتَرمَينِ مَشهَداً وظُهوراً، وعلى آله وأصحابه وأحبابه التّابعين له حُزْناً وسُروراً، وبَعدُ:
فقد سُئِلْتُ عن إجازةِ صَلاةِ الجَنازة في المسجد الحرام من غير كراهة؛ لتخصيص هذا المَقامِ، فقلتُ: نعم، يجوز ولا تُكرَه، بل الأَوْلى أَن يُصَلَّى فيه لعدمِ وُجودِ ما يُنافيه، وفي الأدِلَّةِ ما يعضُدُه ويُقوِّيه، وذلك أنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى جعله أَوَّلَ بيتٍ مُتَعبَّداً للنَّاسِ، ومَقْصِداً لمُؤتَمِّ يأتمُّ على وجه الاستئناس، وأمَرَ إبراهيم الخليل وإسماعيل الجليل بأن يُطَهِّرا بيتَه الشَّريف، الذي عظَمَه بإضافةِ التَّشْرِيفِ: لِلطَّابِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، وفي آية: {وَالْقَابِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26].
وفي الجمع بين هذه العبادات إشعار بأنَّه وُضِعَ لجميعِ مَرَاتِبِ الشُّهودِ، ومما يدل عليه أنَّه من ابتداءِ زَمَنِه صلى الله عليه وسلم إلى ما نَحنُ فيه من الأَيَّامِ جَميعُ النَّاسِ من الصحابة الكرام، والتابعين العظام، وسائر العلماء الأعلامِ، صَلَّوا على الجنائز في هذا المَقامِ، ولم يُنقَلْ أَنَّه كانَ هُناكَ مسجد موضوع لجنازة الأنامِ، وقد ثبت عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً أَنَّ: «ما رَآهُ المُسلمونَ ثَبَتَ حَسَناً فهو عندَ اللهِ حَسَنٌ».
وممَّا يُقويه: ما أَخرَجَه ابنُ عَساكِرَ عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما قالَ: كَانَ لَآدمَ بنونَ: وَدُّ وسُواعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ، وكانَ أكبرهم يَغُوثُ، فقال له آدَمُ عليه السَّلامُ: يا بُنَيَّ انطلق، فإن لقيت أحداً من الملائكة فمره يجيتُني بطعام من الجنَّةِ، وشراب من شرابها، فانطلق فلَقِيَ جبريل بالكعبة، فسأله ذلك، قال: ارجع فَإِنَّ أَباكَ يموت، فرَجَعا فوَجَداه يجودُ بنَفْسِه، فوَلِيَه جِبريلُ، فجاءَه بكَفَنِ وحَنُوطِ وَسِدْرٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ، أترونَ ما أصنَعُ بأبيكم، فاصنَعوه بموتاكُم فَغَسَّلُوه وكَفَّنُوه وحِنَّطُوه، ثمَّ حَمَلُوه إلى الكَعْبَةِ، فصلى عليه جبريل، فعُرِفَ فَضلُ جبريل يومَئِذٍ عدا الملائكة، فكبَّرَ عليه أربعاً، ووضعوه مما يلي القِبلَةَ عندَ القُبورِ ودَفَنوه في مسجد الخيف، كذا في «الدُّرِّ المنثورِ في التَّفسير المأثورِ الشَيخ مَشايخنا الحافظ جلالِ الدِّينِ السُّيوطِيُّ قدَّسَ اللهُ رُوحَه. وقوله: «حَمَلوه إلى الكعبة يحتمل أن يكون إلى داخلها أو خارجها، لكن قوله: «ووَضَعُوه ممَّا يلي القبلة عندَ القُبور» يدلُّ على أَنه صلى الله عليه وسلم في خارجها، وكأَنَّه أرادَ بالقبورِ القُبور الحادثة من الأنبياء بعد آدم عليه السَّلامُ في أواخِرِ الحطيم بينَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ والمَقامِ وَزَمْزَمَ، فيَتَحَصَّلُ أَنَّه عند باب الكعبة قُدَّامَ القُبور، كما عليه أهلُ الحَرَمِ المُحْتَرَمِ، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
ثمَّ لمَّا كانَ هذا المسجد المُعظَمُ والمَشهَدُ المُكرَّمُ قِبلةٌ لجميعِ العَالَمِ، ناسَبَ أن يكونَ وَضْعُه لجميع عبادات أولادِ آدم؛ من صلاةِ الجَماعةِ، والجُمُعَةِ، والعيدين، والخُسوف والكسوف، والاستسقاء، والجَنازَةِ، وغيرها من العباداتِ، كما يُشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 18]، بصيغة الجمع المُرادِ به المسجد الحرام الذي جَعَلَه للنَّاسِ سواء في سائر الأحكام، وهو لا ينا في ما قيل في نكتَةِ الجَمعِ من كونه قبلة المساجد، وأنَّ كلَّ جهة من جهاته مسجد، بل كلُّ جُزْء من أجزائِه مَشهَدٌ، أو لأنَّه أَكْبَرُ المَساجِدِ وَضْعاً وشرعاً، فجُمِعَ تَعظيماً وشَرَفاً.
وأَمَّا مَسجِدُ المَدينةِ السَّكينة؛ فلا شك أنَّه مَوضوع في أصله للجُمُعَةِ والجماعة لا غير، بدليل أنه عليه الصلاة والسَّلامُ كَانَ يُصلِّي العيد في مُصلَّاهُ، ويُصلي على الجنائز في محله الموضوع لها، إلا مَا وَقَعَ نادِراً كما سيأتي، وهو إمَّا لعُذْرِ أو لبيانِ الجَوازِ، فدل على أنَّ صَلاة الجنازة في غيرِ مَسجِدِ المدينة ونَحوِها أفضَلُ.
وهذا عندَ أَئِمَّتِنا الحنَفِيَّةِ، خلافاً للعُلماءِ الشَّافعيّةِ حيثُ عَكَسوا القضيَّةَ، ولا نقولُ: إِنَّ اتِّساع المسجدِ سببٌ ِللجَوازِ، لئَلَّا َيرِدَ علينا نحو مَسجِدِ الأقصى، معَ أَنَّا رأيناه كذلك يُصلَّى فيه جَميعُ الصَّلواتِ من العيدَينِ والجَنازَةِ وغَيْرِهما، والمَسجِدانِ الشَّريفانِ من بناء الله تعالى كما في الصحيح.
فلا معنى لقول مُتَفَقِّهِ: من أينَ لنا أنَّ مَسجِدَ الحرامِ بُنِيَ لجَميعِ الصَّلواتِ؟ فَإِنَّ الأصل فيه الإطلاق حتَّى يثبُتَ دَليلُ الخُصوص، نعَمْ كِبَرُ المَسجِدَين حادِثُ بعده عليه الصلاة والسَّلام، فلا يصح أن يكونَ علَّةً في هذا المَقامِ.
والتحقيق في مسجد المدينة أيضاً: أنَّه بُنِيَ لجميعِ الصَّلواتِ، ولهذا ثبتت صلاة الجنازة فيه أحياناً، وكذا صَلَّى عُمَرُ رضي الله عنه العيد فيه بعُذْرِ المَطَرِ، ولولا أنَّه ثَبَتَ خُروجُه عليه الصلاة والسَّلامُ في أكثر الأوقات للجنازة والعيدَينِ، لقُلنا: إِنَّ أَداءَهُما في المسجدِ المُشَرَّفِ أَفضَلُ.
والحاصل أنه ليسَ الاعتبارُ بالسَّعةِ كما قاله بعضُ الشَّافعيّةِ؛ فإنَّ المسجد إذا كانَ يَسَعُ لأهلِ الجُمُعةِ معَ كونها فَرْضاً وأهلها أكثَرُ، فكذا يَسَعُ للجَنازَةِ بالأَولى، فلا منه سوى هذه العلَّةِ علَّةٌ أُخرَى، وقد أَغْرَبَ مُتَفَقٌةٌ في تعلَّقِه بإطلاقاتِ بدَّ للخُروج عباراتِ الأصحابِ؛ لأنَّ هذا شأنُ أهلِ التَّقليد، لا التَّحقيقِ والتَّأييد.
وممَّا يُؤَيِّدُ مذهَبَنا ما في «صحيح مُسلِمٍ: أَنَّه لَمَّا تُوُفِّيَ سعدُ بنُ أَبي وقاص رضي الله عنه، قالت عائشَةُ: أدخلوا به المَسجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عليه، فأُنكِرَ ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلَّى النَّبيُّ عليه الصلاة والسَّلامُ على ابني بيضاء المسجدِ سُهَيل وأخيهِ، وحيثُ أَنكَرَ الصَّحابة والتابعون عليها، ولم تذكر عُذراً إلا في فعلها ولا في فعله عليه الصلاة والسَّلامُ دلَّ على الجَوازِ، ويُحمَلُ إنكار بعضهم عليها لترك الأفضَلِ، فَتَدَبَّرُ وتأمل.
وممَّا يدلُّ على الجَوازِ من غَيرِ الكَراهة: ما أخرجه البيهقي بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك أبو بكر ديناراً ولا دِرْهما، ودُفنَ ليلة الثلاثاء، وصُلِّيَ عليه في المسجدِ وما في «مُوَطَّأ مالك» عن نافع عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: صُلِّيَ على عُمَرَ في المسجد.
وما فيما أسند عبد الرزاق: أخبرنا الثَّورِيُّ ومَعْمَرٌ عن هشامِ بنِ عُ ن عُروة قال: رأى أبي رجالاً يخرُجُون من المسجدِ ليُصَلُّوا على جَنازَةٍ، فقال: ما يصنَعُ هؤلاء؟ والله ما صُلي على أبي إلا في المسجدِ.
فهذا كله يدلُّ على الجواز فيه، وهو ما ينافي أنَّ خارِجَه أفضَلُ، وفي النواب أكمل.
وأَمَّا ما رَوَى أحمد وأبو داود وابن ماجه والطَّحاوِيُّ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن صلَّى على ميت في المسجد فلا أجر له»؛ فقد تُكُلِّمَ في إسنادِه، معَ أَنَّه مُضطَرِبُ المَتنِ؛ إذ في رواية: «فلا شيء له، ورُوِيَ: «فلا شيء عليه».
بل قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رِواية فلا أجرَ له» خَطَأَ فَاحِشُ والصَّحِيحُ: «فلا شيء له»، وفي «الغاية» للسُّروجي: أنَّ لفظ «لا أجرَ له» لم يقع في كتب الحديثِ، وقال ابن العز في «مُشكِلاتِ الهداية»: الصَّحيحُ من الرواية: «فلا شيء له».
أقولُ: وعلى تقديرِ صِحَّةِ الحديثِ، فيُحمَلُ على أنَّه لا أجرَ له كامِلاً، حيثُ تركَ ما كانَ فاضِلاً، مع أنَّ سلب الأجرِ لا يستَلزِمُ ثُبوت استحقاقِ الوِزْرِ؛ لجَوازِ الإباحة المستفادة من قوله: فلا شيء عليه» أو: فلا شيء له» من الفَضيلةِ لديه فالقَولُ بالكَراهةِ التَّحريميَّةِ لا وَجْهَ له، وغاية الأمرِ أَنَّه يُفيدُ الكَراهَةَ التَّنزيهِيَّةَ؛ إذ ليس هو نهياً غير مصروفٍ، ولا قُرِنَ الفِعلُ بوَعِيدِ ظنّي كما ضعفه الإمامُ ابنُ الهُمام. ويُؤَيَّدُه أَنَّه ورَدَ: صيام يوم السَّبتِ لا لك ولا عليك»، معَ أَنَّه لم يقُلْ أَحَدٌ بگراهتِه وحُرمتِه، بل هو محمولٌ عَلى خِلافِ الأَفضَلِ، فَتَأَمَّلْ.
فقولُ «الخلاصة»: مكروه؛ سواء كانَ الميِّتُ والقَومُ في المسجد، أو كانَ الميِّتُ خارج المسجدِ والقَومُ في المسجدِ، أو كانَ الإمامُ معَ بعضِ القَومِ خارج المسجدِ والقَومُ الباقون في المسجد، أو المَيِّتُ في المسجدِ والإمامُ والقَومُ خارِجَ المسجد = محمول على الكراهةِ التّنزيهِيَّةِ.
ثمَّ قوله هذا في الفتاوى الصُّغرَى» قال: هو المُختارُ، خِلافاً لِما أَوْرَدَه النَّسَفيُّ، يُشيرُ إلى أنَّ هذا اختيار بعضهم على خِلافِ ما اختاره النَّسَفيُّ ومَن تَبِعَه، حيثُ لا يقولونَ بالكَراهة مُطلَقاً، ويُجوِّزونَه بالإباحة، كما هو رواية عن أبي يوسف. وأما قولُ ابنِ الهُمام تبعاً لبعض الأعلام: وهذا الإطلاق في الكَراهَةِ بناءً على أنَّ المسجدَ إِنَّما بُنِي ِللصَّلاةِ المكتوبة وتوابعها؛ من النوافل والذَّكرِ وتدريس العلمِ ونَحوها من الكلامِ؛ فخارج عن تحقيق المقام؛ لأنه إذا جُوزَت فيه النَّوافِلُ فبالأولى تجويزُ فَرْضِ الكفاية، وإذا جُوِّزَ الذَّكَرُ والتَّدريس اللذان لا يدخُلانِ في مَفهومِ الصَّلاةِ، فبالأولى تجويز ما يُطلَقُ عليه اسمُ الصَّلاةِ الجملة، كظاهر قوله تعالى: {وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنْ لَهُمْ} [البقرة: 103]، وكقوله عزّ وعَلا: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} [البقرة: 84].
ثمَّ الحَصْرُ في: إنَّما بُنِي ِللصَّلاةِ المكتوبة ... إلى آخره، غيرُ مُستفادٍ مِنَ الشَّرِعِ، بل مأخوذ من عُلماءِ الفَرْعِ، وإِنَّما الوارِدُ ما رواه مُسلِمٌ أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ في المَسجِدِ، فقالَ: مَن دَعا إلى الجَمَلِ الأحمر، فقال عليه الصلاة والسَّلامُ: «لا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَت المَساجِدُ لِما بُنيت له»؛ أي: من الصَّلاةِ والذَّكرِ والقِراءةِ والدُّعاءِ وأمثالها.
وفي رواية: «فإنَّ المساجِدَ لم تُبْنَ لهذا»؛ أي: لهذا ونَحوه، فالعِلَّةُ إِنَّما صَدَرَت من صاحبِ الشَّريعةِ؛ ليُعلِّمَ الأُمَّةَ جِهَةَ المَنعِ من طريقِ السُّنَّةِ المَنيعة، ثمَّ قيل: ويدخُلُ في هذا كلُّ أمرٍ لم يُبْنَ المسجِد له من البيع والشراء ونحو ذلك، ككَلامِ الدُّنيا وأشغالها والخياطة والكتابة بالأجرة وتعليم الأولاد ونحوها. وكذا ما يَشغَلُ المُصلَّي ويُشَوِّشُ عليه، حتَّى قال بعضُ عُلمائِنا: رَفعُ الصَّوتِ ولو بالذَّكرِ حَرام في المسجدِ.
وكانَ بعضُ السَّلَفِ لا يرى أن يتصَدَّقَ على السَّائلِ المُتعرِّض في المسجدِ. بل قال بعضُهم: إنَّه يحرُمُ إِعطاءُ السَّائلِ المُتعرِّضِ بَرَفْعِ صوتٍ أو إلحاح أو بمُجاوَزَةِ صَفٌ وخُطوَةٍ على رَقَبَةِ آدمي حالَ الخُطبة.
بل قالَ خَلَفُ بنُ أَيُّوبَ: لو كنتُ قاضياً لم أقبَلْ شَهادَةَ مَن تصدَّقَ عليه. وقال إسماعيل المُستَمْلي: هذا فَلْسٌ واحِدٌ يحتاج إلى سبعين فلساً للكفارة. وقد أبعَدَ مَن أدرَجَ صَلاةَ الجَنازةِ في ذَيلِ هذه الأشياء من الكراهة أو الحُرمَةِ، ولم يجعلها في الأمورِ المُباحةِ المُجازَةِ.
ثمَّ من جملة المُنكَراتِ قُعودُ الفُقَراءِ مُلتصقين بحذاءِ الكَعْبَةِ، ومُتَصنِّعين على طائفة الطَّائفين، ومُشَوِّشين على جماعةِ الذاكرين والداعين، ويُشارِكُهم في إِثْمِهم مَن يُحسِنُ إليهم، ومَن لا يُخرِجُهم من أولي الأمر منهم، كمَشايخ الحَرَمِ والمُشدِّينَ وغيرهم ممن يقدِرُ عليهم.
وأَمَّا قَولُ ابنِ الهُمام: وقد يُقالُ: إِنَّ الصَّلاةَ نفسَها سبب موضوع للثّوابِ، فسَلبُ الثَّوابِ معَ فِعْلِها لا يكون إلا باعتبار ما يقترن بها من إِثْمٍ يُقاوِمُ ذلك الثَّوابَ، وفيه نظر لا يخفى. كما به قوله. انتهى.
ولعل وجه النظر: أن النواب يجتمع مع أداء الصلاة على وجه تحريم المَحضِ، كما إذا غَصَبَ الأرضَ، فبالأولى أن يجتمع مع الكراهة التنزيهية أو التحريمية، خلافاً للشافعية القائلة بأن النواب لا يجتمع مع الكراهية، حتَّى قالُوا: مَن قَطَعَ الصَّف فليس له ثوابُ الجَماعةِ.
وقال بعضُ فُقَهَائِنا بِعَدَمِ الكَراهة إذا كانَ الميِّتُ خارج المسجدِ؛ بناءً على أنَّ الكراهة لاحتمال تلويثه، وهذا واضح جداً، ولعلّ هذا وَجْه اختياره عليه الصلاة والسَّلامُ
في غالب الأيَّامِ أداء صلاة الجنازة خارِجَ المَسجدِ، وهو يُشير إلى أنَّها في المسجدِ كراهة تنزيه؛ لأنَّ احتمالَ التَّلويثِ لم يبلغ إلى حد كراهةِ التَّحريم؛ إذ الاحتمال واقع في أصحاب الأعذار وغيرهم، حتَّى أهلُ النِّعالِ، ولم يقُلْ أَحَدٌ أَنَّ دُخولهم في المسجدِ مكروه أو حرام؛ لاحتمالِ التَّلويثِ بما هم فيه من العُذْرِ، فالاستدلال بالاحتمالِ على گراهةِ التَّحريم مُستَبَعَدٌ من أهلِ الكَمالِ، مَعَ أَنَّ لنا مُدَّةً مديدة في المسجدِ الحرامِ ولم نرَ قطُّ أَنَّه تلوَّثَ بالجنازة؟!.
ثمَّ العَجَبُ من المُحقِّقِ أَنَّه عبَّر عن هذا التَّأويل بقوله: «وقيلَ»، ثم قال: وما قيل: لو كان عند أبي هريرةَ وهو راوي الحديثِ عِلْمُ هذا الخبر لرواه ولم يسكت، يعني عند كلام عائشة، مدفوع بأن غاية ما في سكوته مع علمه كونه سوع هو وغَيرُه الاجتهاد، والإنكارُ الذي يجبُ عَدَمُ السُّكوتِ مَعَه هو المُنكِرُ العاصي من قام به لا الفُصُولُ المُجتَهَدُ فيها، وهم رضي الله عنهم لم يكونوا أهلَ لَجَاجِ، خصوصاً معَ مَن هو أهل الاجتهاد، انتهى.
ولا يخفى أنَّه إذا وَقَعَ الخِلافُ بينَ المُجتهدينَ في الجَوازِ والإنكار، يجب على من يكون عنده علم من الأخبار ليظهر به ترجيح الأبرار، وإلا فيكون داخلاً في دم كتم العلم معَ القُدرَةِ والاختيار.
والأظهَرُ أَنَّ خُروجه عليه الصلاة والسَّلامُ لصلاة الجنازة كانَ للإشاعة، وكثرة الجماعة، فخُروجُه عليه الصلاة والسَّلامُ كَانَ بمنزلة الأذانِ في صَلَواتِ الأيام، ففي «الصَّحيحَين» عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أَنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ نَعَى النَّجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخَرَجَ بهم إلى المُصَلَّى، فَصَفَّ بهم وكبَّرَ أربع تكبيرات، فهذا يردُّ ما عللوه من التَّلويثِ، وكانَ مَوضِعُ الجَنائِزِ قُرْبَ المسجدِ على ما في البخاري».
وحكى ابنُ بِطَالٍ عن ابنِ حبيبٍ: أَنَّ مُصَلَّى الجنائز بالمدينةِ كَانَ لاصِقاً بالمسجد النبوي من ناحية المَشرِقِ، فيُستفاد منه أَنَّ ما وَقَعَ من الصَّلاةِ على بعض الجنائز في المسجدِ كانَ لأمر، عارِض أو لبَيانِ الجواز، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّ ما ذكره بعضُهم من مَطَر واعتكاف فليسَ في محله؛ لأنَّ صلاة الجنازة فرضُ كفاية، فلا يَرتَكِبُ الكراهة لأجلها معَ سُقوطها عنه بغيره.
وحديث عائشة رضي الله عنها: ما صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على سهيل بنِ بيضاء إلا في المسجد، أخرَجَه «مسلم»، فإنكارُ مَن أنكَرَ عليها من عدَمَ الاطلاع على ما كان لديها.
وأمَّا قَولُ بعض فُقَهَائِنا: اجْتَمَعَتِ الصَّحابةُ على إنكارهم عليها. فلا يُعرَفُ له أصل، وكذا قَولُ بعضهم: إنَّه منسوخ، أجمَعَ الصَّحابةُ على الإنكار؛ فإنَّه على تقدير إنكار الجميع لا يثبت به النَّسْخُ مَعَ اتّفاقِ الصَّحابة على جَنازَةِ الشَّيخَينِ في المسجدِ. وأما كلام الإمامِ محمَّدِ بنِ الحَسَنِ في «مُوَطَّيَّه»: لا يُصلَّى على جنازة في المسجد، وكذلك بلغنا عن أبي هريرةَ، ومَوضِعُ الجنائز بالمدينة خارج من المسجد، وهو المَوضِعُ الذي كانَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسَّلامُ يُصلِّي على الجنازة فيه فإِنَّما يُفيدُ كَونَ الصَّلاةِ في مسجدِ الجنازَةِ أَوْلى؛ لكونه عليه الصلاة والسَّلامُ أكثر أوقاته لم يُصَلِّ في المسجد، وإذا ثبَتَ فِعله، وكذا فعل أصحابه بعده دلَّ على جَوازِ وُقوعِه بلا كراهة، وهذا هو التحقيق، والله وليُّ التَّوفيق.
وقد أغرَبَ الإتقانِيُّ في قوله: وما رُوِيَ فِي الصَّلاةِ على الشَّيخَينِ لا حُجَّةَ فيه للخَصْمِ؛ لاحتمال أن يكونَ المَسجِدُ بُنِيَ لصلاة الجنازة، أو كانَ ذلك لعُذرِ. والغَرابة تتعَلَّقُ بالاحتمالِ الأَوَّلِ، فتأمل.
وأعْرَبُ من هذا قولُ البَلخِيِّ في السَّبَبِ المُوجِبِ للمَنعِ أَنَّه لأجلِ الحَدَثِ لا لأَجْلِ نجاسة ثبَتَتْ بالمَوتِ.
وقال الجُرْجانِيُّ وغيره من العراقيين مُوجِبُه نجاسةُ المَوتِ لا الحَدَثُ، قَالَ: وهو أقرب إلى القياس. انتهى.
وصلاته عليه الصلاة والسَّلامُ، وصلاة عائشةَ والصَّحابةِ الكِرامِ على الشَّيخَينِ، يرُدُّه كما لا يخفى.
وأغرَبُ منه قول أبي شُجاع: إِذا وُضِعَ المَيِّتُ خارج المسجد، وأقامَ الإمامُ خارجاً منه، ومعَه صَفٌ، وسائِرُ النَّاسِ في المسجدِ فَصَلُّوا عليه، الصَّحيحُ أَنَّه يُكرَه؛ لأن فيه خلاف إجماع الأُمَّةِ. انتهى.
فكأنه لم يعُدَّ غير الحنفية من الأُمَّةِ، مع أنَّ الخِلاف ثابت بينهم أيضاً، كما لا يخفى، بل قال الإتقانيُّ في غايةِ البَيانِ» ناقلاً عن تِمَّةِ الفَتاوى»: إذا كانتِ الجَنازَةُ والإمامُ في المسجدِ فالصَّلاة مكروهةٌ باتِّفاقِ أصحابنا، وإذا كانتِ الجنازة والإمامُ وبعضُ القَومِ في المسجدِ فالصَّلاةُ غيرُ مكروهة بالاتفاق، وإن كانتِ الجَنازَةُ وحدَها خارج المسجدِ فقد اختَلَفَ المَشايخ فيه، يعني بناءً على اختِلافِ العِلَّتَينِ المَشهورَتَين. ومَنشَأ هذا الاختلافِ كَونُ «في» في الحديثِ ظَرْفاً للصَّلاةِ أو للميِّتِ، كما بينَه الحدادِيُّ شارِحُ القُدُورِيِّ» في «السِّرَاحِ الوَهَّاجِ، ولا يخفَى أَنَّ مثل هذا من تعلقاتٍ ليسَ لها الزواج والنتاج. ثم التحقيق ما آلَ كلام ابن الهمام فيه، إلى أن قال: واعلَمْ أَنَّ الخِلافَ يعني بين الحنفيَّةِ والشَّافعيّة، إن كانَ في أنَّ السُنَّةَ هو إدخاله المسجد أو لا، فلا شَكٍّ في بطلان قولهم، ودليلهم لا يُوجِبُه؛ لأنَّه قد تُوفِّيَ خَلْقٌ من المسلمينَ بالمدينة، فلو كانَ المَسنونُ الأفضَلُ إدخالهم أَدْخَلَهم، ولو كان كذلك لَنُقِلَ، لتَوَجُهِ مَن تخلَّفَ عنه من الصَّحابة إلى نَقْلِ أوضاع الدِّينِ في الأُمور، خصوصاً الأمور التي تحتاج إلى ملابستها ألبتة.
ومما يقطَعُ بعدَمٍ مَسنُونيَّتِه إِنكارُهم، وتخصيصها في الرواية بابنَي بَيضاءَ؛ إذ لو كانَ سنَّةٌ في كلِّ ميّت ذلك، وكانَ هذا مُستَقِرَّاً عندهم، لم يكونُوا يُنكِرُونَه؛ لأنَّهم كانوا حينَئِذٍ يَتَوارَثُونَه، ولَقالت: كانَ عليه الصلاة والسَّلامُ يُصلِّي على الجَنائِزِ في المسجد. وإن كان؛ أي: الخِلافُ بينَ المَذهَبَينِ في الإباحة وعَدَمِها؛ فعِندَهُم مُباح، وعندنا مكروه، فعلى تقدير كراهة التحريم يكون الحقُّ عَدَمَها كما ذكرنا، وعلى كراهَةِ التَّنزيهِ كما أخبرناه، فقد لا يلزَمُ الخِلافُ؛ لأَنَّ مَرجِعَ التَّنْزِيهِيَّةِ إِلَى خِلافِ الأولى، فيجوز أن يقُولُوا: إِنَّه مُباحٌ في المسجد، وخارج المسجدِ أَفضَلُ، فلا خلاف حينئذٍ.
وذلك قولُ الخَطَّابي: ثبَتَ أنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهما صُلِّيَ عليهما في المسجد، ومعلوم أنَّ عامَّةَ المُهاجرين والأنصارَ شَهِدُوا الصَّلاةَ عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل الجواز، وإن ثَبَتَ حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه، فيُتَأَوَّلُ على نقصان الأجر، أو تكونُ اللَّامُ بمعنَى (على) كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُم فَلَهَا} [الإسراء: ?]. انتهى.
والمعنى أنَّ رواية «فلا أجر له على تقدير ثبوته محمول على نفي الكمال، ورواية فلا شيء له» بمعنى: لا شيء عليه، كما في رواية، أو بمعنى: لا شيء له من الفضيلة.
وأما قوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] فلا يصلُحُ أن يكون شاهداً لما نحنُ فيه؛ لأنَّها وَقَعَت بطَريقِ المُشاكَلَةِ لقَولِه سُبحانَه: وَإِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفسكم} [الإسراء: 7]، مع أنه يصح في الآية أن يُقالَ: اللَّامُ فيها للاختصاص؛ أي: فالإساءَةُ مُختَصَّةٌ لها لا تتجاوز عنها إلى غيرها، كقوله تعالى: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]. وأمَّا قَولُ ابنِ الهُمامِ والمَروِيُّ من صَلاتِهم على أبي بكرٍ وعُمَرَ رضي الله عنهم في المسجد، ليسَ صريحاً في أنَّهما أُدخلا فيه؛ لجَوازِ أَن يُوضَعَ خارِجَه ويُصَلِّي عليه من فيه إذا كان عند بابه موضع لذلك. انتهى.
ولا يخفى بعد هذا الاحتمال من جهة العقل، فإنَّه لو كانَ ثابتاً لأُخبِرَ من طريق النقل، على أنَّ الصَّلاةَ عليهما وهما خارِجَه يُنافي القَولَ بالكَراهة؛ لعِلَّةِ كَوْنِ المسجدِ وُضِعَ لغَيرِ صلاة الجنازة. وقد روى ابن أبي شيبة وغيره: أَنَّ عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكرٍ في المسجد، وأنَّ صُهَيباً صلَّى على عُمَرَ في المسجد، زاد في رواية: ووُضِعَتِ الجَنازَةُ في المسجدِ تُجاءَ المِنبَرِ، وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك. ثمَّ قولُ قوله: ولو سُلَّمَ، فيجوز كونُهم انحَطُّوا إلى الأمرِ الجَائِزِ لَكَونِ دَفْنِهِم كَانَ بحذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانٍ مُحيط به فيه نَظَرُ ظاهر؛ إذ حاصِلُه أَنَّه كانت الصَّلاةُ عليهما في المسجدِ لعُذر، وهو مدفوع بأنَّه كانَ يُمكِنُ لهم أن يُصَلُّوا عليهما في مسجدِ الجَنازَةِ، ثمَّ أُدخلا في المسجدِ ودُفنا معه عليه الصلاة والسَّلامُ.
ففي الجُملَةِ القَولُ بالتَّحريمِ باطِلٌ، سواء قيلَ: العِلَّةُ تَلويثُ المسجدِ، أَو عَدَمُ بنائه لهذه الصَّلاةِ، لثُبوتِ صلاته عليه الصلاة والسَّلامُ وصَلاةِ أصحابه الكرام على الشَّيخَينِ، وإدخالهما في المسجدِ الشَّريف، وإمرارهما إلى الضَّريحِ المُنيفِ. وفيما ذكرناه دَليلٌ قاطع في أنَّ سُنّيْتَه وطَريقته المُستَمِرَّةَ في مسجد المدينة المُعَطَّرة لم تكن إدخال الموتى في المسجدِ في الحالاتِ المُستَقِرَّةِ، بخلافِ المسجدِ الحرام، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ بحقيقةِ المَرامِ.
وقد تبيَّنَ أَنَّ مَن أوصى من صُلَحاءِ الكِرامِ: أَنَّه لا يُصَلَّى عليه في المسجدِ الحَرامِ فقد حُرِمَ من فَضيلةِ المَقامِ؛ لَعَدَمِ مَعرِفَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ. وكذا تبَيَّنَ جَهْلُ مَن لا إلمامَ له بهذا الكلامِ، حيثُ لا يُصَلَّى على الجنازة في مسجد المدينة، أو المسجدِ الحَرام بعد إدخالها فيهما، فإِنَّ أَصلَ الكَرَاهِةِ مُتَوَجّه إلى إدخال الجنازة؛ سواء يكونُ بعِلَّةٍ تَلويث المسجد، أو كونه لم يُبْنَ لها على القَولِ به. وأَمَّا بعد تحقق دُخولها فلا معنى للامتناع عنِ الصَّلاةِ عليها، معَ أَنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ صلَّى على ابنِ بَيضاءَ، وعائشةَ رضي الله عنها صَلَّتْ على سعد بن أبي وقاص، وصلَّى المُهاجرون والأنصار على الشَّيخَينِ رضي الله عنهم.
ثمَّ اعلَمْ أَنَّه لم يُنقَل عن أئمتنا - من الإمام الأعظم وأصحابه - نص في التحريم، ولا في الكراهة في هذه المسألة، وإنَّما المشايخُ عَلَّلُوا بِعِلَلٍ حَسَبَ رأيهم من غيرِ تحقيق سند، وتدقيق مُعتَمَد.
ولهذا وَقَعَ لهم الاضطراب في عِلَلِهم وأحكامهم، فَرَجَعْنا إلى ما وَرَدَ في أصل المسألة من أحكامِ السُّنَّةِ؛ لقول الإمامِ أحمدَ خُذُوا عِلَمَكُم من حيثُ أَخَذَه الأَئِمَّةُ، ولا تقيفوا بالتقليد؛ فإِنَّ ذلك عمّى في البصيرة.
والحاصِلُ أنَّ ما يقولُه أَئِمَّتُنا المُتقدِّمينَ، فعلى الرَّأْسِ والعَينِ، فنُقَلِّدُهم لكونهم أعلم منا بيقين، وأمَّا المَشايِخُ فهم رِجالٌ ونحنُ رِجالٌ، على أنَّه صَحَّ عن أبي حنيفة: لا يحِلُّ لأحَدٍ أن يقول بقولنا ما لم يَعلَمْ أَنَّا من أينَ قُلنا، فَرَضِيَ اللَّهُ عنه حيثُ نَبَّهَنا على أنَّ الواجب على الأمَّةِ كافةً من الأئمة والعامَّةِ مُتابعةُ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمَن جَاوَزَهما فقد وَقَعَ فِي الكُفْرِ أو البدعَةِ.
فَصِلٌ
فيما يتعلق بهذا المقام من تحقيق بعض الأحكام
منها قول بعض مشايخ ما وراء النهر، منهم القاضي أبو المعالي مفتي أهلِ بَلْخِ أَنَّ مَن رأى جَنازَةٌ صَارَ صَلاتُها فَرْضَ عين عليه، ونُقِلَ عن بعض الفتاوى، لكِنَّ مَشايخنا في زَمانِه فتَشُوا عنها لتحقيق كلامه وتصديق شأنه فلم يَروهُ مَنقُولاً، ولم يُظهِرُوا له وَجْهاً مَعْقُولاً.
إلا أنه يخطر ببالي أنَّه على تقديرِ صِحَّةِ روايته لا يبعُد أن يُتَكَلَّفَ في تحقيقِ دِرايته، بأن يُقالَ: لا شك ولا ريبَ أَنَّ صلاة الجنازةِ فَرضُ كفاية بالإجماع، كما هُو مُقرَّر بأدلَّتِه في محله من غيرِ النزاع، فيجبُ حَمِلُه عَلى أَنَّ المُرَادَ بِهِ: أَنَّ مَن رأى الجَنازَةَ أو الميِّتَ تعَيَّنَ عليه فَرْضُ صلاته، وكذا تجهيزه وتكفينه ودفنه، إذا كان هو وإيَّاهُ في صحراء أو قَرْيَةٍ فَرْضاً.
وكذا إذا كانَ جماعةً من أهل بلدِ اطَّلَعُوا على ميِّتِ وباقي أهلِ البَلَدِ لم يعرِفُوه، فإِنْ لم يُصَلِّ عليه أحَدٌ فيكونُ الجَماعةُ المُطَّلِعون هم المُتَعيِّنين بالإثم، حيثُ تركوا الصَّلاةَ عليه مع العلمِ بخِلافِ سائر أهلِ البَلَدِ، وإلا فلو قُلنا بعموم الإثم على جَميعِهم لَزِمَ منه حَرَجٌ عظيم، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: ??]. ومنها: ينبغي أن يَقرَأَ المُصلِّي على الجَنازَةِ سورة الفاتحة للخروج عنِ الخِلافِ؛ فإِنَّه مُستَحَب بالإجماع، لا سيما إذا كانَ إماماً، فإنَّه حينَئِذٍ يكونُ باعث النزاع في صِحَّةِ اقتِداءِ الشَّافعيّ ومَن له من الاتِّباع، ففي «قاضي خان»: ويدعو في صَلاة الجنازة بالأدعية المعروفة، ولا يقرأُ فاتحة الكتاب، وإن قرأها بنيَّةِ الثَّناءِ فلا بأس به، وإن قرأها بنيَّةِ القِراءةِ كُرِهَ ذلك، انتهى.
وهو محمول على الكَراهَةِ التَّنزيهِيَّةِ التي هي خِلافُ الأولى كما لا يخفى، وإلا فلم يرِدْ نَهي مقصود عن القراءة فيها، نعم لم تثبتِ القِراءَةُ عن رسولِ اللهِ فيها؛ إذ كل ما لم يثبت فعله عنه عليه الصلاة والسَّلامُ لم يلزَمْ منه أن يكونَ حَراماً أو مكروهاً، بل يتَوَقَّفُ حُكمُها على نَهْيِ قَطْعِيٌّ أو ظَنّي وبهذا تبيَّنَ أنَّ القِراءةَ في الطُّوافِ لا تُكرَهُ، نعم الأفضَلُ ما وَرَدَ فِي السُّنَّةِ من الأدعية الثابتة، وهذا أيضاً في الأطوفة الواجبة، وإلا فأمر النوافل مبني على التوسعة، بل أقول: إنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ إِنَّما لم يقرأ في الطُّوافِ؛ لئَلَّا يُتَوَهَّمَ كونُه فَرْضاً أو واجِباً أو سُنَّةٌ مُؤَكَّدةً، فيُحرَمُ من حصوله العوام، فكان تركه هذا رحمةٌ للأنامِ، مَعَ أَنَّه قد قرأ بينَ الرُّكنِ اليَماني والمَقامِ آيةَ: رَبَّنَا ايْنا} [البقرة: 201] تنبيهاً على ما قُلْنا، وما أبعَدَ مَن حَمَلَه على قَصْدِ الدُّعاءِ دُونَ القراءةِ، ومن أينَ له مَعرِفَةُ هذه النِّيَّةِ؟ على أَنَّ الجَمْعَ بينَهما هو الأولى؛ فإنَّه نور على نورٍ في المَقامِ الأعلى.
هذا وفي «مُوَطَّأ مالك عن نافع: أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما كَانَ لا يقرؤُها في الصَّلاةِ على الجنازة، ورُوِيَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: أَنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ لم يُؤَقِّتْ شيئاً من القُرآنِ في صلاة الجنازة، وبه قال مالك، لكِنْ رَوَى الحاكِمُ في «مُستَدرَكه عن ابن عبّاس: أنَّه إذا صلّى على الميّتِ كَبَّرَ وقرأ الفاتحة، ولا يبعُدُ حَمله على قصدِ الثَّناءِ، مَعَ أَنَّ عُموم قوله عليه السَّلام: «لا صَلاةَ إلا بفاتحة الكتاب» شاملة لها أيضاً، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
ومن الغريب ما ذكره قاضي خان عن شَمْسِ الأَئِمَّةِ الحَلْوَانِيِّ: أَنَّ من أصحابنا من قالَ: قراءة الفاتحة في الشَّفْعِ الثَّاني من ذَواتِ الأَربَعِ على وَجهِ الدُّعاءِ أو الثَّناءِ، لا على وَجْهِ القراءة)، انتهى.
ووَجْهُ غَرابته لا يخفى؛ إذ ثَبَتَ أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ كَانَ يَقرَأُ الفاتحة في الشَّفعِ الثَّاني، ولا يصِحُ حَمْلُه على قصدِ الثَّناءِ والدُّعاءِ مِن غَيرِ مُوجِبٍ، فَتَحَرَّرَ أَنَّ الأحوط قراءة الفاتحة؛ لأنَّ في تركها بطلانَ الصَّلاةِ عندَ الشَّافعيّة، وفي قراءتها كراهة الصَّلاةِ عند الحنفية، وفِعلُها أَهْوَنُ مِن تَرْكِها.
ومنها: أنَّ تكبيراتِ الجَنازَةِ أركان عندنا، فإذا سلَّمَ الإمامُ يجب على المسبوق أن يأتي بما عليه، ثمَّ يُسلَّمَ، وإنَّما ذكرتُ ذلك؛ لأنَّ كثيراً من السُّفَهاءِ بل من الفُقَهَاءِ رأيتُهم يكونون مسبوقين، وإذا سلَّمَ الإمامُ سَلَّمُوا معه من غيرِ الإِتمامِ. ومنها: أنَّه إذا أدركَ أوَّلَ التَّكبيرِ من صَلاةِ الجَنازَةِ ولم يُكَبِّرُ حِينَ كَبَّرَ الإمامُ كَبَّرَ هو ولا ينتَظِرُ التكبيرة الثانية؛ لأنَّ محلَّها قائِمٌ، فإن لم يُكَبِّرْ حتَّى كَبَّر الإمامُ كَبَّرَ الثَّانية معَ الإمام، ولم يُكَبِّرِ الأولى حتَّى يُسَلَّمَ الإمامُ؛ لأنَّه لو كبَّرَ للأُولى كان قضاءً، والمُقتَدي لا يَسْتَغِلُ بقضاء ما سبق قبل فراغ الإمام. وإن لم يُكَبِّرُ معَ الإمامِ حتَّى كَبَّرَ الإمامُ أربعاً، كبر هو للافتتاح قبل أن يُسلَّمَ الإمامُ، ثمَّ يُكبر ثلاثاً قبل أن تُرفَعَ الجَنازَةُ مُتَتَابِعاً لا دُعاءَ فيها، فإِذا رُفِعَتِ الجنازة من الأرضِ قَطَعَ التَّكبير، فإنْ كبَّرَ معَ الإمامِ التكبيرة الأولى، ولم يُكبر
الثانية والثالثة يُكبِّرُهما، ثم يكبرُ معَ الإمامِ، فإنَّه حينَئِذٍ لا حق لا مسبوق. وإذا كبر الإمامُ على جَنازة تكبيرةً أو تكبيرتين، فجاءَ رَجُلٌ لا يُكبِّرُ هذا الرَّجُلُ حتَّى يُكبِّر الإمام، فيُكبِّرُ معَه للافتتاح، ويكون مسبوقاً بما كبَّرَ الإمامُ قبله، بخلافِ مَن كانَ حاضِراً قائماً في الصَّفٌ، ولم يُكَبِّرُ للافتتاح مع الإمامِ تغافلاً، أو كانَ في النّية، فإنَّه يُكَبِّرُ، ولا ينتظر تكبيرة الإمامِ. وإذا كبَّرَ الإمامُ في صلاةِ الجَنازةِ خَمْساً، فعن أبي حنيفة روايتان، والمختارُ أنْ لا يُتابعه في التكبيرة الخامسة، وينتظر، فإذا سلَّمَ الإمامُ سَلَّمَ معه. ومنها: أنَّ بعدَ غُروبِ الشَّمسِ يُبتَدَأُ بالمغرب، ثمَّ بصلاةِ الجَنازَةِ، ثُمَّ سُنَّةِ المغرب، وجازَتِ الجَنازَةُ عندَ الغُروبِ والطُّلوعِ والاستواء إِذا حَضَرَت في تلكَ السَّاعةِ، لكنَّ التَّأخير أفضَلُ، فتَأمَّل.
ومنها: أنَّه إذا صلَّى إمامُ الشَّافعيَّةِ على الغائب يجوز للحَنَفِيِّ أن يُقلَّدَ ويُصلِّيَ معه، لكنْ بِشَرْطِ أن يقرأ فيها الفاتحة؛ فإنَّها رُكن عندهم، ويكون أيضاً مُراعِياً لهم في فرائض الوضوء ونَواقِضِه.
ومنها: أَنَّه وَرَدَ: «إكرام الميتُ دَفَنُه»، ويُؤَيَّدُه قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ، وقوله عزّ وعَلا: {ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ؛ أَي: أَمَرَ بِدَفْنِه. قالَ السّخاوِيُّ: لم أقف عليه مرفوعاً، وإنَّما أخرجه ابنُ أَبِي الدُّنْيا من جهةِ أَيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ: من كرامَةِ المَيِّتِ على أهلِه تَعجِيلُه إِلى حُفْرَتِه، ويشْهَدُ له حديث: «أَسرِعُوا بالجنازة»، قال: وقد عَقَدَ البَيْهَقِيُّ باباً لاستحباب تعجيل تجهيز الميت إذا بانَ مَوتُه، وأورَدَ فيه ما رَواهُ الطَّبرانيُّ بسَنَدِه مَرفوعاً: «لا ينبغي لجيفَةِ مُسلِمٍ أن تُحبَسَ بين ظهراني أهلِه»، الحديث.
وللطَّبَراني من حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «إذا ماتَ أحدُكُم فلا تحبسوه وأَسرِعُوا به إلى قبره»، وفي لفظ: «مَن مَاتَ فِي بُكْرَةٍ فلا يَقيلَنَّ إلا سيأتي تخريجه قريباً.
ماتَ عَشِيَّةٌ فلا يبيتَنَّ إلا في قبره.
ثمَّ قالَ السَّخاوِيُّ: وأهلُ مكَّةَ في غَفلةٍ من هذا؛ فإنَّهم غالباً يجيئُونَ بِمَيِّتِهم بعد الظُّهرِ، أو وَقْتَ التَّسبيح في السَّحَرِ، وقد يكونُ مات قبلَ الوَقتَينِ بكثيرِ، فَيَضَعُونَه عندَ الكعبة حتَّى يُصلَّى الصُّبحُ أو العَصْرُ، ثمَّ يُصلَّى عليه.
قالَ الحَطَّابُ: ولقد صَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ في إنكاره ذلك، وقد كانَ يُنكر ذلك عليهم شيخنا العارِفُ بالله محمدُ بنُ عراق.
قلت: وقد يُعتَذَرُ لأهل مكَّةَ في تأخُرِهم أنَّه من أجل اجتِماعِ المُسلمينَ للصَّلاةِ، وتشييع الجنازة، لا سيما في الأزمنة الحارة.
والله أعلمُ بالمَقاصدِ الحَسَنَةِ والبِدَعِ المُستَحْسَنَةِ، فاللهُ سُبحانَه أسألُه أن يُوَفِّقَني لمرضاته في الحياة، ويتوبَ عليَّ عندَ حُلولِ المَماتِ، ويرحمني وسائِرَ المُؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأمواتِ، وسلامٌ على المُرسَلين،
والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين.