الجزء 1 · صفحة 7
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الدراسات العليا
قسم الفقه الحنفي وأصوله
«صلاة الجُلّابي»
للإمام أبي طاهرمحمد الجلابي
«دراسة وتحقيق وتعليق»
" Salat Al-jollabi"
By Al Imam: Abi Tahir Mohammad Aljollabi
"Studying, Text editing and Commenting"
إعداد
جمالبيك ريسقولبيك اولو
إشراف
الأستاذ الدكتور: صلاح مُحمد أبو الحاج
قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستير في تخصص الفقه الحنفي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
تاريخ المناقشة: عمان 30\ 08\3023
الجزء 1 · صفحة 8
«صلاة الجُلّابي»
للإمام أبي طاهرمحمد بن الجلابي
«دراسة وتحقيق وتعليق»
" Salat Al-Jollabi"
By Al Imam: Abi Tahir Mohammad Al-Jollabi
"Studying, Text editing and Commenting"
إعداد
جمالبيك ريسقولبيك اولو
إشراف
الأستاذ الدكتور: صلاح مُحمد أبو الحاج
نوقشت هذه الرسالة وأجيزت بتاريخ 30\ 08\2023
الجزء 1 · صفحة 9
الإهداء
1) إلى أستاذي العلامة الدكتور صلاح أبو الحاج الذي علمني طريقة العلم حفظه الله تعالى.
2) إلى روح والدي الّذي رباني منذ صغري، اللهم ثقل ميزانه، وأمطر على قبره سحائب مغفرتك، واجعله من أهل جناتك.
3) إلى روح والدتي الّتي ربتني، اللهم ثقل ميزانها، وأمطر على قبرها سحائب مغفرتك، واجعلها من أهل جناتك.
4) إلى أخي الكريم الفاضل عثمان غريفات، الله يرضى عنه ويحفظه.
5) إلى أخي الكريم في الإسلام خليل أبي غنيم، الله يرضى عنه، ويحفظه من كل سوء.
6) زوجتي الحبيبة التي أعانت إلي بحسن خدمتها، رضي الله عنها.
الجزء 1 · صفحة 10
شكر والتقدير
بداية أشكر الله تعالى على التوفيق لهذا العمل، ولله الحمد والثناء يليقان بجلاله سبحانه تعالى.
وأقدم شكري الجزيل إلى أستاذنا الدكتور صلاح أبو الحاج حفظه الله تعالى، والذي أسأل الله تعالى أن يمد في عمره، تعلمت منه الأدب مع العلم، وإلى جميع الدكاترة جامعة العلوم الإسلامية العالمية.
وإلى كل من ساعدني وأعانني في إعداد هذه الرسالة.
وأسأل الله سدد خطاكم القبول والتوفيق وحسن الختام إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
الجزء 1 · صفحة 11
الملخص
"صلاة الجلابي"
للإمام أبي طاهرمحمد الجلابي
«دراسة وتحقيق وتعليق»
إعداد
جمالبيك ريسقولبيك اولو
إشراف
الأستاذ الدكتور: صلاح مُحمد أبو الحاج
الأهداف:
هدفت هذه الرسالة إلى بيان بعض مسائل العبادات من كتاب الطهارة والصلاة وصلاة الجنازة في المذهب الحنفي، وبيان أقوال العلماء في داخل المذهب خاصة، وأقوال مذاهب الأخرى عموما مع استدلاهم.
المنهجية:
اتبعت الدراسة منهجان وهما: المنهج الوصفي وذلك معرفة أقوال في كل مسألة من مسائل البحث مع توثيقها، والمنهج التحليلي وذلك تحليل الأقوال وبيان مبنى الاختلاف مع تحريرها.
النتائج:
توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج أهما: يعتبر كتاب "صلاة الجلابي" من الكتب المهمة في المذهب الحنفي، لا غنى لطالب العلم عنه، يميز هذا الكتاب النقول عن ظاهر الرواية وعن الكتب المعتمد، وهذا تجعل كتابه مرجعا في كثير من الأبواب، كالاستدلال للمسائل، وترتيب المسائل، وتكثير الفروع.
الكلمات المفتاحية: كتاب الطهارة، والصلاة، وصلاة الجنازة.
الجزء 1 · صفحة 12
" Salat Al ـ Jollabi"
By Al Imam: Abi Tahir Mohammad ibn Al- Jollabi
"Studying, Text editing and Commenting"
Prepare: Zhamalbek Ryskulbek Uulu
Supervisor: Dr. Salah Mohammad Abo Alahajj
Objectives:
This study aims to clarify some issues of worship from the books of purification, prayer, and funeral prayer in the Hanafi madhhab, and to clarify the opinions of scholars within the madhhab in particular, and the opinions of other madhhabs in general with their evidence.
Methodology:
The study followed two methods: the descriptive method, which is to know the opinions in each issue of the research with its documentation, and the analytical method, which is to analyze the opinions and explain the basis of the difference with its editing.
Results:
The study reached a number of results, the most important of which are: The book of Salat al-Jalabi is considered one of the important books in the Hanafi madhhab, which is indispensable for a student of knowledge. This book distinguishes between reports, the apparent meaning of the narration, and the approved books, and this makes his book a reference in many chapters, such as the evidence for issues, the arrangement of issues, and the multiplication of branches.
Keywords: The book of purification, prayer, and funeral prayer.
الجزء 1 · صفحة 13
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المشروع
الحمد لله الّذي أعْلى معالم العلم وأعلامَه، وأظْهَر شعائر الشرع وأحكامَه، والصلاة والسلام على رسوله محمدٍ سيّد المبعوثين بالحقّ المبين، وعلى آله الطيّبين الطّاهرين، وعلى أصحابه البَرَرَةِ المتّقين.
أمّا بعد:
فإن من أعظم نعم الله تعالى على عباده أن أرسل لهم رسله، يبلغون رسالات ربهم، وينذرون قومهم، وكل ما ذهب رسول جاء رسول آخر بشريعة أخرى إلى أن جاء خاتم النبيين والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومعه الشريعة الخالدة الّتي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيلٌ من عزيزٍ حكيمٍ.
وقد قيّض الله لنبيّه أصحابًا يجاهدون معه لتبليغ هذا الدين حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها فرضي الله عنهم وأرضاهم، والّذين جاؤوا من بعدهم حيث بذلوا كلّ ما في وسعهم لنشر الدين، وقاموا به خير قيام.
وخصّ الله تعالى الأوائل بالاجتهاد، وهم بذلوا جهدهم لنيل المقصود حتى وضعوا مسائلَ من كل جليٍّ ظاهرٍ درْكُه، ودقيقٍ خفيٍّ فهْمُه؛ لأن الاعتبار بالأمثال من صنعة الرّجال، وهم الّذين تولوا تمهيد قواعد المسائل الشرعية وتبيينها، وكل من صنف كتبًا بعدهم، أو وضع مسألةً فهو مغترف من بحار علومهم، ومتجرِّعٌ من مَنْبَع أصولهم، وبانٍ على ما أصَّلوه، وتالٍ على ما أسسوه، فلهم الدرجة العليا.
ولقد ترك لنا علماءنا السابقون تراثا ضخما من المؤلفات العلمية التي تشهد لهم بالفضل والمكانة في العلوم، إلّا أن قسما كبيرا منها ما زال حبيس مخطوطات قديمة، وإن هذا العلم الموروث في تلك
الجزء 1 · صفحة 14
المخطوطات لينادي أصحاب الهمم من أجل دراستها وتحقيقها والتعليق عليها والتعرف بها، وقد سلك كثير من العلماء مسلك تحقيق الكتب القديمة، وهو مسلك لا يقل أهميته عن التأليف؛ لأن فيه إحياء لتراث الأمة، ولا يمكن الاستغناء عنه.
وإن من أجل العلوم وأشرفها علم الفقه، ومن خلاله يعرف المرء أمور دينه من عبادات، ومعاملات، ونكاح، وطلاق، وحلال وحرام، وغيرها من الأحكام، وقد أُلّف كتبٌ في بيان هذه الأحكام، من ضمنها هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وفيه بيان مسائل العبادات ناقلا من كتب ظاهر الروايات، والواقعات، والنوادر، والمختصرات.
قياما لبعض الواجب لهذا الدين، وحفاظا على هذا التراث الذي ترك لنا أجدادنا السابقون، وجهت همتي إلى دراسة كتاب "صلاة الجلابي" للإمام أبي طاهر محمد بن الجرجاني والتحقيق والتعليق عليها رغبة في تسهيل اطلاع طلبة العلم على تراث أسلافهم، وخدمة للعلم وأهله، والحمد لله تعالى حسن توفيقه.
الجزء 1 · صفحة 15
مشكلة البحث:
يعتبر كتاب "صلاة الجلابي" من الكتب النادرة، ومع ذلك اهتمّ علماؤنا لنقل عنها في مؤلفاتهم، وهذا يدلّ على أنّ الكتاب ذات المكانة الرفيعة لدى العلماء، وطلاب العلم في المذهب الحنفي، إلّا أنّه من خلال البحث والتحري وجد الباحث هناك نواحي لا بدّ من بيانها والإجابة عليها وإعادتها بشكلٍ، وعرض جديدين، وهنا جاءت مشكلة البحث وقف الأسئلة الآتية:
1) ما ترجمة المصنف، والاختلاف فيها، ودرجته في الاجتهاد؟
2) ما الدراسة السليمة للمخطوط من حيث التحشية والتعليقات النافعة؟
3) ما النص الصحيح والأفضل للمخطوط.
أهداف البحث:
1) دراسة وتحقيق وتعليق على مخطوط @صلاة الجلابي!
2) بيان نسبة الكتاب إلى المؤلف، والاختلاف فيها.
3) الاهتمام بخدمة نصّ الكتاب، وتخريج أحاديثه، وبيان توضيح مسائله.
منهجية العمل في التحقيق:
الأول: منهجي في المقابلة والتعليق:
الجزء 1 · صفحة 16
1) بيان النسخ التي اعتمدت للتحقيق، وعدد الأوراق وتاريخ نسخها إن وجد، وعدد أسطرها، وغيرها من الأمور التي لها شأن في توضيح المخطوط وتوثيق مصدريها، بالإضافة إلى صورة الورقة الأولى والأخيرة لكل نسخة وإثباتها عن الوصف.
2) توضيح المسائل والكلمات الغامضة في المخطوطة لإزالة الإبهام عن العبارات، وبيانها من الكتب الفقهية المعتمدة والمعتبرة مع إثبات الحاشية مع مراجعها.
3) التعليق على الآراء التي خالف فها المصنف معتمد المذهب، أو كان في المسألة أقوال بين العلماء.
4) إثبات النص الأصح والأصلح في الأعلى، وذكر الفروق الأخرى في الحاشية.
5) بيان اللغوي والاصطلاحي للمفردات للوصول إلى مراد الحنفية من هذه المصطلح.
6) ذكر الأقوال التي لم يذكرها صاحب المخطوط إذا كان قد ذكرها غيره؛ لبيان سعة المذهب، وخدمة النص.
7) مناقشة أكثر مسألة نص فيها المؤلف بعبارة الترجيح مثل: وهو الأصح، أو الصحيح، والأولى، وذكر أوجه الأقوال الأخرى.
8) نقل العبارات نفسها بدون تغيير التي كان نقلها المصنف بالمعنى.
9) ذكر أدلة العلماء داخل المذهب.
الجزء 1 · صفحة 17
10) التنبيه على عبارات التساهل في الإطلاق في المخطوط من حيث نسب القول للكل، أو كان فيه اختلاف بين أصحاب المذهب.
11) تخريج الأحاديث بذكر روايته من الصحابة، والكتب التي خرجته، وعدم ذكر الحكم من حيث الصحة والضعف إلا أحيانا.
12) تخريج أسماء الكتب التي ذكرها المؤلف في الكتاب؛ لأنها من مصادرها.
الثاني: المنهج المتبع في التوثيق:
1) القيام بترميز نسخ المخطوطات بحروف نحو: أ، ب، د.
2) توثيق الأقوال الواردة في المخطوط لأصحابها ويستثنى من ذلك قول أصحاب المذهب هم الإمام الأعظم، وأصحابه: الإمام أبي يوسف، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن هذيل، والإمام الحسن بن زياد، لأن كتب الفقه في المذهب وضعت من أقوالهم، إلا في حالة اضطراب الرأي في مسألة ما، فيتم التأكد من نسبة القول.
3) توثيق أقوال أئمة المذاهب: الإمام مالك بن أنس، أو الإمام الشافعي محمد بن إدريس، والإمام أحمد بن حنبل.
4) توثيق النقل من علماء المفسرين إذا ذكر المؤلف تفسير الآية.
الجزء 1 · صفحة 18
5) وضعت علامة التنصيص @! إذا نقله المصنف في كتابه، مع التنبيه في الحاشية هل نقله بالمعنى أو اللفظ.
6) إذا كان الاختلاف في كلمتين أو أكثر، وضعت علامة داخل المعكوفتين: [].
7) إذا كان الاختلاف في كلمة، وضعت الهامش فوقها، ولم أضع داخل القوسين أو المعكوفتين.
8) توثيق الآيات في الأعلى مع اسم السورة ورقم الآية، وتكون الآية بالرسم العثماني.
9) إثبات الفروق في المخطوط ما عدا في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغ الترحم والترضي على العلماء والصحابة، ولذلك قمت بتثبيت شكل الصلاة كالآتي (ع) وأصحاب المذاهب والصحابة (س) والعلماء (:).
الثالث: المنهج المتبع في ترجمة الشخصيات والكتب:
1) ترجمة لجميع الأعلام التي تذكر في المخطوط، بذكر الاسم واللقب، وثناء العلماء عليه، والوفاة ومؤلفاتها مع ذكر ثلاثة كتب على الأقل إن وجد.
2) ترجمة الكتب التي تذكر في المخطوط مع ذكر أهمتها عند العلماء، وبيان اعتمادها.
3) يستثنى من ترجمة الأعلام الخلفاء الأربعة ش، وأئمة مذهبنا ش، وأئمة المذاهب الثلاثة.
الرابع: المنهج المتبع في التعامل مع النص:
1) تقسيم المخطوط إلى فقرات تتناسب مع المواضع والمعاني.
الجزء 1 · صفحة 19
2) وضع علامات الترقيم.
3) تشكيل الكلمات التي تشكل على القارئ.
4) توضيح بعض الكلمات التي يحتاج إلى توضيح لغوي من المعاجم.
الدراسات السابقة:
بناء على استقرائي، وهذا الكتاب لم يحقق من قبل، والله أعلم.
خطة البحث:
قسمت الدراسة إلى مقدمة وفصلين.
الفصل الأول: دراسة المؤلف
المبحث الأول: التعريف بالمصنف
المطلب الأَول: حياته الشخصية.
المطلب الثَّاني: درجتُهُ في الاجتهادِ.
المطلب الثَّالث: مؤلفاتُهُ، وثناء العلماء عليه.
الفصل الثاني
المبحث الثَّاني: الدراسةُ عن صلاة الجلابي.
المطلب الأَول: نِسبةُ الكتابِ إِلى المُصنّفِ.
المطلب الثَّاني: أهمية المخطوط
الجزء 1 · صفحة 20
المطلب الثالث: منهجُ المُصنّفِ في الكتاب.
المطلب الرابع: مصادر الإمام في كتابه.
المطلب الخامس: مسامحات المصنّف.
المطلب السادسة: وَصفُ نُسخِ المَخطوط.
الجزء 1 · صفحة 21
المبحث الأول: التعريف بالمصنف
أجمل المترجمون للمصنف في بيان اسمه، وكنيته، ونسبته، وسنة الولادة، والوفاة، ولم يذكروا إلّا قليلا من حيث اسناد الكتاب إليه فقط، ولم أجد أي معلومة عنه فيما راجعت من كتب التراجم، حتى المخطوطات الّتي اعتمدت عليها في أثناء التحقيق لم تذكر عن المصنف إلّا قليلا.
المطلب الأَول: حياته الشخصية.
أولا: اسمه: محمد بن الجرجاني الجلابي (¬1).
ثانيا: كُنيته:
واختلف في كنية المصنف
1ـ أبو طاهر (¬2).
2ـ أبو محمد طاهر (¬3).
ثالثا: نسبتُه: اشتهر الإمام بهذه النسبة، وصارت علما عليه، وعلى كتابه بحيث إذا أطلق لفظ الجلابي في كتبنا يكون هو المقصود، ويكون المراد كتاب في الصلاة الذي هو محل بحثنا، ولذلك راجعت كتب التراجم، والأنساب، البلدان؛ لأرى ما هو المقصود بهذه النسبة حيث اختلفوا في ضبطها، ومدلولها على أقوال:
1ـ الجَلّابِيُّ: بفتح الجيم، وتشديد اللام ألف، وفي آخرها الباء الموحدة، هذه النسبة إلى الجلّاب، وهو: اسم لمن يجلب الرّقيق والدواب من بلد إلى بلد ويبيعه (¬4).
¬
(¬1) ينظر: فهرس آل البيت ج97، ص26 ـ ج222، ص93، وبه صرّح في حاشية النسخة المخطوطة المرموز بـ (ج).
(¬2) ينظر: فهرس آل البيت ج97، ص26.
(¬3) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1081.
(¬4) كذا ذكر السمعاني في الأنساب ج3، ص445، وتبعه صاحب الجواهر المضية ج2، ص297.
الجزء 1 · صفحة 22
2ـ الجُلّابي: بضم الجيم، وتشديد اللام، وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة، هذه النسبة إلى الجلاب (¬1). قال القرشي: "الجُلابي بضمّ الجيم وهو صاحب كتاب الصّلاة" (¬2).
3ـ جلّاب: بلدة من آمد، وقيل: قرية منه (¬3).
4ـ جُلّاب: بالضم، وتشديد اللام: اسم نهر بمدينة حران التي لجزيرة، مسمى اسم قرية يقال لها جلاب، ومخرج هذا النهر من قرية تعرف بدُبّ، بينها وبين جلاب أربعة أميال، ومنتهاه إلى البليخ نهر الرقة يصب فيه إن فضل منه شيء في الشتاء، وأمّا في غير الشتاء فلا يفي ببعض ما عليه من الأراضي المزرعة؛ لأنه صغيرٌ (¬4). ومثله ذكره صفي الدين (¬5)، والسيوطي (¬6).
5ـ الجلاب: ماء الورد معرَّبٌ، ومدينةٌ بالرها (¬7)، ونهرٌ، وعلي بن محمد الجُلّابي: مؤرخٌ. وذكر الجهشياري أن إسماعيل بن صبيح الكاتب في أيام الرشيد حفر لأهل حران قناة يشربون منها تعرف بجلاب، بينها وبين حران عشرة أميال (¬8).
والمشهور: إن ضبطه الجُلَّابي بالضم وتشديد اللّام وهذا من صرح فيه (¬9)،وكذلك في احدى النسخ أشار النسبة إلى هذا، والبعض خفّفه (¬10).
رابعا: وفاتُه:
¬
(¬1) ينظر: في الأنساب ج3، ص446.
(¬2) ينظر: الجواهر المضية ج2، ص297.
(¬3) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1081.
(¬4) ينظر: معجم البلدان ج2، ص149.
(¬5) ينظر: مراصد الإطلاع ج1، ص339.
(¬6) ينظر: لب اللباب ج1، ص73.
(¬7) مدينة رها: تقع حاليا في محافظة أورفا في منطقة جنوب شرق الأناضول في تركيا.
(¬8) ينظر: القاموس ص68، ومعجم البلدان ج2، ص149.
(¬9) ينظر: الجواهر المضية ج2، ص297.
(¬10) وبه صرح في حاشية النسخة المخطوطة المرموز بـ (ب).
الجزء 1 · صفحة 23
لم أجد من كتب التراجم من صرّح بسنة وفاة المصنف، ولكنّني سلكت للوقوف على وفاته، فيما يلي:
1ـ الكتب التي نقل عنها إمامنا:
فبالرجوع إلى الكتب التي نقل عنها إمامنا فأكثرها قبل القرن الخامس إلّا شرح الإسبيجابي على مختصر الطحاوي، وشرح القدوري على مختصر الكرخي فإن الإسبيجابي توفي سنة (480هـ)، والقدوري (428هـ)، وهذا يدلنا على أن المؤلف من علماء القرن الخامس وما بعده.
2ـ الكتب الّتي نقلت عن كتاب "صلاة الجلابي":
فإنني وجدت في كتاب "يتيمة الدهر في فتاوى أهل العصر" (¬1) للإمام علاء الدين الترجماني متوفى سنة 645هـ، وبعده الإمام شمس الدين السروجي نقل عنه في كتابه "الغاية شرح الهداية" (¬2)، وقد توفي السروجي (710هـ)، فيكون إمامنا قبلهما، وبالتالي يكون وفاته بين القرن السابع والثامن أو قبلهما.
3ـ الأَعلامُ الّذين ذكر في كتاب "صلاة الجلابي":
فإنني وجدت الأعلام الذين ذكر في صلاة الجلابي، فإن أكثرهم قبل القرن الخامس، وبعضهم في القرن الخامس مثل أبي جعفر النسفي (ت: 414هـ)، والإسبيجابي (ت480هـ)، والقدوري (ت:428هـ)، وهذا يدلنا على أن المؤلف من علماء القرن الخامس وما بعده.
4ـ المكتوب في النسخ المخطوطة:
¬
(¬1) ينظر يتيمة الدهر في فتاوى أهل العصر المخطوط ل8\أ، في مكتبة YENICAMI برقم (593). وكذا نفس المكتبة برقم (594) ل6\ب.
(¬2) ينظر: الغاية شرح الهداية ج3، ص321.
الجزء 1 · صفحة 24
وفي هامش النسخة المخطوطة المرموزة بـ (أ) مكتوب "هذا كتاب الجلابي علي بن عثمان"، وعلي بن عثمان الجلابي الغزنوي: توفي (465هـ) (¬1).
وفي هامش النسخة المخطوطة المرموزة بـ (ج) مكتوب أن صلاة الجلابي هو "للشيخ الكبير أبي طاهر محمد بن الجرجاني"، ووفاة أبي طاهر محمد بن الجرجاني مجهول، وقُلْنا عنه سنة وفاته بناءً على مصادر الإمام، والأعلام الذين ذكروا في صلاة الجلابي، والمعلومة المكتوبة في المخطوطات، والله أعلم بالصواب.
وفي هامش النسخة المخطوطة في مكتبة ولي الدين أفندي تحت رقم (1073) مكتوب أن صلاة الجلابي "للشيخ الكبير أبي طاهر محمد بن الجرجاني " (¬2).
5ـ في كتب التراجم:
قال القرشي (¬3)، وحاجي خليفة (¬4)، وكذلك في فهرس آل البيت (¬5): أن كتاب صلاة الجلابي للإمام أبي طاهر محمد بن الجرجاني.
ويترجح لي صحة المسلك الخامس، والمكتوب في هامش النسخة المخطوطة المرموزة بـ (ج)؛ لأنه يوافق مع المسلك الأول، والثّاني والثّالث، وبعض الرابع، والله أعلم.
المطلب الثَّاني: درجتُهُ في الاجتهادِ.
طبقات المجتهدين:
¬
(¬1) ينظر: تاريخ إربل ج2، ص760، وهدية العارفين ج1، ص691، ومعجم المؤلفين ج7، ص148،
(¬2) هذه نسخة تامة، في ا?ولھا فھرس مكتوب بخط محمد بن عبد الرحمن سنة 1062ھـ، بلغ مقابلة ومصححة من النسخ على يد محمد بن ا?بي ا?حمد سنة 1063ھـ، ومكتوبة بخط زكريا بن عيسى، وعليھا قيد وقف باسم سلطان ا?حمد خان سنة 1108ھـ
(¬3) ينظر: الجواهر المضية ج2، ص297.
(¬4) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1081.
(¬5) ينظر: فهرس أل البيت ج97، ص26.
الجزء 1 · صفحة 25
الطبقة الأولى: مجتهد مطلق مستقل: وهو من استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع مثل: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الأعظم، ومالك بن أنس عالم أهل الحجاز، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -.
الطبقة الثانية: مجتهد مطلق منتسب: هو من استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه ووافق بعض أصوله أصول من انتسب لمذهبه لموافقة رأيه رأي إمامه فيها وبنى عليها فروعا، مثل: أبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، العالم الرباني، وزفر بن الهزيل البصري الإمام الجليل، والحسن بن زياد اللؤلؤي الإمام الفطن - رضي الله عنهم -.
الطبقة الثالثة: مجتهد منتسب: هو الذي مشى على أصول إمامه وفروعه إلّا أنه يخالف في أصول وفروع أحيانا عن اجتهاد منه، فيستنبط بها من الكتاب والسنة، مثل أبي حفص الكبير، وأبي سليمان الجوزجاني، وعيس بن أبان، ومحمد بن مقاتل، والخصاف، والطحاوي، والكرخي، والهندواني، وأبي الليث السمرقندي، والجصاص، وغيرهم من علماء القرن الثالث والرابع.
الطبقة الرابعة: المجتهدون في المذهب: وهم على درجات إجمال على حسب التسلسل الزماني إلى يومنا هذا، وعملهم (¬1):
وظائف المجتهدين، هي:
أولا: استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، نوعان:
1ـ الاعتماد على أصول استخرجها المجتهد بنفسه، وأبرز من قام بهذه الوظيفة الأئمة الأربعة.
2ـ الاعتماد على أصول مقررة في المذهب استخرج أُسسها أئمتُه، وهذه الوظيفة لدى المجتهد المنتسب.
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل ص206.
الجزء 1 · صفحة 26
ثانيا: التخريج على أقوال أئمة المذهب، وذلك نوعان:
1ـ حمل قول المجتهد المطلق على محمل معين؛ وهذا يعدّ توضيحا وتفسيرا لمقصود المجتهد.
2ـ التفريع على مسائل المجتهد وقواعده في المسائل المستجدة، وأكثرها تفريعات المشايخ.
ثالثا: الترجيح والتصحيح بين أقوال علماء المذهب، وذلك نوعان:
1ـ الترجيح بين الأقوال اعتمادا على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية.
2ـ الترجيح بين الأقوال بناءً على قواعد رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغير الزمان والضرورة والحاجة.
رابعا: التمييز والتفضيل بين الأقوال والروايات، وذلك نوعان:
1ـ تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال.
2ـ تمييز بين الأقوى والقوي، والصحيح والضغيف.
خامسا: التقرير والتطبيق في العلم والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وذلك نوعان:
1ـ تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها.
2ـ تقرير المسألة بعد تصوّرها جيّدا (¬1).
فإمامنا - رحمه الله - كان من طبقة المجتهدين في المذهب، وقام بالتّصحيح بين الرّوايات:
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل ص201.
الجزء 1 · صفحة 27
1) كتصحيح الروايتين عن الإمام في مسألة: نوم الجالس المستند إلى شيء لو أزيل عنه لسَقَطَ، فلا ينقضه في الصّحيح من الروايتين عن أبي حنيفة س (¬1).
2) ومثال على تصحيح الروايتين في مسألة: العَصَبُ، فالصَّحيحُ من الرِّوايتين أنّه نَجِسٌ كاللَّحْم؛ لأن الحِسَّ والحَرَكَةَ يَقَعُ بها والإدْراك، والرِّواية الثّانية: إنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنّها عِظامٌ غيرُ مُتَصَلِّبَةٍ كسائر العِظام (¬2).
3) الترجيح والتصحيح بين أقوال أئمة المذهب في مسألة: مما يَغْلِبُ في الظَّنِّ نَجاسَتَهُ من غير قَطْعٍ ولا يَقِينٍ وقال الكرخي:: هي كراهة التحريم غَلَبَةُ الظَّنِّ في ذلك كاليَقِين، استدلالاً بقول محمدٍ س فيمن مرَّ بِكَنِيفِ شارِعٍ فَسالَ عليه منه ماءٌ أنّه إنْ كان أَكْثَرُ ظّنِّهِ أنه قَذَرٌ غَسَلَهُ، فجَعَلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ كاليَقِين. وقال أبو عبد الله الجرجاني:: إنّما يَحْرُمُ استعمالُهُ بِيَقِينِ النَّجاسة لا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ استدلالاً بقول محمد س في «الأصل» في الحوض الذي يَخافُ أن يكون قَذَرًا، ولا يَسْتَيْقِنُ ذلك، فإنه يتوضَّأُ به، وليس عليه أن يسأل، والصّحيح من القولين قول الكرخي: (¬3).
4) وكذا الترجيح والتصحيح بين أقوال الأئمة في المذهب في مسألة: إذا أحدث فخرج من المسجد من غير استخلافٍ منه، ولا من القوم ففي رواية الطّحاوي: إنّ صلاته تفسد كما تفسد صلاة
¬
(¬1) ينظر: صلاة الجلابي ص 48.
(¬2) ينظر: صلاة الجلابي ص 65.
(¬3) ينظر: صلاة الجلابي ص 60.
الجزء 1 · صفحة 28
المؤتمين، وفي رواية أبي عصمة: لا يبطل صلاته كما لا يبطل صلاة المنفرد، وحكم الإمام كحكم المنفرد وهذا هو الصحيح إذا أحدث فخرج من المسجد من غير استخلافٍ منه (¬1).
5) وكذا مثاله في التّرجيح بين أقوال علماء المذهب في مسألة مقدار المفروض في مسح الخف: @وروى ابن رُسْتُم:: عن محمد س أنّه قال: إن وَضَعَ ثلاثةَ أصابع وَضْعًا أَجْزأه، فاعْتَبَرَ أصابِعَ اليَدِ وهذا هو الصَّحِيحُ! (¬2).
6) التمييز ما هو ظاهر الرواية من غيره في مسألة: @إذا حُبِسَ في مَوضعٍ من المِصر لا يَجِدُ ماءً، ويَجِدُ تُرابًا نَظيفًا، فقال في «الأصل»: يَتيمَّمُ ويُصلّي ويُعيدُ، وهو الصَّحيحُ من قولهم، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ش: أنّه لا يَتيمَّمُ ولا يُصلِّي حتى يَجِدَ الماءَ، وهو قول زفر س! (¬3).
المطلب الرابع: مؤلفاتُهُ.
لم أقف في كتب التراجم من مؤلفاته غير هذا كتاب "صلاة الجلابي"، وهو محل بحثنا.
ثناء العلماء عليه:
وصف في هامش إحدى النسخ بـ "الإمام العالم العلامة، وحيد العصر، وفريد عصره، شيخ الإسلام، علم الأعلام، مفتي الأنام، قدوة العلماء الأعلام" (¬4).
¬
(¬1) ينظر: صلاة الجلابي ص 206.
(¬2) ينظر: صلاة الجلابي ص 101.
(¬3) ينظر: صلاة الجلابي ص 91.
(¬4) ينظر: حاشية المخطوط المرموز بـ (ج)
الجزء 1 · صفحة 29
الفصل الثاني
المبحث الثَّاني: الدراسةُ عن كِتابِ الجلابي.
المطلب الأَول: صحة نِسبة الكتابِ، وعنوانه:
أولا: صحة نسبة الكتاب للمصنف:
وكلّ من نقل من هذا الكتاب، نسبه إلى الجلابي، ولكن اختلف في اسم هذا المصنف على قولين:
1ـ الشيخ الكبير أبو طاهر محمد بن الجرجاني - رحمه الله - (¬1).
2ـ علي بن عثمان - رحمه الله -، كذا نسبه في إحدى النسخة المخطوطة (¬2)، وقال ابن المستوفي (¬3) "علي بن عثمان الجلابي - رحمه الله - توفي سنة 465هـ".
ثانيا: عنوان الكتاب:
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية ج2، ص297، وكشف الظنون ج2، ص1081، وفهرس أل البيت ج97، ص26، والنسخة المخطوطة المرموزة بـ (ج).
(¬2) ينظر: النسخة المخطوطة المرموزة بـ (أ).
(¬3) ينظر: تاريخ إربل ج2، ص760.
الجزء 1 · صفحة 30
1) اسم الكتاب @صلاة الجلابي! كذا ذكر حاجي خليفة (¬1)، والسروجي (¬2)، والشرنبلالي (¬3)، والعيني (¬4)، وابن نجيم (¬5)، وابن عابدين (¬6)، والشلبي (¬7)، وفي الفتاوى الهندية (¬8)، والحموي (¬9)، واللكنوي (¬10)، وابن نجيم (¬11)، وغيرهم.
المطلب الثَّاني: أهمية المخطوط
إن كتاب "صلاة الجلابي" مهم جدّا؛ لأنّ العلماء الذين جاؤوا بعده نقلوا منه، مثل السروجي، والعيني، وابن نجيم، والشرنبلالي، والحموي، والطحطاوي، وابن عابدين، والعيني الفقهي، والشلبي (¬12)، وهذا تشير أن الكتاب له أهمية كبيرة.
المطلب الثالث: منهجُ المُصنّفِ في الكتاب.
منهج المؤلف بعد التتبع في كتابه أثناء التحقيق والاطلاع يمكن أن نقول كالخطوات الآتية:
1) أن المؤلف اختصر كتابه هذا من شرح مختصر الكرخي للقدوري في باب الطهارة والصّلاة؛ حتى ترتيب الكتاب كترتيب شرح مختصر الكرخي غالبًا، وذكر الأقوال المختلفة في المذهب، أحيانا ينقل من شرح مختصر الكرخي لفظا دون تصرف، وأحيانا ينقل بالمعنى.
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1081.
(¬2) ينظر: الغاية شرح الهداية ج3، ص321.
(¬3) ينظر: حاشية درر الحكام ج1، ص141.
(¬4) ينظر: البناية شرح الهداية ج2، ص325.
(¬5) ينظر: البحر الرائق ج1، ص239.
(¬6) ينظر: رد المحتار ج1، ص662.
(¬7) ينظر: التبيين مع حاشية الشلبي ج1، ص190.
(¬8) ينظر: ج5، ص321.
(¬9) ينظر: غمز عيون البصائر ج2، ص17.
(¬10) ينظر: نفع المفتي ص334.
(¬11) ينظر: النهر الفائق ج1، ص69.
(¬12) ينظر: المراجع السابقة.
الجزء 1 · صفحة 31
2) ترتيب المسائل ليكون واضحًا، وتسهيلا للفهم.
3) تقسيم المسائل إلى الأبواب.
4) تقسيم المسائل إلى أقسام متعددة.
5) تصوير المسائل وبيان معانيها.
6) يذكر المصنف مسائل ظاهر الرواية ثم يفسر المراد منها مع الأدلة.
7) ذكر الأقوال المختلفة في داخل المذهب.
8) الترجيح والتصحيح في الأقوال.
9) ذكر الخلاف مع مذاهب الأخرى.
10) الاستدلال بالآيات والأحاديث والآثار.
المطلب الرابع: مصادر المصنف في كتابه.
الجزء 1 · صفحة 32
المطلب الخامس: مسامحات المصنّف.
بعض مسامحات المؤلف:
المسامحة الأولى: جعل المصنف غسل يوم الجمعة مستحبّا
قال المصنف - رحمه الله - "غسل الجمعة والعيدين والإحرام مستحبًّا" (¬1)، ولكن مشى أكثر أصحاب المتون والشروح على سنّيّتها، مثل خزانة الفقه (¬2)، وزاد السّرخسي على هذا الاغتسال يوم عرفة (¬3).وقال حسام الدين الرازي: لأنها أوقاتُ اجتماعٍ وازدحامٍ، فسَنَّ فيها الاغتسال؛ كيلا يتأَذَّى البعض برائحة البعض، وكذلك في الإحرام؛ لأنه يبقى أيّاماً محرماً (¬4).
المسامحة الثانية: حكم المصنف أن العَصَب نجاسة
في مسألة طهارة العصب ونجاسته قال المصنف: "العَصَبُ، فالصَّحيحُ من الرِّوايتين أنّه نَجِسٌ كاللَّحْم؛ لأن الحِسَّ والحَرَكَةَ يَقَعُ بها والإدْراكُ، والرِّواية الثانية: إنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنّها عِظامٌ غيرُ مُتَصَلِّبَةٍ كسائر العِظام" (¬5). والرواية الأولى أخذه به السرخسي (¬6)، وصححه المصنف، والرواية الثاني هي طهارة العصب: قال ابن عابدين: المشهور طهارة العَصَبِ (¬7).
¬
(¬1) ينظر: هذا الكتاب ص47.
(¬2) ينظر: خزانة الفقه ص38.
(¬3) ينظر: المبسوط ج1، ص90.
(¬4) ينظر: خلاصة الدلائل ج1، ص193.
(¬5) ينظر: هذا الكتاب ص 62.
(¬6) ينظر: المحيط ج1، ص476.
(¬7) ينظر: رد المحتار ج1، ص399.
الجزء 1 · صفحة 33
المسامحة الثالثة: عدم الانتفاع بالسرقين إذا كان السرقين هو الغالب
وفي مسألة بيع السرقين قال المصنف: "في السِّرقين إذا غَلَبَ التُّرابُ عليه جاز البَيْعُ والانتفاعُ، وإن كان السِّرْقِينُ هوالغالِبُ لم يَجُزْ واحدٌ منهما" (¬1) قال الأتقاني: السرقين مالٌ، فجاز بيعه كسائر الأموال، وإنما قلنا: إنه مالٌ؛ لأن المال ما ينتفع به ويتموَّلُ. أي: يُدَّخر لوقت الحاجة، وقد تموَّل المسلمون السرقينَ، وانتفعوا به من غير نكير من أحد من السلف، ألا ترى أن الناس يُلقونه في الأراضي لاستكثار الرِّيع، وما كان منتفعا به كان مالًا، فجاز بيع. هـ (¬2)؛ لأنّ كتب المذهب لم يفرق بين الغلبة وعدمها، مثل مختصر اختلاف العلماء وقال: قال أصحابنا: لا بأس ببيع السِّرجين (السرقين) (¬3)، وقال القدوري: قال أبو الحسن الكرخي: أجاز أصحابنا جميعا بيع السرجين، والبعر، وشراؤه، الانتفاع به (¬4)، وقال أبو الحسن: في موضع آخر: لا بأس ببيع السرقين؛ فلأن النّاس ينتفعون به في سائر الأعصار منفعةً عامةً من غير نكيرٍ، وإباحة الانتفاع تدلّ على جواز البيع (¬5).
المسامحة الرابعة: جعل المصنف التكليف بالقدرة العارضة متّفق في المذهب
¬
(¬1) ينظر: هذا الكتاب ص75.
(¬2) ينظر: غاية البيان ج15، ص534.
(¬3) ينظر: مختصر اختلاف العلماء ج3، ص 90.
(¬4) ينظر: شرح مختصر الكرخي ج3، ص98.
(¬5) ينظر: شرح مختصر الكرخي ج9، ص323.
الجزء 1 · صفحة 34
وفي مسألة "يَجِدَ من يُوضّئه بغير أُجْرَةٍ، ولايَضُرُّهُ استعمالُ الماء فإنّه يتوضأُ ولا يتيمَّمُ في قولهم" (¬1) جعل المصنف هذا قول الكل، ولكن هذا قول الصاحبين، وفي قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - يجزئه التيمم؛ لأن الإيجاب يعتمد القدرة، والقدرة على التوضؤ في الأصل بفعله، وفعله مملوك له، بخلاف فعل غيره؛ لأنه مباح له، لا مملوك له، ولا يتعلق الوجوب بالقدرة العارضة وهو فعل غيره، فإنما تعلق الوجوب بالقدرة الثابتة هو فعل نفسه (¬2).
المسامحة الخامسة: يرجح قول الضعيف
في مسألة نشر الأصابع في التكبير قال المصنف: "نشر الأصابع، قال الطحاوي: في "مختصره" يرفع يديه بالتكبير حذاء أذنيه ناشرا أصابعه، وللمتأخرين من أصحابنا في تفسير النّشر قولان: أحدهما: التفريج وهو الأَظْهَرُ، والآخر: هو البسط الذي ضدّ القبض" (¬3).
فيه هذه المسألة ثلاثة أقوال. القول الأول، هو ما جعله المصنّف الأظهر.
والقول الثاني: قال شيخ الإسلام: فمن النّاس من ظنّ أنّه أراد بنشر الأصابع أن يفرج بين الأصابع تفريجًا، وهو غلطٌ، ولكن أراد به النَّشْر عن الطيّ كما يكون في الثّوب، أي: لا يرفع يديه
¬
(¬1) ينظر: هذا الكتاب ص85.
(¬2) ينظر: المحيط البرهاني ج1، ص313.
(¬3) ينظر: هذا الكتاب ص152.
الجزء 1 · صفحة 35
مضمومتين بل يرفعهما منصوبتين؛ حتى تكون الأصابع مع الكفّ مستقبلَ القبلة (¬1). كما في النهاية شرح الهداية، واختاره السرخسي (¬2)، والكاساني (¬3)، والإسبيجابي (¬4)، والسروجي (¬5).
القول الثالث قريب إلى قول الثّاني، وهو ما قاله أبو جعفر الهندواني: إذا رفع يديه لا يضمّ أصابعه كلَّ الضمّ، ولا يفرج كلّ التفريج، بل يتركهما على ما عليه أصابعه بين الضمّ والتفريج (¬6)، واختاره قاضي خان (¬7)، والزيلعي (¬8)، والأتقاني (¬9)، وشيخ زاده (¬10).
المسامحة السادسة: جعل المصنف تعيين القراءة في الأولىين مستحبة في الصلاة الرباعية.
في مسألة تعيين القراءة في الأولىين إن كانت الصلاة رباعية قال المصنف: "فالأفضل أن يقرأ في الأوليين، فإن قرأ في الأخريين دون الأوليين أو في الأولى والرّابعة، أو في الثّانية والثّالثة جاز وسقط به الوُجُوب" (¬11). قال المصنف هنا: الأفضل أن يقرأ في الأوليين، وكذا قال القدوري: الأفضل أن يعيّنها في الأوليين (¬12)، وقال الإسبيجابي: قال أصحابنا: القراءة فرض في ركعتين بغير عين، إن شاء قرأ في الأوليين وإن شاء في الأخريين، وأفضلها الأوليين. هـ (¬13). وهذا يفيد أنّه لو لم يقرأ فيهما لا يكره له ذلك؛ لأن ترك الأفضل ليس بمكروهٍ، ولكن صرّح ملك العلماء:
¬
(¬1) ينظر: النهاية شرح الهداية ج
(¬2) ينظر: في المبسوط ج1، ص11.
(¬3) ينظر: البدائع ج1، 199.
(¬4) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص286.
(¬5) ينظر: الغاية شرح الهداية ج3، ص23.
(¬6) ينظر: النهاية شرح الهداية ج
(¬7) ينظر: الفتاوى ج1، ص55.
(¬8) ينظر: التبيين ج1، ص106.
(¬9) ينظر: غاية البيان ج1، ص563.
(¬10) ينظر: في مجمع الأنهر ج1، ص174.
(¬11) ينظر: هذا الكتاب ص156.
(¬12) ينظر: شرح مختصر الكرخي ج1، ص373 ـ 375.
(¬13) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص307.
الجزء 1 · صفحة 36
محل القراءة المفروضة فمحلها الركعتان الأوليان عينًا في الصلاة الرباعية هو الصحيح من مذهب أصحابنا (¬1)، واختاره النسفي (¬2)، وتبعه الزيلعي (¬3)، وصححه الحلبي (¬4) و ابن نجيم (¬5)، وقال ابن عابدين: وهو المشهور في المذهب الذي عليه المتون، وهو الصحيح (¬6). ثم أن ثمرة الخلاف تظهر في وجوب سجود السهو إذا تركها في الأوليين أو في إحداهما سهوا لتأخير الواجب سهوا عن محلها، وعلى من قال أنّه الأفضل لا يجب سجود السهو (¬7).
المسامحة السابعة: جعل الاعتدال في السجود سنة
في مسألة الاعتدال في السجود، جعل المصنف الاعتدال في السجود سنة بقوله "سُنَنُ السّجود فنوعان: ذِكْريّةٌ وفعليّةٌ، الفعليّةُ فخمسة عشر، ومنها: الاعتدال" (¬8) والطمأنينة والقرار في الركوع والسجود هل هي سنّة أو واجب على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - اختلف فيه المشايخ، كان أبو الحسن الكرخي يقول: إنّه واجبٌ على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حتى لو تركه ساهيا كان عليه سجدة السهو، وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني يقول: بأنه سنّة حتى لو تركه ساهيًا على قوله لا سهو عليه (¬9)، وقال ملك العلماء: الصحيح ما ذكره الكرخي؛ لأن الطمأنينة من باب إكمال الركن،
¬
(¬1) ينظر: البدائع ج1، ص111.
(¬2) ينظر: كنز الدقائق ص160.
(¬3) ينظر: التبيين ج1، ص105.
(¬4) ينظر: غنية المتملي ج1، ص561.
(¬5) ينظر: البحر ج1، ص572.
(¬6) ينظر: رد المحتار ج2، ص188.
(¬7) ينظر: رد المحتار ج2، ص188.
(¬8) ينظر: هذا الكتاب ص166.
(¬9) ينظر: النهاية شرح الهداية ج2، ص327.
الجزء 1 · صفحة 37
وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة (¬1)، وبه قال السروجي وقال السرخسي: من ترك الاعتدال يلزمه الإعادة (¬2)، وقال الزيلعي: تعديل الأركان واجب، وهو تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله وأدناه مقدار تسبيحة وهذا تخريج الكرخي (¬3).
المسامحة الثامنة: جعل المصنف الجلسة الأولى للتشهد سنة
1) الجلسة الأولى للتشهد، قال المصنف: @ومن سنّةِ هذه الجلسة أن يتشهد فيها، والتشهد أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي رحمة الله وبركاته! (¬4). التشهد في القعدة الأولى سنّة عند عامة مشايخنا، وعند بعضهم واجبٌ، وأمّا في القعدة الأخيرة فواجب وليس بفرض (¬5)، وقال ملك العلماء: التشهد في القعدة الأولى فواجبٌ استحسانًا، وهو الصحيح؛ لأن محمد س أوْجَبَ سجود السهو بتركها ساهيًا، وأنّه لا يجب إلّا بترك الواجب، وكذا في القعدة الأخيرة (¬6)، وصححه الزيلعي (¬7).
¬
(¬1) ينظر: البدائع ج1، ص162.
(¬2) ينظر: الغاية شرح الهداية ج3، ص152.
(¬3) ينظر: التبيين ج1، ص106.
(¬4) ينظر: هذا الكتاب ص169.
(¬5) ينظر: تحفة الفقهاء ج1، ص196.
(¬6) ينظر: البدائع ج1، ص213.
(¬7) ينظر: التبيين ج1، ص106.
الجزء 1 · صفحة 38
المسامحة التاسعة: اختياره الرواية الضعيفة
2) في مسألة قيام ثلاث نساء في صف الرجال قال المصنف: @فإن كنّ ثلاثًا صفّافهن كالصفّ الكامل عند أبي حنيفة س! (¬1)، قال الزيلعي (¬2)، والسروجي (¬3): إن كنّ ثلاثًا ووقفن في الصف أفسدت صلاة خمسة: واحد عن يمينهن وآخر عن يسارهن، وثلاثة خلفهن، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف، وهذا جواب الظاهر. هـ. وقال الشلبي: وعليه الفتوى (¬4)، وقال الزيلعي: وفي روايةٍ: الثلاث كالصفِّ حتى تفسد صلاة الصفوف خلفهن إلى آخر الصفوف؛ لأن الثلاث جمع كامل فيصرن كالصف (¬5).
المطلب السادسة: وَصفُ النُسخِ المعتمدة في التحقيق.
النسخة الأولى:
النسخة التي رمزت لها بـ (أ) واضحة الخط، وهي نسخة كاملة غير ناقصة من مكتبة أسعد أفندي في تركيا تحت رقم (616).
اسم الناسخ: لم يذكر.
تاريخ النسخ: يوم الإثنين من وقت الضحى في غرة رجب المرجب سنة 1069 هـ.
عدد اللوحة: 146
¬
(¬1) ينظر: هذا الكتاب ص203.
(¬2) ينظر: التبيين ج1، 139.
(¬3) ينظر: الغاية شرح الهداية ج3، ص400.
(¬4) ينظر: حاشية التبيين ج1، ص139.
(¬5) ينظر: التبيين ج1، 139.
الجزء 1 · صفحة 39
عدد الأسطر:23.
النسخة الثانية:
النسخة التي رمزت لها بـ (ب) وهي أقدم النسخ بين النسخ الذي اعتمدت في التحقيق، وهي نسخة كاملة من مكتبة شهيد علي في تركيا تحت رقم (886).
اسم الناسخ: حضر بن يعقوب.
تاريخ النسخ: 788هـ
عدد اللوحة: 147.
عدد الأسطر: 17.
النسخة الثالثة:
النسخة التي رمزت لها بـ (ج) وهذه النخسة خطها غير واضحة، مع ذالك نسخة كاملة من مكتبة أسعد أفندي تحت رقم (795).
اسم الناسخ: محمد بن مصطفى الواعظ.
تاريخ النسخ: 1082هـ.
عدد اللوحة: 142.
عدد الأسطر: 23.
الجزء 1 · صفحة 40
الصفحة الأولى من نسخة (أ). ... الصفحة الأخيرة من نسخة (أ)
الصفحة الأولى من نسخة (ب). ... الصفحة الأخيرة من نسخة (ب)
الصفحة الأولى من نسخة (ج) ... الصحفة الأخيرة من نسخة (ج)
الجزء 1 · صفحة 41
بسم الله الرحمن الرحيم رب تمّم (¬1) بالخير (¬2)
الحمد لله رب العالمين والصّلاة (¬3) على رسوله محمّدٍ وآله الطَّيّبين الطّاهرين (¬4)
كتاب (¬5) الطهارة (¬6)
الوُضُوءُ يَنقسم في الشّريعة إلى واجبٍ و مستحبٍّ، فالواجبُ منه لا يَجبُ لنفسه وإنّما يَجبُ لغيره، وذلك الغيرُ (¬7) أربعُ خِصالٍ: الصّلواتُ (¬8) كلُّها فَرْضُها و نفْلُها، وسَجَدَةُ التَّلاوة، ومَسُّ المصحف، والطواف بالبيت.
ويُستحَبُّ الوُضُوء لأربعٍ: تجديدُ الوضوء عند الشكّ في الحَدَثِ، والوضوءُ المسنونُ قبل الغُسْل سوى الرّجلين.
وتجديدُ الوُضوء للصّلاة من غير حدثٍ [في كلّ وَقْتٍ، وتعقيبُهُ الوضوء] (¬9) نُورٌ على نورٍ
¬
(¬1) في د: يسر
(¬2) ثابتة في د.
(¬3) في د: صلى الله على سيدنا
(¬4) ثابتة في د.
(¬5) الكتاب والكتابة: في اللغة جَمْعُ الحروف. وفي الاصطلاح: طائفةُ من المسائل اعتبرت مستقلة سواء كانت مستقلة في نفسها ككتاب اللُّقَطَة، أو تابعة لما بعدها ككتاب الطهارة، أو مستتبعة لما قبلها ككتاب الصلاة، أو نوعاً واحدًا ككتاب اللقطة، أو أنواعًا منها ككتاب الطّهارة. ينظر: مجمع الأنهرج1، ص23.
شيخ زاده، عبد الرحمان بن محمد سليمان، (1436هـ) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، (تحقيق: محمد حسن طالو)، مكتبة التركية ـ اسطنبول ـ تركيا.
(¬6) (الطّهارة لغة: طهر الشيء بفتح الهاء وضمها يطهُر بالضم طَهَارَةً فيهما، بمعنى النظافة مطلقًا. كما في الصحاح ص379، ولسان العرب ج4، ص504.
اصطلاحا: عبارة عن صفة تحصل لمزيل الحدث والجنب عما تعلّق به الصّلاة سواء كان طبعا أو شرعا، كما في العناية ج1، ص12.
الرازي، محمد بن أبي بكر بم عبد القادر، (1436هـ)، مختار الصحاح، (ترتيب وتحقيق، حمزة فتح الله، ومحمود خاطر) ط1، دار ابن حزم ـ بيروت ـ لبنان. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، (1414هـ) لسان العرب، دار صادرـ بيروت ــ لبنان. البابرتي، محمد بن محمد بن محمود، العناية شرح الهداية، دار الفكر.
(¬7) اختلف العلماءُ في سبب وجوبها: قيل: سبب وجوبها وجوبُ ما لا يحلّ بدونها، كما في الحلبة ج1، ص38، ومجمع الأنهر ج1، ص24، وكذا في شرح تحفة الملوك لابن ملك ج1، ص140.
فقيل: الحدث والخبث، ونَسَبَه الأُصوليّون إلى أهل الطرد، لدوران وجودًا وعدماً، وعزاه في السّراج الوهاج إليهم، وفي الخلاصة أنه أخذ به السرخسي في الأصل.
وقيل: سببها: إرادة الصّلاة، ويرد على هذا القول إنّه إذا أراد الصّلاة ولم يتوضأ أَثمَ ولو لم يصلّ، والواقع خلافه؛ لأنّه لم يقل به أحدٌ، وقد يندفع بما ذكره الزيلعي: بأن إذا أراد الصّلاة وجبت عليه الطّهارةُ فإذا رجَع وتَرَكَ التنفّل سقطت الطّهارةُ؛ لأنّ وجوبها لأجلها.
وقيل: سببها وجوب الصّلاة لا وجودها، لأن وجودها مشروط بها، فكان متأخرًا عنها، والمتأخر لا يكون سبب للمتقدم. والظاهر: أن السبب هو إرادة الصّلاة بشرط الحدث، كذا رجّح صاحب الغاية ج1، ص12 للسروجي ناقلا عن المحيط والمفيد، ويسقط وجوبها بترك إرادة الصّلاة، أو هو الإرادة المستلحقة للشروع، فلا يردُ ما ذُكر عليها. ينظر: البحر ج1، ص25.
ابن أمير حاج، شمس الدين محمد بن محمد، (1436هـ) حلبة المجلي وبغية المهتدي، ط1، دار الكتب العلمية ــ بيروت ــ لبنان. ابن ملك، محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز، (1436هـ) شرح تحفة الملوك، ط1، مدار الوطن للنشرـ الرياض. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، (1436هـ) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط1، درا إحياء التراث العربي ــ بيروت ــ لبنان.
(¬8) في د: الصلاة.
(¬9) سقط من ب ود.
الجزء 1 · صفحة 42
واستدامةُ الطّهارة بمراعاة حالِ الحَدَثِ في كلّ وَقْتٍ، وتعقيبُهُ الوضوء فيكون أبدأُ على الطَّهارة، وذلك أَدْعَى إلى فِعْل الطَّاعات، وأَمْنٌ من مُواقِعة المحظورات كمسِّ المصحف مع الحَدَث.
وفرائض الوضوءِ أربَعٌ: غَسْل الوَجْه: وهو من قُصاص الشَّعْر إلى أسفل الذَّقَنِ طولاً، ومن شَحْمَة الأُذن إلى شَحْمَة الأُذن عَرْضًا (¬1)، والبَياض (¬2) الذي بين العِذار (¬3) وبين الأذن داخلٌ في حَدِّ الوجه (¬4)، وفي قول أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يدخل (¬5).
¬
(¬1) وفي البدائع لم يذكر حد الوجه في ظاهر الرواية، وذكر في غير رواية الأصول كما ذكره في الكتاب، وقال أبو بكر الرازي، والأقطع: حدُّه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمتي الأذن، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد البردعي. ينظر: الغاية شرح الهداية ج1، ص18، وقال الرازي ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في هذا المعنى، كذا في البناية ج1، ص63.
السروجي، أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، (1442هـ) الغاية شرح الهداية، (تحقيق: مجموعة من الأفاضل بإشراف عدنان بن فهد العبيات، ط1، دار أسفار للنشر، الكويت. العيني، بدر الدين أبو محمد بن محمود بن أحمد، البناية شرح الهداية، (تحقيق: فيض أحمد الملتاني، المكتبة الحقانية، ملتان ــ باكستان.
(¬2) العذار: عذار الرجل: شعرُه النابت في موضع العِذار وهو جانبا اللّحية. مختار الصحاح ص399.
(¬3) سقط في د.
(¬4) فيجب غسله عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وهو ظاهر المذهب كما ذكره الحلواني، وعليه أكثر مشايخنا كما ذكره الطحاوي، وهو الصحيح من المذهب كما ذكره السرخسي، البحر ج1، ص30، والخلاف في الملتحي، وأما في الأَثَط أي قليل شعر اللحية والأمرد والنساء فغسله واجبٌ بالاتفاق. كذا في المبسوط ج1، ص6، وشرح تحفة الملوك ج1، ص236، ورد المحتار ج1، ص97، ومنحة السلوك ج1، ص53.
السرخسي، محمد بن أ حمد (1398هـ)، المبسوط، (أشرف على طبعها: نور الدين طالب) ط1، دار النوادر- دمشق - سوريا. ابن عابدين، محمد أمين، (1436هـ)، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الابصار، (تحقيق: عبد المجيد طعمة حلبي)، ط4، دار المعرفة- بيروت ــ لبنان. العيني، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، (1428هـ) منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، (تحقيق: أحمد عبد الرزاق عبد الله الكبيسي)، ط1، إصدارات وزارة ا لوقاف والشؤون الإسلامية - قطر.
(¬5) في مسألة البياض بين العذار ظاهرُه أنّه روايةٌ عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وليس بمذهب أبي يوسف - رضي الله عنه -، وبدليل عليه ذكر الفقيه أبو إسحاق الحافظ: روى عن أبي يوسف ومحمد وزفر: أن يفترض غسله. كما المحيط ج1، ص163، وأشار إليه صاحب البحر ج1، ص30، بقوله: وظاهره أن مذهبه بخلافه، ونهاية المرام ص75.
ابن مازه، محمود بن أحمد بن عبد العزيز البخاري الحنفي، المحيط البرهاني، (اعتنى بإخراجه: نعيم أشرف نور أحمد)، ط1، إدارة التراث الإسلامي - بيروت - لبنان. النابلسي، عبد الغني بن إسماعيل، (2004م) نهاية المرام في شرح هدية ابن العماد، (تحقيق وتعليق: عبد الرزاق الحلبي)، ط2، دار ابن حزم- بيروت - لبنان.
الجزء 1 · صفحة 43
وغَسل اليدين إلى المرفقين، والمَرافِقُ (¬1) داخلة في (¬2) الجملة (¬3)، وقال زفر - رضي الله عنه -: لا يدخل. ومسحُ الرأس، [والفرضُ (¬4) منه مقدارُ الرُّبع (¬5)، وقدَّرُوه بالنّاصِيَة (¬6)
¬
(¬1) المرفق: بكسر الميم وفتح الفاء، وفيه العكس: اسم لملتقى العظمين: عظم العضُد وعظمِ الذراع ينظر: البحرج1، ص31، والمرفق يدخل في فرض الغسل عندنا وكذا الكعبان؛ لأنّ من الغايات ما يدخل، ويكون حرف "إلى" فيه بمعنى مع، قال سدد خطاكم:} وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ {(النساء:2) أي: مع أموالكم، فكان هذا مجملاً في كتاب الله، بَيَّنَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفعله، فإنّه توضّأ، وأدار الماء على مرافقه، ولم يُنقل عنه تركُ غسل المرافق في شيء من الوضوء، فلو كان ذلك جائزًا لفعله مرّة تعليماً للجواز.
ثم إنّ الأصل: أنّ ذكر الغاية متى كان لِمَدِّ الحكم إلى موضع الغاية لم يدخل فيه الغايةُ كما في الصوم فإنه لو قال:} ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ (البقرة:187) اقتضى صوم ساعةٍ، ومتى كان ذكر الغاية لإخراج ما وراء الغاية يبقى موضع الغاية داخلاً.
وهاهنا ذُكر الغاية لإخراج ما وراء الغاية فإنه لو قال سدد خطاكم:} وَأَيدِيَكُمْ {(المائدة:6) اقتضى غسل اليدين إلى الآباط، كما فهمت الصحابة - رضي الله عنهم - ذلك في آية التيمم في الابتداء، وهم أهل اللسان، فذُكر الغاية لإخراج ما وراء الغاية، فيبقى المرفق داخلا. ينظر: المبسوط ج1، ص7، وغنية المتملي ج1، ص47، ولكن اعترض صاحب البحر ج1، ص32 ـ 33 هذا التعليل وهو: أنّ إلى في الآية بمعنى مع، وفعله - صلى الله عليه وسلم - بيانٌ للمجمل، وقال: وما نحن فيه لا دليلَ فيه على أحدِ الأمرين، وهو: دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ لأن الفعل لا يفيد الفرضية، وأنّ عدم دلالة اللفظ لا يوجب الإجمال، والحقّ أن شيئا مما ذكروه لا يدلُّ على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتهما. وبناءً على هذا التعليل أنّ زفر - رضي الله عنه - محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعْده.
(¬2) وفي د: فيها.
(¬3) سقط في د.
(¬4) وفي د: المفروض.
(¬5) في ب: والمقدار المفروض هو الربع.
(¬6) اختلف الروايات في تقدير مسح الرأس:
القول الأول: هو أشهرها ربع الرأس، ومشى عليه في مختصر اختلاف العلماء ج1، ص136، ونُسب هذ القول رواية الحسن عن الإمام وهو قول زفر كذا في البدائع ج1، ص4، وقال الملا خسرو: أصحُّها روايةً ودرايةً مسْح الربع كذا في الدرر ج1، ص123، والملتقى ج1، ص20، وفي خزانة الفقه ص30: مسح ربع الرأس بثلاثة أصابع، وتحفة الملوك ص22، وفي المختار ص87، والوقاية ص37، والكنز ص139، وقال في البحر ج1، ص36: اتفق المتون عليها، ولنقل المتقدّمين لها، قال ابن عابدين في رد المختار ج1، ص223: المعتمد رواية الرُّبع، ومشى عليها المتأخرون كابن الهمام وتلميذه ابن أمير حاج، وصاحب النهر، والمقدسي، والمصنف، والشرنبلاية، وغيرهم من كتب المذهب.
القول الثاني: ثلاث أصابع اليد، والتقدير بثلاثة أصابع لها وجهان: الوجه الأول: الرُّبُعُ يقوم مقام الكل، وقال محمد: الواجب قدر ثلاثة أصابع اعتبارًا لآلة المسح، وهي اليد، والأصل فيها الأصابع وهي عشرة فرُبعها إثنان ونصف، والواحد لا يتجزأ فكَمُل.
والوجه الثاني: الأكثر يقوم مقام الكل، والواجب إلصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل كذا في البحر ج1، ص38، وفي التبيين ج1، ص3، وصحح صاحب المبسوط ج1، ص64، وهو رواية هشام عن أبي حنيفة، كذا ذُكر في البناية ج1، ص82، وجعل صاحب البدائع ج1، ص4 رواية الأصل، وصحّحها في التحفة ج1، ص57. وصحَّح صاحب الحاوي ج1، ص117: القولين: أي الربع وثلاثة أصابع اليد بقوله: مسح مقدار الناصية وهو الربع أو مقدار ثلاثة أصابع في روايةٍ، وكذا تصحيح قولين في المواهب ص163، وقال صاحب البحر ج1، 38: ومع ذلك فهي غير المنصور روايةً ودرايةً.
القول الثالث: أكثر الرأس، وهذا قول الحسن، واستدل الحسن الأكثر يقوم مقام الكل كذا في المبسوط ج1، ص63.
القول الرابع: مقدار الناصية: وذكره القدوري في شرح مختصر الكرخي ج1، ص69، والطحاوي في مختصره ج1، ص62، والقدوري في التجريد ج1، ص118.
هل الناصية وربع الرأس في تقدير مسح الرأس قولٌ واحدٌ أو هناك فرق بين النّاصية وربع الرأس؟
اختلف عبارة العلماء في مقدار الناصية، وقال بعضهم: مقدار الناصية هو ربع الرأس، وبعضهم قالوا هو الناصية فقط دون تفسير بالربع.
القول الأول: تفسير الناصية بربع الرأس. كما قال المرغيناني في الهداية ج1، ص288: المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو رُبُعُ الرأس، والقدوري ج1، ص9، والمحيط البرهاني ج1، ص163، والمنية ص31، وأيده في غنية المتملي ج1، ص51، وفي الاختيار ج1، ص42: المختار في مقدار الناصية هو الربع، والحاوي ج1، ص117.
القول الثاني: قدروا مقدار مسح الرأس على الناصية دون تفسير بربع الرأس. منهم: ذكرا الطحاوي والكرخي في مختصرهما، والتصحيح ص137، والقدوري في التجريد ج1، ص118، وجعل القدوري رواية الربع مغايرًا لمقدار الناصية، ونسب هذا القول إلى الأصحاب، وذكر في البناية ج1، ص81: مقدار الناصية ربع الرأس وليست الناصية ربع الرأس على الحقيقة، وقال في البحر ج1، ص37: الناصية أقلُّ من ربع الرأس، ثم استدل: أن صاحب البدائع وغيره نقلوا عن أبي حنيفة روايتين في رواية: المفروض مقدار الناصية، وفي روايةٍ: الربعُ، وذكر الإسبيجابي في شرح الطحاوي ج1، ص129، رواية مقدار الناصية، ثم قال: إذا كانت الناصية تبلغ ربعَ الرأس، وإذا كانت الناصية لا تبلغ الربعَ لا يجوز. فدلَّ على تغايرهما وقدر المصنف مقدار الربع بالناصية، فتأمل.
الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري، (1417هـ)، مختصر اختلاف العلماء، (تحقيق: عبد الله نذير أحمد)، ط2، دار البشائر الإسلامية - بيروت- لبنان. الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود، (1406هـ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، دار الكتب العلمية ــ بيروت ــ لبنان. منلا خسرو، محمد بن فرامرز بن علي، (1443هـ) درر الحكام شرح غرر الأحكام، ط1، دار مركز حرف للبحث والتطوير العلمي ــ إستانبول ــ تركيا. الحلبي، إبراهيم بم محمد بن إبراهيم، (1419هـ) ملتقى الأبحر، (تخريج الأحاديث والآيات: عمران المنصور) ط1، دار الكتب العلمية ــ بيروت ــ لبنان.
السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، (1426هـ) خزانة الفقه، (وضع حواشيه وعلق عليه: محمد عبد السلام شاهين)، ط1، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. الموصلي، عبد الله بن محمود، (1433هـ) المختار للفتوى، (تحقيق: سائد بكداش)، ط1، دارالبشائر الإسلامية - بيروت - لبنان. تاج الشريعة، محمود بن عبيد الله بن إبراهيم، (1438هـ)، وقاية الرواية في مسائل الهداية، (تحقيق: أحمد محمود الشحادة) ط1، المكتبة الحنفية ــ إسطانبول ــ تركيا. النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد، (1440هـ) كنز الدقائق ((تحقيق: سائد بكداش)، ط3، دارالبشائر الإسلامية - بيروت - لبنان.).
الزيلعي، عثمان بن علي (1313هـ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، (وبحامشه حاشية الشبلي) ط1، المطبعة بولاق ــ مصر. السمرقندي، علاء الدين محمد بن أحمد أبي أحمد، (1442هـ) تحفة الفقهاء، (تحقيق: اللجنة العلمية بدار السمان) ط1، دار السمان ــ أسطنبول ــ تركيا. الغزنوي، أحمد بن محمود بن سعيد القابسي (1432هـ) الحاوي القدسي في فروع الفقه الحنفي، (تحقيق: صالح العلي) ط1، دار النوادر ــ سوريا. الطرابلسي، برهان الدين إبراهيم بن موسى (1439هـ) مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، (تحقيق: يعلى قحطان الدوري) ط1، كتاب ناشرون ــ بيروت ــ لبنان. القدوري، أحمد بن محمد البغدادي (1443هـ)، شرح مختصر الكرخي (تحقيق: عبد الله نذير أحمد عبد الرحمن)، ط1، أسفار للنشر، الكويت. القدوري، أحمد بن محمد البغدادي، أبو الحسين (1427هـ)، التجريد (تحقيق: محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد)، ط1، دار السلام، القاهرة.
الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الحنفي (1437هـ)، مختصر الطحاوي، (تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني)، ط1، دار المالكية، بيروت - لبنان. المرغيناني، علي بن أبي بكر الفرغاني، (1440هـ) الهداية شرح بداية المبتدي، (تحقيق: سائد بكداش)، ط1، دار السراج - المدينة المنورة. القدوري، أحمد بن محمد البغدادي، (1439هـ) مختصر القدوري، (تحقيق: سائد بكداش)، ط1، دار السراج - المدينة المنورة. الكاشغري، أبو عبد الله محمد بن محمد، (1428هـ) منبة المصلي وغنية المبتدي، (تحقيق: أمينة عمر الخراط)، ط1، دار القلم ــ دمشق ــ سوريا. الحلبي، ابراهيم بن محمد (1440هـ)، غنية المتملي في شرح منية المصلي، (ضبطه وعلق عليه وخرج أحاديثه: أحمد محمود الشحادة)، ط1، دار المكتبة الحنفية ــ إسطنبول ــ تركيا. الموصلي، عبد الله بن محمود، (1431هـ) الاختيار لتعليل المختار، (تحقيق: شعيب الأرنؤوط)، ط2، دار الرسالة العالمية- دمشق - سوريا.
ابن قطلوبغا، القاسم بن قطلوبغا، (1439هـ) التصحيح والترجيح على القدوري، تحقيق ودراسة: شوكت كراسنيش الألباني، ط1، دار الرسالة العالمية- دمشق - سوريا. الإسبيجابي، بهاء الدين علي بن محمد بن إسماعيل بن علي السمرقندي، (1443هـ) شرح مختصر الطحاوي، (تحقيق: عبد الله نذير أحمد)، ط1، دار الرياحين ــ بيروت ــ لبنان.
الجزء 1 · صفحة 44
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الفرض منه ما يَقَعُ عليه اسمُ المَسْح (¬1)
¬
(¬1) ينظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي ج1، ص40، حلية العلماء ج1، ص122.
الشيرازي، أبراهيم بن علي بن يوسف، المهذب في فقه الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية. الشاشي، محمد بن أحمد بن الحسين، (1980م) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، (تحقيق: ياسين أحمد إبراهيم)، ط1، دار الأرقم ــ بيروت.
الجزء 1 · صفحة 45
وغسلُ الرِّجْلين إلى الكعبين، والكعبان (¬1) داخلان (¬2) في الجملة، وقال زفر - رضي الله عنه -: لا يدخلان (¬3). والغَسْلُ المأمور به إجْرأُ الماء على العُضْو (¬4)، فإن مسح العضو بالماء كما يمسح بالدُّهْن لم يجز إلّا في قول أبي يوسف - رضي الله عنه - خاصّةً، [وكذلك لو توضَّأَ بالثّلْج على هذا الخلاف] (¬5) (¬6).
وأمَّا المَسْحُ فهو إمساسُ المَوْضع بالماء من غير نَقْلٍ (¬7)، ولهذا لو مسَحَ رأسَه بأُصْبُعٍ واحدٍ ومَدَّها لم يجز حتى يَضَعَ الأصابع الثّلاثة (¬8) وَضْعًا (¬9).
ويجوز نقل الماء من من موضع إلى موضع في عضو واحد، وكذلك يجوز نقله في الغُسل من الجنابة من بعض بدنه إلى بعض؛ لأنه كالعضو الواحد، ولا يجوز نقل الماء من غضو إلى عضو آخر في الوضوء (¬10).
¬
(¬1) الكعبان: يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثّلاثة، وهما العظمان الناتئان في جانبي القدمين هو الصحيح، وما ذكر هشام عن محمد: أن الكَعْب هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشِّراك سهوٌ من هشام، فإن محمدًا لم يُرد به تفسير الكعب في الطهارة، وإنما أراد في المُحْرِم إذا لم يجد نعلين يقطع خُفَّيه أسفل من الكعبين، فأما في الطهارة فهو العظم الناتئ كما فسَّره في الزيادات، كذا في الكافي. ينظر: غنية المتملي ج1، ص47، والمبسوط ج1، ص9، والبدائع 1، ص7.
(¬2) في ب: داخلتان.
(¬3) لأنه غايةٌ في كتاب الله سدد خطاكم، والغاية حدٌّ، فلا يدخل تحت المحدود اعتباراً بالممسوحات، والذي يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل المرافق فمحمول على إكمال السنة دون إقامة الفرض. ينظر: المبسوط ج1، ص7.
(¬4) قال أبو بكر الرّازي: وهو قول أصحابنا، وعامة الفقهاء عليه. كما في أحكام القرآن ج1، ص334. قال الإسبيجابي في شرح الطحاوي ج1، ص133: تسييل الماء في الوضوء شرطٌ في ظاهر الرواية، ولا يجوز ما لم يقاطر، وفي البدائع ج1، ص3: لو غسل أعضاء وضوئه لم يسل الماء بأن استعمله مثل الدهن لم يجز في ظاهر الرواية، وكذا في الهداية ج1، ص287، وفي البناية ج1، ص76: إسالة الماء على العضو والتقاطر تفسيرٌ شرعيٌّ، لأنه قبل التقاطر متردد بين الإصابة والإسالة، فلا يحصل اليقين بالغسل، وفي البحر ج1، ص29: وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
الجصاص، أحمد بن علي، (1406هـ) أحكام القرآن، ط1، دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان.
(¬5) ثبت في ب.
(¬6) هِشام عَنْ أَبِي يوسف - رضي الله عنه - أنّه قال: إنْ مَسَحَ الموضِعَ بِالماء كما يمسح بِالدُّهْنِ أَجْزَأَه، كما في البناية ج1، ص62، وفي الذخيرة: تأويل ما وري عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنه سال من العضو قطرةٌ أو قطرتان ولم يتدارك، وجعل صاحب البدائع أن الإسالة ظاهر الرواية، وقال السروجي في الغاية ج1، ص16: المفهوم ما ذكر في البدائع أنه بالاتفاق؛ لتعليله بالإسالة. وسُئل الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله - عن التوضئ بالثلج، وقال: ذلك مسحٌ وليس بغسل، فإن عالجه حتى يسيل يجوز. وعن خلف بن أيوب - رحمه الله - أنه قال: ينبغي للمتوضئ في الشتاء أنْ يبلَّ أعضاءه بالماء شبهَ الدهن، ثم يُسيل الماء عليها؛ لأن الماء يتجافى عن الأعضاء في الشتاء. ينظر: المبسوط ج1، ص3، والبحرج1، ص29، ولعل قول الهندواني، وخلف، هو تفريعٌ منهما بناءً على قول أبي يوسف - رضي الله عنه -.
(¬7) أي المسح هو الإصابة، كذا في الهداية ج1، ص287، والاختيارج1، ص39، ولهذا لو أصاب رأسه المطر مقدار المفروض أجزأه مسحه بيده أو لم يمسحه؛ لأن الفعل ليس بمقصود في المسح، وإنما المقصود هو وصول الماء إلى ظاهر الشعر، وقد وُجد والله أعلم. البدائع ج1، ص4.
(¬8) في د: الثلاث.
(¬9) لأنّ الأصل في المسح أن يصير الماء مستعملاً بأول ملاقاته العضو؛ لإمكانه أن يمسح دفعةً واحدةً فلا ضرورة إلى المدِّ لإقامة الفرض، فظهر حكم الاستعمال فيه بخلاف الغَسل فإنّ فيه ضرورةٌ ولم يظهر فيه حكم الاستعمال، كذا في البدائع ج1، ص5.
(¬10) لأن الغَسل هو إجراء الماء في العضو، ولا يمكن إجراء الماء دون نقل فلا يظهر حكم الاستعمال دون إنفصاله عن العضو بخلاف المسح.
الجزء 1 · صفحة 46
وسُنَنُ (¬1) الوضوء خمسة عشر نوعًا (¬2):
1) الاستنجاء (¬3)، وهو بالماء أفضلُ منه بالأحجار، وهما أفضلُ من الاقتصار على الماء فقط، وذلك إذا استنجى بالأحجار، ثم يَتْبَعُها الماء.
2) وغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لمن استيقظ من منامه (¬4).
3) والنّيّة (¬5).
¬
(¬1) والمصنف سيعرف السنة في باب صلاة المسنونة.
(¬2) ثابتة في ب.
(¬3) إنّ فقهائنا جعلوا الاستنجاء من سنن الوضوء، بل هو أهمّها؛ لأنّه مشروع لإزالة النجاسة الحقيقية، وسائرُ السُّنن لإزالة النجاسة الحكمية الّتي لا تمنع جواز الصّلاة.
والاستنجاء في اصطلاح الفقهاء: هو طلب طهارة الدبر والقبل مما يخرج من البطن بحجر أو ماء. كما في البدائع ج1، ص18، ورجّحه في مناط النجاء للعيني، ومال إليه صاحب التاتارخانية ج1، ص73.
وسماه الكرخي - رحمه الله - استجماراً، وهو طلب الجمرة، وهي الحجر الصغير الذي يزال به ما يخرج من السبيلين، كما شرح مختصر الكرخي ج1، ص107.
وسماه الطحاوي في مختصره ص64: استطابة، وهي طلب الطيب وهو الطهارة. كذا في البدائع ج1، ص18.
واعلم أن الاستنجاء والاستطابة والاستجمار عبارات عن: إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه، فالاستنجاء والاستطابة يكونان بالماء وبغير الماء بالحجر ونحوه.
والاستجمار: يختص بالأحجار، مأخوذ من الجمار هو الحصى الصغار.
الاستنجاء مأخوذ من نجوت الشجرة وأنجيتها إذا قطعتها كأنه يقطع الأذى عن نفسه. ينظر: الغاية شرح الهداية ج1، ص69.
وهذا التسمية بالاستنجاء أولى، لاشتماله على نوعيه، ولذا اختار عامة أصحاب المتون والشروح والفتاوى كذا في مناط النجاة ص39.
الاستنجاء على خمسة أوجه: واجبان: أحدهما: غسلُ نجاسة المخرَج في الغُسل عن النجاسة والحيض والنفاس كي لا يشيع في بدنه.
والثاني: إذا تجاوزت مخرجها يجبُ عند محمد - رضي الله عنه - قلَّ أو كثر، وهو الأحوط؛ لأنّه يزيل على قدر الدرهم، وعندهما يجب إذا تجاوز قدر الدرهم؛ لأن ما على المخرج سَقط اعتباره لجواز الاستجمار فيه، فيبقى المعتبر ما وراءه.
والثالث: سنَّةٌ وهو إذا لم يتجاوز النجاسة مخرجها، فغسلها سنةٌ.
الرابع: مستحب وهو إذا بال ولم يتغوَّط يغسل قُبُلَه.
والخامس: بدعةٌ وهو الاستنجاء من الريح إذا لم يظهر الحَدَثُ من السبيلين. كذا في الاختيار ج1، ص121، وفي خِزانة الفقه ص33: قسَّم على سبعة أوجه: وكلها ذُكر في السابق من الاختيار إلا حالة الاحتياط: فهو أن يخرج منه شيء قليل مع الريح ولم يتلطخ منه شيء.
العيني، أبو الفيض محمد فقهي، (1439هـ) مناط النجاء في أحكام الاستنجاء، (تعليق: محمد حسين الدمياطي)، ط1، دار ابن عفان ــ مصر. الدهلوي، عالم بن العلاء الأنصاري الهندي، (1425هـ) الفتاوى التاتارخانية، (تحقيق: سجاد حسين)، ج1، دار إحياء التراث العربي ــ بيروت ــ لبنان. إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، دار الدعوة.
(¬4) قال في التصحيح ص138: الأصح أنه سنة مطلقًا، نصَّ عليه في شرح الهداية. وقال في الجوهرة ج1، ص5، هذا شرط وفاقٍ، لا قصدٍ حتى إنه سنة للمستيقظ وغيره. قال في المحيط والتحفة: جميع الأئمة البخاريين أنه سنة على الإطلاق. كذا في التصحيح ص138، واللباب ج2، ص14.
الحدادي، أبو بكر بن علي بن محمد (1322هـ) الجوهرة النيرة، ط1، دار المطبعة الخيرة. الميداني، عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الغنيمي (1435هـ)، اللباب في شرح الكتاب، (تحقيق: سائد بكداش)، ط2، دار البشائر الإسلامية - بيروت- لبنان.
(¬5) ونية المتوضئ: رفع الحدث، أو إقامة الصّلاة، ووقتُها عند غَسل الوجه، ومحلها القلب، والتلفظ بها مستحبٌّ، كذا في البحر ج1، ص61، ثم إنّ كون النية مستحبة هو اختيار أبي الليث، كذا في التوضيح شرح المقدمة ص248، والقدوري ص10، والمختارص87، ورجّح المرغيناني في الهداية ج1، ص294، والموصلي في الاختيارج1، ص48 على أنه سنة، وقال الكمال في الفتح ج1، ص29: نصوص المشايخ متظافرة على السنية، وكذا اختاره المصنف - رحمه الله -.
الرومي، مصلح الدين مصطفى بن زكريا بن القرماني، (1439هـ) التوضيح شرح المقدمة الفقهية، (تحقيق: عبد المحسن طه يوسف)، ط1، دار ابن حزم ــ بيروت ــ لبنان. ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد السيواسي، كمال الدين. فتح القدير، دار الفكر.
الجزء 1 · صفحة 47
4) والتّرتيب (¬1)، وهما في قول الشافعيس فرض (¬2).
5) والتَّسمية (¬3) في أوّله.
6) والسّواك (¬4).
7) والمضمضة، والاستنشاق (¬5).
8) والمُوالاتُ (¬6) (¬7) سُنَّةٌ، [وقال مالكس (¬8) وهو أحد قولي الشافعيس ركن] (¬9) (¬10).
9) والبداية باليد اليمنى والرّجل اليمنى في الغَسل (¬11).
10) وتعيينُ مقدَّم الرّأْس بالمسح دون سائر أبعاضه (¬12).
11) ومسحُ ما زاد على المِقدار المفروض من مسح الرَّأْس إلى أن يستوعب جَميعَ الرَّأْس (¬13).
¬
(¬1) أي فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره.
(¬2) ينظر: المجموع شرح المهذب ج1، ص462، البيان ج1، ص 101 ــ 135.
النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، دار الفكر. العمراني، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم الشافعي (1421هـ) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (تحقيق: قاسم محمد النوري) ط1، دار المنهاج ــ جدة.
(¬3) بأيِّ صيغة كانت، نحو أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أو بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام، ونحوه. خليج البحار ج1، ص160.
ابن قصاب زاده، محمد بن إبراهيم الرومي (1442هـ)، خليج البحار في شرح ملتقى الأبحر، (تحقيق: مجموعة من الأفاضل في كلية الامام الأعظم، ط1، دار ابن حزم - بيروت - لبنان.
(¬4) سنة مؤكدة، ووقته عند المضمضة. كما في الجوهرة النيرة ص6.
(¬5) وهما سنتان مؤكدتان عندنا. الجوهرة النيرة ص6.
(¬6) ساقطة من د.
(¬7) هو أن يغسل كل عضو على إثر الذي قبله لا يفصل بينهما بحيث يجف السابق عند اعتدال الهواء. كذا في عنية المتملي ج1، ج76، والغاية شرح الهداية ج1، ص117.
(¬8) ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج1، ص90، الذخيرة ج1، ص271.
الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر. القرافي، أحمد بن إدريس بن عبد الله، (1994هـ) الذخيرة، (تحقيق: محمد حجي، وآخرون)، ط1، دار الغرب الإسلامي ــ بيروت.
(¬9) ساقطة من د.
(¬10) ينظر: المجموع شرح المهذب ج1، ص462، الوسيط في المذهب ج1، ص381.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، (1417هـ) الوسيط في المذهب، (تحقيق: أحمد محموم، محمد تامر)، ط1، دار السلام ــ القاهرة.
(¬11) وهي سنة في الوضوء وفي غيره من الأعمال. كذا في البدائع ج1، ص22.
(¬12) يبتدئ بالمسح من مقدم رأسه، ولأنّ السنة في المغسولات البداءة بالغسل من أوّل العضو فكذا في الممسوحات. كذا في البدائع ج1، ص22، والحاوي القدسي ج1، ص118.
(¬13) قال قاضي خان في الفتاوى ج1، ص16: الاستيعاب في مسح الرأس سنةٌ. وكيفيته: أن يبلّ كفّيه وأصابِعَ يديه، ويضع بطون ثلاث أصابع من كلّ كفٍّ على مقدّم الرأس سوى السبابتين والإبهامين، ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح العودين بالكفين، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين. كذا في التوضيح ص254، والمستصفى شرح النافع ج1، ص152.
قاضي خان، فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني (1431هـ). فتاوى قاضيخان (محمود مطرجي)، ط1، دار الفكر، بيروت. النسفي، عبد الله بن أحمد، (1438هـ) المستصفى شرح النافع، (تحقيق: حسن أوزز ومحمد جابا)، ط1، مكتبة الارشاد - استنبول - تركيا.
الجزء 1 · صفحة 48
12) ومسْحُ الأذنين بالماء الّذي يمسحُ به الرأْس (¬1)، وعند الشافعيس: يؤخذ لهما ماءٌ جديدٌ (¬2).
13) والتِّكرارُ في المغسلات (¬3) (¬4).
14) وإسباغُ الوضوء، وهو المبالغةُ (¬5) في غسل الأعضاء، وذلك نحو تَخْليل الأصابع (¬6)، وتحريك الخاتَم إذا كان ضيّقًا، والمبالغةُ في المضمضة والاستنشاق بإيصال الماء إلى أَقْصَى ما يمكن إيصالُهُ إليه، ومراعاةُ المرافق، وإعقاب الرِّجل حتى لا يبقى منها (¬7) موضعٌ لم يُصْبه الماء، وتخليلُ اللِّحية في قول أبي يوسف س خاصّةً (¬8).
15) وتقدير الماء قال محمدس في «الأصل» (¬9): أَدْنى ما يَكْفي في الغُسْل صاعٌ (¬10): وفي الوضوء مُدٌّ (¬11) (¬12)، وهذا تقدير للمسنون؛ لأنّ الحسن روى عن أبي حنيفةب أنّه (¬13) قال:
¬
(¬1) يمسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما. كذا في البدائع ج1، ص23.
(¬2) ينظر: نهاية المطلب ج1، ص82.
الجوني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد، (1428هـ) نهاية المطلب في دراسة المذهب، (تحقيق: عبد العظيم محمود، ط1، دار المنهاج.
(¬3) سقط من د.
(¬4) تكرار الغَسل ثلاثًا سنّةُ، وقال أصحابنا: إذا زاد في الوضوء على ثلاثٍ كُره له ذلك إلا أن يقصد به ابتداء وضوء آخر وتجديده. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص84.
(¬5) لأنّ المبالغة فيهما من باب التكميل في التطهير، فكانت مسنونة إلّا في حال الصوم لما فيها من تعريض الصوم للفساد. كذا في البدائع ج1، ص21.
(¬6) التخليل إنما يكون سنةٌ بعد وصول الماء، كذا ذكره خواهر زاده. كما في المستصفى شرح النافع ج1، ص147.
(¬7) وفي ب: عليه
(¬8) قال محمد - رضي الله عنه -: فأمّا على قولنا إن شاء خلَّل، وإن شاء لم يخلّل، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: فأما أنا فأخلّل، فحصل من مذهب أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - أنّ التخليل جائزٌ وليس بمسنون، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: سُنَّة. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص87، والمبسوط ج1، ص80، رجّح صاحب المبسوط قول أبي يوسف - رضي الله عنه - كذا في التصحيح ص138، وصحّحه صاحب غنية المتملي ج1، ص64، والمختار ص87، والقدوري ص9، والكنزص139، والتوضيح ص243، وغيرهم.
(¬9) كتاب "الأصل" المعروف بـ"المبسوط" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنهما -، سمّي الأصل أصلًا؛ لأنّه صنف أوّلاً، وهو أحد كتب ظاهر الرواية الخمسة، وأوسعها، وأكثرها فروعًا وأبسطها عبارة. لذلك كان هو عمدة المذهب الحنفية. (ت 189هـ). ينظر: مقدمة الأصل لدكتور محمد بوينوكالن ص41، الفوائد البهية ص269، المدخل المفصل ص549.
بوينوكالن، محمد، (1433هـ) المقدرة، ط1، دار ابن حزم ــ بيروت ــ لبنان. واللكنوي، أبو الحسنات محمد عبد الحي الهندي (1418هـ). الفوائد البهية في تراجم الحنفية (اعتنى به: أحمد الزعبي)، ط1، دار الأرقم ــ بيروت ــ لبنان. أبو الحاج، صلاح محمد سالم (1440هـ). المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي، ط2، دار الفتح، عمان.
(¬10) الصَّاعُ والصّواع بالكسر وبالضم، والصوع بضم: الذي يكال به، وتدور عليه أحكام المسلمين. كذا في القاموس المحيط ج1، ص739. الصاع عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - ثمانية أطرالٍ بالعراقي، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - خمسة أرطال وثلثُ رِطلٍ. كذا في القدوري ص82. فيكون الصاع: 3640غ، كما حرره الشيخ عبد العزيز عيون السود - رحمه الله - في رسالته المقادير الشرعية ومعادلتها بالغرام ص31. وأمّا الصّاعُ فيساوي بالليتر: 4،127 ليتراً. كما قال الدكتور محمد الخاروف في تحقيقه على الإيضاح والتبيان ص57.
الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب، (1426هـ) القاموس المحيط، (تحقيق بإشراف: محمد نعيم)، ط8، مؤسسة الرسالة ـ بيروت - لبنان. ابن الرفعة، أبو العباس نجم الدين ابن الرفعة، (1400هـ) الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان، (تحقيق وقدم له: محمد أحمد إسماعيل الخاروف)، بدون طبعة، دار الفكر ــ دمشق.
(¬11) انتهى من الأصل ج1، ص20 بتصرف يسير.
(¬12) المُدّ: ضرب من المكاييل، والجمع أمداد ومِددٌ ومِداد. كذا في لسان العرب ج3، ص400. والمد رطلان. كذا في الاختيار ج1، ص61. فيكون المد 910غ، كما حرّره الشيخ عبد العزيز عيون السود في رسالته المقادير الشرعية ومعادلتها بالغرام ص26.
(¬13) وفي ب: هو.
الجزء 1 · صفحة 49
[أَدْنى ما] (¬1) يكفي في الوضوء رطْلان (¬2) وإن توضئ بالأقل (¬3) [من ذلك] (¬4) أجزأه، وإن توضأ بأكثر من رَطْلين ولم يسبغ وضوءه لم يجزه، وقال (¬5): وإن استنجى توضأ بثلاثة أرطالٍ، رَطْلٌ للاستنجاء، ورَطلٌ لغَسل الوجه، والذِّراعين، ومسحُ الرأس، ورَطلٌ لغَسل الرجلين، وإن لم يستنج ومَسَحَ بخفيه كفاه رطلٌ واحدٌ.
باب ما ينقض (¬6) الوضوء
والذي ينقض الوضوء وهي (¬7) أربع خِصالٍ:
أحدُها: النجاسة الخارجة (¬8) من البدن (¬9)، والأشياء الخارجة من بدن الإنسان أربعةُ أنواعٍ:
أحدُها: طاهرٌ لا ينقض الوضوءَ كالدَّمْع، والعَرَق، والبُصاق (¬10) والمُخاط، واللبن. ولذلك قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: فيمن قاء مِلْاءَ فمه (¬11) بَلْغَمًا أنّه على طهارته (¬12)؛ لأنّ البَلغم طاهرٌ
¬
(¬1) ساقطة من ب، د.
(¬2) الرِّطل بالكسر والفتح، هو الذي يوزن به أو يكال به. كذا في المغرب ج1، ص33. وأما الرطل العراقي يساوي: 455غ، كما حرره الشيخ عبد العزيز عيون السود: في رسالته المقادير الشرعية ومعادلتها بالغرام ص29.
المطرزي، أبو الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي (1979هـ)، المغرب في ترتيب المعرب، (تحقيق: محمود فاخوري وعبد الحميد مختار)، ط1، مكتبة أسامة بن زيد - حلب.
(¬3) في ب، د: بأقل.
(¬4) ساقطة من ب.
(¬5) ثابتة في ب، د.
(¬6) النقض متى أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، ومتى أضيف إلى المعاني يراد به إخراجه عما هو المطلوب، والمطلوب هنا من الوضوء استباحة الصلاة. كذا في النهاية ج1، ص169، والمستصفى ج1، ص154.
السغناقي، الحسين بن علي بن حجاج، حسام الدين، (تحقيق: مجموعة من الأفاضل) وهذه رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية في جامعة أم القرى.
(¬7) ساقطة من ب، د.
(¬8) يشترط السيلان في الخارج من غير السبيلين؛ لأن ما تحت الجلدة مملوء دَمًا فبالظهور لا يكون خارجًا بل بادِيًا، ومادامت النجاسة في موضعه لا يعطى له حكم بنقض الوضوء، ولو كان باديا، فيحتاج إلى السيلان الذي هو محقّق للخروج في موضعٍ يلحقه حكم التطهير بخلاف السبيلين كذا في التبيين ج1، ص8، والاختيار ج1، ص51، والهداية ج1، ص299.
(¬9) المراد من البدن بدن الحي حتى إذا خرجت النجاسة من بدن الميت بعد غسله لا يعاد غسل الميت، بل يغسل ذلك الموضع لا غير. كذا في النهاية شرح الهداية ج1، ص166.
(¬10) وفي ب: البزاق.
(¬11) وفي ب ود: فيه.
(¬12) وثابتة في ب، د، وفي أ: الطهارة.
الجزء 1 · صفحة 50
عندهما، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - ينقُضُ طهارته؛ لأنّ البلغم عنده نجسٌ [إن صعِد من الجَوْف] (¬1) (¬2).
وثانيها: الخارج (¬3) من السبيلين (¬4) وهي إثنى عشر نوعًا:
- الغائط.
- والبول.
- والمني، وهو: الماءُ الخاشر الأبيض الّذي ينكسِرُ الذَّكَرُ بخروجه.
- والمذي، وهو: الماءُ الرَّقيقُ الّذي يخرُجُ عند اللَّمْس والشَّهْوة.
- والودي، وهو: الماءُ الأبيضُ الّذي يخرُجُ بعد البَوْل.
- ودم الحيض.
- ودم النفاس.
- ودم الاستحاضة.
- والولدُ.
- والدُّودةُ.
- والحصاةُ.
¬
(¬1) ثابتة من ب.
(¬2) سبب اختلافهم: وحكي عن الماتريدي: ليس هذا اختلاف حجّة، بل هو اختلاف صورة، فتصور لأبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - أنّ البلغم يهيج من جانب الفم، فأجاب أنه طاهرٌ، وتصور لأبي يوسف - رضي الله عنه - أن يهيج من البطن ويعلو منه فأجاب أنه نجس. كما في النهاية ج1، ص181.
وقال السرخسي: البلغم المنحدر من رأسه طاهرٌ بالاتفاق سواء خرج من جانب الفم أو الأنف، وإنّما الخلاف فيما يعلو من الجوف فعند أبي يوسف - رضي الله عنه - البلغم احدى الطبائع الأربعة فكان نجسًا كالمرة والصفراء؛ لأنّ خروجه من موضع النجاسات، فكان نجس بالمجاورة. ينظر: المبسوط ج1، ص75.
وقالا: البلغم بزاق، والبزاق طاهر، ومعنى هذا أن الرطوبة في أعلى الحلق ترق، فتكون بزاقًا، في أسفله تثخن، فيكون بلغمًا، وبهذه يتبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة، والبلغم هو النخامة. وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف - رضي الله عنه - حتى روي عنه أنه كان يكره الإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه ويصلي معه. ينظر: النهاية شرح الهداية ج1، ص182، وقال الحلبي في غنية المتملي ج1، ص286: لا يفهم من هذا الميل إلى قول أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ لأن الكراهة يمكن أن يتكوّن على قولهما أيضًا؛ لأنّهما يسلمان أنها تستتبع قليل نجاسةٍ، والصلاة مع قليل النجاسة مكروهٌ.
(¬3) ثابتة في ب ود، في أ: الخارجة.
(¬4) فيدخل تحت هذه الكلمة جميع النواقض الحقيقية وإن كانت طاهرًا بنفسه كالدودة من الدبر؛ لأنها تستصحب شيئا من النجاسة، وتلك هي ناقضة للوضوء. كذا في التبيين ج1، ص7، سيُفَصِّلُ المصنف فيما يأتي.
الجزء 1 · صفحة 51
- والرِّيحُ (¬1)، وهذه كلها ناقضةٌ للطّهارة إذا ظَهرتْ (¬2) على السّبيلين (¬3) وإن لم يخرج، وإن كانت طاهرةً في نفسها إلّا أنه (¬4) لا بدّ من أن يَصحبها جزءٌ] (¬5) من النّجاسة وإن قلَّتْ فينقُضُ الطّهارة.
وثالثها: الخارج من الجوف إلى الفم وهي أربعة أنواع:
أحدها: البَلْغَمُ وقد بيّنا حكمَهُ.
والثاني، المرّةُ الصَّفْراءُ أو السَّوداء [إذا (¬6) قاءَ ملاء الفَمِ] (¬7) ينقض (¬8) الوضوء، وإن لم تملأْه، لم ينتقض الوُضوء (¬9) (¬10)، وقال زفر - رضي الله عنه -: ينقضه في الحالتين جميعًا، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا ينقض الوضوء شيء من النجاسات إلا ما خرج من السبيلين (¬11). وذكر [أبو بكر] (¬12)
¬
(¬1) ذكر الريح؛ لأنه خارج منه، وليس بنجس مع أنه ناقض لمجاورة النجس، وذكر الدودة والحصاة؛ لأن ما معهما من النجس وإن قلَّ حدثٌ في السَّبيلين. ينظر: في الدررج1، ص139.
(¬2) لأن الظهور يدل على الانتقال عن موضعه، ورأس السبيلين ليسا موضع النجاسة، وإذا انتقلت النجاسة عن موضعه وهو المعدة إلى السبيلين فيكون خارجاً، فأقيم الظهور مقام الخروج؛ لأن القليل الظاهر في السبيلين موصوف بالخروج لانتقاله من محل باطن إلى محل ظاهر. كذا في النهاية ج1، ص176، والتبيين ج1، ص8، والاختيار ج1، ص51، والدرر الحكام ج1، ص138.
(¬3) وثابتة في ب، وفي أ، ج: السبيل.
(¬4) وفي د: أنها.
(¬5) ساقطة من ب.
(¬6) ساقطة من د.
(¬7) ساقطة من ب.
(¬8) ثابتة في ب، وأ: نقض، وفي د: نقضت.
(¬9) ساقطة من ب.
(¬10) هذه المسألة مقيّد بأن ملأت الفم في مكان واحد وسبب واحد، أمّا لو قاء متفرقًا لو جُمع يملأ الفمَ، فعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يعتبر اتحاد المجلس؛ لأنّ لاتحاد المجلس أثرًا في جَمْع المتفرّقات، ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح، والبيع، وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعدد لآية السجدة بتعدد المجلس.
وعند محمد - رضي الله عنه - يعتبر اتحاد السبب، وهو الغثيان؛ لأن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد، وكذلك لاتحاد السبب أثرًا أيضا في اتحاد الحكم حتى إن الإنسان إذا جرح آخر جراحاتٍ، ومات منها قبل تحلل البر، يتحد الموجب، ومتى تخلل البر يختلف الموجب، وكذلك لو غصب جاريةً محمومةً فزالت حماها، ثم حمت، فردّها إن قال أهل الطب: إن الثاني عين الأول لقيام السبب الداعي إليه لم يضمن، وإن قالوا غير الأول ضمن النقصان. وفي التفاريق: الاختلاف بينهما على عكس هذا، فكان الاعتبار في هذه المسائل باتحاد السبب واختلافه، كذا ذكره التُمُرْتاشي. كما في النهاية ج1، ص180.
(¬11) ينظر: الحاوي الكبير ج1، ص200، الوسيط في المذهب ج1، ص313.
الماوردي، علي بن محمد بن محمد البغدادي، (1419هـ) الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي، (تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت ــ لبنان.
(¬12) سقط من ب ود.
الجزء 1 · صفحة 52
الرازي (¬1) - رحمه الله - عن الكرخي (¬2) - رحمه الله - في تقدير ملأ الفم: أنّه القَدْرُ الّذي لا يمكنه إمساكُهُ في الفم حتى يَمُجَّهُ (¬3)، وقال غيره: هو الذي يَمْنَعُهُ من (¬4) الكلام (¬5)، وقال بعضهم: هو الذي تجاوز نصْفَ الفَمِ.
والثالث: إذا قاء دمًا نقَض الوضوء وإن كان يسيرًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وقال محمد - رضي الله عنه -: لا ينقضه حتى يملأ الفم كالقيء، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنّه فَصّل فقال: إن كان دمًا ذائباً فيَسِيرُه ينقض الوضوء، وإن كان عَلَقًا من الدّم لم ينقضه حتى يملأ الفم؛ لأنّ ذلك سوداء. وأمّا الدّم الخارج من الأسنان فإن غلب على الرّيق (¬6) نقض الوضوء، وإن غلب عليه الرِّيقُ لم ينقض الوضوء، فإن استويا نقَضه استحسانًا (¬7) تغليبًا لجهة الخطر.
¬
(¬1) هو أحمد بن علي الرازي، أبو بكرالجصاص، وكان إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره، وانتهت الرحلة إليه، وكان على طريقة من تقدمه في الزهد والورع والصيانة، وكان مشهورا بالزهد، له: "أحكام القرآن" و"شرح مختصر الكرخي" و"شرح مختصر الطحاوي" و"شرح الجامع" لمحمد بن الحسن و"أصول الفقه" و"شرح أسماء الحسنى" و"آدب القاضي" (ت: 370هـ) يوم الأحد، سابع ذي الحجة ببغداد. ينظر: كتائب أعلام، ج2، ص93ــ 95، الجواهر المضية ج1، ص84، تاج التراجم ص96، طبقات الحنفية ص183 ــ 184.
الكفوي، محمود بن سليمان، (1438هـ) كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار، (تحقيق: سفوت كوسا، وآخرون)، ط1، مكتبة الإرشاد، إسطانبول ــ تركيا. القرشي، عبد القادر بن محمد بن نصر الله. الجواهر المضية في طبقات الحنفية، مير محمد كتب خانه، كراتشي. وابن قطلوبغا، القاسم بن قطلوبغا (1413هـ). تاج التراجم (تحقيق: محمد خير رمضان يوسف)، ط1، دار القلم، دمشق، وابن الحنّائي، علاء الدين علي بن أمر الله، (1425هـ) طبقات الحنفية (اعتناء: سفيان بن عايش، وفراس بن خليل)، ط1، دار ابن الجوزي ــ عمان ــ الأردن.
(¬2) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي، أبو الحسن، الإمام الكبير الورع البارع انتهت إليه رئاسة الحنفية بعد أبي خازم القاضي، والقاضي أبي سعيد البردعي، كان الكرخي زاهدا، وواسع العلم والرواية، كثير الصوم والصلاة، صبوراً على الفقر والحاجة، وانتشر أصحابه في البلاد، وتفقه عليه أبو بكر الجصاص، وأبو علي الشاشي الفقيه، أبو حامد الطبري، وأبو عبد الله الجرجاني، وله: «المختصر» و «شرح الجامع الكبير» و «شرح الجامع الصغير»، (ت: 340 هـ) ليلة النصف من شعبان. ينظر: كتائب أعلام، ج2، ص26ــ 27، الجواهر المضية ج1، ص337، تاج التراجم ص201، طبقات الحنفية ص174.
(¬3) لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير ملء الفم، وعن حسن بن زياد وهو: أن يعجز عن إمساكه، وعليه اعتمد الشيح أبو منصور، وهو الصحيح كذا في البدائع ج1، ص26، واختار هذا القول صاحب شرح مختصر الكرخي ج1، ص101، والهداية ج1، ص299، والاختيارج1، ص51، والنهاية ج1، ص177، وقال صاحب الينابيع ج1، ص56: وهو الصحيح، وفي التبيين ج1، ص9، وهو الأصح، وقال برهان الدين: وإليه مال كثير من المشايخ وهو الصحيح.
كان شمس الأئمة الحلواني يقول: الصحيح أنه يفوض إلى صاحبه، إن وقع في قلبه أنه قد ملأ فاه فقد ملأ فاه. كذ في المحيط ج1، ص199، وقال العيني في البناية ج1، ص173: هذا أشبه مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيما لم يرد فيه من الشرع تقديرٌ ظاهرٌ.
الرومي، رشيد الدين محمد بن رمضان الحنفي، (1440هـ) الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع، (تحقيق: عمر مصطفى أحمد)، ط1، دار الصالح ــ القاهرة.
(¬4) وفي ب: عن.
(¬5) قال به أبو علي الدقَّاق، ومشى عليه صاحب غنية المتملي ج1، ص285، وهدية الصعلوك ص16، وشرح الوقاية لابن ملك ج1، ص167.
ابن ملك، عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين، (1442هـ)، شرح الوقاية، (تحقيق: بدر بن ناصر السبيعي، ط1، دار ابن حزم - بيروت - لبنان.
(¬6) وفي د: البزاق.
(¬7) القياس لا وضوء عليه؛ لأنه تيقن بصفة الطهارة وهو في شكٍّ من الحدث، ولكنه استحسن فقال: البزاق سائل بقوّة نفسه فما ساواه يكون سائلاً بقوّة نفسه أيضًا، ثم اعتبار أحد الجانبين يوجب الوضوء واعتبار الجانب الآخر لا يوجب الوضوء فالأخذ بالاحتياط أولى، وهو إشارة إلى أنه غير واجبٍ وهو اختيار محمد بن إبراهيم الميداني، وأكثر المشايخ على أنه يجب الوضوء. كذا في المبسوط ج1، ص77.
الجزء 1 · صفحة 53
والرابع: الماء السائل من (¬1) فم النّائم عند النَّوْم، فإن كان خارجًا من الجوف فحكمُهُ حكمُ القيء، فإن كان متحليًّا من اللّهوات، أو من (¬2) الرّأْس فحكمُهُ حكم الرِّيق، وإنّما يعرف ذلك بلَوْنه [وهو: أن يكون بذلك الماء صفرة فيكون حكمه كحكم القيء] (¬3).
والنوع الرابع من الأشياء الخارجة من البدن. الدّمُ، والقيح، والصَّديدُ الخارجةُ من الجراح، والقروح، فإن سال إلى موضعٍ يلحقُهُ حكْمُ التّطهير نَقَضَ الوضوء، وإن وَقَفَ على رأْس الجُرْح، ولم يسل لم ينقضه.
وإن أَخَذَ من رأس الجرح بقطنةٍ، فإن كان بحيث لو تَركه (¬4) لَسَال بنفسه (¬5) نَقَضَهُ، وإلّا لم ينقضه، [ولا يكون نجسًا حتى إذا امتلأت الثَّوْبُ لم يمنع جواز الصّلاة في ذلك الثوب] (¬6) (¬7).
وإذا قُشرت النفطة (¬8) فسال ماؤُها انتقض وضوءه، وأمّا إذا انغمَسَ في الماء، فسَبَقَ الماء إلى أُذنه، [أو دهن أنْفَه] (¬9)، أو استعطّ بدهنٍ، فوَصَلَ إلى رأسه، فبقي أيّامًا، ثم خرَج فلا وضوء عليه (¬10)؛ للأن الرأس (¬11) ليس بمعدن للنجاسات (¬12).
والنوع الثاني ما (¬13) ينقض الوضوء: الزّوالُ عن حالة التّحفُّظ، وذلك كالنّوم، والإغماء، والجنون، والسكر، والموت (¬14).
والنوم على أربعةِ أَضْرُبٍ:
1) نومُ المضطجع، فينقض الوضوء في قولهم جميعًا.
¬
(¬1) وفي ب ود: عن
(¬2) ساقطة من ب، د.
(¬3) ساقطة من ب، د.
(¬4) وفي أ، ب: ترك.
(¬5) أي: لا بالعصر، يشير إلى أن المخرَج غير ناقض عنده؛ لأنه ليس بخارج كما ذهب إليه صاحب الهداية والظهيرية، وذهب صاحب التتمة والخلاصة، وغنية المتملي ج1، ص290، والسرخسي، وصاحب الكافي إلى أن المخرَج كالخارج قياسًا على الفصد فيكون حدث عمدٍ. كذا في خليج البحارج1، ص181.
(¬6) ثبت في ب.
(¬7) الدم السائل من الجرح إذا لم يتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير طاهر في الأظهر، وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وبه أخذ الكرخي، وكذا كلّ ما لا ينقض الوضوء من القيء وغيره خلا دم الاستحاضة، وبه كان يفتي أبو عبد القلانسي، ومحمد بن سلمة، وأبو نصر، وأبو القاسم، وأبو الليث، وعن محمد بن الحسن - رضي الله عنه - أنه نجس، وبه كان يفتي أبو بكر الإسكاف، وأبو جعفر، وعلى الأول، لو امتلأت الثوب منه لا يمنع جواز الصّلاة كما يكون لأصحاب القروح يصيب ثيابهم مرة بعد مرة من غير تجاوز لمكان العذر ولا يمنع وإن كثر، وحكي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - وعليه الفتوى. وكذا في البناية ج1، ص172، كما اختاره المصنف ههنا.
(¬8) وفي د: النقطة.
(¬9) ساقطة من ب ود.
(¬10) ثابتة في ب، وفي أ، د: فيه.
(¬11) وفي ب: الأذن.
(¬12) وفي ب: النجاسات.
(¬13) وفي ب ود: مما
(¬14) وإنما سمى هذه الأشياء ناقضًا للوضوء؛ لأن الحدث في الحقيقة: هو خروج خارج من أحد السبيلين لكنه خفيٌّ، وهذه الأشياء سبب لاسترخاء المفاصل، فلا يعرى عن خروجِ شيءٍ عادةً، والثابت عادة كالمتيقن به احتياطاً في باب العبادة، فأوردنا الحكم عليها تيسيرًا. كذا في التوضيح شرح المقدمة الفقهية ص104.
الجزء 1 · صفحة 54
2) ونومٌ على حالةٍ من أحوال الصّلاة وهي أربع (¬1): القيام، والركوع، والسجود، والجلوس (¬2) فلا ينقضه، وقال الشافعي س: ينقضه إلا في الجلوس خاصة (¬3).
3) ونوم الجالس المستند إلى شيء لو أزيل عنه لسَقَطَ، فلا ينقضه في الصّحيح من الروايتين عن أبي حنيفة س (¬4)، وروى الطحاوي (¬5): أنّه ينقضه (¬6).
4) ونوم الجالس إذا سقط منه على الأرض عضوٌ فانْتَبَهَ لسقوطه انتقض وضوءَهُ (¬7) [عند أبي يوسف س] (¬8) وقال محمد س: لاينتقض.
والنوع الثالث: مما ينقض الوضوء، الملامسة الفاحشة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - استحسانًا (¬9)، وقال محمد - رضي الله عنه - (¬10): لا ينقضه حتى يخرج منه بلّة، والملامسة الفاحشة هي التي جمعت فيها أربعة أشياء:
1. أن يكون اللمس في قُبُل (¬11) امرأةٍ.
2. ولا حائل بينهما.
3. وينتشر لها.
¬
(¬1) وفي ب: أربعة.
(¬2) وفي أ: الجلسة.
(¬3) ينظر: المهذب ص1، ج50، الوسيط في المذهب ج1، ص315.
(¬4) ذكر خلف بن أيوب عن أبي يوسف - رضي الله عنهما - قال: سألتُ أبا حنيفة - رضي الله عنه - عمن استند إلى سارية، أو رَحْلٍ فنام، لولا السارية، أو الرَّحْل لم يستمسك، قال: إذا كانت أليتيه مستوثقة من الأرض فلا وضوء عليه. وجعل صاحب الكافي ظاهر المذهب. كذا في غنية المتملي ج1، ص301، والكفاية الشرح الهداية ج1، ص13، وصحّحه المؤلف هنا، والزيلعي في التبيين ج1، ص10، وفي نهاية المراد ص169: لا ينقض في ظاهر المذهب، وقال ابن نجيم في البحر ج1، 87: لا ينقض في ظاهر المذهب عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الأرض، كما في الخلاصة، وبه أخذ عامة المشايخ وهو الاصح، وإن كان مختار القدوري النقضَ. وقال السرخسي في المبسوط ج1، ص79: والمروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا ينقض وضوءه على كل حالٍ؛ لأن مقعده مستقرّ على الأرض، فيأمن خروجُ شيءٍ منه. وكذا في النهاية شرح الهداية ج1، ص187، وقال الزيلعي في التبيين ج1، ص10: إن كانت مقعدته زائلة عن الأرض نقض بالإجماع.
الخوارزمي، جلال الدين بن شمس الدين الكرلاني، (1904م) الكفاية شرح الهداية، بدون طبعة، دار معارف ــ قازان.
(¬5) هو أحمد بن محمد بن سلامة المصري الطحاوي، أبو جعفر، إمام جليل القدر، مشهور في الآفاق، ذكره الجميل مملوء في بطون الأوراق، وكان ثقة ثبتا، عالما بجميع مذاهب الفقهاء، وكان أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم، وله: "المختصر" و"أحكام القرآن" و"شرح الجامع الكبير" و"شرح الجامع الصغير" و"معاني الآثار" و"مشكل الآثار" و"الشروط الكبير" و"الشروط الصغير" و"الشروط الأوسط" و "تاريخ كبير" ووغيرها من الكتب، (ت: 321 هـ). ينظر: كتائب أعلام، ج2، ص23ــ 26، الجواهر المضية ج1، ص102، طبقات الحنفية ص171 ــ 173.
(¬6) ذكر الطحاوي - رحمه الله - في مختصره ص65: فيمن نام مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط: أن عليه الوضوء؛ لأنه بلغ إلى غاية الاسترخاء، ولم يسقط للسند، فصار كالمضطجع، وكذا في شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص113، واختاره صاحب الهداية ج1، ص302، والحاوي ج1، ص108، والقدوري ص10، وملتقى الأبحر مع شرح خليج البحار ج1، ص193، وغنية المتملي ج1، ص300.
(¬7) إن نام قاعدا فسقط روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض وضوءه؛ لأنه لم يوجد شيء من النوم مضطجعًا، وهو الحدث، بخلاف ما إذا انتبه بعد السقوط؛ لأنه وُجد شيء من النوم حالة الاضطجاع. كذا في النهاية ج1، ص188.
(¬8) ثبت في ب.
(¬9) وجه الاستحسان: أن المباشرة الفاحشة لا تخلو عن خروج مذي غالباً وهو كالمتحقق ولا عبرة بالنادر. كذا في التبيين ج1، ص12.
(¬10) قيل الفتوى على قوله. كذا في هدية الصعلوك ص17.
(¬11) ساقطة من ب، د.
الجزء 1 · صفحة 55
4. ويلاقي الفرج الفرج، وإذا انتقص (¬1) من تلك الشرائط فليست بفاحشةٍ (¬2).
والنوع الرابع: إذا قهقه (¬3) في صلاةٍ فيها [الرُّكوع والسّجود] (¬4) بَطَلَ وضوءه وصلاته (¬5)، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يبطل (¬6)، والله أعلم.
باب الغُسْل
الغُسلُ (¬7) في الشَّريعة ضَربان:
واجِبٌ.
ومُستحبٌّ.
¬
(¬1) في ب، د: انتقض.
(¬2) كذا ذكره في التبيين ج1، ص12.
(¬3) القهقهة: ما يكون مسموعًا له ولجيرانه بَدَتْ أسنانُه أوْلا.
والضحك: ما يكون مسموعًا له دون جيرانه، وهو مبطلٌ للصّلاة دون الوضوء.
والتبسّم: ما لا صوت فيه، ولا تأثير له في واحد منهما. ينظر: التبيين ج1، ص11.
والقهقهة بشرطٍ أن تقع من المصلّي حال كونه بالغًا يقظانًا متوضئًا في كلّ صلاةٍ ذات ركوع وسجود، فالقهقهة في غير هذه القيود الأربعة لا تنقض الوضوء. كذا في هدية الصعلوك ص17، واختلفوا هل تنقض الوضوءَ الذي في ضمن الغُسل؟ فعلى عامة المشايخ لا تنقض، وصحّح المتأخرون كقاضي خان النقضَ عقوبةً له، مع اتفاقهم على بطلان صلاته. كذا في نهاية المراد ص175.
(¬4) وفي ب ود: ركوع وسجود.
(¬5) ساقطة من د.
(¬6) ينظر: البيان ج1، ص195، مختصر المزني ج8، ص96.
المزني، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، (1410هـ) مختصر المزني، دار المعرفة ــ بيروت.
(¬7) الغَسل بفتح الغين: إزالة الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه، والغُسل بالضم: اسمٌ من الاغتسال، وهو تمام غَسل الجسد، واسمٌ للماء الذي يُغتسل به أيضا. والغِسل بالكسر: ما يُغسل به الرأسُ من خطميٍّ ونحوه. كذا في المغرب ج2، ص103، ولسان العرب ج11ـ ص494، والقاموس المحيط ج1، ص1038. واصطلاحا: هو إسالة الماء على جميع البدن. المبسوط ج1، ص45، ورد المحتار ج1، ص311، والبدائع ج1، ص34.
الجزء 1 · صفحة 56
فالواجبُ منه لا يَجب ابتداءً وإنّما يَجبُ ذلك (¬1) لأمرٍ، وذلك الأمرُ أَحد ثمانية أشياءَ. الأربعةُ الّتي تَجبُ لها الوُضُوءُ: وهي الصّلاةُ، وسَجَدةُ التِّلاوة، ومَسُّ المُصحف، والطَّواف بالبيت (¬2).
والأَئربعةُ الآخر: دُخُولُ المسجد، وقِراءةُ القرآن، جَوازُ المسح على الخُفَّين، واستِباحَةُ وطء امرأته التي طَهُرَتْ من حَيْضها لأَقلَّ من عشرة أيامٍ، وكَرِهُوا مع ذلك أَذانُ الجُنب وخُطبتُهُ حتى يَغتسل، وعن محمد - رضي الله عنه - أنه كَرِهَ قِرأةَ "اللَّهُمَّ إنَّا نستعينكَ" في حال الجَنابَة؛ [لاحتمالِ أنّه قُرآنٌ] (¬3).
والغُسل الواجب أربعٌ: غسل الجُنُب، والحائض، والنُّفَساء، وغُسْل (¬4) الميّت.
والمستحبُّ أربعٌ: غُسل الجُمُعة، والعِيدين، والإِحرام (¬5)، والكافِرُ إذا أَسْلَمَ (¬6).
والجَنابةُ (¬7) إنما تَكونُ بأَحد أمرين: إنزالٌ من غير إيلاجٍ، أو إِيلاجٌ من غير إنزالٍ فإذا اجْتَمَعا تَعَلَّقَ الغُسل (¬8) بالأوَّل منهما، فأمّا الإنزالُ فإنّما يُوجب الغُسْلَ إذا كان على وَجْه الدَّفَق والشَّهْوة، وعند الشافعي - رضي الله عنه -: يجب بخُروج المَنِيِّ فقط (¬9).
وإن خَرَجَ على وَجْهِ الأَلَمِ مثل: أن يَسقط من السَّطْح فيَنكسر صُلْبَه فيَخرج منه المَنِيُّ [لا يجب عليه الغُسْل عند أبي حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم -] (¬10) (¬11)، واختلف أَصْحابُنا في وَقْتِ اعتبار الشَّهْوَة، فاعتبرَ أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - وَقْتَ زَواله عن مَوضعه، واعتبَرَ أبو يوسف - رضي الله عنه - وَقْت خُروجه (¬12).
¬
(¬1) وثابتة في ب.
(¬2) سقط من د.
(¬3) ثابتة في ب.
(¬4) ساقطة من ب ود.
(¬5) جعل المصنف - رحمه الله - غسل الجمعة والعيدين والإحرام مستحبًّا، ولكن مشى أكثر أصحاب المتون والشروح على سنّيّتها، مثل خزانة الفقه ص38، وزاد السّرخسي على هذا الاغتسال يوم عرفة. كما في المبسوط ج1، ص90. وقال صاحب خلاصة الدلائل ج1، ص193: لأنها أوقاتُ اجتماعٍ وازدحامٍ، فسَنَّ فيها الاغتسال؛ كيلا يتأَذَّى البعض برائحة البعض، وكذلك في الإحرام؛ لأنه يبقى أيّاماً محرماً.
الرازي، حسام الدين علي بن أحمد بن مكي، (1437هـ)، خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري، (تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج)، ط1، دار الفتح ــ عمان ــ الأردن.
(¬6) يستحب له أن يغتسل، وهذا إذا لم يكن جنبًا، فإن أجنب ولم يغتسل حتى أسلم فقد قال بعض مشايخنا: لا يلزمه الغُسل؛ لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع، والأصحّ أنه يلزمه؛ لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء به. كذا في المبسوط ج1، ص90.
(¬7) الجنابة تثبتْ بأمورٍ بعضُها مجمعٌ عليه، وبعضُها مختلَفٌ فيه، أما المجمع عليه نوعان: الأوّل: خروج المني عن شهوةٍ دَفَقًا من غير إيلاج بأي سببٍ حَصَلَ الخروج كاللمس والنظر والاحتلام حتى يجب الغسل بالإجماع.
والثاني: إيلاج الفرج في الفرج في السبيل المعتاد سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأن إدخال الفرج في الفرج المعتاد من الإنسان سبب لنزول المني عادةً، فيقام مقامه احتياطًا. كذا في البدائع ج1، ص36، سيبين المصنف - رحمه الله - فيما يأتي.
(¬8) ثابتة في د.
(¬9) ينظر: المهذب ج1، ص61، حلية العلماء ج1، ص170.
(¬10) ساقطة من ب، د.
(¬11) أي هذه الجنابة التي مختلف فيه، فعندنا لا يوجب الغُسل. كذا في البدائع ج1، ص37.
(¬12) أي المعتبر عنده هو الانفصال مع الخروج عن شهوةٍ. كذا في البدائع ج1، 37، وقال صاحب المستصفى ج1، ص169: نعمل بقول أبي يوسف - رضي الله عنه - إذا كان في بيت إنسان فاحتلم مثلاً ويستحيي من أهل البيت، أو خاف أن يقع في قلبهم ريبة بأن طاف حول أهل بيته.
الجزء 1 · صفحة 57
ويَتَبَيَّنُ اختلافُهم في مسألتين، إحديهما: رَجُلٌ جامَعَ فأَنْزلَ، ثم اغتَسَلَ، ثم خَرَج منه مَنِيٌّ قَبل البَوْل فعندهما: يَغتسل ثانيًا، وعنده: لا يَغتسلُ.
والثانية: رَجلٌ احْتَلمَ، واستيقظَ قَبْل أن يَنزلَ فأَمْسَكَ ذَكَرَه حتى فَتَرَتْ شَهْوَتَه، ثم خرَج المنيُّ على غير وَجْه الدَّفَق والشَّهْوَةِ، فعندهما: يَغتسلُ، وعنده: لا يَغتسلُ (¬1).
ولا فَرْقَ بين أن يكون الإنزالُ عن مُباشرةٍ، أو عن غير مُباشرَةٍ كالنَّظَر، والفِّكْر، والاحتلام، وإن لم يَذْكُر سَبَبَ الاحتلام بأن يَجدَ على فِراشه مَنِيًّا (¬2)
ولا يذكر سببَ ذلك، فإنه يَغتسلُ عندهما (¬3)، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه - لا يَغتسلُ حتى يَذْكثر السَّبب، وإنزال المَرْأة يُوجب الغُسْلَ كإنزال الرَّجُلِ.
فأما الإيلاجُ فيُعْتَبَر فيه أرْبَعُ (¬4) شَرائِطَ:
أحدُها: أن يكون [في آدَمِيٍّ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ] (¬5) ذَكَرٌ أو أنثى، فإن كان في بَهِيمةٍ لم يَغتسل حتى يَنزل، وقال الشافعي - رضي الله عنه - يَجبُ الغُّسْل بالإيلاج وإن لم يَنزل (¬6).
وثانيها: أن [يكونَ مُكَلَّفًا] (¬7)، فإن كانا أو (¬8) أحدُهما غيرَ مُكلّفٍ كالصَّغير والمَجْنون فلا غُسْلَ عليه.
وثالثها: توارى الحَشَفَةُ إلى موضع خِتانه (¬9).
ورابها: التقاءُ الخِتانين من غير حائلٍ (¬10) بينهما من ثَوْب أو غيره، فإن توارَتِ الحَشَفَةُ وهناك حائلٌ لم يَجب الغسْلَ، وإذا التقا الخِتانان من غير تَوارى الحَشَفَة بأن يُجامعَها فيما دون
¬
(¬1) وجه قول أبي يوسف - رضي الله عنه - أن جانب الانفصال يوجب الغسل، وجانب الخروج ينفيه، فلا يوجب بالشك، ولهما: أنه إذا احتمل الوجوب والعدم فالقول بالوجوب أولى احتياطا. كذا في البدائع ج1، ص37، والهداية ج1، ص311.
(¬2) قال صاحب غنية المتملي ج1، ص111: ومن استيقظ من منامه فوجدَ على فِراشه أو ثوبه أو فخذه بللاً، وهو يتذكر الاحتلام، فإن المسألة على ستَّة أوجهٍ:
إن تيقن أنه منيٌّ، أو مذِيٌّ، أو شكّ فيه، فعليه الغسل في الحالات الثلاث إجماعاً؛ لأنّ الاحتلام سببُ خروج المنيِّ فيُحمل عليه وإن تيقن أنه مذيٌ؛ لأن المني يرق بالهواء، وبحرارة البدن، فيصير كالمذي.
وأمّا إذا لم يتذكر الاحتلام، وتيقن أنه مَنيٌّ أو شكَّ هل هو منيٌّ أو مذيٌ؟ يجب عليه الغسل في هاتين الحالتين أيضًا إجماعاً للاحتياط، وإن تيقّن أنه مذيٌ فلا غسلَ عليه عند أبي يوسف - رضي الله عنه - إذ لم يتذكر الاحتلام، وبه أخذ خلف بن أيوب، وأبو الليث وهو أقيس، وعندهما يجب، وأن الفتوى على قولهما. وينظر: الاختيار ج1، ص60، والبدائع ج1، ص37.
(¬3) ساقطة من ب، د.
(¬4) وفي ب: أربعة.
(¬5) وفي د: في قبل آدمي أو دبره.
(¬6) ينظر: المجموع ج2، ص136، البيان ج1، ص232.
الرملي،
(¬7) وفي د: أن يكونا مكلفين.
(¬8) ثابتة من ب، د. وساقطة من أ.
(¬9) أي غابت الحشفة، والحشفة رأس الذكر، وإنما ذكر هذا سَدًّا لباب المجاز لئلاَّ يتوهم متوهمٌ أن المراد مماسَّةُ الفرجين. كذا في المستصفى ج1، ص171.
(¬10) وفي ب: فاصل.
الجزء 1 · صفحة 58
الفَرْج فيَمَسّ (¬1) موضع خِتان الرَّجُل موضعَ خِتانها فلا يَجب الغُسْل به، والمولَج فيه يَغْتَسِلُ إذا كان مُكَلَّفًا كالمُولِج.
فأمّا المنزَل فيه فلا غُسل عليه مثل: أن يُجامعها فيما دون الَفْرج، فسَبَقَ الماءُ إلى فْرْجها، فأمّا ما قال محمدٌ - رضي الله عنه -: في البِكْر إذا جُومعِتْ [فيما دون] (¬2) الفرج، فسَبَقَ ماءُ الرَّجُل إلى فَرجها، فحَبَلَتْ، أنّها تَغتسل فليس ذلك من قبل الحَبْل، بل لأنَّ المرأة لا تحبل حتى تَنزل، وإنزالُها يوجِبُ الغُسْل (¬3).
وفرض الغُسل أن يُزيلَ ما به من الأَذَى (¬4)، ويَتَمَضْمَضَ، ويَسْتَنْشِقَ، ويَغسلَ أُذنيه، ثم يُفيض الماءَ على رأسه، وسائر جَسَدِه ثلاثاً حتى [يَعلمَ أن الماءَ قد (¬5) وَصَل] إلى المَغابِن (¬6)، وأصولِ الشَّعر، ولا تَنْقُض المَرأةُ ضَفيرَتَها (¬7)، فإن عَلِمَتْ أنه بَقِيَ من شَعْرِها موضعٌ لم يبتلّ بَلَّتْهُ، وإذا كان بين أَسْنانه طَعامٌ فلم يَصل إليه ماءُ المضمضة أجزأَه؛ لأنّه (¬8) بمنزلة الوَسَخِ الّذي يكون بين الأَظفار؛ لأن ذلك قَلِيلٌ مُعتادٌ يَشُقُّ التَّحَرُّز (¬9) عنه.
فأما الطِّينُ الذي يَحصلُ بين أظافير الطَّيَّان (¬10)، والمَرأةُ إذا عَجِنَتْ فغير مَعْفُوٍّ عنه؛ لأنه كثيرٌ ونادرٌ لا يَشُقُّ التَّحرز عنه (¬11)، وعلى الجُنُب إيصالُ الماء إلى داخل سُرَّتِهِ، وليس على الأَقْلُف غَسلُ داخلَ قُلْفَته (¬12).
¬
(¬1) وفي ب: فيحس
(¬2) وفي ب ود: وراء الفرج.
(¬3) ينظر في شرح مختصر الكرخي ج1، ص122.
(¬4) إزالة النجاسة عن بدنه إن وجدت هذا من سنة الغسل. كذا في المنية ص47، والقدوري ص10، والوقاية ص40، والكنز ص140، والمختار ص89، والمستصفى ج1، ص163، وغبرها من كتب المذهب، وسيصرح المصنف - رحمه الله - على سنيتها بعد الأسطر.
(¬5) وساقطة في د.
(¬6) المغابن: الأرفاع، وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب، جمع مَغْبِن. كذا في لسان العرب ج13، ص310، وتاج العروس ج35، ص470.
الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني الواسطي الحنفي، بدون تاريخ، تاج العروس من جواهر القاموس، وتحقيق: مجموعة من الأفاضل، بدون طبعة، دار الفكر الهداية.
(¬7) أي: ليس على المرأةِ أن تنقضَ ضفائرَها في الغُسْل إذا بَلَغَ الماء أصول الشعر. كذا في مختصر القدوري ص10، قال صاحب المحيط البرهاني ج1، ص222: وهذا إذا بلغ الماء أصول شعرها وأثنائها، فإنه جائز بلا خلاف، وأمّا إذا بلَغ الماء أصول شعرها، ولكن لم يدخل شعب عِقاصِها، فقد اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: لا يجزئها، وقال بعضهم: يجزئها، لأنّها إذا نقضت شعرها احتاجت إلى الضفر ثانيًا وثالثًا فيلحقها بذلك حرج، وربما يتناثر ذلك شعرها، وفيه الفساد، وهو اختيار القدور، وصححه في الينابيع ج1، ص67،، وفي التبيين ج1، ص15، وهو الأصح، وفي الهداية ج1، ص309:: ليس عليها بَلُّ ذوائبها هو الصحيح، وكذا في التحفةج1، ص81، وقال في البدائع ج1، ص34: وهو اختيار أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، وهو الأصح.
(¬8) وفي ب: وهو.
(¬9) وفي ب ود: الاحتراز.
(¬10) لأن الماء ينفذ وكذا الصبغ والحناء. كما في مجمع الأنهر ج1، ص44.
(¬11) ولا فرق بين الرجل والمرأة؛ لأن في العجين لُزُوجةٌ وصلابة تمنع نفوذ الماء، وقال بعضهم: يجوز الغُسل؛ لأنه لا يمنع، والأول الأظهر. كذا في غنية المتملي ج1، ص125، ومجمع الأنهر ج1، ص44.
(¬12) اختلف في وجوب غسل داخل القلفة: فقال الكردري: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ، وصححه الزيلعي في التبيين ج1، ص14، قال في منية المصلي ص44: وهو الأصح، وكذا في مجمع الأنهر ج1، ص44.
وقال صاحب المحيط ج1، ص224: الأقلف إذا اغتسل من الجنابة، ولم يدخل الماء داخل الجلدة جاز؛ لانها خلقة، ومشى عليه المصنف، وكذا في الخانية ج1، ص24، وفي الفتح ج1، ص50: وهو الأصح للحرج لا لخلقة، وفي البحر ج1، ص114، وهو الصحيح المعتمد، وفي الظهيرية إنما علله بالحرج لا بالخلقة وهو المعتمد. كذا في رد المحتار ج1، ص314.
الجزء 1 · صفحة 59
وأما صِفَةَ الغُسْل المَسنون فهو: أن يَنْوِيَ الغُسْلَ، ويَبدأَ فيَغسل يديه قَبل إدخالهما في الإناء، و يُسمّي، ثم يَفرُغُ الماء بَيمينه على يَساره، فيَغسل فَرجَه، والمواضع التي عليها نَجَاسَةٌ.
ثم يَدْلُكَ يَديه (¬1) على الحائط أو على الأرض، ثم يغسلَهما، ثم يَتَوَضَّأَ وضوؤُه للصّلاة إلّا رِجْلَيه، ثم يُفيضَ الماء على رأسه، وسائر (¬2) بَدَنِه ثلاثًا، ثم يَتَنَحَّى عن ذلك المَكان فيَغسلَ قَدميه.
باب الأسآر (¬3)
والآسارُ على أربعة أضْرُبٍ (¬4):
1) طاهرٌ غيرُ مَكْرُوهٍ، وذلك نوعان:
- سُؤْرُ بَنِي آدم مُسلمِهم وكافرِهم، وجُنُبِهم وحائضِهم.
¬
(¬1) وفي ب، د: يده
(¬2) ساقطة من ب.
(¬3) وهي جمع سؤرٍ بالهمزة، وهي مطلق البقية من الشيء لغةً، وبقية الشراب الذي يبقيه الشارب عرفاً، وقد يطلق على بقية الطعام في العرف أيضا. كذا في غنية المتملي ج1، ص357.
(¬4) وهكذا قسّمه الجصاص في شرح مختصر الطحاوي ج1، ص282، والقدوري في شرح مختصر الكرخي ج1، ص163، والسرخسي في المبسوط ج1، ص47ـ50، والسمرقندي في التحفة ج1، ص108، والكاساني في البدائع ج1، ص63،
الجصاص، أحمد بن علي، أبو بكر، (1442هـ)، شرح مختصر الطحاوي، (تحقيق: سائد بكداش)، ط1، دار السلام، القاهرة - مصر
الجزء 1 · صفحة 60
- وسؤرُ كلِّ حيوانٍ مأكولِ اللَّحْم (¬1) إلّا الدَّجاج المُخَلّاة (¬2)، [والبقرة الجَلَّالة] (¬3) (¬4) فسُؤْرُها (¬5) طاهرٌ مكروهٌ.
2) وطاهرٌ مكروهٌ، وذلك أربعةُ أَنْواعٍ:
- سؤرُ الهِرَّة (¬6) في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسفس لا يكره (¬7).
- والدَّجاج المُخَلاّة.
- وسِباعُ الطَّيْر (¬8).
- وحَشَراتُ الأرض (¬9) كالفأرَة والقُنْفُذِ، والحَيَّةِ، والوَزَغَةِ، ونحوها (¬10).
¬
(¬1) لأنّ لعابَهُ متولّدٌ من لحمٍ طاهرٍ، فيكون طاهرًا مثله. كذا في التبيين ج1، ص31، والمبسوط ج1، ص47، وغنية المتملي ج1، ص357، والهداية ج1، ص340.
(¬2) لأنّها تُفتِّشُ الجِيفَ والأَقْذارَ، فمنقارُها لا يخلو عن النّجاسة، ولكن مع هذا لو توضّأّ به جاز؛ لأنّه على يقينٍ من طهارة منقارها، وفي شكٍّ من النّجاسة، والشّكُّ لا يعارض اليقينَ، فإن كان الدجاجةُ محبوسةً فسؤرُها طاهرٌ؛ لأنّ منقارها عظمٌ جافٍ ليس بنجسٍ؛ ولأنّ عينها طاهرٌ مأكولٌ. وصفة المحبوسة: أن لا يصل منقارها إلى تحت قدميها، فإنّه إذا كان يصل ربّما تُفتّشُ ما يكون منها، فهي والمخلاة سواءٌ. كذا في المبسوط ج1، ص48.
(¬3) ثابتة من ب.
(¬4) الجَلَّالةُ هي: الّتي تتبع النجاسات، كذا في شرح تحفة الملوك لابن ملك ج1، ص210، وفي هدية الصعلوك ص10: هي الّتي أكثر عَلَفِها أو أَكْلها من القذرة، وأمّا إن كان أكثر علفها طاهرًا فليس بجلّالةٍ، ولم يكن سؤرها مكروها إلا حِين أكلها. وفي نفحات السلوك ص20: الجلّالةُ المكروهةُ هي التي إذا قَربت وجدت منها رائحة فلا تؤكل ولا يشرب لبنها، وأما التي تخلط بأن تَناول النّجاسة والجيف، وتناول غيرها على وجهٍ لا يظهر أثر ذلك في لحمها فلا بأس به.
(¬5) ساقطة من د، ب.
(¬6) قال شمس الأئمة السرخسي في المبسوط ج1، ص51: وفي الجامع الصغير هو مكروه، وهو قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -. ومثله شرح مختصر الكرخي ج1، ص165: وإن توضأ بغيره أحب إلي، ذُكر ذلك في الأصل والآثار.
سبب كراهة سؤر الهرة:
قال الطحاوي: أن الهرة نجاسة لنجاسة لحمها، لكن سقطت نجاسة سؤرها لضرورة الطواف، فبقيت الكراهة لإمكان التحرز في الجملة. كذا في البدائع ج1، ص65، وقال في المبسوط ج1، ص51، والنهاية شرح الهداية ج1، ص301: هذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب.
قال الكرخي: ولأنها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن تكون فيها نجاسة، فيكره الوضوء بفضلها، من يكره الماء الذي أدخل فيه الصبي يده، أو كيد المستيقظ. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص166، والبدائع ج1، ص65، وهذا يدل على أن الكراهة كراهة تنزيه هو الأصح. كذا في النهاية ج1، ص302، وقال القدوري في شرح مختصر الكرخي ج1، ص167: هو الصحيح، وفي المبسوط ج1، ص51 وهو الأصح.
(¬7) قال الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي ج1، ص96: روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه قال: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن سؤرة الهرة فكرهاه، وأما أنا فلا أرى به بأساً. وقال أبو يوسف - رضي الله عنه - في الأمالي: إنه لا يكره للأثر، وهو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يصغي الإناء للهرة، ثم يشرب منه، وقال: "إنما الهرة ليست بنجسة، وإنها من الطَّوَّافين والطَّوَّافات عليكم" اهـ. أخرجه أبو داود في سننه ج1، ص19، والترمذي في السنن ج1، ص151، وقال: هذا حديث حسن صحيح. كذا
السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي، أبو داود. سنن أبي داود، (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد)، المكتبة العصرية، صيدا ـــ بيروت. الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، (1998هـ) الجامع الكبير، (تحقيق: بشار عواد معروف)، دار الغرب الإسلامي ــ بيروت.
(¬8) ذكر التمرتاشي: سباع الطير تَشْرَبُ بمنقارها، وهو عظمٌ جافّ طاهرٌ، ولكن تناولها الجيفَ غالبٌ، فأورث الكراهة، فإن توضأ به عند عدم الماء المطلق جاز من غير كراهة. كذا في النّهاية شرح الهداية ج1، ص304، في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص96: وأما إذا كان محبوسًا فسؤرها طاهرٌ غيرُ مكروهٍ؛ لأنه أمن عن أكل الميتة.
(¬9) أي: سواكن البيوت.
(¬10) والقياس أن يكون سورها نجسا لنجاسة لحمها، ولكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة الطواف، فبقيت كراهتها كراهة تنزيه في الأصح. كذا في مجمع الأنهر ج1، ص71.
الجزء 1 · صفحة 61
3) ونجسٌ مقطوعٌ بنجاسته وهي أربعةُ أنواعٍ:
- سُؤْرُ الكَلب.
- والخنزير.
- وسِباع البهائم.
- والفيل، وعند الشافعي س أنّ سؤْر الفِيل وسباعِ البهائم طاهرٌ (¬1).
4) ومَشْكُوكٌ فيه (¬2): وهو: سؤر الحِمار والبَغْل، فأمّا سؤر الفَرَسِ فقال في «الأصل» لا بأس به (¬3) (¬4)، وهو قول أبي يوسف ومحمد ب، وروى الحسن عن أبي حنيفة بأنّه مكروهٌ، وهو قول زفر س.
¬
(¬1) ينظر: المجموع شرح المهذب ج1، ص171 ــ 172.
(¬2) قال فخر الإسلام البزدوي: إنما سميناه مشكلا لتعارض الأخبار والآثار في إباحة لحمها وحرمته فإنه روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: حرَّم لحوم الحمر الأهلية. صحيح البخاري ج4، ص96، وروي في حديث غالب بن أَبْجَرَ أنه أباحها. سنن أبي داود ج3، ص356، واختلاف الصحابة فيه ظاهر. كذا في شرح النافع ج1، ص208.
وقال السغناقي - رحمه الله -: الأصح في التمسك بدليل الشك هو التردد في الضرورة، وذلك لأن الحمار يربط في الدور والأفنية، فيشرب من الأواني، وللضرورة والبلوى أثرٌ في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة إلا أن الضرورة في الحمار متقاعدة عن الضرورة في الهرة والفأرة؛ لأنها تدخل مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلاً كما في سؤر الكلب وسائر السباع لوجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال، ولو كانت الضرورة مثل ضرورة الهرة، لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهراً فثبتت الضرورة من وجهٍ، ولم يثبت من وجه، فقد استوى ما ويوجب الطهارة والنجاسة فتساقطا للتعارض، فوجب المصير إلى ما كان ثابتاً قبل التعارض.
والثابت قبله شيئان: الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب، فإن اللعاب تولد من اللحم، ولحمه نجس، فكان اللعاب نجساً، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبقي الأمر مشكلاً، نجس من وجه، طاهر من وجه، فكان إشكال سؤرها عند علمائنا بهذا الطريق، لا لإشكال لحمه، ولا لاختلاف للصحابة في سؤره. كذا النهاية شرح الهداية ج1، ص309.
ثم الشك هل في طهارته، أو في طهوريته، ففيه قولان:
القول الأول: الشك في طهارته، لأنه لو كان طاهرا: لكان طَهورًا، ما لم يغلب اللعاب على الماء. ينظر: الهداية ج1، ص344.
والقول الثاني: الشك في طهوريته: أي: لكونه مطهرا لغيره، وصححه المرغيناني في الهداية ج1، ص344، وقاضي خان في الفتاوى ج1، ص14، وتحفة الملوك ص21، وفي المحيط ج1، ص289: هو الأصح، وكذا في شرح تحفة الملوك لابن ملك ج1، ص221، وفي المستصفى ج1، ص209: هو الصحيح من المذهب، وفي مجمع الأنهر ج1، ص71: وهو الأصح، ورد المحتار ج1، ص430.
البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، (1422هـ) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه، (تحقيق: محمد زهير بن ناصر)، ط1، دار طرق النجاة. أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق، (بدون تاريخ) سنن أبي داود، (تحقيق: محمد محيي الدين، بدون طبعة، المكتبة العصرية، صيدا ــ بيروت.
(¬3) عبارة الأصل ج1، ص49: أرأيت إن شرب من إنائه طيرٌ أو شاةٌ أو بقرةٌ أو بعيرٌ أو فرسٌ أو برذون، أو شيء مما يؤكل لحمه، هل ينبغي له أن يتوضأ بفضل ذلك الماء؟ قال: نعم، لا بأس به. وفي الهداية ج1، ص345 سؤر الفرس طاهرٌ، وقال قاضي خان في التفاوى ج1، ص14: الأظهر أنّه طاهر وطهور.
(¬4) بأس في اللغة: الشدة في الحرب. كما في لسان العرب ج6، ص20.
وفي الاصطلاح له معاني: وقد تعورف استعمال "لا بأس" في الجائز المرجوح أي: فيما تركه أولى من فعله، لكنه لا يأثم عليه، مثل قول الهداية ج1، ص527 "ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجص والساج، وماء الذهب وغير ذلك"
وقد تستعمل: في موضع كان الإتيان بالفعل الذي دخلته هي أولى من تركه.
وقد تسعمل: في فعل كان إتيان بذلك الفعل واجبًا، مثل قوله تعالى:} فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ {[النساء:101] اكتفى سبحانه تعالى بنفي الجناح عن القصر، وهو واجبٌ عند أئمتنا، وكلمة "لا جناح" معناه ومعنى "لا بأس" واحدٌ.
وقد تستعمل بمعنى: لا مرية في كونها سنة. مثل قول محمد في الجامع الصغير ص260: "لا بأس بالمصافحة"، وشرح الجامع الصغير لقاضي خان ج3، ص1303.
وقد تستعمل، "لا كمال شدة به"، و"لا خوف عليك"، "ولا حرج"، وقال الكفوي: جمهور المحققين من علمائنا على أن المعنى: لا يؤجر عليه ولا يأثم به.
والحاصل: أن البليغ لا يتعدى مقتضى المقام، فإن كان الغرض المسوق له الكلام نفي بأس، وحَرِجَ توهّمه للمخاطب في أمرٍ راجحٍ، اكتفى بنفيه عنه، وأحال معرفة رجحانه على أمرٍ خارجٍ عنه، وكون الغرض في الصور المذكورة، ذلك النفي يعرف بالتأمل. ينظر: مجموعة رسائل عالم محمد ص119، والكليات للكفوي ص970.
الشيباني، الله محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد، (2009م)، الجامع الصغير، (تحقيق ودراسة: محمد بوينوكالن)، ط1، مكتة أوجاق، إستانبول ــ تركيا. ... قاضي خان، حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني، فخر الدين، (1443هـ)، شرح الجامع الصغير، (عناية: عبد الله نذير أحمد) ط1، مكتبة إسماعيل - بريطانيا. عالم محمد، محمد بن حمزة الكوزل حصاري الآيديني، (1442هـ)، مجموعة رسائل عامل محمد ين حمزة في الفقه الحنفي، (ت: رجب حبيجي، حسن أوزأر، مصطفى آتش)، ط1، مكتبة الإرشاد، إسطنبول. الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي، أبو البقاء، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (تحقيق: عدنان درويش، ومحمد المصري)، دار الرسالة، بيروت ـ لبنان.
الجزء 1 · صفحة 62
فأمّا أَلْبانُ الأُتُنِ، فقال في «الجامع الصغير» (¬1): يُكْرَهُ لحوم الأُتُن وأَلبانُها (¬2)، وظاهرُ ذلك يُفيد النَّجاسَة كاللَّحْم (¬3)، وذَكَرَ أبو جعفر (¬4) - رحمه الله -: في تصنيفه أنه طاهرٌ، وشُرْبُه مُحَرَّمٌ مع ذلك (¬5).
¬
(¬1) كتاب "الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنهما -، وهو أحد كتب ظاهر الرواية الخمسة، وهو كتاب مبارك مشتمل على نحو ألف وخمس مئة وإثنين وثلاثين مسألة، وقد ذكر فيه الاختلاف في مئة وسبعين مسألة، وكان سبب تأليفه: أن أبا يوسف - رضي الله عنه - طلب من محمد - رضي الله عنه - بعد فراغه من تأليف "المبسوط" أن يؤلف كتابًا يجمع فيه ما حفظ عنه مما رواه له عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - فجمع هذا الكتاب، وأن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر، (ت: 189هـ). ينظر: بلوغ الأمالي ج1، ص167 ـ171، المدخل المفصل ص،549.
الكوثري، محمد زاهد رض، (1438هـ) بلوغ الأمالي في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، (تحقيق: حمزة محمد البكري)، ط1، دار الفتح ــ عمان ــ الأردن.
(¬2) انتهى من الجامع الصغير ص 258.
(¬3) قال فخر الإسلام البزدوي في شرح الجامع الصغير: لبن الأتان نجس في ظاهر الرواية. كما في غاية البيان ج1ن ص247، والمحيط ج1، ص292، ومنية المصلى ص119، وعن فخر الأئمة: الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع. كذا في النهاية شرح الهداية ج1، ص307.
الأتقاني، قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر الفارابي الحنفي، (1444هـ)، غاية البيان نادرة الزمان في آخر الأوان، (تحقيق: مركز الدراسات والبحوث بمؤسسة علم لإحياء التراث والخدمات الرقمية)، ط1، دار الضياء ــ كويت.
(¬4) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر الهِندواني، قدوة الكتيبتين، وأسوة الطبقتين، شيخ كبير، وإمام جليل القدر من أهل بلخ، وكان على جانب عظيم من الفقه والذكاء، والعلم والرأي، والزهد الورع، يقال له: أبو حنيفة الصغير لفقهه، وله: " شرح أدب القاضي" لأبي يوسف و"الفوائد الفقهية" و"كشف الغوامض في فروع الفقه"، (ت: 362هـ). ينظر: كتاب أعلام الأخيار ج1، ص90، الجواهر المضية ج2، ص68، تاج التراجم ص264، معجم المؤلفين ج10، ص244.
كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، دار إحياء التراث العربي ــ بيروت.
(¬5) وهذه رواية عن محمد - رضي الله عنه - أنّه طاهر، ولا يؤكل. كذا في المحيط ج1، ص292، وغاية البيان ج1، ص247.
الجزء 1 · صفحة 63
وأمّا عَرَقُ الحِمار فالرِّوايةُ المشهورةُ عن أصحابنا أنّه طاهرٌ (¬1)، وقال الكرخي في «مختصره» (¬2): "عَرَقُ كلّ شيءٍ معتبرٌ بلُعابه" (¬3) وهذا يُفيد الكراهة (¬4).
¬
(¬1) عن أبي حنيفة في عرق الحمار ثلاث روايات:
الرواية الأولى: هو طاهر، وهي رواية الأصل ج1، ص219، ورواية عن محمد، وذكر القدوري في شرح مختصر الكرخي ج1، ص185: أن عرق الحمار طاهر في الرواية الظاهرة، ومثله في المحيط البرهاني ج1، ص292، صحّحه السرخسي في المبسوط ج1، ص50، والمرغيناني في الهداية ج1، ص344، وجعل المصنف الرواية المشهورة عن أصحابنا.
الرواية الثانية: هو نجس نجاسة خفيفة. وقال شمس الأئمة الحلواني: أن عرق الحمار والبغل نجسٌ. كذا في المحيط ج1، ص292.
الرواية الثالثة: هو نجس نجاسة غليظة. ينظر: النهاية شرح الهداية ج1، ص307،
(¬2) كتاب "مختصر الكرخي"، للإمام الكبير، الورع البارع، عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي، أبو الحسن، هذ المختصر من المتون المعتمدة في المذهب، وهو كتاب يجمع من فروع الفقه ما لا يجمعه غيره، وقد كان أبو علي الشاشي يقول: من حفظ هذا الكتاب فهو أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو أفهم أصحابنا. اهـ. وهو كتاب مختلف الترتيب؛ لأنه ابتدأه على أن يكون كتابا صغيرا ثم زاد فيه بعد مضي العبادات، فلما تجاوز الرهن بسطه بسطا مستوفيا. (ت: 340هـ). ينظر: مقدمة شرح مختصر الكرخي ج1، ص53.
(¬3) انتهى بتصرف يسير من شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص185.
(¬4) قال القدوري في شرح مختصر الكرخي ج1، ص185: وهذا صحيح على الرواية التي نقول فيها: إن عرق الحمار غير معفو عنه، فأما على الرواية الظاهرة، فعرق الحمار طاهرٌ،
الجزء 1 · صفحة 64
باب المِياه
المياهُ سِتَّةُ أَنْواعٍ:
1. طاهرٌ مُطَهِّرٌ، وهو كلُّ ماءٍ خَلَقه الله أ من عَذبٍ أو مالحٍ جارى أو راكدٍ، نازلٍ من السماء، أو نابعٍ من الأَرْض.
2. وطاهرٌ غير مُطهِّرٍ: وهو الماءُ المُستعمَلُ (¬1)، فإنّه طاهرٌ (¬2) في الأَصحِّ الروايتين (¬3) عن أبي حنيفة س إلّا أنّه غيْرُ مطهّر للأحداث (¬4) وإن كان مُطهِّرًا للنَّجاسات، وإنّما يَصِيرُ مُستعْمَلاً بأَحد مَعْنَيَيْن:
- بِسُقوط الفَرْض بأن يكون مُحدثًا، فتَوَضَّأ به نَوَى القُرْبَة أولم يَنو.
- أو بِحُصُول القُرْبة بأن يَنْوِيَ به الوُضوء سَقَطَ به الفَرْضُ، أو لم يَسقط بأن يكون على وضوءٍ (¬5) (¬6).
وقال محمد س: لا يصير مستعملاً إلّا بحصول القُرْبة، وقال زفر (¬7) س: لايصير مستعملًا إلّا بسُقُوط الفَرْض.
¬
(¬1) الكلام في الماء المستعمل يقع في أربعة مواضع: الأول: في سببه. والثاني: في صفته. والثالث: حكمه. والرابع: في وقت ثبوت حكم الاستعمال. وبيّن المصنف الثلاثة منها، ولم يبين الرابع.
(¬2) هذا الموضع الثاني هو بيان صفته.
(¬3) الماء المستعمل لا يجوز استعماله ثانيًا بالاتفاق، وأما عينه هل هي نجسة أو لا؟ فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ثلاث روايات: في رواية: نجسٌ نجاسة غليظة أي: كالبول والدم والخمر رواه عنه الحسن - رضي الله عنه -. وفي راية: نجس نجاسة خفيفة، حتى لو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة ما لم يكن كثيراً فاحشاً، كبول ما يؤكل لحمه، وبه قال أبو يوسف - رضي الله عنه -. كذا في شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص64، والتبيين ج1، ص24.
روى محمد عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما -: أنّ الماء المستعمل طاهرٌ غير مُطهِّر للأحداث. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص142، وبه أخذ مشايخ العراق. كذا في شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص64، وفي التبيين ج1، ص24: وهو الأصح، ونقل عن صاحب الغاية: هو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر. وصححه في شرح مختصر الطحاوي للجصاص ج1، ص278، وفي النهاية ج1، ص247: وعليه الفتوى ناقلا عن المحيط، وقال ابن قطلوبغا: وهو الصحيح، وقال الصدر حسام الدين في الكبرى: عليه الفتوى، وقال فخر الإسلام في شرح الجامع: إنه ظاهر الرواية وهو المختار. كذا في التصحيح ص145. وقال في رد المحتار ج1، ص390: اختارها المحققون، قالوا عليها الفتوى.
(¬4) هذا الموضع الثالث: وهو بيان حكمه.
(¬5) هذا الموضع الأول: وهو بيان سببه. والموضع الرّابع الّذي لم يبين المصنف: هو وقت ثبوت حكم الاستعمال: قال صاحب الهداية ج1، ص327: الصحيح أنّه كما زايل عن العضو صار مستعملا؛ لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده.
وفي كنز ص141: شرَط الاستقرار بقوله: إذا استقر في مكانٍ، وقال صاحب التبيين ج1، ص25: كثير من المشايخ أنه لا يكون مستعملا حتى يستقر في مكان، سواءٌ كان ذلك الموضع أرضًا أو إناءً، أو كفّ المتوضئ. وفي رمزالحقائق ص10: والذي يصيب منديل المتوضئ أو ثيابه عفوٌ في الأقوال كلها، وأمّا على اختيار النسفي فظاهرٌ، وأما على القول الآخر فللحرج. انتهى. وهذا كله على أن الماء المستعمل نجسٌ سواء كانت خفيفة أو غليظة، فأما على الرواية أن الماء المستعمل طاهرٌ، فقد زالت الإشكال سواءٌ زال عن العضو أو استقر في الموضع، ولم يبين المصنف وقت ثبوت حكم الاستعمال؛ لاختياره أن الماء المستعمل طاهرٌ.
العيني، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، (2009م) رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق، (اعتنى به: محمد مصطفى)، ط2، دار النورية الرضوية ــ لاهور ــ باكستان.
(¬6) هذا قول أبي يوسف. كما في شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص144.
(¬7) وفي ب: محمد.
الجزء 1 · صفحة 65
فإن تَبَرَّدَ بالماء، أو غَسَلَ به ثَوبًا طاهرًا لم يَصِرْ مُستعملاً في قولهم جميعًا (¬1) (¬2).
3. ومَكْروهٌ.
4. ومَشْكوكٌ فيه، وقد بيّنّا حُكْمَهُما في باب الأسآر، ومَعْنى المَكْرُوهِ: أن يكون (¬3) غَيْره أَوْلى منه، وإن توضَّأَ به مع ذلك جاز، ومَعْنى المَشْكُوك فيه: أنّه إذا لم يجد غَيْرَهُ استعْمَلَهُ وتَيَمَّمَ مع ذلك.
5. ومَقْطُوعٌ فيه بِنَجاسَتِه وذلك ضربان:
- ضربٌ خَالَطَهُ نجاسةٌ فَغَيَّرَتْ أَحد أوصافه الثلاثة، طَعْمَهُ، أو رِيحَهُ، أو لَوْنَهُ (¬4)، فهو في حُكْم عَيْنِ النَّجاسة، يَحْرُمُ الانتفاعُ به من جَميع الوُجُوه.
- وضَرْبٌ يَنْجُسُ بما لم يَتَغَيَّر أحدُ أوصافه؛ كالماء الذي نُزِحَ من البئْر التي ماتَتْ فيها فأرَةٌ، وكَكُوزِ ماءٍ وَقَعَتْ فيه قَطْرَةُ (¬5) بولٍ (¬6)، فيَجُوزُ الانتفاعُ به في غير الأَبْدان والشُّرْبِ، كَبَلِّ الطِّين لغير المسجد، وسَقْيِ الدَّواب (¬7)، ويُكْرَهُ الانتفاعُ به للشُّرْب والأَبدان.
وضربٌ مما يَغْلِبُ في الظَّنِّ نَجاسَتَهُ من غير قَطْعٍ ولا يَقِينٍ، فاخْتَلَفَ فيه مُتأخِّرُوا أصحابنا: وقال الكرخي (¬8) - رحمه الله -: "هي [كراهة التحريم] (¬9) غَلَبَةُ الظَّنِّ في ذلك كاليَقِين، استدلالاً بقول محمدٍ - رضي الله عنه - فيمن مرَّ بِكَنِيفِ شارِعٍ فَسالَ عليه منه ماءٌ أنّه إنْ كان أَكْثَرُ ظّنِّهِ أنه قَذَرٌغَسَلَهُ، فجَعَلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ كاليَقِين.
وقَوْلُهُ (¬10) في الغَدِيرِ العَظِيم (¬11) إذا وَقَعَتْ فيه نَجاسةٌ في جانِبٍ منه أنّه إن غَلَبَ في الظَّنِّ أن النَّجاسةَ لم تَصِل إلى جانِبِ الآخر جاز استعمالُ الماء منه، وإن غَلَبَ في الظَّنِّ وُصُولَها إليه
¬
(¬1) ساقطة من ب، د.
(¬2) التبرد بالماء صار مستعملا كذا في مختصر الطحاوي ص56. ووأنكر أبو بكر الجصاص وقال: قوله في التبرد بالماء أنّه يوجب للماء حكم الاستعمال، لا أعلم مذهب أصحابنا، وقد قال أبو الحسن الكرخي: إنّه إذا كان المستعمِل له طاهرًا لم يُرد به التطهرَ: لم يكن مستعملاً. كذا في شرح مختصر الطحاوي للجصاص ج1، ص229.، وفي شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص146: ويجب أن يحمل قول الطحاوي على المُحْدِث إذا تبرد، فيصير الماء مستعملاً بزوال الحدث به.
(¬3) ثابتة من ب، د.
(¬4) وهذا إن كان الماء كثيراً كماء البحر وماء النهر الجاري فإنه ينظر: إن وُجِدَ طعْمُها أو لونها أو ريحها أوْجَبَ التنجيس، وإن لم يوجد فلا يوجب التنجيس، وأما إن كان الماء قليلاً كماء البئر وماء الأواني ينجس، سواء كان النجاسة قليلة أو كثيرةً، وجد فيه طعمها أو لونها أو ريحها أو لم يوجد. كذا في شرح مختصر الطحاوي للاسبيجابي ج1، ص71.
(¬5) في ب: نطفة.
(¬6) لأنه ماء قليل ولم يشترط تغيير ريحها أو لونها أو طعمها.
(¬7) في ب: فإنه لا يكره.
(¬8) سبقت ترجمته.
(¬9) ساقطة من ب، د.
(¬10) أي: قول القدوري في التصحيح ما قاله الكرخي.
(¬11) الفصل بين الصغير والكبير يعرف بالخلوص. كذا في المبسوط ج1، ص70. ورى نصير بن يحيى عن أبي سليمان الجوزجاني: أنه اعتبر الخلوص بالمساحة إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان أقل فهو مما يخلص، وعامة المشائخ أخذوا بقول أبي سليمان الجوزجاني. كذا في النهاية شرح الهداية ج1، ص235.
الجزء 1 · صفحة 66
لم يَجُز استعمالُه، وقالوا: في رَجُلٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ بِنَجاسة الماء أنّه لا يَتوضأُ به (¬1)، وخَبَرُهُ إنّما يُوجب غَلَبَةَ الظَّنِّ دُون اليَقِين" (¬2).
وقال أبو عبد الله الجرجاني (¬3) - رحمه الله -: إنّما يَحْرُمُ استعمالُهُ بِيَقِينِ النَّجاسة لا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ استدلالاً بقول محمد - رضي الله عنه - في «الأصل» (¬4) "في الحوض الذي يَخافُ أن يكون قَذَرًا، ولا يَسْتَيْقِنُ ذلك، فإنه يتوضَّأُ به، وليس عليه أن يسأل" (¬5). والصحيح من القولين قول الكرخي - رحمه الله -[وهو ما قال أن غلبة الظن كاليقين] (¬6) (¬7)
باب النَّجاسات
¬
(¬1) في ب: بذالك الماء.
(¬2) انتهى بتصرف كثير من شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص137 ــ141.
(¬3) هو: محمد بن يحيى بن مهدي، أبو عبد الله الجرجاني الفقيه أحد الأعلام، وهو من تلاميذ الإمام أبي بكر الرازي الجصاص، وتفقه عليه أبو الحسين القدوري، وأحمد بن محمد الناطفي، وله: "ترجيح مذهب أبي حنيفة" و"القول المنصور في زيارة سيد القبور"، (ت:398هـ) يوم الأربعاء لعشر بقين من رجب. ينظر: الجواهر المضية ج2، ص143، الأعلام ج7، ص136، معجم المؤلفين ج12، ص112.
الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد، (2002م) الأعلام، ط15، دار العلم للملايين.
(¬4) عبارة الأصل ج1، ص68: أرأيت الحوض الذي يخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقن ذلك هل يشرب منه ويتوضأ منه قبل أن يسأل عنه؟ قال: نعم، يشرب منه ويتوضأ منه، وليس عليه أن يسأل عنه ولا يدع الشرب منه ولا الوضوء حتى يستيقن أنه قذر.
(¬5) لأن الأصل في الماء الطهارة فعليه التمسك به حتى يبين له غيره، وخوفه بناء على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، وليس عليه أن يسأل عنه؛ لأن السؤال للحاجة عند عدم الدليل، وأصل الطهارة دليلٌ مطلقٌ له الاستعمال فلا حاجة إلى السؤال. كذا في المبسوط ج1، ص71.
(¬6) ساقطة من ب، د.
(¬7) وصحَّح القدوري قولَ الكرخي، وكذا المصنف. ينظر: شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص140.
الجزء 1 · صفحة 67
النَّجاسَةُ ثمانيةُ أنواعٍ:
أحدُها: ما يَخْرُجُ من السَّبيلين.
وثانِيها: ما يَخْرُجُ من الجَوْفِ من أَنواعِ القَيْءِ (¬1) وقد ذَكَرْنَاهما.
وثالِثُها: ما يَخْرُجُ من القُرُوحِ كالمِرَّة (¬2) (¬3)، والقَيْح، والصَّدِيد، والماءِ الفاسِد المُجْتَمَعِ في النَّفْطَةِ (¬4).
ورابِعُها: ما يَخْرُجُ من العُرُوق كالدَّمِ وإنَّما يَنْجُسُ من الدَّم المَسْفُوح السّائِلِ، ولذلك حكموا بطَهارة الكَبْدِ والطِّحال، وما يَبْقَى في عُرُوق اللَّحْم من الدَّم؛ لأنّه غير سائلٍ، وكذلك دَمُ البَقِّ، والقَمْل، والبَراغِيث.
واختلفوا في دَم السَّمَك: فقال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: هو طاهِرٌ؛ لأنَّ السَّمَكَ مُستثنًى من المَيْتَةِ، وهو يُؤكَلُ بِدَمِهِ (¬5) فَدَلَّ على طَهارته، وقال أبو يوسف (¬6) والشافعي (¬7) - رضي الله عنهما -: هو نَجِسٌ. فأمَّا الدَّمُ الذي يَقِفُ على رأْس الجُرْحِ ولا يَسِيلُ فإنه نَجِسٌ؛ لأنه من جِنْسِ ما يَسِيلُ وإن لم يَسِلْ (¬8).
ويَسْتَوِي في هذه الأربعة الأنواع بَنُو الآدم وغيرهم من الحيوان؛ لأن الآدَمِيَّ أَطْهَرُ من الحَيْوان فما كان منه نَجِسًا فأَوْلَى أن يكون نَجِسًا من غيره (¬9).
ولا يُسْتَثْنَى من هذه الجُمْلَةِ إلا نَوْعان من الحَيْوان:
¬
(¬1) القيءُ ملء الفم نجسٌ؛ لأنه مستحيلٌ إلى النَّتَنِ والفَساد كالغائط. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص174.
(¬2) وثابتة ب، د. وفي أ: التبرة.
(¬3) المِرَّة: إحدى الطبائع الأربع، مزاج من أمزجة البدن. ينظر: لسان العرب ج5، ص168.
(¬4) النفطة: بثر يخرج باليد من العمل ملْآن ماءً. كذا في المغرب ص 473.
(¬5) أنه أبيح أكله بدمه فصار دمه كسائر أجزائه؛ ولأنه لو كان نجساً لما جاز استباحته إلا بعد سفحه كحيوان البر، وقد قيل: إنه ليس بدم، وإنما وهو ماءٌ مُتَلَوَّنٌ، بدليل أنه يبيضُّ بالشمس، والدماء تَسْودُّ بالشمس. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص180، والبدائع ج1، ص61.
(¬6) وجه قول أبي يوسف: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك، والحراد، والكبد والطحال. أخرجه ابن ماجة في سننه ج2، ص1073، وأحمد في المسند ج10، ص15. فخص الإباحة بدمين، فلا يثبت دمٌ ثالثٌ؛ ولأنه دمٌ سائل كسائر الدماء. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص180.
ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، أبو عبد، سنن ابن ماجه (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي)، دار إحياء الكتب العربية. أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله (1421هـ)، مسند الإمام أحمد بن حنبل (تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وعادل مرشد، وآخرون بإشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي)، ط1، مؤسسة الرسالة.
(¬7) ينظر: المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية ص53، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج1، ص239.
ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر، (1420هـ) المنهاج القويم، ط1، دار الكتب العلمية. الرملي، محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة، (1303هـ) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر ــ بيروت.
(¬8) وهذا عند محمد - رضي الله عنه - نجس؛ لأنه جزء من الدم المسفوح، والدم المسفوح نجسٌ بجميع أجزاءه، وقد روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه ليس بنجس؛ لأنه ليس بمسفوح بنفسه، والنجس هو الدم المسفوح، وهو قياس ما ذكره الكرخي - رحمه الله -؛ لأنه لا يجب بخروجه الوضوء. كذا في البدائع ج1، ص61.
(¬9) ينظر: شرح مختصر الكرخي ج1، ص176، والبدائع ج1، ص61.
الجزء 1 · صفحة 68
- أحدُهما: الطُّيُور (¬1)، فإنَّ ذَرْقَها طاهِرٌ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب إلّا الدَّجاجة، وقال أبو يوسف س: في الإِوَزِّ (¬2) والبَطِّ كالدَّجاجة، وقال محمد س: ما يُؤكل لَحْمُه من الطُّيُور فَذَرْقُهُ طاهِرٌ إلّا الدَّجاجة، وما لا يُؤكل لَحْمُهُ من الطُّيُور (¬3) فذَرْقُه نَجِسٌ، وقال الشَّافعي س: الجَمِيعُ نجِسٌ (¬4).
- والثَّاني: بَوْلُ ما يُؤكَلُ لحْمُهُ من البَهائِمِ (¬5)، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف س (¬6): نَجاسَةُ بَوْلِهِ مُخَفَّفَةٌ، وقال محمد وزفر س: هو طاهِرٌ. وأمَّا رَوْثُهُ فقال أبو حنيفة س: نَجاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ (¬7)، وقالا: بل مُخَفَّفَةٌ، وقال زفر س: هو طاهِرٌ.
وخامِسُها: الحَيْواناتُ النَّجِسَةُ، وهي كُلُّ ذِي نابٍ من السِّباع كالكَلْب والخِنْزِير، والذِّئْب، والفَهْد، والنَّمِرِ، والضَّبْع، والأَسَد، والفِيل. وقال الشَافعي - رضي الله عنه -: هي كلُّها طاهِرَةٌ غيرُ الكَلْب والخِنْزِير (¬8).
وسادِسُها: المَيْتاتُ، وهي كلُّها نَجِسَةٌ. والمَيْتَةُ: كلُّ ما ماتَ حَتْفَ أَنْفِهِ يَسْتَوِي في ذلك بَنُو آدم، وسائر الحَيْوانات إلّا ما اسْتَثْناهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَوْله: "أُحِلَّت لَنَا مَيْتَتانِ ودَمانِ، وهما السَّمَكُ والجَراد، والكَبْد والطِّحال" (¬9)
¬
(¬1) الطيور نوعان: نوعٌ لا يذرق في الهواء، ونوعٌ يذرق في الهواء، فأما ما لا يذرق في الهواء كالدجاجة والبط فخرؤهما نجس، فأشبه العذرة. فأما يذرق في الهواء نوعان: نوعٌ يؤكل لحمه كالحمام العصفور والعقعق نحوها، وخرؤها طاهر عندنا؛ لإجماع الأمة فإنهم اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام، والمساجد الجامعة مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجسا لما فعلوا ذلك مع الأمر بتطهير المسجد. ونوعٌ ما لايؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة وأشباه ذلك خرؤها طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -؛ لأن الضرورة متحققة لأنها تذرق في الهواء فيعتذر صيانة الثياب والأواني عنها. وعند محمد - رضي الله عنه - نجاسة غليظة. كذا في البدائع ج1، ص62.
(¬2) وفي الإِوَزِّ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان: روى أبو يوسف عنه - رضي الله عنهما - أنه ليس بنجس، وروى الحسن عنه - رضي الله عنهما - أنه نجس. كذا في البدائع ج1، ص62.
(¬3) ثابتة من ب، د
(¬4) ينظر: نهاية المطلب ج2، ص307، المجموع ج2، ص550.
(¬5) فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه نَجِسٌ، وإنّما الاختلاف في بول ما يؤكل لحمه. كذا في البدائع ج1، ص61.
(¬6) لهما: ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "طَلَبَ منه أحجارا لاستنجاء، فأتى بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة، وقال: إنها ركس أي نجسٌ" صحيح البخاري ج1، ص46، سنن النسائي ج1، ص42. ولأن معنى النجاسة موجود فيها، وهو الاستقذار في الطباع السليمة لاستحالتها إلى نتن وخبث رائحة مع إمكان التحرز عنه فكانت نجسة. كذا في البدائع ج1، ص62.
النسائي، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني (1406هـ) السنن الصغرى، (تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة) ط2، مكتبة المطبوعات الإسلامية ــ حلب.
(¬7) قال في البدائع ج1، ص80: لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير النجاسة الغليظة والخفيفة، وذكر الكرخي: أن النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ما وَرَدَ نَصٌّ على نجاسته ولم يرد على طهارته معارضاً له وإن اختلف العلماء فيه، والخفيفة ما تعارض نصّان في طهارته ونجاسته. وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهما - الغليظة ما وقع الاتفاق على نجاسته، والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته. انتهى. فإن عرف هذا الأصل يتبين مرام المصنف فيما يلي.
(¬8) ينظر: الحاوي الكبير ج1، ص56.
الماوردي، علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، أبو الحسن (1419هـ)، الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، وهو شرح مختصر المزني (تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت ــ لبنان.
(¬9) مسند أحمد ج10، ص15، سنن ابن ماجه ج2، ص1073، السنن الكبرى للبيهقي ج1، ص384.
البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، (1424هـ) السنن الكبرى، (تحقيق: محمد عبد القادر عطا) ط3، دار الكتب العلمية، بيروت ــ لبنان.
الجزء 1 · صفحة 69
أمَّا السَّمَكُ فأَلْحَقَ به أصحابُنا سائرَ حَيْوانِ [الّذي في] (¬1) الماءِ بِعِلَّةٍ أنَّه يَعِيشُ في الماء كالسَّمك، ويُؤَكِّدُه قوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: "هو الطُّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ" (¬2). وأما الجَرادُ فأَلْحَقَ به كلُّ ما لا دَمَ له سائِلٌ كالبَقِّ، والذُّباب، والزَّنابير، والعَقارِب (¬3) بِعِلَّةٍ أنئه لا دَمَ لها سائِلٌ، فلم تُنَجِّسُ الماءَ بِمَوْتها، وقال الشّافعي - رضي الله عنه -: كلُّ شيءٍ ماتَ حَتْفَ أَنْفِهِ يَنْجُسُ بالموْت غير ثلاثة أشياء: السَّمُك، والجَراد، والآدَمِيّ (¬4).
واسم المَيْتَة يَقَعُ على بِنْيَةِ الحَيْوان الذي مات حَتْفَ أَنفه على ما كان فيه حَياةٌ، فَحَلَّ فيه المَوْتُ بَدَلاً من الحَياةِ، وهي البِنْيِةُ اللَّحْمِيَّة، وذلك أربعةُ أشياء: اللَّحْمُ والإلْيَةُ، والشَّحْمُ، والجِلْدُ.
فأمّا ما لم يكن فيه حياةٌ فلم يَحُلَّ فيه المَوْتُ فحَالُهُ في الطَّهارة بعد موت الحَيوان كما قَبْلَهُ (¬5)، وذلك كالشَّعْر، والصُّوف، والوَبَر، والرِّيش، والقَرْن، والعَظْم، والخُفِّ، والظِلْف، والحافِر.
فأمّا العَصَبُ، فالصَّحيحُ من الرِّوايتين أنّه نَجِسٌ كاللَّحْم؛ لأن الحِسَّ والحَرَكَةَ (¬6) يَقَعُ بها والإدْراكُ (¬7)، والرِّواية الثانية: إنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنّها عِظامٌ غيرُ مُتَصَلِّبَةٍ كسائر العِظام (¬8). وقال الشافعي - رضي الله عنه -: في هذه الأشياء كلُّها حياةٌ ويَحُلُّها المَوْتُ فَيَنْجُسُ (¬9).
¬
(¬1) ثابتة في د.
(¬2) أخرجه أبو داود في سننه ج1، ص21، والترمذي في السنن ج1، ص125، والنسائي في السنن الكبرى ج1، ص93، وابن ماجه في السنن ج1، ص136، وابن حبان في الصحيح ج4، ص49، وأحمد في المسند ج14، ص349، والحاكم في المستدرك ج1، ص240.
النسائي، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، أبو عبد الرحمن (1421هـ)، السنن الكبرى، (تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط)، ط1، مؤسسة الرسالة ــ بيروت. ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي الدارمي البُستي، أبو حاتم (1414هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، (تحقيق: شعيب الأرناؤوط)، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، المعروف بابن البيع، أبو عبد الله (1411هـ)، المستدرك على الصحيحين (تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
(¬3) ثابتة من د.
(¬4) ينظر: كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار ص70، متن أبي شجاع ص6.
الحصني أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن، (1994هـ) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، (تحقيق: علي عبد الحميد ومحمد وهبي) ط1، دار الخير ــ دمشق. أبو شجاع، أحمد بن الحسين الأصفهاني، متن أبي شجاع (المسمى الغاية والتقريب)، عالم الكتب.
(¬5) وفي ب د: كقبله.
(¬6) ثابتة من ب.
(¬7) وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي كذا في المحيط ج1، ص476، وصححه المصنف.
(¬8) في رد المحتار ج1، ص399: المشهور طهارة العَصَبِ.
(¬9) ينظر: المجموع شرح المهذب ج1، ص241.
الجزء 1 · صفحة 70
وأما لَبَنُ المَيْتَةِ، ... (¬1) وإِنْفَحَتُها (¬2)، وبَيْضها فهو طاهِرٌ في قول أبي حنيفة (¬3) - رضي الله عنه -، وقال أبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهما -: يُكْرَهُ اللَّبَنُ والإنفحة؛ لأنّه في الوِعاء النَّجِسِ، ولا يُكْرَهُ البَيْضُ (¬4)، وعِظامُ جميع الحيوان، وشَعْرُه حَيَّةً ومَيْتَهُ طاهِرٌ إلّا الخنزير فإنَّ عَظْمَهُ وشَعْرَهُ نَجِسٌ حَيًّا أو مَيْتًا (¬5).
النَّوعُ السّابِعُ من النَّجسات: الخَمْرُ وهو: ماءُ العِنَبِ النَّيّ (¬6) إذا غلا واشْتَدّ (¬7) وقَذَفَ بالزَّبَدِ، والأَنْبِذَةُ المُحَرَّمَةُ كنَقِيع الزَّبيب، ونَقِيعِ التَّمْر إذا اشْتَدَّ، وماءُ العِنَبِ إذا أُغْلِيَ (¬8) فذَهَبَ أَقلّ من ثُلُثَيْه ثم اشْتَدَّ، وأما ما سِوَى ذلك من الأَنْبِذَة فهي طاهِرَةٌ.
والنَّوعُ الثّامنُ: من الأشياء المُسْتَحِيلَة إلى نَتْنٍ وفَسادٍ (¬9) كالبَيْضَة المَذِرَةِ (¬10) والطَّعام (¬11) إذا أَنْتَنَ وفَسَدَ واشْتَدَّ تَغَيُّرُهُ (¬12).
باب تَطْهِيرِ النَّجاسات
وذلك يَقَعُ بأَحد عَشَرَ مَعْنىً:
¬
(¬1) وفي أ بزيادة: إنفحها.
(¬2) إِنْفَحَةُ: بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء، أو تشديدها، وقد يقال مِنْفَحة أيضًا: وهي شيءٌ يُستخرج من بطن الجَدْي أصفرُ يُعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلُظ كالجبن، ولا يكون إلا لكل ذي كَرِش، ويقال: هي كَرِشُه إلا أنه ما دام رضيعا سُمِّيَ ذلك الشيء إِنْفَحَة فإذا فُطمَ ورعى في العشب قيل: استكرش أي صارت إنفحته كَرِشًا. كذا في المغرب ج2، ص361، ومختار الصحاح ص618، ولسان العربج2، ص624.
(¬3) إنفحة الميتة عند أبي حنفية - رضي الله عنه - طاهرة مائعة كانت أو جامدة بمنزلة اللبن، وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهما - إن كانت مائعة فهي نجسة بنجاسة الوعاء كاللبن، وإن كانت جامدة، فلا بأس بالانتفاع بها بعد الغسل أي يغسل ويؤكل؛ لأن بنجاسة الوعاء لا يتنجس باطنها، وما على ظاهرها يزول بالغَسل. كذا في المبسوط ج24، ص27، وقال صاحب البدائع ج1، ص63: الإنفحة المائعة واللبن طاهران عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - وعند محمد - رضي الله عنه - نجسان.
(¬4) أي: لو ماتت دجاجة، فوجد في بطنها بيضة، فلا بأس بأكل البيضة عندنا. كذا في المبسوط ج24، ص27.
(¬5) لأنها نجسة؛ لأن نجاسة الخنزير ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل لعينه. كذا في البدائع ج1، ص63.
(¬6) وفي د: التي
(¬7) ثابتة من ب، د.
(¬8) وفي ب إذا غلا.
(¬9) قَيَّدَ بهما احترازًا عما لا نتن فيه، فإن ما يحيله الطبع على نوعين: نوعٌ تحيله إلى فساد هو نجس كالدم والغائط، ونوع لا تحيله إليه كالبيضة وهو ليس بنجس هذا هو الصحيح كذا ذكره في الأسرار. كما في حاشية الشبلي على التبيين ج1، ص28.
(¬10) وقال صاحب البحر ح1، ص529: لو صلى وفي كُمِّه بَيضةٌ مَذِرةٌ قد صار مخها دمًا جازت؛ لأنه في معدنه، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة، والمراد هنا البيضة المذرة المنكسرة والله أعلم.
(¬11) ساقطة من ب.
(¬12) في د. واشتد لغيره.
الجزء 1 · صفحة 71
أَحدُها الغَسْلُ، ويَجوزُ بكُلِّ مائِعٍ طاهِرٍ كالخَلّ، وماءِ الوَرْد (¬1) ونحوهما (¬2)، وقال محمد وزفر والشافعي - رضي الله عنهم -: لا يَجوزُ إلا بالماءِ (¬3) (¬4)، والغَسْلُ مُطَهِّرٌ وليس من شَرْطِهِ صَبُّ الماء (¬5)، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: في البَدَنِ لا يَطْهُرُ إلا بالصَّبِّ، وفي الثَّوْبِ روايتان (¬6).
ويَظْهَرُ الخِلافُ فيمن على بَدَنِهِ نَجاسَةٌ فانْغَمَسَ في ثلاثةِ آبارٍ، أو كانتْ على يَدِهِ (¬7) نَجاسَةٌ فَغَمَسَها في ثَلاثةِ خَوابِي ماءٍ، أو خَلٍّ (¬8)، أو غَسَلَ الثَّوْبَ النَّجِسَةَ في إجَّانَةٍ، ثم في أُخْرى، ثم في أُخرى طَهُرَ بالثَّالثة، والِمياهُ كُلُّها نَجِسَةٌ (¬9)، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يَطْهُرُ إلا بالصَّبِّ.
ويَخْتَلِفُ الغَسْلُ باختلاف النَّجاسة ومَحَلِّها، فإن كانتْ مَرْئِيَّةً غَسَلَها إلى أن يَزُولَ عَيْنُها ولا يَضُرُّهُ أَثَرُها بعد زَوال عَيْنِها كَدَمِ الحَيْض يُصِيبُ الثَّوْبَ فَيَزُولُ عَيْنُه ويَبْقَى أَثَرُهُ (¬10).
وإن كانتْ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ غَسَلَها إلى أن يَغْلِبَ في ظَنِّهِ طَهارَتَهَا، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك في الغالِبِ بِغَسْلِها ثَلاثًا (¬11)، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: في النَّجاسة غَيْرُ المَرْئِيَّةِ يُكاثِرُ بالماء (¬12).
¬
(¬1) ساقطة من ب.
(¬2) هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -؛ لأن الواجبَ هو التَّطِهيرُ، وهذه المائعاتُ تُشارِكُ الماء في التّطْهير؛ لأن الماءَ إنما يكونُ مُطَهِّراً لكونه مائعاً رقيقاً يُداخل أثناءَ الثَّوب، فيُجاوِرُ أجزاءَ النَّجاسة فيُرَقِّقُهَا إن كانت كَثيفةً فيَسْتَخْرِجُها بواسطة العَصْر، وهذه المائعاتُ في المُداخلة والمُجاورة والتَّرقيق مثلُ الماء فكانت مثلُه في إفادة الطَّهارة بل أولى، فإن الخَلَّ يَعْمَل في إزالة بعض الأَلوان ولا تَزول بالماء فكان في معنى التَّطهير أَبْلَغ. كذا في البدائع ج1، ص84.
(¬3) ينظر: المجموع في شرح المهذب ج1، ص92.
(¬4) وجه قولهم: أن طَهُوريةَ الماء عُرِفَتْ شرعاً بخلاف القياس؛ لأنه بأول ملاقاته النجسَ صار نجسًا، والتَّطهير بالنجس لا يتحقق كما غسَل بماءٍ نجسٍ إلا أن الشرع أَسْقَطَ اعتبار نجاسة الماء حالة الاستعمال وبقاؤُهُ طهوراً على خلاف القياس فلا يلحق به غيره، فبقي ما عداه على أصل القياس. كذا في البدائع ج1، ص83، والمستصفى ج1، 273.
(¬5) هذا عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -.
(¬6) وجه قول أبي يوسف - رضي الله عنه - في رواية الأولى: أن القياس يأْبَى حُصُول الطَّهارة بالغَسْل بالماء أصلاً؛ لأن الماءَ متى لاقى النَّجاسةَ تَنْجُسُ سواء وَرَدَ الماءُ على النَّجاسة أو وردت النَّجاسةُ على الماء، والتَّطهيرُ بالنَّجس لا يَتَحَقَّقُ إلا أنَّا حكمْنَا بالطَّهارة لحاجَةِ النّاس إلى تطهير الثِّياب والأعضاء النَّجِسَةِ، والحاجةُ تندفعُ بالحكم بالطَّهارة عند وُرود الماء على النَّجاسة فبَقِيَ ما وراء ذلك على أصل القياس، فعلى هذا لا يفرق بين البدن والثوب.
وجه الفرق له على الرواية الأخرى: أنّ في الثوب ضرورةً إذ كلُّ من تَنَجَّسَ ثوبَهُ لا يجد من يَصُبُّ الماء عليه، ولا يمكنه الصبُّ عليه بنفسه وغسله، فترك القياس فيه لهذه الضرورة دفعاً للحَرَجِ، ولهذا جرى العرفُ بغسل الثياب في الأواني، ولا ضرورة في العضو؛ لأنه يمكنه غسله بصبِّ الماء عليه، فبَقِيَ على ما يقتضيه القياس. كذا في البدائع ج1، ص87.
(¬7) وفي ب: بدنه.
(¬8) أن محمدا مع أبي حنيفة - رضي الله عنهما - في الماء، واختلف في سائر المائعات الطاهرة، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّ المائعات الطَّاهرة تُزيل النَّجاسةَ الحَقيقيَّةَ عن الثَّوب والبَدَن، والصبُّ ليس بشرط، وعند محمد - رضي الله عنه - لا تزيل أصلا، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - تُزيلُ لكن بشرط الصب ولم يوجد. كذا في البدائع ج1، ص87.
(¬9) فاتفق جوابهما بناءً على أَصْلَيْن مُختلفين.
(¬10) لا عبرة فيه العدد؛ لأن النَّجاسة في العين فإن زالت العينُ زالت النجاسةُ، وإن بَقِيَتْ بَقِيَتْ، ولو زال العينُ وبقي الأثرُ، فإن كان مما يَزولُ أَثرُهُ لا يُحْكَمُ بِطَهارتِهِ ما لم يزل الأثرُ؛ لأنّ الأَثر لونُ عينه لا لونُ الثَّوب فَبَقاؤُهُ يَدُلُّ على بَقاء عَيْنِهِ، وإن كانت النَّجاسة مما لا يزول أثره لا يضرُّ بقاءُ أَثره عندنا. كذا في البدائع ج1، ص88.
(¬11) كذا في البدائع ج1، ص88، وقال في شرح القدوري لأبي نصر ج1، ص198: أصحابنا قَدَّروا ذلك بثلاثٍ، فليس ذلك على وجه الشَّرط؛ ولكن لأن الغالب أن الإزالة تحصل عندها. ومثله في الغاية شرح الهداية ج2، ص65، والتحفة ج1، ص133.
الأقطع، أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد، (2023هـ) شرح مختصر القدوري، (تحقيق: محمد بن سيد عبد الفتاح درويش) ط1، دار المنهاج القويم ــ دمشق.
(¬12) ينظر: المجموع شرح المهذب ج2، ص599.
الجزء 1 · صفحة 72
وفي وُلُوغِ (¬1) الكَلْب يُغْسَلُ سَبْعًا إِحْدَهُنَّ بالتُّراب (¬2)، وإذا أَصابَ الأَرْضَ نَجاسَةٌ فإن كانتِ الأَرْضُ رَخْوَةً فَصَبَّ عليها الماءَ طَهُرَتْ، وإن كانت صُلْبَةً فانْتَقَلَ الماءُ عن مَوضع النَّجاسة طَهُرَتْ بالماء (¬3)، وتَنَجَّسَ المَوْضِعُ الذي انْتَقَلَ إليه الماءُ، وإن لم يَنْتَقِل (¬4) لم يَطْهُر، والماءُ نَجِسٌ.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا صَبَّ عليها الماءَ حتّى غَمَرَها وزالَ طَعْمُها ورِيحُها ولَوْنُها طَهُرَ المَوْضَعُ، والماءُ طاهرٌ أيضا؛ لأن من قوله أنّ الماءَ إذا وَرَدَ على النَّجاسة لم تُنَجِّس إلا أن يَتَغَيَّرَ أحدُ أوصافِهِ الثلاثة (¬5)، وإذا وَرَدَتِ النَّجاسَةُ على الماء تَنَجَّسَهُ (¬6).
وأما غَسْلُ الدُّهْن النَّجِسِ فإنه إذا صَبَّ في الإناء الذي فيه الدُّهْنُ الماءَ ثلاثَ مرّاتٍ طَهُرَ في الثّالثة (¬7)، رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وقالوا: فيمن غَمَسَ يَدَهُ في دُهْنٍ نَجِسٍ، ثم غَسَلَها ثلاثًا بغَير حُرْضٍ، وأَثَرُ الدُّهْن يُرَى في يَدِهِ أنّها طَهُرَتْ؛ لأنّ ذلك الدَّهْنَ ليس بأكثرَ من الدُّهْن الّذي في الإناء، فإذا أَصابَهُ الماءُ ثلاثًا طَهُرَ (¬8)، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - في حِنْطَةٍ أَصابَهَا خَمْرٌ أنّها يُغْسَلُ ثلاثُ مرّاتٍ تُجَفَّفُ في كلِّ مرَّةٍ، [وعند محمدٍ - رضي الله عنه - لا يَطْهُرُ أبدًا] (¬9) وكذلك اللَّحْمُ.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في حِنْطَةٍ طُبِخَتْ في الخَمْر لم تَطْهُر أبدًا (¬10)، وعنه في طائِرٍ وَقَعَ في قِدْرِهِ تُطْبَخُ فمات فيها، فإن كان ذلك حالَ غَلَيانِها لم يُؤْكَلِ اللَّحْمُ ولا المَرَقَةُ، وإن كان في حالِ سُكُونِها غُسِلَ اللَّحْمُ وأُكِلَ، ولا خَيْرَ في المَرَقَةِ (¬11)، وحِبِّ الخَمْر إذا غُسِلَ ثلاثًا طَهُرَ إلا أن يُوجد منه رائحِةُ الخَمْر (¬12) فلا يُجْعَلُ فيه شيءٌ من المائعات غيرَ الخَلِّ، وقال في آجُرَّةٍ (¬13)
¬
(¬1) وفي ب د: ولوع.
(¬2) قال أصحابنا: إن تطهير الإناء من ولوغ الكلب لا يختص بعدد، وإنّما يعتبر غالب الظن في طهارته. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص195.
(¬3) ساقطة من د.
(¬4) وإن لم ينتقل عنه يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه ويطهر، وإن كانت الأرضُ منحدرةً صلبة يحفر في أسفلها حفرة، فيصب على موضع النَّجاسة حتى يجتمع الماءُ في الحفرة، فتطهر الأرض ثم تكبس الحفرة. كذا في الغاية شرح الهداية ج2، ص24.
(¬5) ساقطة من ب د.
(¬6) ينظر: الحاوي الكبير ج2، ص257.
(¬7) أي: أن تصب الماء عليه فيعلو الدهن، يُفْعَلُ ثلاثُ مرَّاتٍ. كذا في الغاية شرح الهداية ج2، ص61.
(¬8) لأن أثر الدهن النجس بعد الغسل ثلاثا لا يعتبر. كذا في الغاية شرح الهداية ج1، ص61.
(¬9) ساقطة من ب، د.
(¬10) الحِنطة المتنجسةُ قبل أن تنتفخ تُغسل ثلاثًا، وتؤكل إذا لم يبق لها رائحة ولا طعم. وفي شرح الطحاوي: لا يحل، وهو قول محمد، وإن طبخت بالخمر حتى انتفخت تطبخ بعده ثلاث مراتٍ، تنتفخ في كل مرة، وتجفف بعد كل طبخة فتؤكل. وعن أبي حنفية - رضي الله عنه - في الحنطة إذا طبخت بالخمر: لا تطهر أبدا، كقول محمد - رضي الله عنهما -. كذا في الغاية ج2، ص61.
(¬11) هذا قول محمد - رضي الله عنه -، وأمّا على قول أبي يوسف - رضي الله عنه -: إذا كان الوقوع في القدر حالة الغليان، يطبخ ثلاث مرّات بماءٍ طاهرٍ، ويجفف في كل مرة ويؤكل. كذا في المحيط ج1، ص384.
(¬12) ينظر: الغاية شرح الهداية ج2، ص60.
(¬13) في أ: أخره.
الجزء 1 · صفحة 73
جَديدةٍ، أو حَزَفٍ جديدٍ يُصِيبُهُ النَّجاسَةُ أنه يُغْسَلُ ثلاثَ مرَّاتٍ (¬1)، ويُجَفَّفُ في كُلِّ مَرَّةٍ، [وعند محمد - رضي الله عنه - لا يَطْهُرُ] (¬2)، وإن كان عَتيقًا غُسِلَ من غير تَجْفِيفٍ.
وإذا أصابَ داخلَ الخُفِّ المُبَطَّنِ نَجاسةٌ فإذا مالأه ماءً ثلاثَ مرّاتٍ، وأَراقَهُ أَجْزأَهُ، وجَرَيانُ الماء عليه ثلاثًا بِمَنْزِلَةْ عَصْرِ البَطانَةِ.
والبِساطُ الكَبيرُ النَّجِسُ إذا طُرِحَ في النَّهر (¬3) مَجْرَى عليه الماءَ طَهُرَ؛ لأنّ ذلك أَبْلَغُ من غَسْلِهِ ثلاثًا، وقال أصحابُنا: في مَواضعَ المَحاجَمَ أنها يُغْسَلُ ولا يُجْزِيهِ المَسْحُ، وعند محمد - رضي الله عنه - أنّه إنْ مَسَحَها بثلاث خِرَقٍ رُطابٍ أَجْزأهُ (¬4)، وبولُ الصَّبِيِّ والصَّبِيّةِ إذا أَصابَ الثَّوبَ غُسِلَ كما يُغسَل بَولُ الكَبير (¬5)، وقال الشَّافعي - رضي الله عنه -: في بول الصَّبِيّ خاصةً إذا لم يُطْعِم أنه يَكْفِيهِ الرَّشُّ بالماء (¬6).
والنَّوعُ الثاني: مما يَقعُ به التَّطهيرُ: المَسْحُ وذلك في الأَشياءِ الصَّقِيل خاصةً كالسَّيْف، والمِرْآة، والزُّجاج إذا مَسَحَ بِخِرْقَةٍ أو تُرابٍ طَهُرَ (¬7) في قول أبي حنفية وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وقال محمد وزفر والشافعي - رضي الله عنهم -: لا يَطْهُرُ إلا بالماء (¬8).
ومن ذَبَحَ شاةً، ثم مَسَحَ السِّكينَ بِصُوفِها فله أن يَقْطَعَ بها اللَّحْمَ، فإن مَسَحَ موضعَ الاستنجاء بِخِرْقَةٍ، أو غَيْرِها فلا يُوجب تَطْهيرُ الموْضِعِ بلا خِلافٍ، وإنّما يُخَفَّفُ (¬9) النَّجاسَةُ ولهذا لو أَصابَهُ الماءُ يَنْجُسُ.
وثالثُها: الفَرْكُ وهو في المَنِيِّ خاصَّةً إذا أَصابَ الثَّوبَ وجَفَّ، فأمّا إذا أَصابَ البَدَنَ (¬10) (¬11)، أو كان على الثَّوب، وهو رَطْبٌ فلا يُجْزِيهِ إلّا الغَسْلُ، وعند الشافعي - رضي الله عنه - المَنِيُّ طاهِرٌ لا يَجِبُ غَسْلُهُ ولا فَرْكُهُ (¬12).
¬
(¬1) في الذخيرة: لا توقيت في إزالة النَّجاسة إذا أصابت الحجر أو الآجر أو الأواني بل يُغْسَلُ حتى يَغلِبَ على ظَنِّ الغاسل طهارَتَهَا، ولا يبقى لها رائحةٌ ولا طَعْمٌ ولا لَوْنٌ سواء كان الآنِيَةُ من خَزَفٍ أو غيرِهِ أو كانت قديمةً أو حديثةً. كذا في البناية ج1، ص631.
(¬2) ثابتة من ب د.
(¬3) وفي د: قيل يوما وليلة.
(¬4) وفي المنتقى: قال أبو يوسف - رضي الله عنه -: في المحتجم لا يجزئه أن يمسح الدم عن موضع الحجامة حتى يغسله. قال الحاكم الشهيد: رأيت عن أبي حفص عن محمد بن الحسن - رضي الله عنهما -، أنه إذا مسحه بثلاث خرقاتٍ رطاب نظافٍ أجزأه. كذا في المحيط ج1، ص389.
(¬5) كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص197.
(¬6) ينظر: الحاوي الكبير ج2، ص248، المجموع شرح المهذب ج2، ص590.
(¬7) أي سواء كانت رطبة أو يابسة. كذا في البدائع ج1، ص85؛ لأنه جسْمٌ صقيلٌ لا يتداخله النَّجاسة، فإذا مسحت لم يبق منها إلا اليسير الذي لا يعتد به. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص200.
(¬8) ينظر: المجموع في شرح المهذب ج1، ص92.
(¬9) في ب د: تجفف.
(¬10) ساقطة من ب.
(¬11) وقال في الهداية ج1، ص389: ولو أصاب البدن، قال مشايخُنا: يَطهر بالفرط؛ لأن البلوى فيه أَشَدُّ.
(¬12) ينظر: الحاوي الكبير ج2، ص251.
الجزء 1 · صفحة 74
رابعُها: الحَكُّ والدَلْكُ، وذلك خاصّةٌ في الخُفِّ والنَّعْل، إذا أَصابَتْهما نَجاسَةٌ لها جِرْمٌ فَجَفَّتْ وحَكَّهُما، أو دَلَكَهما على الأَرْض حتى زالتْ طَهُرَ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - (¬1)، وقال محمد والشافعي - رضي الله عنهما -: لا يَطْهُرُ إلّا بالغَسْل (¬2).
أمّا إذا لم يكنِ للنَّجاسة جِرْمٌ كالبَول والخَمْر (¬3)، أو كان لهما جِرْمٌ إلّا أنّه رَطْبَةٌ لم يَجُفَّ لم يَطْهُر إلا بالغَسْل في قولهم جميعًا (¬4).
وخامسُها: الإحْراقُ وقال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: إذا أَحْرَقَتِ النَّجاسةَ حتى صارتْ رَمادًا طَهُرَتْ (¬5)، وقال أبو يوسف والشافعي - رضي الله عنهما -: لا يَطْهُرُ (¬6). ورأسُ الشَّاةِ إذا أُحْرِقَ موضعُ الدَّم منها طَهُر، وقالوا في التَّنُّور يُمْسَحُ بِحِرْقَةٍ رَطْبَةٍ نَجِسَةٍ أو رَشَّ بماءٍ نجسٍ، ثم أَلْزَقَ به الخُبْز أنه لا بأس به.
وسادِسُها: الاسْتِحالَةُ، وذلك كالخَمْر تَخَلَّلَ بِعِلاجٍ، أو غَيْرِ عِلاجٍ أنّها تَطْهُرُ، [وقال الشّافعيّ - رضي الله عنه -: إذا كان بِعلاجٍ لم تَطْهُر] (¬7) (¬8) وقال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: في خَمْرٍ طُرِحَ فيها سَمَكٌ، أو مِلْحٌ فصار مَرِيًّا أنّها تَطْهُرُ؛ لأنّ من شأْن المِلْح أن يُحِيلَهُ مَرِيًّا، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: إن كان ما طُرِحَ فيه هوالغالِبُ نَجِسٌ كقَطْرَةِ خَمْرٍ خالَطَتْ ماءً كثيرًا.
¬
(¬1) قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله عنهما -: يطهر بالمسح بالأرض استحسانًا؛ لما رُوي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خَلعَ نعْليه في الصّلاة، فخَلَعَ النّاسُ نِعالهم، فما فرَغ من صلاته قال: "أتَاني جبريلُ وأخبرني أنَ فيهما أّذىً، فإذا أتى أحدكم المسجد، فليُقلِّب نعليه، فإن رأَى فيهما قَذَراً فيمسحهما بالأرض". أخرجه أبو داود ج1، ص17ه، والدارمي في سننه ج2، ص867، وأحمد في مسنده ج18، ص379. كذا في النهاية شرح الهداية ج2، ص97.
الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل السمرقندي، (1412هـ) سنن الدارمي، (تحقيق: حسين سليم الداراني) ط1، دار المغني ــ السعودية.
(¬2) ينظر: اللباب ص81.
ابن المحاملي، أحمد بن محمد بن أحمد، (1316هـ) اللباب في الفقه الشافعي، (تحقيق: عبد الكريم بن صنيتان) ط1، دار البخاري ــ مدينة منورة ــ سعودية.
(¬3) قال المَحْبُوبي: إذا مشى الرَّجلُ على بولٍ أو خمرٍ، ثم مَشَى على الرَّماد، أو الرمل، أو التُّراب، فالتصق به، وجَفَّ، فمسحه بالأرض حتى تَناثر، أنه يَطْهُرُ ما الْتَصَقَ به؛ كالجرم لتلك النَّجاسة قال شمس الأئمة: هو الصحيح، فلا فرق بين أن يكون جرم للنجاسة منها، أو من غيرها، هكذا ذكر الفقيه أبو جعفر، أبي بكرٍ محمد بن الفضل عن أبي حنيفة. كذا في النهاية ج2، ص99.
(¬4) وفي رواية عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنّه قال: إذا مَشى على الرَّوث، ثم مَسَحَ خُفَّه على الأرض حتى لم يبق في أَثرُ النَّجاسة، ولا رائحتها، ثم صلى فيه، جازت صلاته، واعتبر البلوى فيه. قال شمس الأئمة السرخسي: وهو الصحيح، وعليه الفتوى للضرورة، كذا في الجامع الصغير للإمام المَحْبُوبِيّ. هكذا نقله صاحب النهاية ج2، ص97.
(¬5) وجه قولهما: أن النَّجاسة لما استحالت وتبدّلت أوصافُها ومعانيها خرَجتْ عن كونها نجاسةً؛ لأنّها اسمٌ لذاتٍ موصوفةٍ فتَنْعَدِمُ بانعدام الوصف، وصارت كالخمر إذا تخلَّلت. كذا في البدائع ج1، ص85.
(¬6) وجه قول أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنّ أجزاء النجاسة قائمة فلا تثبت الطَّهارةُ مع بقاء العين النَّجسة.
(¬7) ساقطة من ب.
(¬8) ينظر: المجموع شرح المهذب ج2، ص578.
الجزء 1 · صفحة 75
وقالوا: في خَمْرٍ طُرح فيها خَلٌّ، والخَلُّ هوالغالبُ جاز أكلُهُ، وإذا طُرِحَ في حِبِّ (¬1) الخَمْر خَلٌّ طَهُرَ الحِبُّ، واخْتَلَفَ المُتأَخِّرون في خَمْرٍ صُبَّ فيها ماءٌ، ثم استحالتْ خَلاًّ: فقال الأكثرُ: تَطْهُرُ، وقال نصير البلخي (¬2) - رحمه الله -: هو نَجِسٌ.
[فأرةٌ وَقَعَتْ في خَمْرٍ فصارتِ الخَمْرُ خَلاًّ، قال بعضهم: أَكْلُهُ مُباحٌ. وقال بعضهم: لا يَحِلُّ. وقال بعضهم: إذا لم تَنْفَسِخ فيه جاز، وإن كانت قد تَفَسَّخَ فيه لم يَجُز؛ لأنّه قد بَقِيَ فيها جُزْؤٌ منها، وهذا القول أحسن (¬3).
وهذا إذا استُخْرِجَتِ الفأَرَةُ قَبل أن تَصِيرَ الخَمْرُ خَلاًّ، فأمّا إذا صارتِ الخَمْرُ خَلًّا والفأرَةُ فيها لم يَحِلَّ أَكْلُهُ مُنْتَفِخَةً أو غير مُنْتَفِخَةٍ] (¬4) (¬5) واتّفقوا (¬6) في الفأرة تَقعُ في الخَمْر فيَخْرَجُ، ثم يَسْتَحِيلُ الخَمْرُ خّلًّا أنه نَجِسٌ، وفي "الواقعات" أنّه طاهِرٌ. وقال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: في الخِنْزير تَقَعُ في المَلاحة فصار مِلْحاً أنّه يَطْهُرُ، وعن محمد - رضي الله عنه - في الخَلأ يُدْفَنُ بالتُّراب واستحالَ أنه يَطْهُرُ، قال: وأخبرني في أهل العِلْم بالصَّنْعَةِ أنه يَصيرُ أَرْضًا.
وسابِعُها: مُضَيُّ الزَّمان الطَّويل، وذلك في الأَرْضِ خاصّةً إذا أَصابَتْها نَجاسَةٌ، ومَضَى عليها زَمانٌ طَويلٌ، فأَصابتْها الشَّمْسُ، والرِّياحُ، والأَمْطارُ فإنَّها يَطْهُرُ إلّا أنّه لا يَتَيَمَّمُ منها (¬7)، ويُصَلِّي عليها؛ لأن النَّجاسةَ اليَسيرَةَ تُؤَثِّرُ في الطَّهارة ولا تُؤَثِّرُ في الصَّلاة (¬8)، وقال زفر والشافعي - رضي الله عنهما -: لا يَطْهُرُ هذه الأَرْضُ (¬9).
وثامِنُها: الدِّباغُ، وهو مُطَهِّرٌ لِجُلُودِ الحَيْوانات كلِّها إلا جِلْد الخنزير في قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - فإنَّه لا يَطْهُرُ بالدِّباغَةِ لِنَجاسة عَيْنِهِ، وفي قول أبي يوسف - رضي الله عنه - يَطْهُرُ كلُّ حَيْوانٍ. وجِلْدُ الإنسان لا تَطْهُرُ في قولهم جَميعًا بالدِّباغِ لِحُرْمَتِهِ، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: كلُّ حيوانٍ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فإنَّه لا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بالدِّباغِ (¬10).
¬
(¬1) في ب: خب، وفي د: جب.
(¬2) هو: نصير بن يحيى البلخي، وكان من مشايخ بلخ يرحل إليه في زمانه، أخذ الفقه عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمد، عن أبي حنيفة، (ت: 268هـ) ينظر: كتائب أعلام الأخيار ج1، ص532، الفوائد البهية ص383.
(¬3) قال به الفقيه أبو الليث السمرقندي، وقال في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص88: وهذا القول أصحُّ، وكذا حسنه المصنف.
(¬4) ثابتة من ب.
(¬5) كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص88.
(¬6) ساقطة من ب.
(¬7) هذا ظاهرة الرواية، وذكر ابن كاسٍ النَّخَعِيّ عن أصحابنا أنه يجوز؛ لأنه حُكِمَ بطهارة ذلك المكان حين ذهب أثر النجاسة بدليل جواز الصلاة عليها. كذا في المبسوط ج1، ص119.
(¬8) أي: أنَّ من عادة الأرض متى أصابتْها نجاسةٌ رطبةٌ، ويُنَشَّفُ بعضُها إلى نَفْسِها، فيَدْخل بعض أجزائها في باطنها، ويبقى البعضُ على ظاهرها، فتُحْرِقُها الشَّمسُ، وتَسْفِيها الرِّيحُ، وما تُنَشِّفُها الرِّيحُ يَذْهَبُ عنها، وما دَخَلَ تحت الأرض يَبْقى فتَقِلُّ النَّجاسةُ من هذا الوجه، وقليل النَّجاسة في الطَّهور يَمنَعُ التَّطَهُّر به، فلا يَمنَعُ أداءَ الصَّلاة، كقَطْرَةِ بولٍ تَقَعُ في الماء يمنعُ التَّوضأَ به، ولو أصابَتْ ثوبَهُ يجوز الصَّلاةُ به. كذا في النهاية ج2، ص108، ناقلاً عن مبسوط شيخ الإسلام.
(¬9) ينظر: المهذب ج1، ص97، حلية العلماء ج1، ص249.
(¬10) ينظر: المجموع شرح المهذب ج1، ص217.
الجزء 1 · صفحة 76
فأمّا كَيْفِيَّةُ الدِّباغ فقال الكرخي - رحمه الله -: "كُلُّ شيءٍ دُبِغَ به الجِلْدُ مما يَمْنَعُهُ من الفَساد فهو دِباغٌ، قال هِشام (¬1) - رحمه الله -: سمعتُ أبا يوسف - رضي الله عنه - قال: في مِسْكِ مَيْتَةٍ عُلّق في الشَّمس حتى يَبِسَ هل يَطْهُرُ؟ قال: إن كان يُبْسُهُ يَمْنَعُهُ من الفَساد فهو دِباغٌ"، (¬2) وهذا مَحْمُولٌ على أنَّ الشَّمْس والرِّيحَ والتُّرابَ الذي أصابَهُ أَحالَهُ، وعَمِلَ عَمَلَ الدِّباغ (¬3)، فأمّا إذا جَفَّ ولم يَسْتَحِل لم يَطْهُر، وقال الشّافعي - رضي الله عنه -: لا يَكونُ الدِّباغُ بالتُّراب والشَّمْس وإنما يَكون بالشَّثِّ (¬4)، والقَرْظ (¬5) والماء.
وتاسِعُها: الذَّكاةُ، وهي مُطَهِّرَةٌ لكلِّ حيوانٍ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بالدِّباغ، وذلك كلُّ حيوانٍ لا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ، وكلُّ حيوانٍ لا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بالدِّباغ لم يَلْحَقْهُ الذَّكاةُ، وذلك كلُّ حيوانٍ يُقْطَعُ بِتحريمِ أَكْلِهِ، وذلك كالآدمِيِّ والخِنْزير (¬6)، وأمّا الفِيل فَتَلْحَقُهُ الذّكاةُ ويَطْهُرُ جِلْدَهُ بالدَّباغ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وقال محمد - رضي الله عنه -: هو كالخِنْزير لا يَطْهُرُ بالذَّكاة ولا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بالدِّباغ، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فلا يَطْهُرُ بالذَّكاةِ والدِّباغ (¬7) (¬8).
وعاشِرُها: نَزْحُ الماء من البِئْر (¬9) إذا تَنَجَّسَتْ وذلك على وَجْهين:
¬
(¬1) هو: هشام بن عبيد الله الرازي، تفقه على أبي يوسف ومحمد ب، قال الذهبي: الفقيه أحد الأعلام، هشام بن عبيد الله عن مالك، وعنه أبو حاتم، وقال: لقيت ألفا وسبع مائة شيخ، وأنفقت في العلم سبع مائة ألف درهم، وقال أبو حاتم: صدوق، ما رأيت أعظم قدرًا منه بالري، ومن أبي مسهر بدمشق، قال ابن حبان: كان ثقة، وله: "النوادر" و"صلاة الأثر"، (ت:221هـ) ينظر: كتائب الأعلام ج1، ص471، ميزان الاعتدال ج4، ص300، تذكرة الحفاظ للذهبي ج1، ص284، والفوائد البهية ص367.
الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، أبو عبد الله، شمس الدين (1382هـ)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال (تحقيق: علي محمد البجاوي)، ط1، دار المعرفة، بيروت. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، أبو عبد الله، شمس الدين (1419هـ)، تذكرة الحفاظ، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
(¬2) انتهى من شرح مختصر الكرخي بتصرف يسير ج1، ص205 ــ 206.
(¬3) قال القدوري: والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر" أخرجه مسلم في صحيحه ج1، ص277، وأبو داود في السنن ج4، ص66، والبيهقي في السنن الكبرى ج1، ص32، والطحاوي في شرح معاني الأثار ج1، ص469. ولم يُفَصِّل؛ لأن الدِّباغ يُؤثِّر في الجِلْد لاستحالته، فإذا استحالَ بالشَّمس والتُّراب كان كما إذا استحال بالشَّثّ والقَرْظ. كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص206.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري، أبو الحسن القشيري، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (صحيح مسلم) (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي)، دار إحياء التراث العربي، بيروت. والطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري، أبو جعفر (1414هـ)، شرح معاني الآثار، (تحقيق: محمد زهري النجار، محمد سيد جاد الحق)، ط1، عالم الكتب.
(¬4) الشث: هو شجر طيب الريح مر الطعم. كذا في تهذيب اللغة ج11، ص186
الأزهري، محمد بن أحمد بن الهروي، (2001هـ) تهذيب اللغة، (تحقيق: محمد عوض مرعب)، ط1، دار إحياء التراث العربي ــ بيروت.
(¬5) وهو: ورق السلم يدبغ به، وقيل قشر البلّوط. مختار الصحاح ص495.
(¬6) كذا في شرح مختصر الكرخي ج1، ص205.
(¬7) ثابتة من ب.
(¬8) المجموع شرح المهذب ج1، ص245.
(¬9) مسائل الآبار مَبْنِيَّةٌ على اتّباع الآثار إذ القياس فيها أحد الشيئين:
إمّا ما قاله بشر المريسي: إنه يُطَمُّ رأس البئر، ويحفر في موضع آخر؛ لأنّه وإن نُزح ما فيها يبقى الطينُ والحجارة نجساً.
وإمّا ما نُقل عن محمد - رضي الله عنه - فإنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف - رضي الله عنه - أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنّه يَنْبعُ من أسفله، ويؤخذ من أعلاه، فلا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصبّ من جانب ويؤخذ من جانبٍ لم يتنجس بإدخال اليد النَّجاسة إلّا أنَّا تركنا القياس واتبعنا الآثار. كذا في المستصفى شرح النافع ج1، ص195، والنهاية شرح الهداية ج1، ص268. وفي المبسوط ج1، ص90: أن طهارة البئر بنزح بعض الدلاء قول السلف من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -.
الجزء 1 · صفحة 77
- إن وَقَعَتْ فيها نَجاسَةٌ مائِعَةٌ وَجَبَ نَزْحُ جميعِ الماء إلا أن يَغْلِبَهُم الماءُ فيُنْزَحُ قَدْر ما كان في البِئْر على قَدْر اجتهادهم، أما إذا أَمْكَنَ نَزْحُ جَميع مائها نُزِحَ وطَهُرَتِ البِئْرُ، ولا يَجِبُ غَسْلُها في قولهم جَميعًا (¬1). وقال الشافعي س: إذا وقَعتِ النَّجاسةُ في البِئْر فإن كان الماءُ قُلَّتَيْن أو أكثر جاز الوضوءُ به إذا لم يَتَغَيَّر أَحَدُ أوصافِ الماء (¬2).
وأما إذا غَلَبَهم الماءُ فإنّ أبا حنيفة س قال: يُنْزَحُ منه مِقدارُ ما كان فيها من الماء، وإن لم يُقّدِّرْهُ بل وَكِّل ذلك إلى اجتهادهم، ورُوي عنه أنه يُمْسَحُ عُمْقُها وعَرْضُها بالأَشبار، ويُضْرَبُ عَدَدُ الأَشبار في الطُّول فَيُنْزَحُ لِكُلّ شِبْرٍ دَلْوَين، والمَشْهُورُ عنه هو القول الأول. وقال أبو يوسف س: يُغْرَزُ فيه قَصَبَةً فيُعْلَمَ عند وَجْهِ الماء، ثم يُنْزَحُ منها عَشْرَةُ دِلاء فيَنْظَرُ ما نَقَصَ من العَلامة، فان نَقَصَ منها شِبْرٍ والقَصَبَةُ عَشْرَةُ أشبارٍ وَجَبَ نَزْحُ مائةُ دَلْوٍ.
وقال محمد س (¬3): إن نُزِحَ منها مائتان وخمسون دَلْوًا، أو مائتان فقد طَهُرَتْ (¬4)، وقال بعضهم: يَشْبُرُ عَرَضُ البِئْر وعُمْقُها، ثم يُحْفَرُ حَفِيرةً مِثْلَها فيُمْلى من ماءِ البِئْر فإذا امتَلأتْ ولم يَنْقُص ماءُ البِئْر فقد غَلَبَهُ ماءٌ جديدٌ.
قال بعضهم: يُقَدِّرُ ذلك رَجُلٌ أو رَجُلان فيَنْزَحُ منها مِقدارُ ما يَقولان (¬5) كتَقْدير قِيَمِ المُسْتَهْلَكات، وأُروشِ الجِنايات، وإذا نُصبَ (¬6) ماءُ البئر التي وَقَعَتْ فيها نَجاسةٌ، ثم عاد الماءُ لم يَطْهُر إلّا بالنَّزْح في قول أبي يوسف س، وقال محمد س: طَهُرَ بالجَفاف (¬7).
- فأمّا إذا كانت النَّجاسةُ الواقعةُ في البِئْر عَيْنًا يُمْكِنُ إخراجُها من غَيْر اخطلاطِ أَجْزائِها بأَجْزاءِ الماء فلا يَخْلُوا من أن يكون حيوانًا أو غيرَهُ، فإن كان حيوانًا فله ثلاثةُ أحوالٍ:
أحدُها: أن يُخْرَجَ حَيًّا.
وثانيها: أن يُخْرَجَ مَيِّتًا ولم تَنْتَفِخ
وثالثها: أن يكون قد انتَفَخَ، فأما إذا أَخْرَجَ حَيًّا، فإن كان آدَمِيًّا مُسلمًا طاهرًا من الجَنابة والحَدَثِ مُسْتَنْجِيًا بالماء، فالظاهرُ من المَذْهب أنه لا يُنْزَحُ منها شيءٌ، وقد رَوى الحسنُ عن
¬
(¬1) ثابتة من ب.
(¬2) ينظر: حلية العلماء ج1، ص78.
(¬3) أي: قاله في النوادر. كذا في شرح الإسبيجابي ج1، ص81.
(¬4) وإنما أجاب بهذا بناءً على كثرة الماء في آبار بغداد. كذا في المبسوط ج1، ص59.
(¬5) هذا رواية عن أبي نصر محمد بن محمد، لأنَّ ما يُعرف بالاجتهاد يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك الباب، وهذا الأوفق في الباب. كذا في البدائع ج1، ص86، وفي الهداية ج1، ص337: هذا الأشبه بالفقه، وفي المبسوط ج1، ص59: هو الأصح، وفي شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص82: وهذا القول أظهر وأشبه بقول الفقهاء.
(¬6) في ب: نضب. وفي أ فضب.
(¬7) البئر إذا وقعت فيها النجاسة، فغار ماؤها ثم عاد، قال نصير بن يحيى: صارت طاهرة، وصار بمنزلة النزح، وقال محمد بن سلمة: هو نجس، وقول نصير أوسع للناس، وقول محمد أوثق وأحوط. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص77.
الجزء 1 · صفحة 78
أبي حنيفة بفي «المُجَرَّدِ» (¬1) أنه يُنْزَحُ منها عِشرون دَلْوًا، قال: وإن كان مُحْدِثًا (¬2) مُستنجيًا بالماء فأربعون دلوًا، وإن كان جُنُبًا، أو غير مستنجٍ نُزِحَ ماءُ البئر كُلِّه، وإن كان كافرًا نُزح ماؤُها كلُّهُ.
فأما غيرُ الآدميِّ فإن كان طاهرًا في نَفْسه، ودَرْقُهُ طاهرٌ وسُؤْرُهُ غيرُ مكروهٍ فأَخْرَجَ حَيًّا لم يَنْزَح منها شيءٌ كالحَمام ونحوه.
وإن كان سُؤْرُهُ طاهرًا وبَوْلُه نَجِسًا، وقد تَلَطَّخَ فَخْذاه بِبوله كالشّاة ونحوِها فعند أبي حنيفة س: يُنْزَحُ منها عِشرون دَلْوًا، وقال أبو يوسف س: يُنْزحُ جميعُ المِياه، وقال محمد س: لا يُنْزَحُ منها شيءٌ.
وإن كان حَيوانًا مكروهُ السُّؤْر كالهِرَّة وسِباع الطَّيْر، والفأرَة، والحَيَّة ونحوها، فإنه يُنْزَحُ منها دِلاءٌ [أَدْناهُ عَشْرَةُ] (¬3) (¬4)، وقال أبو يوسف س: لا يُجْزِي أَقلُّ من عَشْرة دِلاءٍ، وإن لم يَفْعَلُوا أجزأَهم. وأما الفَرَسُ فقال أبو حنيفة س: يُنْزَحُ منها دِلاءً، وأما الَحميُر والبِغالُ والسِّباعُ كلُّها فيُنْزَحُ جميعُ مائها.
وأمّا إذا مات الحيوانُ في البِئْر ولم يَنْفَسِخ فذلك ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: أن يكون في حَجْم الفأْرة كالعُصْفُور، والسَّامُ الأَبْرَصِ فإنه يُنْزَحُ منها عِشرون دلوًا، أو ثلاثون (¬5) بِقَدْر صِغَرِ الحيوان و كِبَرِهِ، واتِّساع البِئْر وضِيقها.
والثاني: ما يكون في حَجْمِ الدَّجاجة كالسِّنَّوْر ونحوها فإنه يُنْزَحُ منها أربعون دلوًا، أوخمسون (¬6)، وجعلوا الحَمامةَ والفاخِتةَ في حُكْم الدَّجاجة، وإن كانت أَصْغَرَ منها، وقالوا: في الفأْرتَيْن تَقعان في البِئْر أنهما كالفأْرة الواحدةِ الكَبيرةِ، والثلاثةُ كالحَمام (¬7).
والثالث: الشَّاةُ والآدَمِيُّ وما في حَجْمِهما، فيُنْزَحُ جميعُ ماءِ البِئْر (¬8)، فأما إذا انْتَفَخَ الحيوانُ أو تَفَسَّخَ فإنه يَجِبُ نَزْحُ الماء كلِّه صغيرًا كان الحيوانُ أو كبيرًا بعد أن يكون له دمٌ سائِلٌ.
¬
(¬1) كتاب "المجرد" للإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي، يحتوي على ما رواه عن أبي حنيفة من المسائل وأدلتها، ومن كتاب المجرد هذا: جرّد محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي أحاديثه التي رواها الحسنُ بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة، حيث كان ابن حُبيش سَمِعَ "المجرد" من محمد بن شجاع الذي كان سمعه من الحسن بن زياد، وتفقه الحسن بن زياد على أبي حنيفة، وداود بن نصير، وحماد بن أبي حنيفة، وزفر بن الهذيل، وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، (ت: 204هـ). ينظر: الأمتاع ص36 ــ131.
الكوثري، محمد زاهد الكوثري، (1438هـ)، الأمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد وصاحبه محمد بن شجاع، (تحقيق: حمزة محمد سليم البكري)، ط1، دار الفتح، عمان ــ الأردن.
(¬2) ساقطة من ب.
(¬3) ساقطة من ب د.
(¬4) يستحب أن ينزح منها عشرة دلاء. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص79.
(¬5) العشرون: بطريق الإيجاب، والثلاثون: بطريق الاستحباب. كذا في الهداية ج1، ص334.
(¬6) وفي ب: إلى خمسين.
(¬7) وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: نزع عشرين إلى الثلاثين في الفأرة الواحدة، وكذلك إلى الأربع، فإن كانت خمسًا ينزح منها أربعون دلواً إلى التسع، وإن كانت عشرًا فالجميع ينزح، كذا في النهاية شرح الهداية ج1، ص283 ناقلاً عن الفتاوى الظهيرية، وكذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص81.
(¬8) هذا ظاهر الرواية. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص80.
الجزء 1 · صفحة 79
وأمّا غيرُ الحيوان فقالوا: في البَعْرَةِ والبعرتين إذا وَقَعَتْ في البِئْر، وأُخْرِجَتْ قبل أن تَتَفَتَّت لم تُنَجِّس الماءَ استحسانًا (¬1). وكذالك إذا حَلِبَ فوَقَعَ في الحَليب (¬2).
فأمّا إذا كان البَعْرُ كثيرًا (¬3) وكان نِصْفُهُ بَعْرَةً تَفَرَّقَ أَجْزاؤُها، أو وَقَعَتْ فيها حَشَبَةُ نَجاسةٍ فإنّه ينزح ماءُ البِئْر كلِّه، واختلفوا في وقت طَهارةِ البِئْر المَنْزُوحَةِ ماؤُها (¬4)، وقال أبو يوسف س: إذا أُخْرِجَ الدَلْوُ الأَخيُر من البئْر ولم يَنْفَصِل من رأْسِ البِئْر لم يَطْهُر، وقال محمد س: إذا انْفَصَلَ الدَّلْوُ من الماء طَهُرَتِ البِئْرُ وإن لم يَنْفَصِل عن رأسها، وأما الدَّلْوُ والحَبْلُ فيَطْهُران بِطَهارة البِئْر من غير غَسْلٍ في قولهم.
وأمّا صِفَةُ الدَّلْو فهو المُعْتادُ المُتَوَسِّطُ، ورَوى الحسنُ عن أبي حنيفة ب: أنه دَلْوٌ يَسَعُ فيه صاعٌ من ثَمانيةِ أَرْطالٍ، وقال محمد (¬5) س: إذا وَقَعَ في البِئْر فأْرَةٌ فجاؤُوا بِدَلْوٍ عَظيمٍ يَسَعُ فيه عِشرون دَلْوًا، فاستَقَوا بها مَرَّةً واحدةً أَجزأهم (¬6) وهو أَحَبُّ إلي؛ لأن القَطَرَ الذي يَعودُ منها إلى البِئْر أَقَلَّ.
¬
(¬1) وجه الاستحسان: أن آبار الفَلَوَات ليس لها رُؤوسٌ حاجزةٌ، والمواشي تَعْبَرُ حولَها، فتُلقيها الرِّيحُ فيها، فجُعل القليلُ عفواً؛ للضرورة، ولا ضرورة في الكثير. ولا فرق بين الرَّطب واليابس، والصحيح والمُنْكسر، والرَّوث الخِثْي والبَعْر؛ لأن الضرورة تشمل الكلَّ. كذا في الهداية ج1، ص331. وقال التمرتاشي: اختلف في آبار البيوت فمنهم من قال: تفسده؛ لأن الضرورة معدومة، والأصح التَّسْوية أي: لا يفسد. كما في النهاية ج1، ص272.
(¬2) سئل خلف بن أيوب عن شاة تحلب فتقع بعرة أو بعرتان في المِحلب فيلقيان من ساعته، قال: لا بأس به، وهكذا روي عن نصير بن يحيى، ومحمد بن مقاتل الرازي. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص89. وقال في النهاية ج1، ص274: ولأن من عادتها أنها تعبر عند الحلب، وللضرورة أثرٌ في إسقاط حكم النَّجاسة.
(¬3) اختلف في الكثير منها:
الأول: أن يُغطي وجه ربع الماء
الثاني: أن يغطي وجه أكثره.
الثالث: أن لا يخلو دلو من بعرة، أو بعرتين وهذا روي عن محمد بن سلمة كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص89، وصححه صاحب المبسوط ج1، ص87، والنهاية شرح الهداية ج1، ص273.
الرابع: الكثير: ما يَسْتَكْثِرُهُ الناظرُ إليه، والقليل: ما يستقله. وهو المروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وفي الهداية ج1، ص331: عليه الاعتماد، وقال في البدائع، وقاضي خان: هو الصحيح. كذا في الغاية شرح الهداية ج1، ص362.
الخامس: الثلاث كثير. وفي شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص89: وهذا الأظهر؛ لأن محمدًا - رضي الله عنه - ذكر في الجامع الصغير في بعرة أو بعرتين وقعتا في الماء لا يفسد الماء وسكت عن الثلاث، ولم يجاوز عن الثلاث، فدل على أن الثلاث كثير فاحش.
السادس: روي عن الحسن بن زياد - رضي الله عنه - أنه قال: إن كان يابساً لا يوجب التنجيس صحيحا كان أو منكسراً وإن كان كثيراً، والرَّطْبُ وإن كان قليلاً لا يمنع أيضا لضرورية. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص89.
السابع: نصف الماء، كذا رجحه المصنف ههنا.
(¬4) لو أن الدلو الأخير إذا كان في الماء ولم ينزح، فإن البئرَ لا تطهر بالاتفاق، ولو أنه إذا استخرج ونُحِّيَ عن رأس البئر، فإنها تطهر اتفاقًا، ولو أنه نُحي عن رأس البئر ولم يصب بعد، فجاء رجلٌ وتوضأ بذلك الماء أجزأه. ولو كان الدلو في الماء ولم تنح بعد، فاستعمل رجل ذلك الماء، فإنه لا يجزئه.
ولو نحى عن رأس الماء ولم يُنَحَّ عن رأس البئر والماء يتقاطر في البئر اختفوا فيه: قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله عنهما -: ليس له أن يستعمل ذلك الماء، وقال محمد وزفر - رضي الله عنهما -: له أن يستعمله، وأجمعوا جميعًا أن الماء المتقاطر لا يُنجس البئر على اختلاف المذهبين. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص86.
(¬5) وفي د: وقال محمد في رواية عشرة أرطال.
(¬6) هذا عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر - رضي الله عنهم -. كذا في شرح مختصر الطحاوي لإسبيجابي ج1، ص83.
الجزء 1 · صفحة 80
وأمّا إذا ماتتِ الفأْرةُ في غير الماء فإن كان مائِعًا نَجَّسَ جَميَعُه (¬1)، وإن كان جامِدًا رَطْبًا كالسَّمْن الجامد أُلْقِيَتِ الفأرَةُ وما حَوْلَها والباقِي طاهِرٌ، وإن كان يابِسًا كالحِنْطَةِ والثِّياب لم يَضُرَّها شيءٌ.
بابُ ما يَجُوزُ الانتفاعُ به من الأَعْيان النَّجِسَة وما لا يَجُوزُ الانتفاعُ به من الأَعْيان الطَّاهِرَةِ
الأَنْجاسُ ثلاثةُ أنواعٍ:
أَحدُها: نَجَسُ العَيْن كالخَمْر، والخِنزير، والمَيْتَةِ، والدَّمِ فلا يَجُوز الانتفاعُ به إلّا عند الضَّرُورَةِ.
وثانيها: نَجَسٌ من طَريق المُجاوَرَةِ كالماءِ والدُّهْن يَمُوتُ فيهما فأْرَةٌ.
وثالثُها: نَجَسٌ بالمُخالَطَةِ كدُهْن المَيْتَةِ والزَّيْت يَخْتَلِطان.
فأمّا الخَمْرُ فلا يَجُوز (¬2) الانتفاعُ به من كُلِّ وَجْهٍ إلّا أنْ يَتَّخِذَها خَلاًّ، أو مُرِيًّا (¬3) قال أبو حنيفة س: أُكْرِهُ دُّرْدِيَّ (¬4) الخَمْر أنْ تَمْتَشِطَ به المَرْأَةُ (¬5)، وكَرِهُوا التَّبَخُّرَ بِفَحْمٍ أَطْفَى بالخَمْر، وكَرِهُوا النَّظَرَ إلى الخَمْر في الضُّوءِ وهي في الزُّجاج تَلَذُّذًا بحُسْن لَوْنِها (¬6).
واخْتَلَفُوا في المُضْطَرِّ فقال أصحابنا: يَشْرَبُ منها مِقْدار ما يُمْسِكُ به رَمَقَهُ، ويَدْفَعُ به ضَرَرُ العَطَش، وقال الشافعي س: لا يَشْرَبُها؛ لأنّها لا تَزِيدُهُ إلّا عَطَشًا وجُوعًا؛ ولأنّها تذْهبُ بالعُقُول، فأمّا الخِنزيرُ فلا يَنْتَفِعُ به إلّا عند الضَّرُورَةِ بأن يأْكُلَ المُضْطَرُّ من لَحْمه ما يُمْسِكُ به رَمَقَهُ، أو لا يَجِدُ المُسْلمون في دارِ الحَرْبِ حُمُولَةً لأثْقالِهم فيَحْمِلُونها على ظُهُورِها.
¬
(¬1) قال ابن قطلوبغا في رسالته أحكام الفأرة ص171: وإن كان مائعا، لم يؤكل وينتفع به في غير الأكل كالاستصباح، ودبغ الجلود وغيرها، وله أن يبيع ويبين ما فيه من العيب، فإن لم يبين ذلك، فالمشتري بالخيار: إن شاء رده على البائع، وإن شاء أمسكه.
ابن قطلوبغا: قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله المصري، (1442هـ) أحكام الفأرة إذا وقعت في الزيت ونحوه (تحقيق: عبد الحميد محمد الدرويش، وعبد العليم محمد الدرويش). ط1، دار المقتبسة، دمسق ــ سوريا.
(¬2) في ب د: يحرم.
(¬3) أي: يؤْخذ الخَمْرُ فَيُجْعَلُ فِيهِ الْمِلْحُ وَالسَّمَكُ وَيُوضَعُ فِي الشَّمْسِ، فَتَتَغَيَّرُ الْخَمْرُ إِلى طَعْمِ المُرِّيِّ، فَتَسْتَحِيلُ عَنْ هَيْئَتِهَا كَمَا تَسْتَحِيلُ إِلى الخَلِّيَّة. كذا في لسان العرب ج2، ص437.
(¬4) هو ما يبقى في أسفله. كذا في الصحاح ص204.
(¬5) كذا في الكنزص620، وفي الاختيار ج3، ص515: لأنه من أجزاء الخمر، وفي الدرر ج2، ص88: أراد بالكراهة الحرمة، لأنّ فيه أجزاء الخمر، وعبَّر به لعدم القاطع فيه.
(¬6) كان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أصحابنا أنه لا يحل للإنسان النظر إلى الخمر على وجه التلهي. كذا في حاشية الشبلي على التبيين ج6، ص49.
الجزء 1 · صفحة 81
وأمّا شَعَرُ الخِنزير فَيُكْرَهُ الانتفاعُ به إلّا الخَرْز للأَساكِفَة لضَّرُورَةِ؛ ولأنّ غيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ، وكَرِهَ أبو يوسف (¬1) والشافعي ب: الخَرْزَ به أيضًا (¬2)، ولا خِلافَ بينهم في نَجاسَتِهِ (¬3) إلّا ما رُوِيَ عن محمد س: أنّه إذا وَقَعَ في الماءِ ولم يَغْلِب عليه جاز الوُضوءُ به (¬4).
وأمّا الكِلابُ والسِّباعُ كلُّها فيَجُوزُ الانتِفاعُ بها من غَيْر ضَرُورَةٍ للاصطيادِ وحِفْظ الزَّرْع؛ لأنّها وإن كانتْ نَجِسَةَ العَيْن إلّا أنّها أُجْرِيَتْ مَجْرَى النَّجاسة المُجاوَرَةِ؛ لأنّه غيرُ مَقْطُوعٍ على تَحْرِيمِها؛ لاختلاف النَّاس في إِباحَةِ أَكْلِها، ولا خِلافَ في الخِنْزير.
وذَكَرَ الكَرْخِيُّ: عن أصحابنا: @أنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُ العَذِرَةِ (¬5) ولا الانتفاعُ بها؛ لأنّها نَجِسَةُ العَيْن. ورَوَى هِشامُ عن محمدٍ عن أبي حنيفة ش: أنّه كُرِهَ البَيْعُ وأَجاز الانتفاعَ (¬6)، وذَكَرَ في «الجامع الصَّغير» تَحْرِيمَ البَيْع ولم يَذْكُرِ الانتفاع (¬7)! (¬8). فأما المَيْتَةُ فَيُؤْكَلُ منها عند الضَّرُورة ما يُمْسِكُ به الرَّمَق ولا يَنْتَفِعُ بشيءٍ من أَجزائها، ولا بْدُهْنِها ووَدِكِها (¬9) في الجُلُود والعَجَل والسُّفُن.
فأمّا ما يَنْجُسُ بالمُجاوَرَةِ فَيَجُوزُ الانتفاعُ به في غير الأَكْل والأَبْدان كالماء الذي ماتتْ فيه فأْرَةٌ فإنه يَجُوزُ أن يُسْقِيَ منه الدَّوابُ، ويَبُلَّ بها الطِّين بغير المسجد، وإذا عَجَنَ به عَجينٌ جاز بَيْعُهُ وإن كان دُهْنًا ماتتْ فيه فأْرةٌ فإنّه جاز الاستصباحُ بها والدِّباغَة. وإدْهانُ الدَّواب والدُّوَّارَةِ (¬10)، ويَجُوزُ بَيْعُهُ وهِبَتُهُ والوَصِيَّةُ به (¬11)، وقال الشافعي س: لا يَجُوزُ بيعُهُ، ويَجُوزُ و ما سِوى ذلك.
¬
(¬1) لأن الشعر جزء من أجزاء الخنزير، وقد تغلظ حكم الخنزير في التحريم، فلا يجوز الانتفاع بأجزائه. كما في شرح مختصر الكرخي للقدوري ج3، ص93.
(¬2) ينظر: المجموع ج1، ص511، وأسنى المطالب ج1، ص21.
(¬3) قال القدوري في شرحه على مختصر الكرخي ج3، ص94: في الرواية المشهورة: إن شعر الخنزير نجس؛ لأنه جزءٌ من أجزائه، فصار كسائر أجزائه، ولأن الخنزير قد تغلظ حكمه، فتعلق التغليظ بأجزائه.
(¬4) لأنه لا حياة فيه، فوجب أن يحكم بطهارته كشعر غير الخنزير، وليس يمتنع أن يتعلق التحريم به مع طهارته. كما في شرح مختصر الكرخي للقدوري ج1، ص183.
(¬5) العَذِرَةُ: رَجيعُ الآدمي. ينظر: غاية البيان ج15، ص536.
(¬6) في بيع العذرة وانتفاعها قولان:
قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير: وري عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في جواز الانتفاع بالعذرة روايتان: في إحدى الروايتين: يكره. وفي الثانية: لا يكره، فعلى قياس الرواية التي لا يكره: ينبغي أن يجوز بيعه. كذا ذكر الأتقاني في غاية البيان ج15، ص534، وقال الزيلعي: والصحيح عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الانتفاع بالعذرة الخالصة جائز. كذا في التبيين ج6، ص26.
قال القدوري في شرح مختصر الكرخي ج9، ص323: الصحيح أن يمنع من استعمالها إلّا أن يغلب التراب عليه، وقال قاضي خان في شرح الجامع الصغير ج3، ص1290: وهو ظاهر الرواية، وصححه المرغيناني في الهداية ج6، ص497.
(¬7) عبارة الجامع الصغير ص261: "لا بأس ببيع السرقين، ويكره بيع العذرة".
(¬8) انتهى من شرح مختصر الكرخي ج3، ص99.
(¬9) وفي د: ولا بودكها.
(¬10) ساقطة من ب.
(¬11) كذا ذكره القدوري في شرحه على مختصر الكرخي ج3، ص100.
الجزء 1 · صفحة 82
وأمّا ما يَنْجُسُ بالمُخالَطَةِ فإن كان ذلك ماءً فإن كانتِ النَّجاسَةُ غَيَّرَتْ (¬1) أَحَدُ أوصافه الثَّلاثة حَرُمَ الانتفاعُ به من كُلِّ وَجْهٍ، وصار كغَلَبَةِ الأَجْزاء، وأمّا غيرَ الماء فيُعْتَبَرُ فيه غَلَبَةُ الأَجْزاء وذلك مثل أن يَخْتَلِطَ وَدِكِ المَيْتة بالزَّيت فإن كان الوَدِكُ هوالغالبُ لم يَجُزِ البَيْعُ و الانتفاعُ به، وإن كان الزَّيتُ هوالغالبُ جاز الانتفاعُ به والبيعُ وسائرُ التَّصَرُّفات في غير الأَكْل والأَبْدان (¬2) (¬3).
وقالوا: في السِّرقين (¬4) إذا غَلَبَ التُّرابُ عليه جاز البَيْعُ والانتفاعُ، وإن كان السِّرْقِينُ هوالغالِبُ لم يَجُزْ واحدٌ منهما (¬5)، وسُئِلَ الحَسَنُ البصريّ (¬6) س عن صَبِيٍّ بال في زَعْفران، قال: يَصْبُغُ به الثَّوبَ ثم يُغْسَلُ، ورَوَى هِشامٌ عن محمد ب قال: يُكْرَهُ شُرْبُ التِّرْياق إذا كان فيه شيءٌ من الحَيّات وإن لم يَعْلَم أنّ فيه حَيَّةٌ فلا بأسَ بِشُرْبه.
وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الأَكْلَ يَمْنَعُ منه النَّجاسات القَليلة ولا يُعْتَبَرُ فيه الغَلَبَةُ وإنَّما أُعْتبر (¬7) بالغَلَبَةِ في غير (¬8) الأَكْل من المَنافع.
واختلفوا في التَّداوِي بِشُرْب أَبوالِ الإِبْل فَكَرَهَ ذلك أبو حنيفة س، ولم يُكْرِهْهُ أبو يوسف س، فأمّا محمد س فإنّ عنده أَبْوالُ الإِبل طاهرةٌ، وهكذا اختلفوا في رجلٍ أَدْخَلَ مَرارةً في أُصْبعه مُتداوِيًا فَكَرِهَهُ أبو حنيفة س، ولم يُكرهاه، وذلك مبنيٌّ على مَسْئلة التَّداوي بأَبوال الإبل.
¬
(¬1) وفي أ غلبت
(¬2) وفي ب د بزيادة: جاز البيع.
(¬3) والأصل فيه هذه المسألة: قد قال ابن رستم عن محمد، قال أبو حنيفة: كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه إذا بيّن ذلك، فلا بأس بالانتفاع به، وكل شيء الغالبُ عليه الحرام، فلا خير في بيعه ولا هبته. كما في شرح مختصر الكرخي للقدوري ج3، ص99.
(¬4) قال الأتقاني في غاية البيان ج15، ص534: السرقين مالٌ، فجاز بيعه كسائر الأموال، وإنما قلنا: إنه مالٌ؛ لأن المال ما ينتفع به ويتموَّلُ. أي: يُدَّخر لوقت الحاجة، وقد تموَّل المسلمون السرقينَ، وانتفعوا به من غير نكير من أحد من السلف، ألا ترى أن الناس يُلقونه في الأراضي لاستكثار الرِّيع، وما كان منتفعا به كان مالًا، فجاز بيع.
(¬5) وفيه نظر، لأن كتب المذهب لم يفرق بين الغلبة وعدمه، مثل مختصر اختلاف العلماء ج3، ص 90 قال: قال أصحابنا: لا بأس ببيع السِّرجين (السرقين)، وفي شرح مختصر الكرخي ج3، ص98: قال أبو الحسن الكرخي: أجاز أصحابنا جميعا بيع السرجين، والبعر، وشراؤه، الانتفاع به، وقال أبو الحسن: في موضع آخر ج9، ص323: لا بأس ببيع السرقين؛ فلأن النّاس ينتفعون به في سائر الأعصار منفعةً عامةً من غير نكيرٍ، وإباحة الانتفاع تدلّ على جواز البيع. اهـ. هذا يدل على عدم الفرق بينهما سواء غلب عليه التراب أو لا.
(¬6) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، البصري، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، كان سيد أهل زمانه علما وعملا، وشيخ أهل البصرة، وأفتى في زمن الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، ورأى عثمان، وطلحة، والكبارَ، وعلي بن أبي طالب، وعائشة ش، قال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس للحلال والحرام، (ت: 110هـ). ينظر: سير الأعلام ج4، ص563، تذكرة الحفاظ ج1، ص57، وتهذيب الكمال ج6، ص95، كتائب الأعلام ج1، ص248.
الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، أبو عبد الله، شمس الدين (1405هـ)، سير أعلام النبلاء، (تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط)، ط3، مؤسسة الرسالة. المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين (1400هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، (تحقيق: بشار عواد معروف)، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(¬7) وفي ب د اعتبرنا الغلبة.
(¬8) وفي ب عين.
الجزء 1 · صفحة 83
فأمّا ما لا يَجُوز الانتفاعُ به مع طَهارته، فمنها عِظام بني آدم وشُعُورُهم، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: يجوزُ الانتفاعُ بِشَعْره دون عَظْمِهِ، وأَجْمَعُوا على أنّ البيع لا يجوز فيهما، وأجمعوا في اللَّبَن أنّه لا يجوزُ بَيْعُهُ ويجوز الانتفاعُ به.
وكَرِهَوا ابتذالَ الخُبْز والتَّهاوُن بطَرْحِه حيث يُوطأُ، أو في موضعٍ نجسٍ، أو الانتفاعَ به لغير الأَكْل. قال هشام:: سألتُ محمدا س عن الوُضوء بالدَّقيق والسَّويق بمنزلة الأُشْنان بعد الأَكل الطَّعام، فأَخْبَرَنِي أنّ أبا حنيفة وأبا يوسف ب: لم يَريا به بأسًا، وهو قول محمد س والله أعلم.
باب الأواني
الأَوانِي على ثلاثةِ أَنواعٍ:
أحدُها: من غير الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فيجوزُ الانتفاعُ بها في الوُضُوء، والأَكْلِ، والشُّرْب، وغير ذلك مُثَمَّنَةً كانتْ كالعَقِيق والبِلَّوْرِ والفَيْرُوزَج، أو غيرَ مُثَمَّنَةٍ كالخَشَبَ والخَزَفِ والزُّجاج (¬1). قال الشافعي س: ما ازداد ثَمَنُهُ بالصَّنْعَة جاز استعمالُهُ كالزُّجاج والصُّفْر، وما ازداد ثَمَنُهُ بِجَوْهَرِهِ لم يجز استعمالُهُ كالبِلَّوْر والعَقِيق (¬2).
وثانيها: آنِيَةُ الذَّهَبِ والفِضَّة، فيُكرَهُ استعمالهُا للرِّجال والنِّسا (¬3) ء في جَميع ما ذكرْنا، وكذلك الإدّهانُ من مَداهن الذَّهَب والفِضَّة والتَّطَيُّب والتَّبَخُّر بجَمْرَة الفِضَّة، فأما الِمدْخَنَةُ (¬4) فلا تُكرَهُ؛ لأنها للجَمال فقط، والتَّجَمُّلُ بهذه الأَواني يَجُوز، وقال محمد س: لا بأْس بأن يكون في بَيْتِهِ أَواني الذَّهَبِ للتَّجَمُّل لا يُشْرَبُ فيها.
فَكَرِهُوا المِكْحَلَةَ، والمِحْرَضَةَ، والمِيل، والمِلْعَقَة (¬5)، والمِسَلَّةَ، والإبْرَة، [والأسنانَ (¬6) المِحْرَضَةَ (¬7)] إذا كانت من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، وكذا التَّخَلُّلُ وإخراجُ وَسَخِ الأُذن بآلةِ الفِضَّة والفَصْد بمِبْضَعِ الفِضَّة.
وثالثها: المُفَضَّضَةُ قال أبو حنيفة ومحمد ب: لا بأس باستعمالها كثيرةً كانتِ الفِضَّةُ أو قليلةً، فأمّا استعمالُ موضعِ الفِضَّة بإطلاقهم جوازُ استعمالِ الآنِيَةِ المُفَضَّضَة يَقْتَضِي أن يُجَوِّز،
¬
(¬1) كذا في شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص114.
(¬2) ينظر: الحاوي الكبير ج1، ص76، حلية العلماء ج1، ص102.
(¬3) وهنَّ فيما سوى الحليّ من الأكل والشّرب في الذهب والفضة، والقعود عليه، والادهان فيه بمنزلة الرجال، فأما الأكل والشرب فقد ورد النهي فيه عاماً، فيتناول الرجال والنساء. كذا في شرح مختصر الكرخي ج9، ص318.
(¬4) أي: المجمرة بكسر الأول هي المِبْخَرَة والمِدْخَنَة: ما يبخر به من عُود وغيره. كما في المصباح ج1، ص108.
الفيومي، أحمد بن محمد بن علي الحموي، أبو العباس. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، بيروت.
(¬5) وفي أ: المعلقة.
(¬6) ساقطة من ب
(¬7) ثابتة من د.
الجزء 1 · صفحة 84
وكذلك رَوَى أبو يوسف عن أبي حنيفة ب: أنّه إذا كانت حَلَقَةُ المِرآة من فِضَّةٍ جاز استعمالهُ، والحَلَقَةُ: موضعُ الاستعمال.
ورُوي عن أبي حنيفة س: في القَدَحِ [من عُودٍ] (¬1) إذا كان [عند إناءٍ] (¬2) فيه ضَبَّاتُ (¬3) فِضَّةٍ على حافِتَيْه أنّه لا بأس بالشُّرْب فيه ما لم يَضَعُ فاهُ على الفِضَّة، و يَعْضُدُ ذلك روايةُ أبي يوسف عن أبي حنيفة ب: أنّه كان لا يَرَى بأسًا بتَذْهيب السَّقْف، وكذلك قِياسُ قوله (¬4) في الباب والسَّرْج والسَّرير إذا كان مُفَضَّضًا، وكان القاعِدُ على غير الفِضَّة، ولا أَحْفظُ فيه رواية في استثناء (¬5) موضع الجُلُوس على السَّرير والسَّرج، فصار في استعمال موضع الفِضَّة روايتان عن أبي حنيفة (¬6) س.
فأمّا أبو يوسف س فَكَرِهَ كُلَّ شيءْ يُفَضَّضُ (¬7) حتى المَصاحف يُضَبَّبُ بالذَّهَب والفِضَّة، قال: ولو رَخَّصْت في شيءٍ من ذلك لكان المُصْحَفُ أولى، وإنّما كُرِهَ ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالمَجُوس، وإنّما رُخِّص في خاتَم الفِضَّة يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ، أو حُلْيَةُ السَّيف والمِنْطقة إذا كانت من فِضَّةٍ لما جاءَ (¬8) في ذلك من الرُّخْصَةِ، وقال الشافعي س: إذا كانتِ الفِضَّةُ كَثيرةً يحتاجُ إليها لإصلاحِ مَوضعِ الكَسْر كُرِه، وإن لم يَحْتَج إليها فحَرامٌ، وإن كانتْ يَسيرةً فمُباحٌ أُحْتيجَ إليها أو لم يُحْتَج إليها (¬9).
وأمّا الرِّكاب (¬10) (¬11) والثَّفَرُ (¬12) والعِذارُ (¬13) فهو على الخِلاف الذي ذَكَرْنا لا يُكْرَهُ عند أبي حنيفة ومحمد ب إن كانتْ مُفَضَّضَةً، ويُكْرَهُ عند أبي يوسف س، وأمّا رِكابُ الفِضَّة ولِجامُ الفِضَّة فَيُكْرَهُ في قولهم جميعًا؛ لأنه استعمالُ الفِضَّة على جِهَتِها.
وأمّا السِّلاحُ وما كان المَقْصُودُ منه اللُّبْسُ كالمِنْطَقة وحَمائل السَّيْف والخاتَم، فإن كانتْ حُلْيَتُها ذَهَبًا كُرِهَ للرِّجال، وإن كانتْ فِضَّةً لم يُكْرَه (¬14)، وأمّا السِّلاحُ المُمَوَّهُ بالذَّهَب والفِضَّة
¬
(¬1) ثابتة من ب د.
(¬2) ساقطة من ب د.
(¬3) والضَّبَّةُ: من حديدٍ أو صُفر أو نحوه يُشَعَّبُ بها الإناء وجمعها ضبّات: كذا في المصباح ج2، ص357:
(¬4) وفي د قوليه.
(¬5) وفي أ فاستثنى.
(¬6) وجه قول أبي حنفة - رضي الله عنه -: أن الفضة تابعة في ذلك الإناء، فهي كطراز الثوب وعَلَمِه، ولأن المنع من الفضة للتشبه بالأعاجم، والتافخر به، وهذا المعنى لا يوجد في المفضض، وأما أنه يجعل فاه على العود دون الفضة، فلأنه إذا وضع فمه على الفضة، فقد استعمل الفضة، وذلك لا يجوز، وقد روي عنه جواز ذلك؛ لأن الفضة لما صارت تابعةً لم يكره أن يباشرها بيديه، كما لا يكره في عَلَم الثوم. كما في شرح مختصر الكرخي ج9، ص318.
(¬7) وفي ب مفضض.
(¬8) ثابتة ب د.
(¬9) ينظر: الحاوي الكبير ج1، ص78ـ80، والبيان ج1، ص89.
(¬10) ثابتة من د، وفي أ ب: المراكب.
(¬11) الركاب: للسرج ما توضع فيه الرِّجل وهما ركابان. كذا في الوسيط ج1، ص368.
(¬12) الثَّفَرُ بالتحريك: السَّيْرُ الَّذِي فِي مؤَخر السَّرْج، وثَفَر الْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَالدَّابَّةِ. كذا في لسان العرب ج4، ص105.
(¬13) العِذار: ما سال من اللجام على خد الفرس. كذا في الوسيط ج2، ص590.
(¬14) وبه قال أبو الليث في العيون ص380، واختاره المنصف هنا، ولكن قال الإسبيجابي في شرحه على مختصر الطحاوي ج1، ص117: وأما السيف إذا كان محلّى بذهبٍ أو فضة فلا بأس به، وكذلك المِنطقة المفضَّضة؛ لأن الآثار ورَدَتْ فيها بالرُّخْصَة في السِّلاح، وهذا في قولهم جميعًا، والمُصْنف فرَّق وقال: إن كانت حليتها ذهباً كره للرجال.
الجزء 1 · صفحة 85
والرِّكاب واللِّجام المَطِليّ والسَّيف والمَذْهب فلا بأسَ به في قولهم (¬1)، قال أبو يوسف س: لا يَنْبَغي للرّجُل أن يَلْبِسَ ثَوبًا فيه كِتابَةُ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ (¬2)، ولا بأسَ بهما عند أبي حنيفة س، وإذا تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ فَشَدَّها بِفِضَّةٍ جاز في قولهم (¬3).
وإنْ شَدَّها بِذَهَبٍ كُرِهَ في روايةِ «الجامع الصَّغير» عن أبي حنيفة س، ورُوِي عنه روايةٌ أُخْرى: أنّه لا (¬4) يُكْرَهُ (¬5) وهو قول صاحِبَيْه، وقال أبو يوسف س: ليس هذا كالتَّحَلِّي هذا يُشْبِهُ مِسْمارَ ذَهَبٍ في فَصِّ خاتَمٍ (¬6)، ومعْنى ذلك؛ لأنّه لا يَظْهَرُ فلا يَتَزَيَّنُ به، وفيه أَثَرٌ، وذلك أنّ عَرْفَجَة بن أَسْعَد أُصِيبَ أَنْفَهُ في الجاهِلِيَّة فاتّخَذَ أَنْفًا من فِضَّةٍ فأَنْتَنَ عليه فأَمَرَهَ رسولُ لله ع أن يَتَّخِذَها أَنْفًا من ذَهَبٍ (¬7).
باب التَّيَمُّم
التَّيَمُّمُ (¬8) تارةً يُفْعَلُ بَدَلاً عن الوُضوء، وتارةً يُفْعَلُ بَدَلاً عن الغُسْل، ويُفْعَلُ (¬9) لهما على صِفَةٍ واحدةٍ (¬10)، وكلُّ معْنى يَجِبُ لأَجْله الوُضُوءُ أو الغُسْلُ نابَ عنه التَّيَمُّمُ إذا لم يُمْكِنْهُ استعمالُ الماءِ.
وفَرْضُ التَّيَمُّم ضربتان: ضَرْبَةٌ (¬11) للوَجْه، بِيَديه يَمْسَحُ بهما وَجْهَهُ، وضَربةٌ [أُخْرى لليَدين] (¬12) يَمْسَحُ بأَصابعِ كُلِّ يَدٍ ظاهرَ ذِراعِ الأُخْرى، ثم يَسْمَحُ بِباطن كلِّ كَفٍّ باطِنَ ذِراع
¬
(¬1) كذا في شرح مختصر الكرخي ج9، ص318.
(¬2) لأن استعمال الذهب في الثَّوب كاستعماله في الإناء عنده، فيكره. كذا في مختصر الكرخي ج9، ص318.
(¬3) كذا في شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ج1، ص115.
(¬4) ساقطة من أ.
(¬5) قال بشر عن أبي يوسف - رضي الله عنه - في كتاب الأشربة من الإملاء: ولو أنّ رجلاً تحرَّكت سنّه ولم تسقط، فخاف سقوطها، فشدَّها بذهبٍ أو فضةٍ، لم يكن به بأسٌ في وقول أبي حنفية وأبي يوسف - رضي الله عنهما -. كذا في شرح مختصر الكرخي ج9، ص320.
(¬6) ثابتة من ب د.
(¬7) أخرجه أبو داود في سننه ج4، ص92، والترمذي في السنن ج3، ص297، والنسائي في المجتبى ج8، ص163، وأحمد في المسند ج33، ص397.
النسائي، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، أبو عبد الرحمن (1306هـ)، المجتبى من السنن (سنن الصغرى)، (تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة)، ط2، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
(¬8) التيمم لغة: القَصْدُ، قال ابن السِّكِّيت: قوله تعالى:} فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا {[النساء:43] أي: أقْصدوا لصعيدٍ طَيِّبٍ. كذا في الصحاح ص682.
شرعًا: عبارةٌ عن القصد إلى الصَّعيد للتطهير. كذا في المبسوط ج1، ص106، والنهاية ج1، ص321، والمستصفى ج1، ص211.
(¬9) وفي ب يقع، وفي د: يفعل به لهما.
(¬10) كذا في المبسوط ج1، ص117، وفي النهاية ج1، ص335: وهو قول أصحابنا، وعليه عامة العلماء.
(¬11) اختار لفظة الضرب وإن كان الوضع جائزاً لما أنّ الآثار جاءت بلفظ الضرب، لأن الضرب أبلغ لتخلّل التُّراب بين أصابعه. كذا في المستصفى ج1، ص217، وغاية البيان ج1، ص264.
(¬12) ساقطة من د.
الجزء 1 · صفحة 86
الأُخْرى إلى الرُّسْغ (¬1) (¬2)، فإن ترَك شيئًا من موضع التَّيَمُّم لم يَمْسَحْه لم يَجُز في ظاهرٍ من المَذْهب (¬3) على ما ذَكَرَهُ الكَرْخِيُّ عن أصحابنا، وهو اختيارُ القُدُوِريّ (¬4)، ورَوَى الحَسَنُ عن أبي حنيفة ب: أنّه إن تَيَمَّمَ الأَكْثَرَ من وَجْهِهِ، والأَكْثَرَ من ذِراعَيْه وكَفَّيْه، وتَرَكَ اليَسِيرَ أَجْزأَهُ (¬5) وهو اختيارُ الرَّازِيِّ.
وسُنَنُ التَّيَمُّمِ أَرْبعةٌ:
1) التَّسْمِيَةُ في أَوَّله.
2) وأن يُقْبِلَ بِيَديه ويُدْبِرَ إذا ضَرَبَهُما على الصَّعِيد، والفَرْضُ بذلك تَخْلِيلُ الأَصابع بالتُّراب كما أنّ تَخْلِيلَها في الوضوء مَسْنونٌ.
3) ونَفْضُ اليَدين عند رَفْعِهما من الصَّعيد، وقال الشافعي س: لا يَنْفُضُهما (¬6).
4) والتَّرْتِيبُ سُنَّةٌ عندنا، وهو البِدايةُ بالوَجْه، ثم باليَدِ اليُمْنى، ثم باليُسْرى، وعند الشافعي س: التَّرْتِيبُ فَرْضٌ (¬7).
وشَرائطُ التَّيَمُّم أَرْبَعَةٌ:
¬
(¬1) الرسغ: مفصل الكف، وأحد طرفيه كوعٌ، ــ ويقال: كاعٌ أيضًا، كبوع باعٌ يلي الإبهام ــ والآخر كُرْسُوعٌ يلي الخنصر. كما في الغاية شرح الهداية ج1، ص440.
(¬2) أي: أن يضرب بيديه على الصعيد، ثم ينفضهما، ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى، فيسمح بهما ظاهر ذراعيه إلى مرافقه، ثم يمسح باطن ذراعيه إلى الرُّسْغ، وروى هذا الصفة معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. كذا مختصر الكرخي ج1، ص213، وقال في البدائع ج1، ص46: يمسح المرفقين مع الذراعين عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم - خلافًا لزفر - رضي الله عنه -.
قال السروجي في الغاية شرح الهداية ج1، ص455: الأحسن في مسح الذراعين أن يمسح بثلاث أصابع يديه اليسرى أصغرها ظاهر يده اليمنى مع المرفقين، ثم مسح باطنها بالإبهام والمسبحة إلى رؤوس الأصابع، وهكذا يده اليسرى، ولو تيمم بالكف والأصابع جاز من غير أن يراعي ذلك. هـ. كما قال المصنف.
(¬3) لأن الاستيعاب في التيمم فرضٌ كما قال صاحب المبسوط ج1، ص107: أنه ظاهر الرواية، ومثله في غاية البيان ج1، ص264، والغاية شرح الهداية ج1، ص456، وصحَّح القُدُورِيُّ في شرح مختصر الكرخي ج1، ص214.
(¬4) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان القدوري، أبو الحسين، الشيخ الإمام الفقيه، كان ثقةً صدوقًا، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه بالعراق، وارتفع جاهه، وعظم قدره، وكان حسن العبارة في النظم، جريء اللسان لتلاوة القران، وله: "المختصر" فنفع به خلقًا لا يحصون و"شرح مختصر الكرخي" و"التجريد" و"التقريب في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه" (مجردًا عن الدلائل) و"التقريب" الثاني ذكر فيه السمائل بأدلتها، وغير ذلك من التصانيف، (ت: 428هـ) في يوم الأحد الخامس عشر من رجب. ينظر: كتائب أعلام الأخيار ج2، ص190، الجواهر المضية ج1، ص93.
(¬5) أي: روى الحسن هذه الرواية في المجرد. كما في غاية البيان ج1، ص267، وقال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي أن يحفظ هذه الرِّواية لكثرة البلوى. كذا في المستصفى ج1، ص218.
(¬6) قال في أسنى المطالب ج1، ص88: من سنن التيمم: تخفيف التراب من كفيه أو ما يقوم مقامهما إن كان كثيرا لنفضٍ أو النفخ بحيث يبقى قدر الحاجة.
الأنصاري، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زيد الدين السنيكي، أبو يحيى. أسنى المطالب في شرح روضة الطالب، دار الكتاب الإسلامية.
(¬7) ينظر: أسنى المطالب ج1، ص86، والوسيط ج1، ص381.