الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: شرح مشكلات القدوري
المؤلف: محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري بدر الدين الحنفي الشهير بخواهر زاده (ت 651 هـ)
[تنبيه: لم يُذكَر في مقدمة تحقيق الكتاب مستند نِسبةِ الكتاب لمؤلّفه، ولم يُعقَد لذلك مَبحثٌ أصلا، بل ولا ذُكِر الكتابُ في مؤلفاته بترجمتِه، ولا مَن نَسَب الكتابَ إليه، ولا مَن نَقَل عنه، كما لم يُذكَر أن في المذهب عدة كتبٍ في مشكلات القدوري: يشتبه بعضُها مع المذكور؛ فلْيُحرَّر ذلك]
المحققون:
1 - أحمد راشد المحيلبي: من بداية الكتاب إلى نهاية الحج
2 - محمد عمر العتيبي: من بداية البيوع إلى نهاية الظهار
3 - سعد مجبل الطويل: من بداية اللعان إلى نهاية الكتاب
أصل التحقيق: رسائل ماجستير، تخصص الفقه وأصوله، جامعة العلوم الإسلامية العالمية - الأردن
تقديم: أ. د. صلاح محمد أبو الحاج، عميد كلية الفقه الحنفي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الناشر: التراث الذهبي الرياض - مكتبة الإمام الذهبي الكويت
الطبعة: الأولى، 1438 هـ - 2017 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 4 جُمادَى الأولى 1444
الجزء 1 · صفحة 2
5)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن فرحتنا كبيرةٌ بهذه الثَّلة المباركة من إخواننا الكويتيين: السيد أحمد راشد المحيلبي، والسيد محمد عمر العتيبي، والسيد سعد مجبل الطويل، الطلبة النبجاء، الذين اكتحلت أعيننا برؤيتهم في وطنهم الثاني الأردن والتعريف عليهم، حيث نالوا من عبق علمها ونسيم فيوضها، وضبطوا أصول التحقيق وكيفية التعامل مع المخطوطات، فأثمر جهودكم المباركة في خروج هذه السفر العظيم إلى الوجود بعد أن كان نسيًا منسيًا.
وإننا نفتخر بهم على هذه الهمة العالية والنفوس الطيبة، ونتمنى عليهم إكمال طريق العلم في الاجتهاد في خدمة هذه الدين العظيم، بتحقيق كتب تراثه الرائقة.
ومعلوم أن القُدُوري من أعظم كتب الفقه التي عرفتها أمة الإسلام، ولا نبالغ إن قلنا: لم يرزق كتابًا فقهيًا قبولًا كما رزق هذا الكتاب، فعليه مئات الشروح، وقد ذكرت في مقدمة "خلاصة الدلائل شرح القدوري" ما يزيد عن مئة شرح عليه، وتُرجم إلى لغات عديدة، ونُظم من قبل الأكابر،
الجزء 1 · صفحة 3
6)
ويُدرَّس الآن في عامّة المدارس والجامعات التي تدرس المذهب الحنفي، وهو أحد المقررات في كلية الفقه الحنفي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية.
وكتاب بهذه الشهرة والفضل نحتاج أن يُطبع عليها الشروح العديدة لإفادة الطلبة من علمه الدقيق، وإن هذا الشرح من الإمام الفقيه الكردري، المشهور بخواهر زاده عليه، هو أحد الشروح العظيمة له.
ومعنى العنوان "شرح مشكلات القدوري" أي تفسير وشرح المعاني المشكلة من القُدُوريّ، التي فيها خفاء وتحتاج إلى توضيح وبيان؛ لذلك لم يكن شرحًا لجميع عبارات المتن المبارك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه: الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الموافق 9 - 2 - 2017 م
الجزء 1 · صفحة 4
7)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المُقَدِّمَة
الحمد لله الكريم التَّواب، المنزِّل على عبده الكتاب (1)، ذا الفيض النُّوري (2)، الشَّامل (3) للمهمِّ الضَّروري (4)، لصلاح العباد، وتنوير القلوب (5) لدى أهل الشَّكِّ والإلحاد، فهو الحلُّ الضَّروري (6) لكلِّ ذي عنادٍ مغرور.
(1) إشارةٌ لمختصر القدوري المتن المشروح.
(2) إشارة لكتاب الفيض النُّوري شرح مختصر القدوري، لقيِّم زادة مصطفى بن محمود، (ت 1211 هـ)، ينظر: بكداش، سائد، دراسة عن اللُّباب ومختصر القدوري، ط: دار البشائر الإسلاميَّة، (479).
(3) إشارة لكتاب الشَّامل شرح مختصر القدوري، لأبي اللُّطف، شمس الدِّين، محمد بن محمد بن أحمد الخطيب المصري، الشَّهير بابن شبانة، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (457).
(4) إشارة لكتاب الملهم الضَّروري، لعبد الرَّحيم بن علي الآمدي، توفي في القرن العاشر للهجرة، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (469).
(5) إشارة لكتاب تنوير القلوب على مختصر القدوري، وهو أحد شروح المختصر ومجهول الممؤلِّف، ويوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة لاله في اسطنبول، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (489).
(6) إشارة لكتاب الحل الضَّروري لمختصر القدوري، لعبد الحميد بن عبد الحكيم بن عبد الرَّب اللَّكنوي، (ت: 1353 هـ)، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (486).
الجزء 1 · صفحة 5
8)
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله المجتبى (1) على سائر الخلق، المؤتى من البيان (2) اللُّباب (3)، المبعوث بالحنيفيَّة (4) السَّمحة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الجوهرة النَّيرة (5)، ومن سار على نهجهم من أصحار السِّير العطرة.
فإن العلم الشَّرعي هو زاد الفقهاء (6)، وخير ما اعتني به وقصد، فهو سبيل الرِّفعة في الدِّنيا والآخرة، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (7)، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (8).
(1) إشارة لكتاب المجتبى شرح مختصر القدوري، لنجم الدِّين مختار بن محمود الزَّاهدي الخوارزمي، (ت: 658 هـ)، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (408).
(2) إشارة لكتاب البيان شرح مختصر القدوري، لمحمد بن رسول يونس الموقاني، (ت 664 هـ)، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (418).
(3) إشارة لكتاب اللُّباب في شرح الكتاب، لعبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (ت: 1298 هـ). ينظر الزِّركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الأعلام، 1396 هـ، ط: دار العلم للملايين، (4/ 33).
(4) إشارة للمذهب الحنفي المنسوب للإمام أبي حنيفة.
(5) إشارة إلى كتاب الجوهرة النَّيرة شرح مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي (ت: 800 هـ)، ينظر الزِّركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (2/ 67).
(6) إشارة لكتاب زاد الفقهاء شرح مختصر القدوري، لأبي المعالي، محمد بن أحمد بن يوسف، بهاء الدين، الإسبيجابي. ينظر: ابن قُطلُوبغا، زين الدين قاسم بن قُطلُوبغا السودوني، أبو الفدا (879 هـ)، تاج التراجم، تح: محمد خير رمضان يوسف، ط: دار القلم، (1/ 257).
(7) سورة الزُّمر، من الآية: 9.
(8) سورة المجادلة، من الآية: 11.
الجزء 1 · صفحة 6
9)
ومن أجلِّ علوم الشَّرع، علم الفقه، قال النَّاظم (1):
وبعد فضل الفقه في العلوم ... كفضل بدر التَّم في النُّجوم
فإنه قطب مدار الكلِّ ... عليه في عقدِ لهم والحلِ
والشَّرع قد دعا إليه وندب ... وأعظم الأجر لمن له انتسب
وأحد مدارس هذا العلم المدرسة الحنفية التي تعد اليوم أوسع المذاهب الفقهيَّة انتشارًا في العالم الإسلامي ويرجع هذا الانتشار والقبول لدى الكثير من المسلمين لأسباب منها اعتناء علماء المذهب في تدوين المذهب تأليفًا وشرحًا وتحقيقًا، كما يعود السبب إلى السمات التي اتسم بها المذهب من احترام الملكية، والحريَّة الشَّخصيَّة، والمرونة مع البعد عن الحرام.
وكتاب مختصر القدوري الذي يعد من أهم المختصرات في المذهب، هو المتن الذي تسابق عليه علماء المذهب في شرحه، منها ما هو مطبوع ومنها ما يزال أسيرًا في المخطوطات، وكان للإمام خواهر زاده نصيبٌ في شرح هذا المتن المبارك، وقد أطلق على كتابه اسم "شرح مشكلات القدوري".
مشكلة الدراسة:
لقد بحثت فوجدت أنَّ كتاب "شرح مشكلات القدوري" شرح "مختصر القُدُوري" للعلَّامة بدر الدّين محمد بن محمود الكردري، المعروف
(1) هو نصر بن أحمد بن محمد التَّستري، (ت: 812 هـ) في كتابه نظم الوجيز (مخطوط غير مطبوع). ينظر: كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين وتراجم مصنفي الكتب العربية، ط: مكتبة المثنى. (13/ 94).
الجزء 1 · صفحة 7
10)
بخواهر زاده، لم يرى النُّور بعد ولا يزال في لوحات نسخ المخطوط فأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب بعد أن قمت بتحقيقه وبذلت قصارى جهدي بإخراجه كما أراده المؤلِّف أن يخرج.
أهميَّة الدراسة ومبرراتها:
1 - إخراج كتاب من التُّراث الإسلامي المليء بالكنوز والنَّوادر والنَّفائس بأحسن صورةٍ وأيسرها للمسلمين عامَّة ولطلَّاب العلم خاصَّة.
2 - إظهار بعض القواعد والفروع الفقهية بصورةٍ أكثر وضوحًا وبيانًا للأجيال المعاصرة واللاحقة، لارتباطها بحياة الناس من خلال ما بُني عليها من أحكام فقهية.
3 - بيان فضل علماء الأمة المتقدمين الذين وضعوا بصمة علميَّة لهم وقد كلَّفهم ذلك الكثير فالتَّأليف في السابق أصعب بكثير من التَّأليف اليوم ويرجع ذلك لعدة أسباب منها صعوبة الكتابة لقلَّة الصحف وقلة الأمداد وقلة النساخ وصعوبة العيش؛ إذ يصعب التفرغ للعلم.
أهداف الدراسة:
1 - تحقيق المخطوط "شرح مشكلات القدوري".
2 - خدمة نصّ الكتاب بشرح غوامضه، وعزو مسائله ونقولاته، وتخريج أحاديثه، وبيان مبهمه، وتعريف بعض مصطلحاته، وتصحيح تصحيفه، وإخراج الكتاب بشكلٍ لائق ومناسب.
الجزء 1 · صفحة 8
11)
الدراسات السَّابقة:
لم يسبق لهذا الكتاب - في حدود علمي - أن تناوله الباحثون بالتحقيق أو الدراسة، وذلك بعد التَّحري قدر الجهد والطاقة، فظهرت الحاجة جليةً لتحقيق هذا الكتاب، وقد قُسِّمت المخطوطة على ثلاثةٍ من طُلّاب جامعتنا الموقّرة، فوقع الاختيار عليّ أنا الطالب أحمد راشد المحيلبي تحقيق كتاب "الطَّهارة" وما بعده إلى آخر كتاب "الحج" من هذا المخطوط.
والطالب محمد عمر العتيبي من كتاب "البيوع" وما بعده إلى نهاية كتاب "الظهار".
والطالب سعد مجبل العازمي من كتاب "اللِّعان" وما بعده إلى نهاية الكتاب.
خطّة الرسالة:
قسّمت الرسالة إلى قسمين: قسم الدِّراسة، وقسم التَّحقيق.
• القسم الأول: التَّعريف بالشَّارح، ويشتمل على أربعة مباحث: هي:
المبحث الأول: الدّراسة عن الماتن، والمتن: كتاب "مختصر القُدوري".
المبحث الثاني: دراسة منهجيَّة الإمام خواهر زاده في كُتب "العبادات" وهو ما خُصِّص لي من كتاب "شرح مشكلات القدوري شرح مختصر القُدُري".
المبحث الثَّالث: ذكرت فيه منهجيَّة الكاتب في تحقيق هذا الكتاب،
الجزء 1 · صفحة 9
12)
ووصف النُّسخ المعتمدة في التَّحقيق، وصور المخطوطات.
المبحث الرَّابع: دراسة سيرة المؤلِّف.
• القسم الثَّاني: التَّحقيق.
* * *
الجزء 1 · صفحة 10
13)
المبحث الأول
التَّعريف بصاحب المتن
هو: أبو الحسين، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان بن أبي بكر القُدُوري (1) البغدادي (2).
• شيوخه:
تفَّقه على أبي عبد الله، محمد بن يحيى الجرجاني، (ت: 398 هـ) (3).
قال الخطيب البغدادي: كان صدوقًا، وكَانَ ممن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أَبِي حنيفة، وعظم عندهم قدره، وارتفع جاهه، وكَانَ حَسَنُ الِعبارة في النظر، جريءُ اللِّسان، مديمًا لتلاوة القرآن (4).
(1) لقِّب بالقدوري نسبةً إلى بيع القدور. ينظر: كحالة، معجم المؤلفين، (مرجع سابق)، (2/ 66).
(2) ينظر: الزركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (1/ 212).
(3) ينظر: ابن قُطلُوبغا، تاج التراجم، (مرجع سابق)، (98).
(4) ينظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: 748 هـ)، سير أعلام النبلاء، تح: شعيب الارنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، (17/ 575).
الجزء 1 · صفحة 11
14)
• مؤلفاته:
1 - كتاب "المختصر" وهو المتن المسمَّى (بالكتاب) فإذا أطلق اسم الكتاب في المذهب فإنه علمٌ على هذا الكتاب لشهرته وقوَّته في المذهب.
2 - "شرح مختصر الكرخي" في عدة مجلدات، لا يزال مخطوطًا.
3 - التَّقريب الأول في الفقه في خلاف أبي حنيفة وأصحابه في مجلَّد.
4 - التَّقريب الثَّاني في عدَّة مجلداتٍ.
5 - وأملى التَّجريد في فقه الخلاف (الفقه المقارن) وهو كتابٌ كبير (1).
• وفاته:
توفي القُدُوري ? ببغداد في يوم الأحد منتصف رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (2).
* * *
(1) ينظر: كحالة، معجم المؤلفين (مرجع سابق)، (2/ 67).
(2) ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام (مرجع سابق)، (1/ 212).
الجزء 1 · صفحة 12
15)
المبحَث الثاني
منهج الشارح صاحب "شرح مشكلات القُدُوري" في الكتاب حسب ما ظهر في الجُزء المحقق:
1 - قسَّم الكتاب إلى كتبٍ، وأبوابٍ.
2 - يذكر المناسبة بين الأبواب حتى ولو كانت المناسبة بعيدةً كما في المناسبة بين باب الصَّلاة في الكعبة وبين باب الشَّهيد ذكر مناسبةً بعيدةً.
3 - يشرح مسائل من المتن ويترك مسائل دون شرح فهو لا يعتبر شرح حرفي لكل مسائل المتن لذلك عنون كتابه بشرح مشكلات القدوري فشرح المشكل أو الموهم وترك الواضح.
4 - يتسلسل في شرحه بالنِّسبة للكتب والأبواب مثل تسلسل الماتن وفي شرح المسائل داخل الكتاب لا يلتزم تسلسل الماتن في ذكر المسائل فقد يقدم ويؤخر وهذه إحدى الصُّعوبات في أثناء التَّحقيق.
5 - يذكر عبارتين أو ثلاث عبارات من المسألة ثم يشرع بشرحها ولا يذكر المسألة كاملة.
6 - يذكر ألفاظًا فارسية في ثنايا كلامه دون الإشارة إلى كونها ألفاظًا فارسيَّةً وفي ذلك واجهت صعوبةً لفحص الكلمة هل هي عربية أصابها تصحيف، أم فارسيَّة، وفي ترجمتها للعربيَّة تكمن الصعوبة في ثلاثة أسباب:
الجزء 1 · صفحة 13
16)
- اختلاف رسم الكلمة بين نسخ المخطوط.
- كتابة الألفاظ الفارسية بأحرف عربية وفي المعاجم تكون الألفاظ مكتوبة بالأحرف الفارسيَّة.
- بعض الكلمات تكون مرسومة متَّصلة وهي في الحقيقة عبارة عن مضاف ومضاف إليه.
7 - في بعض الأحيان يقول وبالفارسيَّة ويكون ذلك في شرحه لبعض المفردات العربية مثل الخف، والإبل وغيرها.
8 - يذكر الخلاف داخل المذهب الحنفي، والأئمَّة الذين يذكر قولهم غالبًا هم الإمام أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمَّد بن الحسن، ويذكر غيرهم من الأئمَّة أحيانًا كزفر، والحسن بن زياد، ولا يرجِّح.
9 - أكثر من ذكر الخلاف مع الشَّافعي ?، ويرجع ذلك إلى روح التَّنافس بين المدرستين الحنفية والشَّافعيَّة وكثرة أتباعهما وعلمائهما فزادت المناقشات والردود بينها.
10 - كما أنَّه يذكر الخلاف مع الإمام مالك أحيانًا، ولعلَّه لم يكبر من ذكر رأي الإمام مالك لأن المذهب المالكي لم ينتشر في فارس وخوارزم وبخارى حيث عاش المؤلف، فقلة مصادر المذهب عنده وأتباع المذهب خلافًا للشَّافعيَّة.
11 - دقيقٌ في النقل عن الحنفية، وكذا الشأن في النقل عن الشافعي إلَّا في مواضع قليلةٍ.
الجزء 1 · صفحة 14
17)
12 - ينسب القول للشافعي أحيانًا في مسألة ويكون القول فيها ليس للشافعي الإمام وإنما لعلماء الشَّافعية من بعده كما في مسألة الجماع في الحج.
13 - ذكر الاستحسان في العديد من المواضع وهو مما أجاد فيه السادة الأحناف وامتازوا به.
14 - ذكر المؤلِّف قولًا واحدًا "للحنابلة" إذ أطلق عليهم لقب "أصحاب الحديث" وهي في قتل الصَّيد في الحج.
15 - ذكر المؤلِّف قولًا واحدًا عن "داوود الأصفهاني" إمام الظَّاهريَّة وهي في قتل الصيد في الحج.
16 - يعرض بعض المسائل بطريقة المحاورة النافعة والممتعة وهي على طريقة فإن قال قائل ويذكر الإشكال أو الشبه ثم يقول قلنا ويرد عليها.
الجزء 1 · صفحة 15
18)
المبحَث الثالث وصف النُّسخ الخطِّيَّة والمنهجيَّة المتَّبعة في التَّحقيق
المطلب الأول وصف النُّسخ
وهي خمس نسخٍ:
• النُّسخة الأولى: نسخة (يني جامع). وهي المعتمد والتي تمَّ إدخالها بدايةً، وقد رمزت لها بالنُّسخة (أ)، وعدد ألواحها (225).
يوجد على صفحة العنوان عدَّة تملكاتٍ، ويوجد خاتم سلطاني ما نصُّه: (وقف سلطان أحمد بن غازي سلطان محمد خان)، وقد تكرَّر الخاتم في ثنايا المخطوط.
يوجد فهرسة للمخطوط مبيَّن فيها في الخانة الأولى: اسم النُّسخة (يني جامع)، وفي الخانة الثَّانية رقم حفظها في المكتبة وهو (404)، وفي الخانة الثَّالثة حفظ برقم (29704).
وقد ابتدأ في أعلى الصَّفحة الأولى (هذا كتاب خواهر زاده على شرح القدوري).
وقد كتبت بخط نسخ واضح جدًّا ما جعلني أعتمدها في الإدخال الأوَّلي.
الجزء 1 · صفحة 16
19)
وعقد كلَّ رؤوس المسائل وعناوين الكتب والأبواب بالَّلون الأحمر وبها تعليقات وتصحيحات على الهوامش.
عدد الأسطر في كلِّ لوحٍ (21) سطرًا.
وعدد الكلمات في كلِّ سطرٍ بين (13 - 15) كلمةً.
يترضَّى على الصَّحابة، ويترحم على الأئمة والأعلام بقوله ?.
• النُّسخة الثَّانية: نسخة (المركز الحكومي) المسمى بنسخة (با يزيد):
وقد رمزت لها بالرَّمز (ب)، وعدد ألواحها (169).
وهي من خزانة المركز الحكومي إستانبول، وكتبت هذه النُّسخة سنة (737 هـ - 1337 م).
عنوان الكتاب: (كتاب مشكلات القدوري بخواهر زادة ?).
النُّسخة بها عدَّة أختام غير واضحةٍ بأوَّل النُّسخة وفي ثناياها وآخرها.
حفظت برقم حفظ (257).
وقد كتبت بخط نسخٍ واضحٍ وقد عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين والكتب باللَّون الأحمر، وقد ضبط أكثر الكلمات والأبواب بالشَّكل.
بها أثار رطوبةٍ وأكل الأرضة واضحةٌ في جوانب المخطوط ووسطه.
وقد تميَّزت هذه النُّسخة بأنَّها مقابلة على نسخة الأصل، وعدة نسخٍ أخرى، وتوجد بها تعليقات وتصحيحات على الهوامش كثيرة.
الجزء 1 · صفحة 17
20)
وهذه النُّسخ أصحُّ لغويًّا من النُّسخة (أ) من ناحيه تذكير المذكَّر وتأنيث المؤنث.
بها سقطٌ كثيرٌ مقارنةً بالنُّسخة (أ).
عدد الأسطر في كلِّ لوحةٍ (23) سطرًا.
وعدد الكلمات في كل سطر بين (13 - 16) كلمةً.
• النُّسخة الثَّالثة: نسخة (خسرو باشا).
رمزت لها بالرمز (خ)، وعدد أوراقها (185)، وهي من خزانة خسرو باشا إستانبول.
يوجد في مقدِّمة المخطوط فهرس عالم لمحتويات الكتاب، وقد تميَّزت عن سابقتها بذكر ترقيمٍ فوق كلِّ كتاب الفهرس، وعدد الكتب (178) كتابًا بدايةً من كتاب الطَّهارة، ونهايةً بكتاب الفرائض.
ورقم حفظه في المكتبة التي حفظ بها وذلك باللُّغة الانجليزية ما نصه: خسرو باشا / 92.
وقد كتبت بخط نسخٍ واضحٍ، وقد عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين باللَّون الأحمر مضيفًا خطًا فوق كلِّ كلمةٍ تأتي بعد قوله: ..... .
كما أضاف كتاب كذا عند أوَّل كلِّ كتابٍ فقهيٍ باللَّون الأحمر.
قد ضبط بعض الكلمات والأبواب بشكل.
الجزء 1 · صفحة 18
21)
توجد تعليقاتٍ وتصحيحاتٍ قليلةً بالهوامش.
بها آثار رطوبةٍ واضحةٍ في أعلى المخطوط وجانبيه.
عدد الأسطر في كل لوح (19).
وعدد الكلمات في كلِّ سطرٍ ما بين (16 - 19) كلمةً.
• النُّسخة الرَّابعة: نسخة (فيض الله):
وقد رمزت لها برمز (ت)، وعدد ألواحها (220).
هي نسخه كتبت سنة (870 هـ - 1465 م) بخزانة مكتبة فيض الله أفندي استانبول برقم (796).
يوجد بالمقدمة فهرسٌ عامٌ لمحتويات الكتاب، بدايةً من كتاب الطَّهارة ونهايةً بكتاب الفرائض.
كما يوجد عدَّة تملُّكاتٍ واختامٍ غير التي في أول المخطوط.
كتبة بخطِّ نسخٍ واضحٍ.
عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين باللَّون الأحمر.
توجد تعليقات وتصحيحات قليلةٍ على الهوامش.
عدد الأسطر في كلِّ لوحٍ (20) سطرًا.
عدد الكلمات بكل سطرٍ (13 - 15) كلمةً.
الجزء 1 · صفحة 19
22)
• النسخة الخامسة: نسخة (الشَّهيد علي باشه).
الوصف المادي للمخطوط.
رقم المخطوط (847)، عدد الألواح (172).
عنوان المخطوط شرح مشكلات القدوري لخواهر زاده رحمة الله عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة.
يوجد عدة تملكاتٍ بالصَّفحة الأولى.
وفيه ترجمة للشارح وعدة أختام منها ما نصه: مما وقفه الوزير الشهيد علي باشا ? ألا يخرج من خزانته.
وقد تخلله في ثانية النسخة وأولها وآخرها ووسطها وفي أسفل الصفحة بطاقة تعريف بالمخطوط وحفظه بالإنجليزية ما نصه: شهيد علي باشا رقم حفظ (847).
كما يوجد بمقدار نصف الصفحة تتعلق بالكتاب وصاحبه.
يوجد بالنسخة بعض التعليقات الخاصة بالكتاب ومألفه.
يوجد فهرس لمحتوى النسخة من كتب مبتدء بكتاب الطهارة منتهيًا بكتاب الفرائض.
وقد كتبت بخطِ بغير واضحٍ.
تمتاز النسخة كل الأحرف الموهمة وغير الموهمة.
لم يعقد روؤس المسائل باللون الأحمر بل كل النسخة باللون الأسود.
الجزء 1 · صفحة 20
23)
ميزه عناوين الكتب والأبواب بخطٍ سميك.
توجد بالنسخة تعليقات وتصحيحات وهوامش كثيره جدًّا.
تعتبر أفضل واضح نسخة بين النسخ بسلامتها اللغوية وصياغتها الفقهية.
عدد الأسطر في كل لوح (19)، وعدد الكلمات في كل سطر ما بين (13 - 16) كلمةً.
* * *
الجزء 1 · صفحة 21
24)
• أمَّا المنهج المتَّبع في تحقيق الكتاب فيتلخَّص بالتَّالي:
1 - قمت بنسخ الكتاب أوَّلًا من نسخة يني جامع كونها الأقل سقطًا والأوضح خطًا، وضبطت مقابلته على ثلاث نسخٍ مقابلةً تامةً حرفيَّةً مع نسخة (با يزيد)، ونسخة (خسرو باشا)، وأما نسختي (فيض الله)، ونسخة الشَّهيد (علي باشا)، فقد رجعت إليها في كلِّ مسألةٍ مشكلةٍ وعزوت إليهما لفروق، واعتمدت الصَّحيح في الأعلى، وسجّلت غيره من الفروق في الحاشية، وبذلت جَهدي في قصارى جهدي في إخراجه على أكمل وجه.
2 - تصحيح التَّصحيف والإشارة إلى السَّقط إن وجد.
3 - وضعت السّقط من بعض النّسخ بين معكوفين []، وأشرت إلى النّسخ التي وقع فيها السَّقط في بالهامش.
4 - كتبت متن الكتاب بلون غامق بين قوسين ().
5 - وضعت نصوص الأحاديث بين علامتين تنصيص صغيرين "".
6 - عادة المؤلف أن يذكر رأس المسألة من متن مختصر القدوري وقد ذكرت المسألة كاملةً في الهامش، حتى يعرف القارئ ما هي صورة المسألة من المتن.
7 - التزمت في كتابة الكلمات الرّسم الإملائي الحديث، وإنْ خالف رسم المخطوط، دون الإشارة إلى ذلك، وكذا وضع علامات الترقيم المناسبة.
8 - عزوت ما ورد فيه من الآيات القرآنية إلى مواضعها: بذكر السّورة،
الجزء 1 · صفحة 22
25)
ورقم الآية، مع كتابتها بخطٍ مميز، وجعلت الآيات بين هذين القوسين {}.
9 - خرّجت الأحاديث التي استشهد بها الشارح، فإن كانت في أحد الصّحيحين اكتفيتُ بذكره، ولم أذكر حكم المحدِّثين عليه،
10 - فإنْ كان في غير الصَّحيحين ذكرت ثلاث مصادر للحديث ونقلت الحكم على الحديث في معظم الأحاديث من متقدِّمي أهل علم الحديث.
11 - ترجمت لِما ورد في المخطوط من الأعلام بإيجاز، عدا الصَّحابة وأصحاب المذاهب الفقهيَّة، وقد ترجمت لكلِّ علمٍ وعزوت إلى مرجعين على الأقل.
12 - بيّنت معاني المفردات الغريبة والأصوليَّة من مصادرها الأصلية كالمعاجم وكتب الأصول وغيرها.
13 - علّقت على بعض المسائل التي ذكرها الشارح وبيّنت مُراده منها.
14 - خرجت من اختلاف النّسخ في صيغة الصلاة على الرسول ?، بإثبات شكل الصلاة هكذا: ?، وأمّا التّرضي على الصحابة استخدمت ?.
15 - لم أثبت اختلاف النُّسخ في صيغ التَّرضي والأخطاء الإملائيَّة.
16 - قمتُ بتشكيل ما قد يوهم.
17 - عزوت المسائل التي نقلها عن الشَّافعي وعن مالك، في كتب
الجزء 1 · صفحة 23
26)
مذهبهم فإن كان النَّقل غير دقيق أو به تفصيل، أو القول لأتباع الشَّافعي أو ملك وليس لهما بيَّنت ذلك.
18 - نظرًا لكون المؤلِّف يذكر الحديث بالمعنى فقد اعتمدت ما ذكره فوق وذكرت نصَّ الحديث الحرفي في الهامش مع تخريجه.
19 - أبين الضَّمائر على ما تعود إن كانت من ما توهم (1).
20 - بالنِّسبة للفروق بين النُّسخ فقد كنت أضع الفروق بين معكوفتين [] إن كان الفرق في أكثر من كلمة، فإن كان بكلمة واحدة لم أجعلها بين معكوفين حفاظًا لمظهر الكتاب.
• مسامحات الشَّارح:
أبى الله الكمال إلَّا أن يكون لكتابه الكريم وحده، فلا يوجد في الدُّنيا على مرِّ العصور وفي شتَّى العلوم كتابًا كاملًا من غير نقصٍ، وذلك لا يدفعنا إلى عدم العمل أو إلى الإخلال بالعمل بل نعمل قصارى جهدنا وغيرنا يستدرك ويصحح من بعدنا، كما أن هذه المسامحات لا تنقص من قدر المؤلف ومكانته العلميَّة ?، وأذكر منها:
1 - عدم الدِّقة في النّقل عن الإمام الشافعي في بعض المسائل مثل مسألة الشك في عدد الركعات في باب سجود السَّهو فقد ذكر أن قول الشافعي الاستقبال، والصَّحيح أن في المسألة تفصيلٌ عند الشَّافعي كما
(1) قد استفدت في كتابتي لمنهج الكاتب من رسالة ماجستير للطالب: سعد موسى الشَّمري، وهو من طلاب جامعة العلوم الإسلامية العالمية.
الجزء 1 · صفحة 24
27)
بينت في موضعه في آخر باب سجود السَّهو.
2 - كثيرًا ما يروي الحديث بالمعنى.
3 - عدم الدِّقَّة في ذكره للآثار فيذكر آثارًا عن الصَّحابة والتَّابعين على أنَّها مرفوعة وهي إمَّا موقوفة أو مقطوعة، وأحيانًا يعزوا الحديث لصحابي ويكون لغيره كما في حديث الثِّقل في الحج رواه عن ابن عمر وهو ليس عن ابن عمر وإنَّما مروي عن عمر ?.
4 - في كتاب الحج قال: قال الله تعالى: "الحج عرفه" وهو حديثٌ نبويٌ ليس بآيةٍ ولا حديث قدسي.
* * *
الجزء 1 · صفحة 25
29)
صور من نسخ المخطوط
الجزء 1 · صفحة 26
31)
بداية كتاب الطَّهارة من النُّسخة المرموز لها (ت)
الجزء 1 · صفحة 27
32)
بداية كتاب الصَّلاة من النُّسخة المرموز لها (ب)
الجزء 1 · صفحة 28
33)
بداية كتاب الزَّكاة من النُّسخة المرموز لها (خ)
الجزء 1 · صفحة 29
34)
بداية كتاب الصِّيام من النُّسخة المرموز لها (ش).
الجزء 1 · صفحة 30
35)
بداية كتاب الحج من النُّسخة المرموز لها (أ).
الجزء 1 · صفحة 31
37)
الفصل الرابع ترجمة الإمام العلامة بدر الدّين الكردري (المعروف بخواهر زاده)
ويشتمل على مبحثين:
• المبحث الأول: العصر الذي عاش فيه الإمام بدر الدين الكردري.
• المبحث الثَّاني: ترجمة الإمام بدر الدين الكردري.
الجزء 1 · صفحة 32
39)
المبحث الأول العصر الذي عاش فيه الإمام بدر الدين الكردري
ويشتمل على:
1) المطلب الأوَّل: الحالة السياسية.
2) المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.
3) المطلب الثالث: الحالة الثقافية والحركة العلمية.
المطلب الأول: الحالة السياسية
عاش الإمام بدر الدين محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، ما قبل سنة (651 هـ)، وفي هذه المدة كانت الدولة العباسية قائمة في بغداد، وتحت سيادتها جزءٌ من بلاد العراق يمتد من تكريت (1) إلى الفاو (2) ومن
(1) تكريت: مدينة في العراق على شاطئ دجلة شمالي سامراء، ولد فيها صلاح الدين الأيوبي، هدمها تيمور لنك سنة 1394 م. ينظر: الحموي، ياقوت بن عبد الله، أبو عبد الله الحموي، معجم البلدان، تح: فريد الجندي، ط: دار الكتب العلمية، (2/ 45).
(2) الفاو: مدينة وميناء على الضِّفة اليمنى من مصب شط العرب تعتبر أبعد نقطة في جنوب العراق. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد باللُّغة والأعلام، ط: دار المشرق، (519).
الجزء 1 · صفحة 33
40)
حلوان (1) إلى عانة (2)، واقتصرت سلطة الخليفة في خارج رقعة بلاده الصغيرة على المظهر الديني. وكان العالم الإسلامي مقسما إلى دويلات كثيرة، انشغل حكامها بالتوسع كل على حساب الآخر.
أما في بلاد الشرق فقد كانت إمبراطورية خوارزم العظيمة التي كانت في أول الأمر تحمي الخلافة العباسية من الشرق والشمال الشرقي بقوة جيوشها وضخامة أموالها، ولكن علاء الدين محمد خوارزم شاه طمع في الاستيلاء على بغداد وانتزاع السلطة من الخليفة العباسي، ولكنه اضطر إلى التراجع بسبب هبوب عاصفة ثلجية وبسبب غارات المغول نحو بلاده وإحلالهم الهزيمة بجيوشه حتى اضطر للهرب وإلى جهة بحر قزوين حيث مات في إحدى جزره (620 هـ).
أما الجزيرة ومصر ومعظم بلاد الشام فقد كانت تحت سلطان خلفاء صلاح الدين الأيوبي، الذين انشغلوا بالمنازعات والحروب، رغم تهديد الدويلات الصليبية التي كانت في سوريا وفلسطين لهم. كل ذلك أتاح الفرصة للمغول لشن غاراتهم على البلاد الإسلامية التي بدأت في (607 هـ) (3).
فبينا كان جنكيز خان - إمبراطور المغول - مشتغلًا بمحاربة إمبراطورية
(1) حلوان: مدينة قديمة في العراق العجمي (إيران) هي خالمانو القديمة فتحها العرب (640 هـ). (ينظر كتاب: معجم البلدان (مرجع سابق)، (1/ 337).
(2) عانة: بلد بين الرقَّة وبيت مزفة على الفرات. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (4/ 81)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، ط: دار الفكر، (35).
(3) ينظر: حسن، حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ط: دار الفكر، (4/ 130).
الجزء 1 · صفحة 34
41)
كين في الصين قتل خوارزم شاه سفراءه، فحول إمبراطور المغول وجهته شطر بلاد خوارزم الإسلامية سنة (616 هـ) (1). فخرجوا من أطراف الصين، من جبال طمغاج، وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ستة أشهر، ودخلوا تركستان، ومنها إلى بلاد ما وراء النهر مثل بخارى (2) التي كان يعيش فيها الإمام والعالم فخر الدين خواهر زادة، كما ذكرت كتب التراجم أنه عاش مع خاله بها، فألقى المغول بالمنابر والمصاحف في الخندق، وأشعلوا النار في المدارس والمساجد وغيرها من المباني.
وهكذا فعلوا بمدينتي سمرقند (3) وبلْخ (4)، وغيرهما من مدن آسيا، التي كانت من قبل موطن الأولياء وكعبة العلوم.
ثم توجهوا غربا حتى وصلوا إلى حدود العراق، وبهذا الغزو التتري ابتلي المسلمون بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، فلم يدخلوا بلدا إلا قتلوا جميع من فيه من الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل
(1) ينظر: ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ط: دار الفكر، (12/ 360)، والذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 129 - 134).
(2) مدينة في جنوب غرب الاتحاد السوفياتي (أوزبكستان) شهيرةٌ بمساجدها ومدارسها. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (119).
(3) سمرقند: مدينة في وسط آسيا. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (3/ 279)، والبستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (65)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (37).
(4) بْلخ: مدينة مشهورة بخراسان أوَّل من بناها لهراسف الملك، وقيل: الإسكندر افتتحت في عهد عثمان بن عفان ?. ينظر: الحموي، ياقوت معجم البلدان (مرجع سابق)، (4/ 568)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (37).
الجزء 1 · صفحة 35
42)
وقتلوا الأجنة، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، وأكثر ما كانوا يحرقون المساجد، ويأخذون الأسرى من المسلمين ويحاصرونهم، وإن لم يقدروا على الخروج قتلوهم (1).
وكان الناس يخافون منهم خوفًا عظيما، حتى قيل إن رجلًا منهم دخل إلى دربٍ وبه مائة رجل لم يستطع واحد منهم أن يتقدم إليه، وما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع، ولم يرفع أحد يده إليه، ونهب ذلك الدرب وحده (2).
وفي سنة 656 هـ سقطت بغداد في يد التتار على يد هولاكو، وقتل المغول أهلها وهدموا مساجدها ليحصلوا على ذهب قبابها وجردوا القصور مما بها من التحف النادرة، وأتلفوا عددا كثيرا من الكتب القيمة في مكتباتها، وقتلوا كثيرا من رجال العلم فيها، وضاعت الثروة الأدبية والفنية التي عنى الخلفاء العباسيون بجمعها منذ بنى أبو جعفر المنصور بغداد واتخذها حاضرة الدولة.
وانتهت هذه الحوادث بقتل الخليفة المستعصم (3)، وزوال الدولة
(1) ينظر: ابن الأثير، عز الدين، الكامل في التاريخ (مرجع سابق)، (12/ 359 - 360)، الخضري، محمد الخضري بك، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، ط المكتبة التجارية الكبرى، (467)، والذهبي،: تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 143).
(2) ينظر: ابن كثير، الحافظ أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدِّمشقي، (ت: 774 هـ)، البداية والنِّهاية، ط: مكتبة المعارف، (13/ 90)، وأطلس، محمد أسعد، تاريخ العرب، ط: دار الأندلس، (7/ 9).
(3) المستعصم: هو عبد الله بن منصور، من سلالة هارون الرَّشيد، ولد ببغداد وولي الخلافة سنة (640 هـ)، و (ت: 656 هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، (مرجع سابق)، (4/ 140).
الجزء 1 · صفحة 36
43)
العباسية التي عاش العالم الإسلامي في ظلها زهاء خمسة قرون (1).
وفي سنة (658 هـ) دخل التتار دمشق ثم وصلوا إلى غزة، وعزموا على المسير إلى مصر (2) في ذلك الوقت كانت الحروب قائمة بين أبناء البيت الأيوبي في مصر والشام، فاستعان الأيوبيون بالمماليك المجلوبة من البلاد المجاورة، مما أدى إلى زيادة نفوذ أولئك المماليك وأصبحوا أصحاب السلطة والنفوذ والحكم.
ولما توفي السلطان الصالح أيوب (3)، ولي شؤون الحكم بعده زوجته شجرة الدر، وأصلها مملوكة لهذا السلطان، وأصبحت سلطانة البلاد، ولكنها خلعت نفسها بسبب رفض الخليفة العباسي ذلك، وتزوجت من أيبك أحد المماليك، وأصبح أول سلطان للمماليك.
ولما بلغ السلطان قطز - ثالث سلاطين - المماليك أخذ التتار لدمشق، ووصولهم إلى غزة، بادرهم قبل أن يبادروه، واجتمع معهم في عين جالوت في نفس السنة، وهزمهم شر هزيمة، وهكذا أوقف زحف التتار في بلاد المسلمين.
وحاول السلطان قطز إعادة الخلافة إلى بغداد ولكنه قتل، وتولى السلطة بالقاهرة الظاهر بيبرس، واستدعى إلى القاهرة أبا القاسم، وهو أحد
(1) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق) (4/ 152، 153، 308).
(2) ينظر: ابن كثير، البداية والنِّهاية (مرجع سابق)، (13/ 219 - 222).
(3) الصالح أيوب: هو أيوب بن محمد، ولد ونشأ بالقاهرة وولي الخلافة سنة (737 هـ)، من آثاره قلعة الرَّوضة بالقاهرة، (ت: 609 هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام للزركلي (مرجع سابق)، (2/ 38).
الجزء 1 · صفحة 37
44)
أبناء البيت العباسي، وتمت له البيعة بالخلافة بعد المستعصم ولقب بالمستنصر.
ولما توجه هذا الخليفة الجديد إلى التتار لاسترجاع بغداد، قتله التتار قبل أن يصل إليها سنة (660 هـ)، وتمت البيعة بعده بالخلافة للحاكم بأمر الله واستمرت خلافته من (660 - 701 هـ) (1).
وهكذا يتبين لنا أن الإمام بدر الدّين الكردري، المعروف بخواهر زاده ? قد عاصر هذه الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي حلت بالمسلمين، والتي وصفها ابن الأثير (2)، فقال: "هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وحضت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله ? آدم وإلى الآن، لم يبتل بمثلها، لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها" (3).
وقد وصف المستشرق الإنجليزي سير توماس أرنولد ما قام به المغول
(1) ينظر: ابن كثير، البداية والنِّهاية (مرجع سابق)، (13/ 219 - 222)، والعدوي، إبراهيم أحمد، تاريخ العالم الإسلامي، ط: مكتبة الأنجلو المصرية (1/ 257 - 276)، وشلبي، أحمد، موسوعة التَّاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط: مكتبة النهضة المصرية، (5/ 204 - 205).
(2) ابن الأثير هو: عزُّ الدين، علي بن محمد الشَّيباني، المؤرخ الإمام، من تصانيفه: (الكامل في التَّاريخ) و (أُسد الغابة في معرفة الصَّحابة)، و (اللباب)، (ت: 630 هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام (مرجع سابق)، (4/ 331)، والعكري الحنبلي، عبد الحي بن أحمد بن محمد، شذرات الذَّهب (مرجع سابق)، (3/ 137).
(3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ (مرجع سابق)، (12/ 358).
الجزء 1 · صفحة 38
45)
من ضروب الوحشية في غزواتهم فقال: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد هولًا من غزوات المغول؛ فلقد انسابت جيوش جنكيز خان انسياب الثلوج من قمم الجبال، واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدينة وثقافة، ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية، وكانت تقوم فيها قبل ذلك القصور الفخمة المحاطة بالحدائق الغناء والمروج الخضراء" (1).
ثانيًا: الحالة الاجتماعية
اتَّسم عصر إمامنا بزوال الخلافة العبَّاسيَّة، وغارات المغول على العالم الإسلامي، لذا ينبغي الحديث عن الحالة الاجتماعية في هاتين المرحلتين.
أمَّا في العصر العبَّاسي فقد كان المجتمع يتألف من عدَّة طبقاتٍ تتمثَّل في:
الخاصَّة: وهم أقرباء الخليفة ورجال الدَّولة البارزون كالأشراف والوزراء والقُّواد والكُتاب والقضاة والعلماء والأدباء، وهؤلاء لهم مرافق خاصَّةٌ بهم كما كان لهم بابٌ خاص يدخلون على الملك منه.
العامَّة: وهم أهل الحِرف والصَّنائع والتُّجار والفلَّاحون والجند، وهؤلاء لهم مرافق خاصَّةٌ بهم ويدخلون على الخليفة من باب العامة.
(1) ينظر: الأستراباذي، حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني، ركن الدين، شرح شافية ابن الحاجب (ت: 715 هـ) تح: د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)، ط: مكتبة الثقافة الدينية، (1/ 13).
الجزء 1 · صفحة 39
46)
الخدم: ومنهم الأحرار، وأغلبهم العبيد الذين أُخذوا كأسرى حرب، ولهم ببغداد شارع خاص بهم، يسمى دار الرَّقيق، وموضع آخر يسمى باب النَّخاسين، يقومون بخدمة الخليفة وحاشيته وخدمة الناس. وأغلب الرقيق كانوا من بلاد ما وراء النهر، وأما أسواق الرقيق فكانت تتركز في مصر وشمال أفريقيا، ويلاحظ أن بعض الخلفاء العباسيين كانت أمهاتهم من تلك الجواري التي كان يشتريها الخليفة لجمال منظرها أو لعذوبة صوتها أو لذكائها وجودة شِعرها. وقد شاع استخدام الخِصيان في المجتمع العراقي لحماية الحريم؛ لذا فقد ارتفعت أسعارهم.
ومن طبقات المجتمع أهل الذمة، وهم اليهود والنصارى الذين كانوا يتمتعون بالأمن والطمأنينة تحت ظل سماحة الإسلام، فكانوا يقيمون شعائرهم، ويشاركهم الخلفاء في مناسباتهم وأعيادهم، ويكرمونهم بالعطايا والهبات.
أما الاحتفالات الدينية فكان من مظاهرها خروج الخليفة مرتديا أفخر الثياب وبصحبة كبار رجال الدولة، ويقف العامة على جانبي الطريق لتحية الخليفة وهو في طريقه للمسجد.
وأما حفلات الزواج فقد اتسمت بالبذخ والإسراف، وقد ورد أنه ليلة زفاف مجاهد الدين أيبك الدويدار المستنصري، أرسل إلى داره كثير من أواني الذهب والفضة والجواهر يزيد ثمنها على ثلاثمائة ألف دينار، وقدم له كبار رجال الدولة الهدايا التي تتألف من مماليك الترك والخدم والأحباش والثياب والطيب والخيل وغيرها، وأرسل إليه الخليفة المستنصر ثلاثمائة ألف دينار.
الجزء 1 · صفحة 40
47)
أما المرأة فكانت لا تختلط بالرجال الغرباء، وكان المحتسب (1) لا يسمح باختلاط الرجل بالمرأة في الطرقات العامة ولو كانا زوجين، ولكنها كانت تحضر مجالس الوعظ في المساجد، مما يدل على مشاركتها للرجل في الشعائر الدينية وميدان العلم والثقافة (2).
أما في مصر والشام فقد انشغل الأيوبيون بالحروب فيما بينهم، واستعانوا بأجناد المماليك، فازداد نفوذ أولئك المماليك، حتى أصبحوا أصحاب الأرض والأملاك والسلطة والنفوذ والحكم والإدارة.
وكان المجتمع في عهد المماليك يتكون من ثلاث طبقات:
طبقة المماليك: وقد عاشوا منفصلين تمام الانفصال عن سائر السكان، وأطلق عليهم أرباب السيف.
أرباب القلم: أي الموظفين المدنيين في مختلف دواوين السلطة.
عامة الناس: من التجار وأرباب المهن.
طبقة الفلاحين: وأهل الريف التي كانت بمعزل عن الطبقات الثلاث السابقة، ولم يعرفوا عن القاهرة والإسكندرية شيئًا، وانشغلوا بزراعة الأرض لأصحابها دون أن يروهم.
ومن مظاهر اللهو في العصر المملوكي لعب الكرة بالصولجان - البولو -،
(1) المحتسب مأمور من الحاكم لضبط الموازين ونحو ذلك.
(2) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 586 - 614)، وضيف، شوقي، تاريخ الأدب العربي، ط: دار المعارف، (4/ 53 - 66).
الجزء 1 · صفحة 41
48)
وسباق الخيل، ومواكب النصر، وحفلات الأعياد الإسلامية والمسيحية (1).
أما بعد غزو التتار لبلاد المسلمين فيمكن وصف الحالة الاجتماعية للعالم الإسلامي الذي كان تحت سيطرة المغول من خلال تعاليم اليساق الذي وضعه جنكيزخان لترقية حالة بلاده الاجتماعية والخُلقية، وهي كلمة تركية قديمة معناها القانون الاجتماعي، ومما شرعه في هذا اليساق:
قتل الزاني ومن تعمد الكذب أو السحر أو تجسس على أحد، ومن بال في الماء أو على الرماد قُتل، ومن أحكامه الأساسية تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة ما، وألا يكون على أحد من ولد علي بن أبي طالب مؤنة ولا كلفة، وألا يكون على أحد من الفقراء والقراء والفقهاء والأطباء ومن عداهم من أرباب العلوم وأهل التقشف والزهد والتعبد والمؤذنين ومغسلي الأموات شيء من ذلك، وألا ينفرد أحد بأكل شيء وغيره يراه بل يجب أن يشركه في طعامه، وألا يتميز أحد بالشبع على أصحابه، وحرم تفخيم الألفاظ ومنح الألقاب، وإنما يخاطب السلطان ومن دونه باسمه المجرد، وألزم نساء العسكر بالقيام بما على الرجال من الواجبات عند غيبتهم، وألزمهم عند رأس كل سنة أن يعرضوا بناتهم الأبكار على السلطان ليختار منهن من يشاء لنفسه وأولاده.
ولما مات جنكيز خان التزم أولاده بما جاء في اليساق ولم يخالفه أحد، وقاموا بنشره بين القبائل الوثنية والمسيحيين في شرق روسيا وفي سيبيريا والصين (2).
(1) ينظر: الذهبي، تاريخ العالم الإسلامي (مرجع سابق) (1/ 276).
(2) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق) (4/ 130 - 133)، ومحاضرات تاريخ =
الجزء 1 · صفحة 42
49)
ثالثًا: الحالة الثَّقافيَّة والحركة العلميَّة
على الرَّغم مما انتاب العالم الإسلامي في نهاية العصر العبَّاسي من ضعفٍ وتفكُّكٍ وانحلال، إلَّا أنَّنا نجد أن هذه الفترة تتميَّز بنهضةٍ علميَّةٍ، وحركةٍ فكريَّةٍ نشطةٍ في بغداد، وفي تلك الدُّول التي استقلَّت عن الخلافة العبَّاسيَّة، كالغزنويين والفاطميين والأيوبيين في مصر والأمويين في الأندلس والمرابطين والموحدين في المغرب.
وكان لظهور الفرق الإسلامية التي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق أغراضها دور في تلك النهضة العلمية، وخير مثال لذلك تلك الآثار التي خلفها العلماء.
ومن مراكز الثقافة الإسلامية التي جذبت إليها العلماء أصبهان والري، وكانت بلاد بني بويه هناك كعبة يؤمها العلماء ورجال الأدب، والبلاط الساماني في بخارى، وبلاط السلاجقة في مرو حاضرة خراسان (1). وقد ذكر ياقوت الحموي (2) أن مرو أخرجت من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة مثلها، وبين أنه حين فارقها أمام غارات التتار سنة (616 هـ) كان فيها عشر خزائن للوقف، لم ير في الدنيا مثلها كثرة وجودة (3).
= الأمم الإسلامية (مرجع سابق)، (468 - 469).
(1) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 398).
(2) ياقوت الحموي: مؤرخ ثقةٌ جغرافي روميُّ الأصل اشتراه تاجرٌ من حماة، له كتاب: (معجم البلدان)، وكتاب: (معجم الأدباء). ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد باللُّغة والأعلام (مرجع سابق)، (747).
(3) ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (5/ 132).
الجزء 1 · صفحة 43
50)
وفي مصر كان الأزهر مركزا هاما للثقافة والعلم، واهتم فيها الأيوبيون ببناء المدارس كالناصرية والقمحية والسيفية والفاضلية التي أسست سنة (580 هـ)، وكانت مكتبتها تشتمل على مائة ألف مجلد، ومن المدارس التي أنشئت في عهد الأيوبيين (دار الحديث) التي بناها الملك الكامل (1).
كما أن العباسيين قد اهتموا بنشر العلوم الطبية، فأسسوا المدارس الطبية، والمستشفيات، ودعوا إلى عقد المؤتمرات الطبية، التي يجتمع فيها الأطباء من كافة البلاد في موسم الحج، وكانت بغداد في الشرق، وقرطبة في الغرب من أهم مراكز الثقافة الطبية الإسلامية.
هذا بالإضافة إلى المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية وغيرها، والتي كانت من أهم مراكز الثقافة الإسلامية، كمكتبة "دار الحكمة" التي أمدها العباسيون بمختلف الكتب والتي ظلت قائمة حتى استولى التتار على بغداد سنة (656 هـ). ومكتبة "دار العلم"، التي كانت تحتوي على مئات الألوف من المصنفات، وقد انتفع الناس بما فيها من أوراق وأقلام للنسخ والبحث والدراسة دون مقابل (2).
كما أن مساجد قرطبة قد جذبت إليها الأوروبيين الذين وفدوا إليها لارتشاف العلم من مناهله.
ولما كان الغزو التتري انتقلت مراكز العلم والأدب من بغداد وبخارى ونيسابور والري وقرطبة وأشبيلية وغيرها من مراكز العلم في العصر العباسي
(1) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 403).
(2) ينظر: المقدسي، أنيس، أمراء الشِّعر العربي في العصر العباسي، ط: دار العلم للملايين، (58)، والذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (4/ 403 - 408).
الجزء 1 · صفحة 44
51)
إلى القاهرة والإسكندرية وأسيوط والفيوم ودمشق وحمص وحلب وحماة وغيرها من مدائن مصر والشام وهما في حوزة سلاطين المماليك ومن بقي من ملوك الأيوبيين، وقد كانت الملجأ الوحيد لأبناء اللسان العرب في فرارهم من وجه المغول بعد أخذهم لخراسان وفارس والعراق، فنبغ فيهما معظم شعراء ذلك العصر وأُدبائه وأطبائه وسائر رجال العلم.
وقد قَلَّت المكتبات الكبرى بسبب حرقها وإغراقها على أيدي التتار، فقد أحرق جنكيز خان من المكتبات في بخارى ونيسابور وغيرهما من مراكز العلم في فارس ما لا يحصى، وأتلف هولاكو كتب العلم في بغداد.
أما المدارس فقد كثرت في مصر والشام وأهمها في القاهرة ودمشق، وأول من أنشأ المدارس في الشام السلطان نور الدين زنكي 569 هـ، واقتدى به من جاء بعده من الملوك والسلاطين. واختلفت المدارس حسب مذاهبها وأغراضها للتفسير أو الحديث أو الفقه للشافعية أو الحنفية أو المالكية أو الحنابلة أو الطب أو الفلسفة أو الرياضيات، وتخرج من هذه المدارس الإسلامية طائفة كبيرة من العلماء، ومن أشهر المدارس الإسلامية بالقاهرة الأزهر الشريف الذي أصبح جامعة يتلقى فيها طلاب العلم مختلف العلوم والفنون كالتوحيد والفقه واللغة والنحو والبيان والطب وغير ذلك من العلوم (1).
ومن مدارس بلاد ما وراء النهر - موطن النسفي - المدرسة الأتابيكية في بلدة إيذَج (2)، والمدرسة المقتدائية بكلاباذ (3)، والتي تم بناؤها سنة
(1) ينظر: زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ط: دار مكتبة الحياة، (2/ 121).
(2) إيذَج: بلد بين خوزستان وأصبهان من قرى سمرقند عند الجبل كثيرة الزلازل وبها معادن كثيرة. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، 1/ 432.
(3) كلاباذ: محلة ببخارى. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (4/ 536).
الجزء 1 · صفحة 45
52)
(670 هـ)، والمدرسة القطبية السلطانية في مدينة بردوشهر - كرمان - (1).
ومع هذه النهضة العلمية، إلّا أننا نجد أنه قد غلبت عليها سمة الجمع والشرح لا الابتكار، فقد كثرت فيه الموسوعات والمعاجم مثل:
موسوعة نهاية الأرب لشهاب الدين أحمد النوري (ت: 732 هـ).
موسوعة لسان العرب لابن منظور (ت: 711 هـ).
وفيات الأعيان لابن خلكان ت 681 هـ، وهو معجم تاريخي.
أما علم القراءات فقد ازدهر في هذا العصر، إلا أننا نجد أن العلماء لم يذكروا عنه شيئًا في بلاد ما وراء النهر، واقتصروا على ذكر علماء العراق والشام والحجاز ومصر وغرناطة ومالقة وسبتة. ومن القرَّاء الذين برزوا في هذا العصر:
1 - المالقي (ت 705 هـ): هو عبد الواحد بن محمد الباهلي الأندلسي المالقي، تلقى العلم والقراءات على عدد كبير من العلماء، منهم: القاسم بن أحمد الحجري وعبد الرحمن الأنصاري، ومن الذين تتلمذوا على يديه محمد بن عبيد القيسي، من أعلام القضاة وأصله من أشبيلية، ومحمد بن يحيى قاضي الجماعة بغرناطة، وهو إمام مقرئ ألف في القراءات كتاب (شرح التيسير في القراءات السبع) (2).
(1) كرمان: مدينة في إيران مركز تجاري هام شهر بصناعة الأنسجة القطنية والصوفية والسجاد.
ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (4/ 515)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي والإسلامي (مرجع سابق) (19).
(2) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفَّاظ القرآن عبر التاريخ، ط دار الجيل، (1/ 358).
الجزء 1 · صفحة 46
53)
2 - أحمد بن إبراهيم (627 - 708 هـ): هو أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الأندلسي النحوي القارئ المحدث الفقيه قرأ بالقراءات السبع على بن أبي الحسن الساري، وفي مقدمة من أخذ عنهم أبو حيان الأندلسي (1).
3 - إبراهيم الجعبري (640 - 732 هـ): هو إبراهيم بن عمر أبو محمد الجعبري نسبة إلى قلعة جعبر وتقع على نهر الفرات، حفظ القرآن الكريم مبكرا وحفظ (كتاب التيسير في القراءات السبع) وتلقى القراءات على أبي الحسن علي بن عثمان البغدادي، والعشر على الحسين بن الحسن المنتجب التكريتي، برع في القراءات وكتب فيها كتابه (نزعة البررة في قراءات الأئمة العشرة) وكتابه (عقود الجماعة في تجويد القرآن)، رحل إلى الخليل في فلسطين ومات فيها (2).
4 - أبو حيان الأندلسي (654 - 745 هـ): هو محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الغرناطي الأندلسي سمع من عدد كبير من الشيوخ يصل عددهم إلى نحو أربعمائة وخمسين شخصا من شتى الدول الإسلامية غرناطة ومالقة وسبتة وديار أفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام، تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء في شتى العلوم: القراءات والتفسير والحديث والفقه وعلوم اللغة (3).
* * *
(1) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (1/ 32).
(2) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (1/ 15).
(3) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (1/ 137).
الجزء 1 · صفحة 47
54)
المبحث الثاني ترجمة الإمام بدر الدِّين الكردري
ويشتمل على: خمسة مطالب
المطلب الأول: اسمه ونسبه.
المطلب الثاني: لقبه.
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه.
المطلب الرابع: حياته.
المطلب الخامس: وفاته.
المطلب الأول: اسمه ونسبه
هو: الإمام العلامة بدر الدّين محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، المعروف بخواهر زاده الحنفي (1). وهو ابن أخت الشيخ شمس الدين الكردري (2).
(1) ينظر: العكري الحنبلي، عبد الحي بن أحمد بن محمد (ت: 1089 هـ)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تح: عبد القادر الأرنؤوط - محمود الأرناؤوط، ط: دار ابن كثير، (5/ 256).
(2) القرشي، عبد القادر بن محمد بن نصر الله، أبو محمد القرشي، الحنفي (ت: 775 هـ) الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية، ط: مير محمد كتب خانه، (1/ 236).
الجزء 1 · صفحة 48
55)
المطلب الثاني: لقبه
يلقب بـ (خواهر زاده)، وهو لفظ يقال لجماعة من العلماء كانوا أخوات شمس الأئمة، ولكن المشهور بهذه النسبة عند الإطلاق اثنان:
أحدهما: متقدم، وهو أبو بكر محمد بن حسين البخاري ابن أخت القاضي أبي ثابت محمد، وقد تكرر ذكره في "الهداية" بلقبه هذا، وهو مراد صاحبها.
والثاني: خواهرزاده، صاحب هذه الترجمة (1).
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه
أخذ الإمام العلامة بدر الدين الكردري، المعروف بـ (خواهر زادة)، عن خاله شمس الأئمة الكردري، وتفقه به، وهو: محمد بن عبد الستار بن محمد بن العمادي الكردري، المنعوت بشمس الدين كنيته أبو الوجد كان أستاذ الأئمة على الإطلاق والموفود إليه من الآفاق، رحل إلى ما وراء النهر وتفقه بسمرقند على شيخ الإسلام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني صاحب الهداية والشيخ مجد الدين
(1) ينظر: القرشي، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (مرجع سابق)، (1/ 236)، والعكري، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب (مرجع سابق)، (7/ 442)، والعيني، محمود بن أحمد بن موسى، أبو محمد العنتابي الحنفى المشهور (ببدر الدين العينى)، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، تح: محمد محمد أمين، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مركز تحقيق التّراث، (1/ 83).
الجزء 1 · صفحة 49
56)
المهاد السمرقندي المعروف بإمام زاده وسمع الحديث منهما وتفقه ببخارى على العلامة بدر الدين عمر بن عبد الكريم الورسكي والشيخ شرف الدين أبي محمد عمر العقيلي (1).
وكان ? كبير الشأن، ظاهر البرهان، تخرّج به خلق وانتفع به الناس.
• أما تلاميذه:
فمن هؤلاء الذين أخذوا عنه: الإمام الفقيه والمفسر، حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، وهو أحد الزهاد العلماء العاملين (2). وكانت وفاته ما بين سنة (710 - 711 هـ) (3).
المطلب الرابع: حياته
لم تنقل كتب التراجم الكثير عن حياة الإمام العلامة، بدر الدين الكردري، المعروف بـ خواهر زاده، سوى ما ورد في شذرات الذهب لابن العماد، من أنه: (كان وجوده حياة للوجود، وفيه يقول اليافعي ?:
لنا سيّد كم ساد بالفضل سيّدا ... بكلّ زمان ثمّ كلّ مكان
(1) القرشي، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (مرجع سابق)، (2/ 82).
(2) ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، (مرجع سابق)، (4/ 67). وخليفة، حاجي، كشف الظنون، ط: مكتبة المثنى (2/ 528).
(3) ينظر: العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة، ط: مجلس دائرة المعارف العثمانية، (2/ 247)، والزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (4/ 67).
الجزء 1 · صفحة 50
57)
إذا أهل أرض فاخروا بشيوخهم ... أبو الغيث فينا فخر كلّ يماني
وكان في ابتداء أمره عبدا - أي قنّا - قاطعا للطريق، فبينا هو كامن لأخذ قافلة، إذ سمع هاتفا يقول:
(يا صاحب العين عليك أعين)
فوقع منه موقعا أزعجه، وأقبل على الله، وظهر عليه من أوله صدق الإرادة، وسيماء السعادة. وصحب أولا الشيخ علي بن أفلح الزّبيدي، ثم الشيخ المبجّل علي الأهدل. ولما انتشر صيت الشيخ بنواحي سردد كتب إليه الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين يدعوه إلى البيعة، فأجابه الشيخ، ورد كتاب السيد، وفهمنا مضمونه، ولعمري إن هذا سبيل سلكه الأولون، غير أنا نفر منذ سمعنا قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} (1) لم يبق لإجابة الخلق فينا متسع، وليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه، ولا أن يفرّط في يومه بعد أمسه، فليعلم السيد قلّة فراغنا لما رام منا، ويعذر المولى، والسلام.
وكان أمّيّا وله كلامٌ في الحقائق، وأحوالٌ باهرةٌ، وكراماتٌ ظاهرةٌ، ووضع عليه كتابًا في التَّصوف (2).
* * *
(1) سورة الرعد، من الآية: 14.
(2) ينظر: العكري، عبد الحي بن أحمد، شذرات الذهب (مرجع سابق)، (7/ 441 - 442).
الجزء 1 · صفحة 51
58)
المطلب الخامس: وفاته
توفي ? في سنة إحدى وخمسين وستمائة من هجرة المصطفى ?. قاله ابن كمال باشا. وفيها - أو في التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل - شيخ شيوخ اليمن أبو الغيث بن جميل اليمني (1).
وهو ما ذكره في الجواهر أيضًا من أنه: توفي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وست مائة، ودفن عند خاله ? (2).
* * *
(1) ينظر: اليافعي، أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان، مرآة الجنان، ط: دار الكتب العلمية، وغربال الزمان، (526 - 527).
(2) القرشي، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (مرجع سابق)، (1/ 236).
الجزء 1 · صفحة 52
59)
القسم الثَّاني تحقيق كتب العبادات من مخطوط شرح مشكلات القدوري
الجزء 1 · صفحة 53
61)
[شرح مشكلات القدوري لخواهر زاده] (1)
بسم الله الرحمن الرحيم ... (2)
قوله (3): (الحمد لله (4))؛ الألف واللَّام لجنس (5) الحمد عند أهل السُّنة والجماعة (6)؛ بناءً على مسألة خلق (7) الأفعال، فعند أهل السُّنة الخالق هو الله تعالى، فلا يستحقّ غيرُه الحمد، وأمَّا (8) عند المعتزلة (9):
(1) في (أ): "بهذا كتاب خواهر زاده على شرح القدوري"، وسقطت من (ب)، (ت)، وفي (خ): "كتاب خواهر زاده شرح القدوري". ودلَّ على العنوان، أنَّه لم يشرح المتن شرحًا حرفيًا، وإنما شرح المشكلات، وما قد يوهم، وترك كثيرًا من الجمل دون شرح.
(2) زاد في (ب): "اللهم يسر بخير يا كريم"، وزاد في (ت): وتمم بخير، وزاد في (خ): "رب يسر ولا تعسر"، وزاد في (ش): رب يسر وتمم بالخير وبك أستعين.
(3) سقط من: (أ)، (ب)، (ت)، (خ).
(4) سقط من (أ)، (ت)، (خ).
(5) في (ب)، و (ت): "لحمد".
(6) أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري ?، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتوريدي، وأمَّا فرق الضَّلال فكثيرة جدا. ينظر: السَّفاريني، أبو العون، شمس الدِّين، محمد بن أحمد بن سالم السَّفاريني الحنبلي، لوامع الأنوار البهيَّة وسواطع الأسرار الأثريَّة لشرح الدُّرة المضيَّة في عقد الفرقة المرضيَّة، ط: مؤسَّسة الخافقين ومكتبتها، (1/ 73).
(7) في (ب): "خالق".
(8) في (أ) "فأما".
(9) المعتزلة: فرقة كلامية إسلامية، ظهرت في أول القرن الثاني الهجري، وبلغت شأوها في العصر العبَّاسي الأول، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء، مجلس الحسن =
الجزء 1 · صفحة 54
62)
العبد خالق الأفعال، فيستحقّ الحمد، فيكون على مذهبهم مُعظَمُ (1) الحمد لله تعالى (2).
قوله (3): (العالمين)؛ جمع عالم (4)، وهو اسمٌ لما (5) سوى الله
= البصري، لقول واصل: بأنَّ مرتكب الكبيرة ليس كافرًا، ولا مؤمنًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وسموا بعد ذلك بالمعتزلة. وللمعتزلة أصولٌ خمسةٌ يدور عليها مذهبهم. ينظر: ابن أبي يعلى، أبو الحسين، محمد بن محمد بن أبي يعلى، الاعتقاد، (ت: 526 هـ)، تح: محمد بن عبد الرحمن الخميس، ط: دار أطلس الخضراء، (44).
(1) في (أ): "متعظِّم".
(2) يعتقد المعتزلة: أن الإنسان خالقٌ لأفعال نفسه، وليس لله يدٌ في أفعال العباد، وأنَّ الإنسان يخلق الخير والشرَّ، وأنَّه يدخل الجنة بعمله، لا بفضل الله؛ فلذلك يرون أن الإنسان يستحقُّ الحمد لخلقه الخير. وأمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فيعتقدون: بأنَّ الله تعالى هو وحده الخالق لأفعال العباد؛ لقوله: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الزُّمر، آية: 162]. وأنَّه لن يدخل أحدٌ الجَّنة إلَّا بفضل الله ومنته. ينظر: ابن أبي العز الحنفي، صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد الدمشقي (ت: 792 هـ)، شرح العقيدة الطَّحاوية، تح: أحمد شاكر، ط: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، (441). وابن القيم، أحمد بن إبراهيم بن عيسى توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام، ط: المكتب الإسلامي (1/ 62)، وابن حزم الظاهري، أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ط: مكتبة الخانجي، (3/ 57).
(3) في (ب): "وقوله".
(4) اختلف أهل التَأويل في "الْعالَمِينَ" اختلافًا كثيرًا، فقال قتادة: العالمون جمع عالم، وهو كلُّ موجودٍ سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل، لقول تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}. [سورة الشعراء أية 165]. أي من الناس. ينظر: القرطبي، أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، تح: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، ط: دار الكتب المصرية، (1/ 138).
(5) في (أ): "بما".
الجزء 1 · صفحة 55
63)
تعالى (1)، وله أنواعٌ، فيكون الجمع باعتبار الأنواع، وإلا لا يمكن (2) الجمع (3)؛ لأن العالم اسم لما سوى الله تعالى، فلا (4) يبقى شيءٌ (5) سوي الله تعالى، كيف يصحُّ الجمع؛ لأنَّ الجمعَ: ضمُّ الشَّيء إلى أكثر منه (6)، فلا يمكن الضم (7).
والفرق بين الحمد والمدح، الحمد: يقتضي سابقة النِّعم، والمدح: لا يقتضي؛ فَمَنَّ الله في حقِّنا أنعامًا كثيرةً، من التخليق وإعطاء النِّعم وخلقه آدميًا مكرمًا، فلأجل هذا استَعمل الحمد دون المدح (8)، وتفسير الحمد: هو الوصف بالجميل، على جهة التَّفضيل، كذا نُقل عن برهان الدين صاحب الهداية (9).
(1) سقطت من (ب).
(2) في حاشية (ش): "لا يجوز".
(3) في (أ): "بالجمع".
(4) في (أ): "ولا".
(5) زاد في (خ)، (ب): "بدون".
(6) في (ب)، و (ت)، (ش): "مثله".
(7) زاد في (خ): قيل ينبغي أن يكون الرجل ممسوحًا إذا باعتبار الجمع بالجمع.
(8) قال ابن القيم: (إنَّ الحمد إخبارٌ عن محاسن المحمود، مع حبه، وتعظيمه، فلا بدَّ فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح، فإنَّه إخبارٌ مجردٌ) انتهى. ينظر: هراس، محمد خليل هراس، شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (11).
(9) هو أبو الحسن، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني، الملقب ببرهان الدين، وهو من أكابر فقهاء الحنفية،. كان حافظا مفسرًا محققًا أديبًا من المجتهدين. وله عدة مؤلفات منها كتابه الهداية شرح لمتن بداية المبتدي، وكتاب كفاية المنتهي، وكتاب التجنيس والمزيد، ولد 511 هـ / توفي 593 هـ. ينظر: الزركلي، خير الدين بن محمود بن =
الجزء 1 · صفحة 56
64)
قوله: (الطَّهارات) (1) جمعٌ بالمصدر، وهو اسمٌ يقبل الجمع (2)، وإن كان المصدر لا يثنَّى (3) ولا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسم جنس، وهو لا يقبل التَّعدُّد، ففي الجمع التَّعدد إلَّا أنَّه جمعٌ، باعتبار النوع، ويصحُّ الجمع في المصدر إذا أريد به النَّوع، كما يقال: ضربتين وضربات، [لأنَّ الطَّهارات أنواع: طهارةٌ بالتُّراب (4)، وطهارةٌ بالماء (5) ... (6)، وطهارة الثَّوب وطهارة الموضع الذي يُصَلِّي عليه الصَّلوات (7)] (8).
قوله: (ففرض الطَّهارة) (9) الفاء فيه: فاء التَّفسير، والفرض: أي المفروض [والمفروض في مسح الرأس مقدرًا الناصية لقوله تعالى:
= محمد بن علي بن فارس، الأعلام، 1396 هـ، ط: دار العلم للملايين، (4/ 266).
قطلوبغا، أبو الفداء زين الدين قاسم بن قطلوبغا (ت 879 هـ)، تاج التراجم، تح: محمد خير رمضان يوسف، ط: دار القلم، (1/ 207).
(1) جرت عادة الفقهاء على تصدير كتبهم الفقهيَّة بالعبادات، وهي الشهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجُّ، كما رتبهم المصطفى ? في حديث جبريل الشهير، وموضوع الشَّهادتين يتعلق في الجانب العقدي فَيُدرَس في كتب العقيدة، ولمَّا كان مفتاح الصَّلاة وشرطها الطَّهارة حسن تصديرها على الصَّلاة.
(2) في (أ): "التعدد".
(3) في (أ)، و (خ)،: "لا يثنى".
(4) هذا هو النَّوع الأوَّل من تقسم الطَّهارات، وهو تقسيمها باعتبار الآلة المطهِّرة، وهو ما يتمُّ التَّطهير به وهو إمَّا بالتُراب كالتَّيمُّم والدَّبغ في بعض الصُّور، وإمَّا بالماء كما سيأتي.
(5) طهارة الماء كالوضوء، والغُسلُ الواجب، وغسل النَّجاسة العينيَّة، وهي التي لها جرمٌ مشاهدٌ.
(6) زاد في (ت): "وقف"، وزاد في (ش): "وطهارة البرد".
(7) هذا تقسيمٌ آخر من تقسيمات الطَّهارة، وهو تقسيمها إلى ما يجب أن يُطَهَّر لإقامة العبادة، فيجب تطهير: 1) البدن 2) والثوب 3) والمكان.
(8) سقطت من (ب)، (خ)، وفي (أ): (الموضع الذي يصلي الصَّلاة على هذا).
(9) شرع في بيان الوضوء، الطَّهارة هنا بمعنى الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 57
65)
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (1)، فهذه الباء لا يخلو: إمَّا أن يكون للإضافة، وللتَّبعيض، فإن كان للإضافة فبظاهر الآية يقتضي جميع الرَّأس، وإن كان للتَّبعيض فبظاهر الآية يقتضي بعضًا مقصودًا، وهو ما يزيد على أقل ما يتناوله اسم المسح، وذلك مجهولٌ مفتقرٌ إلى البيان وقد ورد البيان (2)، فلما روى المغيرة بن شعبة "أن رسول الله أتى سباطة (3) قوم فبال وتوضأ فمسح على ناصيته وخفيه" (4) صار ذلك بيانًا لمراد الآية وبيانًا المجمل (5)
(1) سورة المائدة آية 6.
(2) البيان في كلام العرف عبارة عن الإظهار، وقد يستعمل في الظهور، قال الله تعالى: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [سورة الرحمن، آية: 4]، والمراد به الاظهار، والفصل. ينظر: البزدوي، علي بن محمد، كنز الوصول إلى معرفة الأصول (أصول البزدوي)، ط: مطبعة جاويد بريس، (209).
(3) السباطة هي مكان تجمع فيه النفايات وتسمى اليوم (المزبلة). ينظر: السبتي، أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي، (ت: 544 هـ)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، ط: دار التراث، (2/ 204).
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه (سنن ابن ماجة)، ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ط: أبو المعاطي، أبواب الطَّهارة وسننها، باب ما جاء في البول قائمًا، (1/ 204). وأخرجه البزار في كتابه: البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، البحر الزخار، تح: محفوظ الرحمن زين الله، (حقق الأجزاء 1/ 9)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء 10/ 17) وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء 18)، ط: مكتبة العلوم والحكم في مسنده (7/ 296). وأخرجه الطَّبراني في (المعجم الأوسط)، الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، تح: طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط: دار الحرمين، (5/ 281 - 282).
(5) المجمل: وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل وذلك مثل قوله تعالى وحرم الربا فإنه لا يدرك بمعاني اللغة بحال وكذلك الصلاة والزكاة وهو مأخوذ من الجملة. ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، (مرجع سابق) (9).
الجزء 1 · صفحة 58
66)
على الوجوب (1)].
قوله: (على ناصيته (2))، لا يقال: هذا دليل لا (3) يوافق المدَّعى؛ لأنَّ المدعى مقدار النّاصية، وهو مسحٌ (4) على النَّاصية قلنا (5): المسح على النَّاصية ظاهرًا يوافق الرُّبع، والمدَّعى (6) الربع، فيكون الدَّليل موافقًا للمدَّعى.
لأنّ (7) النّاصية لا يتعين (8)؛ لأنّه لو تعيّن يلزم (9) ترك النّص بخبر الواحد (10)؛ لأنَّ النص (11) أطلق، والرُّبع عُلِمَ بفغل النَّبي ? (12)، وإن كان
(1) سقطت من (ب). من هنا تبدأ المقابلة مع (خ)،.
(2) في (أ): "علم ناصيته"، وفي (ب): "بناصيته".
(3) سقطت لا من نسخة (ت).
(4) في (أ)، (ب)، (ت)، (ش): "المسح".
(5) في (ت): "وأما".
(6) في (أ): "المدعي".
(7) في (ب): "لا أن"، وفي (خ)، و (ش): "إلَّا أنَّ".
(8) في (أ): "لا تتغير"، والأصح أن يقول الناصية لا تتعين؛ لأنَّها مؤنثة.
(9) سقط في (ت)، وفي (ش): "لزم".
(10) قال الجصَّاص: (وأمَّا تخصيص عموم القرآن والسُّنَّة الثَّابتة بخبر الواحد وبالقياس، فإنَّ ما كان من ذلك ظاهر المعنى بيِّن المراد غير مفتقرٍ إلى البيان ممَّا لم يثبت خصوصه بالاتفاق، فإنَّه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.) انتهى. ينظر: الجصاص، أحمد بن علي الرازي (ت 370 هـ)، الفصول في الأصول، تح: د. عجيل جاسم النشمي، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة الكويت (1/ 155).
(11) في (أ): "لنص"، والمقصود بالنَّص آية الوضوء في سورة المائدة، 6.
(12) المسح على الرأس ورد في القرآن الكريم، والسُّنَّة وردت بالمسح على النَّاصية، التي تقدَّر بربع الرأس، ولا تشترط النَّاصية، فلو مسح من آخر الرأس أو عن يمينه أو شماله فلا مانع؛ لعدم تعيين النَّاصية، وإنما يتعيَّن مقارها في أيِّ مكانٍ من الرأس.
الجزء 1 · صفحة 59
67)
النَّص يقتضي البعض (1)، فلا يتعيَّن لأجل هذا، فعلى هذا ينبغي أن يكون الرجل ممسوحًا إذ (2) باعتبار مقابلة (3) الجمع بالمجمع (4).
فإن قيل (5): المسح ثبت بالسُّنَّة، والجرُّ في أرجلكم باعتبار المجاورة، وهي يجوز مع الواو ... (6)، كما يجوز بدون الواو، فلم يثبت المسح بالنَّص، قلنا (7): لا نسلم، بل ثبت باعتبار العطف، ... (8) على محلّ رؤوسكم (9)، والعطف على المحلِّ ...........................
(1) الآية مجملةٌ في مسح الرأس، تحتمل إرادة جميع الرأس كما قال مالك، وتحتمل إرادة ما تناوله اسم المسح كما قاله الشَّافعي، وتحتمل إرادة بعضه كما ذهب إليه أصحابنا؛ وقد صحَّ أن النبي ? توضَّأ فمسح بناصيته، فكان بيانًا للآية وحجةً عليهما، والمختار في مقدار النَّاصية ما ذكر في الماتن، وهو الرُّبع. ينظر: ابن مودود، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، الاختيار لتعليل المختار، تح: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن، ط: دار الكتب العلمية، (1/ 10).
(2) في (ب): "أو"، وفي (ت): "أداء"، وفي (خ)، (ش): "إذا".
(3) في (ب): "المقابلة".
(4) مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد كقولهم: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم فيقتضي أن يركب كل شخصٍ دابَّته فقط، لا أن يركب كلُّ واحدٍ منهم كلَّ الدَّواب وهذا معلومٌ في اللغة إلَّا أنَّه غير معمولٍ به في هذا الباب بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} فلا تكون رجلًا واحدةً لمقابلة الجمع بالجمع، بل الرجلين؛ لأنَّهما جعلتا في الحكم كعضوٍ واحدٍ تناولهما الأمر فوجب غسلهما. ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي (مرجع سابق)، (1/ 49)، (6/ 233).
(5) في (خ): "قلنا".
(6) زاد في (ب): "و".
(7) في (خ): "فإن قيل".
(8) زاد في (ت): "و".
(9) زاد في (ش): "والرأس محله النصب وإنما صار مجرورًا لدخول حرف الجر فيه كما في البيت".
الجزء 1 · صفحة 60
68)
جائزٌ (1)، كما في قوله: فلسنا (2) بالجبال ولا الحديد. الحديد: عطف على المحل، والجبال: محلُّه منصوب؛ لأنَّه خبر ليس.
قلنا: لا يمكن العطف؛ لأنَّ الأصل أن يكون العطف على اللفظ، معما (3) أن المسح على الرأس قد بُيِّنَ حكمه بفعل النبي ?، والمسح على الرجلين ما بُيِّن حكمه بفعله (4)، فلا يعطف معما أن المسح في الرأس هو الإصابة، والمسح على الرجلين إلى الساق إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا، فلا تتحقق (5) المجانسة بينهما.
قوله: (إذا استيقظ المتوضئ [من نومه] (6))، هذا شرطٌ اتفاقًا ... (7)؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السُّنَّة: غسل اليدين (8) فإنما قيد
(1) أخذت بعض المذاهب الفقهيَّة أن وظيفة الرجل المسح لا الغسل، وقال الحسن البصري ? المَضْرُورُ يتخير بين المسح والغسل، وعن ابن عباس ? قال: نزل القرآن بغسلين ومسحين، يريد به القراءة بالكسر في قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، فإنَّه معطوفٌ على الرَّأس، وكذلك القراءة بالنَّصب عطفٌ على الرَّأس من حيث المحلِّ، فإنَّ الرَّأس محلُّه من الإعراب النَّصب، وإنَّما صار محفوظًا بدخول حرف الجر. ينظر: السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة 483 هـ، المبسوط، ط: دار المعرفة (1/ 8).
(2) سقطت من (ب)، و (خ).
(3) كثيرا ما يستعمل لفظ: "معما"، ويعني به "مع"؛ لاستعماله في بعض المواضع لفظ "مع" في نسخ و "معما" في نفس الموضع في نسخة أخرى، فلعلها لغةٌ فارسيةٌ.
(4) سقطت من (أ).
(5) في (أ)، و (ت)، و (خ) يتحقق.
(6) سقطت من (ب)، (خ).
(7) زاد في (ب)، و (ش): "إلا هو شرط حكما".
(8) الأصحُّ أنَّه سنَّةٌ مطلقًا؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء السُّنَّة غسل اليدين، وخصَّ =
الجزء 1 · صفحة 61
69)
باعتبار أن يده مست النجاسة بالاحتمال في حال (1) النَّوم فحينئذ قد وصل إلى النَّجاسة يده حالة النوم.
قوله: (وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها) فالتخصيص في الرِّواية يدلُّ على نفي ما عداه، حتى أن الرَّجل ينقض (2) إذا كان علويًا (3)، أو له (4) شعرٌ طويلٌ قيل: أنَّه لا ينقض دفعًا للضرر (5) عن المكلَّف.
= المصنف غسلهما بالمستيقظ تبركًا بلفظ الحديث، ووجه التَّمسك بالحديث أن الوضوء واجبٌ، وقد لا يتوصَّل إليه إلَّا بالغمس، والغمس حرامٌ حتى يغسل اليد ثلاثًا فيكون الغمس والغسل واجبين؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجبٌ، لكن تركنا الوجوب إلى السُّنَّة في الغسل؛ لأنَّه ? علَّل بتوهم النَّجاسة، وتوهُّمها لا يوجب التنجُّس الموجب للغسل، فكان دليلًا على التَّورع والاحتياط. ينظر: الميداني، عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الميداني الحنفي، اللباب في شرح الكتاب، تح: محمود أمين النواوي ط: دار الكتاب العربي. (1/ 7). و: البابرتي، محمد بن محمد، العناية شرح الهداية، (ت 786 هـ)، ط: دار الفكر، (1/ 21).
(1) في (ب): "حالة".
(2) في (أ): تنقض.
(3) قال بعض فقهاء الحنفية: إن كان عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا لا يجب عليه نقضه؛ للمشقَّة في نقضه، لأنهم يطيلون شعورهم ويدهنونها بزيوتٍ لتثبيتها، وقال آخرون: ينقض شعره وجوبًا، ولو عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا؛ لإمكان حلقه، والمقصود بالعلوي هو العلوي طريقة لا النُّصيري، وقيل المقصود بالعلوي الأشراف من ولد علي ?. ينظر: الزيلعي، عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، المتوفى: 743 هـ، ط: المطبعة الكبرى الأميرية (1/ 15)، و: الحصكفي الحنفي، محمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (ت: 1088 هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة، تح: عبد المنعم خليل إبراهيم، ط: دار الكتب العلمية (1/ 154).
(4) في (خ): "وله".
(5) في (أ) "للمضرر".
الجزء 1 · صفحة 62
70)
قوله: (والمعاني): [(المعاني النَّاقضة للوضوء (1)) كلما خرج من السبيلين لقوله: {أَوْ (2) جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} (3) والغائط: الموضع المطمئنُّ الذي يُقعَد للحاجة، وإنَّما صار اسمًا لها للحدث؛ لكثرة الاستعمال، كما أن العذرة قد صارت اسمًا للنجاسة، لا وضوء إلا من صوت أو ريح (4).
قوله: (والدَّم والقيح والصَّديد (5) إذا خرجا من البدن، فتجاوزا لي موضع يلحقه حكم التطهير)؛ لما روى تميم الداري عن رسول الله ? أنَّه قال: "الوضوء من كل دم سائل" (6)، ولأنَّها نجاسته خارجةٌ من البدن،
(1) سقطت من (ب).
(2) في (أ): إذا.
(3) سورة المائدة، آية: 6.
(4) الأصل في المسألة هو أن النبي سئل عن الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينفتل، أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا. البخاري، الجامع الصحيح المختصر، (مرجع سابق)، (1/ 4)، رقم الحديث 137.
(5) القيح: الصفرة الخالصة لا يخالطها دم، والصديد: هو الذي كأنه الماء يخالطه دم. ينظر: ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، 458 هـ، المحكم والمحيط الأعظم، تح: عبد الحميد هنداوي، ط: دار الكتب العلمية، (3/ 412).
(6) الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي (ت: 385 هـ)، سنن الدارقطني، ط: مؤسسة الرسالة، كتاب الطهارة، باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة، (1/ 287) حديث رقم: 581. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، (معرفة السنن والآثار)، تح: سيد كسروي حسن، ط: دار الكتب العلمية، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القيء والرعاف (1/ 240). ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن العبسي، (ت 235 هـ)، المصنف في الأحاديث =
الجزء 1 · صفحة 63
71)
فكان مدخلًا في بعض الطَّهارة تأثيرٌ كالخارج من السبيلين، بخلاف ما إذا لم يتجاوز (1)؛ لأنها معدنها وفطانها (2) كالبول في المثانة] (3).
أي العلل (4). قال الأستاذ الكردري، ? (5): إنَّما (6) لم يستعمل المشايخ لفظ العلل؛ احترازًا عن لفظ الفلاسفة؛ حتى [استعمله أبو جعفر
= والآثار، كتاب: الطهارات، باب: إذا سال الدَّم أو قطر أو برز ففيه الوضوء، وقال عنه: قال: أبو بكر: سمعت ابن إدريس يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: ليس الوضوء إلا من السبيلين الغائط والبول. (1/ 127)، حديث رقم 1263. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم ولا رآه، واليزيدان مجهولان. ينظر: الزيلعي، نصب الراية، (مرجع سابق)، (1/ 37):
(1) اتفق فقهاء الحنفية على أن الدم إذا خرج من البدن وسال من موضعه ينقض الوضوء، واختلفوا في ما إذا كان الدم الخارج يسيرًا، وبدون سيلان، كأثر الدم على السواك، فمنهم من قال لا ينقض الوضوء، ومنهم من قال ينقض الدم الخارج مطلقا، وهو قول زفر. ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب كتاب اللباب (مرجع سابق)، (1/ 9).
(2) هكذا كتبت في النُّسخ، ولعلَّه يقصد: "مظانها".
(3) ما بين المعكوفتين سقط في: (ب)، (خ).
(4) المعاني الناقضة للوضوء: هي العلل المؤثِّرة في إخراج المتوضئ من كونه متوضئًا إلى كونه غير متوضئ. ينظر: البابرتي، محمد بن محمد بن محمود الرومي، العناية شرح الهداية، 786 هـ، ط دار الفكر، (1/ 43).
(5) هو أبو الوحدة محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي، الكردري، الحنفي، البراتقيني. وبراتقين: من أعمال كردر، وقال الذهبي: أنبأني بترجمته أبو العلاء الفرضي، فقال: هو أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود عليه من الآفاق، مات ? سنة 586 هـ ينظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، (ت: 748 هـ)، تح: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، (23/ 112)، رقم 86. و: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، طبقات المفسرين، تح: علي محمد عمر ط: مكتبة وهبه. (21).
(6) في (ب)، و (خ): "وإنما".
الجزء 1 · صفحة 64
72)
الطَّحاوي (1) ... ] (2).
وكفى بها (3) تنبيهًا، أو كأنهم اتبعوا السنة (4)، فإنها وردت بلفظ المعنى دون العلَّة على ما قال ?: "لا يحل دم امرئٍ (5) مسلمٍ إلَّا بإحدى معان ثلاث" (6)، [أي العلل] (7).
(1) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي الطحاوي الحنفي، صاحب التصانيف، من أهل قرية طحا من أعمال مصر. مولده في سنة 239 هـ. بدأ حياته شافعيًا ثم تحول إلى الحنفية وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر. برز في علم الحديث وفي الفقه، وتفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي، وجمع وصنف. قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا فقيها عارفًا لم يخلق مثله. له مؤلفاتٌ، منها: "العقيدة الطَّحاويَّة"، و "شرح مشكل الآثار"، و "شرح معاني الآثار". (ت: 321 هـ). ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (مرجع سابق)، (15/ 27)، رقم 15. الزركلي، الأعلام (مرجع سابق) (1/ 206).
(2) في (أ)، (ب)، (ت)، (خ): "استعمل أبو جعفر الطَّحاوي لفظ المعاني"، والصَّحيح أن أبو جعفر الطَّحاوي هو أوَّل من استعمل لفظ العلل من الفقهاء، وليس لفظ المعاني. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (1/ 43).
(3) في (أ) "وكفاية".
(4) في (أ): "لسنته".
(5) في (أ): "المرأت"
(6) البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجامع الصَّحيح المسند من حديث رسول الله ? وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، ط: دار الشعب. ولفظه: "لا يحلُّ دم امرئ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنَّفس والثَّيب الزّاني والمارق من الدّين التّارك الجماعة"، (9/ 6)، رقم الحديث 6878. ومسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، ط: دار الجيل، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، (5/ 106)، رقم الحديث 4468، ولم أجده بلفظ المعاني.
(7) في (أ)، (ب): "بدون النداء".
الجزء 1 · صفحة 65
73)
(1).
قوله: (على وجه الدَّفق والشَّهوات (2)) (3) حتّى إذا ضرب أو حمل حملًا ثقيلًا، وخرج منه المني لا يجب الغسل إذًا (4)، احترازًا عن قول الشافعي (5) ?، فإنَّ عنده خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل، وإنما شرطنا الشَّهوة (6)؛ لأنَّ الغسل يجب على الجنب بالنَّص والجنب: من به إنزال المني على وجه الشَّهوة (7).
قوله: (وفيهما الوضوء) (8) لأنَّ صاحب العذر إذا خرج ...........
(1) زاد في (أ)، (خ): "وإنما استعمل بعض المشايخ، لفظ العلل لأنَّه لم يحترز عن الاحتراز الذي احترز بعض المشايخ لدى الفلاسفة يستعملون العلل".
(2) سقط في (ب)، (خ): "الشهوة".
(3) هنا يتحدَّث عن موجبات الغسل، ومنها خروج المني وجعل له ضابطًا، وهو خروجه على وجه الشَّهوة.
(4) في (ب)، و (خ): "أو".
(5) يرى الشافعية: أن خروج المني موجبًا للغسل، وصفته أنه أبيض ثخين دفاق، يخرج دفعات، الأصل أن يخرج بشهوة، وقد يخرج بدونها، ويعقب خروجه فتور، وتشبه رائحته رائحة الطَّلع، فلو فقد من هذه الصِّفات التلذذ بخروجه، بأن يخرج لحالةٍ مرضيَّةٍ وجب الغسل، لعموم حديث: "الماء من الماء"، خلافا لأبي حنيفة. ينظر: الغزالي، محمد بن محمد بن محمد، الوسيط في المذهب، (ت 505 هـ)، تح: أحمد محمود إبراهيم، ومحمد محمد تامر، ط: دار السلام (1/ 341). و: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد البصري، الحاوي الكبير (ت: 450 هـ)، ط: دار الفكر (1/ 400).
(6) في (أ): "الشَّهوات".
(7) في (أ): "الشَّهوات".
(8) أي في خروج المذي، والودي. ويخرج من ذكر الرجل في حال الصِّحة أربعة أشياء، كلها نجسة عند السادة الأحناف وهي: =
الجزء 1 · صفحة 66
74)
منه المذي (1) يجب الوضوء، وإن (2) لم يخرج الوقت؛ لأنَّ وضوءه لا ينتقض (3) إلَّا بخروج الوقت (4)؛ فلأجل هذا قيّد بقوله: (وفيهما الوضوء)، وإلَّا في البيان إخلالٌ؛ لأنَّه إذا لم يجب الغسل يجب الوضوء ضرورةً.
قوله: (وماء البحار) (5)، هذا (6) إضافة التَّعريف وفي ماء الزَّردج (7)
= أ - المذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة يكون لزجا ولا يخرج دفقا ولا تنقطع به الشهوة، ويجب فيه الوضوء دون الغسل.
2 - المني: المَاء الْأَبْيَض وقد يتغير إلى الصفرة والرقة لعلة تحدث الغليظ الَّذِي ينكسر بِهِ الذّكر وتنقطع بِهِ الشَّهْوَة، وهو أصل خلق الإنسان، يجب فيه الغسل.
3 - الودي: يصح بالتخفيف وبالتشديد، ماء أصفر غليظ، يخرج عقيب البول وقد يسبقه، يخرج مع التَّعب الشَّديد أو البرد، وفيه الوضوء دون الغسل.
4 - البول: هو السائل الأصفر الذي تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه (وهو معلوم). ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب (مرجع سابق)، (1/ 17)، و: السمرقندي، محمد بن أحمد، تحفة الفقهاء، (ت نحو: 540 هـ)، ط: دار الكتب العلمية، (1/ 27)، و: البسام، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام، توضيح الأحكام من بلوغ المرام، (ت: 1423 هـ)، ط: مكتبة الأسدي، (1/ 141).
(1) في (خ): "المني".
(2) في (أ): "وإذ".
(3) في (أ): "ينقض".
(4) صاحب العذر كمن به سلس بول أو عنده ارتخاء وتفلُّتٌ للريح، لا ينتقض وضوؤه إلَّا بخروج الوقت؛ للمشقَّة في تجديد وضوئه مع كلِّ حدث، ولا يقاس عليه المذي والودي لقلة خروجهما من الإنسان، فلو خرجا ينتقض الوضوء، ولو لم يخرج الوقت على صاحب العذر، والسليم من باب أولى.
(5) الطهارة من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار.
(6) في (أ)، و (ب)، و (ت)، و (خ)، و (ش) "هذا". والأصح (هذه) وسنلاحظ في كثير من المواضع استعمال التذكير مع المؤنث، وذلك من المسامحات للمؤلف؛ لكونه فارسي غير عربي، وسألتزم النَّص في نسخ المخطوط.
(7) ماء الزردج، بزايٍ معجمةٍ، وراءٍ ودالٍ مهملتين وجيمٍ، وهو ما يخرج من العصفر المنقوع =
الجزء 1 · صفحة 67
75)
إضافة التقييد (1) وبالفارسية اسبرك (2)، والفرق بينهما، أن إضافة الماء إلى البحار والآبار إضافةٌ إلى محلٍ، والشيء بكونه في المحل لا يكون مقيدًا، كماء الجبِّ مثلًا، أمَّا إضافة الماء إلى الزَّردج إضافة تقييدٍ؛ لأنَّ الزَّردج يغير الماء، فلا يكون ماءً مطلقًا بعد الإضافة، فلا يجوز.
أمَّا (3) في الإضافة إلى البحار (4) يُعلَم أنَّه ماء البحار فلا يحصل التَّقييد، فبقي (5) ماءٌ مطلقًا، فيجوز [أن يقول: كل ماء، أن يتعرف ماهيته بدون هذا الإضافة، ويفهم بمطلق قولنا: الماء وهو ماء مطلق، بخلاف ماء الباقلاء وأشباهها، فإنَّه لا يتعرف ماهيَّته بدون ذلك القيد، فلا ينصرف الفهم إليه عند الإطلاق؛ ولهذا صحَّ نفيه عن اسم الماء، ولا (6) يقال له: يشرب فلانٌ الماء، وإن كان شرب ماء الباقلاء، ولو كان ماءًا حقيقةً لا يصح نفيه؛ لأنَّ الحقيقة لا يسقط، لا بد هذا هو الفارق بين الحقيقة والمجاز (7).
= فيطرح ولا يصبغ به. ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب، (مرجع سابق)، (1/ 12).
(1) في (ب): "تقيد".
(2) في (أ)، (خ): "استرك"، وهو: شجر العصفر، وقيل: المُعَصَفر. يُنظَر: الكرميني، علي بن محمد بن سعيد (ت: 556)، تكملة الأصناف، تح: علي رواقي، ط: أنجمن آثار ومفاخر فروشكي، (معجم عربي / فارسي).
(3) سقط في: (أ).
(4) في (ب): "البحر".
(5) في (ب)، و (خ): "فنفي".
(6) سقطت من (أ)، (ب)، (خ).
(7) لو صحَّ تسمية ماء الباقلَّاء، أو الزَّردج بالماء، فهي تسميةٌ مجازيةٌ غير حقيقيةٍ، أمَّا ماء البحار، أو الآبار فهو ماءٌ على الحقيقة، والحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما تدلُّ عليه =
الجزء 1 · صفحة 68
76)
قوله:] (1) (ولا بماءٍ اعتصر) (2) صحَّ قوله: (بماء (3) بالمدَّ) (4) أي الماء (5) الذي اعتصر، لا (6) المراد الشيء الذي اعتصر (7).
قوله: (قليلًا كان أو كثيرًا) (8) أي قليلًا كان موضع الوقوع أو كثيرًا؛ لأنَّ الماء إذا كان قليلًا يتنجَّس موضع الوقوع، [وما حوله أيضًا، وأمَّا إذا كان كثيرًا يتنجَّس موضع الوقوع] (9) فقط، و (10) لا يتنجس ما حوله.
= بنفسها دلالةً ظاهرةً، والمجاز: هو اللَّفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته. ينظر: الخفاجي الحلبي، أبو محمد عبد الله بن سعيد، (ت: 466 هـ)، سر الفصاحة، ط: دار الكتب العلمية، (1/ 43). و: الخوارزمي، يوسف بن أبي بكر بن محمد الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب (ت 626 هـ)، مفتاح العلوم، تح: نعيم زرزور، ط: دار الكتب العلمية، (1/ 359).
(1) ما بين المعكوفتين سقط من: (ب)، (خ).
(2) لا يجوز التَّطهر بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء.
(3) في المتن (كماء).
(4) هو ماء السيل، وخصَّه بالذِّكر؛ لأنَّه يكون قد اختلط به أوراقٌ وأشجارٌ وغثاءٌ فإنَّ ذلك لا يجوز التطهر به، إذا فقد طبع الماء وهوما كان سيالًا رقراقًا. ينظر: الزبيدي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني، الجوهرة النيرة، شرح مختصر القدوري (ت: 800 هـ)، ط: المطبعة الخيرية، (1/ 44). و: الغنيمي الدمشقي، اللُباب (مرجع سابق)، (1/ 12).
(5) في (ب): "بالماء المد".
(6) في (خ): "لأن".
(7) عبارة المتن: "الطَّهارة من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار، ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر". أي لا الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر لا يجوز التَّطهُّر به فالمقصود الماء لا الشيء المعتصر.
(8) كل ماءٍ وقت به نجاسةٌ، لا يجوز التطهر به قليلًا كان أو كثيرًا. وهو قول الماتن (القدوري).
(9) سقط من (ب).
(10) سقطت من (أ).
الجزء 1 · صفحة 69
77)
قوله: (فغيَّر أحدَ أوصافه) (1)، هذا يخالف رواية الكتب الأخرى (2)؛ لأنَّه إذا غيَّر وصفيه يجوز التوضُّؤ أيضًا، كماء الحوض يتغيَّر طعمه ولونه (3).
قوله: (وموت ما يعيش في الماء [لا يفسده] (4))، قوله (5): (في الماء) ظرف العيش.
(6) قوله: (فيه) متعلق بقوله وموت؛ أي موته في الماء، و (7) المراد من الموت: بأن مات حتف أنفه، وهو الموت الطَّبيعي، و (8) أمَّا إذا قطع السَّمك يتنجَّس الماء [عند أبي يوسف ?] (9) فإنَّ عنده دم السَّمك نجس.
قوله: (كالسَّمك (10) والضِّفدع) قدَّم السَّمك؛ لأنَّه لا خلاف في عدم
(1) أي الماء المخالط لطاهرٍ إذا تغيَّر أحد أوصافه بهذه المخالطة، والأوصاف هي اللون والطعم والريح.
(2) عند أبي يوسف: إذا خالط الماءَ شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحد أوصافه، فإن ذلك يسلبه جواز التطهُّر به، وتابعه عليه الإمام الناطفي والسرخسي. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (1/ 96).
(3) الرواية الثانية: لا يسلب الطُّهورية عن الماء تغير أوصافه، إن لم يزل عنه طبع الماء. وطبع الماء: كونه سيالًا مرطبًا مسكنًا للعطش، حتى لو تغيَّرت أوصافه. ينظر: ابن عابدين، الاختيار في تعليل المختار (مرجع سابق) (1/ 14).
(4) سقطت من (ب).
(5) في (ب): "وقوله".
(6) زاد في (خ): "و".
(7) سقطت من: (ب).
(8) سقطت من: (ب).
(9) في (أ): "عن رسول الله ? ".
(10) في (أ): "السَّمك".
الجزء 1 · صفحة 70
78)
كونه نجسًا، أمَّا في الضِّفدع خلاف الشافعي (1) ?، فإنَّ عنده موت الضِّفدع منجس، وصح الضِّفدع بكسر الدال وقيل بفتح الدال والخليل (2) خطَّأ الفتح (3).
قوله: واستعمل (المستعمل: كل ما أزيل به حدث، أو استعمل (4) في البدن على وجه القربة) (5)؛ لأنَّه استُعمِلَ فيما هو مقصودٌ في
(1) واختلف الشافعية بعد اتفاقهم على تحريم الضفدع، هل ينجس بعد موته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنَّه طاهرٌ لا ينجس بالموت؛ لأنَّ حيوان الماء موته وحياته سواء.
والوجه الثَّاني: أنَّه نجسٌ إذا مات؛ لأنَّه لمَّا شابه حيوان البرِّ في التَّحريم شابهه في التَّنجيس، فعلى هذا هل ينجس به الماء القليل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يتنجَّس به كما ينجس بسائر الأنجاس. والوجه الثَّاني: لا ينجس به للحوق المشقَّة في التَّحرز، فصار عفوًا كدم البراغيث. ينظر: الماوردي، الحاوي الكبير (مرجع سابق) (15/ 140).
(2) في (أ): "الجليل". وهو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي: من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، أخذه من الموسيقى وكان عارفًا بها. وهو أستاذ سيبويه النحوي. ولد ومات في البصرة، وعاش فقيرًا صابرًا، كان مغمورًا في الناس لا يُعرَف. قال النضر بن شميل: ما رأى الرَّاؤون مثل الخليل ولا رأى الخليل مثل نفسه، له كتب منها: (العين)، (معاني الحروف)، (جملة آلات العرب)، (تفسير حروف اللغة)، (العروض)، (النقط والشكل)، (النغم)، (ت: 170 هـ)، وقيل (ت: 175 هـ) ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (2/ 314)، و: الفيروزأبادي، محمد بن يعقوب، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، تح: محمد المصري، ط جمعية إحياء التراث الإسلامي، (22).
(3) الضِّفدِع بكسر الضَّاد والدَّال الذَّكر، والضِّفدعة للأنثى، وناسٌ يقولون بفتح الدَّال وأنكره الخليل. ينظر: الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصِّحاح، تح: محمود خاطر، ط: مكتبة لبنان ناشرون، (403).
(4) في (خ)، و (ب): "قوله استعمل"، ومن هنا وقع سقط في (خ)، و (ب)، ويتصل عند قوله: "في البدن على وجه القربة عند أبي حنيفة".
(5) الماء المستعمل لا يجوز التّطهر به.
الجزء 1 · صفحة 71
79)
الشَّرع، بخلاف ما إذا اغتسل به ثوبًا قطيفًا؛ لأنَّه لم يحصل بذكر واحد منهما فلم يصير مستعملًا (1) في البدن على وجه القربة.
عند أبي حنيفة وأبي يوسف (2) رَحِمَهُمَا اللهُ، إزالة النَّجاسة، أو إقامة القربة لكون الماء مستعملًا شرطٌ ... (3)، وعند محمد (4) ? الشَّرط: إقامة القربة، بأن نوى القربة (5) حتى إنَّ الجنب إذا نوى .........................
(1) من هنا نواصل المقابلة مع (خ)، و (ب).
(2) أبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصارى الكوفي المشهور بالقاضي أبو يوسف وهو أشهر تلاميذ الإمام أبي حنيفة، ولد أبو يوسف سنة 113 هـ، يقول عن نفسه: "صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة". أشهر مؤلفاته وهو يعد أول من ألف الكتب في مذهب أبي حنيفة، [كتاب الخراج، وكتاب في آدب القاضي على مذهب أبي حنيفة]، وغيرها. (ت: 182 هـ) دفن في مدينة الكاظمية. ينظر: ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح: إحسان تاج، ط: دار صادر، (6/ 378). و: كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين وتراجم مصنفي الكتب العربية، ط: مكتبة المثنى، (12/ 240).
(3) زاد في (ب): "هو".
(4) هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (مولاهم) الكوفي، كتب شيئًا من العلم عن أبي حنيفة، ثم لازم أبا يوسف من بعده حتى برع في الفقه، صاحب الإمام أبي حنيفة وناشر مذهبه وفقيه العراق. ولد سنه 131 هـ، يعد الصاحب الثاني لأبي حنيفة بعد أبي يوسف، في دراسة وتدوين مذهب الحنفية، تولَّى القضاء زمن هارون الرشيد، وانتهت إليه رياسة الفقهِ بالعراق بعد أبي يوسف، ونعته الخطيب البغدادي: بإمام أهل الرأي. له مؤلفات عرفت بكتب ظاهر الرِّواية وهي كتاب: المبسوط ويسمى بالأصل - السير الكبير - الجامع الكبير - الجامع الصغير - الزِّيادات توفي في الرَّي بواسط سنة (187 هـ)، وقيل (189 هـ). ينظر: الشيرازي، أبو إسحاق، طبقات الفقهاء، تح: إحسان عباس، ط: دار الرائد العربي، (1/ 135). و: الزركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (6/ 80).
(5) سقطت من (ب).
الجزء 1 · صفحة 72
80)
إزالة (1) النَّجاسة يصير مستعملًا بالاتفاق، [وعند محمد بنيَّته (2)] القربة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف بإزالة النَّجاسة يصير مستعملًا.
أمَّا إذا اغتسل (3) المتوضئ لأجل التَّبرُّد لا يصير مستعملًا بالاتفاق، وأمَّا إذا اغتسل الجنب لأجل التبرد يصير مستعملًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ? بإزالة النَّجاسة، وعند (4) محمد ?، لا يصير مستعملًا لعدم إقامة القربة؛ لأنَّه لم ينو (5) إقامة القربة (6).
قوله: (و (7) كل إهابٍ دُبغَ (8) [فقد طَهُر، وجازت الصَّلاة فيه والوضوء منه، إلَّا جلد الخنزير والآدمي)؛ لقوله: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" (9)
(1) في (خ): "بإزالة".
(2) في (ب): "فعند محمد"، (خ): "فعنده بنية".
(3) في (أ)، (خ): "غسل".
(4) في (ب): "فعند".
(5) في (أ): "يفد".
(6) اختلف الفقهاء في صفة الماء المستعمل فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رَحِمَهُما اللهُ -: هو ما أزيلت به النَّجاسة، أو صحَّت به القربة، بأن توضَّأ تبردًا أو نظافةً، فإنَّ الماء يصير مستعملًا عندهم؛ لأنَّ الوضوء ليس عبادةٌ مستقلةٌ بذاتها تحتاج إلى نيَّةٍ، وإنَّما هو شرطٌ للعبادة فلا يحتاج إلى نيَّة، وعند محمد ?: لا يصير الماء مستعملًا إلَّا مع نيَّة القربى، فإن لم ينو القربى لا يصير مستعملًا كما في المتبرِّد، هذا وقد اتفقوا على أن الجنب لو استعمل الماء يصير مستعملًا ولو لم ينو. ينظر: السرخسي، المبسوط (مرجع سابق)، (1/ 46)، و: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (1/ 115).
(7) سقطت من (أ).
(8) من هنا وقع سقط في (خ)، (ب) ويتصل عند قوله: "يوست بيراسته".
(9) الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح، تح: أحمد محمد شاكر وآخرون، ط: دار إحياء التراث العربي، في كتاب اللباس - باب ما جاء =
الجزء 1 · صفحة 73
81)
كالخمر إذا تحلل (1)، ولم يفصل بين جلد الميت وجلد الكلب وغيرها فهو على العموم؛ ولقوله ?: "وإنما حرم من الميت أكلها" (2)؛ ولأنَّ الكلب يجوز الانتفاع به غير ضرورةٍ، فصار كالشَّاة بخلاف الخنزير؛ فإنَّه لا يجوز الانتفاع به بحال.
وأمَّا الآدمي؛ فلأن الدباغ لا يؤثر في جلده؛ لأنَّ المقصود من الدباغ: هو الانتفاع بالجلد، وجلد الآدمي لا يجوز الانتفاع به لحرمته، وكما لا يجوز الانتفاع بشعره] (3) يوست بيراسته (4).
فإن قيل: لِمَ لَم (5) يقل (6) جازت الصَّلاة عليه وقال فيه؟ قلنا: فيه فائدة؛ لأنَّه لمَّا جازت الصَّلاة وهو لابسه، فأولى أن يجوز الصَّلاة عليه؛
= في جلود الميتة إذا دبغت (4/ 221) حديث رقم، 1728 قال الترمذي: "حسن صحيح".
و: النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، المجتبى من السنن، تح: عبد الفتاح أبو غدة، ط: مكتب المطبوعات الإسلامية، في كتاب الفرع والعتيرة - باب جلود الميتة، (7/ 137)، رقم الحديث 4241. و: ابن ماجه، السنن، (مرجع سابق)، في كتاب اللباس - باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، (4/ 602) رقم الحديث 3609.
(1) بأن صار خلًا.
(2) ورد بهذا اللفظ في الدارقطني، كتاب الطَّهارة، باب الدباغ، (1/ 58) رقم الحديث 100، تح: شعيب الأرنؤوط، ط: الرسالة، ولفظ البخاري، في صحيحه، (مرجع سابق) أن رسول الله ? مرَّ بشاةٍ ميتةٍ فقال: "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنَّها ميِّتةٌ، قال: إنَّما حرم أكلها". كتاب البيوع، باب بيع الجلود قبل أن تدبغ حديث رقم 2221.
(3) زاد في (ب): "الإهاب". ومن هنا نواصل المقابلة مع (خ)، (ب). وعنده "الإيهاب لوست نابيراسته" وفي (ت): "بوست نابيراسته".
(4) كلمةٌ فارسيَّة.
(5) سقط من: (أ).
(6) في (ب)، (خ): "يقال".
الجزء 1 · صفحة 74
82)
لأنَّ اتِّصال اللَّابس بالثَّوب أكثر من اتِّصال المصلَّي بالمصلَّى؛ لأنَّ المصلِّي يجاور المصلَّي أمَّا اللَّابس يلازمه.
فإن قيل: لم (1) قدَّم الخنزير على الآدمي ومن حقِّه أن يقدم الآدم لأنه مكرم؟ قلنا:
قوله: (إلَّا) مستثنى من الطَّهارة، فيكون النَّجاسة ثابتةٌ في المستثنى، والخنزير أليق بالنَّجاسة فقُدِّم (2) لهذا المعنى، كما في قوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (3)} قدم الصَّوامع على المساجد في الهدّم؛ لأنَّ الصَّوامع أليق بالهدّم.
(4) قوله: (والوضوء) فيه لطيفة؛ لأنَّ في الأرض النَّجسة روايتان (5) بعد الجفاف إذا ابتل في رواية يعود النَّجاسة وفي رواية لا يعود النَّجاسة (6).
أمَّا في الإهاب لا يعود قولًا واحدًا بالبلل (7)، وإنّ (8) كان اليبس
(1) في (ب): "لو".
(2) في (خ)، (أ): "فيقدم".
(3) سورة الحج آية 40.
(4) زاد في (ب): "وفي".
(5) إذا ثبت أنَّها تطهر بالجفاف وعاودها الماء فعند أَبي حنيفةَ روايتان، أَحدهما: تعود نجسةً وهو اختيار القدورِي وَالسَّرَخْسِيِّ وفي الرِّواية الأُخرى: لا تعود نجسةً وهو اختيار الْإِسْبِيجَابِيِّ وعلَى هذا الخلاف إذا وقع من ترابها شيءٌ في الماء فعند الأوَّلَين ينجس وعلَى الثَّاني لا ينجس. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة، (مرجع سابق)، (1/ 145).
(6) سقطت من، (خ).
(7) في (أ): "بالبلاء".
(8) سقطت من (أ).
الجزء 1 · صفحة 75
83)
بمنزلة الذكاة (1) في الأرض لقوله ?: "ذَكَاةُ الأرضِ يبَسُهَا" (2).
قوله: [(إذا وقعت في البئر نجاسةٌ نزحت)؛ لأنَّ النَّجاسة إن تشيع في الماء فيتنجس ماء البئِّر؛ فوجب أن ينزح، وكان نزح ما فيها من الماء طهارةٌ لها؛ لأنَّ التبع في البئِّر فَفُصِل، فإذا أخرج منها الماء، ونبع فيها ماءٌ آخرٌ رفع النَّجس لمَّا وجه الماء فصار كالنَّجاسة تقع في الماء الجاري] (3).
نزحت: أي (4) البئر، لا (5) المراد النَّجاسة، بقرينة ما ذكر بعد هذا، فإن كانت البئر معينًا (6) لا تنزح، وإنَّما (7) أضاف النَّزح (8) إلى البئر للمبالغة، كما يقال: أبو حنيفة، ? (9): كله فكذلك ها هنا (10)، ينزح جميع
(1) في (ب): "الذكاء".
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارة، تح: كمال يوسف الحوت، ط: الرشد، باب في الرجل يطأ الموضع القذر يطأ بعده ما هو أنظف، (1/ 59)، رقم الحديث: 436. و: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر، كتاب سنن البيهقي الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، ط: دار باز، (2/ 429)، قال الفتني في تذكرة الموضوعات: لا أصل له في المرفوع بل هو موقوف على محمد بن علي الباقر وعن ابن الحنفية وأبي قلابة وهو من التَّابعين بلفظ جفوف، وقال السَّخاوي: لا يصحُّ مرفوعًا.
(3) ما بين المعكوفتين سقط من: (خ)، (ب).
(4) سقطت من (ب).
(5) في (ب): "لأنَّ".
(6) بالتخفيف، أي ذات عين جارية، وماءً متجدِّد.
(7) في (خ): "وأمَّا".
(8) في (أ): "للنزح".
(9) في (خ): "فقه".
(10) في (أ): "هيهنا".
الجزء 1 · صفحة 76
84)
ما في البئر احتياطًا.
قوله: [(فإن مات فيها (1) فأرةٌ، أو عصفورةٌ، أو صعوةٌ (2)، أو سودانيةٌ، أو سام أبرص (3)، نزح من عشرين دلوًا إلى ثلاثين يحسب كبير الدلو وصغرها)، لما روي عن رسول الله ? أنَّه قال: "في الفأرة تموت في البئر ينزح منها ثلاثون دلوًا أو أربعون دلوًا" (4).
عن علي ? ينزح منها دلاءٌ، وعن الشَّعبي (5) والنَّخعي (6) ينزح منها
(1) أي إن مات في البئر.
(2) قال المطرزي: (الصَّعو: صغار العصافير، الواحدة صعوة). ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (1/ 148).
(3) سام أبرص: ضرب من كبار الوزغ، ينظر: الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري، العين، (ت: 170 هـ)، تح: د. مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، ط: دار ومكتبة الهلال (7/ 206).
(4) يصح الأثر مقطوعًا ولا يصحُّ مرفوعًا كما سيأتي.
(5) هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الهمداني الشعبي، والمشهور بـ الإمام الشعبي، ولد في الكوفة عام 16 هـ وعاش فيها، وقد سكن المدينة المنورة عدة أشهر، قال ابن سيرين: قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة والصحابة يومئذ كثير، وكانت وفاته بالكوفة وذلك سنة 103، وقيل 104 هـ. ينظر: الكندي، بهاء الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، السلوك في طبقات العلماء والملوك، 732 هـ، تح: محمد بن علي بن الحسين الأكوع الحوالي، ط: مكتبة الإرشاد، (1/ 148). و: الشيرازي، طبقات الفقهاء، (مرجع سابق)، (1/ 81).
(6) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمران الكوفي، فقيه أهل الكوفة، رأى عائشة ? وكان رجلا صالحا فقيها ومات وهو مختف من الحجاج. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، كان فقيها (ت: 96 هـ) تقريبًا، وله من العمر 49 سنة، في زمن الوليد بن عبد الملك. ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، (مرجع سابق)، (1/ 25)، و: الذهبي، سير أعلام النبلاء (مرجع سابق)، (4/ 520).
الجزء 1 · صفحة 77
85)
عشرين دلوًا (1)؛ لأنَّ هذا الحيوان ضعيفٌ، فهو لا يصل إلى كل الماء، وإنَّما يموت على وجه الماء، أو ما يقارن فلا يختلط بجميع الماء.
فالواجب إخراج ما جاوزه من الماء، فقد روى ذلك في غلبة الظَّن بما قدَّمنا واتَّبعوا فيه السَّلف والباقي من الماء جاوز ما جاوزر النجاسة فلا يحكم بتنجيسه؛ لأنَّ ذلك تؤدي إلى تنجيس ماء البحر وعن هذا قال ? في الفأرة إذا وقعت في السَّمن وماتت فيها إن كان جامدًا: "ألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا استصبحوا" (2). ولم يأمر بإلقائها ما حوله النَّجاسة] (3).
(بحسب كبر الدَّلو) أي (4) يقدَّر الدَّلو (5) إذا كان الدلو عظيمًا يسع عشرين دلوًا من الدلو الوسط مرة واحدة يكفي قال مولانا شمس الدين الكردري (6) ? ناقلًا عن ....................
(1) حديث النخعي والشعبي في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوًا، روي أيضًا عن أنس بن مالك ? أن النَّبي ? قال في الفأرة: "تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا"، ولكنه شاذ، وقال عنه البيهقي حديث منقطع، و: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، معرفة السنن والآثار، تح: سيد كسروي حسن، ط: دار الكتب العلمية. وهو مخالفٌ لحديث الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. المروي عن عبد الله بن عمر ? في مسند الإمام أحمد.
(2) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، (مرجع سابق) كتاب الطهارة باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، (1/ 68)، حديث رقم: 235 ونصّه "ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم".
(3) ما بين المعكوفتين سقط في (خ)، (ش).
(4) في (أ)، و (خ): أن.
(5) سقطت من (خ).
(6) في (ب): الكردي. وقد سبقت ترجمته.
الجزء 1 · صفحة 78
86)
نسخته (1) صاحب الهداية (2) ? أن قوله بحسب كبر الدلو وصغره في الاستحباب لا في الواجب؛ لأنَّ الواجب عشرون دلوًا في الفأرة وثلاثون دلوًا (3) بطريق الاستحباب (4)، أمَّا مولانا ? يصرف قوله بحسب كبر الدلو وصغره على الواجب والاستحباب فإن الواجب عشرون فالاستحباب عشرة فيكون نصف (5) الواجب.
فإذا كان من الدَّلو (6) الوسط يسع خمسةً في دلوٍ عظيمٍ ينزح ستةً؛ لأنَّ الاثنين لأجل الاستحباب وهو عشرةٌ والأربعة وهو عشرون لأجل الواجب (7)، وأمَّا إذا كان يسع من الدَّلو الوسط في دلوٍ عظيمٍ اثنان ينزح خمسة عشرة، عشرةٌ لأجل الواجب، وخمسةٌ لأجل الاستحباب هكذا ينزح.
قوله: (سودانية) طُوَيرَةٌ (8) سوداءٌ طويلة الذنب، [ويسمى العصفور
(1) في (خ): "شيخه".
(2) كاتب الهداية شرح بداية المبتدي للإمام علي المرغيناني (مرجع سابق).
(3) سقطت من (خ).
(4) أي أن الواجب أن ينزح 20 دلوًا، ويستحب له أن يزيد في النزح إلى 30، والمرغيناني صاحب الهداية يرى أن التَّقدير يكون لكل الدِّلاء الواجبة والمستحبَّة، والكردري يرى أن التقدير يكون في الدلاء الواجبة فقط.
(5) في (أ): "تصرف".
(6) يختلف حجم الدَّلو باختلاف البئر، فكلُّ بئرٍ المعتبر فيها دلوها المعدُّ لها، وأمَّا إن كانت البئر من غير دلوٍ فإن المعتبر دلوٌ بحجم الصَّاع. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (1/ 62).
(7) فإذا كان من الدلو الوسط يسع خمسة في دلو عظيم ينزح ستة لأن الاثنين لأجل الاستحباب
وهو عشرة والأربعة وهو عشرون لأجل الواجب سقط من (ب).
(8) في (أ): "طيرة".
الجزء 1 · صفحة 79
87)
الأسود] (1).
قوله: (صَغُرَ الحيوان)، فإن قيل: لِمَ ما (2) قال صغرًا (3) مكان صَغُرَ؟ قلنا: صَغُرَ فعل، والفعل لا يستحيل أن يتغير، أمّا الإسم علمٌ على (4) الذات، فلا يَقبَل التَّغيير، والمراد (5) وقت الوقوع، لا وقت النزح؛ فإنَّه يمكن أن يكون صغيرًا وقت الوقوع ثم كبر بالانتفاخ؛ فلأجل هذا استعمل صَغُرَ أي كان صغيرًا (6) وقت الوقوع، ثم صار كبيرًا بالانتفاخ (7) ينزح عشرين إلى ثلاثين، لا الجميع أي جميع الماء.
قوله: (والماء المستعمل لا يجوز استعماله)، فإن قيل ينبغي أن يتبين ماهية الماء المستعمل، ثم يتبين حكمه أنَّه لا يجوز استعماله؛ لأن الحكم بالشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ماهيته (8)، قلنا: هذا كتاب الفروع (9)، وفي الفروع المقصود الحكم لا الماهيَّة؛ فلأجل هذا قدَّم
(1) سقط من (ب)، (خ).
(2) سقطت [ما] من: (أ).
(3) في (خ): "صغيرا".
(4) سقط من: (أ)، و (خ).
(5) في (ب)، و (خ): "فالمراد".
(6) في (أ): "صغرا".
(7) في (أ) الإنتفاح.
(8) يقول الفقهاء: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره. فإذا كان التصوُّر صحيحًا كان الحكم صحيحًا، أما إن كان التصوُّر خاطئًا فالحكم سيكون خاطئًا فكلُّ ما كان أصله مغلوطًا فالفرع تبعٌ له فسيكون مغلوطًا. ينظر: ابن نجيم المصري، البحر الرائق، (مرجع سابق)، (2/ 365).
(9) كتب الفروع الفقهية تعنى بأحكام المسائل، لا بتكيفها وتصورها.
الجزء 1 · صفحة 80
88)
الحكم على بيان الماهيَّة.
قوله (1): (وإن كان البئر مَعينًا (2) لا ينزح، فوجب نزح ما فيها، أخرجوا مقدار ما فيها كان (3) فيهما من الماء) وهذا قول أبي يوسف، وقد روي عن محمد، ? أنَّه قال: ينزح منها مائتي دلوًا إلى ثلاث مائة، وقال أبو حنيفة ?: ينزح حتى يغلبهم الماء.
وجه قوله أن ينزح جميع الماء لا يمكن، فإذا نزحت حتى يغلب الماء فقد حدث ماء آخر، ودفع ما كان في البئر إلى وجه الماء، وجه قول أبو يوسف إنَّ ما كان فيها قد نجس فوجب إخراجه، ويمكن بأن يعرف مقداره بأن يعرف في البئر قضبته يجعل معيارًا ويعلم فيها علامة مع وجه الماء ثم استقى الدلاء، وجه قول محمد ?، هو أن غالب الآبار أنَّها لا يزيد على هذا القدر فاعتبر الغالب (4).
ينبغي أن يقال معينةٌ (5)؛ لأنَّ البئر مؤنَّث سماعي، إلَّا أنَّه على وزن فعيل، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ لأنَّ هذا الوزن بعيد من الأفعال، فإدخال التَّاء لتفرقه (6) في الفعل.
(1) من هنا وقع سقط في (خ) ويتصل عند قوله: "ينبغي أن يقال معينه لأن البئر مؤنث سماعي".
(2) أي ذات عين جارية، القياس أن يقال: معينة كما في بعض النسخ كذلك لأن البئر مؤنثة، وإنما ذكر بلفظ التذكير نظرا إلى اللفظ أو توهم أن فعيل بمعنى مفعول. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (1/ 153).
(3) هكذا كتبت في النسخ وفي المتن: (ما كان فيها)، وهو أقوم.
(4) من هنا نواصل المقابلة مع (خ)، وقد زاد: "معينا".
(5) في (أ): "يقول مغيته".
(6) في (أ): "لتقرِّبه".