شرح مختصر المنار ......
...... لابن قطلوبغا
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح مختصر المنار ......
...... لابن قطلوبغا
شرح مختصر المنار
للإمام الأصولي الفقيه قاسم ابن قُطْلوبُغا
ولد سنة (802) وتوفي سنة (879 هـ)
دراسة وتحقيق
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وسار على دربه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا «شرح مختصر المنار» للإمام الكبير، والعلامة النحرير، إمام عصره بلا منازع، وفريد دهره بلا مدافع، مَن بلغت تحقيقاته الدنيا، وانتشرت تأليفات في الآفاق، وعمّ ذكره في الأمصار، حتى استوعب علوم شتى وفنون عديدة.
فبين أيدينا شرحٌ ميسور له على مختصر المنار لابن حبيب، يحسن بالطلبة أن يبدأوا بقراءته في علم الأصول، وقد منّ الله عليَّ أن أعدت ترتيبه وشرحه بطريقة عصرية مع تفصيل وبيان، يُمَكِّن المبتدئ من فهم علم الأصول وتصوره على أحسن حال، وسميته: «مسار الوصول إلى علم الفقه عند الحنفية».
وأردت أن أحافظ على الأصل لهذا الشرح بعد مقابلته على عدة نسخ مخطوطة، وتخريجه أحاديثه، والتقديم له بدراسة أذكر فيها ترجمة موجزة للشارح ابن قطلوبغا، والماتن ابن حبيب، ودراسة موجزة على المتن والشرح؛ ليتمكن الطلبة من قراءته والإفادة منه.
وأسأل المولى تعالى أن يتقبَّله ويجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا طريقه وسبيله للحقّ، وأن يغفر لنا خطاينا ويرحمنا وأساتذتنا وأهلنا وعامّة المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح، عمان، الأردن
17/ 11/2020 م
دراسة موجزة بين يدي الكتاب
وتشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: ترجمة مؤلف «خلاصة الأفكار» ابن قُطْلوبُغا:
أولاً: اسمه ونسبه:
هو قاسم بن قُطْلوبُغا بن عبد الله السُّودونيّ الجماليّ المصريّ الحنفيّ، زين الدين، أبو العدل، المعروف بابن قطلوبغا أو قاسم الحنفي.
والسودوني: نسبة لمعتق أبيه «سودون الشيخوني» نائب السلطننة في عصره.
ثانياً: نشأته:
ولد في محرم سنة (802) هـ بالقاهرة.
ومات أبوه وهو صغير، فنشأ يتيماً، ويقال: إن والده كان من رؤوس النوّب، ويلقب بالزراف.
وتكسَّب بالخياطة وقتاً وبرع فيها.
ثالثاً: شيوخه وطلبه للعلم:
حفظ القرآن وكتباً عرض بعضها على قاضي القضاة العز بن جماعة (767 هـ)، ولازم كبار العلماء، وأقبل على الاشتغال بالعلم:
فسمع تجويد القرآن على الزراتيتي.
وبعض التفسير على العلاء البخاري.
وأخذ علوم الحديث عن التاج أحمد الفرغاني النعماني قاضي بغداد وابن حجر العسقلاني وابن الجزري والشهاب الواسطي والزين الزركشي والشمس ابن المصري والبدر حسين البوصيري وناصر الدين الفاقوسي والتاج الشرابيشي والتقي المقريري والعز بن جماعة وعائشة الحنبلية.
والفقه عن الكمال ابن الهمام والمجد الرومي والعز عبد السلام البغدادي والشرف السبكي والسراج قارئ الهداية وناصر الدين البارنباري وعبد اللطيف الكرماني والنظام السيرافي.
و أصول الدين عن السعد بن الديري والبسطامي.
وأصول الفقه عن العلاء البخاري والشرف السبكي وابن الهمام والسراج قارئ الهداية.
وأخذ الفرائض والميقات والحساب عن ناصر الدين البارنباري وغيره.
والعربية عن المجد الرومي والتاج الفرغاني والشرف السبكي والبسطامي والنظام السيرافي والتاج أحمد الفرغاني.
والمنطق عن الشرف السبكي.
ولم يزل على اهتمامه وجدّه، فضلاً عما يتمتع به من ذكاء متوقد ودقّة حتى غزر علمه وفاض فضله، فأصبح من الذين يشار إليهم.
وارتحل إلى الشام مع شيخه التاج النعمان، حيث أخذ مسانيد أبي حنيفة للخوارزمي وعلوم الحديث لابن الصلاح وغيرهما.
وقد أجيز له بالتدريس في الشام بالإفتاء والتدريس بعد أن عدّ من حفاظ الحديث سنة (823هـ).
واشتدت عناية بملازمة شيخه محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (ت861هـ)، بحيث سمع عليه غالب ما كان يُقرأ عنده في هذه الفنون وغيرها، وذلك من سنة (825هـ) حتى مات، وكان معظم انتفاعه به.
ونظر في كتب الأدب ودواوين الشعر، فحفظ منها شيئاً كثيراً.
رابعاً: تلامذته:
تصدّى للتدريس والإفتاء.
وأخذ عن الفضلاء في فنون كثيرة، ومنهم: شمس الدين المغربي والقاضي محب الدين بن الشحنة والبقاعي والسخاوي وبرهان الدين الناصري وأبو إسحاق الخجندي وابن إسماعيل الجوهري والبدر الطولوني وبدر الدين القاهري وابن العيني والفيومي وابن الجندي والملا السكندري وابن الصيرافي وابن الغزال وأبو الفضل العراقي والكافوري وغيرهم.
وعظم انتفاع الشرف المناوي، وكذا البدر بن الصواف في كثير من مقاصدهما.
وأسمع من لفظه: «جامع مسانيد أبي حنيفة» بمجلس الناصري ابن الظاهر جقمق، بروايته له عن التاج النعماني عن محيي الدين أبي الحسن حيدرة بن أبي الفضائل محمد بن يحيى العباسي، مدرس المستنصرية ببغداد، سماعاً عن صالح بن عبد الله بن الصباغ، عن أبي المؤيد محمد بن محمود بن محمد الخوارزمي مؤلفه.
وكان الناصري ممن أخذ عنه واختصّ بصحبته.
خامساً: ثناء العلماء عليه:
وهو إمام حافظ علامّة مفنِّن أصوليّ مؤرِّخ باحث ... انتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة.
قال فيه المقريزي: برع في فنون من فقه وعربية وحديث وغير ذلك وكتب مصنفات عديدة.
وممن كتب عنه من نظمه ونثره البرهان البقاعي ... قال: كان مفنّناً في علوم كثيرة: الفقه والحديث والأصول وغيرها، ولم يخلِّف بعده حنفياً مثله ...
وقال فيه العماد الحنبليُّ: وبالجملة فهو من حسنات الدهر.
وقال فيه السَّخاويُّ: وهو إمام علامة قوي المشاركة في فنون ذاكر لكثير من الأدب ومتعلقاته واسع الباع في استحضار مذهبه وكثير من زواياه وخباياه، متقدم في هذا الفنّ، طلقُ اللسان، قادرٌ على المناظرة وإفحام الخصم، لكن حافظته
أحسن من تحقيقه، مغرم بالانتقام ولو لمشايخه، حتى بالأشياء الواضحة، والإكثار من ذكر ما يكون من هذا القبيل بحضرة كلِّ أحد ترويحاً لكلامه بذلك، مع شائبة دعوى ومساجحة .... كثير الطرح لأمور مشكلة يمتحن بها، وقد يكون عنده جوابها.
ولهذا كان بعضهم يقول: إن كلامه أوسع من علمه، وأما أنا فأزيد على ذلك بأن كلامه أحسن من قلمه، مع كونه غاية في التواضع، وطرح التكلف، وصفاء الخاطر جداً، وحسن المحاضرة، لا سيما في الأشياء التي يتحفظها، وعدم اليبس والصلابة، والرغبة في المذاكرة للعلم، وإثارة الفائدة، والاقتباس ممن دونه مما لعله لم يكن أتقنه.
وأشار السَّخاويُّ إلى المكانة السامية التي تبوَّأها الحافظ ابن قطلوبغا بعلمه وذكائه، وأنه انفرد عن علماء مذهبه الذين أدركهم بالتقدم في هذا الفن، وصار بينهم من أجلِّة شأنه، مع توقف الكثير منهم في شأنه وعدم إنزاله منزلته .. وهكذا كان حال أكثرهم معه، جرياً على عادة العصريين.
سادساً: وظائفه:
لم يل ابن قُطْلوبُغا ـ مع انتشار ذكره ـ وظيفة تناسبه، بل كان في غالب عمره أحد صوفية الأشرفية.
نعم استقرَّ في تدريس الحديث بقبة المدرسة البيبرسية عقب ابن حسان، ثم رغب عنه بعد ذلك.
وقرَّره جانبك الجداوي في مشيخة مدرسته التي أنشأها بباب القرافة، ثم صرفه، وقرّر فيها غيره.
ولكن قبيل هذه الأزمان، ربما تفقّده الأعيان من الملوك والأمراء ونحوهم، فلا يدبر نفسه في الارتفاق بذلك، بل يسارع إلى إنفاقه، ثم يعود لحالته وهكذا .. مع كثرة عياله وتكرر تزويجه.
وبالجملة فهو مقصَّر في شأنه ..
وعيِّن لمشيخة الشيخونية عند توعُّك الكافيجي بسفارة المنصور حين كان بالقاهرة عند الأشرف قايتباي، وكذا بسفارة الأتابك أزبك، فقدِّرت وفاته قبله.
وقد تعرَّض للأذى من بعض من استفادوا منه .. وانتصر له العزّ بن جماعة قاضي الحنابلة، وهجرهم بسببه مدة من الزمن، حتى توسّط بينهم العضد الصيرامي.
سابعاً: مؤلفاته:
ذكر السخاوي بدأ بالتأليف سنة (820هـ): أي عندما كان عمره عشرة من عمره، وكان له اهتمام كبير بالتصنيف في مختلف العلوم التي برع بها، ومنها:
1. إتحاف الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء.
2. إجارة الإقطاع.
3. الأجوبة عن اعتراضات ابن أبي شيبة على أبي حنيفة.
4. أجوبة عن اعتراضات ابن العز على الهداية.
5. أجوبة عن اعتراضات العز بن جماعة على أصول الحنفية.
6. إخراج المجهولات.
7. الأسوس في كيفية الجلوس.
8. أسئلة الحاكم للدارقطني.
9. الأصل في الفصل والوصل.
10. أمال على مسند عقبة بن عامر الصحابي
11. الأمالي على مسند الإمام الأعظم أبي حنيفة.
12. الاهتمام الكلي بإصلاح ثقات العجلي.
13. الإيثار برجال معاني الآثار.
14. بغية الرائد في تخريج أحاديث شرح العقائد النسفية.
15. تاج التراجم.
16. تبصرة الناقد في كيد الحاسد «في الدفع عن أبي حنيفة».
17. تحرير الأنظار في جواب ابن العطار.
18. تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار.
19. تخريج أحاديث الأربعين في أصول الدين.
20. تخريج أحاديث أصول الفقه.
21. تخريج أحاديث بداية الهداية.
22. تخريج أحاديث تفسير أبي الليث.
23. تخريج أحاديث جواهر القرآن.
24. تخريج أحاديث شرح القدوري للأقطع.
25. تخريج أحاديث الشفا.
26. تخريج أحاديث عوارف المعارف للسهروردي.
27. تخريج أحاديث الفرائض للسجاوندي.
28. تخريج أحاديث منهاج العابدين للغزالي.
29. تخريج الأقوال في مسألة الاستبدال.
30. تخريج عوالي القاضي بكار.
31. تراجم مشايخ شيوخ العصر.
32. ترتيب الإرشاد في علماء البلاد.
33. ترتيب التمييز للجوزقاني.
34. ترتيب مسند أبي حنيفة «برواية ابن المقري».
35. ترتيب مسند الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، «رتبه على أبواب الفقه برواية الحارثي».
36. الترجيح والتصحيح على القدوري.
37. ترصيع الجوهر النقي في تلخيص سنن البيهقي.
38. تعليق مسند الفردوس.
39. تعليقة على الآثار لمحمد بن الحسن.
40. تعليقة على أنوار التنزيل وأسرار التأويل.
41. تعليقة على القصارى في الصرف.
42. تعليقة على موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن.
43. تقويم اللسان في شرح الميزان.
44. تقويم اللسان في الضعفاء.
45. تلخيص سيرة مغلطاي.
46. الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة.
47. جامعة الأصول في الفرائض.
48. حاشية على التقريب لابن حجر.
49. حاشية على التلويح.
50. حاشية على شرح التفتازاني في الصرف.
51. حاشية على شرح تنقيح الأصول.
52. حاشية على شرح العقائد «النسفية».
53. حاشية على شرح النخبة.
54. حاشية على فتح المغيث.
55. حاشية على مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية.
56. حاشية على المشبته.
57. الحيطان.
58. خلاصة التقارير في تحرير الدراهم والدنانير.
59. الدعاوي.
60. دفع المضرات عن الأوقاف والخيرات.
61. الدوريات.
62. رجال مسند أبي حنيفة؛ لابن المقري.
63. رجال الموطأ برواية محمد بن الحسن.
64. رد القول الخائب في القضاء على الغائب.
65. رسالة السيد في الفرائض.
66. رسالة في رفع اليدين في الصلاة.
67. رسالة في صحة بالقراءات العشر.
68. رسالة في لحم الفرس.
69. رفع الاشتباه عن مسألة المياه.
70. زوائد رجال سنن الدارقطني على الستة.
71. زوائد رجال مسند الشافعي.
72. زوائد رجال الموطأ.
73. زوائد العجلي.
74. شرح الأندلسية.
75. شرح البسملة.
76. شرح درر البحار.
77. شرح فرائض الكافي.
78. شرح فرائض مجمع البحرين.
79. شرح قصيدة غرامي صحيح.
80. شرح المختار.
81. شرح مختصر الطحاوي.
82. شرح مختصر الكافي في الفرائض لابن المجدي.
83. شرح مختصر المنار.
84. شرح مخمسة العز عبد العزيز الديري في العربية.
85. شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة لابن الهمام.
86. شرح مصابيح السنة.
87. شرح منار النظر في المنطق لا بن سينا.
88. شرح منظومة ابن الجزري «في الحديث».
89. شرح النقاية مختصر الوقاية لصدر الشريعة المحبوبي.
90. شرح الورقات «في الأصول».
91. العصمة عن الخطأ في نقض القسمة.
92. عوالي الطحاوي.
93. عوالي الليث بن سعد.
94. غريب أحاديث شرح الأقطع على القدوري.
95. غريب القرآن.
96. الفتاوى القاسمية.
97. فضول اللسان.
98. الفوائد الجلية في مسألة اشتباه القبلة.
99. القمقمة في مسألتي الجزء والقمقمة.
100. القول القاسم في بيان حكم الحاكم.
101. القول المتبع في أحكام الكنائس والبيع.
102. الماء المستعمل وبيان حكم الجاري والكثير منه.
103. مختصر تلخيص المفتاح «في البلاغة والبيان»
104. مختصر المختصر.
105. معجم الشيوخ.
106. من روى عن أبيه عن جدّه.
107. من يكفر ولم يشعر.
108. منتقى درة الأسلاك في دولة الأتراك.
109. منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي.
110. موجبات الأحكام وواقعات الأيام.
111. النجدات في بيان السهو في السجدات.
112. نزهة الرائض في أدلة الفرائض.
113. الواقعات.
114. الوصايا.
ثامناً: مرضه ووفاته:
تعلَّل ابن قُطْلوبُغا مدة طويلة بمرض حاد وعسر التبول والحصاة وغير ذلك، وقد اشتدّ به عسر البول حى خيف موته، وعولج حتى صار به سلس البول، فقام وقد هرم.
وتنقل لعدة أماكن إلى أن تحوَّل قبيل موته بيسير إلى حارة الديلم بالقاهرة، فلم يلبث أن مات بها في ليلة الخميس، الرابع من ربيع الآخر، سنة تسع وسبعين
وثمانمئة، وصلِّي عليه من الغد تجاه جامع الماداني في مشهد حافل، ودفن على باب المشهد المنسوب لعقبة، عند أبويه وأولاده (¬1).
المطلب الثَّاني: ترجمة مؤلف «مختصر المنار» ابن حَبِيب:
أولاً: اسمه ونسبه:
هو طاهر بن الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر حبيب بن شريح الحلبي الحنفي، أبو العز ابن بدر الدين، زين الدين، المعروف بابن حبيب.
ثانياً: نشأته:
ولد بعد سنة 740 هـ بقليل في حلب ونشأ فيها، ودخل القاهرة ودمشق وأقام في كل منهما مدة.
واشتغل بالعلم وتعانى بالأدب، ولازم الشيخين أبا جعفر الغرناطي وابن جابر، وسمع من إبراهيم بن الشهاب محمود، وأجاز له من الشام أحمد بن عبد الرحمن المرداوي ومحمد بن عمر السلاوي وغيرهما، ومن القاهرة شمس الدين ابن القماح وغيره، وتعانى الإنشاء ببلده وقرر موقعاً، ثم سكن القاهرة واستقر بها موقعا وولي عدة وظائف، ومهر في النظم والنثر.
وكتب في ديوان الإنشاء ببلده وبالقاهرة بل ناب فيها عن كاتب السرّ وتعين للوظيفة مراراً.
¬
(¬1) استفدت ترجمته من مقدمة كتاب موجبات الأحكام وواقعات الأيام لابن قطلوبغا، تحقيق د. محمد المعيني، ص 16 - 35، ومقدمة تاج التراجم لابن قطلوبغا، ت: محمد خير رمضان ص 11 - 38.
ثالثاً: مؤلفاته:
1. مختصر المنار للنسفيّ.
2. شنف السامع في وصف الجامع: أي جامع بني امية.
3. حضرة النديم من تاريخ ابن العديم في تاريخ حلب.
4. أرجوزة الروض المروض في العروض وشرحها.
5. ذيل درة الاسلاك في دولة الاتراك.
6. نظم تلخيص المفتاح.
7. نظم السراجية في فرائض الحنفية.
8. نظم محاسن الاصطلاح للبلقيني.
9. شرح البردة وخمسها.
10. ذيل على تاريخ أبيه بطريقته.
قال ابن حجر العسقلاني (¬1): «طارح الأدباء القدماء منهم فتح الدين ابن الشهيد بأن كتب له بيتين، فأجابه بثلاثة وثلاثين بيتاً، وطارح أيضاً سراج الدين عبد اللطيف الفيومي نزيل حلب ونظم كثيراً، وأحسن ما نظم محاسن الاصطلاح للبلقيني، وليس نظمه بالمفلق ولا نثره، وله قصيدة تسعة أبيات قافيتها: عودي، وله فيما لا يستحيل بالانعكاس بيت واحد مع التزام الحروف المهملة».
¬
(¬1) في إنباء العمر2: 337.
رابعاً: وفاته:
توفي في القاهرة عن زهاء سبعين عاماً في سنة، وكانت في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانمائة (808هـ) (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الاعلام3: 221، ومعجم المؤلفين5: 34، وإنباء الغمر2: 337، وشذرات الذهب9: 112، والسلوك لمعرفة دول الملوك6: 167، والمنهل الصافي6: 366، والضوء اللامع4: 2.
المطلب الثالث: ثبوت المتن والشَّرح لمؤلَّفهما:
أوّلاً: صحَّة نسبة المختصر لابن حبيب:
نسبه له صاحب ابن قطلوبغا وحاجي خليفة (¬1) والبابابي (¬2) والزركلي (¬3) وعمر كحالة (¬4) وغيرهم.
ثانياً: صحَّة نسبة شرح مختصر المنار لابن قطلوبغا:
نسبه ابن قطلوبغا لنفسه في بداية الشرح، وهذه من أوثق الطرق في صحة نسبة الكتاب لصاحبه، ونسبه له السخاوي (¬5)، وحاجي خليفة (¬6)، وغيرهم.
ثالثاً: اسم الشَّرح:
ذكر في طبعتيه: ثناء الله الزاهدي والدكتور زهير بن ناصر الناصر أن اسم الشرح: «خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار»، وذكر هذا الاسم له محقِّق «موجبات الأحكام» الدكتور محمد المعيني (¬7)، لكن لم أقف في كتب التراجم والفهارس مَن ذكر هذا الاسم له، وإنّما اقتصروا على ذكر «شرح مختصر المنار»،
¬
(¬1) في الكشف 2: 1823.
(¬2) في إيضاح المكنون 4: 555، وهدية العارفين 1: 752.
(¬3) في الاعلام 3: 221.
(¬4) في معجم المؤلفين 5: 34.
(¬5) في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 438.
(¬6) في الكشف 2: 1823.
(¬7) في مقدمة موجبات الأحكام ص 33.
ونبَّه على ذلك الزاهدي (¬1) بأنه لم يقف على هذا الاسم، وكأنه ذكر هذا الاسم في طبعته اعتماداً على الدكتور المعيني.
وهذا محلّ نظر كبير، فلا يعدل عمّا ذُكِر له من اسم في كُتِب التَّراجم وهو «شرح مختصر المنار» إلى غيره، حتى تكون بيّنة واضحة على ذلك، وليس ذكره من قبل أحد المعاصرين بهذا الاسم يصلح أن يكون حجَّة ما لم نقف على مستنده في ذلك، والله أعلم.
رابعاً: النُّسخ المعتمدة في التّحقيق:
اعتمدت في تصحيح شرح مختصر المنار لابن قطلوبغا على ثلاثة نسخ، وهي:
النُّسخة (أ):
وهي نسخة أزهرية، بخط جيد، تحتوي الصَّفحة على (22) سطراً، والسَّطر يحتوي على (15) كلمة، وعدد لوحاتها (21) لوحة.
النسخة (ب):
وهي نسخة أزهرية، بخط متوسط الجودة، تحتوي الصفحة على (22) سطراً، والسطر يحتوي (12) كلمة، وعدد لوحاتها (24) لوحة.
النسخة (ج):
وهي نسخة فضية بخط جيد موجودة في مكتبة تشستربيتي، دبلن -
إيرلندا، برقم (3572)، تحتوي الصفحة على (17) سطراً، والسطر يحتوي (10) كلمة، وعدد لوحاتها (36) لوحة.
¬
(¬1) في مقدمة خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار ص 33.
الورقة الأولى من النسخة (أ)
الورقة الأخيرة من النسخة (أ)
الورقة الأولى من النسخة (ب)
الورقة الأخيرة من النسخة (ب)
الورقة الأولى من النسخة (جـ)
الورقة الأخيرة من النسخة (جـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلَّم.
وبعد:
فإنَّ الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد قرأ عليَّ الجناب العالي الفخري عثمان بن أغلبك الحلبي الحنفي مختصر (¬1) المنار في أصول الفقه للشيخ الإمام طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، فأمليت (¬2) عليه ما يحلّ ألفاظه وهو قوله:
(أصول الشرع) الأصول: جمع أصل، والأصلُ ما يُبْنَى (¬3) عليه غيره، [والفرعُ ما ينبني على غيره] (¬4).
والمراد هنا الأدلّة الشَّرعيّة؛ لابتناء الأحكام عليها.
و «الشَّرعُ» بمعنى المشروع، والمراد به الأحكام المشروعة.
¬
(¬1) في أ و ب: «مختصر مختصر».
(¬2) في أ و ب: «أمليت».
(¬3) في أ: «ينبني»، وفي ب: «يبتنى».
(¬4) ما بين المعكوفين ساقط من أ و ب وجـ.
المراد من الحكم المحكوم به، وهو ما يثبت بالخطاب: كالوجوب والحرمة وغيرهما.
كأنَّه قال: أدلة الأحكام المشروعة.
(الكتابُ) قدَّمه؛ لأنَّه أصلٌ من كلِّ وجهٍ، (والسُّنَّةُ) أخَّرها عن الكتاب؛ لتوقُّف حجَّيتها عليه، (وإجماعُ الأُمّة) أخَّره عنهما؛ لتوقُّف حجَّيته عليهما، (والقياس) أخَّره؛ لأنَّه فرعٌ بالنَّسبة إلى الأدلَّة المتقدِّمة؛ لأنَّ حكمَه مستفادٌ منها في كلِّ حادثة، بعدما ثبتت حجَّيتُه بالكتاب والسُّنَّة، بخلاف الإجماع، فإنَّه لا يتوقَّف في كلِّ حادثةٍ على ما تقدَّمه (¬1).
(أمَّا الكتاب) الذي سبق ذكره (فالقرآن) وهو معروف عند كلِّ أحدٍ، فكان تعريفاً لفظياً؛ لأنَّه بهذا أشهر، إلا أنَّه يقال: على الصفة القديمة، وعلى ما بين دفتي المصحف، واستدلال الأصوليّ بالثّاني (¬2).
فلذلك قال: (المنقول متواتراً)؛ ليُخصَّ ما يستدلّ به بعد زمان الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -.
(وهو): أي القرآن (نظمٌ): أي ألفاظٌ مرتَّبةٌ بعضُها على بعضٍ، (ومعنى) مستفادٌ من ذلك النَّظم، ذَكَرَه (¬3) لرفع وَهْم مَن تَوَهَّم أنَّه عندنا اسم للمعنى فقط؛ لقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - بجواز القراءة في الصَّلاة بالفارسيّة مع القدرة على العربيَّة،
¬
(¬1) في أ و ب: «تقدم».
(¬2) أي يطلق القرآن ويقصد به ما في اللوح المحفوظ والمنزل إلينا بين دفتي المصحف، ويعتمد الأصوليون في استدلالهم على الأحكام على المنزل إلينا بين دفتي المصحف.
(¬3) أي ذكر الماتن: النظم
وهذا مرجوعٌ عنه، وقد عُلِمَ الوجه في المطولات.
(وأقسامها): أي النظم والمعنى (أربعة)، وهذا باعتبار ما تتعلَّق (¬1) به الأحكام، وإلا فأقسامهما أكثر من ذلك؛ لأنَّه بحرٌ عميقٌ فيه علم التوحيد، والقَصص، والأمثال، والحكم، وغير ذلك.
واختاروا هذا التقسيم؛ لاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ لأنَّ أداء المعنى باللفظ الخارجي على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع، ثم دلالته أي: كونه بحيث يفهم منه [المعنى، ثم استعماله] (¬2)، ثم فهم المعنى.
فللفظ بتلك الاعتبارات الأربع تقسيمات مربعة، إلا الثاني فإنَّه مثمن، تسمى (¬3) أقسامهما:
وجوه النظم صيغة ولغة (¬4): أي صورة ومادة.
ووجوه البيان: أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية؛ لحكمة الابتلاء بأحد الوجهين.
ووجوه الاستعمال.
¬
(¬1) في ب و جـ: «يتعلق».
(¬2) في أ و ب: «معنى استعماله».
(¬3) ساقطة من أ و ب.
(¬4) في أ و ب: «أربعة».
ووجوه الوقف (¬1): أي اطّلاع السّامع على مراد المتكلِّم ومعنى الكلام.
والمرجع في الحصر: الاستقراء.
(الأوَّل): أي القسم الأوَّل من الأقسام الأربعة (في وجوه): أي طرق (النَّظم) قيل: لا يناسب المقام؛ إذ لا معنى لطريق النَّظم، ولعلَّ الوجه بمعنى الجهة التي هي بمعنى الاعتبار، فكأنَّه قال: في اعتبارات النَّظم.
[الخاص]
(وهو): أي القسم الأوَّل: (الخاصّ): وهو (ما): أي لفظ (وضع لمعنى): أي واحد، احترازاً عن المهمل، فإنَّه لا معنى له، وعن المشترك، فإنَّه وُضِع لأكثر من معنى.
والمَعْنيُّ بـ «المعنى»: المدلول، لا ما يقابل العين؛ ليتناول قسمي الخاصّ الحقيقيّ: كزيد، والاعتباري: كإنسانٍ ورجلِ ـ على ما سيأتي ـ.
(معلوم)؛ خرج به على المجمَل (¬2)؛ لأنَّ معناه غير معلوم للسَّامع.
(على الانفراد): أي من حيث هو واحدٍ، مع قطع النَّظر عن أن يكون له أفراد أوْ لا.
واحترز به عن «العام»: كالمسلمين، فإنَّه موضوعٌ لمعنى واحدٍ شاملٍ لأفرادٍ، ولا يخفى أنَّ ترك هذا أولى بالاختصار.
¬
(¬1) في أ و ب: «الوقوف».
(¬2) في ب: «المحل».
(جنساً) كان الخاصَّ: كإنسان، فإنَّ معناه واحد معلوم، وهو الحيوان الناطق.
(أو نوعاً): كرجلٍ، فإنَّ معناه واحدٌ معلومٌ، وهو إنسانٌ ذكرٌ جاوز حَدَّ الصِّغر.
(أو عيناً): كزيدٍ، فإنَّ معناه واحدٌ معلومٌ، وهو ذاتٌ مشخَّصةٌ.
(وحكمُه): أي حكمُ الخاصّ، وهو الأثرُ الثَّابت به (تناول المخصوص): وهو مدلول الخاصّ (قطعاً): أي تناولاً قاطعاً إرادة غيره عنه، وهذا عند مشايخ العراق خلافاً لمشايخ سَمَرْقَند، ومذهبُهم مردودٌ باتفاق العرف (¬1)، حيث لا يعتبرون احتمالاً لا عن دليل أصلاً، فلا يفرون من جدارٍ لا شقّ فيه، ويعدون الخائف منه مجنوناً.
(بلا احتمال بيان) (¬2): أي بيان التَّفسير؛ لينفي زعم مَن قال: الخاص يحتمل البيان؛ لأنَّ بيانه إما إثبات الثابت، أو إزالة الزائل، وكلاهما فاسد.
[الأمر:]
(ومنه): أي من الخاصّ (الأمر)، وهو قول القائل لمَن دونه: افعل، مراداً به الطَّلب.
(ويختصُّ): أي مدلول الأمر (¬3) (بصيغةٍ) فلا يُعرف بدونها (لازمةٍ): أي مختصّةٌ به، كما هو مختصٌ بها.
¬
(¬1) في أ: «الفرق»، وفي ب: «الصرف».
(¬2) أي: لا يحتمل البيان لكونه بيناً في نفسه. ينظر: الخلاصة ص 8.
(¬3) في أ و ب: «الاسم».
(فلا يكون الفعل موجباً) (¬1)؛ لأنَّ الوجوبَ بالأمر، والأمرُ (¬2) مختصٌّ بصيغته.
(وموجبُه): أي الذي يوجبه الأمر المطلق: هو (الوجوب): أي لزوم الإتيان بالمأمور به؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (¬3)، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬4).
وسواء كان الأمرُ (بعد الحظر): أي المنع، نحو: قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (¬5).
(أو قبله)؛ لأنَّ المقتضي للوجوب، وهو الصِّيغة، قائمٌ في الحالين، وما جاء للإباحةِ بعد الحظر فلدليل غير الصِّيغة.
¬
(¬1) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: (بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ جبريل - عليه السلام - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذراً ـ أو قال أذى ـ وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) في سنن أبي داود 1: 231، وسنن الدارمي 1: 370، ومسند أحمد 3: 92، وقال الشيخ شعيب: إسناده صحيح. فهذا دليل على أنَّ الفعل لا يكون موجباً وإلا لما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم.
(¬2) ساقطة من أ و ب.
(¬3) الأحزاب: 36.
(¬4) النور: 63.
(¬5) التوبة: من الآية 5.
(ولا يقتضي): أي لا يوجب الأمر المطلق (التِّكرار): أي تكرار المأمور به، وهو أن يفعله ثمّ يعود إليه، وهكذا، (ولا يحتمله): أي لا يكون التِّكرار محتملاً من محتملات الأمر، يحمل عليه بالقرينة (سواء تعلَّق) الأمر (بشرطٍ) (¬1)، نحو: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (¬2) (أو اختصَّ بوصف) نحو: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} الآية (¬3)؛ لأنَّ مدلولَ صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرّة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمرٌ خارجيّ، والخروجُ عن عهدةِ المأمورِ به بالمرَّة بحصولِ (¬4) الحقيقة، لا أنَّها من مدلولِ الصِّيغة، وما تكرَّر من العبادات فبتكرر أسبابها عند الجمهور، وقال بعض المشايخ (¬5) [بتكرُّر المأمورات بتكرُّر الأوامر] (¬6)، [فاتفق الفريقان على التِّكرار، وأسنده الجمهور إلى الأسباب، والطَّائفة الأخرى إلى الأوامر] (¬7).
وإذا (¬8) لم يقتض التِّكرار ولا يحتمله، (فيقع): أي يقع الأمر فيما للمأمور به أفراد (على أقلِّ جنسِهِ): أي أقلِّ جنسِ المأمور به، وهو الفردُ الحقيقيّ (ويحتمل
¬
(¬1) في أ: «بأن وقع خبراً»، وفي ب: «بأن وقع جزاء».
(¬2) المائدة: من الآية 6.
(¬3) النور: من الآية 2.
(¬4) في أ و ب: «لحصول».
(¬5) ما بين المعكوفين ساقط من أ و ب.
(¬6) في جـ: «بتكرر الأوامر».
(¬7) ما بين المعكوفين زيادة من جـ.
(¬8) في أ و ب: «فإذا».
كله): أي كلُّ الجنس باعتبار معنى الفرديّة، لا باعتبار معنى العدد، فصار من حيث هو جنساً واحداً، وإن كان له أفراد (على الصَّحيح) احترازاً من قول زُفر - رضي الله عنه -: أنَّه يحتمل العدد.
وتظهر ثمرة الخلاف: فيمَن قال لزوجته: طلِّقي نفسك، فإنَّ لها أن تطلِّق نفسها واحدةً، وإن نَوَى الزَّوج الثَّلاث، فطلَّقت نفسها ثلاثاً وقعن، وإن نَوَى الزَّوج ثنتين، فطلَّقت نفسها ثنتين، لم يقع شيء عندنا.
وقال زفر - رضي الله عنه -: يقع ثنتان.
لنا: أنَّ العددَ ليس بموجب ولا محتمل، فلا تصحّ نيِّته، إلا أن تكون المرأة أَمةً؛ لأنَّ ذلك جنس طلاقها.
(وحكمه): أي حكمُ الأمر، يعني الثَّابت به، وهو الإتيان بالمأمور به (نوعان) بالقسمة الأولية.
(أداء: وهو إقامة الواجب): أي إخراجه إلى الوجود على حسبه، واللام للعهد: أي الذي وجب بالأمر ابتداءً.
(وقضاء: وهو تسليم مثله): أي مثل الواجب (به): أي بالأمر إشارة إلى أنَّ المراد منه أفعال الجوارح، لا ما في الذمة وهو نفس الوجوب؛ لأنَّ ذلك بالسبب لا بالأمر.
(ويتبادلان): أي الأداءُ والقضاءُ فيُقال: هذا مكان هذا (مجازاً)، فيحتاج إلى قرينةٍ، كما يُقال: أدَّى ما عليه من الدَّين، فقوله: من الدَّين؛ قرينةٌ يُفهم منها القضاء؛ لأنَّ أداءَ حقيقة الدَّين محالٌ، والجامعُ ما في كلٍّ منهما من التَّسليم.
(ويؤدّيان): أي الأداءُ والقضاءُ (بنيَّتهما)، فيؤدَّى القضاء بنيّة الأداء وبالعكس، إلا أنَّه يحتاج إلى القرينةِ، كما يُقال: نويت أن أؤدي ظهر الأمس، وأن أقضي ظهر اليوم (في الصَّحيح)؛ احترازاً عن قول فخر الإسلام: إنَّه يسمِّى (¬1) الأداء قضاءً من غير قرينة.
(وَيَجِبان): أي الأداء والقضاء (بسبب واحد)، وهو الأمر الذي وجب به الأداء (عند الجمهور).
وقال العراقيون من مشايخنا: يجبُ القضاءُ بنصٍّ مقصودٍ غير الأمر الذي وجب به الأداء، ففي الصوم وجب القضاء بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬2)، وفي الصلاة وجب بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَسِيَ صلاةً فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه (¬3)، ولمسلم «إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غَفِلَ عنها فليصلها إذا ذكرها» (¬4).
وللجمهور: أنَّ المستَحَقَّ لا يسقط عن (¬5) المستَحِقّ عليه إلا بإسقاطِ مَن له الحقّ، أو بتسليم المستحقّ، ولم يوجد واحد منهما، فبقي (¬6) مضموناً عليه، وسقط فضل (¬7) الوقت للعجز، وهذه النُّصوص لطلب تفريغ الذمّة عمَّا وَجَبَ بالأمر، وتعريفِ أنَّ الواجب لم يسقط.
¬
(¬1) في أ و ب: «يسمي».
(¬2) البقرة: من الآية 184.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 215، وصحيح مسلم 1: 477، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 477، والموطأ 1: 14، وغيرها.
(¬5) في أ و ب: «على».
(¬6) في أ و ب: «فيبقى».
(¬7) في أ و ب: «أفضل».
وفي عبارة فخر الإسلام ما يشير إلى أنَّ ثمرة الاختلاف في المنذورات المتعيّنة من الصَّلاة والصوم والاعتكاف إذا فاتت عن وقتها، لكن قال أبو اليسر: لو نذر صوماً أو صلاة في يوم معيَّن ولم يفِ به يجب القضاء بالإجماع بين الفريقين، سواء كان عدم إيفاؤها بالفوات أو بالتفويت، وعلى هذا فالخلاف في إسناد وجوب القضاء بماذا؟ فالجمهور للسبب الأول في الكلّ، وعند هؤلاء للنصّ في الصوم والصَّلاة، وللفوات أو التفويت في المنذورات.
(وأنواع الأداء ثلاثة):
1.أداء (كامل: وهو ما يؤدَّى كما شرع): أي مع توفير حقّه من الواجبات والسنن والآداب، كأداء الصَّلاة في الجماعة من المكتوبات والوتر في رمضان، وإنَّما ذكر الأداء وفسِّر بالمؤدى؛ لأنَّ [الفعل لا وجود له] (¬1) في الوجود.
(وقاصر: وهو النَّاقص عن صفتِه) التي قدَّمناها: كصَلاة المنفرد (¬2).
(وشبيه بالقضاء): كفعل اللاحق، وهو الذي فاته بعض الصَّلاة بعد إدراك بعضها بعد فراغ الإمام من الصلاة، ففعلُهُ باعتبار الوقت أداءٌ، وباعتبار أنَّه يتدارك ما التزم أداؤه مع الإمام قضاءٌ، فهو أداءٌ شبيهٌ بالقضاء (¬3).
¬
(¬1) في أ و ب: «فعل الفاعل وجود له».
(¬2) أي: ما يتمكن النقصان في وصفه كالصلاة منفرداً أي أداء كلها أو بعضها منفرداً كالمسبوق فإنَّه أداء محض فيه قصور لعدم الوصف المرغوب فيه، وهو الجماعة. ينظر: الخلاصة ص 14.
(¬3) وبعبارة أخرى: أنَّه سمي شبيهاً بالقضاء؛ لأنَّه أداء لبقاء الوقت وشبيه بالقضاء؛ لأنَّ من أدرك أول الصلاة قد التزمه مع الإمام وقد فاته ذلك الملتزم. ينظر: الخلاصة ص 14.
وفي حقوق العباد:
ردّ عين المغصوبِ على الوجه الذي وقع عليه الغصب أداء يكامل.
ورد العبد المغصوب بعد جناية جناها عند الغاصب أداء قاصر.
وتسليم عبدٍ كان تزوجها عليه ولم يكن في ملكه وقت التزوج ثم اشتراه، فتسليمه أداء من حيث أنَّه المسمّى، شبيه بالقضاء من حيث إنّ تبدَّلَ الملك يوجب تبدَّل العين حكماً.
(وأنواع القضاء ثلاثة) أيضاً كالأداء:
قضاء (بمثل معقول): كالصَّلاة للصَّلاة والصوم للصوم.
(وقضاء بمثل غير معقول): أي يقصر العقل عن إدراك المماثلة فيه؛ لأنَّ العقل ينفيه كالفدية للصوم عند العجز المستدام عنه، كما في حق الشيخ الفاني، فإنَّه لا مماثلة تدرك بين الصوم والفدية، فالصوم وصف، والفدية عين.
(وقضاء بمعنى الأداء): كتكبير مَن أدرك الإمام في العيد راكعاً في الركوع، فمن حيث إنَّه فات عن موضعه، وهو القيام، كان قضاءً، ومن حيث إنَّ الفرق بين القائم والقاعد انتصاب النصف الأسفل كان الركوع شبيه (¬1) القيام، فالإتيان بالتَّكبير فيه قضاء بمعنى الأداء، وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) في أ و ب: «يشبه».
وفي حقوق العباد:
ضمان المغصوب المثلي بالمثلي (¬1) قضاء كامل.
وضمانه بالقيمة عند انقطاع المثل قضاء قاصر؛ لفوات الصورة.
وضمان النفس والأطراف بالمال في الخطأ، قضاء بمثل غير معقول.
وتسليم قيمة عبد وسط لامرأته التي تزوجها على عبد بغير عينه قضاء؛ لأنَّه خلاف المُسمّى، بمعنى الأداء من حيث إن مجهولَ الوصف لا يعرف (¬2) إلا بالقيمة (¬3)، فصارت أصلاً.
(والحُسْنُ (¬4) لازمٌ للمأمور به)؛ لأنَّ الآمرَ حكيمٌ، فلا يَأمر بشيءٍ إلا لحسنِهِ، والعقلُ آلةٌ يدرك بها حُسْنُ بعض الأشياء وقبحها.
¬
(¬1) في أ و ب: «بالمثل».
(¬2) في أ و ب: «ينصرف».
(¬3) في ب: «للقيمة».
(¬4) يعني: إذا أمر بشيء علم أنَّه حسن بلا خلاف، سواء كان موجب الأمر أو مدلوله؛ لأنَّ الشارع تعالى حكيم على الإطلاق لا يأمر بالفحشاء، ولا يليق بالحكمة طلب ما هو القبيح؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28].
واعلم أنَّ الحسن والقبح لا يعرفان إلا بالأمر والنهي لا بالعقل نفسه؛ لأنَّ العقل غير مهتد بهما، وغير موجب عندنا، وإن كان له حظ في معرفة بعض المشروعات: كالإيمان وأصل العبادات، وقالت المعتزلة: الحسن والقبح عقليان لا شرعيان، يعني يستقل العقل في معرفتهما من غير توقف على الشرع: أي الأمر والنهي، وتفصيله في الكتب الكلامية ... ينظر: الخلاصة ص15.
فحُسْنُ المأمور به (إمّا لمعنى) حاصل (في عينِه، وهو) بالنَّظر إلى حكمِهِ (نوعان:
أحدُهما): حُسْنٌ (لمعنى في وصفِه): كالإيمان بمعنى التَّصديق، حَسُنَ لمعنى [في وصفه] (¬1)، وهو (¬2) شكرُ المنعم، وهذا حاصلٌ في ذات التَّصديق.
[وهذا النَّوع] (¬3) لا يقبل السُّقوط أصلاً، لا بعذر الإكراه ولا بغيره.
والصّلاةُ فإنَّها حسنت (¬4)؛ للتَّعظيم، والتَّعظيمُ حاصلٌ في ذاتها، إلا أنَّها تقبل السُّقوط في بعض الأحوال.
(والآخر): أي النَّوع الآخر (ملحقٌ بهذا القسم) الذي حسن لمعنى في عينه (مشابهٌ للحُسْنِ لمعنى في غيره): كالزَّكاة فإنَّها تنقيصُ المال، حَسْنَت؛ لدفع حاجة الفقير، فبهذا صارت مشابهةً للذي حَسُن لمعنى في غيره، إلا أنَّ حاجة الفقير لَما كانت بخلق الله تعالى لا صنع للعبد فيها، صارت كلا واسطة، فألحقت بالقسم الأول.
(وحكم النَّوعين واحد)، وهو أن لا يسقط إلا بالأداء أو باعتراض ما يُسقطه.
(وإمَّا) أن يكون الحسنُ (لمعنى في غيرِه): أي في غيرِ المأمورِ به، وهذا عطفٌ على قولِه: إمّا لمعنى في عينِهِ.
¬
(¬1) ما بين المعكوفين ساقط من أ و ب و جـ.
(¬2) في جـ: «هو».
(¬3) في أ و ب: «وهو».
(¬4) في جـ: «حسنة».
(وهو): أي ذلك الغير الذي حَسُن المأمور به لأجله (نوعان أيضاً:
أحدُهما: ما لا يؤدَّى) ذلك الغير (بالمأمور به): كالوضوء، فإنَّه حسن للتَّمكن من الصَّلاة به، والصَّلاة لا تتأدّى به، وإنَّما تتأدّى بأركانها المعلومة.
(و) النَّوع (الآخر ما يؤدى) الغير الذي حسن المأمور به لأجله (به): كالجهاد، حسن لإعلاء كلمة الله تعالى، وذلك يتأدَّى به.
(وحكمهما واحدٌ أيضاً): وهو بقاء الوجوب ببقاء الغير، وسقوطه بسقوطه.
وترك المُصنِّف النَّوع الجامع، وهو ما حَسُنَ لِحُسْن في شرطه وهو القدرة، وإنَّما سمي جامعاً؛ لأنَّ ما حَسُن لمعنى في عينه أو في غيره بأنواعهما يصير كلٌّ حسناً لمعنى في شرطِهِ وهو القدرة، فالإيمان حسن لمعنى في عينه ولشرطِهِ وهو كونه مقدوراً، والوضوءُ حَسُن لمعنى في غيره وحَسُن لشرطه وهو كونه مقدوراً أيضاً.
والقدرة نوعان: ما يتمكّن به العبد من أداءِ ما لزمه، والشَّرط توهمها، وهذه للعبادات البدنية، أو ما يتسَّر به الأداء، والشَّرطُ تحقُّقها حتى كانت صفة، وهذه للمالية إلا صدقة الفطر.
(ثم الأمر نوعان):
1.نوع (مطلق عن الوقت) بأن لا يُذكر له وقتٌ محدودٌ على وجهِ يفوت الأداء بفواته: كالأمر بالزَّكاةِ وصدقةِ الفطر، (فلا يوجب الأداء على الفور)، وهو
الإتيانُ بالمأمور به عَقِيب ورود الأمر (في الصَّحيح) خلافاً للكَرْخيّ - رضي الله عنه -، فإنَّ المطلقَ عنده على الفور.
لنا: أنَّ الأمر لطلب الفعل فقط، والأزمنةُ في صلاحيّة حصول الفعل فيه على حدٍّ سواء.
2. (و) نوعٌ (مُقيَّدٌ به): أي بالوقتِ بحيث يفوت الأداءُ بفواتِهِ، (وهو): أي المقيَّدُ بالوقتِ (أنواع) أربعة:
(الأوَّل) منها: (أن يكون الوقتُ ظرفاً للمؤدَّى)، وهو الواجبُ (وشرطاً للأداء)، وهو إخراجُ الواجب إلى الوجود، (وسبباً للوجوب): أي يثبت به، (وهو): أي الذي يكون ظرفاً وشرطاً وسبباً (وقت الصَّلاة).
أمَّا أنَّه ظرفٌ؛ فلأنَّه يفضل عن الأداء، وكلُّ ما يفضل من الأوقات عن الأداء فهو ظرفٌ، أمَّا الأولى؛ فلأنَّه إذا صلَّى فاكتفى بمقدار الفرض انقضى المؤدَّى قبل فراغ الوقت، وأمَّا الثَّانية؛ فلأنَّ المرادَ بالظَّرف أن لا يكون الفعلُ مقدراً به.
وأمَّا أنَّه شرطٌ؛ فلأنَّ الأداء يفوت بفوته، وكلُّ ما يفوت الأداء بفوته شرطٌ، أمَّا الأُولى؛ فلأنَّ الوقت إذا خرج كان الإتيانُ بها قضاءً، وأمَّا الثَّانية؛ فبالقياس على سائر شروط الصَّلاة: كالطَّهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنيّة.
وأمَّا أنَّه سببٌ؛ فلأنَّ الأداء يختلف باختلاف صفته، وكلُّ ما يتغيّر الواجبُ بتغيُّره، فهو سببٌ؛ لأنَّ المسببَ يثبت على وفق سببه.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النَّوع الذي جُعِل الوقتُ ظرفاً له وشرطاً وسبباً (اشتراطُ نيّة التَّعيين): يعني تعيين فرض الوقت؛ لأنَّ الوقتَ لَمّا كان ظرفاً
كان المشروعُ فيه متعدِّداً، فيُشترط تمييز بعض الأفراد عن بعضٍ، وذا بالنيّة، حيث (¬1) لزم التَّعيين، (فلا يسقط بضيق الوقت): أي بأن ضاقَ الوقتُ بحيث لا يسع غير الواجب.
(ولا يتعيَّن) بعض أجزاء الوقت للسَّببية بشيءٍ من القصد ولا من القول، كأن ينوي أنَّ هذا الجزء هو السَّبب، أو يقول: عيّنْتُ هذا الجزء للسَّبب (إلا بالأداء) فيه، فإنَّه يتعيَّن حينئذٍ (كالحانث): أي كما أنَّ الحانثَ في اليمين له أن يختار في الكفَّارة أحد الأُمور: الإعتاق أو الكسوة أو الإطعام، ولو عيّن أحدَها لا يتعيّن، وله أن يفعل غيره ما لم يُكفِّر به، فإن (¬2) كَفَّرَ به (¬3) تعيَّن.
(و) النَّوع (الثاني: أن يكون الوقت معياراً): أي مقداراً (له): أي للمؤدَّى (وسبباً لوجوبه): أي يثبت الوجوب به، (كشهر رمضان).
أمَّا أنَّه معيارٌ؛ فلأنَّ الصَّوم قُدِّر بأيّامه، حتى ازداد بزيادتها وانتقص بنقصانها.
وأمَّا أنَّه سبب لوجوبه؛ فلأنَّه يُضاف إليه، والإضافة تدلّ على الاختصاص، وأقوى وجوهه السببية ـ وسيأتي ـ.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النَّوع الذي جُعِل الوقتُ معياراً له وسبباً (نفي غيره): أي غير المؤدَّى (فيه): أي في الوقتِ ضرورة كونه معياراً، وإذا انتفى
¬
(¬1) في أ و ب: «وحيث».
(¬2) في أ و ب: «فإذا».
(¬3) ساقطة من ب.
غيره، (فيُصاب): أي يتأدَّى (بمطلق الاسم)، وهو الصَّوم، بأن يقول: نويتُ أن أصوم، ويتأدّى (مع الخطأ في الوصف): أي في وصف الصَّوم، بأن ينوي صوم القضاء، أو النَّذر، أو النَّفل؛ لأنَّ الوقتَ لا يقبل الوصف، فلغت نيّته وبقيت نيّة أصل الصَّوم، وبها يتأدّى.
(إلاّ في المسافر ينوي واجباً آخر) المستثنى منه محذوف، يعني يُصاب (¬1) فرض الوقت مع الخطأ في الوصف في حقِّ كلِّ أحدٍ إلاَّ في حقِّ المسافر، فإنَّ الصَّوم لا يُصاب في حقِّهِ مع الخطأ في وصفِه، بل يقع عمَّا نَوَى (عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -).
وقال أبو يوسف ومحمَّد - رضي الله عنهم -: المسافرُ والمقيمُ سواءٌ في هذا؛ لأنَّ السَّببَ وهو شهود الشَّهر تحقَّق في حقِّهما، إلا أنَّ الشَّرع أثبت له التَّرخُّص، فإذا ترك التَّرخُّص كان المسافرُ والمقيمُ سواء، فيقع عن الفرض.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّ وجوبَ الأداء لَمَّا سقط عنه صار رمضان في حقِّ أدائه كشعبان، فيقع عمَّا نَوَى.
(وفي النَّفل عنه): أي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - (روايتان):
في روايةٍ: إذا نَوَى النَّفل يكون صائماً عن الفرض، وهذا هو الأصحّ.
وفي روايةٍ: يكون صائماً عن النَّفل (¬2)، وجه هذه ما تقدَّم.
¬
(¬1) في أ و ب: «مصاب».
(¬2) لأنَّ الصوم غير واجب على المسافر في رمضان؛ بدليل: أنَّه يباح له الفطر، فأشبه خارج رمضان، ولو نوى التطوع خارج رمضان يقع عن التطوع، هذا عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في رواية أبي يوسف، وقال القدوري: هي الأصح، وهذا عندهما، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنَّه يقع عن رمضان؛ لأنَّ الصوم واجب على المسافر، وهو العزيمة, والإفطار له رخصة، فإذا اختار العزيمة وترك الرخصة صار هو والمقيم سواء، فيقع صومه عن رمضان كالمقيم. ينظر: البدائع 2: 84، وغيره.
وهذا التصحيح المذكور عن القدوري ذكر ابن عابدين في رد المحتار 2: 86 عن البحر الرائق 2: 281غيره، فقال: وإن نوى النفل أو أطلق، فعن الإمام روايتان، أصحهما وقوعه عن رمضان؛ لأنَّ فائدة النفل الثواب، وهو في فرض الوقت أكثر. وينظر: التعليقات المرضية ص155، وغيرهما.
ووجه الأُولى: أنَّ التَّرخُّص شرع نظراً له، ولا نظر له في النَّفل.
(ويقع صوم المريض) إذا نوى واجباً آخر أو نفلاً (عن الفرض في الصَّحيح) (¬1)، وهو مختار فخر الإسلام وشمس الأئمة؛ لأنَّ رخصتَه متعلّقة
¬
(¬1) وقوع نية النفل عن الفرض هو قول عامة مشايخنا، والكرخي سوَّى بين المريض والمسافر, وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّه يقع عن التطوع. ينظر: البدائع 2: 84، ورد المحتار 2: 86، وغيره.
أما نية واجب آخر عما نوى هو اختيار صاحب الهداية وأكثر المشايخ، وقيل: إنَّه ظاهر الرواية.
والقول الثاني: إنَّه يقع عن رمضان، هذا اختيار فخر الإسلام وشمس الأئمة وجمع وصححه في المجمع.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يضره الصوم فتتعلق الرخصة بخوف الزيادة فيصير كالمسافر يقع عما نوى، وبين أن لا يضره الصوم كفساد الهضم فتتعلق الرخصة بحقيقته فيقع عن فرض الوقت، واختاره في الكشف والتحرير. قال ابن عابدين في رد المحتار 2: 86: وهذا القول جعله في شرح التحرير محمل القولين، وقال: إنَّه تحقيق يحصل به التوفيق بحمل ما اختاره فخر الإسلام وغيره على مَن لا يضره الصوم, وحمل ما اختاره في الهداية على مَن يضره ... وينظر: شرح الوقاية ص234، ومنتهى النقاية ص234، ورد المحتار 2: 86، والهدية العلائية ص155، وغيره.
بحقيقةِ العجز، فإذا صام فات سبب الرُّخصة في حقّه، فالتحق بالصَّحيح، بخلاف المسافر، فإنَّ رخصتَه متعلِّقة بعجزِ مقدَّر باعتبار سبب ظاهر قائم مقام العجز، وهو السُّفر، فلا يظهر بفعل الصَّوم فوات سبب الرُّخصة.
ومقابلٌ الصَّحيح ما عليه أكثر مشايخ بُخارى: أنَّ المريض كالمسافر؛ لأنَّ رخصتَه متعلّقة بخوف زيادة المرض، وصحَّح هذا في «المفيد والمزيد».
(و) النَّوع (الثَّالث: أن يكون) الوقتُ (معياراً) له (لا سبباً) لوجوبه (كقضاءِ رمضان).
أمّا إنَّه معيارٌ، فظاهر، وأمَّا إنَّه ليس بسبب؛ فلأنَّ سبب القضاء هو سبب الأداء، وهو شهود الشَّهر على ما عُلِم، فلم يكن زمن القضاء سبباً.
(ويشترط فيه): أي في هذا النَّوع الذي يكون الوقتُ فيه معياراً لا سبباً فيه (التَّعيين)؛ لأنَّ هذا الصَّوم ليس بوظيفة الوقت، ولا هو متعيّن فيه، فيصير له مزاحماً، وإذا ازدحمت العبادات في وقتٍ واحدٍ فلا بُدَّ لذلك من التَّعيين، والتَّعيينُ إنَّما يحصل بنيّةٍ.
ويشترط أن يكون من اللَّيل لينعقد الإمساك من أَوَّل النَّهار لمحتمل الوقت وهو القضاء.
(ولا يحتمل) هذا النَّوع (الفوات)؛ لأنَّ وقتَه العمر، بخلاف النَّوعين الأَوَّلين؛ لأنَّ وقتَهما محدودٌ بحدٍّ يفوت الأداء بفوته.
(و) النَّوع (الرَّابع: أن يكون) الوقتُ (مشكلاً) يشبه المعيار ويُشبه الظَّرف: (كالحجِّ) يُشبه وقته المعيار من جهة أنَّه لا يصحّ منه في عام واحدٍ إلا حجّةً واحدة، فكان كالنَّهار في الصَّوم، ويُشبه الظَّرف من حيث إنَّ أركانَه لا تستغرق جميع الوقت، فكان كوقت الصَّلاة.
(ومن حكمِه: تعيّن): أي لزوم (أدائه): أي الحجّ (في أشهره) من أوَّل سني الإمكان، وهذا عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وقال محمّد - رضي الله عنه -: يجوز التَّأخير عن العام الأَوَّل، وإذا فعل يكون أداءً بالاتفاق.
فتظهر ثمرة الخلاف في الإثم، فعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يأثم إذا أخَّر عن أوَّل سني الإمكان، فإذا فعل ارتفع الإثم، وعند محمّد - رضي الله عنه -: لا يأثم إلا إذا لم يؤده مدّة عمره.
ويتأدّى الحجُّ بمطلق النيّة، بأن يقول: اللهم إنّي أريد الحجّ، وإن كان الوقتُ قابلاً للنَّفل؛ لدلالة الحال، وهي أنَّ الظاهرَ من حال المسلم أن لا يتحمّل المشاق للنَّفل، والفرضُ باقٍ عليه، ولو نوى النَّفل يقع عنه؛ لأنَّ الصَّريح مُقدّم على دلالةِ الحال.
(فصل:
والكفَّار مخاطبون بالإيمان): أي يتناولهم (¬1) الأمر بالإيمان، قال الله سبحانه
¬
(¬1) في أ و ب: «تناولهم».
وتعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا} إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (¬1) (بناءً على العهد الماضي بإجماع الفقهاء)، كذا قال، وليس مراد علمائنا - رضي الله عنهم -، وإنَّما مرادهم ما ذكرت.
و (لا) يخاطبون (بأداءِ ما يحتمل السُّقوط من العبادات): كالصَّلاة والصَّوم والحجّ؛ لأنَّ الكفار ليسوا بأهل لأداء العبادات؛ لأنَّ أداءَها سبب لاستحقاق الثَّواب، وهو ليس بأهل للثَّواب؛ لأنَّ ثوابَه الجنّة، وإذا لم يكن أهلاً للأداء لا يخاطب بالأداء؛ لأنَّ الخطاب بالعمل للعمل.
فأمَّا ما لا يحتمل السُّقوط كالإيمان، فإنَّهم مخاطبون به ـ على ما تقدَّم ـ، وهذا (في الصَّحيح)، وهو قولُ مشايخ ما وراء النَّهر.
وعند العراقيين: يخاطبون بجميع أوامر الله تعالى ونواهيه من حيث الاعتقاد والأداء في حقّ المؤاخذة في الآخرة، فيعاقبون على تركِ ذلك؛ لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} (¬2)، فأُخبروا أنَّهم استحقّوا ذلك بترك الصَّلاة، ولم يُرَدَّ عليهم.
وأجيب: بأنَّ الصَّلاة تذكر ويراد اعتقاد حقيتها لا فعلها، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} (¬3)، حيث يخلي سبيله إذا آمن قبل فعل الصَّلاة، وإذا كان محتملاً لا يحتجُّ به في موضع القطع.
¬
(¬1) الأعراف: 158.
(¬2) المدثر:42 - 43.
(¬3) التوبة: 5.
(ومنه): أي من الخاصّ (النهي):
وهو قول القائل لغيره: لا تفعل، وإنَّما كان من الخاصّ؛ لما تقدَّم في الأمر.
(وينقسم) النَّهي (في) اقتضائه (صفة القبح كالأمر): أي كانقسام الأمر (في اقتضائه) لصفة (الحُسُن) للمأمور به.
فالقسم (الأَوَّل) من المنهي عنه (ما قبح لمعنى في عينه وضعاً): كالكفر، وُضِع لمعنى قبيح في ذاته، وهو كُفران النِّعم، (أو شرعاً): كبيع الحرّ عُلِمَ من الشَّرع قبحه لا من العقل، ونصب وضعاً وشرعاً على التمييز؛ لأنَّ قبحَ الشَّيء يكون باعتبار أُمور.
وحكم هذا النَّوع: أنَّ المنهيَ عنه غيرُ مشروع أصلاً.
(و) القسم (الثَّاني: ما قبح لمعنى في غيره): أي في (¬1) غير المنهي عنه (وصفاً) قائماً بالمنهي عنه لا يقبل الانفكاك، كصوم يوم النَّحر، فإنَّه إمساكٌ لله تعالى، فلم يقبح باعتبارها، بل باعتبار وصفه، وهو الإعراضُ عن ضيافة الرَّبّ تعالى في هذا اليوم.
وحكمه: أنَّ المنهي عنه بعد النَّهي مشروعٌ بأصله غيرُ مشروع بوصفه، فيصحَّ النَّذر به، وإذا فعله يخرج عن العهدة.
(ومجاوراً): أي مصاحباً ومقارناً في الجملة: كالبيع وقت النِّداء، قبحه للاشتغال بالبيع عن السَّعي، وهو مجاورٌ للبيع قابلٌ للانفكاك عنه، كما إذا باع في
¬
(¬1) ساقطة من أ و ب.
حالة السَّعي في الطَّريق فلا يُكره.
(والنهي عن الأفعال الحسية): وهي التي تعرف بالحسِّ ولا يتوقّف وجودها على الشرع: كالقتل والزِّنا وشرب الخمر (من) القسم (الأوَّل) وهو القبيح لعينه وضعاً.
(و) النهي (عن) الأمور (الشرعية)، وهي التي يتوقف تحقيقها على الشرع: كالصَّلاة والصَّوم والبيع والإجارة (من) القسم (الثاني)، وهو القبيح لغيره وصفاً؛ لأنَّ النَّهي تصرُّف في المخاطب بالمنع عن الفعل، فلا بُدّ أن يكون الفعل متصوّراً للمخاطب، وتصوُّره هذا موقوفٌ على الشَّرع، فيكون مشروعاً بأصلِه غير مشروع بوصفه، ففي العبادات يصحُّ التزامها، وفي المعاملات تفيد الملك عند اتصال القبض.
(وقد اختلف العلماء) - رضي الله عنهم - في الأمر والنَّهي في حقّ الضدّ، (فقال بعضُهم: الأمرُ بالشَّيء نهي عن ضدِّه) من جهةِ اللفظ، فيكون لفظ الأمر موجباً للنَّهي عن ضدِّه.
وقال بعضُهم: من جهةِ الدَّلالة على أنَّه لا يجوز له فعل المنافي له في وقتِ وجوبه.
(وبالعكس): أي وقالوا: النَّهي عن شيءٍ يكون أمراً بضدِّه، وهذا إذا كان له ضدٌّ واحدٌ عند قوم ومطلقاً عند آخرين.
(والمختار: أنَّه): أي الأمر بالشَّيء (يقتضي): أي يثبت (¬1) ضرورة (كراهة
¬
(¬1) في جـ: «ثبت».
ضدِّه): أي ضدِّ المأمور به، والمراد الضدّ الذي يفوت المأمور به بالاشتغال به؛ لأنَّ هذا النَّهي لَمَّا لم يكن بالنَّصّ، وإنَّما هو بالضَّرورة، فيثبت بقدر ما تندفع به الضَّرورة، والضَّرورةُ تندفع بالأدنى، وهو جعل الضدّ مكروهاً، [فالمأمور بالقيام في الصَّلاة إذا قعد ثمّ قام لا تبطل لكنَّه يُكره].
(و) يقتضي النَّهي أن يكون (ضدّ النَّهي): أي ضدّ المنهي عنه: (كسُنَّةٍ واجبةٍ): أي مؤكَّدةٍ قريبةٍ من الواجب، لما قلنا في الأمر؛ ولهذا قلنا: إن المُحْرِم لَمَّا نُهِيَ عن لُبْس المخيط كان من السُّنَّة لبس الإزار والرِّداء. وهنا انتهى القسم الأوَّل من القسم الأول.
ثُمَّ عطف عليه بقوله:
(والعامُّ): أي والقسم الثَّاني: العامّ: (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً) فخرج الخاصّ (¬1)، (متفقة الحدود)؛ احترازاً عن المشترك، فإنَّه يتناول أفراداً ولكنَّها مختلفة الحدود، وقوله: (على سبيل الشُّمول): أي لا على سبيل البدل، واحترز به عن اسم الجنس نحو: رجل، فإنَّه يتناول أفراداً متفقة الحدود لكن على سبيل البدل.
(وحكمه): أي الأثر الثَّابت به (إيجاب الحكم): أي إثبات الحكم المستفاد ممَّا ذكر معه بمتعلِّقه (فيما يتناوله): أي في مدلولِه (قطعاً) ـ تمييز أو صفة مصدر
¬
(¬1) كزيد؛ لأنَّه لا يتناول الأفراد واحداً وأسماء الأعداد: كعشرة؛ لأنَّها لا يتناول أفراداً، بل أجزاء. ينظر: الخلاصة ص 28.
محذوف ـ: أي تناولاً قاطعاً، إرادة البعض، وهذا مذهب أكثر الأصحاب - رضي الله عنهم - كقوله - عز وجل -: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (¬1)، {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (¬2).
فالحكم هو الوجوب المستفاد من {فَاقْتُلُوا} يثبت في مدلول العام، وهو المشركون حكماً له.
والحقُّ أنَّ حكمَه يتناول مدلوله قطعاً كالخاصّ، وأنَّ المثبت للحكم الشَّرعي في هذا جملة الكلام، إلا أنَّ للعام دخلاً فيه.
ثم أشار إلى بعض ثمرات هذا القول بقوله: (حتى جاز نسخ الخاصّ به): أي بالعام، ومثَّل لهذا بما في «الصَّحيحين» من حديث أنس - رضي الله عنه -: (إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل) (¬3)، وهذا خاصّ، وبما في «مستدرك الحاكم» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: (إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (استنزهوا من البول) (¬4)، وهذا عامٌّ، فلمَّا شارك الخاصّ في حكمِه في تناول المدلول، وكان هذا محرِّماً يقتضي التَّقدم على الخاص المبيح، جعل ناسخاً (¬5).
¬
(¬1) التوبة: 5.
(¬2) الأنعام: 121.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1296، وصحيح البخاري 6: 2495، وغيرهما.
(¬4) في سنن الدارقطني 1: 137، وغيرها، وفي المستدرك 1: 293: (أكثر عذاب القبر من البول) وصححه الحاكم.
(¬5) لأنَّ البول فيه عام بلام الجنس يحمل على جميعها، فنسخ، ولو لم يكن العام مثل الخاص في القطع لما صح النسخ. ينظر: الخلاصة ص29.
وهذا حكم العام قبل التَّخصيص، فأمَّا بعده فيكون ظنيّاً في الصَّحيح.
(ويكون) العام عاماً (بالصيغة والمعنى): كرجال، فإنَّه وضع للجميع وهو يتناول أفراداً متفقة الحدود.
(وبالمعنى وحده): كقوم ورهط، فإنَّه يتناول أفراداً بمعناه دون صيغته (¬1).
وحصرت ألفاظ العموم في الجموع صيغة أو معنى مطلقاً، والمفرد معرفاً باللام أو الإضافة، وأسماء الشرط والاستفهام، والموصول، والنكرة في سياق النفي، وما يشبهه كالشرط والاستفهام والنهي، اسماً كانت أو فعلاً، والاسم المفرد المعرف بلام الاستغراق، والمصدر المضاف، والألفاظ المؤكدة نحو: «كل» و «أجمع» وغيرهما، والنكرة الموصوفة (¬2) في الإثبات، وهذه أقسام اللغوي.
¬
(¬1) وبعبارة أخرى: ألفاظ العموم قسمان:
الأول: العام بصيغته ومعناه، وهو مجموع اللفظ ومستغرق سواء كان له واحد من لفظه كرجال أو لا كنساء.
والثاني: العام بمعناه فقط: وهو مفرد اللفظ مستغرق المعنى.
ولا يتصور أن يكون العام عاماً بصيغته فقط؛ إذ لا بد من تعدد المعنى.
وهذا القسم إما أن يتناول مجموع الآحاد لا كل واحد، وحيث ثبت الحكم لها إنَّما يثبت لدخولها في المجموع: كالرهط والقوم والجن والإنس، أو يتناول كل واحد إما على سبيل الشمول بأن يتعلق الحكم بكل واحد سواء كان مجتمعاً مع غيره أو منفرداً عنه، مثل من دخل هذا الحصن فله درهم، وإما على سبيل البدل بأن يتعلق الحكم بكل واحد بشرط الانفراد وعدم التعلق بوجه آخر، مثل: من دخل هذا الحصن أولاً فله كذا ... ينظر: الخلاصة 29.
(¬2) في أ و ب: «الموضوعة».
وأمّا العرفيّ فكعموم تحريم الأُمَّهات؛ لوجوه الاستمتاع.
وأمَّا العقلي فكعموم الحكم مذكوراً بعد سؤال عام، أو مقروناً به عليه، وكدليل الخطاب عند مَن يقول بعمومه (¬1).
(والمشترك): وهو القسم الثَّالث (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً مختلفة الحدود): كالقرء، فإنَّه يتناول الحيض والطُّهر (بالبدل).
فقوله: «مختلفة الحدود»؛ احترازاً عن العامّ.
وقوله: «بالبدل»؛ تفسير للتَّناول عند البعض، وعند البعض؛ احترازاً عن «الشَّيء»، فإنَّه يتناول أفراداً مختلفة الحقيقة على سبيل الشُّمول، من حيث إنَّها مشتركةٌ في معنى الشَّيئية، وهو الثُّبوت في الخارج.
(وحكمُه): أي حكم المشترك (التَّأمُّل فيه): أي في صيغتِه وسياقِه (¬2)؛ (ليترجَّح بعضُ وجوهِهِ): أي طرق معناه (للعمل به): أي لأجل العمل بالمشترك.
¬
(¬1) والمراد به مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب، وهو أقسام مفهوم الصفة، والشرط والغاية والعدد واللقب أي الاسم الجامد كثوب مثلا، والمراد بعدم اعتباره في النصوص أن مثل قولك: أعط الرجل العالم أو أعط زيدا إن سألك أو أعطه إلى أن يرضى أو أعطه عشرة أو أعطه ثوبا لا يدل على نفي الحكم عن المخالف للمنطوق بمعنى أنه لا يكون منهيا عن إعطاء الرجل الجاهل، بل هو مسكوت عنه وباق على العدم الأصلي، حتى يأتي دليل يدل على الأمر بإعطائه أو النهي عنه وكذا في البواقي. ينظر: رد المحتار4: 433.
(¬2) في أ و ب زيادة: وسباقه.
كما تؤمل (¬1) لفظ القرء، فوجد أصل التركيب دالاً على الجمع، يقال: قرأت الشَّيء: أي جمعته، وعلى الانتقال يقال: قرأ النجم إذا انتقل، والاجتماعُ للدَّم، والانتقالُ للحيض، فترجَّح هو.
(ولا عموم له): أي للمشترك عندنا، فلا يستعمل في أكثر من معنى واحد، وفاقاً لما صحَّحه الرافعي - رضي الله عنه - عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، حيث قال في باب العتق: الصحيح أنَّ الشافعي - رضي الله عنه - لم يحمل المشترك على جميع معانيه. انتهى (¬2).
¬
(¬1) في ب: لو تأمل.
(¬2) وهنا بحث لطيف متعلق بالمشترك للإمام الفقيه شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي الشافعي في الفتاوى الكبرى 3: 307 إذ قال: «تنبيه ما قدمناه عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من أنَّه يوجب حمل المشترك على جميع معانيه, هو ما اشتهر عنه في كتب المتأخرين من الأصحاب، وأنكر ذلك ابن تيمية وقال: ليس للشافعي نص صريح فيه, وإنَّما استنبطوا هذا من نصه فيما لو أوصى لمواليه أو وقف عليهم وله موال من أعلى ومن أسفل أنَّه يصرف للجميع, وهذا استنباط لا يصح لاحتمال أنَّه يرى أنَّ اسم المولى من الأسماء المتواطئة, وأنَّه موضوع للقدر المشترك بين الفريقين, وعند هذا الاحتمال فكيف يحكى عنه ذلك قاعدة كلية. ا. هـ. والقول بالتواطؤ بأن يكون موضوعاً لمعنى واحد على جهة التواطؤ, وهو الموالاة والمناصرة نقله ابن الرفعة عن شيخه عماد الدِّين في المطلب ثم رده بما فيه خفاء, وتوضيحه: أنَّه لو كان من باب التواطؤ لم يأت الخلاف: هل تصح الوصية والوقف أو لا؟ وعلى الصحة هل يحمل عليهما أو على المولى من أعلى أو على المولى من أسفل أو يوقف؟ أقوال. فاختلافهم فيه كذلك صريح في أنَّه من باب المشترك لا من باب التواطؤ فاندفع اعتراض ابن تيمية أيضاً, وبان أنَّ تجويزه احتمال التواطؤ في لفظ المولى غير صحيح, وأنَّ استنباط الأئمة المذكور صحيح لا اعتراض عليه.
ولقد قال السبكي عن ابن تيمية: وهذا الرَّجل كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حلف به, ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي أنَّه ليس ممّن يعتمد عليه في نقل تفرد به؛ لمسارعته إلى النقل بفهمه, ولا في بحث ينشئه؛ لخلطه المقصود بغيره وخروجه عن الحد جداً, وهو كان مكثراً من الحفظ ولم يتهذب بشيخ ولم يرتض في العلوم, بل يأخذها بذهنه مع جسارته واتساع خياله وشغب كثير, ثم بلغني من حاله ما يقتضي الإعراض عن النظر في كلامه جملة, وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه, وحبس بإجماع العلماء وولاة الأمور على ذلك، ولم يكن لنا غرض في ذكره بعد موته; لأنَّ تلك أمة قد خلت ولكن له أتباع ينعقون ولا يعون. اهـ. وإنَّما ذكرت المبالغة في الرد عليه ثم عقبته بكلام السبكي هذا; لأني رأيت من يعترض على الشافعية في حملهم المشترك على جميع معانيه, ويحتج بكلام ابن تيمية هذا, وقد دلَّ كلام الشافعي في مواضع من الأم وغيرها على حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه كما قررت في محلها, والاعتراض بأنَّه لم يحمل الشفق على معنييه الأحمر والأبيض غفلة عن أنَّ سبب تخصيصه له بالأحمر ورود التقييد به في حديث, وكذا حيث خصص مشتركا بأحد معانيه فإنَّما هو الدليل أو قرينة كما يعرف بتأمل مواقع كلامه واستنباطاته».
لأنَّ المتبادر إلى الفهم إرادة أحدهما حتى تبادر طلب المعين، وهو يوجب العلم بأنَّ شرط استعماله لغةً كونه في أحدهما.
وقيل: يعمّ احتياطاً للعلم بفعل المراد.
قلنا: لا يتوصل إليه إلا بشرع ما علم أنَّه لم يشرع وهو حرام، والتوقف إلى ظهور المراد الإجمالي واجب.
(والمؤول: وهو ما ترجَّح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرَّأي).
[والأصحُّ: أنَّه (¬1) كلُّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة] (¬2)؛ لأنَّك إذا تأمَّلت ما وُضِع اللفظ له، وصرفته إلى وجهٍ معينٍ فقد أوَّلته إليه: أي رجَّعته.
قيل: يجوز أن يكون المؤوَّلُ من المجمَل والمشكل، فلا يتعيّن أن يكون من المشترك.
ويجوز أن يكون التَّرجحُ بخبر الواحد، فلا يلزم أن يكون بغالب الرأي.
والجواب: أنَّ المؤوَّلَ المصطلح عليه عند صاحب أصل (¬3) الأصل (¬4) ليس إلا هذا، واصطلاح غيره لا يرد عليه، والمراد بغالب الرأي الظّنيّ.
(وحكمُه: العمل به): أي وجوبُ العمل به؛ لأنَّه دليلٌ ظنيّ (على احتمال الغلط)؛ لأنَّ تعيينَه بدليلٍ ظنيٍّ.
(الثَّاني): أي القسم الثَّاني من الأقسام الأربعة في (وجوه البيان): أي ظهورِ الدَّلالة (بذلك النَّظم) الذي تقدَّم تقسيمه.
(وهو): أي القسم الثَّاني (أربعةٌ): أي أربعةُ أقسام هي:
1. (الظَّاهر: وهو ما): أي كلام (ظهر): أي وضح (المراد): أي المعنى الوضعيّ (منه بصيغتِه): أي بنفسِ صيغتِه من غيرِ نظرٍ إلى أمرٍ آخر.
¬
(¬1) في أ: «أنَّ».
(¬2) ما بين المعكوفين ساقط من جـ.
(¬3) ساقطة من أ و ب.
(¬4) المراد بالأصل هو مختصر المنار، وبأصل الأصل هو المنار للنسفي.
نحو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} (¬1)، فإنَّ المعنى الوضعيّ، وهو الإحلال والتَّحريم، ظاهرٌ منه للعالم باللسان.
(وحكمُه: وجوب العمل بما ظهر منه)، واختلف فيه، هل هو على سبيل الظنّ أو القطع؟
فقال أبو منصور وعامّتُهم بالأوَّل؛ لاحتمال المجاز.
وقال أبو زيد والعراقيون بالثَّاني؛ لعدم اعتبار احتمال لا ينشأ عن دليلٍ، حتى صحَّ إثباتُ الحدود والكفَّارات بالظَّواهر.
2. (والنَّصُّ: وهو ما زاد) المراد به (وضوحاً على الظَّاهر بمعنى من المتكلِّم)، وهو سوق الكلام له، فإنَّ المسوقَ له أجلى من غيره: كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فإنَّه ظاهرٌ في التَّحليل والتَّحريم، نصٌّ في الفصل بين البيع والرِّبا؛ لأنَّه سيق الكلام لأجل الفصل، فإنَّهم ادعوا التَّسوية بينهما بقولهم: إنَّما البيعُ مثل الرَّبا على طريقِ المبايعة بجعل الرِّبا شبيهاً به في الحلّ، فردَّ اللهُ تعالى تسويتهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فازداد وضوحاً بمعنى من المتكلِّم لا في نفسِ الصِّيغة.
(وحكمُه: وجوب العمل بما اتضح على احتمال تأويل)، وهو حمل الكلام على خلاف ظاهره (مجازي): أي من قبيل المجاز، ولا ينحصر فيه بل يكون احتمال مجازٍ، أو تخصيصٍ، أو غيرِ ذلك، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الاحتمالَ لا يُخرج
¬
(¬1) البقرة: من الآية275.
النَّصَّ عن كونِهِ قطعيّاً، كما أنَّ احتمالَ الحقيقة المجاز لا يخرجها عن كونها قطعيّة، فتبيَّن أنَّه ماشٍ على قول أبي زيد - رضي الله عنه - ومَن تابعه في الظَّاهر.
3. (والمفسَّر: وهو ما ازداد وضوحاً على النَّصِّ من غير) احتمال (تأويل).
ويحصل الازدياد ببيان التفسير بقطعي لا شبهة فيه في المجمَل، وببيان التَّقرير في العامّ: كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (¬1)، فإنَّه نصّ لسوق الكلام لبيان سجودِ الملائكة، ولكنَّه يحتمل التخصيص بإرادة البعض، فانقطع ذلك بقوله: {كُلُّهُمْ}، وبقي احتمال التأويل، وهو الحمل على التفريق، فانقطع بقوله: {أَجْمَعُون}.
(وحكمُه: وجوب العمل به على احتمال النَّسخ) في نفسه، وإن كان قد انسدَّ بابه بوفاة صاحب الشَّرع - صلى الله عليه وسلم -.
4. (والمحكم: وهو ما أحكم المراد به عن احتمال النَّسخ والتَّبديل) من قولهم: بناء محكم: أي مأمون الانتقاض، وضُمِّنَ أُحْكِم (¬2) معنى امتنع (¬3)، فعدّاه بـ «عن».
وانقطاع احتمال النَّسخ قد يكون لمعنى في ذاتِهِ: كالآيات ِالدَّالّة على وجودِ الصَّانع وصفاته، فإنَّها لا تحتمل النَّسخ عقلاً، ويُسمّى هذا: «محكماً لعينه (¬4)».
¬
(¬1) الحجر:30.
(¬2) في أ و ب: «الحكم».
(¬3) أي يتضمن أحكم معنى امتنع.
(¬4) في أ و ب: «بعينه».
وقد يكون لانقطاع الوحي بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويسمى: «محكماً لغيره».
(وحكمُه: الوجوب): أي وجوب العمل، فاللام بدل المضاف إليه (من غير احتمال) للتَّأويل، ولا للنَّسخ، ولا للتَّبديل.
ويظهر التَّفاوت بين هذه الأربعة عند التَّعارض؛ لأنَّه لا تفاوت بينها في إيجاب الحكم قطعاً، فيصير الظَّاهر متروكاً عند معارضة النَّصّ، والظَّاهرُ والنَّصُّ عند معارضة المفسَّر، والمفسَّر عند معارضة المحكم.
وقد مثّل لذلك في الشُّروح بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (¬1)، فإنَّه ظاهرٌ في الإطلاقِ مع قولِهِ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} (¬2)، فإنَّه نصٌّ في بيان العدد.
وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن} (¬3) نصٌّ في بيانِ المدّة مع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} (¬4)، فإنَّه ظاهرٌ فيها.
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المستحاضة تتوضَّأ لكلِّ صلاة» (¬5)، فإنَّه نصٌّ، مع قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المستحاضة تتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ» (¬6)، فإنَّه مفسَّرٌ (¬7).
¬
(¬1) النساء: 24.
(¬2) النساء: 3.
(¬3) البقرة: 233.
(¬4) الأحقاف: 15.
(¬5) في سنن ابن ماجه 1: 204 بلفظ: (المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها. ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي) وقريب منه في سنن الدارمي 1: 224، والمستدرك 4: 69، وسنن الترمذي 1: 221، وسنن أبي داود 1: 132، وغيرها.
(¬6) في شرح معاني الآثار 1: 103، وينظر: نصب الرَّاية 1: 174، وغيرها.
(¬7) قال الإمام اللكنوي في التعليق الممجد على موطأ محمد 1: 149: «وأما أصحابنا فاستندوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» رواه أبو حنيفة، وذكر ابن قدامة في «المغني» في بعض ألفاظ حديث فاطمة: «وتوضئي لوقت كل صلاة» وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن حمنة بنت جحش أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة كذا ذكره العيني وقالوا: الأول محتمل لاحتمال أنَّ يراد بقوله: «لكل صلاة» وقت كل صلاة. والثاني: محكم فأخذنا به. وقوّاه الطحاوي بأنَّ الحدث إما خروج خارج، وإما خروج الوقت، كما في مسح الخفين، ولم نعهد الفراغ من الصلاة حدثاً فرجَّحنا هذا الأمر المختلف فيه إلى الأمر المجمع عليه».
وبقوله - جل جلاله -: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة}، فإنَّه مُفسَّرٌ مع قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} (¬1)، فإنَّه محكمٌ في التِّكرار.
(ولهذه) الأقسام الأربعة (أربعةٌ أُخرى تقابلها)، المقابلة: جعل الشَّيء بإزاءِ الشَّيء.
1. (خَفِي) يُقابل الظَّاهر، وعَرَّفه بقوله: (وهو): أي الخفي (ما): أي الكلام (خَفِي المرادُ به بعارضٍ): أي بسببٍ عارضٍ، يعني أنَّ صيغةَ الكلام ظاهرةٌ بالنَّظر إلى موضوعِها اللُّغوي، لكن خَفِي بالنَّسبة إلى المحلِّ بسببٍ عارضٍ في ذلك المحلّ، وعلامةُ كونه خفياً أنَّه (يحتاجُ إلى الطَّلب): أي قليل تأمُّل.
¬
(¬1) النساء: 103.
(وحكمُه): أي حكم الخَفِي (النَّظر): أي الفكر (فيه؛ لإظهار خفاءِ زيادته ونقصانِه): يعني تفكر في الخفاء؛ ليظهر سبب خفائه، هل هو خفاءٌ لأجلِ زيادةِ المعنى فيه، أو لأجل نقصان المعنى فيه: كآية السَّرقة، فإنَّها ظاهرةٌ في إيجاب قطع كلِّ سارق لم يعرف باسم آخر، خفيةٌ في حقِّ الطَّرَّار: وهو الذي يطرُّ الهمايين: أي يشقّها ويقطعها ويأخذ ما فيها سرقةً، وفي حقِّ النبّاش: وهو الذي ينبش القبور ويسلب الموتى أكفانهم، بعارضٍ في غيرِ صيغةِ الآية، وهو اختصاصُهما باسم آخر يُعرفان به، وتغايرُ الأسماء يدلّ على تغاير المسمَّيات، فتؤمل (¬1) في هذا الاختصاصِ مع أصل السَّرقة، وهو أنَّه يُسارق عين اليقظان (¬2)، فعُدّي الحدُّ إليه، وفي النَّباش لقصور المعنى، لأنَّه إنَّما يُسارق مَن عساه يهجم عليه القبر، فلم يُعَدَّ الحدُّ إليه.
2. (ومشكل) يقابل النصّ من أَشْكل إذا دخل في اشكاله (¬3)، (وهو فوق الخفي) في خفاء المراد، وإنَّما كان كذلك؛ (لاحتياج الطلب): أي لاحتياج المشكل إلى الطلب، وهو تحصيل المعنى (والتَّأمل)، وهو التكلّف والاجتهاد في الفكر بعد ذلك؛ ليتميز المراد.
(وحكمه): أي حكم المشكل (اعتقاد حقيّة المراد): أي المراد منه (إلى أن يتبين بالطلب والتأمّل (¬4)»: كقوله - جل جلاله -: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (¬5) طلبت معاني:
¬
(¬1) في أ و ب: فتأمل.
(¬2) في أ و ب: اليقظ.
(¬3) في أ و ب: اشكال.
(¬4) في ب: والتأويل.
(¬5) البقرة: 223.
{أَنَّى} فضبطت بأنَّها تستعمل بمعنى: «أين»: كقوله - عز وجل -: {أَنَّى لَكِ هَذَا} (¬1): أي من أين لك هذا؟ وبمعنى «كيف» نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} (¬2)، ثم نظر هل هو يوجب الإطلاق في جميع المواضع نظراً إلى الأولى أو لا؟ بل الإطلاق للأوصاف لا في المواضع: أي كيف شئتم، سواء كانت قاعدة أو مضطجعة أو على جهة بعد أن يكون المأتي واحداً، فإذا سياق الآية سمّاهن حرثاً: أي مواضع حرثكم، لما يلقى في أرحامهنّ من النطف التي هي بمنزلة البذر للنسل، فيكون الإتيان في الموضع الذي يتعلق به هذا الغرض، وهو القُبُل.
3. (ومجمل) يقابل المفسر، من أجملت الحساب إذا ضممت بعضه إلى بعض (وهو ما): أي كلام (اشتبه مراده): أي المراد منه؛ لتزاحم المعاني فيه من غير رجحان لأحدها (فاحتاج إلى الاستفسار) من المُجْمِل حيث لم يدرك من نفس العبارة، ثم إنَّه قد يحتاج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل.
(وحكمه: التوقف فيه إلى أن يتبيّن مراده): أي المراد منه (من المُجْمِل): أي من بيان المجمل: كالصلاة فإنَّها في اللغة الدعاء، وذلك غير مراد، وقد بيّنها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) آل عمران: 37.
(¬2) آل عمران: 40.
4. (ومتشابه) يقابل المحكم (وهو ما): أي كلام (لم يُرْجَ) في الدُّنيا (بيان مراده) أي المراد منه؛ (لشدة خفائه): كآيات الصفات، مثل قوله - جل جلاله -: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (¬1).
(وحكمه: التَّوقُّف فيه أبداً مع اعتقاد حقيّة المراد به): أي اعتقاد أنَّ مراد الله - عز وجل - لذلك (¬2) حقّ، {وما يعلم تأويله إلا الله}.
والقسم (الثالث) من أصل الأقسام (في وجوه): أي طريق (استعمال ذلك النظم) في بيان الحكم بالنظم، (وهو): أي القسم الثالث (أربعة): أي أربعة أقسام.
1. (الحقيقة) ومعناها الثابتة (¬3)، من حقّ الشيء إذا ثبت، أو المثبتة من حققت الشيء إذا أثبتّه.
(وهي) في الاصطلاح (اسم لما): أي للفظ (أريد به ما): أي معنى (وضع له) ذلك اللفظ.
2. (والمجاز) مفعل من الجواز.
(وهو) في الاصطلاح (اسم لما): أي للفظ (أريد به غير ما وضع له)؛ لعلاقة بينهما: كتسمية الشجاع أسداً.
¬
(¬1) طه:5.
(¬2) في ب: بذلك.
(¬3) في جـ: «الثابت».
(ومن حكمهما): أي الحقيقة والمجاز (استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد) في وقت واحد بأن يكون كل منهما متعلق الحكم، نحو (¬1): «لا تقتل الأسد» وتريد الحيوان المفترس والرَّجل الشجاع؛ لأنَّ إرادة (¬2) الحقيقة (¬3) إن لم تنافها (¬4) إرادة المجاز (¬5) لم يتحقق الصرف، وهو شرط، وإن نافتها امتنع اجتماعهما.
فإذا أوصى لمواليه، لا يتناول موالي الموالي، وإذا كان له معتَق واحد يستحق النصف، ويكون النصف الثاني للورثة لا لموالي (¬6) الموالي.
(ومتى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز)؛ لأنَّ المستعارَ خلفٌ، فلا يُزاحم الأصل، كما قُلنا في الموالي.
فإنَّ كانت (¬7) الحقيقةُ متعذِّرةً ـ وهي ما لا يُصاب إلا بمشقّة ـ تحوَّل القولُ إلى المجاز، كما إذا حلف لا يأكل من هذه النَّخلة ولا نيّة له، تحوَّلت اليمين إلى ما
¬
(¬1) ساقطة من ب.
(¬2) ساقطة من أ و ب.
(¬3) في أ: «الحقيقي».
(¬4) في ب: «تنافيها».
(¬5) في أ و ب: «المجازي».
(¬6) ساقطة من أ و ب.
(¬7) ساقطة من ب.
يخرج منها بلا صنعةٍ: كالجمار والطَّلع والرَّامخ (¬1) والبُسر والرُّطب وصفره والتَّمر لا النَّبيذ والخلّ المتخذ منه.
وكذا إذا كانت مهجورة ـ وهي ما يُمكن الوصول إليها إلا أنَّ النَّاس هجورها أي تركوها ـ كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان؛ لأنَّ حقيقة وضع قدمه حافياً وإن لم يدخل، وهذا مهجورٌ عرفاً، والمهجورُ عرفاً كالمتعذِّر، فانصرف اليمين إلى الدُّخول، وهو المجازُ المتعارف، فيحنث إن دخلها حافياً أو منتعلاً، راكباً أو ماشياً.
والمهجور شرعاً كالمهجور عادة، كالخصومة مهجورة شرعاً؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} (¬2)، فإذا وكّله بها انصرف التوكيل بها إلى الجواب بنعم أو بلا.
ولو كان للفظ حقيقة مستعملة، ومجاز متعارف، فالعمل بالحقيقة عنده وبالمجاز عندهما، كما إذا حلف لا يأكل حنطة، فاليمين عنده على عينها، وعندهما على ما يتخذ منها.
(وتترك الحقيقة:
أ. بدلالة العادة)، كما إذا حلف لا يأكل رأساً الحقيقة ما يسمى رأساً، وهو متروك عادة، يقع يمينه على ما يكبس في التَّنانير ويُسلق بدلالة العادة.
¬
(¬1) وهو التمر لا يزال بسراً، كما في تكملة المعاجم العربية 5: 213.
(¬2) الأنفال: 46.
ب. (و) تترك (¬1) أيضاً (بدلالة في محلّ الكلام): أي يدلّ محلُّ الكلام على أنَّ الحقيقةَ تُركت فلم تكن مرادة، كـ: «إنَّما الأعمال بالنِّيات» (¬2)، دلَّ وجود الأعمال بغير نيّة على أنَّه صرفٌ عن وجودِها إلى حكمِها.
ج. (ومعنى): أي وتُتركُ الحقيقةُ [بسبب دلالة] (¬3) معنى: أي حال (يرجع إلى المتكلِّم) كما في اليمين الفور، وهي كمَن أرادت امرأته أن تخرج في الغضب (¬4) ونحوه فقال: والله ما تخرجين، أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فمكثت ساعةً ثمّ خرجت لم يحنث، فالحقيقةُ عدم الخروج أبداً، تُرك هذا وحُمل على الخروج المعيّن، وهو ما منعها منه بدلالةِ حال المتكلِّم، وهو إرادةُ المنع الخاصّ لا أبداً.
د. (و) تتركُ بدلالة (سياق النَّظم (¬5)»: وهو قرينةٌ لفظيّةٌ التحقت بالكلام، مثل قوله: طلِّق امرأتي إن كنت رجلاً، أُخرج هذا الكلامُ عن التَّوكيلِ إلى التَّوبيخ.
هـ. (و) تتركُ بدلالةِ (اللَّفظ في نفسِهِ) من اشتقاقٍ أو إطلاقٍ، كمَن حلف لا يأكل لحماً، لا يقع على لحمِ السَّمك؛ لأنَّ اللَّحمَ ينبئ عن الشِّدّة؛ بدلالةِ التحام الحرب والجرح والملحمة، وهي بالدَّم، ولا دم في السَّمك، ولذا يعيش في الماء
¬
(¬1) في ب: «ويترك».
(¬2) في صحيح البخاري 1: 1، وصحيح ابن حبان 11: 210، وغيرهما.
(¬3) في أ و ب: بدلالة.
(¬4) في أ و ب: النصب.
(¬5) في جـ: «نظم».
ويَحِلّ بلا ذكاةٍ، والمطلقُ ينصرفُ إلى الكامل في الحقيقة، فدلالة الاشتقاق والإطلاق صرفت اليمين عن السَّمك.
3. (والصَّريح) لغةً: الظَّاهر والخالص.
(وهو) اصطلاحاً (ما): أي لفظ (ظَهَرَ مرادُه): أي المراد منه ظهوراً (بيِّناً): أي تامَّاً، احترز به عن الظَّاهر، فإنَّ الظُّهورَ فيه ليس بتامٍّ؛ لبقاءِ الاحتمال.
وبكثرةِ الاستعمال يخرج النَّصُّ والمفسَّر؛ لأنَّ ظهورَهما بالبيانِ والقرائنِ لا بكثرةِ الاستعمال: كقوله: أنتَ حرٌّ وأنتِ طالقٌ.
(وحكمُه): أي حكم الصَّريح (ثبوت موجبه): أي ما يوجبه اللفظ الصَّريح من الحريةِ في المثال الأوَّل، والطَّلاق في الثَّاني، حال كونه (مستغنياً عن العزيمة): أي النية، فيقع العتق والطَّلاق المتقدِّمان (¬1) نَوَى أو لم ينو.
4. (والكناية: وهي ما): أي لفظ (لم يظهر المراد به إلا بقرينة): كـ «هو يفعل»، فإنَّ هذه الهاء لا تميز زيداً عن (¬2) عمرو إلا بقرينةٍ تنضمُّ إلى ذلك، كسبقه في الذِّكر.
(وحكمُها): أي حكمُ الكناية (عدم العمل بها بدون نيّة)؛ لأنَّه لا يثبت الحكم الشَّرعيّ بها إلا بنيّة المتكلِّم، كما في كنايات (¬3) الطَّلاق حال الرِّضى (أو ما
¬
(¬1) ساقطة من ب.
(¬2) في جـ: «من».
(¬3) في أ و ب: «نية».
يقوم مقامها): أي مقام النِّيَّة، مثل مذاكرة الطَّلاق فيما يصلح جواباً أو ردّاً، نحو: خليّة.
(والأصلُ في الكلام هو الصَّريحُ)؛ لأنَّ الكلامَ للإفهامِ والإفادةِ، والصَّريحُ هو التَّامُّ في هذا المعنى، (وفي الكنايةِ قصورٌ) عن البيان؛ (لاشتباهِ المرادِ)، فيتوقَّفُ في إفادةِ المقصودِ على قرينةٍ.
ويظهر هذا التَّفاوت الحاصل بين الصَّريح والكناية فيما يدرأُ بالشُّبهات، حيث جاز إثباتُها بالصَّريح دون الكناية، حتى إنَّ مَن قال لآخر: جامعتَ فلانةً، لا يجب عليه حدُّ القذف؛ لأنَّه لم يُصَرِّح بالزِّنا، ويجب إذا قال: زنيتَ بها.
(الرَّابع): أي القسم الرَّابع من أصلِ الأقسام (في معرفة): أي إدراك (وجوه): أي طرق (الوقوف): أي الاطّلاع (على أحكام النَّظم): أي المراد منه.
فحاصله معرفة طرق وقوف السَّامع على مراد المتكلِّم في الأحكام الثَّابتة بنظم الكلام ومعناه.
قيل: المعرفة صفة العارف، والتَّقسيم للكتاب، وتقسيم الكتاب باعتبار صفة في غيره لا يستقيم.
أجيب: بجعلها مصدراً بمعنى المفعول.
قلت: يعكر عليه قوله: «الاستدلال»، فإنَّه صفة للمستدلّ، لا لما يعرف من الأقسام مع نبوه في الكلام، فكان الأولى ترك هذه العبارة والتعبير بما يستدل بعبارته إلى آخره.
(وهو): أي القسم الرابع (أربعة): أي أربعة أقسام باستقرائهم:
1. (الاستدلال بعبارة النَّصِّ) الاستدلالُ: انتقالُ الذِّهن من المؤثِّر إلى الأثر: كانتقال الذِّهن من إدراكِ النَّار إلى الدُّخان.
وأورد أيضاً: أنَّ الاستدلالَ صفةُ المستدلّ، والتَّقسيم للكتاب.
وأجيب: بأنَّها لما لم تفد (¬1) بدونه عُدَّ منها، ولا يخفى ما فيه، فالأولى تركه، كيف ولم يستمروا عليه، كما ستقف عليه في الثالث من هذه الأربعة.
(وهو): أي الاستدلالُ بعبارةِ النَّصِّ (العمل): أي إثبات الحكم؛ لأنَّ المراد عمل المجتهد؛ لأنَّه هو المستدلّ هذا هو المراد، وظاهرُ التَّركيب يُعطي أنَّ المراد عمل الجوارح؛ لأنَّ ما سيق الكلام له هو الثابت بالعبارة (بظاهر ما): أي شيء (سيق الكلام له): أي لذلك الشيء، فالضمير لـ «ما».
فعلى الأول: هو إثبات الحكم بشيء ظاهر لا يحتاج إلى مزيد تأمل، مثل الحكم بإيجاب سهم من الغنيمة للفقراء في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ .. } (¬2) الآية.
وعلى الثاني: العمل بظاهر حكمه: أي بحكم ظاهر سيق الكلام لأجله.
وعلى ما هو الأولى: النظم الدال على تمام الموضوع له أو جزئه أو لازمه المقصود في الجملة.
¬
(¬1) ساقطة من أ و ب.
(¬2) الحشر: 8.
2. (وبإشارته): أي الاستدلال بإشارة النّصّ، (وهو العمل بما): أي بحكم (ثبت بنظمه): أي بتركيبه من غير زيادةٍ ولا نقصان، وبه يخرج (¬1) دلالة النّص؛ لأنَّه ثابت بمعنى في النظم (لغةً): أي غير مسوق له، وكان حقّ المصنِّف أن يذكره، وهذا ظاهر في إرادة عمل الجوارح، فإن حمل العمل على إثبات الحكم يصير تقديره: إثبات الحكم بمعنى ثبت بالنظم لغة، وفيه تكلف لا يخفى.
مثاله قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُن} (¬2) سيق الكلام لإثبات النَّفقة والكسوة على الأب؛ لأنَّه المولود له، فهذا عبارة النَّصّ.
وفيه إشارة إلى أنَّ النسبَ إلى الآباء؛ لأنَّ اللام للاختصاص، ولم يختصّ به الأب من حيث الملك، فاختصّ بالنسب (¬3)، وهو غير مسوق له.
وعلى ما هو الأولى: فهو النظم الدالّ على اللازم الذاتي الذي لم يسق له أصلاً، ولم يحتج إليه لصحة الحكم.
(وهما): أي العبارة والإشارة (سواء في إيجاب الحكم): أي في إثباته؛ لأنَّ كلاً منهما يفيد الحكم بظاهره، (والأول) وهو العبارة (أحقُّ عند التَّعارض) من الثَّاني، وهو الإشارة؛ لأنَّ الأَوَّلَ منظومٌ مسوقٌ له، والثَّاني غير مسوق.
مثال التعارض: ما أورده السادة الفقهاء الشافعية في كتبهم من حديث: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين. قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تقعد إحداهن شطر
¬
(¬1) في أ و ب: «تخرج».
(¬2) البقرة: 233.
(¬3) في أ و ب: «النسب».
عمرها لا تصوم ولا تصلي» (¬1)، سيق الكلام؛ لبيان نقصان دينهن، وفيه إشارة إلى أنَّ أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» (¬2)، وهذا عبارة فيكون أحق.
(وللإشارةِ عمومٌ كالعبارة)؛ لأنَّ كلاً نظم، والعمومُ باعتبار الصِّيغة.
3. (والثَّابتُ بدلالته): أي بدلالة النصّ (هو ما): أي حكم (ثبت): أي استفيد (بمعناه): أي بسبب معنى النَّصّ (لغةً) لا بعين النَّصِّ، ولغةً: نصب على التمييز من قوله بمعناه، والمراد المعنى الذي يعرفه كلُّ سامع يعرف اللُّغة من غير استنباط.
وخرج «بمعناه» العبارة والإشارة؛ لأنَّهما بنفس النَّظم.
وبقوله: «لغةً» المقتضى والمحذوف؛ لأنَّ المقتضى ثابت شرعاً والمحذوف عقلاً (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 116، وصحيح مسلم 1: 86، ولفظه فيه: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدِّين؟ قال: أما نقصان العقل، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدِّين.
(¬2) في المعجم الكبير (8: 126، واللفظ له، والمعجم الأوسط 1: 190، وسنن الدارقطني 1: 218، والعلل المتناهية 1: 383، والكامل2: 373، والتحقيق 1: 260، وطرقه يعضد بعضها بعضاً، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه. ينظر: نصب الراية 1: 191، والدراية 1: 84.
(¬3) في أ و ب زيادة: «لغة».
مثاله قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} (¬1)، فالنَّهي عن التَّأفيف يُعلم به حرمةُ الضَّرْب من غير اجتهاد، فحرمةُ الضَّرْب حكمٌ استفيد من معنى التَّأفيف، الذي هو الأذى بكلمةِ التَّضجر.
ويُقال على هذا: الأقسام للكتاب لا للحكم.
فالأولى: أنَّه النظم الدال على اللازم بواسطة مناط حكمه المفهوم لغةً.
(والثَّابتُ بدلالتِه): أي بدلالةِ النَّصّ: (كالثَّابت بعبارتِهِ وإشارتِهِ) من حيث إنَّ كلاً منهما يوجب الحكم، (إلا عند التَّعارض)، فإنَّ الإشارةَ تُقَدَّمُ على الدَّلالة، وإذا قُدِّمت الإشارةُ، فالعبارةُ أولى؛ لأنَّ فيها وُجد النَّظم والمعنى اللُّغويّ، وفي الدَّلالة لم يوجد إلا المعنى اللُّغوي، فترجَّحت الإشارة.
قالوا: مثال تعارضهما ما قاله الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنَّها لَمَّا وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر فلأن تجب في العمد أولى، ولكنَّ هذه الدلالة عارضها إشارة قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} (¬2)، فإنَّه يشير إلى عدم وجوب الكفارة في العمد؛ لأنَّ الجزاء اسم للكامل التام، فلو وجبت الكفارة لكان جهنم بعض الجزاء لا كله، فرُجِّحَت الإشارة.
قلت: فيه نظرٌ لا يخفى.
¬
(¬1) الإسراء: 23.
(¬2) النساء: 93.
(والثَّابتُ به) بدلالة النَّصِّ (لا يحتمل التَّخصيص؛ إذ لا عموم له)؛ لأنَّ العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في الدلالة.
4. (والثابت باقتضائه): أي باقتضاء النصّ يعني بمقتضاه، والاقتضاء الطلب (وهو ما): أي حكم (لم يعمل النص إلا بشرط تقدُّمه): أي تقدُّم ذلك الحكم (عليه): أي على النصّ.
قالوا مثاله: أعتق عبدك عنِّي بألفٍ، فلا يصحّ إلا بالبيع، فالبيعُ مقتضى، وما ثبت به وهو الملك حكم المقتضي، فيثبت البيع مُقدَّماً على الإعتاق؛ لأنَّه بمنزلةِ الشَّرط لصحَّتِه.
قلت (¬1): إلا أنَّ هذا ليس من النصوص، والكلام في اقتضاء النص، وهو من الكتاب قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَة} (¬2).
ومن السُّنَّة حديث: «رفع عن أمتي الخطأ».
قلت: لفظه: «إنَّ الله تعالى وضع عن أُمتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه» (¬3)، رواه ابنُ ماجه وابنُ حبَّان والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرطهما.
¬
(¬1) ساقطة من أ و ب.
(¬2) القصص: 3.
(¬3) قال السيوطي: لا يوجد بهذا اللفظ، وأقرب ما وجد ما رواه ابن عدي 2: 150 عن أبي بكرة بلفظ: (رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه) وعدّه ابن عدي من منكرات جعفر ابن جسر.
وأخرج ابن ماجه 1: 659 والبيهقي في السنن الكبير 6: 84 عن ابن عباس - رضي الله عنه - يرفعه قال: (إنَّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 250: رواه الطبراني في الأوسط 8: 161 وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف.
ورواه ابن ماجه 1: 659، وابن حبان في صحيحه 16: 202، والحاكم في المستدرك 2: 216، والبيهقي في السنن الكبير 7: 356، والدارقطني 4: 170، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3: 95، والطبراني في الكبير 11: 133، والصيداوي في مسند الشيوخ 1: 362، والعقيلي 4: 145، والخطيب في تاريخ بغداد 7: 377 عن ابن عباس - رضي الله عنه - يرفعه بلفظ: (إنَّ الله تجاوز ... .)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وروى عبد الرزاق 6: 409 عن الحسن - رضي الله عنه - مرفوعاً: (تُجوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه).
قال ابن أبي حاتم في العلل 1: 431 سألت أبي عنها، فقال: هذه أحاديث منكرة كأنَّها موضوعة، وقال في موضع آخر لم يسمعه الأوزاعي من عطاء ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده.
وقال عبد الله بن أحمد في العلل 1: 562 سألت أبي عنه فأنكره جداًَ، وقال: ليس يروي هذا إلا الحسن - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونقل الخلال عن أحمد قال: مَن زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنّ الله أوجب في قتل النفس الخطأ الدية والكفارة، يعني مَن زعم ارتفاعهما على العموم في خطاب الوضع والتكليف.
قال محمد بن نصر عقب إيراده: ليس له إسناد يحتج بمثله.
وقال العجلوني في كشف الخفاء 1: 552 - 523: مجموع هذه الطرق تظهر أنَّ للحديث أصلاً، لا سيما وأصل الباب حديث أبي هريرة في الصحيح عن زرارة بن أوفى يرفعه: (إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به). وينظر: تلخيص الحبير 1: 281، خلاصة البدر المنير 1: 154.
فيقدَّر في الأوَّل: «مملوكة»، وفي الثَّاني: «إثم».
ولا عموم للثَّابت بالاقتضاء؛ لعدم اللَّفظ.
قال شيخنا: ليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ المقدَّر كالملفوظ.
قلت: هذا في المحذوف لا في المقتضى، ولهذا كان التحقيق الفرق بين المقتضى والمحذوف.
ولو قدر تعارض الثَّابت بالدَّلالة والثَّابت بالاقتضاء قُدِّم الثَّابت بالدَّلالة؛ لأنَّه ثابتٌ بالمعنى اللُّغوي بلا ضرورةٍ، والمقتضى ثابتٌ (¬1) ضرورةً.
(والتَّنصيص) على الشيء باسم يدل على الذَّات دون الصِّفة، سواء كان علماً أو اسم جنس (لا يدلُّ على التَّخصيص): أي تخصيصُ الحكم بذلك الشَّيء.
وقال بعض العلماء من الأشاعرة والحنابلة وأبو بكر الدّقاق: يدلّ على التخصيص بذلك الشَّيء ونفي الحكم عمّا عداه.
لنا: أنَّه يلزم الكفر بقوله: محمد رسول الله على قولهم؛ لاقتضائه نفي رسالة سائر الرسل (¬2).
قالوا: لولا التخصيص لم يفد التنصيص.
وأجيب: بأنَّ فائدته إفهام مقصود الكلام.
¬
(¬1) في أ و ب: «بالثابت».
(¬2) ساقطة من أ.
(والمطلقُ): وهو ما دلَّ على بعضِ أفرادٍ شائعٍ لا قيد معه نحو: رقبة، (لا يحمل على المقيد): وهو الدالُّ على مدلولِ المطلق بصفةٍ زائدةٍ: أي لا يُقيَّد بقيده عندنا، وإن كانا في حادثةٍ واحدةٍ إذا كان الإطلاقُ والتَّقييدُ في سبب الحكم: كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أدّوا صاعاً من قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، عن كلّ حرٍّ وعبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ» (¬1)، رواه عبد الرزّاق وأبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة - رضي الله عنه -، وقول عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرِّ، والذَّكر والأُنثى، والصَّغير والكبير، من المسلمين»، متفق عليه (¬2)؛ إذ سبب الفطرة رأس يمونه ويلي عليه.
أو كان الإطلاقُ والتَّقييدُ في المحكوم به في حادثتين، نحو: قوله - جل جلاله - في كفَّارة الظِّهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (¬3)، وفي كفّارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (¬4)، فلا يحمل.
وإن كان في حادثةٍ واحدةٍ يُحمل ضرورةً، نحو: صوم كفَّارة اليمين، أَطلق في القراءة المتواترة، وقَيّد بالتَّتابع في القراءةِ المشهورةِ، وهي قراءةُ عبدِ الله بنِ مسعود - رضي الله عنه -، كما رواه ابنُ أبي شَيْبَة وعبد الرزَّاق من طرق (¬5).
¬
(¬1) في مسند أحمد 5: 532، وسنن الدارقطني 2: 148، ومصنَّف عبد الرزاق 3: 318، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 547، وصحيح مسلم 2: 677، والموطأ 1: 283، وغيرها.
(¬3) القصص: 3.
(¬4) النساء: 92.
(¬5) في مصنَّف عبد الرزاق 8: 513 وغيره. وعن أبي العالية عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنَّه كان يقرأها فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. في المستدرك 2: 303: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والموطأ 1: 305، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 88، وغيرها.
وإنَّما لا يُحمل المطلق على المقيَّد في غير الصُّورة التي ذكرنا؛ لإمكان العمل بهما، وكلُّ ما أمكن إعمال الدَّليلين وجب.
(والقِران في النَّظم): أي الجمع بين كلامين بحرفِ العطف، نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (لا يوجب القِران في الحكم) عندنا.
وقال بعضُهم: يوجب ذلك، فلا تجب الزَّكاة على مَن لا تجب عليه الصَّلاة بسبب ذلك؛ لأنَّ العطف موجب الاشتراك.
ولنا: أنَّ الشَّركة للافتقار لا للعطف؛ بدليل قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} (¬1) الآية.
(فصل:
المشروعات): وهي ما جعله الله تعالى شريعةً لعباده: أي طريقة يسلكونها في الدِّين (نوعان:
أحدُهما: عزيمة) من العزم، وهو القصد المؤكَّد.
وعُرِّف بأنَّه: ما ثبت ابتداءً بإثبات الشَّارع حقَّاً له.
¬
(¬1) الفتح: 29.
(وهي): أي ما يُسمّى عزيمةً (أربعة أنواع هي أصول الشَّرع): أي المشروع (الشَّريف):
1. (فرض ٌ: وهو ما): أي شيء مشروعٌ (ثبت بدليل قطعيّ): أي مقطوع به، فخرج خبر الواحد (لا شبهة فيه): أي في دلالته، فتخرج الآية المؤولّة والعامّ المخصوص.
قيل: هذا التَّعريف ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنَّوافل الثَّابتين بدليل قطعيّ لا شبهة فيه، نحو قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} (¬1).
فالصَّواب: أنَّه ما قُطِع بلزومه.
قلت: إذا أريد بالثبوت اللزوم فلا إيراد: كالأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها.
(وحكمُه): أي حكم الفرض (اللزوم تصديقاً): أي إذعاناً (بالقلب، فيُكْفر) بسكون الكاف: أي فيُنسب إلى الكفر (جاحدُه): أي منكر لزومه (وعملاً بالبدن) عطف على تصديقاً: أي وحكمه لزوم عمل المفروض بالبدن (فيفسق): أي يُنسب إلى الفسق، وهو هنا الخروج عن طاعة الله تعالى (تاركه بغير عذر) من إكراهٍ أو مرضٍ ونحوِهما.
¬
(¬1) الجمعة: 10.