شرح تصريف العزي
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح تصريف العزي
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لمَنْ يَسْتَحِقُّه في الأُولَى والأُخْرَى فِي جَمِيعِ الأمكنةِ والأَزْمان، ويَجِبُ صرف عنانِ الشُّكْرِ إلى نحوِ ثَنَائِهِ بالأَوْلَى والأَحْرَى فِي اللَّسانِ والجَنَان، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتَمَّان، على محمَّدِ عبدِهِ ورسوله الجامع لبَدِيعِ المَعَاني والبيان، وعلى آلِهِ وأصحابه وأتباعه وأحبَّائِهِ المَنْعوتينَ بكمال الإيمان وجمال الإيقان.
أما بعد:
فيقول الواثق بربهِ الباري علي بن سلطان محمد القاري: إنَّ هذا تعليق لطيف وتحقيق طَريفٌ يَحُلُّ بعض المُشكلاتِ مِن جهة المَبْنَى أو المَعْنَى في الكَلِماتِ المُعْضلات، المنسوبة إلى العلامة الرَّبَّاني والفهَّامَةِ الصَّمَدانِي، عِزّ المِلَّةِ والدِّينِ عبدِ الوَهَّابِ الزَّنجاني، عَمَلاً بما في قوله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّنينَ} [آل عمران: 79]، وقد فُسر بأنَّهم الذين يُرَبُّونَ النَّاسَ بصغارِ العُلومِ قبلَ كِبَارها. وقد قيل: إِنَّ الخَلْقَ ما حُرِموا الوصول إلَّا بتَرْكِ الأُصولِ والاسْتِغَالِ بالفُضُول. من المعلوم أنَّ أصل العلوم ومدار أساسها عِلْمُ اللُّغةِ وما يتعلق بها مِن جُزئيها وكُلّيها نبراسها، فإنَّ بهِ يَتَّضِحُ معاني الكتاب والسنة التي هي أصل المعرفةِ وفَضْلُ لِبَاسِها.
في و: جزئيتها وكليتها». في هامش و»: «النبراس: المصباح».
قال رضي الله تعالى عنه: اعْلَمْ مُخاطباً خطاب العام لطالب هذا المَرَام؛ كما قال تعالى: {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: 19] خطاباً لِمَن هَدَاهُ إلى الإعراض عما سواه. وقد سَدَّ مَسَدَّ مفعول به قوله: أَنَّ التَّصْرِيفَ في اللُّغة: التَّغييرُ واختارَهُ على الصَّرْفِ في المَبْنَى وإنْ كانَ هو أَخْصَرَ ويُشارِكهُ في المَعْنى؛ لأَنَّهُ قَصَدَ فيه التكثيرَ؛ كما في قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيح} [البقرة: 164]؛ أي: تغييرها جِهَةً وصِفةً، فتارَةً مِن اليَمينِ وأُخرى مِن اليَسار ونحو ذلك، مرَّةً حارَّةً وأُخْرَى باردةً، ورَخَاوَةً وعاصِفَة، كما يَقْتَضِي هنالك. والمراد باللغة: لسانُ العَربِ؛ فإنَّهُ مِيزانُ الأَدَب؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، ولِمَا وَرَدَ: «أَحِبُّو العَرَبَ لَثَلَاثٍ: لأَنِّي عَرَبيٌّ، وكلامُ اللهِ عَرَبيٌّ، ولسانُ أهلِ الجنَّةِ في الجنَّةِ عَرَبي.
وفي الصناعةِ: بكَسْرِ الصَّاد، وهي في اللُّغةِ: حِرْفَةُ الصَّانِعِ وعَمَلُهُ الصَّنْعَةَ، أعم من أنْ يكونَ حِسّيّاً أو معنوياً، والمراد بها هاهنا اصْطِلاحُ الصَّرْفِيِّينَ. تحويل الأصلِ الواحِدِ؛ أي: نَقُلُ المصدر على قول الأكثر والوجه المُعْتبر. إلى أَمْثلةٍ مختلفة؛ أي: أبنية متفاوتة، وهيئات مؤتلفة؛ من الماضي، والمُضارع، واسْمَي الفاعِلِ والمفعول، والجَحْدِ والنَّفْي، والأَمْرِ والنهي، وأمثالها، على وَجْهِ تفصيلها وإجمالها.
ثُمَّ أشار إلى فائدة هذا التحويل الشريف، ونتيجة هذا التبديل المنيف، حيث علَّلهُ بقوله: لِمَعانٍ مَقْصودة؛ أي: لأَجْلِ حصولِ مَطالِبَ مُرادةٍ في مَقامِ وصول لا تَحْصُلُ؛ أي: تلك المعاني المَقْصودة إِلَّا بها؛ أي: إِلَّا فِي ضِمْنِ الأمثلة المختلفة المورودة.
وبيانُهُ: أَنَّ المَصْدَرَ الذي هو الأصل مِن الضَّرْبِ والنَّصْرِ وغيرِهما يَشْمَلُ ما صَدَرَ عن واحد أو اثنين أو جماعة، سواء يكونُ مُتكلّماً أو غائباً أو مخاطباً، معلوماً أو مجهولاً، يَستوي كونُهُ في الزَّمانِ الماضي والحال والاستقبال، أو في لِبَاسِ الجَحْدِ أو النَّفْي، أو بطريق الأمر أو النَّهْي، فلا بدَّ مِن اخْتِلَافِ المَبَاني ليستفاد منهُ تَفَاوُتُ المَعاني.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللغةَ بحرٌ عميق لا يُمكن الإحاطة بجميع أجزائه إلَّا لِمَن أطلعه اللهُ عليهِ مِن أهل اصطفائهِ إلَّا أنَّ في هذه المقدمة في معرفة لغة العربية بيان بعض القواعِدِ الكُلَّيَّةِ يُسْتَخْرَجُ منها الأمثلةُ الجُزْيَّةُ، وقد أشار المصنِّفُ إلى وجه الارتباط الصُّوري بين المعنى اللغوي والاصْطِلاحي، وأفادَ أَنَّ اللُّغَوِيَّ هو المعنى الأعم، والاصطلاحي هو المعنى الأَخَصُّ الأَتمُّ، كما في سائر الاصطلاحاتِ الشَّرعيّة والاعتباراتِ العُرْفِيَّةِ، فالصَّومُ مَثَلاً هو مُطْلَقُ الإمساك،
وشرعاً: إمسالاً خاص هناك، وكذلك الحج والنِّكاحُ وأمثال ذلك. هذا، وبلسان الإشارةِ وبَيَانِ البشارة: أنَّ الله سبحانه وتعالى مَظْهَرُ الأَسماءِ والصفات، ومُظْهِرُ الأفعال والمصنوعات، فهو المصدر الحقيقي القذر، الذي يبدو منه ويَرْجِعُ إليه الأمر فليس في الكون غيرُ ذاته وصفاته، وأفعاله ومكوناته. ومن هاهنا قال بعضُ الأبرار: ليس في الدَّارِ غيرُه دَيَّار.
ثُمَّ الفِعْلُ عطف على اسم أنَّ، وهو بكسر الفاء وفتحها مصدرُ: فَعَلَ يَفْعَلُ، بفتح العين فيهما، وقد قُرِئَ بهما قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73]، إلَّا أنَّ فتحها شاذ، وكذا وَرَدَ بهما في حديثِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ وتَرْكَ المُنْكَراتِ».
والمراد هنا: كَسْرُ الفاءِ؛ لأنَّه اسم لكلمةٍ مخصوصة، وهي: ما تَدُلُّ على معنى في نَفْسِها مُقْتِرِن بأحدِ الأزمِنَةِ الثَّلاثةِ مِن الماضي والحالِ والاستقبالِ؛ ك: ضَرَبَ ويَضْرِبُ واضْرِبْ، بخلافِ الاسمِ فإنَّها كلمةٌ دالة على معنى فِي نَفْسِها غيرِ مُقْتِرِنٍ بأحد الأزمنة الثلاثة؛ ك: زيدٍ ورَجُلٍ، بخلافِ الحرفِ فإِنَّهَا تَدلُّ على معنى في غيره؛ نحو: من وإلى، والعلامات لهذهِ الكَلِماتِ في مقدِّماتِ النَّحْوِ مِن المعلومات. هذا، وفي مَشْرَبِ أهلِ التَّصرُّفِ ومَذْهَبِ أصحابِ التَّعَرُّفِ لا يَبْعُدُ أَنْ يُقالَ: إِنَّ الخَلْقَ كلَّهم بمنزلة الحرفِ، ليس لهم استقلال في الحُكْمِ والصَّرْفِ، وإِنَّما إِسنادُهم
في الإسناد، هو التَّعلُّق بذاتِ اللهِ وأسمائه وأفعاله سبحانه في جميع المراد. وإِنَّما خَصَّ المصنِّفُ الفعلَ بالذَّكرِ لأنَّ التَّصريف فيه كثير، ولمْ يُصرِّفُ مِن الأسماءِ إِلَّا قليلٌ؛ كاسْمَي الفاعِل والمفعول.
وأما الحرفُ فلا تَصْرِيفَ فيه أصلاً. والحاصل: أنَّ مفهوم الفعلِ باعتبارِ ما صَدَقَ عليه إِمَّا ثُلاثَيٌّ وإِمَّا رُباعي بضمّ أَوَّلِهما مَنْسوبانِ إلى ثُلَاثَ وَرُبَاعَ؛ لأَنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يكونَ حروفُهُ الأَصْلِيَّةُ ثلاثة ك ضَرَبَ، أو أربعة ك: دَحْرَجَ، فالأَوَّلُ الثَّلاثيُّ والثَّانِي الرُّباعِيُّ؛ إذ لَمْ يُبْنَ مِن الفعلِ الخماسي ـ بخلافِ الاسمِ: سَفَرْ جَل ـ ولا الثنائي بخلاف الاسم والحرف نحو:
من و من.
وكل واحد منهما؛ أي: من الثلاثي والرباعي إنا مجرد، أي: عن الزائد، باق على حُروفِهِ الأصليَّةِ: عَلِمَ وسَلْسَلَ، أو مَزِيدٌ فِيهِ بأنْ زِيدَ فيه على حروفه الأصلية: إمَّا حرفٌ: أَكْرَمَ وتَدَحْرَجَ، أو حرفانِ: انْقَطَعَ واقْشَعَر، أو ثلاثة ك: اسْتَغْفَرَ.
وهذا كله بحَسَبِ الاستقراء، وفيه من الإيماءِ إِلَى أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ تعالى: إِمَّا مُجرَّدُ عَدْلٍ في حَقٌّ الكفَّار، وإِمَّا مَزيدُ فضل في حَقٌّ الأبرار.
وكلُّ واحدٍ مِنْهُما؛ أي: مِن هذهِ الأربعة، وهي: الثلاثي المجرَّدُ والمَزِيدُ فيهِ، والرباعي المجرَّدُ والمَزيدُ فيه، إمَّا سالمٌ ويُسمَّى صحيحاً، أو غيرُ سالم ويُسمَّى معتلا، وذلك لأَنَّهُ إِنْ خَلَتْ حروفُ أُصولِهِ مِن حُروفِ العلَّةِ والهمزة والتضعيف - على ما سيأتي - فسالم، وإلا فغير سالم، فصارت الأقسام ثمانية.
والأمثلةُ: نَصَرَ، وَعَدَ، أَكْرَمَ، أَوْ عَدَ، دَخرَجَ، زَلْزَلَ، تَدَخرَجَ، تَزَلْزَلَ.
ونَعْني؛ أي: نُرِيدُ نحن مَعَاشِرَ الصَّرْفِينَ، اخترازُ مِن النَّحْويين؛ فإِنَّ السالم عندهم ما ليس في آخِرِه حرفُ عِلَّةٍ وإِنْ وُجِدَ فيه الهمزة والتضعيف.
بالسَّالم؛ أي: بالفعلِ السَّالم.
ما؛ أي: فعلا، أو الفعل الذي سَلِمَتْ حروفه الأصلية التي؛ أي: وهي في الاصطلاح: الحروفُ التي تُقابل بالفاء والعينِ واللَّام؛ أي: الواحدة في الثلاثي كـ:
ضَرَبَ، على زِنَةِ: فَعَلَ، واللَّامَيْنِ في الرُّباعِيُّ: دَحْرَجَ، على وَزْنِ: فَعْلَلَ. والمعنى: أنَّهم جَعَلوا الفاء والعينَ واللَّامَ ميزاناً، فكل حرفٍ مِن حُروفِ الكلمةِ وَقَعَ في مُقابلة أحدِ حُروفِ فَعَلَ فهو أصل، وما لَمْ يَقَعْ فهو زائد، ويُقابَلُ الحرفُ الزَّائدُ على الأصل بلفظ الزَّائِدِ، فيُقابَلُ ضارَبَ على فاعل، وضُورِبَ على
فُوعِلَ، وقَبِيلٌ على فَعِيلٍ، وأَكْرَمَ على أَفْعَلَ، وتَدَحْرَجَ على تَفَعْلَلَ، وإِذا حُذِفَ حرفٌ أصلي حُذِفَ في الميزان أيضاً، فيقال: وزنُ كُل على: قُلْ.
مِن حُروفِ العلَّةِ: متعلّق بـ سَلِمَتْ؛ أي: خَلَصَتْ مِن الواوِ والياء ك: وَعَدَ ويَسَرَ، والأَلِفِ المنقلبة عن أحدهما كـ: قال وباع، ودَعَى ورَمَى.
والهمزة: ك: أَمَرَ وسَأَلَ وقَرَأَ.
والتَّضْعيف؛ أي: التكرير لغةً، وأمَّا اصْطِلاحاً فهو على نوعين:
تضعيف في الثلاثي: فهو ما يكون عينه ولامه من جنس واحدٍ: مَدَّ وأَعَدَّ.
وتضعيف في الرباعي: فهو ما يكونُ في مُقابلة فائِهِ ولامهِ الأَوَّلِ جنسان، وكذا في مقابلة عينه ولامِهِ الثَّانية؛ ك: زَلْزَلَ ووَسْوَسَ.
فتقييد الحروفِ بالأصول أَخرَجَ عن السَّالِمِ نحوَ ظَلْتُ بحذفِ أَحدِ حَرْفي التضعيف، فإِنَّهُ غيرُ سالم لوجودِ التَّضعيف في الأصل، وكذا نحوِ قُلْ وبع وقه؛ لوجودِ حرفِ العلَّةِ فيها في الأصلِ، وأَدْخَلَ في السَّالِمِ نحوَ أَكْرَمَ واعْشَوْشَبَ واحْمَرَّ فإنَّها من السالم لخُلُو أُصولها عما ذكر.
وهذا التَّقسيم شامِلٌ للاسمِ أيضاً، فَدَخَلَ في السَّالِمِ ما أُبْدِلَ أَحدُ حُروفِهِ الصَّحيحة الأصلية حرف علَّةٍ؛ كالدِّينار أصلُهُ: دِنَّار بإدغامِ النُّونِ فِي النُّونِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ النُّونُ الأُولى ياءً للتخفيف، والأناسي أصلُهُ: أَناسِين جمعُ إنسان، أُبْدِلَتِ
النُّونُ ياءَ ثُمَّ أُدْغِمَتْ فيها، وكقولِ الشَّاعِرِ:
قد مَضَى يومان وهذا الثالي وأنتَ بالهُجْرانِ لا تُبال
الشَّاهِدُ في الثَّالي حيثُ أَبْدَلَ النَّاءَ المثلَّثَةَ يَاءَ مُثنَّاةٌ مِن تَحْتُ.
ودخل في غيرِ السَّالم ما أُبَدِلَ أحد حروفه العلة حرفٌ صحيح؛ ك: أُقتَتْ
والتراث، أصلهما: وُقتَتْ، والوُرَاثُ مِن الميراث.
ويَتَحصَّلُ مِن مجموع ما ذُكِرَ: أَنَّ الفعل ـ وكذا الاسم الذي من جُملة
المَصْدر - سبعة أنواع؛ لأنَّهُ:
إمَّا سالمٌ ويُسمَّى: صحيحاً؛ ك: حَمِدَ وشَكَرَ. أو غيرُ سالم وهو: إمَّا مُعتل الفاءِ ويُسمَّى: مثالاً؛ ك: وَعَدَ ويَسَرَ.
وإمَّا مُعتل العين ويُسمَّى: أَجْوَفَ؛ ك: قال وباع. وإِمَّا مُعتل اللَّامِ ويُسمَّى: ناقصاً؛ ك: عَفَا وَسَعَى.
وإنما معتل الفاء واللام ويُسمَّى: لفيفاً مَفروقاً؛ ك: وَقَى وَوَعَى. وإِمَّا مُعتل العينِ واللَّامِ ويُسمَّى: لفيفاً مَقْروناً؛ ك: طَوَى وَحَيِيَ.
ولم يُوْجَدْ ما فيه فاؤُه وَعِينُهُ حَرْفَا عَلَّةٍ؛ ك: وَيْلٍ وَيَوْمٍ.
وإما مهموز، وهو يَشْمَلُ ما كان فاؤُه أو عينه أو لامه همزةً؛ ك: أَكَلَ وسَأَلَ
وبَرِئَ، ويُسمَّى مهموز الفاء، أو العين، أو اللام.
وإِمَّا مضاعَفُ بأحدِ نَوْعَيْهِ، فيُسمَّى مضاعفاً ثلاثياً؛ كـ: مَدَّ وأَعَدَّ، ورباعياً
ك: زَلْزَلَ وسَلْسَلَ.
وقد انْتَظَمَ المجموع في هذا البيتِ إجمالياً:
صَحِيحُ مَعْ مِثَالِ مَعْ مُضاعَفِ لفيف ناقِصُ مَهْموزُ أَجْوَفُ
وقد يتركَّبُ نحو: رَأَى، وأَنَّ، ووَدَّ، ووَأَى، وجاءَ.
وقد يُنتَقَلُ من تق من تقسيمه إلى سالم وغيرِ سالم بطريق الإشارة إلى توزيع الخَلْقِ إلى مُسلم وغيرِ مُسلم؛ كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ وَمِنكُم مُؤْمِنُ} [التغابن: ?]، فالمسلِمُ الكامل كما وَرَدَ: «مَن سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانه ويده، وغيره إمَّا مُعتل بعلَّة الفِسْقِ والشَّقَاقِ، وَإِمَّا مُضَاعَفٌ لغَلَبَةِ
الكُفْرِ والنفاق، وإمَّا مهموز ومغموزّ عليه بوقوعِ الخُلْفِ وبَتَرْكِ الوفاق. ثُمَّ لَمَّا كانَ الثَّلاثي المجرَّدُ هو الأصل الذي يُبْنَى عليه غيره من المزيد والرباعي، قدَّمهُ في التفصيل الصناعي، فقال:
أَمَّا الثلاثيُّ المجرَّدُ وهو أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ سالماً أو غير سالم؛ لأنَّ المقصود بيان أبوابه السِّتَّةِ، وهو لا يختلفُ بالسَّلامةِ والعِلَّة، وفي بعض النسخ زيادة: السَّالم وهو غير صحيح؛ لأنَّ في التمثيل بـ سَأَلَ يَسأَلُ ردُّ عليهِ بوجهِ صَريح.
وفيه تنبيه نبيه على أنَّ المجرَّدَ مِن العلائق، والمتفرد عن العوائق، هو الذي يَستحِقُ التقدُّم على الخلائق، فقد وَرَدَ: سَبَقَ المتفردون»، وقال تعالى: وَالتَنبِقُونَ السَّبِقُونَ أُوْلَبِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 - 11].
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ميزانَ الماضي المجرَّدِ لا يَخْلو مِن أنْ يكونَ عينه مفتوحاً أو مكسوراً أو مضموماً، وكان القياسُ أنْ يكونَ عين مُضارِعه كذلك، فيَصيرُ تسعةَ أبواب، لكنْ لمْ يُوْجَدْ ثلاثة فاقْتَصَرت على ستَّةٍ، كما بَيَّنَهُ بقوله: فَإِنْ كَانَ ماضِيهِ؛ أي: الثَّلاثي على فَعَلَ؛ أي: على وَزْنِ فَعَلَ مَفْتوح العين بكسر الحاء وفتحها فمُضارِعُهُ؛ أي: الثَّلاثي يَفْعُلُ؛ أي: يَجيءُ على وَزْنِ يَفْعُلُ تارةً أو يَفْعِلُ؛ أي: أُخرى بضم العين؛ أي: في الأوَّلِ، أو كَسْرِها؛ أي: في الثَّاني، لفٌ ونشرٌ مُرتَّبٌ. نحو: نَصَرَ يَنْصُرُ: مثال لضمّ العين في المضارع مع فتحها في الماضي، يُقالُ: نَصَرَه؛ أي: أعانَهُ وأَغاثَهُ، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ} [التوبة: 25]. وقيل: نَصَره؛ أي: رَزَقَهُ، ومنه قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللهُ [الحج: 15]؛ أي: لن يَرْزُقه الله.
وأَقولُ: المعنَى الأَوَّلُ أَعَمُّ وأَتمُّ، والله أعلم وأحكم.
وضَرَبَ يَضْرِبُ مثال لكسرِ العينِ في المضارع مع فتحها في الماضي، يقال: ضَرَبَهُ بالسَّوط أو غيره: أَوْجَعَهُ، وضَرَبَ في الأرض؛ أي: سار فيها، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101]؛ أي: سافَرْتُم، {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} [يس: 78]؛ أي: بَيَّنَ لنا قصَّةً عَجيبةً، أو قضيَّةً غَرِيبةً.
ويَجِيءُ؛ أي: مضارعُ فَعَلَ مفتوحَ العَينِ على يَفْعَلُ مفتوح العين - وفي نسخة: بفتح العين - إذا كانَ عينُ فِعْلِهِ وهو الماضي، ولو قال: عينه ـ كما في نسخة ـ لكانَ أَخْصَرَ وأَظْهَرَ، أو لامُهُ؛ أي: لامُ فِعْلِهِ حرفاً مِن حُروفِ الحَلْقِ، وفي نسخةٍ: أَحَدَ حُروفِ الحَلْقِ.
وهي؛ أي: حروفُ الحَلْقِ ستَةٌ، ومَخارِجُها ثلاثة:
الهمزة والهاء: مِن أَقْصَى الحَلْقِ.
والعين والحاء: المهمَلَتانِ، مِن الوَسَطِ.
ومن جملة اللطائفِ: أَنَّهُ قال الإمام الأعظمُ لِمُعْتزليّ: أَينَ مَخْرِجُ الحاءِ؟ فقال: مِن وَسَطِ الحَلْق، فقال له: إِنْ كُنْتَ تَدَّعي الاستقلال في الخَلْقِ فَأَخْرِجْها من غير مَخرَجها! فبُهِتَ المُعْتَزِليُّ.
والغين والخاء: المعجَمَتانِ، مِن أدناه. نحو: سَأَلَ يَسْأَلُ: مثالٌ لِمَا عَيْنُه حرفُ حَلْقٍ.
و: مَنَعَ يَمْنَعُ: مثالُ لِمَا لَامُهُ حرفُ حَلْقٍ.
وأبي يأبى شاد: جواب عن سؤال مقدّر، تقريرُ السُّؤال: أنَّ أَبَى يَأْبَى جاة على: فَعَلَ يَفْعَلُ بفتح العين فيهما مع انتفاء الشرط، وهو كون حرف الحَلْقِ عيناً أو لاماً، وهنا حرفُ الحَلْقِ فاء.
فإن قيل: كيف يكون شاذا وهو وارد في أفصح الكلام؛ قال الله تعالى: {أَبَى
واستكبر} [البقرة: 34]، وقال: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32]؟
وأجيبَ: بأنَّ الشَّاذَ على ثلاثة أقسام:
قِسْمٌ مُخالف للقياس دونَ الاستعمال؛ كـ: استَحْوَذَ، والمَسْجِد بالكسرِ. وقِسْمٌ مُخالِفٌ للاستعمال دون القياس؛ نحو: المسجد بالفتح.
وكلاهما مقبول في مقامٍ فَصيح.
وقِسم مُخالِفٌ للقياس والاستعمال؛ كقوله:
الحمد الله العلي الأَجْلَلِ
إذ القياس والاستعمال: الأَجَلَّ بالإدغام، وهو مردودٌ غير صحيح. وقد يُجابُ بأنَّ أَبَى يَأْبَى محمولٌ على مَنَعَ يَمْنَعُ لتَوَافُقِهِما في المعنى، كما أنَّ يَذَرُ حُمِلَ عَلَى يَدَعُ في المبنى.
لا يُقالُ: وَرَدَ دَخَلَ يَدْخُلُ و نَحَتَ يَنْحِتُ وجاءَ يَجِيءُ ممَّا فِيهِ حرفُ الحَلْقِ في مُقابَلَةِ عينه أو لامِهِ ولمْ يُفتَحْ عينه. فإِنَّا نقول: لا يَلْزِمُ مِن وجودِ الشَّرْطِ حصولُ المَشْروط، بخلافِ عكسه؛
كالطَّهارة والصَّلاةِ. وأَمَّا قَلَى يَقْلَى بالفتح فلُغةُ بني عامر، والفَصيحُ الكسر.
و بَقَى يَبْقَى بالفتح فيهما لغةُ طَيِّي، والأصل كسر العين في الماضي، فقَلَبُوه فتحة واللام ألفاً تخفيفاً، وهذا القلبُ قياس عندهم.
وأَمَّا رَكَنَ يَرْكَنُ بالفتحِ فيهما فمِن تَدَاخُلِ اللُّغَتَينِ، فَإِنَّهُ جَاءَ مِن بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ و عَلِمَ يَعْلَمُ، فأُخِذَ الماضي مِن الأَوَّلِ والمضارعُ مِن الثَّاني. وإن كان؛ أي: ماضيه على فَعِلَ مكسور العينِ، فَمُضَارِعهُ يَفْعَلُ بفتح العينِ؛ نحو: عَلِمَ يَعْلَمُ، وهذا قياس مطّرد له إلَّا ما شَذَّ؛ أي: تَفَرَّدَ؛ أَي: قَلَّ ونَدَرَ، مِن نحو: حَسِبَ يَحْسِبُ بكسر العين فيهما على لغةٍ، وقرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي، والباقون بفتح السِّينِ في المضارعِ وَفْقَ القِيَاس
والمراد بـ نحوه: نَعِمَ يَنْعمُ؛ فإِنَّهُ جَاءَ بالوجهين أيضاً، وكذا ما جاءَ في الصَّحيح على منواله وهو قليل.
وأخواته؛ أي: مِن المُعتل وهو كثير، نحو: وَرِثَ يَرِثُ، ووزن يزن، ووَرعَ يَرِعُ، ووَمِقَ يَمِيُّ، ووَثِقَ يَثْقُ، ووَلِيَ يَلِي، ويَئِسَ يَيْئِسُ في لغة، وقد جاءَ بفتح الهمزة أيضاً، ففي التنزيل: أَفَلَمْ يَأْيْسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [الرعد: 31].
وأمَّا فَضِلَ يَفْضَلُ، ونَعِمَ يَنْعَمُ، ومِتَّ تَمُوتُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، فمِن التَّداخُلِ لأَنَّها جاءَتْ مِن بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ و نَصَرَ يَنْصُرُ، فأُخِذَ الأول من الماضي والمضارعُ مِن الثاني.
وإِنَّما مثلنا بـ مِتَ تَموتُ مُسنَداً إلى التَّاءِ لظهور الكسر فيهِ دُونَ غيره، فهو بكسر الميم من الماضي منقولاً إليها من الواو المحذوفة لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ.
وبهذا يَظْهرُ لك وَجْهُ القراءتَينِ في مِتُ [مريم: ??] معاً، ومتم [آل عمران: 157 - 158] و متنا} [المؤمنون: ??] بكسر الميم وفتحها. والحاصِلُ: أَنَّهُ جاء ماتَ يَموتُ كـ قالَ يَقولُ مِن بَابِ نَصَرَ، وماتَ
يَماتُ كـ خافَ يَخافُ مِن بابِ عَلِمَ، فكلُّ قراءة على مقتضى لغةٍ. وإن كان؛ أي: ماضيه على فَعُلَ مَضمومِ العِينِ فَمُضَارِعُهُ يَفْعُلُ بضم العين؛ نحو: حَسُنَ يَحْسُنُ: وفي نسخة: وكَرُمَ يَكْرُمُ، وفي أُخرى: وَأَخَواتِهِ كوَجُهَ يَوْجُهُ.
وهذا البابُ مُختص بالفعلِ اللَّازِم بخلافِ الأبوابِ السَّابقة، وقد يكونُ بعضُ الأفعال له أبواب متعدّدة كـ قنط، فإنَّه جاءَ مِن باب نَصَرَ وضَرَبَ و كَرُمَ و حَسِبَ والمعنى واحدٌ.
وقد يختلف المعنى باختلافِ البابِ في المَبْنَى، فـ لَبِسَ يَلْبَسُ مِن بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ مَصْدرُه اللُّبْسُ بالضم، ومِن بابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ مَصْدَرُه اللَّبْسُ بالفتح بمعنَى الخَلْطِ.
***
وأما الرُّباعِيُّ المُجرَّدُ؛ أي: عن الزائدِ سالماً أو غير سالم فهو؛ أي: ميزانُ
ماضِيهِ فَعْلَلَ بِفَتْحِ الفاءِ واللَّامَيْنِ وسُكون العينِ كَدَحْرَجَ فلانُ الشيء؛ أي: دَوَّرَهُ يُدَحْرِجُ دَحْرَجةً مصدرٌ قياسي، ودِحْرَاجاً بكسرِ أَوَّلِهِ مصدرٌ سَمَاعِيٌّ، وكذلك: زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ زَلْزَلَةً وزِلْزَالاً، ويُلْحَقُ بهِ نحو: هَرْوَلَ وبَسْمَلَ، ودليل الإلحاقِ اتَّحاد المَصْدَرين وزناً واختلافهما مادَّةً وأصلاً.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مصادرَ الثَّلاثيِّ المُجرَّدِ مَقْصورةٌ على السَّمَاعِ؛ كالنَّصْرِ والضَّرْب والمَنْع والسُّؤَال والعِلْم والحِسَاب والكَرَم ونحو ذلك، بخلافِ الثَّلاثَيِّ المَزِيدِ فَإِنَّ مَصادِرَها منها سماعي وأكثرها قياسي كما سيأتي مُفصَّلاً.
: وأما الثلاثيُّ المَزِيدُ فيهِ؛ أي: عَلَى حروفِ أُصوله فهو على ثلاثة أقسام؛ لأنَّ الزَّائِدَ فِيهِ إِمَّا حرفٌ واحد، أو اثْنَانِ، أو ثلاثة:
الأول؛ أي: من الأقسام الثلاثةِ: ما كان؛ أي: وُجِدَ ماضيه على أربعةِ أحرف؛ أي: مبنياً عليها، بأن يكونَ الزَّائد فيه حرفاً واحداً والباقي أصولاً، وهذا القسم ثلاثة أبواب:
منها: باب الإفعال، فماضيه كأَفْعَلَ بزيادة الهمزة المقطوعة في قوله: نحو: أَكْرَمَ إكراماً وهي للتَّعْدِيَةِ غالباً، فإِنَّ كَرُمَ مَثَلاً لازِم، فلمَّا أُدْخِلَ عليه الهمزة صار مُتَعدِّياً، يُقالُ: كَرُمَ زيدٌ، وأَكْرَمَ زِيدٌ عَمْراً، ومنه قوله تعالى: {وَأَثْمَتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] فَإِنَّهُ مُتَعدِّ، ولازِمُهُ: تَمَّ.
ومنها: بابُ التَّفْعيل وفَعَلَ بتكريرِ العين ميزانُ ماضيه، نحو: فَرَّحَ تَفْرِيحاً، أصله: تَفْرِرَحاً؛ لوجوبِ اشْتِمالِ المصدرِ على حروفِ فعلِهِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الرَّاءُ الثَّانِيَةُ من جنس حركة ما قبلها.
ثُمَّ اختُلِفَ أَنَّ الزَّائِدَ هو الأَوَّلُ أو الثَّاني؟ والوجهانِ جائزانِ عندَ. والأوَّلُ مَذهَبُ الخليل، واختارَهُ ابنُ مالكِ وجماعة، والثاني اختارَهُ ابنُ الحاجب وطائفة، وهو الأَظْهرُ فَتَدَبَّر.
وهو للتعدية أيضاً غالباً مع إفادة التكثير، ولذا جاءَ فِي وَصْفِ القرآنِ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ بالتشديد؛ لأَنَّهُ نَزَلَ مُنجماً مُفصَّلاً، وفي حقٌّ غيره من الكتب: مُنْزَل بالتَّخفيف؛ لأنَّه نَزَلَ مُجْمَلاً ومُكمَّلاً. ومن هذا البابِ - التَّفعيل - قوله سبحانه وتعالى: {وَغَلَقَتِ الْأَبْوَابَ [يوسف: 23].
ومنها: بابُ المُفاعَلَةِ وفاعَلَ بزيادةِ الألفِ بعدَ الفاءِ ميزان ماضيه، نحو: قاتَلَ مُقَاتَلَةٌ مصدر قياسي، وقتالاً مصدرٌ سَماعي، وجاء: قِتَالاً، بتشديدِ التَّاءِ وقيتالاً بالياء، وأصلُهُ أنْ يكونَ الفعلُ بين اثنين فصاعداً؛ يَفْعَلُ أحدهما بصاحبِهِ ما يَفْعَلُ الصَّاحِبُ به نحو: ضارَبَ زيدٌ عَمْراً، ويكونُ البادِئُ هو الأَوَّلَ، فتأمل. والثاني من الأقسامِ الثَّلاثةِ ما كان؛ أي: ماضيه على خَمْسةِ أحرفٍ بأنْ
يكون الزائد فيه حَرْفَينِ، ومجموعه خمسة أبواب، وهو على نوعين: إِمَّا أَوَّلُه التَّاءُ مِثْلَ: تَفَعَلَ بزيادةِ التَّاءِ وتكرير العين نحو: تَكَسَّرَ تَكَسُّراً بضم السين للمُغايرة، وهو المُطاوعةِ فَعَلَ بتشديد العين، نحو: كسَّرْتهُ فتَكَسَّرَ، وقَطَّعْتُهُ فَتَقَطَّمَ وقد يجيء للطَّلَبِ، نحو: تَكَبَّرَ؛ أَي طَلَبَ أنْ يكونَ كبيراً، وكذا: تَعَرَّفَ وتَعَلَّمَ؛ أي: طَلَبَ المَعرِفةَ والعِلْمَ والتَّكَلُّفِ؛ نحو: تَزَهَّدَ وتَحَلَّمَ؛ أَي: تكلَّفَ الزهد والحِلْمَ. والفرقُ بينهما: حصول أصل الفعل صورةٌ في التَّكَلُّفِ دونَ الطَّلَب.
وتَفَاعَلَ بزيادةِ التَّاءِ والألِفِ نحو: تَبَاعَدَ تَبَاعُداً بضم العينِ، وهو لِمَا يَصْدُرُ من اثنين فصاعداً، نحو: تَضَارَبَا تَضَارَبوا، وقد يكونُ لمُطاوَعَةِ فَاعَلَ؛ نحو: باعَدْتُه فتَباعَدَ. وللتَكلُّف؛ نحو: تَجَاهَلَ؛ أي: أَظْهَرَ الجَهْلَ مِن نَفْسِهِ بخلافِ المُتجَاهِلِ. وإما أوَّلُهُ الهمزة مثلَ: انْفَعَلَ بزيادة الهمزة والنُّونِ نحو: انْقَطَعَ انْقِطاعاً، وهو المُطاوعةِ فَعَلَ بالتَّخْفِيفِ؛ نحو: قَطَعَهُ فَانْقَطَعَ.
وافتعل بزيادة الهمزة والنّاءِ نحو: اجْتَمَعَ اجْتِمَاعاً وهو للمُطاوعة أيضاً؛ نحو: جَمَعْتُه فاجْتَمَعَ، وللمبالغة في المعنى؛ للزيادة في المَبْنَى، ومنه قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].
وبمعنَى: تَفَاعَلَ، ومنه قوله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُوا} [الحج: 19]؛ أي: فَوْجَانِ اخْتَصَموا.
وافعل بزيادة الهمزة وإحدى اللَّامَيْنِ نحو: احْمَرَّ احْمِراراً؛ أي: اشْتَدَّ حُمْرته، وهو للمُبالَغةِ، ولا يكونُ إلَّا لازماً، واخْتَصَّ بالألوانِ والعُيوبِ الظَّاهرة. والثَّالثُ؛ أي: مِن الأقسامِ الثَّلاثِةِ ما كان؛ أي: ماضيه على ستّة أحرف بأنْ يكونَ الزَّائدُ فيهِ ثلاثة أحرف؛ نحو: اسْتَفْعَلَ، بزيادة الهمزة والسِّينِ والتَّاءِ؛ نحو: اسْتَخْرِجَ استخراجاً وهو لطلَبِ الفِعْلِ؛ نحو: استَغْفَرَ رَبَّهِ؛ أَي: طَلَبَ مَعْفِرتَهُ. وافْعَال بزيادة الهمزة والألف وإحْدَى اللَّامَيْنِ؛ نحو: احْمَارَ احْمِيْراراً وهو أبلغُ مِن احْمَرَّ؛ لأنَّ زيادةَ المَبْنَى تَدُلُّ على زيادة المعنَى.
وافْعَوْعَلَ بزيادة الهمزة والواوِ وإحْدَى العَيْنينِ؛ نحو: اعْشَوْشَبَ المكانُ اعْشِيْشاباً؛ أي: كَثُرَ عُشْبه؛ أي: كَلَؤُه ما دامَ رَطْباً، وهو للمُبالَغةِ. وافْعَوَّلَ بزيادة الهمزة والواوَيْنِ؛ نحو: اجْلَوَّزَ بهِمُ السَّيرُ؛ أي: دامَ مَعَ السُّرْعةِ اجْلِوَّازاً بكسر اللام وتشديد الواو.
وافْعَنْلَلَ بزيادة الهمزةِ والنُّونِ وإِحْدَى اللَّامَيْنِ؛ نحو: اقْعَنْسَسَ اقْعِنْساساً؛ أي: ذَهَبَ صدرُه إِلى خَلْفِه.
وافْعَنلَى بزيادة الهمزةِ والنُّونِ والألِفِ للإلحاق؛ نحو: اسْلَنْقَى اسْلِنْقاء؛ أي: وَقَعَ على القَفَا.
هذا، وفي لسان أهل البيان من أربابِ العِرْفانِ: أَنَّ مَزِيدَ الفَضْلِ في أفرادِ الإنسانِ: إِمَّا بمجرَّدِ الإيمان، أو بانضمام الإيقان، أو بإتمام الإحسان.
فالأوَّلُ للعَوام من الأولياء، والثاني للخَوَاصٌ مِن الأصفياء، والثالث للأخَصَّ مِن الرُّسُلِ والأنبياء.
وكذا المراتبُ الثَّلاثةُ مُعْتبَرةٌ في كلّ صفة وحالة كما هو مسطور في منازل السائرينَ ومَراحِلِ الطَّائِرِينَ، وبيانه: أَنَّ التَّقْوَى أقلُّ مَراتِبِها مِن الشِّرْكِ ونحوه، وأَوْسَطُها مِن الذَّنْبِ وعَمْدهِ، وأَعْلاهُ التَّقْوَى مِن خُطورِ ما سِوَى اللَّهِ. وفَسِّر على هذهِ الصِّفاتِ بَقِيَّةَ المَقامات.
***
وأما الرباعي المَزيدُ فيهِ؛ أي: حرفٌ أو حَرْفانِ، فَأَمْثَلْتُهُ؛ أي: أبنِيَةُ أبوابه ثلاثة:
تَفَعْلَلَ بزيادةِ التَّاءِ؛ ك: تَدَحْرجَ تَدَحْرُجا، بضمّ الرَّاءِ فَرْقاً بينَهُ وبينَ فِعْلِهِ، وأُلْحِقَ بهِ: تَمَسْكَنَ؛ أي: أَظْهَرَ المَسْكَنةَ؛ أي: السُّكونَ.
وافْعَثْلَلَ بزيادة الهمزةِ والنُّونِ ك: احْرَنْجَمَ احْرِنْجاما؛ أي: ازْدَحَمَ. والفرقُ بينَ بابي اقْعَنْسَسَ واحْرَنْجَمَ: أَنَّهُ يَحِبُّ فِي الْأَوَّلِ تكريرُ اللَّامِ فِي الموزون دونَ الثَّاني؛ لأنَّ الأَوَّلَ ثُلاثيُّ الأصول والثاني رُباعِيُّ الأُصولِ.
وافْعَلَل بزيادة الهمزة واللام، فهو بسكون الفاء وفتح العين، واللَّامُ الأولى مخفّفة والأخيرة مشدّدة كـ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ اقْشِعْراراً بكسرِ الشَّينِ؛ أي: أَخَذَتْهُ قُشَعْرِيرةٌ؛ أي: رِعْدة، ومنه قوله تعالى: {نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23]. وبلسان أرباب الإشارة: الزيادة في الكُمَّل لا يكونُ إِلَّا بِمَرْتبتين بالنِّسبة إلى من دُونَهم في الدُّنيا، وبالدَّرَجتَينِ في العُقْبَى، أعني بهما مقامي: الكَمَالِ والتكميل.
***
[تقسيم الفعل إلى مُتعدّ ولازم]
تنبيه؛ أي: هذا إعلام بما وَقَعَ مُجْمَلاً ويَحتاجُ إلى بيانِهِ مُفصَّلاً: الفِعْلُ؛ أي: جِنسهُ إِمَّا مُتَعَدَّ فهو؛ أي: المتعدِّي، الذي؛ أي: الفعلُ الذي يَتَعدَّى؛ أي: يَتَجاوَزُ مِن الفاعِلِ إلى المفعول به وهو الذي وَقَعَ عليهِ الفعلُ؛ كقولك: ضَرَبْتُ زيداً، وقد يكونُ مُتعدِّياً إلى مفعولين نحو قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، أو ثلاثة نحو قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَنكَهُمْ كَثِيرًا} [الأنفال: 43].
وإنّما قيَّد المفعول بقوله: به؛ لأنَّ المتعدِّي وغيرَه سِيَّانِ فِي نَصْبِ ما عَدَا المفعول به؛ مِن المفعول مَعَهُ، والمفعول فيه، والمفعول المطلق، والمفعول له؛ نحو: اجْتَمَعَ القومُ والأميرُ في السُّوقِ يومَ الجُمُعةِ فوقَ السَّطْحِ اجْتِمَاعاً لتأديب زيد، أو تعليماً له. ويُسَمَّى المتعدِّي أيضاً: واقعاً لوقوعه على المفعول به، ومُجاوِزاً لمجاوَزَته الفاعِلَ، بخلافِ اللَّازِمِ لفاعِلِهِ التَّام به غيرِ مُحتاج إلى غيره.
وإِمَّا غيرُ مُتَعد، وهو؛ أي: غيرُ المتعدِّي الذي؛ أي: الفعلُ الذي لَمْ يَتَجاوَزْ - وفي نُسخة: لم يُجاوِز - الفاعل؛ أي: فاعِلَه؛ كقولك: حَسُنَ زِيدٌ، فإنَّ الفعل الذي هو الحُسْنَ لَمْ يُتَصوَّرْ أنْ يَتَجاوَزَ زيداً، بل ثَبَتَ الحُسْنُ فيه.
ويُسَمَّى غيرُ المتعدِّي: لازماً؛ للزومِهِ على الفاعِلِ وعَدَمِ تَجاوُزه عنه، و: غير واقع؛ العَدَمِ وقوعه على المفعول به، ويُسمَّى: قاصراً؛ لقَصْرِه على الفاعِلِ وعدمِ تجاوزه إلى المفعول به.
فالنَّحْوي مشغول بزيد وعمرو ونحوه، والصُّوفي مشغول بأمرِ اللهِ ونَهْيهِ، والاستغراق في بحرِ شُهودهِ ومَحْوِهِ.
قوله: «فالنحوي، كذا وقعت في ط و و دون تقديم، ولعل هذا من باب الإشارة كما جرت عادة المؤلف من تعقيب كل فقرة بنحو ذلك.
وتُعَدِّيهِ؛ أي: وتُعَدِّي أَنتَ الفعل، وفي بعض النسخ: وَتَعْدِيَتُه؛ أي: وجَعْلُ اللَّازِمِ متعدِّياً في الثَّلاثيِّ المُجرَّدِ - أي: خاصَّةً ـ بأحدِ الشَّيْتَينِ:
بتضعيف العين؛ أي: بنقل الفعل الثلاثي المجرَّدِ واللَّازِمِ إلى بابِ التَّفْعِيل ليَصِيرَ مُتعدِّياً.
وبالهمزة؛ أي: وبنقله إلى باب الإفعال لذلك.
كقولك: فرَّحْتُ زيداً بتشديدِ الرَّاءِ، فإنَّ قولك: فَرِحْتُ ـ ثلاثياً مجرَّداً - لازِمٌ، فلمَّا قُلْتَ: فَرَّحْتُهُ بزيادةِ أحدِ الرَّاءَيْنِ صار متعدِّياً.
و: أَجْلَسْتُهُ فإنَّ قولك: جَلَسْتُ لازمٌ، فلما قلتَ: أَجْلَسْتُهُ بزيادة الهمزة صار متعدّياً.
وبحرف الجر؛ أي: وتُعَدِّيه بحروفِ الجار في الكلِّ مِن الثَّلاثيِّ والرُّباعِيِّ، مُجرَّداً أو مَزيداً فيه؛ لأنَّ حروف الجارٌ وُضِعَتْ لتَجُرَّ معاني الأفعالِ إلى الأسماءِ؛ نحو: ذَهَبْتُ بزيد، وانْطَلَقْتُ به فإِنَّ ذَهَبَ وانْطَلَقَ لازمانِ، فلمَّا أَتَيْتَ بالجار والمجرور ظاهراً أو مضمراً صارًا متعديين. قال الرَّضِيُّ: ولا يُعَدَّى كلُّ فعل بالهمزةِ والتَّضِعِيفِ، فَإِنَّ النَّقْلَ مِن المجرَّدِ إلى بعض الأبواب المشعَّبة موكول إلى السَّماع، فلا تَقُولُ: ذَهَبْتُ خالداً، ولا: أَنْصَرْتُ زيداً عَمْرواً، بخلاف: عَلَّمْتُ زيداً بَكراً.
وهذا باعتبارِ التَّصَرُّفِ، وأما في طريقِ التَّصَوُّفِ، فَكُلِّ مِن العلمِ والظَّلْمِ يَكونُ قاصراً ومتعدّياً، والعِلْمُ المتعدِّي هو الذي يَتَجاوَزُ نَفْعُهُ إلى غيرِه بتعليمٍ ووَعْظِ وتدريس وتصنيف ودلالةٍ إلى غيره، والقاصِرُ هو الذي يكون نافعاً لنَفْسِهِ؛ لاشتغاله
بعبادة ربَّهِ، ودَفْعِ شَرِّهِ وضَرِّهِ، ولا شكّ أنَّ الأَوَّلَ أفضل، ومِن ثَمَّةَ قال عليه السَّلامُ:
فَضْلُ العالم على العابِدِ كَفَضْلي على أَدْناكُم، وفيه مبالغةٌ لا تَخْفَى.
وكذا الظُّلم تارةً يكون قاصراً على صاحبه ولا يتجاوَزُ ضَرَرُه إلى غيره كما في حُقوقِ الله تعالى، وأُخرى يكونُ متعدِّياً إلى غيره كحُقوقِ العِبَادِ، وهذا أعظمُ ضَرَراً وأشدُّ خَطَراً.
وحاصله: أن العلم المتعدّي بمنزلة العِلْمَيْنِ، والظلم المتعدي في مرتبة ظلمين، وأكبر العلم هو معرفة الله، وأعظمُ الظلم هو الشرك بالله، وأقله خُطورُ إرادة ما سواه كما قال العارف ابن الفارض:
ولو خَطَرتْ لي في سِوَاكَ إرادة على خَطَرِي سهواً حَكَمْتُ بردتي
***
فصل
في أَمْثلةِ تَصْرِيفِ هذه الأفعال
أي: في بيان تفصيل أبنية الماضي والمضارع وما أُخِذَ منه؛ مِن الأمرِ والنَّهْي، والجَحْدِ والنَّفْي، ونحو ذلك؛ مِن فعل الثلاثي والرباعي، المجرَّدِ أو مَزِيدٍ فيه، السَّالِمِ أو غيره، ممَّا أُشير فيما هنالك.
وقَدَّمَ الفعل الماضيَ لتَقدُّمِ زَمانِهِ على الحال والاستقبال، مع اختصاصه به على وجه الاستقلال، فقال:
[الفعل الماضي]
أما الماضي؛ أي: من الأفعال فهو الفِعْلُ الذي دَلَّ على معنى؛ أي: حَدَثٍ مِن الضَّربِ ونحوِه وُجِدَ ذلك الحَدَثُ في الزَّمانِ الماضي فالماضي الأوَّلُ صناعي والثاني لُغَوِيٌّ، فلا يَلْزِمُ تَصريفُ الشَّيء بِنَفْسِهِ، ولا حصولُ الدَّوْرِ فِي حَدِّه. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الماضي إمَّا مَبْني للفاعل، أو مبني للمفعول، ولكلِّ منهُما عَلَامةٌ في المَبْنَى ليكونَ تَفْرِقةً في المعنى: 1 - فالمبني للفاعل منه؛ أي: من الماضي؛ أي: الفعل الماضي الذي كانَ؛ أي: استَمَرَّ أَوَّلُه؛ أي: أوّلُ حُروفِهِ مفتوحاً نحو: نَصَرَ أو أَوَّلُ متحرك منه مفتوحاً نحو: اجْتَمَعَ، فإِنَّ أَوَّلَ متحرِّكِ مِن افْتَعَلَ هو التَّاءُ، وهو مفتوح؛ لأنَّ الفاء ساكنة، والهمزة غيرُ مُعتد بها لسقوطها في الدَّرْج. وأو للتنويع؛ أي: ما كان على أَحَدِ هَذَيْنِ الوجهَيْنِ. ومثاله؛ أي: مِثالُ الماضي المبني للفاعِلِ: نَصَرَ للغائبِ المُفرَدِ، ويُسْنَدُ تارةً إلى مُظْهَر؛ نحو: نَصَرَ زيدٌ وأُخرى إلى مُضْمَرِ نحو: زِيدٌ نَصَرَ، نَصَرَا المُثَنَّاهُ، نَصَرُوا الجَمْعِه، وقد يُحْذَفُ واوه للضَّرورة في الوزن؛ كقوله:
فلَوْ أَنَّ الأَطِبّا كانُ حَوْلي
بضم النُّونِ؛ أي: كانوا.
نَصَرَتْ للغائبةِ المُفْردةِ، نَصَرَنَا لِمُثَنَّاها، نَصَرْنَ لجَمْعِها.
نَصَرْتَ للمُخاطَبِ الواحدِ، نَصَرْتُما لمُثَنَّاهُ، نَصَرْتُمْ لَجَمْعِهِ. نَصَرْتِ للمُخاطَبَةِ الواحدة، نَصَرْتُما لمُثنَّاها، فهي كلمةٌ مشتَرَكَةٌ، نَصَرْتُنَّ لجَمْعِها.
نَصَرْتُ للمُتكلّم الواحِدِ مُذكَّراً كانَ أو مُؤنَّثاً، نَصَرْنَا؛ أي: مع غَيْرِه، أو
للمُعَلِّمِ نَفْسَه كقوله تعالى: {إِنَّافَتَحْنَا لَكَ} [الفتح: 1].
وقس على هذا المَذْكورِ مِن تَصْرِيفِ نَصَرَ على وزنِ فَعَلَ مَوْزُونَاتِ فَعْلَلَ كـ: دَحْرَجَ، وتَفَعْلَلَ ك: تَزَلْزِلَ، وافْتَعَلَ: اجْتَمَعَ، وانْفَعَلَ: انْقَطَعَ، واسْتَفْعَلَ ك: استَغْفَرَ وافْعَنْلَلَ: احْرَنْجَمَ واقْعَنْسَسَ، وَتَصَارِيفُها واضحةٌ. وافعال ك احمار، احْمِراراً، اخماروا اخمارتْ احْمارتا، احْمَارَرْنَ بفتح
الرَّاءِ، وكذا إلى آخِرِه.
وافْعَلَلَّ كـ: اقْشَعَرَّ، وتَقولُ في الفَكِّ: اقْشَعْرَرْنَ، بفتح الرَّاءِ أَيضاً.
وافْعَوْعَلَ كـ: اعْشَوْشَبَ .. إلخ، وكذلك سائر الأبواب.
ومِن المُشْكِل في الجُملة: افْعَنْلَى: اسْلَنْقَي اسْلَنْقَيَا اسْلَتَقَوْا، اسْلَنقَتْ اسْلَنقَتَا، اسْلَنقَيْنَ .. إلخ، بفتح القافِ في الكُل، وسيأتي بيانُ إِعْلَالِ اسْلَنْقَوْا وَاسْلَنْقَيَا واسْلَنقَيْنَ في المُعْتَلاتِ عند نحوها مِن الكَلِماتِ.
ولا تعتبر أنت، بصيغة النهي، وفي بعض النسخ مبنيا للمفعول بصيغة النَّفْي، فيَختِلِفُ إعرابُ حَرَكات الأَلِفاتِ؛ أي: الهَمْزاتِ فِي صُوَرِ الأَلِفات في الأَوَائل؛ أي: أوائل الكلمات الواقعة في أبوابِ افْتَعَلَ وانْفَعَلَ واسْتَفْعَلَ ونحوه مما في أوَّلِهِ همزة زائدة، سِوَى باب الإفعال لأنَّ همزته مقطوعةٌ مفتوحة، بخلاف غيرها إذ هي موصول موصولة مكسورة.
فإنَّها؛ أي: هذهِ الأَلِفاتُ زائدة لدفع الابتداء بالسَّاكِنِ تَثْبُتُ فِي الابْتِدَاءِ
للاخْتِيَاحِ إليها وتَسْقُطُ فِي الدَّرْجِ؛ أي: في وَسَطِ الكلام للاسْتِغْناء عنها.
? - والمبني للمفعول منه؛ أي: من الماضي، وهو؛ أي: المبني للمفعول مُطْلَقاً سَواءٌ كَانَ مِن الماضي والمُضارع أو غيرهما الذي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه؛ أي: لَمْ يُذْكَرْ فَاعِلُه معه في تركيبه، وهذا المَقالُ ممَّا يَصْلُحُ للمثال؛ كما يُقالُ: ضُرِبَ زِيدٌ، فيُرْفَعُ زِيدٌ لقيامِهِ مَقامَ فاعِلِهِ، ويُسمَّى: نائب الفاعِلِ، وقد يُقالُ له الفاعِلُ أيضاً مَجازاً - وهو مفعولٌ، وحَقَّهُ النَّصْبُ لِبَاسَ فَاعِلِهِ مِنَ الرَّفع؛ لوُقوعِهِ فِي مَحلَّه.
والجملة مُعترِضةٌ بينَ المبتدأ السَّابِقِ وخبره اللَّاحِقِ، وهو قوله ما كانَ؛ أي: الفِعْلُ الماضي الذي كانَ أوَّلُه مضموماً حقيقةً أو حُكْماً كـ: فُعِلَ نحو: نُصِرَ وقِيْلَ، وفُعْلِلَ كـ: زُلْزِلَ، وأُفْعِلَ كـ: أُكْرِمَ، وفُعَلَ بتشديد العين كـ: نُزِّلَ. ونُوْعِلَ كـ قُوتِل مجهول، قاتَلَ بقَلْبِ الألِفِ واواً لانْضِمَامِ ما قَبْلَها، ومنه
قوله تعالى: مَا وُرِى} [الأعراف: ??] فإِنَّهُ مجهول: وارَى.
يعني جملة المتن: «وهو الذي لم يسم فاعله».
وتُفُعَلَ بضم التَّاءِ والفاء أيضاً؛ لأَنَّكَ لو قُلْتَ: تُفَعَلَ، بضم التَّاءِ فقط لَالْتَبسَ
بمضارع فَعَلَ بتشديد العينِ: إِمَّا في حالةِ الوَقْفِ، أو النَّصْبِ، أو مُطْلَقاً؛ لأَنَّ مِثْلَ هذا التَّغَايُرِ مِمَّا لا يُعْتَدُّ به لرَفْعِ اللَّبْس.
وتُفُوعِلَ؛ أي: وكذا قالوا في مَجْهولِ تَفَاعَلَ: تُفُوعِلَ بضم التَّاءِ والفاء، إذ لو اقتصروا على ضم التاء وقالوا: تُفَاعِلَ، لَالْتَبَسَ بمضارع فاعَلَ، ثُمَّ قلبت الألف واواً لانضمام ما قبلها.
أو كانَ أَوَّلُ مُتَحَرِّكِ منهُ مَضموماً حقيقةً نحو: افْتُعِلَ كـ: اجْتُمِعَ، بضم التَّاءِ الملفوظة، أو حُكْماً كـ اختير، بضم التَّاءِ المقدَّرة؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ متحرك منه كما تقدَّمَ في المَبْني للفاعِلِ، واسْتُفْعِلَ نحو: اسْتَغْفِرَ، بضم التّاء.
وهمزةُ الوَصْلِ فيما أَوَّلُ متحرك منهُ مَضْمُومٌ تَتْبَعُ هذا المضموم - الذي هو هو أوَّلُ مُتحرِّك - في الضَّم، يعني: يكون مضموماً عند الابتداء؛ كقولك مبتدئاً: اسْتُخْرِجَ المال، بضم الهمزة لمتابعة التَّاء، ومنه قوله تعالى: أَجْتُنَّتْ [إبراهيم: 26]، واسْتُحِق.
وما قَبْلَ آخره؛ أي: آخِرِ المَبْني للمفعول يكون مكسوراً أبداً حقيقةً نحو نُصِرَ زيدٌ، واسْتُخْرِجَ المال، أو حُكْماً؛ نحو: بِيْعَ، وانْقِيدَ، وَاخْتِيرَ، ومُدَّ مجهولاً، وقرأَ عَلْقمة: {رِدَّت إليْنَا} [يوسف: 65] بكسر الراء المنقولة1، وكذا: وَلَوْ رِدُّوا العَادُوا} [الأنعام: ??] 3.
انظر: «المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات» لابن جني 1/ 345. وهي قراءة يحيى بن وثاب والنخعي والأعمش. انظر: المحرر الوجيز» ?/ ???.
[الفِعْلُ المضارع]
وأمَّا المُضارعُ؛ أي: الفعلُ المُضارع فهو ما؛ أي: الفعل الذي يكونُ أَوَّلُه إحْدَى الزَّوائِدِ الأربع؛ أي: الدَّاخِلَةِ على حُروفِ الماضي، وهي: الهمزةُ والنُّونُ والياء؛ أي: التَّحتيَّةُ، والتَّاءُ الفَوقِيَّةُ.
يَجْمَعُها - أي: تلكَ الزَّوائدَ - قولُكَ: أَنَيْتُ بِفَتْح التَّاء وضمها مِن: أَنَّى يَأْنِي، بمعنى: حانَ، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16].
أو: أَتَيْنَ، أو: نَأْتي، أو: نَأَيْتُ على ما في نُسخةٍ.
وإِنَّما زادوها فَرْقاً بَيْنَه وبَيْنَ ماضيه، وبهذا يندفِعُ تَوَهُمُ كونِ: أَكْرَمَ، وَتَكَسَّرَ، ونَرْجس، ويَرْنَى، داخلاً في تَعْرِيفِهِ.
الهمزة للمتكلّم وَحْدَه نحو قوله تعالى: {أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} [هود: 34]، و: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ
والنُّونُ للمتكلّم إذا كان معه غيره نحو قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين، أو للمُعَظَمِ نَفْسَه نحو قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3].
والتَّاءُ للمُخاطَبِ مُفْرَداً نحو: أَنتَ تَنْصُرُ، ومُثَنَّى نحو: أَنتُمَا تَنْصُرَانِ، ومَجْموعاً نحو: أنتُم تَنْصُرُونَ، مُذكَّراً كانَ المُخاطَب في هذه الثلاثة أو مُؤنَّثاً ففي جمع الإناث المخاطَبَةِ تقولُ: أَنْتُنَّ تَنْصُرْنَ، وفي الواحدة المخاطَبَةِ: أنتِ تَنْصُرِينَ، وللغائِبة المُفْردةِ نحو: هي تَنْصُرُ، ولمُثَنَّاها نحو: هما تَنْصُران. والياء للغائبِ المُذكَّرِ مُفْرَداً نحو: هو يَنْصُرُ، ومُثَنَّى نحو: هما يَنْصُرانِ،
بفتح الياء وسكون النون رملة في ديار بني سعد
ومجموعاً نحو: هم يَنْصُرون، ولجَمْعِ المُؤنَّثِ الغائبة نحو: هُنَّ يَنْصُرْنَ، وَجَاءَ جَمْعُهُنَّ بِالتَّاءِ فِي لُغةٍ وقراءةٍ غَريبَةٍ حَكَاها يونُسُ عن أَبي عَمْرٍو، فَإِنَّهُ رَوَى: تَتَفَطَّرْنَ بالتَّاءَينِ في قوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} [الشورى: 5].
ثُمَّ اعتُرِضَ بأنَّ الياءَ اسْتُعْمِلَ في حقٌّ الله سبحانَهُ، وهو مُنزَّه عن كونه غائباً ومُذكَّراً.
وأُجيبَ: بأَنَّهُ إِذا قيل: اللَّهُ يَحْكُمُ، فـ اللهُ لَفْظُه مذكَّرُ غائبٌ؛ لأَنَّهُ ليس بالمتكلّم ولا بالمخاطب، وهو المراد بالغائب.
ثُمَّ نحوُ: تَنْصُرُ مشترَكٌ بينَ الغائبة والمخاطَبَةِ، وتَنْصُران بين الغائبتَيْنِ والمخاطَبَيْنِ والمخاطَبَتَيْنِ.
وسُمِّيَ هذا المضارعُ والمُضارَعةُ في اللغة: المُشابهة، مأخوذاً مِن الضَّرْع، كأَنَّ كِلَا الشَّبيهَيْنِ ارْتَضَعَا مِن ضَرْعِ وَاحِدٍ، فَهُمَا أَخَوانِ رَضِاعاً.
والمضارعُ مُشابِةٌ لاسمِ الفاعِلِ في الحركاتِ والسَّكَناتِ؛ ك: يَضْرِبُ وضارِبٌ، ولمُطْلَقِ الاسم في وقوعِهِ مُشتركاً؛ كما بَيَّنَه بقوله: وهو وفي نُسخةٍ: وهذا؛ أي: الفعلُ المُضارعُ يَصْلُحُ للحال المُعبّر عنه بـ: الآنِ المتوسط بين الماضي والمُستقبل بعدَ زَمانِكَ الذي أنتَ فيهِ مِن الأحوال.
والصوفية وأرباب الأحوالِ بسببِ تَرْكِ الماضي لعَدَمِ استِدْراكِهِ، وتَرْكِ الاستقبالِ لعَدَم تَحَقِّقِ وُجودِهِ، اشْتَغَلُوا بالحالِ وأَدْرَكوا كمالَ المَنَالِ، وهذا معنى قولهم: الوقت سيف قاطع، والصُّوفي ابنُ الوقت، أو: أبو الوَقْتِ، في تعريف جامع مانع، فإنَّهم يَعُدُّونَ كلَّ نَفَسٍ مِن أنفاسِهِم نَفَساً أخيراً؛ لقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: 34]؛ أي: في النَّفَسِ الآتي، ولقولهِ عزَّ وجلَّ: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11]؛ أي: نَفَساً.
وقد وَرَدَ: وليس يَتحَسَّرُ أهل الجنَّةِ إِلَّا على ساعةٍ مَرَّتْ بهِمْ ولم يَذْكُرُوا اللهَ فيها.
ومن كلام بعض الأكابر: الدُّنيا ساعة فاجْعَلْها طاعة، نَسأَلُ اللهَ التَّوفيق والاستطاعة.
تقولُ: يَفْعَلُ؛ أي: زيدٌ الآنَ؛ أي: بهذا القيد ونحوه، ويُسمّى؛ أي:
المضارعُ حِينَئِذٍ: حالاً وحاضراً؛ أي: نقداً.
أو: يَفْعَلُ غداً؛ أي: في غدٍ ونحوه، ويُسَمَّى: مستقبلاً، بفتح الباء على المشهورِ؛ لأَنَّكَ تَستقبلُ الزَّمانَ، فهو مستقبل اسم مفعول، وبكَسْرِها لأَنَّهُ يَستقبلُكَ فهو مستقبل اسم فاعل.
ثُم قيل: المضارع موضوع للحالِ ويُستَعْمَلُ مَجازاً في الاستقبال، وقيلَ بالعَكْسِ في المقال، والصَّحِيحُ أَنَّهُ مُشتَرَكُ بينَهُما؛ لأنَّهُ يُطْلَقُ عليهما إطلاق كلِّ مُشتَرَك اشتراكاً لفظياً على أفراده، وأنَّه مع القرينة يتعيَّنُ ما دَلَّتْ عليه، وبدونها يكونُ مُجْمَلاً، ولذا قيل: وإذا أَدْخَلْتَ؛ أي: أنتَ عليه؛ أي: على المضارع المحتمل للحال والاستقبالِ السِّينَ أَو سَوْفَ الدَّالَّيْنِ على التَّأخيرِ فَقُلْتَ: سيَفْعَلُ، أو: سَوْفَ يَفْعَلُ، اخْتَصَّ أي: لن يؤخرها نَفَساً.
على البناء للفاعل، أو المفعول؛ أي: صارَ مَخصوصاً بزمان الاستقبال، وسَوْفَ أكثرُ تَنْفيساً في الإمْهَالِ لأَنَّ كَثْرَةَ المَبْنَى غالباً يَدُلُّ على زيادة المعنى.
قيل كما في نُسخةٍ: وإذا دَخَلَه لامُ الابْتِداء اختص بزمانِ الحالِ؛ نحو قولك: لَيَفْعَلُ، وهذا ما ذَهَبَ إليه الكوفيُّونَ والزَّمَخْشَرِيُّ وابن مالك وغيرهم.
وفي التنزيل: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف: 13].
واستُشْكِلَ بأنَّ هذا الفعلَ مُستقبل؛ لأنَّ فاعِلَ يَحْزُنُ - وهو الذَّهابُ - لَمْ
يُوجَدْ عندَ نُطْقِ يعقوب عليهِ السَّلامُ بـ يَحْزُنُ، ولا يَسْبِقُ الفعلُ فاعِلَه. وأُجِيبَ بأنَّ التَّقدير: قَصْدُ أنْ تَذْهَبوا به، والقَصْدُ حال، وهذا في بابِ المبالغة كمال.
وأما في قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَضَى} [الضحى: 5]، و: {وَلَسَوْفَ أَخْرَجُ حَيَّا [مريم: 66]، تَمَحَضَتِ اللَّامُ للتوكيدِ مُضمحلا عنها معنى الحاليَّة؛ لأنَّها إِنَّما تُفيدُ ذلك إذا دَخَلَتْ على المُضارع المحتمل لها، لا المستقبل؛ لصَرْفِ المُنافي لمُقْتَضاها.
وأما قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [النحل: 124] نُزِّلَ مَنزلَةَ الحال؛ إذ لا شكّ في وقوعه في المآل، وعندَ البَصْرِيِّينَ اللَّامُ للتَّوكيد فقط، فلا إشكال. وربَّما يُقالُ بلسان أرباب الأحوال: إِنَّهُ قد يَخْتَلِفُ حَالُ السَّالِكِ عندَ تَجَرُّدِهِ عن الخَلْقِ مِن الكمال، وعندَ تَعَلَّقِهِ بالغيرِ مِن النُّقْصانِ والزَّوَال.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ المضارع أيضاً إمَّا مَبْني للفاعِلِ، أو المفعول، ولكلِّ منهما وَضْع معمولٌ مَقْبول، يُسمَّى بالمعلوم والمجهول، فالمبني للفاعِل منه؛ أي: مِن المُضارع ما؛ أي: الفعل المضارعُ الذي كان حَرْفُ المضارعةِ وهي إحدَى الزَّوائِدِ الأربع منه مفتوحاً؛ أي: في غالب الأبوابِ؛ مِن الثَّلاثي المجرَّدِ والمزيد فيه وغيرهما. إلَّا ما كانَ ماضيه على أربعةِ أَحْرُفٍ؛ نحو: دَحْرَجَ مِن الرُّباعِيُّ المجرَّدِ، وأَكْرمَ وقاتَلَ وفَرَّحَ مِن الثَّلاثيِّ المَزيدِ فَإِنَّ حرفَ المُضارَعةِ منه؛ أي: ممَّا كانَ ماضيه على أربعة أحرُفٍ يكونُ مضموماً أبداً؛ أي: سواء كان مبنياً للفاعل أو المفعول، وإِنَّما يُفرَّقُ بينَهُما حينئذ بحركةِ ما قَبْلَ آخِرِهما كما سيأتي، فيُكْسَرُ في المبني للفاعِلِ نحو: يُدَخْرِجُ ويُكْرِمُ ويُقاتِلُ ويُفَرِّحُ.
وهذا كله على لغة الجارةِ للحِجازينَ، وأمَّا غيرُهم فيَكْسِرون حُروفَ
المُضارَعة، فيقولون: يعْلَمُ وتعْلَمُ وإِعْلَمُ، ونِعْلَم، ويَشْتَرِطون في كسر الياء أنْ لا يكون بعدها ياء أخرى؛ ك: يَيْسِرُ ويَيْأَسُ ويَيْجَلُ.
وأَمَّا أَهْراقَ يُهْرِيقُ و أَسْطَاعَ يُسْطِيعُ بضم حرفِ المضارَعَةِ فيهما، فبناءً على أصلهما، فإنَّ الهاء والسِّين زائدتان على خلاف القياس، فكأنهما على أربعة أحرف.
وأَمَّا يَخصِّمُونَ و يَهدِّي ففيهما لغات وقراءات ليس هذا محلَّ بَسْطِها. ولمَّا ضُمَّ حرفُ المضارَعة في المبني للفاعل من هذه الأربعة كما في المبني للمفعول، أرادَ أنْ يذكر علامة كون هذهِ الأربعة مبنياً للفاعل، فقال: وعَلَامةُ بناء هذهِ الأربعةِ نحو: يُدَخْرِجُ ويُكْرِمُ ويُقاتِلُ ويُفَرِّحُ للفاعِلِ: كونُ الحرفِ الذي قَبْلَ آخِرِه وفي نسخة: قَبْلَ الآخِرِ؛ أي: قبلَ آخِرِ كلِّ واحدٍ مِن هذهِ الأربعةِ حال كونه للفاعِلِ مكسوراً أبداً بخلافِ المبني للمفعول فإِنَّهُ فيه مفتوح أبداً، سواء كانَ المَبْني للمفعول من هذه الأربعة أو غيرها.
وبهذا التقرير يظهرُ أنَّ لفظ أبداً في المتن سهو قطعاً، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُتَكَلَّفَ ويُقال: المراد بقوله: أبداً جميعُ صِيَغهِ، أو سواءٌ يكونُ سالماً أو مُعْتلًا أو غيرهما. مثاله؛ أي: مثالُ المبني للفاعِلِ مِن يَفْعُلُ بضم العينِ: يَنْصُرُ يَنْصُرانِ يَنْصُرُونَ بالياء للغيبة تَنْصُرُ تَنْصُرانِ بالتاء للتأنيث يَنْصُرْنَ بالياء لئَلَّا يَجتمع عَلَامَتِي التَّأْنيثِ إِذ جَمْعُهما شاذَّ تَنْصُرُ تَنْصُرانِ تَنْصُرُونَ تَنْصُرِينَ تَنْصُرانِ تَنْصُرْنَ بالنَّاءِ للخطابِ في كلّها، أَنْصُرُ نَنْصُرُ.
وقد يُسْتعمل لفظ الاثنين في بعض المواضع للمُذكَّرِ الواحد؛ كقوله: فإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ [أَنْزَجِرْ] وإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعا
وكذا في الأمر، ومنه قوله:
قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبيبٍ ومَنْزِلِ
وقيل: ثُنّي للتأكيد، فإنَّهُ بمنزلة: قف قف، ومنه قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: [ق: 24]. وقد يُسْتَعْمَلُ لفظ الجمع للمُفْرَدِ تَعظيماً؛ نحو قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُونِ
[المؤمنون: 99]، وقيل: معناه: رُدَّني رُدَّني، على أنَّ التكرير للتقرير أو التكثير. وقس على هذا المذكور من تصريف يَنْصُرُ بَقِيَّةَ الأبواب: يَضْرِبُ، ويَعْلَمُ، ويُدَخْرِجُ، ويُكْرِمُ، ويُقاتِلُ، ويُفَرِّحُ ويَتكسَّرُ، وَيَتَبَاعَدُ، وَيَنْقَطِعُ، وَيَجْتَمِعُ، ويَحْمَرُّ، ويَحْمار، ويَسْتَخْرِجُ، ويَعْشَوْشِبُ، وَيَقْعَنْسِسُ، وَيَسْلَنْقِي، ويَتَدَحْرَجُ، ويَحْرَنْجِمُ، ويَقْشَعِرُّ وأمثال ذلك.
والمَبْنيُّ للمفعول منه؛ أي: مِن الفعل المضارع ما؛ أي: الفعل المضارعُ الذي كانَ حرفُ المُضارَعةِ منهُ مَضموماً وكانَ ما قَبْلَ آخِرِه مفتوحاً نحو: يُنْصَرُ ويُدَخرَجُ ويُكْرَمُ ويُقاتَلُ ويُفْرَحُ ويُسْتَخْرَجُ وتعريفها على قياس المبني للفاعل. هذا، ولا خفاءَ أَنَّ الفتحَ مُناسِبُ للكامِل، وهو المبني للفاعل، والضَّمَّ مُلائِم للدم في مقام العامل، وهو المبني للمفعول، فكما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمون والذينَ لا يَعْلَمون، كذلك لا يستوي المعلوم والمجهول عند أربابِ النُّقولِ وأصحابِ العُقول. واعْلَمْ أَنَّه يَدْخُلُ على المُضارع ما ولا النَّافِيَنانِ لمعنى الفعل ولا تُغيّرانِ صيغته؛ أي: صيغة المضارع عن هيئته وصُورتِهِ وبِنْيَتِهِ مِن الأصل، فلهُما التَّصَرُّفُ باعتبارِ المعنى لا من طريق المَبْنَى، و ما لنَفْي الحال، ولا لنَفْي الحالِ والاستقبال، وسيَجِيءُ أَنَّ لن لنَفْي الاستقبالِ، فاخْتَلَفَ الأحوال في الإعمال.
تقولُ: لا يَنْصُرُ لا يَنْصُران .. إلخ وكذلك: ما يَنْصُرُ ما يَنْصُرانِ .. إلخ. ويَدْخُلُ على الفعل المضارع الجازِمُ وهو: لَمْ، ولَما، واللَّامُ في الأمر، و لا في النَّهْي، و إنْ الشَّرْطَيَّةُ وأخواتها البَقِيَّة.
فيَحْذِفُ؛ أي: من آخِرِ المضارع حركة الواحدِ حقيقةً؛ نحو: لَمْ يَنْصُرْ وَلَمْ أَنْصُرْ، أو حُكْماً؛ نحو: لَمْ نَنْصُرْ، بسكون الراء.
و يَحذِفُ نونَ التَّثْنِيَةِ مُطلقاً؛ نحو: لَمْ يَنْصُرَا، ولَمْ تَنْصُرَا. و يَحْذِفُ نونَ الجَمْعِ المُذكَّرِ؛ أي: الغائبِ أو الحاضرِ؛ نحو: لَمْ يَنْصُروا، ولَمْ تَنْصُروا. و يَحْذِفُ نونَ الواحِدَةِ المُخاطَبَةِ نحو: لَمْ تَنْصُرِي. لأنَّ النُّونَ في هذهِ الأمثلة الخمسة كالضَّمَّةِ في الواحدِ، فَكَمَا يَحذِفُ الحركة كذلكَ يَحْذِفُ النُّونَ.
ولا يَحْذِفُ الجازِمُ نونَ جماعةِ المُؤنَّثِ؛ أي: غَيبةً وخطاباً فَإِنَّهُ؛ أي: نون جماعة المؤنَّثِ ضميرٌ كالواوِ في جَمْعِ المُذكَّرِ وهو فاعِلٌ فَلا يُحْذَفُ، فَيَثْبُتُ على كل حال سواءٌ يكون مرفوعاً أو مجزوماً أو منصوباً، بخلافِ النُّوناتِ الأُخرِ، فإنَّها علامات للإعراب. تقولُ: لَمْ يَنْصُرْ، لَمْ يَنْصُرَا، لَمْ يَنْصُرُوا لَمْ تَنْصُرْ .. إلخ.
ويدخلُ على المضارع النَّاصِبُ وهو: أَنْ ولَنْ وكَيْ وإِذَنْ، فيُبْدِلُ
مِن الضَّمَّةِ فتحة كما هو مُقْتَضَى النَّاصِبِ، فإِنَّ النَّصْبَ يكونُ بالفتحة أصالة، كما أنَّ الرَّفْعَ يكونُ بالضَّمَّةِ، والجزم بالسُّكون.
ويُسْقِطُ النُّونات لأنَّها علامةُ الرَّفع سِوَى نونِ جمعِ المُؤنَّثِ لِمَا سَبَقَ
مِن أَنَّهُ ضمير لا علامة للإعراب، فتقولُ: لَنْ يَنْصُرَ، لَنْ يَنْصُرَا، لَنْ يَنْصُرُوا إِلَى: لَنْ
أَنْصُرَ، لَنْ نَنْصُرَ.
ومعنى لن نَفْيُ الفعل للاستقبالِ مُطلَقاً، وهو الصحيحُ المشهور المختار لابن مالك، ومذهب سيبويه والجمهور، خلافاً للزمخشري حيثُ قال في «المفصل» وفي «الكشاف» أنَّها تُفيدُ التَّأكيد، وتَبِعَهُ التَّفْتازاني، وبه جَزَمَ ابْنُ
الحاجب وغيره، وقال في «الأنموذج» نقلاً عن جماعة: إنَّها تَقْتضِي التَّابِيدَ، قال في «المغني»: وكلاهُما دَعْوَى بلا دليل.
ومِن الجَوَازِمِ لام الأمر وهي مكسورة، وفتحها لغةٌ، لكنَّه إِنْ أُدْخِلَ عليها الواو أو الفاء أو ثُمَّ جازَ سكونُها للتّخْفِيفِ، قال تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَنكُوا كثيرا} [التوبة: ??]، وقال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَنَهُمْ} [الحج: 29] قُرِئَ بسكون اللَّام وكسرها في السَّبعة.
فتقول في أمر الغائبِ: لِيَنصُرْ، لِيَنصُرَا لِيَنْصُرُوا لِتَنْصُرْ، لِتَنْصُرَا، لِيَنْصُرْنَ، لأَنصُرْ لِتَنْصُرُ وجاءَ في المخاطبِ المجهولِ: لِتُنْصَرْ أَنْتَ، بضم أَوَّلِهِ وفتح ما قَبْلَ آخِرِه لِتُنْصَرَا لِتُنْصَرُوا لِتُنْصَرِي، لِتُنْصَرَا، لِتَنْصَرْنَ.
وقوله: في أمر الغائبِ إشارة إلى أنَّهُ لا يُؤْمَرُ الفاعل المخاطَبُ باللَّام؛ لأنَّ أَمْرَ المخاطبِ له صيغةٌ تَخُصُّهُ كما سيأتي، وقُرِئَ: فلْتَفْرَحوا بالخطاب، وهو شاد، وكان على المصنفِ أنْ يقول: فتقول في أمر غير المخاطَبِ؛ لِيَشْمَلَ المتكلم والمُخاطَبَ المجهول، ففي الحديث: «قُومُوا فَلْأُصَلَّ لَكُمْ»؛ أي: إماماً، وفي التَّنزيلِ: وَلَنَحْمِلْ خَطَبَكُمْ} [العنكبوت: 12].
وإذا كان المأمورُ جماعةً بعضُهم حاضر وبعضُهم غائب، فالقياس تغليبُ الحاضرِ نحوَ افْعَلا وافْعَلُوا كما في قوله تعالى: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ [الإسراء: 63].
ويَجوزُ على قِلَّةٍ إدخالُ اللَّامِ على المضارع المخاطبِ ليفيدَ التَّاءُ الخطاب واللَّامُ الغَيْبةَ، مع التنصيص على كون بعضهم حاضراً وبعضهم غائباً؛ كقوله: لِتَأْخُذُوا مَصَافَّكم»، وقد جاءَ في الضَّرورةِ حَذْفُها وَجَزْمُ الفعلِ بها؛ كقوله:
مُحمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْس
أي: وَبالاً؛ أي: لِتَفْدِ.
وأجاز الفرَّاءُ حَذْفَها في النر؛ كقولك: قُلْ لَهُ يَفْعَلْ، وحَمَلَ عليه قوله تعالى:
قُل لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ} [إبراهيم: 31]؛ أي: ليقيموها.
وقال ابن مالك: وليس بصحيح قول من قال: إِنَّ أَصلَهُ: قُلْ لهم فإِنْ تَقُلْ لهم يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ لأنَّ تقدير ذلكَ يَلْزَمُ منهُ أنْ لا يَتخلَّفَ أَحدٌ مِن المقول لهم عن الطاعة، والواقع بخلاف ذلك، فوَجَبَ إِبطالُ ما أَفْضَى إليهِ وإِنْ كان قول الأكثر 2، انتهى. قال التفتازانيُّ: والحقُ أَنَّهُ جوابُ الأمرِ والشَّرِطُ لا يَلْزِمُ أَنْ يكونَ علَّةً تامَّةٌ للجزاء، بل يَكْفِي تَوَقِّفُ الجزاء عليهِ وإنْ كان متوقفاً على شيءٍ آخَرَ ـ كالتَّوقُف4 هنا ـ نحو: إِنْ تَوَضَّأْتَ [صَحَّتْ] صَلاتُكَ.
وقيل: يجوز أن يكون المراد بالعِبَاد: خُلَّصَ المؤمنينَ، فلا يَتَخَلَّفُ أحدٌ منهُم عن الطَّاعة أصلاً.
ولا يَبْعدُ أنْ يكونَ المعنَى: يَقْبَلُوا إقامةَ الصَّلاةِ، أو: يَفْعَلُوها في الجملة، فإِنَّ هذه الأمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على الضَّلالة.
وقال بعض المحققينَ مِن أربابِ الأُصولِ: إِنَّ كلمة إنْ غَلَبَتْ في السَّبَيَّةِ، وأمَّا الآيةُ ففيها إشارة إلى أنَّ المؤمنينَ يَنبَغِي أَنْ يَتَبادَرَ إلَى امْتِثَالِ قولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حتَّى كانَ قوله: {أَقِيمُوا الصَّلوة} [الأنعام: ??] سَبَباً لإقامتهم إِيَّاهَا لا يَتَخَلَّفُ تلك الإقامةُ عن تلك المقالة.
وقال ابن الحاجِبِ: الجواب لا يَقْتَضِي المُلازَمةَ القَطْعِيَّةَ، وإِنَّما يَقْتَضِي الغالبية، وذلك حاصِل، فإِنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ للمُؤْمِنِ بإقامةِ الصَّلاةِ يَقْتَضِي إقامةَ
الصَّلاةِ غالباً.
وقس على هذا لِيَضْرِبْ و لِيَعْلَمْ، و لِيُدَحْرِج، وغيرها نحو: لِيُكْرِمْ، و: لِيَفْرَحُ، و: لِيَنْقَطِعْ، ونحوها.
ومنها؛ أي: مِن الجَوَازِمِ لا النَّاهيَةُ وهي التي يُطْلَبُ بها كَفُّ النَّفْسِ عن الفعل، وإسنادُ النَّهْي إليها مجاز كإسنادِ النَّفْي إلى لا وأمثالها؛ لأنَّ النَّاهِيَ والنَّافِيَ هو المُتكلّم بواسِطَتِها. تقولُ في نَهْي الغائب: لا يَنْصُرْ، لا يَنْصُرَا، لا يَنْصُرُوا، لا تَنْصُرْ، لا تَنْصُرَا، لا يَنْصُرْنَ، وفي نَهْي الحاضِرِ: لا تَنْصُرْ، لا تَنْصُرَا، لا تَنْصُروا، لا تَنْصُرِي، لا تَنْصُرَا، لا تَنْصُرْنَ، وهكذا قياسُ سائرِ الأَمْثِلة من نحو: لا يَضْرِبْ، و: لا يَعْلَمْ، و لا يُدَخْرِجُ، و: لا يَسْتَخْرِجْ.
وقد جاءَ في المتكلم قليلاً؛ كَلَامِ الأَمْر.
وأمَّا الأَمْرُ بالصِّيغة سُمِّيَ بها لأنَّ حُصولَهُ بالصيغة المخصوصة دونَ اللَّامِ، ولذا يقال للأمر الغائب: الأمرُ باللَّام، وهو الأمر الحاضِرُ؛ أي: المُخاطَبُ فهو جار؛ أي: باعتبارِ آخِرِه على لَفْظ المُضارعِ المَجْرُومِ مِن حَذْفِ الحركاتِ والنُّونَاتِ
التي تُحْذَفُ في المُضارع المجزوم دونَ نون جماعة الإناث كما هو المعلوم، وهذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أَنَّ الأَمَرَ مَبْنِيٌّ أُجْرِيَ مُجْرَى المضارع المجزوم.
وأما الكوفيونَ فَذَهَبوا إلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مجزوم، وأصل افْعَلْ: لِتَفْعَلْ، فحُذِفَتِ اللَّامُ لكثرة الاستعمال، ثُمَّ حُذِفَ حرفُ المُضارَعة خوفَ التَّلَبْسِ بالمضارع في بعض الأحوال.
وإذا أُجْرِيَ على المَجْرُومِ؛ فإِنْ كانَ ما بَعْدَ حرف المضارعةِ مُتحرِّكاً كـ: تُدخرِجُ، وتُعَدِّدُ، وتَقُومُ، وتبيعُ، وتَرَدَّدُ، فتُسْقِط؛ أي: أنتَ منه؛ أي: مِن المُضارع حرف المُضارَعةِ ليَتَميّز الأمرُ بهِ مِن مُضارِعه وتأتي بصورة الباقي بعدَ حَذْفِ حرفِ المُضارَعة مجزوماً؛ أي: كالمجزوم، فهو مِن بَابِ التَّشْبِيهِ البَليغ، نحو: زيد أَسَدٌ؛ أي: كأَسَدٍ، ومنه قوله تعالى: {هُمُ بكُمُ عُنى [البقرة: 18] أي: هم مِثْلُهم، أو مجزوم فيكونُ مِن قَبِيلِ المَجَازِ في الحَذْفِ، نحو: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ??]؛ أي: أهلها.
ثُمَّ إذا حَذَفْتَ حرفَ المضارعةِ وعامَلتَ آخِرَه مُعامَلةَ المجزومِ فتقولُ في الأمرِ مِن تُدَحْرِجُ دَحْرِجُ دَحْرِجَا، دَحْرِجُوا، دَحْرِجِي، دَحْرِجَا، دَخْرِجْنَ. وقد يُستعمل لفظ الجمع للواحد في موضع التفخيم؛ كقوله تعالى: {رَبِّ أرجعون [المؤمنون: 99]، ومنه قول الشاعر:
فإِنْ لَمْ أَكُنْ أَهْلاً فأنتَ لها أَهْلُ أَلَا فَارْحَمُوني يا إِلَهَ مُحَمَّدٍ وهكذا تقول في كل ما يكون بعد حرفِ المُضارَعة منه متحركاً؛ نحو: فَرخ
وقاتِلْ وتَكَسَّرْ وتَبَاعَدْ وتَدَحْرَجْ.
وإنْ كانَ ما بعده؛ أي: بعد حرفِ المضارَعة ساكناً كما في: تَنْصُرُ، فتَحْذِفُ منه حرف المضارعةِ وتأتي بصُورةِ الباقي مجزوماً؛ أي: مِثْلَ مَجزوم حالَ كونِهِ مَزيداً في أَوَّلِهِ همزةُ وَصْلِ لتَعَذُّرِ الابتداء بالسَّاكن، مكسورةً لأنَّها زِيدَتْ ساكنةً عند الجمهور؛ لِمَا في سكونها مِن تَقْلِيلِ الزِّيادةِ، ثُمَّ لَمَّا احْتِيجَ إلى تحريكها حُرِّكَتْ بالكسر كما هو الأصل في التَّحريكِ لالتقاءِ السَّاكِنَينِ؛ لِمَا بينَ الكسرِ والسكونِ مِن المُؤاخاة.
وظاهِرُ مَذهب سيبويه أَنَّهَا زِيدَتْ مُتحرِّكةً بالكسرة التي هي أَعْدَلُ الحركات؛ لأنَّها ليسَتْ في غاية مِن الثَّقَل كالضَّمَّة، ولا في نهاية مِن الخِفَّةِ كالفَتْحةِ؛ لأنَّها تحتاجُ إلى مُتحرِّك لسكونِ أَوَّلِ الكلمة، فزيادتها ساكنةً ليست بوجه.
وإِنَّما سُمِّيت همزةَ وَصْلِ لأَنَّها يُتوصل بها إلى النُّطْقِ بالسَّاكِنِ، ويُسمّيها الخليل: سُلَّمَ اللسان، لذلك.
فتكون مكسورةً في جميع الأحوالِ إلَّا في حالٍ واحدٍ وهو أنْ يكونَ عينُ المُضارع منه؛ أي: مِن الباقي، أو مِن المُضارع مضموماً فتَضُمُّها؛ أي: تلك الهمزة لِمُناسبة حركة العين، تقولُ: انْصُرْ، انْصُرَا، انْصُروا، انْصُرِي، انْصُرَا، انْصُرْنَ، ـذا اضْرِبْ واعْلَمْ، وانْقَطِعْ، وَاجْتَمِعْ، واسْتَخْرِجْ. وأَمَّا خُذْ و كُل و مُرْ فجاءَ على خِلَافِ القياس تخفيفاً، وهو مختص وكذا بالمهموز كما سيأتي في بابه.
ويُقال هنا سؤال من جهة ورود إشكال، وهو: أن أكرم بفتح الهمزة أمر من تكرم، وما بعد حرفِ المُضارَعة منه ساكن، وعَيْنه مكسورة، ومع هذا لَمْ يُزَدْ في أوَّلِهِ همزة مكسورة؟
فأجاب عنه المصنِّفُ بقوله: وفتحوا همزةَ أَكْرِمْ بناءً؛ أي: للبناء على الأَصْلِ المرفوض؛ أي: المتروكِ، فإِنَّ أصلَ تُكْرِمُ: تُؤَكْرِمُ؛ لأنَّ حروف المضارع هي حروف الماضي مع زيادة حرفِ المُضارعةِ، فَحَذَفُوا الهمزة لاجتماعِ الهمزتَيْنِ في نحوِ أُكْرِمُ، ثُمَّ حَمَلُوا يُكْرِمُ وتُكْرِمُ ونُكْرِمُ عليهِ طَرْداً للباب.
وقد اسْتَعْمَلَ الأصل المرفوضَ مَن قال:
شيخ على كرسيه مُعمَّماً فإنَّهُ أَهل لأنْ يُؤَكْرَمَا فلمَّا رَأَوْا أَنَّه تَزولُ علَّةُ الحذفِ عندَ أَخْذِ الأمر بحذفِ حرفِ المُضارَعةِ رَدُّوا الهمزة الأصليَّةَ؛ لأنَّ الهمزة الوَصْليَّةَ إِنَّما هي عند الضرورة في القضيَّة، فقالوا مِن أُكْرِمُ: أَكْرِمْ، كما قالوا مِن تُدَخْرِجُ: دَحْرِج، فلا يكونُ مِن القِسْمِ الثاني، بل من القِسْمِ الأَوَّل، فتأمل.
ولعلَّ مَقامَ الجَمْعِ في التَّفْرِقِةِ بينَ أمرِ الحاضر والغائبِ هو: أنَّ أمر الغائبِ يَحتاجُ إلى زيادة إفادة من إفخام آله لينتبه عن نومِ الغَفْلَةِ ويَأْتَمِرَ فِي مَقامِ الحَضْرَةِ، بخلافِ الحاضر فإنَّ المتبادِرَ إلى الأمر الحاضِرُ، كما قيل: العاقِلُ يَكْفيه الإشارة، بخلاف الغائب المحتاج إلى البشارة والنذارةِ.
واعْلَمْ أَنَّهُ؛ أي: الشَّأْنَ إِذا اجْتَمَعَ تاءانِ احْتِرَازُ عَن النُّونَيْنِ، فَإِنَّ التَّخفيف فيهما بحَذْفِ إحداهما قليل، كقراءة شاذَّةٍ: ونُزِّل الملائِكَة، في أوَّلِ مُضارع
مِثْلِ: تَفَعَلَ وتَفَاعَلَ وتَفَعْلَلَ احْتِرازُ عن الماضي نحو: تَتَبَّعَ وتَتَابَعَ وتَتَعْتَعَ. وذلك حال كونهِ فِعْلَ المُخاطَب أو المُخاطَبَةِ مُطْلَقاً، أو الغائبة المفرَدَةِ أو المثناة، إحداهما حرفُ المضارَعة، والثانيةُ التَّاءُ التي كانَتْ في الماضي زائدةٌ، فَخَرَجَ نحو: تَتْلو فإِنَّ التَّاءَ الثَّانِيَةَ منهُما أصليَّةٌ.
فيَجوزُ إثباتُهُما؛ أي: إبقاء التَّاءَين على حالهما كما هو الأصل فيهما، نحو:
تَتَجَنَّبُ وتَتَقاتَلُ وتَتَدَحْرَجُ أمثلة للأبوابِ الثَّلَاثَةِ مُرتَّبَةٌ.
ويَجوزُ حذف إحداهما تخفيفاً، كما يَجوزُ إدغامُ الثَّانِيَةِ فيما بعدَها إِنْ كَانَ ممَّا يُدْغَمُ فيه: مِثْلَ: تَذَكَّرُونَ، وتَسَاءَلُونَ، وتَصَّالَحَا، وهذا الحذفُ مُختص بالمبني للفاعل دونَ المبني للمفعول.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّه شذَّ زيادةُ التَّاءِ في أوَّلِ ماضي تَفَعَّل وتَفَاعَل؛ نحو: تَقَطَّعَتْ، ومنه قراءة شاذة في تَشَابَه بالتشديد.
وأغرب من ذلك زيادة الياءِ التحتيَّةِ في أوّل ماضي تفاعل؛ كقراءة:
يَشَابَه بالتشديد أيضاً.
وفي التنزيل: {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 6 والأصلُ: تَتَصَدَّى؛ أي: تَتَعَرَّضُ وتَتَوجَّه إليه، وتُقْبِلُ عليه، ولو كانَ فِعْل الماضي لقال: تَصَدَّيْتَ؛ لأنَّه خطاب له عليه السلام، وكذا قوله: {فَأَنتَ عَنْهُ نَلَقَى [عبس: 10].
و: نارا تَلَظَّى} [الليل: 14]؛ أي: تَتَلظَّى، يعني: تتلهب، ولو كان ماضياً لقال:
تَلَظَّتْ؛ لأَنَّ النَّارَ مَؤنَّثُ سَماعِيٌّ.
و نَزَّلُ الْمَلَيكَةُ} [القدر: 4]؛ أي: تَتَنَزَّلُ، وكونه مُضارِعاً واضح؛ لضم
لامِهِ، فإنَّه لو كانَ ماضياً لفُتِحَتْ. وجاءَ في التَنزِيلِ مِثْلُه في ثلاثةِ مواضِعَ أُخَرَ.
وحَذْفُ الثَّانيةِ هو الأَوْلَى مِن الأُولَى، وبه قال البَصْرِيُّون.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّه قرأ البَزِّيُّ في حالةِ الوَصْلِ بتشديدِ التَّاءِ في الأمثلة الثلاثةِ،
وكذا نظائرها في مَحَال معروفة.
ومَتَى كَانَ فَاءُ افْتَعَلَ صاداً أو ضاداً أو طاءً أو ظاءً وهي الحروفُ المُطْبَقَةُ أَخَصُّ مِن المُسْتَعْليَةِ قُلِبَتْ تاؤُه؛ أي: تاءُ افْتَعَلَ طاء؛ لتَعَشْرِ النُّطْقِ بِالتَّاءِ بعد هذه الحُروفِ، واخْتِيرَ الطَّاءُ لاتِّحادِهما مَخْرَجاً، لا لقُرْبِهما كما وَهِمَ التَّفْتازانيُّ
فتقولُ [في] افْتَعَلَ مِن الصُّلْحِ: اصْطَلحَ وفي الأصلِ: اصْتَلَحَ. و في افْتَعَلَ مِن الضَّرْبِ: اضْطَرَبَ والأصل: اضْتَربَ، والاضْطِرابُ:
الحركة والموجُ، والبحرُ يَضْطَرِبُ؛ أي: يَموجُ بعضُها بعضاً. و في افْتَعَلَ مِن الطَّرْدِ: اطَّرَدَ والأصل: اطتَرَدَ؛ أَي اسْتَمرَّ. و في افْتَعَلَ مِن الظُّلْم: اضْطَلَمَ والأصلُ: اظْتَلَمَ.
وقليلاً ما جاءَ اصَّلَحَ واضَرَبَ بِقَلْبِ الثَّاني إلى الأَوَّلِ ثُمَّ الإدغام، وهذا عكس قياس الإدغام.
وضُعَفَ: اطَّجَعَ بالطَّاءِ المهملة المشدّدة في اضْطَجَعَ؛ أي: نامَ على الجَنْبِ. وقُرِئَ بالإدغام في البعض شأنهم} [النور: 62] للسوسي، و: نَخْسِفَ بِهِمُ شدد البزي عن ابن كثير التاء التي في أول الأفعال المستقبلة في حال الوصل في إحدى وثلاثين موضعاً منها الأمثلة الثلاثة المذكورة
[سبأ: 9] للكسائي 1، و: نَغْفِرْ لَكُمْ} [البقرة: 58] للدُّوْرِيٌّ في وجه وللسُّو {الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] اللسُّوسي
وأَمَّا اطَّرَدَ فيَجِبُ الإدغام لاجْتِماعِ المِثْلَينِ في كلمةٍ.
وأَمَّا اظْطَلَمَ ففيهِ ثلاثةُ أَوْجُهِ:
الأول: إظهاره.
سي
والثاني: اطَّلم بالطَّاء المُهملة بقَلْبِ المُعْجَمةِ إليها كما هو القياس. والثَّالثُ: اظَّلَمَ بالظاء المُعْجَمةِ بِقَلْبِ المُهْمَلَةِ إليها.
ورُويَتِ الوجوه الثلاثة في قول زهير:
هو الجواد الذي يُعْطِيكَ نائِلَهُ أي: واصِلَهُ مِن العَطاءِ.
عَفْواً ويُظْلَمُ أحياناً فيَظْطَلِمُ فقوله: عَفْواً؛ أي: بسهولة ومن غيرِ مِنَةِ، ويُظْلَمُ بصيغة المجهول، فَيَظْطَلِمُ بصيغة الفاعِلِ؛ أي: فيَتَحَمَّلُ الظُّلمَ، فَجَمَعَ للممدوحِ بينَ الكَرَمِ والحِلْمِ.
وكذلك؛ أي: مِثْلُ ما ذُكِرَ مِن الإبدال والإدغامِ وبدُونِهِ جَمِيعُ مُتَصَرِّفاتهِ بكسر الراء، وفتحها لحن لِلزومِ الفِعْلِ، والمعنى: جميع ما تَصَرَّفَ فيه، والضّميرعائد إلى افْتَعَلَ مِن الصُّلْح وما عُطِفَ عليه، فهو أَوْلَى مِن تقديرِ التفتازاني: أي: مُتَصَرِّفاتِ كلّ واحدٍ منها.
فإِنَّه يَجْري ذلك فيها نحوَ اصْطَلَحَ يَصْطَلِحُ فعلٌ مُضارع اصْطِلاحاً، فهو مُصْطَلِحْ بكسرِ اللَّامِ اسم فاعل، وذاك مُصْطَلَحٌ عليه بفتحِ اللَّامِ اسمُ مفعول، اصْطَلِحْ أمرُ الحاضرِ، لا تَصْطَلِحْ نهي الحاضرِ، وكذلك: يَضْطَرِبُ فهو مُضْطَرِبٌ، ويَطَّردُ فهو مُطَّرِدٌ، وَيَظْلِمُ فهو مُضْطَلِم، وكذا: يَضْطَرُّ فهو مُضْطَرُّ مِن الضَّرَرِ، وكذا بَوَاقِي الأمثلة بأَسْرِها، فتَدَبَّر.
ومَتَى كان فاءُ افْتَعَلَ دالاً أو ذالاً أو زاياً قُلِبَتْ تاؤُه؛ أي: تاءُ افْتَعَلَ دالا مهمَلةً تخفيفاً، فتقول في افْتَعَلَ مِن الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ والذَّكْر وهو ضِدُّ النِّسْيان والزَّجْرِ وهو المنعُ والنَّهْي:
ادَّراً بتشديد المُهملة، والأصل: ادْتَراً، ولا يَجوزُ فِيهِ إِلَّا الإدغامُ؛ لاتحادِ مَخْرَجِهِما.
وادَّكَرَ بالمُهْمَلةِ المشدّدة، والأصلُ: اذْتَكَرَ، بالمُعْجَمةِ، وفيه ثلاثة أوجه: اذْدَكَرَ بلا إدغام. واذْكَرَ بالدَّالِ المعجَمةِ بقَلْبِ المهملة إليها. وادَّكَرَ بِالدَّالِ المُهمَلةِ بقَلْبِ المُعْجمةِ إليها، وهذا هو الأصح والأفصح.
وفي التنزيل: {وَاذَكَرَ بَعْدَ أُمَةٍ} [يوسف: 45]، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} [القمر: 17، 22، 32، 40].
وازْدَجَرَ والأصلُ: انْتَجَرَ، وفيه وَجْهَانِ:
البيان: وهي الفُصْحَى في اللُّغةِ، وفي التنزيل: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُحِرَ} [القمر: 9]
وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ} [القمر: 4]
والإدْعامُ بِقَلْبِ الدَّالِ زاياً؛ نحو: ازَّجَرَ، دونَ العكس فتَدَبَّرْ، ولعله لئلا يَشْتَبِهَ بـ: اتَّجَر.
وأَمَّا نحو: {فَأَذَارَةً تُمْ} [البقرة: ??] وأَثَاقَلْتُمْ} [التوبة: ??] فمِن بابِ التَّفاعُلِ، وأصلهما: تَدَارَأَتُم وتَثَاقَلْتُم، فأُبْدِلَ التَّاءُ دالاً في الأُولَى، وثاءَ فِي الثَّانِيَة، ثُمَّ أُدْغِمَتَ فاختيج إلى همزةِ الوَصْل؛ لتَعَذُّرِ الابتداء بالسَّاكن حالَ الفَضْل، فأُتِيَ بهمزة مكسورة
لأنها الأصل، ومنه قوله تعالى: {بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل: 66]؛ أَي: تَدَارَكَ. وأَمَّا المُزَّمِّلُ والمُدَّثِّرُ فمِن بابِ التَّفَقُلِ، أَصلُهما: مُتَزَمِّلٌ ومُتَدَثْرٌ، فَأُبْدِلَتْ وأُدْغِمَتْ.
ومنه قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَرْنَا} [النمل: 47]؛ أي: تَطَيَّرنا. وهذا كلُّه باعتبارِ اتَّحادِ المَخْرَجِ في بعض الصُّورِ، فَاقْتَرَبَ المَخْرِجُ في بعض آخَرَ. وفيه إشارة إلى أنَّ مَن تَقَرَّبَ إلى اللهِ وتَبَعدَ عَمَّا سِوَاهُ، وَصَلَ إلى مَقامِ لَهُ إلى الله، كما يَدلُّ عليه قوله سبحانَهُ في الحديثِ القُدْسي: «مَن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبراً تَقَرَّبْتُ إِليه ذراعاً، ومَن تَقَرَّبَ إِليَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ إليه باعاً».
وفي الحديثِ الإِنسي: «لا يزال العبدُ يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذا
أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ».
ثم الإدغام على نوعَيْنِ: مُمائِلٌ ومُتَقارِبٌ، ومثالهما في هذا المَقامِ ومَرَامِ الكِرَام أَنْ يَتَخلَّقَ الإنسانيُّ بالخُلُقِ الرَّبَّاني، إذا وَصَلَ إلى مَرتَبَةِ الكمال، وزالَ عنه التغاير في حالِ الوِصال، يُعبّر عنه بالإدغام والإدْخال، كما قال بعض أرباب الحال:
أنا مَن أَهْوَى وَمَن أَهْوَى أنا
ويُقالُ: في سير سُلوكِ عالم الملكوت، فنبت النَّاسُوت ويُنْبِتُ له اللاهوت، لكنَّه مُنَزَّه عن الحلول والاتحاد، والاتصال والانفصال، كما يَتَوَهَّمُه الوُجودِيَّةُ مِن أصحاب الإلحاد، وفقنا الله طريقَ السَّدَاد، والله رؤوف بالعِبَاد، وعَطُوفُ بالعِبَادِ، أَبد الآباد.
ويَلْحَقُ الفعل؛ أي: يَدْخُلُ آخِرَه - والمراد به جنسُه - حال كونه غير الماضي والحال، فيَلْحَقُ فِعْلَ الاستقبالِ نُونانِ للتأكيد؛ لأنَّ الطَّلبَ إِنَّمَا يَتوجَّهُ إِلى الاستقبال، لا إلى الماضي والحال، ولا يُتَوَهَّمْ جواز إلحاقهما بالمستقبلِ الصِّرْفِ، أعني: غير المَشُوبِ بمعنَى الطَّلَبِ؛ نحوَ سَيَضْرِبنَّ، و سوفَ يَضْرِبَنَّ، فَإِنَّهُما لَا يَلْحَقانِ فِي سَعَةِ الكلام إلَّا ما فيه معنَى الطَّلَبِ أو شبهه، وعليه جميع المحققين، حيثُ قالوا: ولا يَلْحَقُ إِلَّا مُستقبلاً فيه معنى الطَّلَبِ كالأمرِ والنَّهْي والاستفهامِ والتَّمَنِّي والعَرْضِ والقَسَمِ لكونه غالباً على ما هو مطلوب، ويُشَبَّهُ بالقَسَمِ نحو: إِمَّا تَفْعَلَنَّ في أَنَّ ما زِيدَ للتأكيدِ كَلَامِ القَسَمِ فِي مَقَامِ التَّأْبيد.
وقد تَلْحَقُ بالنَّفْي تشبيها له بالنَّهْي، قيل: هو قليل، ومنه قول الشاعر: يَحْسَبُهُ الجاهلُ ما لَمْ يَعْلَمَا شيخاً على كرسيه مُعمَّما
أي: لَمْ يَعْلَمَنْ، فقُلِبَتِ النُّونُ أَلفاً للوَقْفِ؛ كما في قوله تعالى: لَنَا العلق: 15]، {وَلَيَكُونَا [يوسف: 32].
والصَّحيح أنه واقع كثير فصيح، فهو مذهب أبي الفتح والزَّمَخْشري، ومُختارُ ابن مالك، وظاهر قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةً [الأنفال: 25]، وقوله سبحانه: لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ} [النمل: ??]، يَدُلُّ عليه. ومَنَعَهُ الجمهورُ إِلَّا في تأكيد أو ضَرورة، فقد قال سيبويه: يَجوزُ في الضَّرورة: أَنتَ تَفْعَلَنَّ.
ثُمَّ هاتانِ النُّونانِ إحداهما خفيفةٌ ساكنةٌ؛ كقولك: اذْهَبَنْ؛ أي: اذْهَبِ البَتَّةَ، و ثانيهما ثقيلة مفتوحة؛ نحو: اذْهَبنَّ؛ أي: اذْهَبِ البَتَّةَ البَتَّةَ.
وفي بعض النسخ بالنَّصْبِ؛ أي: حال كون إحداهما خفيفةً ساكنة والأخرى ثقيلة مفتوحةً في جميع الأحوالِ إِلَّا فيما؛ أي: في الفعل الذي تَخْتَصُّ النُّونُ الثَّقيلةُ مِن بينِ النُّونين به؛ أي: بذلك الفعل، والمعنى: ما يَنْفَرِدُ بلحوق هذا الفعل كما يُقالُ: نَخصُّكَ بالعبادة؛ أي: لا نَعْبُدُ غيرك.
وهو؛ أي: ما يَخْتَصُّ به عن غيرِه فِعْلُ الاثْنَيْنِ مذكَّرَينِ أَو مُؤنَّثَيْنِ وفِعْلُ جماعةِ النِّساء، فهي؛ أي: النُّونُ الثَّقيلةُ مكسورةٌ فيه؛ أي: في فِعْلِ الاثنين وجماعة النِّساءِ، فالضمير عائد إلى الفعل مع قطعِ النَّظَرِ عن العطفِ، وجُوِّز أنْ يكونَ عائداً إلى ما، ولا يَبْعدُ أنْ يعود إلى ما ذُكِرَ مِن الفِعْلَينِ.
فتَقولُ: اذْهَبَانٌ للاثْنَينِ أو للاثْنَتَينِ، واذْهَبْنَانَّ للنِّسوة بكسرِ النُّونِ فيهما تَشْبيها لها بنُونِ التَّنْنِيَةِ؛ لأنَّها واقعةُ بعدَ الأَلِفِ مِثْلَ نونِ التَّنْيَة.
وأما ما أجازَهُ يُونُسُ والكوفيونَ مِن دخولِ الخفيفة في فعل الاثنين وجماعةِ النساء باقية على السكون عند يونس، ونظيره قراءة نافع: {وَمَحْياي} [الأنعام: 162 1، ومتحركة بالكسرِ عند بعض، وبه قال ابن مالك ومَن تَبِعَهُ، وقد حَمَلَ عليه قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعَانُ} [يونس: ??] في رواية ابنِ ذَكْوَانَ بتخفيف النُّون فقيل: هي الشَّديدة، ولكنْ حُذِفَ منها الساكنة تخفيفاً، فهي مخففة لا خفيفة، فعلى هذا ولا ناهية والفعل في محل جزم بها.
:وقيل النُّونُ نون رفع، ولا للنفي والمراد به النهي.
وقيل: النَّفْيُّ على حاله والجملة في محلّ الحالِ، فلا إشكال، والله أعلمُ بخَفِيَّةِ الأحوال، وحقيقة الأقوال.
فتُدْخِلُ أَنتَ أَلِفاً بعد نونِ جمعِ المُؤنَّثِ وقبلَ نونِ التَّثْنِيَةِ، فتقولُ: اذْهَبْنَانٌ، والأصلُ: اذْهَبْنَنَّ، فَأَدْخَلْتَ ألِفاً بينهما التَفْصِلَ تلك الألِفُ ـ أو أنتَ ـ بها بينَ النُّونات وهي: نونُ جماعةِ النِّساءِ، والمُدْعَمةُ والمُدْعَمُ فيها، واخْتَصُّوا الأَلِفَ لخِفَّتِها، أو لشبهها بألِفِ التَّثْنِيَةِ، ولذا كُسِرَتْ نُونُه كَنُونِها.
ولا تَدْخُلُهما؛ أي: فِعْلَ الاثنين وجماعةِ النِّساءِ النُّونُ الخفيفة خلافاً ليونُسَ، فلا يقالُ: اضْرِبان ولا اضْرِبْنانُ عندَ غيره؛ لأَنَّهُ يَلْزِمُ مِن دخولهما فيهما الْتِقاءُ السَّاكِنَيْنِ وهما الألِفُ والنُّونُ على غيرِ حَدِّه؛ أي: حَدٌ جَوازِهِ، فَإِنَّ الْتِقاءَ السَّاكِنَينِ إِنَّمَا يَجوزُ إِذا كانَ الأَوَّلُ مِن السَّاكِنَينِ حرفَ مَدَّ وهو الألِفُ والواوُ والياء سَوَاكِنَ، وكان الثَّاني منهُما مُدْغَماً في حرفِ آخَرَ نحو: دابَّةٌ، فَإِنَّ الأَلِفَ والياء ساكنان، والألِفُ حرفُ مَدَّ والثَّاني - وهو الباءُ الأُولَى - مُدْغَمٌ فِي الثَّانِيةِ.
وكان الأَوْلَى أنْ يقول: حرف لين، ليَدْخُلَ فيهِ خُوَيْصَّة تصغير خاصة؛ لأنَّ حرفَ اللَّينِ أعمُّ مِن حرفِ المد، وكأنَّ المصنِّفَ لَمْ يُفرِّقُ بينهما.
ثُمَّ قيل: إِنَّما تُفيدُ الحَصْرَ، فَيَرِدُ عليهِ أَنَّ الْتِقاءَ السَّاكِنَينِ جائز فِي الوَقْفِ مُطْلَقاً، سواء كان على حَدِّه أو لا، لأنَّه مَحَلُّ التَّخفيف والاستراحة، فيقال: زيد، وعَمْرُو، وبَكْرُ، وكذا حالُ التَّعدادِ ولو وَصْلاً، فيقالُ: مِيمْ، جِيمْ، عَينَ، سِينٌ.
وينبغي أنْ تُحْمَلَ عبارته على ما إذا الْتَقَى السَّاكنان في كلمةٍ كما مَثْلَه بـ دابَّة، وكذا فَعَلَه جارُ الله العلامة، حتَّى لا يَرِدَ عليه ما أَجْمَعَ القُرَّاءُ في نحوِ [يونس: 91،51] بسكونِ الأَلِفِ واللَّام، وكذا {وَمَحْيايَ} [الأنعام: 162] 3، والعِى [الأحزاب: 4] 3 بسكون يائهما عندَ مَن قرأ بهما، وكذا في بعض القراءاتِ مِن السَّبعة كـ ذي العَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] 4، ومِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52] 5، والبعض شأنهم [النور: 62] 6 بإدغامِ الأَوَّلِ مِن المتغايريْنِ في الثَّاني، وأمثال ذلك. فإن قلت: فلِمَ لَمْ يَجُزِ التِقاءُ السَّاكَنَيْنِ في نحو: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} [النمل: 47]
بإثباتِ الواو وصلاً، مع أنَّ الأَوَّلَ حرفُ مدُّ والثَّانِي مُدْغَمٌ؟ قلت: جوازه مشروط بذلك، ولا يَلْزَمُ مِن وجودِ الشَّرطِ هنالك وجود المَشْروط كما تَقدَّمَ، والله سبحانه أعلم.
ثم إن النُّونَ الخفيفة لا تقبل الحركة - لأن سكونها بنائي بخلاف نون {لَمْ يَكُن} [البينة: 1]، فإنَّ سكونها إعرابي - ولهذا تُحذَفُ في نحو: اضْرِبَ القوم، والأصل: اضْرِبَنْ، ولذا قال الشّاعرُ: لا تُهين الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدَّهرُ قد رَفَعَهُ أي تهينن، وإلا لوجب ان يُقال: لا لهن الفقير؛ لأنَّه نهي، فَخُذِقَتِ النُّونُ الخفيفة لالْتِقاءِ السَّاكَنَيْنِ وَلَمْ تُحَرَّك. والمعنى: لا تَفْخَرْ بغِناكَ عليهِ، فإنَّ الدَّهرَ لا يَتركُ الفقير على فَقْرِه ولا الغنيّ على غِنَاهُ، فالرُّكوعُ كنايةٌ عن تغيرِ الحالِ بانحطاط بعد الارتفاع.
وقوله: والدهرُ قد رَفَعه جملةٌ حاليَّةٌ مِن ضميرِ تَرْكعُ، على حد قوله: «كُنْتُ نبياً وآدم بينَ الماءِ والطِّين».
وقيل مِن الضَّمير، وهو غلط في المَبْنَى لفسادِ المعنى، ولو قال الشاعر: تُخْفَضَ بَدَلَ: تَرْكَعَ لكانَ أَحسَنَ مَبْنِّي، وَأَبْيَنَ مَعْنِّى.
هذا وقبله:
لكلِّ هَمَّ مِن الهمومِ سَعَة والصُّبْحُ والمُسْي ... لا بقاءَ مَعَهُ قد يَجْمعُ المال غيرُ أَكِلِهِ ويأكل المال غيرُ مَن جَمَعَهُ
ويُحْذَفُ مِن الفعلِ مَعَهُما: أي حالَ كونِ الفعلِ مَقْروناً مع النُّونَيْنِ النُّونُ
التي في الأمثلة الخَمْسةِ، وهي: يَفْعَلانِ للغائبَيْنِ، وتَفْعَلَانِ للغائِبَتَيْنِ والمُخاطَبَيْنِ والمُخاطَبَتَيْنِ، ويَفْعلونَ للغائِبِينَ، وتَفْعلونَ للمُخاطَبَيْنَ، وَتَفْعَلينَ للمُخاطَبَةِ. مِن أي باب كانَتْ هذهِ الأمثلةُ: ثلاثياً أو رباعيّاً، مُجرَّداً أو مَزِيداً، فالمقصودُ مِن الأمثلة: هي وأمثالها.
وإِنَّما يُحذَفُ النُّونُ فيها لِمَا تَقَدَّمَ مِن أنَّ النُّونَ فيها علامة الإعراب، والفعل مع
نونِ التَّأكيدِ يَصير مَبْنيّاً كما ذَكَرْنا في نونِ جماعةِ النِّساءِ مِن هذا الباب. وقد تَقَدَّمَ أَنَّه لا مَعِيَّةَ بينَ الخفيفة وفِعْلِ الاثنين، فلا يكونُ فِيهِ إِلَّا على مَذْهَب يونس، والله أعلمُ بالصَّواب.
حَذْفِ النُّونِ واوُ يَفْعَلُونَ للغائبِينَ، و واوُ تَفْعَلُونَ مع للمخاطَبينَ، وياءُ تَفْعَلِينَ للمخاطَبَةِ؛ لأنَّ الْتِقاء الساكنينِ وإِنْ كانَ على حَدَّه على ما هو ظاهر كلام المصنفِ، لكنَّه ثَقُلَتِ الكلمةُ واسْتَطالَتْ، وكانَتِ الضمَّةُ والكسرة تَدلَّانِ على الواو والياء فحذفتا، وهذا مع الثّقيلة، وأمَّا مع الخفيفةِ فَالْتِقاءُ السَّاكَنَيْنِ على غير حدهِ فلا إشكال.
والقياس يقتضي أن لا يُحذف الواو والياء] أيضاً كالألف كما هو مذهب بعضهم، إذ كل منهما في هذه الأمثلة ضمير الفاعل، والفاعل وحدَهُ لا يُحذَفُ، والتِقاءُ السَّاكِنَيْن على حَدَّه، لكنْ سَبَقَ أَنَّ الْتِقاءَ السَّاكَنَينِ لا يَجِبُ أَنْ عند وجودِ شرطِهِ؛ لأنَّ وجودَ الشَّرط لا يلزم منه وجود المشروط.
تقدم مذهبه قريباً.
هذا، والمعروف عند علماء هذا الفن - بل حَكَى بعضُهم الاتفاق عليه ـ: أنَّ حد التقاءِ السَّاكِنَيْنِ أنْ يكونَ الأَوَّلُ حرفَ لِيْنِ والثَّانِي مُدْغَماً، ويَكونا في كلمةٍ، فهو هاهنا ليس على حده لأنَّه في كلمتين: الفعل ونونِ التأكيد، لكنَّهُ اغْتُفِرَ فِي الأَلِفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ على حدِّهِ لدَفْعِ الالْتِباسِ - وإِنَّ الدَّفعَ أسهلُ مِن الرَّفعِ ـ وكونِ وجودِ الْتِقاءِ السَّاكَنَينِ مع الألِفِ أَخَفَّ مِن حَذْفِ الأَلِفِ؛ لأنَّ فيه انتقالاً من الأخفٌ وهو الفتح إلى الأثقل وهو الكسر، مع حذفِ الواو والياءِ يَنْقُلُ مِن الأثقل وهو الضَّمُّ أو الكسر إلى الأخفٌ وهو الفتح. ففي الجملة: يُحذف الواو والياء منهما ولا تَثْبُتانِ في وقتٍ مِن الأوقاتِ إِلَّا إِذا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهما، فإنَّهما لا تُحْذَفَانِ حينئذٍ لعَدَمِ ما يَدُلُّ عليهما، أعني: الضَّمَّ والكَسْرَ، بل يُحرَّكُ الواو بالضم والياءُ بالكسرِ لدَفْعِ الْتِقاءِ السَّاكَنَينِ.
نحو: لا تَخْشَونَ أَصلُه: تَخْشَيُونَ، حُذِفَتْ ضَمَّةُ الياءِ للتَّقَلِ، ثُمَّ الياء لالْتِقاءِ الساكِنَينِ، فقيل: تَخْشَوْنَ، وأُدْخِلَ لا النَّاهِيَةُ فحُذِفَتِ النُّونُ فقيل: لا تَخْشَوْا، فلما أُلْحِق نونُ التَّأكيدِ الْتَقَى السَّاكِنانِ: الواو والنُّونُ المُدْغَمَةُ، وَلَمْ يُحْذَفِ الواوُ لَعَدَمِ ما يَدلُّ عليه، بل حُرِّكَ بما يناسِبُهُ وهو الضَّمُّ لكونها أُختَهُ، فقيل: لا تَخْشَوُنَّ، فهي نهي المخاطب الجماعة الذكور.
و: لا تَخْشَينَّ أَصلُه: تَخْشَيْنَ، حُذِفَتْ كسرة الياءِ لِثِقَلِها، ثُمَّ اليَاءُ الأُولَى لالتقاء الساكنين، فصار: تَخْشَيْنَ، وأُدْخِلَ لا النَّاهِيَةُ وحُذِفَتِ النُّونُ، فقيل: لا تَخْشَيْ، فلمَّا لَحِقَ نونُ التأكيدِ الْتَقَى ساكنانِ: الياءُ والنونُ، فَلَمْ يُحْذَفَ لِمَا مَرَّ، بل حُرِّكَتْ بالكسرِ المُناسَبَته الياء، وهو نهي المخاطَبَةِ.
الفاعل عند التقاء الساكنين لا يجب أن يحذف بل يجوز ... ». انظر المصدر السابق وفيه: «لكن قد ذكرنا أنه لا يجب بل يجوز وإن كان على حده».
و: {لتبلون} [آل عمران: 186] أصله: لتَبْلَوُوْنَ، فَأُعِلَّ إعلالَ تَخْشَوْنَ فقيل: لَتُبْلَوْنَ، فَأُدْخِلَ نونُ التَّأكيدِ وحُذِفَتْ نونُ الإعرابِ لتَوَالي الأمثالِ، وضُمَّتِ الواو كما في لا تَخْشَوُنَّ، وهو فعل جماعةِ الذُّكور المخاطَبينَ مبنياً للمفعول مِن البلاء، وهو التَّجْرِبةُ والامتحان.
و فَإِمَّا تَرَينَ} [مريم: 26]:أصله تَرْأيِينَ على وزنِ: تَفْعَلينَ، حُذِفَتْ همزتُه لِمَا سَيَجِيءُ في المهموزِ مِن أنْ مُضارعَ رَأى قد التزموا حذفَ عينهِ بعدَ نَقْلِ حركتها إلى السَّاكِن قبلها تخفيفاً لكثرة الاستعمال، فقيل: تَرَيِينَ، ثُمَّ حُذِفَتْ كسره الياءِ ثُمَّ الياءُ لِمَا تَقَدَّمَ، فقيل: تَرَيْنَ، فأُدْخِلَ إمَّا، وهي مُرُكَّبَةٌ مِن إنْ الشَّرْطَيَّةِ و ما المزيدةِ للتَّأكيد في القضيَّةِ، فحُذِفَتِ النُّونُ عَلَامَةَ لِلجَزْمِ، فَأُلْحِقَ نونُ التَّأْكِيدِ وكُسِرَ اليَاءُ وَلَمْ يُحْذَفْ لِمَا ذُكِرَ في تَخْشَيْنَ، فصارَ إِمَّا تَرَينَّ.
وجاز لك أن تقول في الجميعِ قُلِبَتِ الواو والياء ألفاً لتَحَرُّكهما وانفتاح ما قبلَهُما، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ، وهذا أَوْلَى؛ لأنَّه قياس مُطَّرِدٌ مع طي المسافة في المَبْنَى. وقد أخطأ الكَوَاشِيُّ في تفسيره» حيثُ ظنَّ أَنَّ المحذوف واوُ الضَّميرِ وياؤه، بل المحذوفُ لام الفعل؛ لأنَّه أَوْلَى بالحذفِ مِن ضميرِ الفاعل؛ لأنَّ اللَّامَ مَحَلُّ التَّغيير؛ لكونه آخر الكلمة، وقد قيل: الأطراف محل الأهداف، والفاعل لا يَجوزُ حَذْفُه خلافاً لأهلِ الاعْتِساف.
وقال ابن مالك: حذفُ ياءِ الضَّميرِ بعد الفتحة لغةٌ طائيَّةٌ؛ نحو: ارْضِنَّ، في: ارْضَي، وكذا: لا تَخْشِنَّ في: لا تَخْشَيْ.
ويُفْتَحُ مع النُّونَينِ آخِرُ الفعل حقيقةً أو حُكماً؛ لِيَشْمَلَ نحو: لا تَخْشَوُنَّ، و: لا تَخْشَينَّ، فإِنَّ الواو والياء ليستا آخِرَ الفعل، بل كلُّ منهما اسم برأسهِ؛ لأنَّ الفعلَ: يَخْشَى، وهما ضمير الفاعل، إلَّا أنَّ هذا الضَّمير كجزء من الفعلِ فَكَأَنَّهُ آخِرُ الفعل.
وقيل: المراد بالفعلِ غيرُ النَّاقص إذْ عُلِمَ حُكْمُه فِي لَتُبْلَوُنَّ وتَرَينَ. إذا كانَ؛ أي: الفعلُ فِعْلَ الواحدِ غائباً كانَ أو حاضراً أو الواحدة الغائبة؛ لأنَّ الفتح هو الأصل لخِفَّتِهِ، فالعدول عنه إِنَّما يكونُ لَغَرَضٍ عَرَضَ فِي عِلَّتِهِ. ويُضَمُّ؛ أي: آخِرُ الفعل إذا كانَ؛ أي: الفعلُ فِعْلَ جماعةِ الذُّكور؛ ليَدلَّ الضم على الواو المحذوفة.
ويُكْسَرُ؛ أي: آخِرُ الفعل إذا كانَ؛ أي: الفعلُ فِعْلَ الواحِدةِ المُخاطَبَةِ؛ ليَدلُّ الكسرة على الياء المحذوفة.
فتقول في أمر الغائبِ مُؤكّداً - بكسر الكاف، ويجوز فتحه ـ بالنُّونِ الثَّقيلة: لِيَنْصُرَنَّ بالفتح لكونهِ فِعْلَ الواحد لِيَنْصُرانٌ لِيَنْصُرُنَّ بِالضَّمِّ لكونِهِ فِعْلَ جماعة الذُّكور، أصله: لَيَنْصُرُونَ، حُذفت الواوُ لالتقاءِ السَّاكِنَينِ، لِتَنْصُرَنَّ بالفتح أيضاً لأَنَّهُ فعل الواحدةِ الغائبة، لِتَنْصُرانٌ لَيَنْصُرْنَانٌ كما مرَّ.
وبالخفيفة: لِيَنْصُرَنْ بالفتح، يَنْصُرُنْ بالضَّمِّ لِتَنْصُرَنَ بالفتح لِمَا عُلِمَ، وتَرَكَ البَوَاقِيَ لأَنَّ الخفيفة لا تَدْخُلُهَا.
و وتقول في أمرِ الحاضِرِ مؤكّداً وفي نسخة: المؤكَّدِ بالثَّقِيلَةِ: انْصُرَنَّ بالفتح لأنَّهُ فِعْلُ الواحِدِ انْصُرانٌ انْصُرُنَّ بالضَّمِّ لأَنَّهُ فِعْلُ جماعةِ الذُّكورِ، انْصُرِنَّ بالكسرِ لأَنَّهُ فِعْلُ الواحِدَةِ المخاطَبَةِ، انْصُرانُ انْصُرْنَانُ لجمع الإناث.
وبالخفيفة: انْصُرَنْ انْصُرُنَ، انْصُرِنَ. وقس على هذهِ نَظَائِرَهُ؛ أي: أشباه كلَّ مِن لِيَنْصُرَنَّ وَانْصُرَنَّ .. إلى آخِرِهما؛ مِن نَحْوِ: لِيَضْرِبَنَّ وَلِيَعْلَمَنَّ وغير ذلك، إلى سائر الأفعالِ والأمثلة التي تُوجَدُ هُنالِك.
وأما اسم الفاعل والمفعول من الثلاثي المجرَّدِ احْتِرازُ مِن الرُّباعي، ومن الثلاثي المزيد فيه؛ لِما سيأتي حُكْمُها.
فالأكثرُ استعمالاً أَنْ يَجِيءَ اسم الفاعل منه؛ أي: مِن الثَّلاثي المجرَّدِ على فاعِلٍ، تَقولُ: ناصِرُ للواحِدِ ناصِرانِ للاثْنَينِ حَالَ الرَّفْعِ، وناصِرَينِ حَالَ النَّصْبِ والجَرَّ، ناصِرونَ لجماعةِ الذُّكور في الرَّفْعِ، و: ناصِرِينَ، في غيره.
وفَتَحُوا ما قَبْلَ الياءِ فِي المُثَنَّى وكَسَروهُ في الجَمْعِ، وفَتَحُوا النُّونَ فِي الجَمعِ و گسَروهُ في المُثَنَّى فرقاً بينَهُما، لا سيما في نحو: المُصْطَفَيْنَ. ناصرة للواحدةِ ناصِرَتانِ للاثْنَتَينِ ناصِراتٌ لجماعة الإناثِ ونَوَاصِرُ لها أيضاً، إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ جمع سالم والثَّانِي مُكَسَّرُ.
واسم المفعول؛ أي والأكثرُ أنْ يَجِيءَ على مفعول، تقولُ: مَنْصور، مَنْصورانِ، مَنْصُورُونَ مَنْصُورةٌ، مَنْصُورَتانِ، مَنْصُوراتٌ وفي نسخةٍ زيادة: ومَنَاصِرُ جمع مكسر لمنصور.
وإنما قال: الأكثر فيهما؛ لأنَّهما قد يكونان على غيرِ فاعِل ومفعول؛ نحو: ضَرَّابٍ، وضَرُوبٍ، ومضراب، وعَليم، وحَذِرٍ، في اسمِ الفَاعِلِ، ونحوَ: قتيل وحَلُوبِ في اسم المفعول، وكذا الصَّفةُ المُشَبَّهةُ باسم " فاعل عند أهل هذهِ الصَّنعةِ، وأَمَّا عندَ النَّحْوِيِّينَ فالنَّوعُ الأَوَّلُ مشهور بأمثلة المُبالَغةِ، والثاني وهو الفَعِيل بمعنى الفاعِلِ أو المفعول ـ كما سيأتي - خارِجان عن اسْمَي الفاعل والمفعول.
وأمَّا الصّفةُ المشبَّهةُ فالأمرُ فِيها أَظْهَرُ، فَتَدَبَّر.
يعني: لما رأوا ما قبل الياء يفتح في بعض صور الجمع كالمثال المذكور، فتحوا النون في
الجمع وكسروه في المثنى، للتمييز بينهما.
وتقول: رجلٌ مَمْرُورٌ به، و رَجُلانِ مَمْرُورٌ بهما، و: رجالٌ مَمْرورٌ بهم، و امرأةٌ مَمْرور بها و امْرأتان مَمْرورٌ بهما، و نساء مَمْرُورٌ بِهِنَّ؛ أي: لا يُثَنَّى اسم فاعِلٍ مِن الفعلِ اللَّازِمِ إِلَّا بَعْدَ أنْ تُعَدِّيَهُ؛ إذ ليس له مفعول في أصل وضعِهِ.
فتني أنتَ وَتَجْمَعُ وتُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ الضَّمير فيما؛ أي: في اسم المفعول الذي يَتَعدَّى بحرفِ الجرّ، لا اسم المفعول عَطْفٌ على الضمير؛ أي: لا تُغَيِّرُه عن حالِهِ، فلا تقولُ: مَمْرورانِ بهما، ولا مَمْرورون بهم، ولا: مَمْرورة بها، ونحوَ ذلك؛ لأنَّ القائمَ مَقامَ الفاعِل لفظاً - أعني الجار والمجرور ـ مِن حيثُ هو ليسَ بمؤنَّث لا مثنى ولا مجموع، فلا وجه لتأنيثِ العاملِ وتَثْنِيَتِهِ وجَمْعِهِ.
وفَعِيل قد يَجِيءُ بمعنى الفاعِلِ كالرَّحِيم بمعنَى الرَّاحِم مع المُبالَغَةِ، وبمعنى المفعول كالقتيل بمعنى المقتول، وأَمْثلتُهما في التَّثنية والجمعِ والتَّذكير والتأنيثِ كأمثلة اسم الفاعل، إِلَّا أَنَّه يَستوي لفظ المُذكَّرِ والمَؤنَّثِ في الذي بمعنى المفعول إذا ذُكِرَ الموصوف، نحوَ رَجُلٌ قَتيل، وامرأَةٌ قتيل، بخلافِ: مَرَرْتُ بقَتيل فلانٍ وقتيلته، فإِنَّهما لا يَستوِيانِ خوفَ اللَّبْسِ.
ثُمَّ هذا في الثلاثي، وأما ما زادَ على الثَّلاثةِ ثلاثياً باعتبار أصله أو رُباعياً فالضابط فيه؛ أي: في بناء اسم الفاعل والمفعول منه: أَنْ تَضَعَ فِي مُضَارِعهِ المِيمَ المضمومةَ مَوْضِعَ حرفِ المُضارَعةِ، وتَكْسِرَ ما قَبْلَ آخِرِه؛ أي: آخِرِ المُضارع في اسم الفاعل، وتَفْتَحَهُ؛ أي: ما قَبْلَ آخِرِه في اسمِ المفعول، نحو: مُكْرَمٍ بضم الميمِ وكسرِ الرَّاءِ اسمَ فاعِلٍ، ومُكْرِمٍ بضم الميم وفتحِ الرَّاءِ اسم مفعول. ومُدَحْرِجِ ومُدَحْرَجٍ، وَمُسْتَخْرِج ومُسْتَخْرَج؛ أي: بكسرِ ما قَبْلَ آخِرِهما
في الفاعِلِ وفتحه في المفعول. وكذا قياسُ بَواقي الأمثلة إِلَّا ما شد في بعض اللُّغةِ؛ نحو: أَسْهَبَ في الكلامِ؛ أي: أَطْنَبَ، فهو مُسْهَبٌ بفتح الهاء.
وقد يَسْتَوِي اسم الفاعل والمفعول في بعض المَوَاضِعِ؛ كمُحَابٌ ومُتَحَابٌ بتشديد الباء فيهما، ومُخْتارِ ومُضْطَرٌ وفي نسخة زيادة: مُنْقادِ، ومُعْتَدٌ بتشديد الدَّالِ، وكذا نحوهما ممَّا كان الفعل متعدّياً بنَفْسِه.
ومُنْصَبٌ في اسم الفاعلِ ومُنْصَبٌ فيه في اسم المفعول، ومُنْجاب؛ أي: مُنْقَطِع ومُنْكَشِفَ في اسمِ الفاعلِ ومُنْجابٍ عنه في اسم المفعول، ونحوهما ممَّا كان الفعل متعدياً بالحرفِ.
فإِنَّ اسم الفاعِلِ والمفعول في هذهِ الأمثلة كلّها مُسْتَوِ؛ لسُكون ما قَبْلَ الآخِرِ بالإدغام في بعض، وبالقَلْبِ في بعض، والفَرْقُ إِنَّما كانَ بحركته، فلما زالت الحركةُ اسْتَوَيَا في التقدير. وتَخْتَلِفُ؛ أي: حالُها في التَّقْدير - وفي نسخة: وَيَخْتلِفُ التَّقديرُ - أي: تقديرها؛ لأنَّه يُقَدَّرُ كسرُ ما قَبْلَ الآخِرِ في اسم الفاعل، وفتحه في اسمِ المفعول، ويُفرَّقُ في المتعدي بالحرفِ بأنَّه يلزم منه ذكر الجار والمجرور مع اسم المفعول بخلافِ اسم الفاعل. وقد فَرَغَ المصنِّفُ مِن بحثِ السَّالم فحانَ أَنْ يَشْرع في غيره، وهو المُضاعَفُ والمُعْتَلُ والمهموز، وقد ذَكَرهُ في ثلاثة فصول، وكَأَنَّهُ أَلْحقَ المُضاعَفَ بالسالم لقلة تغيره، وألحق المهموز بالمعتل لكثرة تغيره في تغبيره، فقال:
ثلاثة:
أي: هذا فضل ويؤيده أنَّ في نسخة: في المضاعف، وفي نسخة بإضافة الفصل إليه، وفي أخرى وهي المعتمدة المُضَاعَفُ بالرفع على أَنَّهُ مبتداً، ثُمَّ هو اسم مفعول مِن ضاعَفَ.
ويُقالُ لَهُ: الأَصَمُّ لتَحَقُّقِ الشَّدَّةِ فيه بواسطة الإدغام، وكان أهل الجاهلية يُسمونَ رَجَباً: شَهْرَ اللهِ الأصم، قال الخليلُ: إِنَّما سُمِّي بذلك لأنَّه لا يُسْمَعُ فِيهِ صوتُ مُسْتغيث؛ لأنَّه مِن الأشهُرِ الحُرُمِ، وهي: ذو القعدة، وذو الحَجَّةِ، والمُحرَّمُ، وَرَجَبْ، ولا يُسْمَعُ فيه أيضاً حركةُ قتال ولا قعقعة سلاح؛ أي: صوتُهما.
وهو؛ أي: المضاعَفُ مِن الثَّلاثي المُجرَّدِ والمَزِيدِ فيه: ما كان عينه ولامه من جنس واحد سواء كانا من حروفِ العلَّة كـ: حَيَّ، أو لا گ: رَدَّ ومَدَّ في الثلاثي المجرَّدِ، وأَعَدَّ؛ أي: الشيء: هيَّاه، وكذا الأمرُ في المَزيدِ فيه، فَإِنَّ أَصلَهما: رَدَدَ ومَدَدَ، أُسْكِنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثَّانِيَةِ، و: أَعْدَدَ نُقلَتْ حركةُ الأُولى إلى ما قَبْلَها فَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَة.
ومن الرباعي مُجرَّداً أو مزيداً فيه: ما كانَ فاؤُه ولامه الأُولَى مِن جنس واحدٍ، وكذلك عينه ولامه الثَّانيةُ مِن جنس واحدٍ، ويقال له؛ أي: للمُضاعَفِ الرُّباعي: المُطابَقُ أيضاً وهو بفتح الباء اسم مفعول مِن المُطابقة بمعنى المُوافَقَةِ؛ لأنَّه طويق فيه بينَ الفاءِ واللَّامِ الأُولَى، وبين العينِ واللَّامِ الثَّانِيةِ نحو: زَلْزَلَ الشَّيءَ؛ أي: حَرَّكَه زلزلةٌ مصدر قياسي، وزِلزالاً بكسر أوَّلِهِ ويُفْتَحُ ويَتعيَّنُ الكسرُ في السَّالِمِ؛ نحو: دخراجاً، وهو مصدر سماعي.
وإِنَّما أُلْحِقَ المُضاعَفُ بالمُعتلَّاتِ حيثُ عُدَّ في غيرِ السَّالِمِ مع أنَّ حروفَهُ حروفُ الصَّحيح؛ لأنَّ حرفَ التَّضْعيفِ يَلْحقه الإبدال، كقولهم: أَمْلَيْتُ، بمعنى: أَمْلَلْتُ يعني أصله: أَمْلَلْتُ فقُلِبَتِ اللَّامُ الأخيرةُ ياءً لثِقَلِ اجتِماعِ المِثْلِينِ مع تَعَذُّرِ الإدغام لسكون الثاني
قال ابنُ عُصْفور: وإِنَّما جَعَلْنَا اللَّامَ أصلاً لأَنَّ أَمْلَلْتُ أَكثرُ مِنْ أَمْلَيْتُ. وذهب بعض إلى أنَّهما لغتانِ لأَنَّ تَصَرُّفَهما واحد، فليس جَعْلُ أحدهما أصلاً والآخَرِ فَرْعاً أَوْلَى مِن العكس، فيجوز أن يكونا أصليّيْنِ في المَبْنَى مَتَّفِقَيْنِ في المعنى، ومنه قولهم: تَقَضَى البازِيُّ، أي: نَزَلَ، وأصلُه: تَقَضَّضَ، استَثْقَلُوا ثَلاثَ صَادَاتٍ فَأَبْدَلُوا أُخراهُما ياءً، كما قالوا: تَظَنَّى، في تَظَنَّنَ، وك: دَسَنهَا} [الشمس: 10]؛ أي: دمَّسَها
وأَخفاها، و قَصَّيْتُ أظْفاري، في: قَصَصْتُ بمعنَى قَطَعْتُ.
والحذف؛ أي: ويَلْحَقُه أيضاً حَذْفُ شيء من حروفِ أُصوله؛ كقولهم: مسْتُ وظلْتُ بسكونِ السِّينِ واللَّامِ، وقوله: بفَتْحِ الفاء؛ أي: فاء الفعل وهو الميم والطَّاءُ وكَسْرِها، وأَحَسْتُ بسكونِ السِّين.
أي: مَسِسْتُ بكسرِ السِّينِ الأُولى، وهي اللُّغةُ الفَصيحةُ، ومُضَارِعُه بفَتْحِها، وحَكَى أَبو عُبيدةَ: مَسَسْتُ الشَّيْء [بالفتح] أُمُتُه بالضَّم.
وظَلِلْتُ بكسرِ اللَّامِ الأُولى لا غير.
وأَحْسَسْتُ على وزن أَكْرَمْتُ أَي أَيْقَنْتُ، وربَّما قالوا: أَحْسَيْتُ، وحَسِيْتُ
مخفّفاً ومُشدّداً، بإبدال السِّينِ ياءً.
أمَّا فتحها فلأنَّه حُذِفَتْ عينُ الفعل - وهو السِّينُ الأُولى في المثالِ الأَوَّلِ واللَّامُ الأُولَى في الثاني - بحركتها، فبَقِيَ فاء الفعل في المثالَيْنِ مفتوحةً بحالها، وأمَّا كسرها فلأنَّه نُقِلَتْ حركة عين الفعل إلى ما قَبْلَها بعدَ سَلْبِ حركتِها وحُذِفَتِ العينُ.
وأَمَّا أَحَسْتُ فنُقِلَتْ فتحةُ السِّينِ إلى الحاءِ، فَحُذِفَتْ إِحدَى السِّينَيْنِ. وفي التنزيل: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65]؛ أي: صِرْتُم تَعْجَبونَ، و: ظَلْت عَلَيْهِ عَاكِفا} [طه: 97]؛ أي: صِرْتَ عليهِ مُلازِماً مُلاطِفاً.
والمُضاعَفُ يَلْحَقَهُ الإِدْعَامُ مِن بابِ الإِفْعالِ مِن عباراتِ الكوفيين، ومن الافْتِعالِ مِن عباراتِ البَصْرِيِّينَ، وكلاهما مُتعدِّ، ففي «الصحاح»: أَدْغَمْتُ الحرف وادَّغَمْتُه، ويقالُ: أَدْغَمْتُ الرّجامَ في الفَرَسِ؛ أي: أَدْخَلْتُه في فيهِ.
وفي اصطلاحِ القُرّاء: إدخال حرفٍ في حرفِ ورَفْعُ النِّسانِ بهما دفعةً واحدةً، وهو أنواع: مِن المُتَماثِلَينِ والمُتَقارِبَينِ والمُتَجانِسَينِ، في كلمة أو كلمتين، كما هو مُبيَّنٌ في محله الأَلْيق به.
وأمَّا في اصطلاحِ الصَّرْفي: فهو أنْ تُسَكَّنَ الحرفَ الأَوَّلَ مِن المتماثلين مَخرَجاً وصفةً وتُدْرِجَ؛ أي: تُدْخِلَ في الثَّاني مِن الحَرْفَينِ بحيثُ يَصيرانِ كأَنَّهما حرفٌ واحدٌ مُشدَّد، ولذا يُكتَبُ بواحدٍ؛ نحوَ مَدَّ، فإنَّ أصلهُ: مَدَدَ، أَسْكَنْتَ الدَّالَ الأولى وأَدْرَجتها في الثانية.
ويُسمَّى الأَوَّلُ مِن الحرفين إذا أَدْغَمْتَه: مُدْغَماً بصيغة المفعول لإدغامِكَ إِيَّاه، والثاني: مُدْغَماً فيه لإِدْعَامِكَ الأَوَّلَ فيه.
والإدغام نوعٌ مِن التَّخفيفِ، وهو واجب وجائز ومُمتنع؛ كما بَيَّنَهُ المصنِّفُ:
وذلك واجب؛ أي: في الماضي والمضارع من الثلاثي المجرَّدِ مُطلَقاً، ومن المزيد فيه من الأبواب التي يَذْكُرُها، لكنَّه مَا لَمْ يَتَّصِلْ بهما الضَّمائر البارزة المرفوعة، فإنِ اتَّصَلتْ ففيه تفصيل يُذْكَرُ.
فعَبَّر عمَّا ذَكَرْنا بقوله: في نحو: مَدَّ يَمُدُّ، وأَعَدَّ يُعِدُّ، وانْقَدَّ يَنْقَدُّ، واعْتَدَّ يَعْتَدُّ. وقد يَطَّردُ الإِدْعامُ فيما يُشابِهُ المضاعَفَ مِن الكلام، و منهُ: اسْوَدَّ يَسْوَدُّ من باب الافْعِلَالِ، واسْوادَّ يَسْوادُّ مِن بابِ الأفْعِيلالِ، وليسَا مِن المُضاعَفِ لأَنَّ أصلهما السَّوادُ واسْتَعَدَّ يَستعِد مضاعَفُفٌ مصدرُهما الاسْتِعْداد.
واطْمَأَنَّ؛ أي: سَكَنَ يَطْمَئِنُ اطْمِثْناناً وطُمَأْنينةً، وليسَ مِن المضاعَفِ؛ لأَنَّ عَيْنَه الميم ولامه النُّونُ، وهو من باب الافْعِلَّالِ كالاقْشِعْرار. وتَمَادَّ يَتَمادُّ مُضاعَفٌ مِن التَّفاعُلِ، وكذا إذا لَحِقَ هذه الأفعال تاء التأنيثِ في بعض الأحوالِ، فتقولُ: مَدَّتْ وأَعَدَّتْ.
وكَذَا هذه الأفعال التي أُدْغِمَتْ وُجوباً حال كونها مَبْنِيَّةٌ للفاعل يَجِبُ إدغامها إذا بُنِيَتْ للمفعول ماضياً كانَ أو مضارِعاً نحو: مُدَّ يُمَدُّ، وكذا نَظائره مِنَ المَزِيدِ ك: أُعِدَّ يُعَدُّ، وتمود يتماد.
وفي نحو مد أعني مَصْدراً يجب إدغامه أيضاً، واحْتَرزَ بقوله: مَصْدَراً عما إذا كان اسماً نحو قوله تعالى: {وَلَوْ حِتْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وعما قد يتوهم انه ماض لتقدمه، أو أمر لتأخره.
وكذلك الإدغام واجبٌ إذا اتَّصلَ بالفعل المضاعَفِ حقيقةً أو صُورةً
ألفُ الضَّميرِ أو واوه أو ياؤُه سواء كانَ ماضِياً أو مُضارِعاً أو أمراً، مُجرَّداً أو مَزيداً
فيه، معلوماً أو مجهولاً.
فالألفُ في نحو: مدا بفتح الميم مبنياً للفاعل، أو ضمه مبنياً للمفعول، كلاهما من الماضي، والأخيرُ أيضاً من الأمر.
والواو في نحو: مدُّوا بالوَجْهَينِ الثَّلاثِةِ.
والياء في نحو: مدي وهو بضم الميم لأمر المؤنَّث.
ومُمْتَنِعُ؛ أي: الإدْعامُ في نحو: مَدَدْتُ، ومَدَدْنا، ومَدَدْتَ .. إلى: مَدَدْتُنَّ يعني: مَدَدْتُ، مَدَدْنا مَدَدْتُم مَدَدْتَ مَدَدْتُما مَدَدْتُنَّ وَمَدَدْنَ ويَمْدُدْنَ للغائباتِ وتَمْدُدْنَ وامْدُدْنَ ولا تَمْدُدْنَ الثَّلاثَةُ للمُخاطَبات.
وجائز؛ أي: الإدغام إذا دَخَلَ الجازِمُ أيَّ جازِمٍ كان على الفعل الواحد، فيَجوزُ عَدَمُ الإدغام وهو لغةُ الحِجازِيِّينَ، والإدغام وهو لغةُ بني تميم، وقُرئ بهما قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ} [المائدة: 54].
وإنَّما قيَّد الفعل بالواحِدِ لأنَّ الإدغام واجِبٌ في فعلِ الاثْنَينِ وفعل جماعةِ الذُّكور وفعل الواحدةِ المخاطَبَةِ كما مَرَّ، ومُمتنع في فعل جماعةِ النساء كما سَبَقَ، وكأَنَّ المُصنِّفَ اكْتَفَى بِما تَقَدَّمَ.
والحاصل: أنَّ الإدغام الجائزَ إِنَّما هو في فِعْل الواحدِ، غائباً كان أو مخاطباً أو متكلّماً ولو مع الغَيْر، وكذا في الواحِدة المخاطبة لأنَّها في صورة المخاطبِ. ثُمَّ هذا المضارعُ المجزومُ لا يَخْلُو مِن أنْ يكونَ مكسور العَينِ أو مفتوحه أو مضمومه، فإنْ كان مكسورَ العَينِ: يَفِرُّ، أو مَفْتُوحَهُ: يَعَضُّ، فنقولُ: لَمْ يَفِرَّ، و: لَمْ يَعَضَّ، بفتح اللَّامِ لكونهِ أَخَفَّ وكَسْرِها لأنَّ السَّاكِنَ إِذَا حُرِّكَ حُرِّكَ بالكسر و: لَمْ يَفْرِرْ، و: لَمْ يَعْضَضُ، بفك الإِدْعام.
قرأ: {يَرْتَدِ دْ بفك الإدغام نافع وابن عامر، والباقون: {يَرْتَدَّ بالإدغام}
وهكذا؛ أي: بالأَوْجُهِ الثَّلاثةِ حُكْمُ يَقْشَعِرُّ ويَحْمَرُ ويَحْمَارُ لأَنَّهَا فِي حُكْمِ المضاعَفِ الحقيقي، فنقول: لَمْ يَقْشَعِر، ولَمْ يَحْمَرَّ، وَلَمْ يَحْمار، بكسرِ اللَّامِ وفتحها،
ولَمْ يَقْشَعْرِرْ ولَمْ يَحْمَرِرُ ولَمْ يَحْمَارِرْ، بفك الإدغام وكسرِ ما قَبْلَ الْآخِرِ. وإنْ كانَ العينُ مِن المُضارعِ المَجْرُومِ مَضموماً فيجوزُ الحركاتُ الثَّلاثُ: الضَّمُّ والفتح والكسر مع الإدغامِ وفَكّه؛ أي: ويجوزُ فكُ الإدغامِ أيضاً، فتقولُ: لَمْ يَمُد، بحركاتِ الدَّالِ الفتح والكسر كما تَقَدَّمَ مِن الوَجْهِينِ، والضَّمِّ لاتباعِ العَينِ و: لَمْ يَمْدُدْ بالفك. وهكذا حُكْمُ الأمرِ؛ أي: أمرِ المُخاطَبِ، فإِنَّ أَمَرَ الغَائبِ عُلِمَ حُكْمُه مِن المجزوم، والمعنى أنَّه يجوزُ في الأمر إذا كان فِعْلَ الواحد ما يجوزُ في الفعل المضارع، فإنْ كانَ مَكسور العين أو مفتوحه فتقولُ: فِرّ وعَضَ بكسر اللام وفتحها، وافْرِرْ واعْضَضْ بفك الإدغامِ فيهما، و إنْ كانَ مضمومَ العينِ فتقولُ: مُد، بحَرَكاتِ الدَّالِ، و: امْدُدْ، بالفك وقد رُوِيَتِ الحركاتُ الثَّلاثُ في قولِ جَرِيرٍ: دم المنازِلَ بعد منزلة اللَّوَى والعيش بعد أولئك الأيام وأَمَّا إذا اتَّصَلَ بالمجزومِ حالَ الإِدْعَامِ هاءُ الضَّمِيرِ لَزِمَ وجَهُ واحِدٌ؛ نحو: رُدَّها
ورُدَّهُ بالضَّمِّ، وقيل: بالكسرِ، وهو ضعيف.
وتقول في اسم الفاعل: ماد بالإدغام وجوباً مادان، مادون، مادة مادتان، مادات في جمع المؤنَّثِ السَّالم ومَوَاد في المُكَسَّر، وفي اسمِ المفعول ممدود بالفك وجوباً كمنصور.
***
المُعتلُ اسم فاعل مِن اعْتَلَّ: إذا مَرِضَ وتغيَّرَ مِزاجه، والمراد هنا بالاعتلال: ما يَقَعُ فيه مِن التَّغير المسمى بالإعلال، وهو في الاصطلاح: ما كانَ أحد أصوله؛ أي: أحد حروفه الأصلية حرف علة، وهي؛ أي: حروفُ العلَّة: الواوُ والألفُ والياءُ يجمعُها: واي، الصادر من العليل.
وسُمِّيَتْ حروفُ العلَّة: حروف المد واللين.
واعْلَمْ أَنَّ حروف العلَّةِ إِنْ كَانَتْ متحركة لا تُسمَّى حروف المد ولا اللَّينِ، وَإِنْ
كانت ساكنة:
فإنْ كانَ حركةُ ما قَبْلَها مِن جِنْسِها، بأنْ يكونَ ما قبل الواوِ ضمةً، وما قَبْلَ الياءِ
كسرة، والألِفُ لا يكونُ ما قَبْلَها إِلَّا فتحةً، تُسَمَّى حروف المد واللَّيْنِ أيضاً. وإنْ كانَ حركةُ ما قَبْلَها ليس من جنسها فيُسمَّى لِيْناً لا مداً، فحروفُ العلَّة أعم منهما، وحروفُ الدِّينِ أعم من حروفِ المد.
وهذا في الواو والياء، وأمَّا الألِفُ فيكون حرف مد أبداً.
والألفُ حينئذ؛ أي: حينَ إِذْ كانَ أحدَ حُروفِ الأُصولِ مِن المعتل تكونُ مُنْقَلِبةً عن واو أو ياء؛ نحو: قال وباع، بخلافِ: قاتَلَ وتَباعَدَ، ممَّا ليس من حروفه الأصلية، فإنَّها ليست منقلبة بل هي زائدة.
وأنواعه سبعة كما تأتي مفصلةً:
الأوَّلُ: المُعْتَلُّ الفاءِ بإضافة المُعْتَلُّ إلى الفاء إضافةً لفظية؛ أي: الذي
اعْتَل فاؤُه فقط، ويقال له: المِثَالُ؛ لمُمَاثَلَتِهِ؛ أي: لمُشابَهَتِه الصَّحيحَ فِي احْتِمَالِ
الحركاتِ الثَّلاثِ؛ نحو: وَعَدَ ويَسَرَ، كما تقول: ضَرَبَ ونَصَرَ، بخلافِ الأجوفِ والنَّاقِص كـ: قال، وباع، ودَعَا، وسَعَى.
ثُمَّ الفاءُ إمَّا واو وإما ياءُ؛ كما فصَّلَ المصنِّفُ بقوله: أما الواو فيُحْذَفُ من الفعل المضارع الذي يكونُ على وزنِ يَفْعِلُ بكسرِ العَينِ وهو أعمُّ مِن أن يكون الواو بين الياء والكسرة، أو النَّاءِ والنُّونِ والهمزة، و يُحذَفُ أيضاً من مصدره؛ أي: مصدرِ المُعتلّ الفاءِ الذي يكونُ على زِنَةِ فِعْلَةٍ بكسر الفاء، وتَسْلَمُ الواوُ في سائر تصاريفه؛ أي: باقي تَصَارِيفِ المُعْتل الفاءِ؛ مِن الماضي واسْمَي الفاعل والمفعول
تقولُ: وَعَدَ بسَلَامَةِ الواوِ يَعِدُ بحذفها عِدَةً بحذفها؛ لأنَّ أصلها:
وعْدَةٌ، فنقلت كسرة الواو إلى العين لثقلها عليه وحذفت الواو. ومنه الحديث: «العِدَةُ دَيْنٌ»؛ أي: الوَعْدُ بمنزلة الدَّيْنِ عند أربابِ الكَرَمِ والدِّين. وأمَّا الوِجْهةً فليس بمصدرٍ، بل هو اسم المصدر، وهو المصدر الجاري على غير فِعْله.
ووَعْداً بسلامة الواو، وكذا الوِصال ونحوه، فهو واعِد في اسم الفاعل، وذاك موعود في اسم المفعول، بسلامة الواو فيهما، عِدْ أمرُ المخاطَبِ بحذفِ الواو، ولا تَعِدْ نهي المخاطب، وكذا: لَمْ يَعِدْ، ولا يَعِد، ولَنْ يَعِدَ.
وكذلك؛ أي: بسلامة الواو في الماضي وحذفها في المضارع والمصدر في نحو وَمِقَ بكسر الميم؛ أي: أَحَبَّ يَمِقُ مِقَةٌ.
وإذا كانَ الحذف بسبب الكسرة، فإذا أُزِيلَتْ كسرةُ ما بَعْدَها؛ أي: ما بَعْدَ الواوِ أُعِيدَتِ الواوُ المحذوفة لزَوَالِ عِلَّةِ الحذفِ؛ نحو: لَمْ يُوْعَدْ في المبني للمفعول، ولو مَثَلَ بـ: يُوْعَدُ لكانَ أَخْصَرَ وأَظْهَرَ، ومنه قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3].
وأَمَّا قولُ الشَّاعرِ:
عجيب لمولود وليس له أب وذي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ يسكون اللام وفتح الدال فشاد.
وتَثْبُتُ الواوُ في يَفْعَلُ بالفتح لعَدَمِ ما يَقْتَضِي حَذْفَها؛ إذ الفتحةُ خفيفةٌ، كـ: وَجِلَ بالكسرِ؛ أي: خافَ يَوْجَلُ بالفتح ايْجَلْ أمرٌ مِن يَوْجَلُ، والأصل: اوْجَلْ قُلِبَتِ الواو ياء لسكونها وانْكِسارِ ما قَبْلَها وهذا قياس مطَّرِدٌ.
فإِنِ انْضَمَّ ما قَبْلَها؛ أي ما قَبْلَ الياء المنقلبة عن الواو في نحو: أَيْجَلْ عادَتِ الواو لزوالِ علَّةِ القَلْبِ، وهي كسرةُ ما قَبْلَ الواوِ تقول: يا زيدُ ايْجَلْ، تُلْفَظُ بالواوِ لزوال الكسرة بسقوط الهمزة في الدَّرْج وتُكْتَبُ بالياء؛ لأنَّ الأصل في كلِّ كلمةٍ
أنْ تُكتَبَ بصورةِ لَفْظها على تقدير الابتداء بها في الأوَّلِ والوقوفِ عليها في والابتداء بالياء [في] 2 نحو: ايجل، فيُكتبُ بالياء.
ويَثْبُتُ الواو في يَفْعُل بالضَّمَّ أيضاً؛ لانتفاء مُوْجِبِ الحذفِ كـ: وَجُهَ بضمّ الجيم؛ أي: صارَ وجيهاً ونبيهاً يَوْجُهُ، أَوْجُهُ، لا تَوْجُهُ.
ثُمَّ اسْتَشْعَرَ المصنِّفُ اعتراضاً على قوله: وَيَثْبُتُ في يَفْعَلُ بالفتح لأنَّه منقوض ببعض الأمثلة؛ إذ حُذِفَ منها حرفُ العلَّةِ مع عَدَمِ وجودِ الكسر، فأجابَ بقوله: وحُذِفَتِ الواوُ مِن: يَطَأُ ويَسَعُ ويَضَعُ ويَدَعُ؛ أي: يَتْرُكُ لأَنَّهَا فِي الأصلِ: يَفْعِلُ بالكَسْرِ، فَفُتِحَتْ؛ أي: العينُ بعدَ حَذْفِ الواوِ الحَرْفِ الحَلْقِ لئَلَّا يَجْتَمَعَ ثقيلانِ.
و حذفت أيضاً مِن يَذَرُ م أَنَّهُ ليس مكسور العين وليس فتحته لأجل حرفِ الحَلْق الكونهِ في مَعْنَى: يَدَعُ فلمَّا حُذِفَتْ في يدع حُذِفتْ فِي يَذَرُ؛ لأَنَّ المُشاكَلَة فِي المَبْنَى تَسْتَدْعِي المُقابَلَةَ في المعنى.
وأَمَاتُوا ماضيَ: يَدَعُ ويَذَرُ؛ أي: أَقَلَّ العربُ استعمالَ ماضِيْهِما؛ إِذْ قُرِئَ قوله تعالى: مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] بتخفيف الدَّالِ، وهي قراءة النبي، وقرأ به ابنُ الزُّبير، وابنه هشام، وأبو حَيْوة، وابنُ أَبي عَبْلَةَ.
ومنه قولُ الشَّاعرِ:
ليتَ شِعْرِي عن خَلِيلي ما الذي غاله في الحب حتَّى وَدَعَة
أي: ما الذي عارَضَه.
وفي القاموس»: وَدَعَهُ - كَوَضَعَهُ - وَوَدَّعَهُ بمعنى.
وفي «الصحاح: دَعْ؛ أي: اتْرُكْ، وأصله: وَدَعَ يَدَعُ، وقد أُمِيتَ ماضِيهِ، لا يُقال: وَدَعَهُ، وإِنَّما يُقالُ: تَرَكهُ، ووَذِرَهُ يَذَرُه مِثْلُ وَسِعَهُ يَسَعُهُ، وقد أُمِيتَ مصدرُه.
زاد في «القاموس»: وَذِرْتُهُ شاد، انتهى.
وقد جاءَ مصدرُ وَدَعَ في الحديث، ففي «مُسند أحمد» و «مسلم» و «النسائي» و «ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنه وابن عُمر موقوفاً: ليَنْتَهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهِمُ الجَماعات أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قُلوبهم، ثُمَّ لَيَكونُنَّ من الغافِلِينَ» ه؛ أي: الكامِلينَ في الغَفْلَةِ، وهم الكافرونَ؛ لقوله تعالى: {أُولَيكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَيْكَ هُمُ الْغَفِلُونَ} [الأعراف: 179].
ثُمَّ لمَّا كانَ هنا مَظنَّةٌ سؤالٍ، وهو: إذا لَمْ يَكُنْ ماضِيهِما مُسْتَعْمَلاً فما الدَّليلُ على أنَّ فاءَهما واو؟
أجابَ بقوله: وحَذْفُ الفاءِ دليلٌ على أَنَّه؛ أي: الفاء واوِيُّ إذ لو كانَ ياءً لَمَا حُذِفَ؛ لقوله: وأمَّا الياءُ فَتَثْبُتُ على كلِّ حالٍ سواء يكون ماضياً أو مضارعاً أو مصدراً أو أمراً، أو سواءٌ ضُمَّ ما بعده أو فُتِحَ أو كُسِرَ؛ لأَنَّها أَخَفٌ مِن الواو، نحو:
يَمُنَ يَيْمُنُ بضم الميم فيهما، مِن اليُمْنِ وهو البركةُ، يقال: يَمُنَ الرَّجلُ: إذا صارَ ذا يُمْنِ، ويَسَرَ يَيْسِرُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، مِن المَيْسِرِ وهو القِمارُ، وجاء: يَسُرَ يَبْسُرُ بالضم فيهما، ويَئِسَ يَبْتَسُ كعَلِمَ يَعْلَمُ مِن اليأس وهو القُنوط.
وتقولُ في أَفْعَلَ من اليائي؛ أي: ممَّا فاؤُه ياءُ: أَيْسَرَ يُوْسِرُ فهو مُوسِرٌ، بِقَلْبِ الياء مِن المُضارع واسم الفاعِلِ واوا؛ إذ الأصلُ: يُيْسِرُ، و: مُيْسِرُ؛ لأَنَّه يائي، وإِنَّما قلِبَتِ الياءُ السُكونها وانْضِمَامِ ما قَبْلَها وذلك قياس مطردٌ وفي مِثْلِها رفعاً.
و تقول في افْتَعَلَ منهُما؛ أي: من الواو والياء: اتَّعَدَ؛ أي: قَبِلَ الوَعْدَ، أصله اوْتَعَدَ، قُلِبَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في الأُخرى يَتَّعِدُ أَصلُه: يَوْتَعِدُ فهو مُتَّعِدٌ أصله: مُوْتَعِدٌ، واتَّسَرَ يَتَّسِرُ فهو مُتَّسِرُ والأصلُ: ابْتَسَرَ يَبْتَسِرُ فهو مُبْتَسِرٌ، قُلِبَتِ اليَاءُ تاءً وأُدْغِمَتْ.
ويقالُ: ابْتَعَدَ بقلب الواوِ ياءً يَاتَعِدُ بقلب الواوِ أَلِفاً فهو مُوْتَعِدٌ على الأصل، وابْتَسَرَ على الأصلِ يَاتَسِرُ بقلبِ الياء ألِفاً فهو مُوْتَسِرُ بقلبِ الياء واواً و: هذا مكان مُوْتَسَرٌ فيه في اسم المفعول؛ أي: يُلْعَبُ فيه القِمارُ، وعَبَّر بهذه العبارةِ لأنَّ الاتِّسارَ لازم، فيَجِبُ تَعْدِيَتُه بحرف الجر ليَنْبَني منه اسم المفعول، فعدَّاه بـ في.
وحُكْمُ وَدَّ يَوَدُّ بفتح الواو فيهما كحُكْمِ عَضَّ يَعَضُّ في وجوبِ الإِدْعَامِ وامتناعِهِ وجَوَازه، وتقول في الأمر: ايْدَدْ بفتح الدَّالِ الأُولى كـ: اِعْضَضْ والأصل: اوْدَدْ قُلِبَتِ الواو ياءً لسكونها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، ويجوزُ: وَد بالفتح والكسر أيضاً؛ ك عَضَ، وإنما ذَكَرَ ايدَدْ لِمَا فيه من الإعلالِ المُوجِبِ للإشكال.
الثاني من الأنواع السَّبعةِ: المُعْتَلُّ العين وهو ما يكونُ عَيْنُه حرفَ عِلَّةٍ ويُقالُ لَهُ: الأجوفُ لخُلُوِّ ما هو كالجَوْفِ لَهُ مِن الصِّحَّةِ، و يُقال له: ذو الثَّلاثَةِ أيضاً؛ لكون ماضيه على ثلاثةِ أحرُفٍ إذا أَخْبَرْتَ أنتَ عن نَفْسِكَ نحو: قُلْتُ الفاعل كالجزء مِن الفعل، وإلا فالفعل في الحقيقة هنا على حَرْفينِ، فالمجموع في الحقيقة جملة.
فالمُجَرَّدُ الثلاثيُّ تُقْلَبُ عَيْنُه وجوباً في الماضي المَبْني للفاعِل ألفاً سواء كانَ عَيْنُه واواً أو ياء؛ لتَحَرُّكهما وانفتاح ما قَبْلَهما، نحو: صانَ وباعَ وأَصلُهُما صَوَنَ وبَيعَ.
وأمَّا ليس فليس على القياس؛ لأَنَّهُ ليسَ مِن الأفعال المتصرفةِ التي يَجيءُ لها الماضي مجهولاً والمضارعُ مُطلَقاً، وغيرهما كالأمرِ والنَّهي ونحوهما، إِذْ لَمْ يَجِيْ منهُ إلَّا أربعةَ عَشَرَ بناءً للماضي معلوماً.
فإنِ اتَّصَلَ به؛ أي: بالماضي المجرَّدِ والمَبْني للفاعل ضمير المتكلّم مُطلَقاً أو ضمير المخاطب مُطلَقاً أو ضمير جمعِ المُؤنَّثِ الغائبةِ، نُقِلَ فَعَلَ مفتوح العين من الواوي إلى فَعُلَ مَضمومِ العين، و نُقِلَ فَعَلَ مفتوح العينِ مِن اليائي إلى فَعِلَ مكسور العين؛ دَلَالةً عليهما؛ أي: ليَدُلُّ الضَّمُّ على الواوِ والكسر على الياء؛ لأنَّهما لا يُحذَفانِ كما سيُعْلَمُ مِن الأمثلة.
ولا يُغَيَّرُ فَعُلَ بضم العينِ ولا فَعِلَ بكسر العين إذا كانا أصليين يعني نحو: طول بضم العين، وهَيبَ أو خَوفَ بكسر العين، لم يُنْقَل إلى بابِ آخَرَ؛ لأَنَّكَ تَنقُلُ مفتوح العين إليهما، فيلزمُكَ إبقاؤهما بالطَّريقِ الأَوْلَى للدَّلالة على الواو والياء. والتقييد بكونهما أصليين ليس للاحتراز لكنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ فَعَلَ الأصلي يُغيَّرُ، نَبَّهَ أَنَّ فَعَلَ وفَعِلَ الأصليين لا يُغيَّرَانِ مِن بَابِ إِلى بَابِ آخَرَ، فَتَدَبَّرْ.
ولَمْ يُرِدْ أنَّهما لَمْ يُغيَّرا عن حالهما أصلاً؛ إذ هو ممنوع؛ لأنَّهُ يَنقُلُ الضَّمَّةَ والكسرةَ ويَحْذَفُ العين، كما أشار إليه بقوله: ونَقَلْتَ الضَّمَّةَ مِن الواوِ والكسرة من الياء إلى الفاء، وحَذَفْتَ العينَ؛ أي: الواو والياء الالتقاء الساكنين.
فتقولُ: صانَ صانا صانوا صانَتْ صانَتَا صُنَّ والأصلُ: صُونَ، نُقِلَ فَعَلَ الواوي إلى فَعَلَ مضمومِ العينِ لاتِّصالِ ضمير جمعِ المَؤنَّثِ، ونُقِلَتْ ضَمَّةُ الواو إلى ما قَبْلَه بعد إسكانه تخفيفاً، وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاءِ السَّاكَنَينِ فصارَ: صُنَّ، وكذلك بعينه إعلال بقيَّته، وهو قوله: صُنْتَ صُنتُما صُنتُمْ، صُنْتِ صُنتُمَا صُنتُنَّ، صُنْتُ صُنَّا.
وتقولُ في اليائي: باعَ باعَا باعُوا، باعَتْ باعَنَا بِعْنَ، بِعْتَ بِعْتُمَا بِعْتُمْ، بِعْتِ بِعْتُما بِعْتُنَّ، بِعْتُ بِعْنَا والأصلُ: بَيَعْنَ، نُقِلَ إلى مكسور العين، ونُقلت الكسرة إلى الفاء، وحُذِفتِ الياء.
وعلى هذا القياس كل ما هو مفتوحُ العَيْنِ: قال وزار، بخلافِ نحو: خافَ وهاب وطال، فإنَّه لا نَقلَ فيها إلى باب آخَرَ، بل تقولُ: خِفْتُ، والأصل: خَوفْتُ، و: هِبْتُ، والأصل: هَبْتُ، وظُلْتُ، والأصلُ: طَولتُ، فَاعْتَلَّ بنقل حركةِ العينِ ثُمَّ حَذْفِهِ.
وإذا بَنَيْتَهُ؛ أي: الماضي المجرَّدَ للمفعول كَسَرْتَ الفاءَ مِن الجميع؛ أي: من مفتوح العين ومكسوره ومضمومه واوياً كانَ أو يائياً فَقُلتَ: صِيْنَ في الواوي وإعلاله بالنَّقْلِ والقَلْبِ لأنَّ أصلَهُ: صُونَ، فَنُقِلَتْ حركة الواو [إلى ما قَبْلَها وقُلِبَتْ] 1 ياءً لسكونها وانكسارِ ما قَبْلَها. وبيْعَ في اليائي وإعلاله بالنَّقْلِ لأنَّ أصله: يُعَ، نُقِلَتِ الكسرة إلى ما قَبْلَها بعد حذف ضمَّتِهِ.
هذه اللغة المشهورة، وفيه لُغتانِ أُخْرَيَانِ:
إحداهما: صُوْنَ و بُوْعَ بالواوِ السَّاكِنِ فيهما، وقَلْبِ الياء واواً لسكونها وانضمام ما قبلها.
وثانيهما: الإشمام؛ للدَّلالة على أنَّ الأصل في هذا البابِ الضَّمُّ، وحقيقة هذا
الإشمام: أنْ تَنْحُوَ بكسرة فاءِ الفعل نحوَ الضَّمَّةِ، فتُمِيلَ الياءَ السَّاكنة بعدها نحوَ الواوِ
زيادة يقتضيها السياق.
قليلاً؛ إذ هي تابعة لحركة ما قبلها، وهذا مُرادُ النُّحاةِ والقُرَّاءِ، لا ضمُّ الشَّفَتين فقط مع كسرة الفاء كسراً خالصاً كما في باب الوَقْفِ، ولا الإتيانُ بضمَّةٍ خالِصةٍ بعدها ياءُ ساكنة كما تَوَهَّمَ بعضُهم. وتقول في مضارِعِهِ: يَصُونُ مِن الواوي، ويَبيعُ من اليائي، وإعلالُهُما بالنَّقل؛ أي: نَقْلِ ضمَّةِ الواءِ وكسرة الياء إلى ما قَبْلَها؛ إذ الأصلُ: يَصْوُنُ، و يَنْعُ؛ ك: يَنْصُرُ ويَضْرِبُ.
ويَخافُ مِن الواوي، ويَهَابُ من اليائي، وإعلالُهُما بالنَّقْلِ والقَلْب، فإِنَّ الأصلَ: يَخْوَفُ ويَهْيَبُ: يَعْلَمُ، فنَقَلَ حركة الواو والياء إلى ما قَبْلَهما، ثُمَّ قَلَبَ الواو والياءَ ألفاً؛ لتَحَرُّكِهِما في الأصل وانفتاح ما قَبْلَهما الآنَ.
وأمَّا المَبْني للمفعول من الجميعِ فبالنَّقْلِ والقَلْبِ؛ نحو: يُصانُ ويُبَاعُ ويُخافُ ويُهاب.
ويَدْخُلُ الجازِمُ على المضارع مِن الأَجْوَفِ فَيَسْقُطُ العَيْنُ؛ أي: عينُ الفعل؛ من الواو والياء والألِفِ المنقلبة عن أحدهما إذا سَكَنَ ما بعده؛ أي: ما بعد العينِ؛ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، ويَثْبُتُ العينُ إذا تَحَرَّكَ ما بعده حركةً أصليَّةً نحو: لَمْ يَصُونَا، أو مشابهة نحوَ لَمْ يَصونَنَّ، فَإِنَّ النُّونَ في الأصلِ ساكنةٌ، وَإِنَّمَا حُرِّكَتْ لَاقْتِضَاءِ نونِ التأكيد تحريكَ ما قَبْلَها في المفرَدِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِعَدَمِ عَلَّةِ الحَذْفِ.
تقولُ عند دخول الجازمِ في يَصُونُ: لَمْ يَصُنْ بحذفِ حركةِ الواحِدِ، ثُمَّ حَذْفِ الواوِ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، لَمْ يَصُونَا لَمْ يَصُونُوا بالإثباتِ فيهما لتَحَرُّكِ ما بَعْدَه. لَمْ تَصُنُ بالحَذْفِ، لَمْ تَصُونَا بالإثباتِ، لَمْ يَصُنَّ، كما تقولُ: يَصُنَّ؛ لأنَّ
الجازمَ لا عَمَلَ لهُ فيه، والواو قد حُذِفَتْ عندَ اتِّصالِ النُّونِ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ. لَمْ تَصُنْ لَمْ تَصُونَا لَمْ تَصُونُوا لَمْ تَصُونِي لَمْ تَصُونَا لَمْ تَصُنَّ، لَمْ أَصُنْ لَمْ نَصُنْ، وهكذا قياسُ كلّ ما كانَ عينه ياءً أو ألِفاً نحو: لَمْ يَبعُ بالحذفِ لسكونِ ما بعده، لَمْ يَبيعا بالإثباتِ لتَحَرُّكِهِ، ولَمْ يَخَفْ بالحذفِ، ولَمْ يَخَافَا.
والضَّابِط: أنَّ المحذوفَ إِنْ كانَ النُّونَ التي في الأمثلة الخمسة فلا تُحْذَفُ العين، وإلا فتُحْذَفُ.
وقس عليه؛ أي: على المُضارعِ الدَّاخِلِ عليه الجازِمُ الأَمْرَ بِأَنْ تَحذِفَ العينَ إذا سَكَنَ ما بعده نحو: صُنْ، ويَثْبُتُ إذا تَحرَّكَ نحو: صُونَا صُونُوا صُونِي صُونَا.
وأَمَّا جمعُ المؤنَّثِ نحو: صُنَّ فقد حُذِفَتْ عينه في المضارع.
والأَمْرُ بالتأكيد؛ أي: مع نونِ التَّأكيد: صُوْنَنَّ، صُوْنَانَ، صُوْنُنَّ، صُوْنِنَّ، صُوْنَانّ بإعادة العين المحذوفة لزوال علَّةِ الحذفِ بتحرُّكِ ما بعده؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِن أَنَّه يُفْتَحُ آخِرُ الفعلِ ويُضَمُّ ويُكْسَرُ دَفْعاً لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ.
وأَمَّا جمعُ المؤنَّثِ نحو: صُنَّانٌ فَحَذْفُ عينه لازم قطعاً.
وكذا تقول في الخفيفة: صُونَنْ وبِيعَنْ وخافَنْ.
ولَمْ تَعُدِ العينُ في نحو: صُنِ الشَّيء، و بع الفَرَسَ، و: خَفِ القَوْمَ؛ لأنَّ الحركات في هذه الأمثلةِ عارِضةٌ لا اعْتِدادَ بها، فوجودها كعَدَمِها بخلاف الحركة في نحو: صُونَا وبيعا وخافا، فإنَّها كالأصليّة لاتصال ما بَعْدَها اتصال الجزء بما قَبْلَها. ومَزِيدُ الثَّلاثي؛ أي: الثلاثيُّ المَزيدُ فيه لا يَعْتَلُّ مِنْهُ؛ أي: مِن الأَجْوَفِ إِلَّا أربعة أبنية؛ أي: أبواب، وهي: أَفْعَلَ؛ نحو: أجابَ يُجيبُ وأَصْلُهما: أَجْوَبَ يُجْوِبُ، نُقِلَتْ حركة الواوِ منهُما إلى ما قَبْلَها، وقُلِبَتْ في الماضي ألِفاً لتَحَرُّكها في الأصل وانفتاح ما قَبْلَها الآن، وفي المضارع ياءً لسكونها وانكسارِ ما قَبْلَها. إجابةً أصلها: إجواباً، نُقِلَتْ حركة الواوِ وقُلِبَتْ ألفاً كما في الفعل، ثُمَّ حُذِفَتِ الأَلِفُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ وعُوِّضتْ عنها تاء في الآخِرِ، ويُحْذَفُ عندَ الإضافةِ نحو: إقامَ الصَّلاةِ.
و استَفْعَلَ نحو: اسْتَقامَ يَسْتقيمُ اسْتِقامةً، وإعلاله كـ: أَجابَ يُجيبُ إِجابةً، ونحوُ اسْتَحْوَذَ وَاسْتَصْوَبَ مِن الشَّواذ تنبيهاً على الأصل.
و انْفَعَلَ نحو: انْقادَ يَنْقادُ أصلُهما: انْقَوَدَ يَنْقَوِدُ، قُلِبَتِ الواوُ أَلِفاً لتَحَرُّكها وانفتاح ما قَبْلَها انْقِيَاداً أصله: انْقِوادُ، قُلِبَتِ الواو ياء لانكسارِ ما قَبْلَها؛ كقولهم: قامَ يَقومُ قِيَاماً، وأمَّا: حالَ يَحولُ حَوْلاً، فَلَمْ يُعامَلْ مُعامَلةَ فِعْلِهِ.
و افْتَعَلَ نحو: اخْتارَ يَخْتارُ والأصلُ: اختيرَ يَخْتَيِرُ، وقد سَبَقَ إعلالُهما اختياراً على الأصل. وإذا بُنيَتْ هذه الأربعةُ للمفعول قيل: أُجِيبَ يُجَابُ والأصلُ: أُجْوِبَ يُجْوَبُ، نُقِلَتْ حركة الواو إلى ما قَبْلَها، وقُلِبَتْ في الماضي ياءً كما في يُجيبُ، وفي المضارع ألفاً كما في أجابَ.
واسْتَقِيمَ يُسْتَقامُ والأصل: اسْتُقْومَ يُسْتَقْوَمُ، فَنُقِلَتْ وقُلِبَتْ.
وانْقِيدَ؛ أي: انْقِيدَ له، والأصل: انْقُودَ نُقِلَتْ حركةُ الوَاوِ إلى ما قَبْلَها بعد سَلْبِ حركتهِ وقُلِبَتْ ياءً كما في: صِيْنَ، يُنْقادُ أصله: يُنْقَوَدُ، قُلِبَتِ الواوُ أَلِفاً لتَحَرُّكها وانفتاح ما قبلها.
واخْتِيْرَ أَصلُه: اخْتُبِرَ، نُقِلَتْ كسرة الياء إلى ما قَبْلَها كما في بيعَ يُخْتارُ أصله: يُختير.
والأمر منها؛ أي: من هذهِ الأربعة: أَجِبْ بحذف العين لشكون ما بعدها ك: بع، أَجِيبَا بإثباتها ك: بيعا، واسْتَقِمْ اسْتَقِيمَا، وانْقَدْ انْقَادَا، واخْتَرْ اختارا إلى آخرها.
ويَصِحُ؛ أي: لا يُعَلُّ جميعُ ما هو غيرُ هذه الأربعة من المعتل العين نحو:
قَوَّلَ وقاوَلَ وتَقَاوَلَ، وزَيَّنَ وتَزَيَّنَ، وسايَرَ وتَسَايَرَ، َواسْوَدَّ وابْيَضَّ، واسْوادَّ وابْياض، وكذا يَصِحُ ولا يُعَلُّ سائِرُ تَصَاريفها؛ أي: جميع تصاريف هذه المذكورات؛ مِن المُضارع، والمصدر، والأمر والنهي، واسم الفاعل والمفعول؛ لعَدَمِ علَّةِ الإعلالِ، وكون العين في هذه الأمثلة في غاية الخفَّةِ؛ لسُكونِ ما قَبْلَها.
واسم الفاعل مِن الثلاثيّ المُجرَّدِ يُعَلُّ عينه بالهمزة سواء كان واوِياً أو يائيّاً؛ ک صائن وبائع والأصل: صاوِن وبايع، قلبت الواو والياء همزة؛ لأنَّ الهمزة في هذا المقام أخف منهما، وتُكتَبُ الهمزة بصورة الياء لأنَّ الهمزة المتحركةَ السَّاكِنَ ما قَبْلَها تُكْتَبُ بصورة حركتها.
و اسم الفاعلِ مِن الثَّلاثي المَزِيدِ فِيهِ يَعْتَلُّ بِمَا اعْتَلَّ به المُضارعُ؛ أي: مُضارعُ المَزِيدِ ك: مُجِيبٍ أصله: مُجْوِبٌ، ومُستَقِيمٍ أَصلُه: مُسْتَقُومُ، ومُنْقادُ أصله: مُنْقَوِدٌ، ومُختار أصلُه: مُخْتَيِرٌ.
واسمُ المفعولِ مِن الثَّلاثيّ المجرَّدِ يَعْتَلُّ بِالنَّقْلِ والحذفِ؛ ك: مَصُونٍ ومبيع، والمحذوف واو مفعول عند سيبويه؛ لأَنَّهَا زائدةٌ، وَالزَّائِدُ أَوْلَى أَنْ يُحذَفَ، فأصلهما: مَصْرُونٌ ومَبْيُوعٌ، نُقِلَتْ حركة العين إلى ما قَبْلَها، فحُذِفَتْ واو المفعول لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، ثُمَّ كُسِرَ ما قبل الياءِ لئلا تَنْقَلِبَ واواً فيَلْتَبِسَ بالواوي، فـ مصونٌ مَفْعُل و ميع مَفْعِل.
و المحذوفُ عينُ الفعل عند أبي الحَسَنِ الأخفش؛ لأنَّ العين كثيراً ما يَعْرِضُ لها الحذفُ في غير هذا الموضع، فحَذْفُه أَوْلَى، فَأَصلُ مَبيع: مَبيوع، نُقِلَتْ ضمَّةُ الياء إلى ما قَبْلَها وحُذفت الياءُ، ثُمَّ قُلِبَتِ الضَّمَّةُ كسرةً لتُقْلَبَ الواوُ ياءً لئلا يَلْتَبِسَ بالواوي.
وأما قولُهم: مَشِيبٌ، في الواوي مِن الشَّوبِ وهو الخَلْطُ، و: مَهُوبٌ، في اليائي مِن الهَيْبَةِ، فمِنَ الشَّوَاذَّ، والقياسُ: مَشُوبٌ ومَهِيبٌ.
وبنو تَمِيمٍ يُثْبِتونَ وفي بعض النسخ: يتمّمُون الياءَ دونَ الواوِ؛ لأَنَّهَا أَخفُ من الواو، فيقولونَ: مَبيوع كما تقولُ: مضروبٌ، وهذا مُطَّرِدٌ عندَهم. و اسم المفعول مِنْ الثَّلاثي المَزِيدِ فِيهِ يَعْتَلُّ بِالقَلْبِ؛ أي: بِقَلْبِ العِينِ ألفاً كما في المبني للمفعول مِن المُضارع إنِ اعْتُل بصيغة المجهول؛ أي: أُعِلَّ فِعْلُه؛ أي: فِعْل اسم المفعول، وهو المبني للمفعول من المضارع، بأن يكونَ مِن الأبنية الأربعة كـ: مُجَابٍ ومُستَقام ومُنْقادِ ومُخْتارٍ والأصلُ: مُجْوَبٌ ومُسْتَقْوَم و منقود ومحتير.
الثالث من الأنواع السبعة: المُعْل السلام وهو ما يكون لامه حرف عِلَّةٍ ويُقال له: الناقِصُ لنقصانِ آخِرِه مِن بعض الحركات، و يُقال له: ذو الأربعة، أيضاً وذلك لكونِ ماضِيهِ على أربعةِ أحْرُفٍ إِذا أَخْبَرْتَ عن نَفْسِكَ نحو: غَزَوْتُ ورَمَيْتُ، وتسميةُ الشَّيء بالشَّيء لا يقتضي اختصاصه به، فلا يَرِدُ أنه قد يُوجَدُ في غيره.
فالمُجَرَّدُ يُقْلَبُ؛ أي: فيهِ الواوُ والياءُ اللَّتانِ هما لام الفعلِ مِن النَّاقِصِ أَلِفاً إذا تَحَرَّكَتا بأي حركةٍ كانَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهما؛ كـ غَزَا ورَمَى في الفعل الماضي، والأصلُ: غَزَوَ وَرَمَيّ، وعَصًا ورَحْى في الاسم، والأصلُ: عَصَوٌّ ورَحَيٌّ، قُلِبَنَا أَلِفاً وحُذِفَتِ الأَلِفُ لالْتِقاءِ السَّاكَنَينِ بَينَ الأَلِفِ والتَّنوينِ.
وكانَ الأَوْلَى أنْ يقول: كالعَصَا والرَّحَى؛ ليكونا على مِنْوَالِ مَا قَبْلَهما. ثُمَّ المنقلبة من الياء تُكتب بصورة الياء فيهما فرقاً بينهما وبين المنقلبة من الواو. وأَمَّا نحو: غَزَوَا ورَمَيَا للتَّثنيَةِ، فأُبْقِيَ على حالهما لئَلَّا يَلْتَبِسا بمُفْرَدِهما.
وكذلك الفعلُ الزَّائدُ على الثَّلاثَةِ قَلْبِ لامِهِ ألفاً عند وجودِ العلَّة المذكورة، و كذلك اسم المفعول من المَزِيدِ فيه، فإنَّ ما قبل لامِهِ يكون مفتوحاً البَيَّةَ.
ثُمَّ أشار إلى أمثلة الفعل واسم المفعول على طريق اللَّفُ والنَّشْرِ بقوله: كـ أَعْطَى والأصلُ: أَعْطَوَ واشْتَرَى والأصل: اشْتَرَيَ، واسْتَقْصَى أصله: اسْتَقْصَوَ، قُلِبَتِ الواوُ مِن أَعْطَوَ َواسْتَقْصَوَ ياءً لِمَا سَيَجِيءُ، ثُمَّ قُلِبَتِ الياء من الجميع ألفاً، والمُعْطَى والمُشْتَرَى والمُسْتَقْصَى أيضاً كذلك؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أَنَّ الألف في الجميعِ مُنقلبةٌ مِن الياءِ يَكتُبُونَها بصورةِ الياء ولو كانَ أصلها الواو.
ومَثَلَ بثلاثة أمثلة لأنَّ الزَّائِدَ إما واحد أو اثنان أو ثلاثة، وذَكَرَ اسم المفعول مع اللَّامِ ليَبْقَى الأَلِفُ فَيَتَحقَّقَ ما ذَكَرَ؛ إذْ لولا اللَّامُ لِحُذِفَ الْأَلِفُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَين بينها وبين التنوين. وكذا تُقلَبانِ ألِفاً إذا لَمْ يُسَمَّ الفاعل؛ أي: في المبني للمفعول من المُضارع مجرَّداً كانَ أو مزيداً فيه، لأنَّ ما قَبْلَ لامهِ مفتوح البتَّةَ كقولك: يُغْزَى ويُعْطَى وأصلهما يَغْزُو ويُعْطِي قُلِبَتِ الواو ياء ويُرْمَى أَصلُه: يَرْمِي، قُلِبَتِ الياء ألفاً من الجميع؛ لتَحَرُّكها وانْفَتاحِ ما قَبْلَها.
وأما الماضِي فتُحْذَفُ اللَّامُ منهُ في مِثالِ: فَعَلُوا، مُطْلَقاً؛ أي: إِذَا اتَّصَلَ به واو ضمير جماعةِ الذُّكور، سواء كانَ ما قَبْلَ اللَّامِ مفتوحاً: غَزَوْا، أَو مَضْمُوماً كـ: سرُوا، أو مكسوراً كـ رَضُوا واواً كانَ اللامُ: غَزَوْا وسَرُوا، أو ياءً ك: رَمَوْا، مجرَّداً كانَ الفعل كما سَبَقَ، أو مَزيداً فيه نحوَ أَعْطَوا وارْتَضَوا؛ لأَنَّ اللَّامَ وَمَا قَبْلَه متحركان في هذه الأمثلة البتّة، وحركةُ اللَّامِ الضَّمَّةُ لأَجْلِ الوَاوِ ك: نَصَرُوا وَضَرَبُوا، فحركةُ ما قَبْلَه إنْ كانتْ فتحةً تُقْلَبُ اللَّامُ ألفاً ويُحْذَفُ الأَلِفُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، وَإِنْ كانَتْ ضمَّةٌ أو كسرةً تَسْقُطانِ أو تُنْقَلانِ - كما سيأتي مفصلاً - لثِقَلِهما على اللام،
فتَسْقُطُ اللَّامُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، ففي الكُلِّ وَجَبَ حَذْفُ اللَّام.
و يُحْذَفُ اللَّامُ في مثالِ: فَعَلَتْ وفَعَلَنَا؛ أي: إِذا اتَّصلَتْ بالماضي تاءُ التَّأْنيثِ للمُفْرَدِ أو المثنّى إذا انْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ أي: ما قبلَ اللَّام، وفي نسخة: ما قبلهما؛ أي: الواوِ والياء؛ كـ: غَزَتْ وغَزَتَا، ورَمَتْ ورَمَتَا، وأعْطَتْ وأَعْطَنَا، واشْتَرَتْ واشْتَرَتَا، واسْتَقْصَتْ واسْتَقْصَتَا. والأصل: غَزَوَتْ غَزَوَتَا، ورَمَيَتْ رَمَيَّتًا .. إلى الآخِرِ، قُلِبَتِ الواو والياء ألفاً لتَحَرُّكهما وانفتاح ما قَبْلَهما، ثُمَّ حُذفتِ الْأَلِفُ لالْتِقاءِ السَّاكِنينِ، وهو في فِعْلِ الاثنين تقديري؛ لأنَّ التَّاءَ ساكنة تقديراً؛ لأنَّ المتحركةَ مِن خواص الاسم، فعَرَضَتِ الحركةُ هاهنا لأَجْلِ أَلِفِ التَّثنية، فلا عبرة بحركته. ومنهم مَن لا يَلْمَحُ - أي: لا يَحذِفُ الأَلِفَ في التَّثنية - هذا، ويقولُ: غَزَاتَا رَمَاتَا، وليس بوَجْهِ.
وتَثْبُتُ؛ أي: اللَّامُ في غيرها؛ أي: في غيرِ مِثالِ فَعَلُوا مُطْلَقاً، ومثالِ فَعَلَتْ وفَعَلَنَا مفتوحَيْ ما قَبْلَ اللَّامِ، وهو ما لا يكون على غير هذه الأمثلة، أو يكون على فَعَلَتْ وفَعَلَنَا لكن لا يكون مفتوحاً ما قَبْلَ اللَّامِ، نحو: رَضِيَتْ رَضِيَنَا، وَسَرُوَتْ سَرُوَتَا؛ لعَدَمِ مُوْجِبِ الحذفِ.
فإِذا عَرَفْتَ هذا فتقولُ في فَعَلَ مَفتوح العينِ واوِيَّاً: غَزَا غَزَوَا غَزَوْا، غَزَتْ غَزَنَا غَزَوْنَ، غَزَوْتَ غَزَوْتُمَا غَزَوْتُم غَزَوْتِ غَزَوْتُمَا غَزَوْتُنَّ، غَزَوْتَ غَزَوْنَا، و في مفتوح العين يائياً رَمَى رَمَيَا رَمَوْا، رَمَتْ رَمَنَا رَمَيْنَ، رَمَيْتَ رَمَيْتُمَا رَمَيْتُم، رَمَيْتِ رَمَيْتُما رَمَيْتُنَّ، رَمَيْتُ رَمَيْنا، و في فَعِلَ مكسور العينِ رَضِيَ رَضِيَا رَضُوا، رَضِيَت رَضِيَنَا رَضِيْنَ، رَضِيْتَ رَضِيْتُمَا رَضِيْتُم رَضِيْتِ رَضِيْتُمَا رَضِيْتُنَّ، رَضِيْتُ رَضِيْنَا.
والفعل المكسور العين سواء كانَ واوياً أو يائيّاً لامه ياءُ؛ لأنَّ الواوَ تُقْلَبُ ياءً لتَطَرُّفها وانكسارِ ما قَبْلَها كـ رضي، أصله رَضِوَ، واليائي ك: خَشِيَ، ولذا لَمْ يَذْكُرِ المصنِّفُ إِلَّا مثالاً واحداً.
وكذلك تقولُ: سَرُو؛ أي: صار سيداً سَرُوا سَرُوا .. إلى آخِرِه: سَرُوَتْ سَرُوَتَا سَرُوْنَ، سَرُوْتَ سَرُوْتُمَا سَرُوْتُم سَرُوتِ سَرُوْتُمَا سَرُوْتُنَّ، سَرُوْتُ سَرُوْنا. وذَكَرَ مثالاً واحداً لأَنَّهُ لا يكونُ إلَّا ياتياً.
وإنَّما فَتَحْتَ أنتَ ما قَبْلَ واوِ الضَّمِيرِ في غَزَوْا أَو رَمَوْا وهو الزَّايُ والميم وضَمَمْتَ؛ أي: ما قَبْلَها في رَضُوْا وسَرُوْا وهو الضَّادُ والرَّاءُ؛ لأَنَّ وَاوَ الضَّمِيرِ إِذا اتَّصَلَ بالفعلِ النَّاقص بعدِ حَذْفِ اللَّامِ فيُنْظُرُ فِيهِ: فَإِنِ انْفَتحَ مَا قَبْلَهَا؛ أي: ما قَبْلَ واوِ الضَّمِيرِ بقي على الفَتْحةِ إذ لا مانع منها مع كمالها في الخِفَّة، وإنِ انْضَمَّ؛ أي: ما قَبْلَها أو كُسِرَ، ضُمَّ؛ أي: نُطِقَ بِالضَّمِّ لمُناسَبَتِهِ الواو.
ففُتِحَ في غَزَوْا ورَمَوْا لأَنَّ ما قَبْلَ الواوِ بعد حذفِ اللَّامِ مَفتوح؛ لأنَّهما مفتوحا العين، فأُبْقِي الفتح، وكذا أُبَقِيَ الضَّمُّ في سَرُوْا لأَنَّهُ مضمومُ العينِ، وكذا ضُمَّ في رَضُوا لأنَّه كان مكسوراً بعد حَذْفِ اللَّامِ، فَقُلِبَتِ الكسرة ضمَّةٌ لتَبْقَى الواو. وقد يُقالُ: نُقِلَتْ ضمَّةُ الياء إلى ما قَبْلَها بعدَ سَلْبِ حركتِه ثُمَّ حُذِفتِ الياءُ لالتقاء الساكنين، وهذا معنى قوله: وأصلُ رَضُوا رَضِيُوا يعني: بعدَ قَلْبِ الواو ياء؛ لأنَّ الأصلَ، رَضِعُوا، فنُقِلَتْ ضمَّةُ الياءَ إلى الضَّادِ وحُذفتِ اليَاءُ لالْتِقاءِ السَّاكِنِينِ وهما الياء والواو.
وأما المضارع من المعتل اللَّامِ فتُسكَّنُ اللَّامُ وفي نسخة: الواوُ والياء والألف منه في الرفع؛ نحو: يَغْزُو ويَرْمِي وَيَخْشَى، والأصلُ: يَغْزُو ويَرْمِي وَيَخْشَيْ، فَحُذفت الضَّمَّةُ لِيُقَلِها في: يَغْزُو ويزمي، وقُلِبَتِ الياء أَلِفاً في: يَخْشَى التحركها والفتاح ما قبلها.
وتحذفُ؛ أي: الثَّلاثة - وفي نسخة: فيُحْذَفْنَ - فِي الجَزْمِ لأنَّها قائمةٌ مقام الإعراب كالحركة، فكما تُحْذَفُ الحركة فكذا هذه الحروف، وقد ثَبَتَتْ في لغة؛ كقوله:
أَلَمْ يَأْتِيكَ والأنباءُ تَنْمِي
ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِي وَيُضيرُ يوسف: 90 في رواية قنبل عن ابن كثير.
وقيل: الياء متولّدة من إشباع الكسرة.
وتُفْتَح الواو والياء في النَّصْبِ لخفَّةِ الفتحة وَتَثْبُتُ الأَلِفُ بحالها؛ لأنَّها لا
تَقْبَلُ الحركة ولا مُوجِبَ لحذفها.
ويُسْقِطُ الجَازِمُ والنَّاصِبُ النُّونَاتِ؛ أي: جميعها سِوَى نونِ جماعةِ المُؤنَّثِ
كما سَبَقَ بيانُها، فتقولُ حينئذ:
لَمْ يَغْزُ بحذفِ الواوِ لَمْ يَغْزُوا بحذفِ النُّونِ، و: لَمْ يَرْمِ بحذفِ الياءِ لَمْ
يَرْمِيا بحذفِ النُّون، و: لَمْ يَرْضَ بحذفِ الأَلِفِ لَمْ يَرْضَيَا بحذفِ النُّونِ. و: لَنْ يَغْزُوَ بفتح الواو و: لَنْ يَرْميَ بفتح الياء، و: لَنْ يَرْضَى بإثباتِ الأَلفِ. ويَثْبُتُ لامُ الفعل واواً كانَ أو ياء في فِعْلِ الاثْنَيْنِ مفتوحةً نحو: يَغْزُوانِ ويَرْمِيَانِ، على أَصْلِهما، و: يَرْضَيَانِ، بِقَلْبِ الأَلِفِ ياءً؛ لأَنَّ أَلِفَ التَّثْنِيَةِ يَقْتَضِي فتح ما قبله. و يَثْبُتُ لام الفعلِ أيضاً في فِعْلِ جماعةِ الإناث ساكنةً؛ نحو: يَغْزُوْنَ
ويَرْمِينَ ويَرْضَيْنَ؛ لَعَدَمِ مُقتَضِي الحَدْفِ.
ويُحذَفُ؛ أي: لام الفعلِ مِن جماعةِ الذُّكورِ مُخاطَبِينَ كانوا أو غائِبِينَ؛ نحو: يَغْزُوْنَ وَيَرْمُوْنَ ويَرْضَوْنَ، والأصلُ: يَغْرُوُوْنَ وَيَرْمِيُوْنَ وَيَرْضَيُوْنَ، فَحُذِفَتْ حركاتُ اللَّامِ ِلثِقَلِ الضَّمَّةِ، ثُمَّ اللَّامُ لالتقاءِ السَّاكَنَينِ، أَو يُقالُ فِي يَغْزُوْنَ وَيَرْمُوْنَ: نُقِلَتْ، وفي يَرْضَوْنَ: قُلِبَتْ أَلِفاً ثُمَّ حُذِفَتْ مِن الجَميعِ.
و يُحذفُ أيضاً مِن فِعْلِ الواحِدةِ المُخاطَبَةِ في نحو: تَغْزِيْنَ وَتَرْمِيْنَ وتَرْضَيْنَ، والأصلُ: تَغْزُوِيْنَ وَتَرْمِنِيْنَ وَتَرْضَيْنَ.
فإذا تَقَرَّرَ هذا فتقولُ في يَفْعُلُ بالضَّمِّ: يَغْزُو يَغْزُوَانْ يَغْزُوْنَ، تَغْزُوْ تَغْزُوَانِ تَغْزُوْنَ، تَغْزِيْنَ تَغْزُوَانِ تَغْزُوْنَ، أَغْزُوْ نَغْزُوْ وعلى هذا القياسِ: يَدْعُو. ويستوي فيهِ؛ أي: في مُضارع نحوِ غَزَا لفظ جماعةِ الذكور والإناث في الخطابِ والغَيْبَةِ؛ أي: جميعاً كما في نسخة: أما في الخطاب فلأنَّكَ تَقولُ: أنتمْ تَغْزُوْنَ، و أنتنَّ تَغْزُوْنَ بِالتَّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فيهما. وأما في الغَيبة فلأنَّكَ تقولُ: الرّجالُ يَغْزُوْنَ، و: النِّسَاءُ يَغْزُوْنَ، بالياءِ التحتانية فيهما.
لكنَّ التَّقدير؛ أي: تقدير كلٌّ منهُما مُختلِفٌ في التَّعبيرِ، فَوَزْنُ المُذَكَّرِ؛ أي: جَمْعِهِ: يُفْعُوْنَ في الغَيبةِ وتَفْعُوْنَ في الخطاب بحذفِ اللَّامِ فيهما؛ لِما مَرَّ أَنَّ الأصل: يَغْزُرُوْنَ حُذفتِ اللَّامُ، والواو ضمير، ووَزْنُ المُؤنَّثِ؛ أي: جَمْعِهِ: يَفْعَلْنَ في الغَيْبةِ وتَفْعَلْنَ في الخطابِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّامَ يَثْبُتُ فِي فعل جماعة الإناث.
وتقولُ في يَفْعِلُ بالكسرِ: يَرْمِي يَرْمِيَانِ يَرْمُوْنَ، تَرْمِي تَرْمِيَانِ يَرْمِيْنَ، تَرْمِي
تَرْمِيَانِ تَرْمُونَ، تَرْمِيْنَ تَرْمِيَانِ تَرْمِيْنَ، أَرْمِي نَرْمِي وعلى هذا القياسِ: يَهْدِي.
رَضِبُوا؛ أي: نُقِلَتْ ضَمَّةٌ الياء إلى الميم وحُذفت الياءُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ، وخَصَّهُ بالذَّكرِ لأَنَّه خَالَفَ يَغْزُوْنَ ويَرْضَوْنَ في عَدَمِ بقاءِ عَينه على حركته الأصلية، فنبه على كيفية ضم العينِ وانْتِفاء الكسر. وهكذا؛ أي: مِثْلُ يَرْمِي حُكْمُ ما كانَ ما قَبْلَ لامهِ مَكْسوراً في جميعِ ما ذُكِرَ
كيُهْدِي مِن الإهداء، ويُناجِي مِن المُناجاةِ، ويَرْتَجِي مِن الارْتِجَاءِ وهو طلب الرَّجاءِ ويَنْبَرِي؛ أي: يَعْرِضُ، وفي نسخةٍ: يَعْتَرِي؛ أي: يَعْتَرِضُ، وَيَسْتَدْعي من الاستدعاء، فأَجْرِ عليها أحكامَ يَرْمِي وصَرِّفُها تَصْرِيفَه كما عَرَفْتَ فِي مَقامِ التفصيل، فإنَّ الذَّكَيَّ كَفَاه هذا القَدْرُ من التعليل، وأَمَّا البَليدُ فلا يُفيدُه التَّطويل، ولو تَلَيْتَ عليهِ التَّوراة والإنجيل. و على هذا القياس قوله: يَرْعَوِي؛ أي: يَكُفُّ ويَعْرَوْرِي مِن أَعْرَوْرَيْتُ الفَرَسَ؛ أَي: رَكِبْتُه عُرْياناً. وتقولُ في يَفْعَلُ بالفتح: يَرْضَى يَرْضَيَانِ يَرْضَوْنَ، تَرْضَى تَرْضَيَانِ يَرْضَيْنَ بالياء دونَ الألِفِ؛ لأنَّ الأصلَ الياء والألِفُ مُنقلبة عنه، وهنا ليسَتْ متحرّكةً فلا تُقلَبُ، بل تَرْجِعُ إلى أصلِها تَرْضَى تَرْضَيَانِ تَرْضَوْنَ، تَرْضَيْنَ تَرْضَيَانِ تَرْضَيْنَ، أَرْضَى نَرْضَى وعلى هذا القياس: يَسْعَى.
وهكذا قياسُ ما كانَ ما قَبْلَ لامه مفتوحاً؛ نحو:
يَتَمَطَّى والأصلُ: يَتَمَطَّوُ، مصدرُه: التَّمَطَّي، وأصله: التَّمَطُّو، وهو المد، قلِبَتِ الواو ياء والضَّمَّةُ كسرة؛ لرفضهم الواو المتطرفة المضموم ما قَبْلَها. ويَتَصابَى أصلُه: يَتَصابَوُ، مَصْدرُه: التَّصَابي، أصلُه: التَّصَابُو، لأَنَّه مِن الصَّبْوةِ، فأُعِلَّ كما سَبَقَ.
ويَتَقَلْسَى أَصلُهُ: يَتَقَلْسَو، مصدرُه: التَّقَلْسِي، أَصلُه: التَّقَلْسُو كالتَّدَرُّجِ.
ولفظ الواحدةِ المؤنَّثةِ في الخِطاب كلفظِ الجَمْعِ؛ أي: جمع في الخِطاب في بابِ يَرْمِي ويَرْضَى؛ أي: في كُلِّ ما كانَ ما قَبْلَ لامه مكسوراً أو مفتوحاً، فإنَّه يُقالُ في الواحدةِ والجمع: تَرْمِينَ وتَهْدِينَ وتُناجِيْنَ ونحوها، وكذا: تَرْضَيْنَ وتَتَمَطَّيْنَ وتَتَصابَيْنَ وأمثالها فيهما جميعاً.
والتقدير مختلِفٌ في التَّعبيرِ؛ فوزنُ الواحدةٍ مِن يَرْمِي: تَفْعِيْنَ بكسر العين ومن يَرِضَى: تَفْعَيْنَ بفتح العينِ، واللَّامُ محذوفة كما مر، ووزنُ الجمع من يَرْمِي: تَفْعِلْنَ بالكسر ومن يَرْضَى: تَفْعَلْنَ بالفتح، بإثباتِ اللَّامِ لأَنَّها تَنْبُتُ في فعل جماعةِ النِّساءِ مُطلَقاً.
والأَمْرُ مِنها؛ أي: من هذه الثلاثة المذكورة، وهي يَغْزُو ويَرْمِي وَيَرْضَى: اغْزُ اغْرُوا اغْرُوا اغْزِي اغْرُوا اغْزُوْنَ، و كذا: ادْعُ ارْمِ ارْمِيَا ارْمُوا ارْمِي ارْمِيَا ارْمِيْنَ، و كذا: اِهْدِ ارْضَ ارْضَيَا ارْضَوْا ارْضَيْ ارْضَيَا ارْضَيْنَ وكذا: اسْعَ، وهذا أمر واضح لمن له فهم لائح.
وإذا أَدْخَلْتَ نونَ التَّأكيد؛ أي: على نحوِ اغْزُ وارْمِ وارْضَ خفيفةً كانتِ النُّونُ أو ثقيلةً أُعِيدَتِ اللَّامُ المحذوفة فقلت: اغْزُوَنَّ بإعادةِ الواوِ و: ارْمِيَنَّ بإعادةِ الياءِ وارْضَيَنَّ بإعادة الألِفِ ورَدُّها إلى أصلها وهو الياء ضرورة تحرُّكها. ولا تُعادُ اللَّامُ في فعلِ جماعةِ الذُّكورِ والواحِدةِ المُخاطَبَةِ، أَمَّا مِن ارْضَ فلأنَّ الْتِقاءَ السَّاكِنَينِ لَمْ يَرتفِعْ حقيقةً؛ لعُروض حركتي الواو والياءِ الضَّمِيرَيْنِ، وأَمَّا مِن اغْرُ وارْمِ فلأنَّ سَبَبَ الحذفِ باقٍ؛ أعني الْتِقاءَ السَّاكِنينِ لو أُعِيدَ اللَّامُ. واسم الفاعل مِنها؛ أي: مِن هذه الأفعالِ الثَّلاثةِ المذكورة: غاز أصله: غازِو غازِيَانِ أَصلُه: غازِوَانِ غازُونَ أصله: غازِرُوْنَ، ثم عَازِيُوْنَ غازِيَةٌ أَصلُه: غازِوَةٌ غازيتان أصله غازوَنانِ هازِيَاتٌ أصله: غازوَاتٌ وغَوَانِ أَصله غَوَازِرٌ.
وكذا حكم داعٍ، و رام رامِيَانِ امُونَ أصله: رامِيُونَ رامِيَةٌ رَامِيَتَانِ رامِيَاتٌ ورَوَامٍ، وكذا حُكْمُ ساع وغاش، فيقال في جمع المذكَّرِ مِنْهُما سَوَاءٍ وغَوَاشٍ، وراض راضِيَانِ اضُون أصله: راضِرُوْنَ ثُمَّ راضِيُون راضِيَةٌ رَاضِيَتَانِ راضِيَاتُ ورَوَاضِ، وأصل غاز غازو كـ: ناصِرِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لتَطَرُّفها وانْكِسارِ ما قَبْلَهَا وهذا قياس مطردٌ، وكذا راض أصله: راضو، جُعِلَ: راضي، وأصل رام رامي، فحُذِفَتْ ضمَّةُ الياءِ مِن الجميع استثقالاً، فاجْتَمَعَ سَاكِنانِ: الياءُ والتَّنْوينُ، فَحُذِفَتِ الياء لالْتِقاءِ السَّاكِنَين دونَ التَّنوين؛ لأنَّها حرف علة والتّنوينُ حرفٌ صحيحٌ، فَحَذْفُها أَوْلَى، فإنْ زالَ التَّنْوينُ أُعِيدتِ الياءُ؛ نحو: الغازِي والرَّامِي.
كما قُلِبَتِ الواو ياء في غُزِي مِن المَبْني للمفعول في الماضي، والأصل: غُزِوَ، ثُمَّ قالوا: غازِيَةٌ بقلبِ الواوِ ياءً مع عَدَمِ تَطَرُّفها صورةً؛ لأَنَّ المُؤنَّكَ فَرْعُ المُذَكَّرِ؛ لكون المؤنَّثِ غالباً على الزّيادةِ، فلمَّا قَلَبوها في الأصلِ قَلَبوها في الفَرْع، فقالوا: غازِيَةٌ، وفي التَّنْزيل: فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةِ} [الحاقة: ??]، والتَّاءُ طارِيَة على أصل الكلمة، وليستْ مِنها بل هي مُلْحَقَةٌ، فكأنَّ الواوَ مُتطرّفةٌ حقيقةً.
وأصلُ غَوَانٍ: غَوازِيٌّ بالتَّنوينِ، أُعِلَّ إعلالَ غاز، ولا بَحْثَ لَنا مَعْشَرَ الصَّرْفِيِّينَ عن أنَّه مُنْصَرِفُ أو غيرُه، وأنَّ تنوينَه أَيُّ تَنوين، وكذا حُكْمُ غَوَاشٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ هذا الإعلالَ إِنَّما هو حال الرفع والجر، وأما حالَ النَّصْبِ فتقول:
رأيتُ غازياً ورامياً وغَوَازِيَ ورَوَامِيَ، كالصَّحيح.
وتقول في مفعول من الواوي؛ أي: في اسم المفعول من الثلاثي المجرَّدِ الواوي: مَغْرُةٌ أَصلُه: مَغْرُورٌ، أُدْغِمَتْ.
ومن اليائي؛ أي: من الثلاثي المجرَّدِ اليائي مَرْمِيُّ أصله: مَرْمُوي فقُلِبَتِ الواو ياء وأُدْغِمتِ الياءُ في الياء وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَسْلَمَ اليَاءُ، وَإِنَّما قلبتِ الواو ياء لأنَّ الواو والياء إذا اجْتَمَعَتَا؛ أي: في كلمة كما في نسخة والأُولَى منهما ساكنة سواء كانَتْ هي الواو أو الياءَ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياء في الياء وهذا قياس مُطَّرِدٌ طَلباً للخِفَّةِ.