شرح بانت سعاد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح بانت سعاد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
قَصِيدَةُ بَانَتْ سُعَادُ
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَنْبُولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلَتْ إِلَّا أَغَنُّ غَضِيْضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُوْلُ تَجْلُوْ عَوَارِضَ ذِي ظُلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءٍ مَحْيَةٍ صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ تنفي الرِّيَاحُ القَذَى عَنْهُ وَأَقْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضُ يَعَالِيل أَكْرِمْ بِهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ مَوْعُودَهَا أَوْ لَوَ أَنَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ لَكِنَّهَا خِلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلافٌ وَتَبْدِيلُ فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوابِهَا الغُولُ وَلا تُمَسِّكُ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ إِلا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الغَرَابِيلُ فَلا يَغُرَنْكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ إِنَّ الأَمَانِيَّ وَالأَحْلامَ تَضْلِيلُ كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبِ لَهَا مَثَلاً وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الأَبَاطِيلُ أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضِ لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا العِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عُذَافِرَةٌ لَهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقَالُ وَتَبْغِيلُ مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الأَفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا
طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ تَرْمِي الغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدِ لَهِقٍ إِذَا تَوَقَدَتِ الْحِزَّانُ وَالْمِيلُ ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا عَبْلٌ مُقَيَّدُهَا فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الفَحْلِ تَفْضِيلُ غَلْبَاءُ وَجْنَاءُ عُلْكُومٌ مُذَكَّرَةٌ فِي دَفْهَا سَعَةٌ قُدَّامَهَا مِيلُ وَجِلْدُها مِنْ أَطُومٍ لاَ يُؤَيِّسُهُ طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ الْمَثْنَيْنِ مَهْزُولُ حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ يَمْشِي القُرَادُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضِ مِرْفَقُهَا عَنْ بَنَاتِ الزَّورِ مَفْتُولُ كَأَنَّمَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذَا خُصَلٍ فِي غَارِزِ لَمْ تَخَوَّنُهُ الأَحَالِيلُ قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلبَصِيرِ بِهَا عِثْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ تُخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لاَحِقَةٌ ذَوَابِلٌ مَسُّهُنَّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ سمْرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَى زِيَمًا لَمْ يَقِهِنَّ رُؤُوسَ الأُكْمِ تَنْعِيلُ كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا إِذَا عَرِقَتْ وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَسَاقِيلُ يَوْمَا يَظَلُّ بِهِ الْحِرْباءُ مُضْطَخِدا كَأَنَّ ضَاحِبَهُ بِالشَّمْسِ مَمْلُولُ وَقَالَ لِلْقَوْمِ حَادِيهِمْ وَقَدْ جَعَلَتْ وُرْقَ الْجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الْحَصَى: قِيلُوا شَدَّ النَّهَارِ فِرَامًا عَيْطَلِ نَصَفٍ قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ نَوَّاحَةٌ رِحْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَهَا لَمَّا نَعَى بِكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ تَفْرِي اللَّبَانَ بِكَفَّيْها وَمِدْرَعُها مُشَقَّقُ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيل يَسْعَى الوُشَاةُ جَنابَيْهَا
وَقَوْلُهُمُ إِنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ لاَ أُلْفِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ فَقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لا أَبَالَكُمُ فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ أُنْبِنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي وَالعَفْرُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ فَقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِراً وَالعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبُولُ مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الـ قُرْآنِ فِيْهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ لا تَأْخُذَنَّي بِأَفْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَإِنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأَقَاوِيلُ لَقَدْ أَقُومُ مَقَاماً لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَمْ يَسْمَعِ الفِيلُ لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لَا أُنَازِعُهُ فِي كَفَّ ذِي نَقِمَاتٍ قِيلُهُ القِيلُ لَذاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ وَقِيلَ إِنَّكَ مَنسُوبٌ وَمَسْؤُولُ مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ مِنْ بَطْنِ عَشَرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ يَغْذُو فَيُلْحِمُ ضِرْ عَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْمُ مَنَ القَوْمِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنَا لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ القِرْنَ إِلَّا وَهُوَ مَفْلُولُ مِنْهُ تَظَلُّ سِبَاعُ الْجَوِّ ضَامِزَة وَلَا تُمَشَّى بِوَادِيهِ الأَرَاجِيلُ وَلاَ يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ مُطَرَّحُ البَرِّ وَالدِّرْسَانِ مَأْكُولُ إِنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسُ
وَلَا كُشُفٌ عِنْدَ اللَّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ بِيضٌ سَوَابِعُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنَّهَا حَلَقُ القَفْعَاءِ مَجْدُولُ لا يَفْرَحُونَ إِذَا نَالَتْ رِمَاحُهُمُ قَوْماً وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ لا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلا فِي نُحُورِهِمُ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
الحَمْدُ للهِ الذي خَلَقَ السُّعداءَ مِن العِبَاد، وجَعَلَ منهم الأشقياء كما أراد، بمقتضى نُعوتهِ الجَمَاليَّة، وبمَوْجِبِ صِفاتهِ الجَلَالِيَّة، والصَّلاةُ وَالسَّلامُ على سيد السادات، ومَنْبِعِ السَّعَادات وعلى مَن سَعِدَ بِقُربتِهِ وصُحْبَتِهِ وخِدْمَتِهِ و مُتابَعَته من أمَّته، أصحابِ الكَمَالاتِ، وأرباب الهمم العاليات.
أما بعد:
فيقول المفتقِرُ إلى بر ربِّه الغني الباري، علي بن سلطان محمد القاري، عامَلَهُ اللهُ بلُطْفِهِ الخَفِيّ، وكَرَمِهِ الوَفيّ: إِنَّ هذا شرح لطيف وفتح شريف؛ لحل بعض مُشكِلاتِ القصيدة الشهيرة بـ: «بانت سعاد من منظومات كعب بن زُهير بن أبي سُلْمَى، الذي هَدَاهُ اللهُ إلى سبيلِ الرَّشادِ، وَتَشَرَّفَ بِصُحبةِ النَّبِيِّ، وشَرَّفَ وكَرَّم، وعَرَضَ قصيدتَهُ على مَسَامِعِهِ الشَّريفة، وحَصَلَ لهُ النُّكاتُ اللطيفة، والصّلاتُ المُنِيفَة، فَأَحْبَبْتُ أنْ أخدم تلك القصيدة السعيدة ببيانِ بعض ما فيها من المقاصدِ الحَمِيدَة؛ لأكونَ مِن جُملةِ خَدَمةِ المَادِحِينَ في المَراصِدِ العَدِيدة، ولقد أَحْسَنَ مَن قال من أرباب الحال:
ما إِنْ مَدَحْتُ محمَّداً بمَدِيحَي لكنْ مَدَحْتُ مَدِيحَتي بمحمدِ وقال آخَرُ مِن الفُضَلاء:
جُحُودُ فضيلةِ الشُّعراء في وتفخيم المديح من الرَّشادِ مَحَتْ بانَتْ سعاد ذنوبَ كَعْبٍ وأَعْلَتْ كَعْبَهُ في كلّ نادِ وما افْتَقَرَ النَّبِيُّ إلى قصيد مُشَيَّة بيانَت مِن سُعاد ولكنْ سَنَّ إسداء الأيادي وكان إلى المكارم خير هادِ قال ابنُ عبدِ البَر في كتاب «الاستيعاب لأحوالِ الأَصْحَابِ: إِنَّ كعبَ ابن زُهير كان شاعراً مُجِيداً مُكْثِراً مُقدَّماً في طبقته هو وأخوه بجير، وهو بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التَّحْتيَّةِ فراء، وكعب أشعرهما، وأبوهما زهير فوقهما وأشهَرُهما، ولكعب ابنانِ شاعِرانِ جَليلانِ؛ أحدهما عُقبةُ والآخَرُ العَوَّامُ، ما كان لهما نَظير بينَ الخَوَاصُ والعَوَام.
وقد قَدِمَ كعب بنُ زُهير على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد انْصِرافِهِ مِن الطَّائف، ورجوعِ الوافدين إليه من الطوائف، فأَنْشَدَهُ قصيدته التي أَوَّلُها: «بانَتْ سُعادُ» بأسرها، وأَثْنَى بها على المهاجرينَ ولَمْ يَذْكُرِ الأنصار فيها، فكلمة الأنصار في ذلك، فصَنَعَ فيهم شعراً هنالك.
ولا أعلم له في صحبته وروايته غيرَ هذا الخبر
وكان من بني مُزينةَ، لكنَّهُ سكن بين بني غَطفان، كما في الأثر. وأخرج الحاكم في «المستدرك وصححه، والبيهقي في «دلائل النبوة»
بأسانيدهما: أن كعباً وأخاه بُجَيراً خرجا حتَّى أتيا أبرق العزّاف، فقال بجير لكعب: أثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل العجيب الشأن ـ يعني: النبي فأسمع ما يقول، فجاء فأسلم، فبلغ ذلك كعباً، فقال:
أَلَا أَبْلِغَا عنِّي بُجَيراً رسالةً على أي شيءٍ وَيُبَ غَيْركَ دَلَّكَا على خُلق لم تُلف أُمَّاً ولا أباً عليه ولم تُدرِك عليه عليه أخاً لكا رُوي أنه عليهِ السَّلامُ لمَّا سمعَ هذا الكلام، قالَ: «أجلْ لم يُلفِ عليهِ أَبَاهُ ولا أُمَّهُ».
ومنها:
وفي رواية:
سقاك أبو بكر بكأس روية
شَرِبتَ بكأس عندَ آلِ محمد وأَنْهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغَتِ الأبياتُ إليهِ صلَّى الله وسلَّم عليهِ أهدر دمه، وقال: مَن لِقِيَ كعباً، فليقتله، فكتب بذلك بجير إلى أخيه، وقال: اعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله إلا قبل ذلك، وكتب إليهِ يُخوِّفه ويدعوه إلى الإسلام بقوله:
أَبْرقُ العَزّافِ: ماءً لبَنِي أَسَد بنِ خُزَيمةَ بن مُدْركةَ مَشْهُورٌ، لَهُ ذِكرٌ في أخبارِهِم، وَهُوَ فِي طَرِيقِ القاصِدِ إلى المدينةِ من البَصْرَةِ، يُجاءُ مِنْ حَومَانَةِ الدَّرَاجِ إِليهِ، وَمِنْهُ إِلى بَطْنِ نَخْلِ، ثُمَّ الطَّرْفِ، ثُم المدينة. وهو بين المدينة والربذة على عشرين ميلاً منها. وفي رواية: على اثني عشر ميلاً، والأبارقُ في بلاد العرب كثيرة، والأبرقُ لغةً: الموضعُ المرتفع ذو الحجارة والرمل والطين، وسمّي أبرق العزّاف: لأنهم كانوا يسمعون به عزيف الجنّ؛ أي صوتهم، والله أعلم.
فمن مبلغ كعباً فهل لك في التي تلوم عليها بالطلا وهي أخمُ إلى الله لا العُزَّى ولا اللاتِ وحدَهُ فتنجو إذا كانَ النَّجاءُ وتَسْلَمُ لدى يوم لا ينجو وليس بمُفلت من النارِ إِلَّا طاهرُ القلبِ مُسلم فدين زهير - وهو لا شيء - باطل ودين أبي سُلْمَى عليَّ مُحرَّمُ فأسلم كعب كذلك، وقال قصيدتَهُ: بانتْ سُعادُ هنالك، ثم أقبل حتى أناخَ بباب المسجد، ودخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم مكان المائدة من القومِ، يتحلقون حوله، يلتفت إلى هؤلاء مرةً وإلى هؤلاء مرةً؛ فيُحدِّثهم، قال كعب: فعرفتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالصفة؛ فتخطيتُ حتى جلستُ إليه، فأسلمتُ، وقلتُ: الأمان يا رسولَ اللهِ! قال: ومَن أنتَ؟» قلتُ: أنا كعب. قال: «الذي يقولُ»، ثم التفت إلى أبي بكر،
فقال: كيف يا أبا بكر؟ فأنشده أبو بكر:
سقاك أبو بكر بكأس رَويَّةً وأنهلك المأمونُ منها وعَلَّكَا فقلتُ: يا رسول الله! ما هكذا قلتُ! قال: «كيف قلت؟» قال: قلتُ:
وأنهلك المأمول منها وعلكا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأمول والله»، ثم أنشد القصيدة كلها، وساق الحاكم
القصيدة بتمامها.
وقال محمدُ بنُ سلام في «طبقات الشعراء» بسنده عن سعيد بن المسيب قال: قَدِمَ كعب مُتنكراً حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أَوْعَدهُ، فأتى أبا بكر، فلما صلَّى
الصُّبحَ أتاه وهو مُتَلثَّم بعمامته، فقال: يا رسول الله! رجل يبايعك على الإسلام، وبسط يده وحسر عن وجهه، فقال: بأبي وأمي أنتَ يا رسول الله! هذا مكانُ العائذ بكَ، أنا كعب بن زهير، فأمَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنشده مدحتَهُ التي يقول فيها: بانتْ سُعادُ فقلبي اليوم متبول، حتى أتى على آخِرِها، فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردةً، اشْتَرَاها معاوية بمال كثير؛ فهي البردة التي يَلْبَسها الخلفاء في العيدين.
وقد ذكر التبريزي في طبقات النحاة»: أن بُندارَ الأصفهاني كان يحفظ تسعَ مئة قصيدة، أول كلّ قصيدة منها: بانتْ سُعادُ.
وذكر السيوطي منها عشرة؛ منها: قول زهير والد كعب:
بانت سُعَادُ وأَمْسَى حَبْلُهَا انقطعَا وليت وضلاً لَنَا مِن حَبْلَهَا رِجَعَا وأخرج الحاكم والبيهقي والزبيرُ بنُ بكَّارٍ في أخبار المدينة» من طريق علي بن زيد ابنِ جُدْعانَ، قال: أنشد كعب بنُ زُهير رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد: بانتْ سُعَادُ. وأخرجه في «الأغاني» بلفظ: في المسجد الحرام، لا مسجد المدينة. ثم اعلم أنَّ أول شيء احتوت عليه هذه القصيدة المباركةُ النسيب، وهو مشتمل على أربعة أنواع من التركيب.
منها: ذكر ما في المحبوب من الصفاتِ المحمودة؛ كحُمْرة الخدّ، ورشاقة
ومنها: ما في المُحِبُّ المتبول؛ كالنُّحولِ والذُّبولِ.
ومنها: ما يتعلق بهما من وصل وهجر، وشكوى وعُذْرٍ، ووفاء وجفاء.
ومنها ما يتعلَّق بغيرهما؛ كالوُشَاةِ والرُّقباء.
والنوع الأول يُسمَّى أيضاً تشبيباً.
فالآنَ آنَ أَنْ نَشْرَعَ في المقصود بعون الملك المعبود:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَنْبُولُ منيم إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ بانَتْ من البَيْنِ، وهو الفِراقُ والوَصلُ؛ فهو من الأضداد، ولم يَقُلْ نحو ذهبت وراحت؛ تفاؤلاً بما في بانت من ذكرِ الوَصل للمُشتاقِ، وتحرزاً
عما هو نص في معنى الفِراقِ.
و سُعَادُ بضم أوله: علم امرأةٍ يَهْواها في الحقيقة، أو ادعاء في الطريقة. والفاء في فَقَلْبِي لمحضِ السَّببية لا لمجرَّدِ العَطفية، والمراد بالقلبِ هنا:
الفؤاد، وسمي قلباً لتقلُّبِهِ فِي هَوَى نحوِ سُعاد.
واليَوْمَ ظرفُ لِمَا بعدَهُ، وقُدَّمَ للحصرِ.
ومَقْبُولُ بتقديم الفوقية على الموحدة، من تبله الحب؛ أي: أسقمه
وأضناه وأضعفه، وفي نسخة بتقديم الموحدة، من البَتْلِ بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ بتِيلًا} [المزمل: ?]؛ أي: انقطع إليه كمالاً وتكميلاً، ومنه البَتُولُ للزهراء؛ لانقطاعِهَا عن الدنيا بأنواعها.
و مُتَيَّمٌ بتشديد التحتية المفتوحة، خبر بعد خبر، من تَيَّمَهُ الحُبُّ وتامَهُ، بمعنى: استعبده وأذله، وقيل في معناه: المجعول عبدا؛ إِذِ المُحِبُّ في جَنابِ الحبيب كالعبدِ اللبيب في مقامِ الإطاعة في كل ساعة، أو مُذلَّلٌ محقَّرٌ مأمورٌ منقاد؛ إذ العبودية تستلزم ذلك في المعتاد.
وإِثْرَهَا بكسر فسكون، ظرف مُتيَّمٌ، أو حال من ضميره، والأول أظهر. والأثر: ما يظهر في الأرض من أثَرِ القَدمِ؛ أي: مُتَيَّم وقت ظهور أثرها، بحذفِ مُضَافين، ولذا جازَ كونه ظرفاً.
و لَمْ يُفْدَ بصيغة المجهول، من فَدَى الأسير: إذا أعطاهُ فِداءً واستنقَذَهُ وخلَّصه، صفةً مُتيَّمٌ، أو خبرٌ آخرُ لـ قَلْبِي، وكذا مَكْبُولُ؛ أي: عاشق مأسور، ومشتاق محصور، من الكَبْل والأسْرِ، وهو ما يُشدَّ به الأسيرُ من حبل أو غيره، يقالُ: كَبَلَهُ
بتخفيف المُوَحَدَةِ: وضعَ رِجْلَهُ في الكَبْلِ، بفتح الكافِ وتُكسر، وهو القيد.
والمعنى ظهر بعادُ سُعَادٍ؛ ففؤادُ العاشقِ المُشتاق سقيم من ألم الفراق ومنقطع عن كلِّ حظ ومراد، ومُتَحَيَّرٌ في عقبها في كل واد؛ إذ لم يحصل له خلاص من أسر الرّق بين العباد.
ولا يَخْفَى حُسنُ هذا المَطلعِ من مَشْرِقِ الأقوال، وبراعة الاستهلال، الذي
يصلُحُ أن يُعدَّ مِنَ السِّحرِ الحلال.
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلَتْ إِلَّا أَغَنُّ غَضِيْضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
ما نافية، والغَداة: اسمٌ لمُقَابِلِ العَشيّ، وقد يُراد بها مطلق الزمان، كالساعة واليوم، كما هو المراد هنا.
و البَيْن مصدر بانَ و أل فيه لتعريف الحقيقة.
و غَدَاةَ البَيْنِ ظرفٌ لِمَا فُهِمَ من الكلام؛ أي: يُحكم عليه هذا الحكم التام، أو قصرت الصفة المذكورة غداةَ البين من الأيام، والجملة حال من فاعل بانت، أو عطف على الفعلية، لا على الاسميَّةِ وإن كانت أقرب وأنسب لكونها اسميةٌ؛ لأنَّ هذه الجملة لا تُشارك تلك في التسببِ عن البينونة، والأصل: وما هيَ، فَوَضَعَ الظاهر موضعَ المُضمر استلذاذاً بتذكار اسمها، وتلطفاً بتكرار وسْمِهَا، كما قيل: أَعِدْ ذِكْرَ نَعْمَانِ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ هُوَ المِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ وفي الحديثِ: «منْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذِكْرَهُ».
وقد قال تعالى: {اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]، وورد: «أكثروا ذكر الله
حتى يقولوا: مجنون».
وحسنه الفصل بالجُمَلِ، وكونه في بيتٍ آخر من المحل.
وقوله: إِذْ رَحَلَتْ بدل من الغَدَاة بدل الكل؛ كقوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ [مريم: ??]، وفي نسخة: إذ رحلوا بصيغة الجمع باعتبار أنها رحلت مع قومها، أو بإرادة تعظيمها، ومنه قوله تعالى: {فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمَكْنُوا} [طه: 10]. والأعْنُ: مَن في صوتهِ غُنَّةٌ، وهي صوت لذيذ يخرجُ من أقصى الأنفِ يُشبهُ به صوت الرياح المؤتلفة في الأشجارِ المُلتفّةِ، وهو صفة محذوف؛ أي: إلا إنسان أو غزال أَعْنُ، لا خبر حتى يَرِدَ أَنَّه غير مطابق للمبتدأ في التأنيثِ.
وقوله: غَضِيضُ الطَّرْفِ بسكونِ الراءِ، هو: العين؛ أي: في طرفه كُسور خَلْقي وفتورٌ جِبلّي، فَعيل بمعنى مفعول، وهو يحتمل أن يُراد به: خفض العين، فإنَّ ذلك نفسه من صفاتِ الحُسنِ؛ أي: أنها عفيفةٌ لا تنظر إلى أحدٍ كغير العفيفة من النِّساء، بل عينها عن عين الأجانب كَلِيلةٌ غيرُ حَديدةٍ، أو هو كنايةٌ عن شدَّةِ الحياء؛ فإنه من لوازمها، أو عن تحمل مساوي الرقباء وتجاهل أحوالهم، وتركِ النظر إلى أعمالهم. و مَكْحُولُ إِمَّا من الكُحْل بالضم، أو منَ الكَحَل بفتحتين، وهو: الذي يعلُو جفون عينه سواد من غير اكتحال.
والمعنى: وليستْ سُعادُ في غَداة بعاد، حينَ ارتحالها إلى زادِ مَعادِ، إلا كظبي رها، أغنَّ في مقام التّغنّي وحالِ التَّغنّي غيرَ مُلتفت إلى غيرها في سلوكها وسيره مُستَحْيِيةً من حالها الواقعة في شرّها وخيرها ونفعها وضرّها، مُستغنيةً بما أعطاها الله من جمال عينها وكمالِ زَينها، المُبرَّأةِ عن عَيبها وشَينها.
وحاصل البيتين: أنَّ الأول يُشيرُ إلى كمال احتياج المحب إلى المحبوب، والثاني يومى إلى كمال استغناء المحبوبِ عن المُحب في مقام المطلوب، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاهُ} [محمد: ??]؛ أي: المفتقرون إلى إيجادهِ أولاً، وإلى إمدادهِ ثانياً، ويومئ إليه قوله عليه السلام: «اللَّهُمَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين؛ فإنَّكَ إِن تَكِلْني إلى نفسِي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة». هَيْفَاءُ مُقْبِلَةٌ عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٌ لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ أي: سُعَادُ دَقيقةُ الوَسَطِ، والمعنى: يُحكم عليها بكذا حال كونها مقبلةً، وهي عَجْزاءُ؛ أي: عظيمةُ العَجُزِ - وهو: مؤخَّرُ الشيء - حال كونها مدبرة، والجملة استئنافية مقرّرة، كأنه قيل: هل لها صفات غيرُ ذلك؟ فإنْ كانت لها هنالك فاذكرها بكمالاتها؛ فإنِّي مشتاق إلى بقيَّةِ صفاتها.
وقيَّدَ الحُكْمَ بكونها هيفاء بحال الإقبال، وعجزاء بحال الإدبار، مع أنَّ هاتين النعتين ثابتتان لها في جميع الأحوالِ والآثار؛ إذ ظهورهما في هذين الحالين أكثرُ في نظرِ الأبرار وأصحاب الأسرار أمَّا الثاني فظاهر على الآراء وأما الأول، فلأنه قد يستتر دِقَّةُ الوسط بلبس الثياب من الخلف دون الوراء. وفي قوله: لَا يُشْتَكَى بصيغة المجهول، وإسناده إلى قصر مجاز عقلي،
من بابِ: سرتني رؤيتُكَ؛ أي: لا تشتكي هي بقِصَرٍ منها ولا طُولٍ من أعضائها. وقدَّم منها على ولا طول لرعاية القافية.
وفي ذكر المُقبلة والمديرةِ والقِصَرِ والطُّولِ من صنعة المطابقة ما لا يخفى على أهلِ الصَّفا.
والمعنى: أن سُعادَ كلَّما تَنَقَّلَتْ من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال، يحكم الناظر إليها في كلِّ وضع بحُسنِ طَبع، وفي كلِّ حالٍ بزين جمال؛ فإذا أقبلت يَحكُمُ بأنها هيفاء، وإذا أدبرت يحكم بأنها عجزاء، لا تُعَابُ بِقِصَرٍ ولا تُذمُّ بطولٍ،
وقس على هاتين النعتين بقية صفاتها فإنها تطول.
وفيه تلويح بأن كل شيء من المليح مليح، وتصريح بتسليم صحيح.
وهذا البيتُ غيرُ ثابتٍ في بعض النسخ.
تجلُوْ عَوَارِضَ ذِي ظُلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ الجملة استئنافية؛ أي: تكشفُ سُعادٌ وتُوضح للحاضر والبادِ عوارضَ ثَغْرِ ذِي ظَلْم، وهو من إضافة العام إلى الخاص؛ فإنَّ العوارض مطلق الأسنان لأفراد الإنسانِ. والظَّلْمُ: بفتحِ المُعْجَمَة: ماءُ الأسنانِ وبريقها، وقيل: رقتُها وشدة بياضها، ومنه قول العارف ابن الفارض:
عليك بها صِرْفاً وإِنْ شِئتَ مَزْجَها فعَدْلُكَ عن ظَلْمِ الحبيبِ هوَ الظُّلمُ وفي نسخة: ذا ظلم، وهو ظاهر، وكأنَّهُ من باب الترخيم للضرورة، أو أوَّلَ عوارض بالجنس، وإلا كان الظاهرُ: ذاتِ ظَلْم، وأمَّا القول بأنَّ التقدير: عوارض
فَمِ ذي ظَلْم، فليس بسديد؛ إذ كونُ الفم ذا ماء ليس من الصفات الحميدة. وقوله: إِذَا ابْتَسَمَتْ متعلّق بـ تجلُو على أنَّ إذا لمجرَّدِ معنى الوقت.
وقوله: كَأَنَّهُ صفة ذي ظَلْم.
و مُنْهَلٌ اسم مفعول، من أنهلَهُ: إِذا سقاهُ نَهَلاً بفتحتين، وهو الشُّربُ الأول، ورُوي بفتح الميم: اسم موضع بمعنى موردِ الماء.
و بالراح أي: الخمرِ، متعلّق بـ مُنْهَل، وحَذَفَ مثلَهُ متعلقاً بقوله: معلول علَّهُ يَعُلُّهُ ـ بالضم على القياس - ويَعِلُّهُ بالكسرِ؛ عَلَلاً بفتحتين أيضاً: إذا سقاه
ثانياً، وأصل ذلك: أنَّ الإبل إذا شربتْ في أولِ الوِرْدِ سمِّي ذلك نَهَلاً، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى أعْطَانها ثم سُقِيتُ الثانيةَ سُمِّيَ ذلكَ عَلَلاً.
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءٍ مَحْنِيَةٍ صافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ شُجَّتْ بضم الشينِ المُعْجَمَة وتشديد الجيم؛ أي: مزجت وخلطت،
والجملة صفة الراح، أو حال منها على حد:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
ومنه قوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5].
والمعنى: كُسرتْ سَورتهَا وخَمَدَتْ فَورَتَها.
بِذِي شَبَمٍ بفتح الشينِ المُعْجَمَة والموحدة: البردُ الشَّديد، والحالُ السَّديد،
و من في مِنْ مَاءٍ مَحْنِيَةٍ بيانيَّةٌ، والإضافةً من إضافة الشيء إلى محلَّته العيانية، وقعَ
صفةً لـ ذِي شَبَم، أو حالا منه.
والمَحْنِيَةُ: بفتح فسكون فكسر فتحية مخففة: مُنعطف الوادِي ومُنفَرِجُهُ ومنحناه؛ فإنَّ ماءَهُ أَصفى وأرقُ، وبالمدح أحقُّ، فإن أفضل مياه المطر باعتبار المكان: ما كانَ بأبطحِ مَحْنية، وهو مسيل واسع فيه دُقَاقُ الحَصى، وباعتبارِ
الزمان: ما كان وقتَ الضُّحى، وباعتبار الصفاتِ القائمة به: ما كانَ صافياً في لونه، شيماً في طبعه، وباعتبار ما يطرأ عليه: ما هبت ريحُ الشَّمال لديه، كما أشار إليه بقوله: صَافٍ .... إلخ، وهو صفة ماء، وكذا ما بعده من قوله: بِأَبْطَحَ لجريانه على دقاق الحَصَى، وقوله: أَضْحَى لأن صفاء المياه فيه أوفَى، وَهُوَ مَشْمُولُ؛ أي: أصابته ريحُ الشَّمالِ في جميع الأحوال؛ إذ لها تأثير قوي في تصفية الماء وتبريده، وتجلية الحال وتسديده.
ولقد كان عليه السلامُ يُعجبه الماء الحلو البارد، حتى قال في دعائه: «اللَّهُمَّ اجعلْ حُبَّكَ أحبَّ إليَّ من الماء البارد، وكان سيدنا الشاذلي يقولُ: إذا شربت الماء الحُلْوَ البارد أشكرُ ربِّي من وسط قلبِي المُلاقاةِ حِبي 4. ولا يبعد أنه أشارَ بالرَّاحِ المُنْهَلِ إلى الكتابِ الأَوَّلِ، المُورِثِ إيمانُهُ بالوجه الأكمل والذَّوقِ الأشمل شراباً طهوراً، وبالماء الصافي المُبينِ الحديث الكافي الصادر من صدرِ 5 الرسول الأمين الموجب نوراً وسروراً، وبالجملة فهو مدحةٌ للكتاب والسنة ومعرفتهما التي ليس فوقها مزيةٌ من اللَّدَةِ.
تَنْفِي الرِّيَاحُ القَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضُ يَعَالِيلُ الرِّيَاحُ: جمع ريح، و القَذَى بفتح القافِ والذالِ المُعْجَمَةِ: ما يسقط في العين أو الماء من تراب وغيره من الأذى، والجملة صفة ماء، أو حال. عنه؛ أي: تطرده عنه وتُبعده منه، والضمير إلى الماء، وهو بإشباع الهاء.
وَأَفْرَطَهُ حال من ضمير عنه؛ أي: ملاه، والمراد: ملا مكانه.
وقوله: مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ متعلق بـ أَفْرطَه، والصَّوْبُ له معانٍ، والمراد به هاهنا: المطر، بقرينة سارية، وهي سحابة تأتي ليلاً، ورُوي: غادية بدل سارية، وهي سحابةٌ تأتي غُدوة.
وبيض مرفوع على أنه فاعل أفرطه، ويَعَالِيلُ نعته؛ أي: سُحُب بعضها فوق بعض، أو نفاخاة الماء تعلوه، والواحدة يعلول، ومن القاعدة المُقرَّرة: أنَّ النكرة إذا أُعيدت كانت الثانية غير الأولى، بخلاف المعرفة، ولذا ورد: «لن يَعْلبَ عُسْرُ يُسرين» في تفسير قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يرا الشرح: 5 - 26، إلا إذا دلَّ دليل على اتحادهما؛ فيكون عين الأولى، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ} [الزخرف: 84]، وهاهنا كذلك؛ إذ من البين أن إفراط البيض لا يكون من صَوْبِ غيرها، فالبيضُ هِيَ السارية، فلا يَرِدُ القاعدة المقررة في النكرة المكرّرة، فيلزم أن يكونَ إفراط
التعاليل من صَوبِ سارية هي غيرها، وهو مُحالٌ من الأحوال. أَكْرِمْ بِهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ مَوْعُودَهَا أَوْ لَوَ أَنَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ
أَكْرِمْ بِهَا صيغةُ تعجب و خُلَّةٌ تمييز من ضمير بها، أو حال عنه، وهي بضم المُعْجَمَةِ: الخليل، يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، ولَوْ للتمنِّي، فلا حاجة إلى تقدير جوابِ للشرط؛ فالمعنى: لو ثبت أنها صدقت في وعدها من وصلها لكانت خُلَّةٌ من أصلها، يُتعجَّبُ من كرمها وفضلها. أ
والمراد بالكرم هنا: ضدُّ البخل، وهو أعم من الكرم بالمال، أو بالوفاقِ والوصال.
وصَدَقَ بالتخفيف متعد إلى مفعولين كـ صدَقَهُ الحديث، والأول هنا مقدر؛ أي: صدقتنا موعودَهَا، وهو اسم مفعول بمعنى الشخص الموعودِ به، أو مصدرٌ على زِنَةِ مفعول؛ كَمَغسورٍ ومَيْسور، كقولهم: دعه من مغسوره إلى ميسوره، ومنه قوله تعالى: {بِأَيَتِكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم: 6]
وأَوْ هنا بمعنى الواو، ولو أنَّ بالنقل موزون.
و النُّصْحَ بضم النونِ: النصيحةُ، وهي: إرادة الخير للمنصوح له، واللام بدل عن المُضاف إليهِ؛ أي: نُصحها؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله. و مَقْبُولُ خبر أنَّ، وفيهِ: أَنَّ خبَرَ أَنَّ الواقعة بعد لو الشرطيَّةِ إِذا كانَ
مُشتقاً، وجبَ كونه ماضياً؛ كما صرح به الزمخشري وغيره.
ودُفعَ بأنه صفةً جامد محذوف؛ أي: أمرٌ مقبول.
وقيل: كون الخبر المشتق ماضياً غير لازم عند بعضهم، فليَكُنِ البيتُ على نحو قولهم هذا.
ورُويَ فيَا لَهَا خُلَّةٌ، ورُويَ أيضاً: يا ويْحَها خُلَّةٌ، و: يا ويْلَهَا خُلَّةٌ، والفرقُ بين الوَيحِ والوَيلِ: أنَّ الأول كلمةٌ تُقال لمن وقعَ في هَلَكَةٍ لا يَستَحِقُها فيُترحم عليه، و ويلٌ ثقالُ لمن يستحقها.
فيا حرف نداء والمنادى محذوفٌ، أو حرفُ تنبيه بمنزلة ألا؛ فاللام متعلقة بمحذوف؛ أي: فيا قوم اعجبوا لها خُلَّةَ، أو: أَلَا اعْجَبوا لها خُلَّةَ. وليس الضمير منادى دخل عليه لام التعجب، كما في قوله: فيا لك من ليلٍ؛ أي: يا إيَّاكَ، أو: يا أنتَ، ثم دخل لام الجر؛ فانقلب الضمير المتصل المرفوع ضميراً متصلاً مخفوضاً = لأنَّ ضمير الغائبِ لا يُنادَى، كما حقَّقَهُ ابنُ جَمَاعَةَ.
لَكِنَّهَا خِلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا فَجْعٌ وَوَلْعُ وَإِخْلافٌ وَتَبْدِيلُ الخلة بكسر أولها الخَصلةُ؛ أي: لكنَّها ذاتُ خصلة، أو عينُ خَصلة، على طريقة المبالغة.
و قد سيط بصيغة المجهول - أي: خُلطَ - صفةُ خِلَّةٍ، وبه تَحْصل الفائدة، على حد قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْم عَادُونَ} [الشعراء: 166]، والفائدة كما تحصل من الخبر تحصل من صفته.
وقوله: مِنْ دَمِهَا؛ أي: في دمها، على حد قوله سبحانه: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [فاطر: 40]، وقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]. و فَجع مرفوع على أنه نائب الفاعل من سِيْطَ، وكذا من بعدَهِ، وهُنَّ مصادر؛ أي: إفجاع وإيجاع وولع؛ أي: كذب وزور وإخلافٌ في وعد الوصال، وتبديل وتغيير في الأحوال. والمعنى: وهي مع ذلك خِلَّةٌ لا يُزاحم جفاؤُها كونَها خُلَّةَ؛ فعينُ الرّضا تلك الصفات؛ لكونها مجبولة عليها في أصل الذات.
قيل: ما ذكره من المعيبة لا يُلائم بحال الأحبَّةِ.
وأجيبَ: بأنَّ للمُحِب أحوالاً لا تُدْرَكُ إلَّا بالتجربة، ولا تُعرفُ إلَّا بالمعاملة؛ فلعلَّهُ لَمَّا بانتْ سُعَادُ فتَبَّلَ قلبَهُ ذكرُ صفاتِ حُسنِها شوقاً إلى ذكرها، وذوقاً إلى أمرها، ثم لَمَّا رأى رغبةَ المُستمعين فيها، خافَ أن يعشقها غيره غَيْرةً عليها، فأخذ يذكرُ ذمائِمَها وسوءَ أخلاقِها وأسبابَ جفائِها، ليُعِل لهم ما عَرَضَ من الرغبة.
أو أَنَّه لَمَّا ذكرَ صِفاتها رأى الاشتياق إليها والتشرُّقَ لِمَا لديها، وأنَّ الكآبة تتزايد عليها؛ بحيثُ إِنَّ ذلك ربما يكون سبباً لهلاكه هنالك، فأخذ يذكرُ ما عسى يكون تسليةً لقلبه من ذكر الصفاتِ المنفّرة.
كذا ذكرهُ الشَّراحُ، والأظهر في مقام الصراح وحالة الصحاح: أن المحبوب له صفات الجمال ونعوتُ الجلالِ؛ فإنَّ بهما تَتِمُّ مَنْقبَةُ الكمال، وأن المُحِبَّ لا بد له من حطّ فيهما في الأحوال، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: {نَى عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 0 [الحجر: 49 - 50]، ويدلُّ عليه قوله عليه السلام: «أريد أن أجوع يوماً فأصبرَ، وأشبع يوماً فأشكر»، وقد قال تعالى: إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، ووَرَدَ: «الإيمانُ نصفان؛ نصفه صبر، ونصفه شُكر».
وقد عبر الصُّوفية عن المقامين بالقبض والبسط، والمحوِ والصَّحو، والتلوين والتمكين، والفناء والبقاء، ونحو ذلك مما لا يخفي على أرباب الصفاء، وأصحاب الوفاء.
فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الغُولُ الفاء للنتيجة أو للسببية؛ أي: لأَجْلِ ما جُبِلتْ عليها من الأوصاف المتقدمة لا تدوم على حالة مستمرة، وهي ما عليه الإنسانُ من خير وشر، ونفع وضُرٍّ، وتأنيتُها كما في البيتِ أَوْلى مِن تذكيرها، على أنَّ الثاني هو لغةُ أهل الحجاز.
وقوله: تَكُونُ بِهَا صفة لـ حال؛ أي: تكون متلبسةً بها أو عليها؛ فالباء للملابسة، أو بمعنى على، على حد قوله تعالى: إن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ} [آل عمران: 75]، ولا يَبْعدُ أنْ يكونَ في كما في قوله سبحانه: {تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: ??]. ثم ما مصدرية، والكافُ مع مدخولها صفة مصدر محذوف دلَّ عليه ما قبله؛ إذ الذي لا يدوم على حالٍ يكونُ متلوّناً؛ فكأنَّهُ قالَ: تتلوَّنُ تلوناً، كما تتلوَّنُ، فـ تَلَوَّنُ فعل مضارع حُذف إحدى تاءَيه، وفاعله الغُولُ وهو بضم أوله: كلُّ شيءٍ ء اغتال
الإنسان فأهلكه.
قال ابنُ جَمَاعَةَ: والمراد هنا: الواحدةُ من السَّعالي، وهي إناتُ الشياطين.
و فِي أَثْوابِهَا متعلّق بالفعل، وهي إمَّا تخييليَّةُ للغُولِ، وإمَّا يُراد بها
ألوانها المشبَّهةُ بالأثواب في إحاطتها محالها.
والحاصل: أنه شبَّهَ تلونَ سُعادٍ في حالِ القُرب والبِعادِ بتلونِ الغُولِ في البلادِ،
والوجه: سرعة تلونها وكثرةُ تَقَلُّبِها.
قيل: العرب تزعم أن الغُولَ تتحوّل من شأن إلى شأن؛ فتصير تارة بصورة إنسان وأخرى بهيئة حيوان، وهذا من أكاذيب العرب، وقد جرى على زَعْمِهِمُ الناظم، والأظهر أن العرب تسمي كلَّ داهية غُولاً على التهويل، كما جرت عادتهم في الأشياء التي لا أصل لها ولا حقيقة، كالعنقاء ونحوها، واللهِ دَرُّ من قال من أرباب الحال:
لما اختبرتُ بني الزَّمانِ وما بهم خِلٌ وفي للشدائد أصطفي أيقنت أنَّ المستحيل ثلاثة القول والعنقاء والخل الوفي وفي الخبر: «أُخْبُرْ تَقْلُه»، و: «الناسُ كإبل مئة لا تجد فيها راحلة، وقد قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] وقال سبحانه: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24].
وَلَا تُمَسِّكُ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ إِلا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الغَرَابِيلُ تُمَسِّكُ بضم التاء وكسرِ السِّين المشدّدة، مضارعُ: مسَّكَ، بخلافِ يُمْسِكُ الثاني؛ فإنه مضارعُ: أَمْسَكَ، فوقع الجمع بينهما تفتنا، وبهما قُرئ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمسكونَ بِالْكِتَابِ} [الأعراف: ???]، والتخفيف لشعبة؛ فهو أَوْلى مِن ضبطِ بعضهم بفتح التاء والسين على حذفِ إحدى التاءين، مضارعُ: تَمسَّكَ.
والمراد بالعهد: المَوثِقُ الشديد، وفي نسخة: بالوَعْدِ؛ أي: الميعاد الأكيد. الذي زَعَمَتْ أَنَّها تفي به؛ أي: تكفَّلَت بوقوعه، ومصدره: الزَّعْمُ بالفتح،
ومنه قوله سبحانه حكايةً: {وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ} [يوسف: 72].
أو المعنى: قالتْهُ وتَفوَّهَت به ومصدرُهُ: الزّعْمُ بتثليثِ أَوَّلِهِ، وهو: قولٌ يدّعيه المُدَّعِي محتمل للحق والباطل، وغلب استعماله في الباطل أو الظن، ومنه قوله تعالى: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 136]، وقوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا [التغابن: 7] وقد يُستعمل في الحق واليقين، ومنه قول أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: ودَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ صَادِقٌ ولَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنتَ ثَمَّ أَمِيناً والمعنى: فلا تعتصم بموثق تفوَّهت به أنْ لا تَنْساني ولا2 تَهْجُرَني، أو: لا تعتمد بيمين أظهرت أنَّها تُحبني، أو: لا تثق بأمانِ ذكرتُهُ أَنْ لا تقطعني؛ فإنه ليسَ تمسُّكُها إِلا كَمَا؛ أي: إلَّا تمسكاً كائناً كشيء، أو: إِلَّا كائناً كما يُمْسِكُ الْمَاءَ الغرابيل جمعُ غِرَبَالٍ كمفتاح ومفاتيح.
وفيه تشبيه معدوم بمعدومٍ في صفة العدم، كالصَّبرِ في قلبِ العَاشِقِ المُتيَّمِ، والمال في يد أهل الكرم، والغرضُ من التشبيه راجع إلى المشبه وهو بيانُ امتناعه؛ ففيه تأكيد المدح بما يُشبِهُ، الذم، نحو: فلان لئيم، إِلَّا أَنه يُسيء إلى مَن أحسنَ إِليهِ، ومنه قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} [البروج: ?]، وقوله سبحانه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغُوا إِلَّا سَلَمًا} [مريم: 62]، وقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غيرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ بِهِنَّ فُلول من قراع الكتائب فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ إِنَّ الْأَمَانِيَّ وَالْأَحْلامَ تَضْلِيلُ الفاء للنتيجة، ويَغُرَّنْكَ بسكونِ نونِ التأكيد؛ مِن غَرَّهُ: خَدَعَهُ وجَعَلَهُ مَغرُوراً، قال الخليل: نونُ التأكيد الخفيفة بمنزلة إعادة الفعل ثانياً، والثقيلة بمنزلة إعادته ثانياً وثالثاً. كذا ذكره ابنُ جَمَاعَةَ.
ولا يبعد أن يكون التخفيفُ للوزن، وإلا فمقامُ المبالغة يقتضي التشديد،
ومنه قوله تعالى: {لَا يَغُرَنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 196]. والخطاب إما لغيرِ مُعيَّن نحو قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى} [الأنعام: 27]، وإِمَّا لنفسه
على طريق التجريد.
وما موصولةٌ صلتها مَنَّتْ من التَّمنية، وهي: أن يحمل أحداً على التمني
بشيءٍ وَمَا وَعَدَتْ عطفٌ.
والمعنى: لا يغرنك تمنيتُها إِيَّاكَ الوصل، ووعدُهَا بترك الهجرِ والفصل؛ فالإسناد سبي مجازي، أي: لا يغُرَّنْكَ سُعَادُ بسبب تمنيتها في المقال، ووعدها بمقامِ الوِصالِ.
و إِنَّ بكسر الهمزةِ على ما ثبت في الرواية، كما ذكره ابنُ جَمَاعَةَ، وجوَّزَ فتحها على إضمار لام العِلَّةِ.
والأَمَانِيَّ: جمعُ أُمنِيَّة، وهي اسم من التمني، وتخفيفُ يائه جائز، ومن قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي} [البقرة: ??]، تِلْكَ {أَمَانِتُهُمْ} [البقرة: 111].
والأَحْلامَ جمعُ حُلُم، بضمتين، وهو ما ياه النائم، أو مختص بالأضغاث، وهو الظاهر في مقام المبالغةِ للمَرام، ومنه قوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَم بِعَلِمِينَ} [يوسف: 44].
و تضليل معناه: إبطال وتضييع، ومنه قوله: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ [الفيل: 2]، والتقدير: ذواتُ تضليل، على حد قوله سبحانه: {هُمْ دَرَجَتُ} [آل عمران: 163]، أي: ذوو مراتب عاليات، أو جعلت نفس التضليل مبالغة، على حد قولهم: رجل عدل، و: إنما هي إقبال وإدبار.
أو صاحبُ الأماني مُضلَّل بفتح اللام؛ أي: منسوب إلى الضَّلال، أو: إِنَّ الأماني سبب تضليل، أو: إنَّ الأماني مُضللة، على الإسنادِ المجازي العقلي، من باب الإسنادِ إلى السبب، فالمصراعُ الثاني تعليل مستأنف على حد قوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2].
وحاصل البيت نهى نفسَه تجريداً، أو مخاطباً مُريداً، عن الاغترار بالأماني، والمواعيد في العالم الخيالي، ثم علل ذلك: بأنَّ الأماني والأحلام تضييع في الأنفاسِ والأيام؛ فلا يلتفتُ إليها ولا يُعوَّلُ عليها.
وفي البيت إشارة إلى قوله تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33]، وقوله: {وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنعُ الْغُرُورِ [الحديد: 20].
والله دَرُّ منْ قالَ:
أضغات
نوم
أو كظل زائل إنَّ اللبيب بمثلِهَا لا يُخْدَعُ
ولآخر من أرباب الحال:
هَبِ الدُّنيا تُسَاقُ إليكَ عفواً أليس مصير ذاكَ إلى الزَّوالِ وما دنياكَ إلا مِثلُ ظِلِّ أظلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بارتحال كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاً وَمَا مَواعِيدُهَا إِلَّا الأَبَاطِيلُ مَوَاعِيدُ: جمعُ ميعاد بمعنى المواعدة، كموازين جمع ميزان بمعنى الموازنة، لا جمع موعود بمعنى وعيد؛ لأنَّ المعنى ليس عليه بسديد، ولا حاجة إلى جعله جمع موعود بمعنى وعد؛ إذ مجيء المصدر على مفعول؛ إما معدوم من أصله، أو نادر في نقله.
وعُرْقُوب بضم العين والقاف: اسم رجل وعد أخاه ثمر نخله، وقال: اثْتِني إذا طَلَّعَ نَخْلِي؛ أي: خرجَ طَلْعُهُ، فلمَّا أَطْلَعَ قَالَ: إذا أبلحَ؛ أي: صار بَلَحاً بفتحتين، والبلح قبل البُسْرِ بضمّ فسكون؛ فلمَّا أَبْلَحَ قال: إذا أَزْهَى؛ أي: احمر واصفرَّ بُسْرهُ، فلمَّا أَزْهَى: قال إذا أَرْطَبَ، فلمَّا أَرْطَبَ قال: إذا صار تمراً، فلما صار تمراً أَخَذَهُ مِن اللَّيلِ، ولم يُعطهِ شيئاً إِلَّا الويل، فضربوا به المثل في الإخلاف، فقالوا: أخلفُ مِن عُرْقُوب.
وقوله: لَهَا خبر كانت؛ أي حاصلةً لها، فقوله: مَثَلاً حالٌ. أو مَثَلاً
خبر كانت، ولها حال؛ أي: صفةً، أو مُشابهاً.
و ما نافية، وضميرُ مَواعِيدُهَا إلى سُعاد، ورُوي: مواعيده؛ أي: عُرْقوب والأَباطِيلُ: جمعُ باطل؛ ضدُّ الحقِّ.
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ فيه التفات من الخطاب إلى التكلُّم على تقدير التجريد في فلا يَغُرَّنْكَ.
والرجاء له معنيان:
أحدهما: الطمع، وهو المراد هنا، ويُستعمل في الإيجاب والنَّفي، وقد اجتمعا في قوله تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104].
وثانيهما: الخوف؛ فقيل: مختص بالنفي؛ نحو قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارا [نوح: 13]، وقيل: لا يختص؛ بدليل قوله: {وَاَرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36]. و آمل بمد الهمزة وضم الميم، عطفٌ للتأكيد، وإنما حسنه اختلافُ اللفظ، نحو قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا [آل عمران: 146]، وقوله: إِنَّمَا أَشكُوا بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} [يوسف: 86]، وقوله: {أُوْلَبِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157]، وقولهِ: لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَا} [طه: 107]. ولا يُعطفُ هذا النوع إلا بالواو، وقال ابن مالك: وقد أُنيبَ أو عنها في اللفظ؛ نحو: {وَمَن يَكْسِبٌ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112] 1. وفيه: أنه يجوز أن يُراد بالخطيئة ما وقع خطأ، وبالإثم ما وقع عمداً، كذا حققه ابنُ جَمَاعَةَ.
وفيه: أنَّ الأمثلة السابقة أيضاً تحتمل المغايرة بأنْ يُحْمَلَ الوهنُ على ضعفِ القلبِ؛ من الجبن، والضعفُ على القالب بالتكاسُلِ والتهاون، وأنَّ البثّ: هو الحُزْنُ الذي لا يزولُ إِلَّا أَنْ يُبَثَّ، والصَّلواتِ: أنواع البركاتِ وأصنافُ الصَّلاتِ، وأَمْتَاً}
فُسر بـ: ارتفاعاً، و {عِوَجاً بـ: انخفاضاً.
وكذا الكلام في البيتِ؛ فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عطفُ آمل على أرجو للتأكيد، أو أحدهما يُحمَلُ على ما يُتخيَّلُ في الباطن، والآخَرُ ما يُتبيَّن في الظاهر، أو المعنى: أرجو من الله وآمل من الممدوحةِ أن تدنو مودتُها وتثبت محبتُها إِيَّايَ كمحبَّتِي إِيَّاها؛ لأنَّ حقيقتها لا تتصوّر إلَّا من الجانبين، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]، وفي تقديم يحبُّهم نكتة لطيفةٌ وحِكَمٌ شريفةٌ، مُشعِرةٌ بأَنَّ الأصل هي محبة المحبوب، لا سيّما المحبةُ الأزليَّةُ القديميَّةُ اللازم منها المحبة الحادثة الأبدية.
وتَدْنُو بسكون الواو هو الرواية، وذلك إما بأنَّه أهمل أنْ المصدرية حملاً على أختها وهي ما؛ كقراءةِ مجاهد: المَن أرادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضاعة بالرفع، وإِمَّا بأنهُ أجرى السكون على الواو مجرى الفتحة؛ للوزن، قال المُبرِّدُ: وهو من أحسن الضرورة.
ثم لا يبعد أن يكونَ أنْ تدنو مفعول آمل، و أرجو بمعنى: أخافُ، يُقدَّرُ له مفعولٌ؛ أي: أخافُ أنْ لا تدنوَ وآمُلُ أنْ تدنو؛ فأنا بين الخوف والرجاء؛ كما هو مقامُ أرباب الوفاء.
أو يُقالُ: آمل تفسير لـ أرجو؛ لاحتماله معنى الخوف أيضاً، كما يُستفاد من شرح الفاضل الهندي.
و ما نافيةٌ، وإِخَالُ بكسر الهمزة؛ أي: وما أظنُّ.
من لَدَيْنَا أي: عندنا مِنْكِ بكسر الكافِ؛ أي: من جهتكَ، وفيه التفات الغيبة إلى الخطاب، وقوله: تَنْوِيلُ؛ أي: إعطاء نوال، وإيصال وصال، فاعلُ الظرفِ الأوّل أو الثاني، أو مبتدأ خبره مقدَّم عليه، ولا امتناع من أن يرجو مودَّتها ولا يَظنَّ نوالها الدال على محبّتها؛ إذ من الجائز أن تودَّهُ بقلبها في باطن حالها وتمنع حصول نوالها ووصول منالها.
وقيل: المراد الرجاء من ربّ العباد، وهو لا ينافي نفي نوال الوصالِ من سُعَاد. أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضِ لَا تُبَلِّغُهَا إلا العِنَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ أَمْسَتْ؛ أي: دخلت في المساء، أو صارت بأرض بعيدة الهوى لاَ يُبَلِّغُهَا بتشديد اللام المكسورة، وفي نسخة ما تُبْلِغُهَا؛ أي: ما تُوْصِلُها ولا تُلْحِقُها.
ورُوي بصيغة التفعل أيضاً، والتبليغ: الإيصال، والتبلغ: الوصول.
وعلى الأول مفعوله الأوّل محذوفٌ؛ أي: لا تُبلِّغُنِي إليها؛ ففيه الحذفُ والإيصال؛ نحو: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155]، وإِنَّمَا نَقْضِي هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيا} [طه: 72]
وعلى الثاني2: الضمير المنصوبُ إلى سُعاد، وعائد الموصوف محذوفٌ؛ أي: لا تُبْلِغُهَا إِليها؛ أي: إلى تلك الأرضِ.
إلا العِنَاقُ بكسر العين: جمع عتيق؛ كرام: جمع كريم، من قولهم: وجه عتيق، أي: حَسَنُ؛ كأنه عُتِقَ من العيوب، وكذا لقب به أبو بكر الصديق
لحُسن وجهه، وروى الترمذي أنه لقب به لقوله عليه السلام: «أبو بكر عتيق الله من النار» قال: فمِن يومئذٍ سُمِّيَ عَتِيقاً.
والنَّجِيبَاتُ: جمعُ النَّجِيبةِ، وهي الكريمة الحبيبة، ورُويَ: النَّجِيَّاتُ بالتحتية المشدّدة؛ أي: السريعاتِ.
والْمَرَاسِيلُ: جمعُ مِرسال، ناقةٌ سريعةُ السَّيرِ سهلةُ المَشِي.
وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عُذَافِرَةٌ فِيهَا عَلَى الْأَبْنِ إِرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ في نسخةٍ ولا يُبَلِّغَهَا؛ أي: إلى تلك الأرضِ.
إِلَّا عُذَافِرَةٌ بضمّ مُهملة، فمعجَمةٍ، ثم فاء مكسورة، فراء؛ أي: ناقة صلبةٌ عظيمةٌ جَسيمةٌ فيهَا عَلَى الأَيْن؛ أي: مع الإعياء، على حد قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ} [إبراهيم: 39]، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6].
و الإرقالُ بكسر أوَّلِهِ: نوع من الخَبَبِ، وضربٌ من العَدْوِ.
و التبغيل بموحدةٍ ومُعْجَمةٍ: مشي فيه اختلاف بين العَنَقِ والهَمْجَلَةِ، وكأنهُ مشبة بسيرِ البغلِ في شدّته.
والعنق بفتحتين: ضرب من سَيْرِ الدابَّةِ، قال الراجز:
ياناقُ سِيْرِي عَنقَا فَسِيحاً إلى سُلَيْمانَ فَنَستَرِيَحَا
والهَمْجَلَةُ: فارسي مُعَرَّبٌ، وهو نوع من السير قريب من العَدْوِ.
والمعنى: أنَّ تلك الأرضَ لِمَا فيها من الطُّولِ والعرض لا تبلغها إلا ناقةٌ عظيمة صلبة جسيمة سريعةُ العَدْوِ والسير على هيئة الطير، من صفتها أنَّها إذا أعيتُ من السير سارت هذين النوعين منه، فما ظنك بها إذا لم تعي؟ فإنها حينئذ تكون كالطير. وفيه إشارة إلى طريق السالكين من السائرين، وسير الطالبين من الطائرين
بحسب تفاوت مراتبِ قُوَّةِ الجَذبة في سبيل المحبة، وإيماء إلى ما خَلَقَ اللهُ من عجائب القُدرةِ وغرائب القوة في خِلْقة الإبل، وما فيها من الهيئةِ المُورِثة للعبرة، كما قال تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: ??]، وإشعار إلى قوله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ} [النحل: 7].
وفيه تلويح إلى أنَّ الإنسانَ لا بُدَّ أنْ يَسْعَى في طريق الإحسانِ ليصل إلى ميدانِ العِرفانِ، ويحصل له وِصَالُ الجنانِ، ويخلص من وَبالِ النيرانِ.
مِنْ كُلِّ نَضَاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ مِنْ بيانية صفة عُذَافرة؛ أي: عُذَافِرةً كائنة من كل ناقةٍ نضَّاخَةٍ ذِفْراها، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، حيث جعلها متحدَةً لكل نضاحَة. والنَّصَاجَّةُ بتشديد الضَّادِ ثم الخاء المعجمتين: كثيرة الماء، ومنه قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ} [الرحمن: 66]؛ أي: فوَّارَتانِ. والذَّفْرَى بكسر الذالِ المُعْجَمَةِ: نُقرةُ خلفَ أُذُنِ الناقةِ، وهي أَوَّلُ ما يَعْرَقُ منها، وفيه إقامةُ المُفرَدِ مُقامَ التثنيَّةِ؛ إذ لكلِّ ناقةٍ ذِفْرِيانِ.
وقوله: إِذَا عَرِقَتْ ظرف نضَّاخة؛ أي: وقت عرقها، وذلك من كثرة السير وسرعته.
وعُرْضَتُهَا مبتدأ، خبره: طَامِسُ الأَعْلامِ: جمعُ عَلَم، بمعنى علامة؛ أي: طريقٌ مُنطمِسُ العلاماتِ، مُندرسُ الإشاراتِ، مَجْهُولُ صفة طامس مؤكد؛ إذ كل طامس مجهول.
والمعنى: همَّتُها سلوك طريق ممحو علاماته، مجهول ذاته؛ لغاية قوتها على
سلوكها وسيرها وحرقها، وإدراكها الطريق المجهولة من غير أمارة وعلامة.
تَرْمِي الغُيُوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهِقٍ إِذَا تَوَقَّدَتِ الْحِزَّانُ وَالْمِيلُ
يقال: رمى السهم رمياً، ورماه بالسهم، كما ورد هنا.
و الغُيوبَ بضمّ أولِهِ ويُكسر: جمعُ غائب؛ كشاهد وشهودٍ، أو غَيْبِ كَبَيْتٍ وبيوت، والأولُ أَوْلى، ولم يَذْكرِ الشُّرَّاحُ إِلَّا الثاني مع أنه مجاز؛ إذ الغيب في الأصلِ مصدرُ غَابَ، فأطلق على الغائبِ إطلاق الغَورِ على الغَائِرِ في قوله تعالى: {قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَورًا} [الملك: 30].
وفي القاموس»: الغيبُ: ما اطمأنَّ من الأرض، وجمعه: الغُيوبُ. ثم المراد برمي الغُيوبِ: إيقاعُ النظر إليها بسرعةٍ؛ فإنه يُشبهُ الرَّميَ في سُرعة الوقوع على المحلّ.
وقوله: بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ فيه تشبيه بليغ؛ أي: بعينينِ كعَينَي ثورٍ وحشي مُتفرّد عن القطيع، أو بازي منفردٍ عن أمثاله البديع، فكل من المُشبَّه والمُشبَّه به حِسي، ووجه الشَّبه وهو حدَّةُ النظر عقلي، كما حققه الفاضل الهندي.
و الله بكسر الهاء وفتحها: الأبيضُ. وقوله: إِذَا تَوَفَّدَت ظرفُ ترمي يصفُها بأنها حديدة في النظر، ترمي في وقتِ شدَّةِ الحر، والتوقُدُ: الإيقادُ، وشبه كمال حر الشمس بتوقُّدِ النارِ.
والْحِزَّانُ بكسر الحاء المهملة، وبالزاي المشدّدة: جمعُ حَزيز بزاءينِ بمعنى مكانٍ صُلْبِ غليظ، و المِيلُ بكسر الميم: جمع ميلاء، بفتحها، وهي العُقْدَةُ الضخمة من الرّمل.
ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا عَبْلٌ مُقَيَّدُهَا فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الفَحْلِ تَفْضِيلُ ضَخْمٌ؛ أي: غليظٌ، وهو خبرُ مُقَدَّدُهَا بفتح اللام؛ أي: موضعُ القلادة من العنق، والمراد: وصفُ الناقةِ بِغلَظ الرقبة، وقد عِيبَ ذلك، قال الأصمعي: هذا خطأ
في الوصفِ، وإِنَّما خَيرُ النجائبِ ما يَدِقُ مَذبحه، كذا ذكره ابنُ هشام. وفيه: أنَّ ضخامةَ كلُّ نجيبة بحسب ما يُناسبها من طُولِهَا وعَرضها، على أَنَّ الضخمَ يُمكنُ تفسيره بالعظيم في حد ذاته وحُسْنِ صفاته. و عَبْلٌ كضَخْم؛ وزناً ومعنّى، ورُويَ: فَعْمُ بالفاء والعين، وهو كعَبْلٍ مبنى ومعنى، كذا قاله ابنُ هشام، وفسره الفاضل بممتلئ.
وقوله: مُقيَّدُهَا بفتح التحتية المُشدَّدة؛ أي: موضع القيد منها؛ يعني: قوائمها غليظة؛ لأنها إذا كانت كذلك كان أقوى على السير فيما هنالك. والجملتان صفة لـ ناقة، وكذا قوله: فِي خَلْقِهَا بفتح أوله؛ أي: في خِلْقَتِها وفطرتها.
عَنْ بَنَاتِ الفَحْلِ متعلّق بقوله: تَفْضِيل على أنَّ عن بمعنى على، وقيل: حال من ضميرِ خَلْقِهَا؛ أي: في خلقِ اللهِ إيَّاها متميزةً ومُتباينة عن بناتِ الفحل تفضيل لها عن سائر النُّوقِ في الهيئة والقوة، وهو مبتدأ سوَّعه تقدُّمُ الخبر؛ أي: في خَلْقِهَا، أو الوصفُ المُستفاد من تنوين التعظيم؛ أي: تفضيل جليل فيه تبجيل.
غَلْبَاءُ وَجْنَاهُ مُلْكُومٌ مُذَكَّرَةٌ فِي دَفْهَا سَعَةٌ قُدَّامَهَا مِيلُ غَلْبَاءُ بغين مُعجمةٍ مفتوحة فباء موحدة؛ أي: عظيمة الرقبة، صفة لعُذَافِرَة، وكذا ما بعده، أو أخبار المبتدأ محذوف؛ أي: هي غَلْبَاءُ ... ، والجملةُ صفةٌ لـ عُذَافِرَة. وقوله: وَجْنَاءُ؛ أي: عظيمةُ الوَجْنتين، وهما طَرَفا الوجه.
عُلْكُومٌ بضمتين؛ أي: شديدةٌ. مُذَكَّرَةٌ بفتح الكافِ المشددة؛ أي: إنها مع عِظَمِ خَلْقِهَا كَالذَّكَرِ مِن الأَباعِرِ.
و فِي دَفْهَا سَعَةٌ مبتدأ سَوَّعَهُ تقدُّمُ الخبر، أو فاعل الظرف؛ لاعتماده على موصوف أو مبتدأ.
والدَّفُ بفتح الدال المهملة والفاءِ المُشدَّدة: الجَنْبُ، والمراد به الجنسُ ليشمل الجَنبَينِ والسَّعةَ بفتح السين، والقياسُ الكسرُ كالعِدَةِ والزَّنة والهِبَة، لكنهم فتحوا عينَ هذا المصدر لفتحها في المضارع كالضَّعَةِ.
وقوله: مِيلُ مبتدأ، أو فاعل الظرف المتقدم، وهو قوله: قُدَّامَهَا بالنصب، وجُوزَ رفعه، قال الفاضل: نحو: خَلْفَ، وقُدَّامَ، وأمام، إذا كانت مضافةً ظروف وفاقاً، ويجوزُ رفعه عند البصريّة والكوفية والجَرْمي في الشعر لا غير، وإذا كانت مفردةً فليست بظروف عند الكوفيين، بل هي بمعنى اسم الفاعل، فخلف، بمعنى مُتأخر، وقُدَّامَ بمعنى متقدم، فإذا وقعت أخباراً يجب رفعها عندهم، وعند البصريين يجوز فيهما النصب على الظرفية والرفع بحذفِ المضاف، كذا في بعض شروحٍ «الكافية».
فـ قدَّامَها هنا مضاف واقع في الشعرِ؛ فيجوزُ رفعه بالاتفاق.
وَجِلْدُها مِنْ أَطُومِ لَا يُؤَبِّسُهُ طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ الْمَثْنَيْنِ مَهْزُولُ جِلْدُهَا مبتدأ خبره مِنْ أَطُومٍ؛ أي: من جلده، وهو بفتح الهمزة وضم الطاء المُهملة، قيل: هي سلحفاة بحرية، وقيل: سمكة غليظة الجلد في البحرِ يُشبَّه بها جلد البعير الأملس، ويُتخذ منها الخِفَافُ للجمالينَ، ويُخصَفُ بها النِّعالُ للحمالينَ. وجملة لاَ يُؤَبِّسُهُ طِلْحٌ صفةُ أطوم يقال: أَبَسَهُ يَأْبِسَهُ: وَبَحْهُ وروعه وبه:
ذلله وقَهَرَه، وفلاناً: صغَرهُ وحقَّره، كابسه تأبيسَاً.
و طلح بكسر فسكون: قراد، صفته بضَاحِيَةِ الْمَثْنَيْنِ وهما مُكتَنفَا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم، والباءُ بمعنى في، والإضافة بمعنى اللام، وضَاحِيةُ كلّ شيء: ناحيته البارزة منه، وهي اسم فاعل؛ من ضَحِيَتْ بالكسرِ تَضْحَى بالفتح: إذا برزت للشمس، و أل في المتنين خَلَفٌ عن الضمير؛ فهو ك حَسَنة الوجه، فالمراد: ما برز من متنيها للشمس. ومَهْزُولُ صفةٌ أخرى.
والمعنى جلدها أصلبُ أملس لسمنها وضخامتها؛ فالقُرادُ المهزولُ من الجوع لا يلتزق بناحية منها، ولا يلصق بها ولا يثبت عليها.
حَرْفُ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَا وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ حَرْفٌ خبر محذوفٍ؛ أي: هي، والجملة صفة عُذَافِرَة، وأَبُوهَا مبتدأ خبره أَخُوهَا، والجملة صفة حَرْف، وحرفُ كلِّ شيءٍ: طَرَفُهُ، ومنه: حرْفُ الجبل، وهو أعلاه المحدود، والحَرْفُ: الناقةُ الضَّامرةُ الصُّلبة، شُبِّهتْ بحرْفِ الجَبَلِ؛ أي: أنها مثله في القوَّةِ والصُّلبة، أو المراد بالحرفِ الخَطَّيُّ؛ أي: أَنَّها مثلُهُ في الضُّمورِ
والرقة؛ ففيه تشبيه بليغ؛ أي: كالحرفِ.
وقوله: أخُوهَا أَبُوهَا كنايةٌ عن كمال قوَّتها وصلابتها، وغاية كرمها ونجابتها؛ إذ ذاك من لوازم إنزاء البعير على النُّوقِ القريبة منه؛ كالأم والبنتِ؛ فإِنَّ البهائم إلى قرابتها أشهى منها إلى غير هِنَّ، بخلاف الإنسان، ومتى كانتِ الشهوة أكمل كان الولد أقوى. وقوله: مِنْ مُهَجَّنَةٍ صفةُ حرفٍ، و من بيانيَّةٌ؛ أي: ناقةٌ مُهجَّنةٌ، أو تبعيضيةٌ؛ أي: من نياقٍ مُهَجَّنَةٍ؛ أي: مُكْرمَةٍ.
وعَمُّهَا خَالُهَا جملةً أخرى، صفةٌ حرف.
والمعنى: ناقة صلبة مرتفعة، كحرْفِ الجبل، كاملةُ القُوَّةِ من حيثُ إِنَّ أباها أخوها، وعمَّها خالُها؛ فإنَّ ذلكَ مِن كمال قوة البهيمية وغاية نجابتها. وهي قَوْدَاءُ؛ أي: طويلةُ الظَّهِرِ والعُنقِ.
شِمْلِيلُ بكسر الشينِ المُعْجَمَة؛ أي: سريعة السير خفيفة كالطير.
قال الفاضل الهندي: صورة ذلك بعير ضربَ - يعني: نكحَ - أُمَّه، فولدت بعيراً وناقةٌ، ثم ضرب البعير الأول بنتَهُ هذهِ فولدتْ ناقةً، فهذهِ الناقةُ أَبُوهَا ـ وهوَ البعيرُ الثالثُ - أخوها من أُمها؛ لأنه ولد أمها قد نزا عليها، فولدت هذه الناقةَ، والبعير الثاني أخو أبيها من الأب؛ إذ أبو كلّ منهما هو البعير الأول؛ فهذهِ ناقةٌ أبوها أخوها، وعمها خالُها.
وذكر في «التكملة» صورة أخرى، وهي في مقامِ القُربِ أَحْرَى جَملٌ ضَربَ ابنته فجاءت بجملين؛ فهما ابناها مع أنهما أخوَاها لأبيها أيضاً لأنهما ولدا أبيها، ثم
الخطي نوع من الرماح ينسب إلى الخط، وهو موضع باليمامة تحمل إليه الرماح من بلاد الهند فتقوم به فنسبت إليه. ووقع في النسختين: «أو المراد الحرف الخطي»، ولعل المثبت هو الصواب.
ضربَ أحدهما أمَّهُ فجاءَ بناقةٍ، فهذه ناقةٌ أبوهَا أخوها لأمها، والجمل الآخرُ الذي لم يضرب أمَّهُ عمُّها؛ لأنه أخو أبيها لأب وأم، وهو خالها أيضاً؛ لأنه أخو أمها لأب؛ لأنَّ أباها وأباه واحد، وهو الجمل الذي ضربَ بنتَهُ، فولدتْ جَمَلين.
وقال ابن هشام التهجين مدح في الإبل، ذم في الإنسان؛ إذ معناه في الإبل: كريم الأبوين، وفي الإنسان أن يكون الأب عربياً والأم أَمَةً، وإن كان الأمر بالعكس قيلَ: رجلٌ معرَّب.
ومن الملح: أنَّ أعرابياً جاء إلى ابنِ شُبِّرُمةَ القاضي، فقال: مسألة؟ فقال: هاتِ، فقال: إنَّ أبي مات وخلفني وشقيقاً لي وخطّ بأصبعيه في الأرضِ خَطَّينِ مُتجاورين، ثم قالَ: وخلَّفَ هَجِيناً، وخط خطا آخر بعيداً، ثم قال: ولم يُخَلَّفْ غيرنا، فاقسم المالَ بيننا.: هو بينكم أثلاثاً، فقال: سبحانَ اللهِ كَأَنَّكَ لم تفهم المسألةَ، فقالَ أَعِدْهَا فأعادها، فأجابه كالأول، فقالَ: أَيَرِثُ الهَجِينُ كما أرِثُ؟! فقالَ: لقد علمتُ والله أنَّ خالاتِكَ بالدَّهْناءِ قليلةٌ، فقال: لا يَضرُّني ذلك عند الله شيئاً 4.
قال:
يَمْشِي القُرَادُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ مِنْهَا لَبَانُ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ القُرَادُ بضم القافِ: دُوَيبَةٌ معروفةٌ تَلتزقُ الدابَّة، يقال لها بالفارسية: كنه، والمعنى: أنَّ جلدها أملسُ لِسمنها؛ فالقُرَادُ لا يثبتُ عليها، وهذا تأكيد لقوله: وجلدُهَا من أُطُوم فلو ذكرهُ بجَنْبِه لكانَ أليق، ذكره ابن هشام.
ولعل وجهَهُ: أَنَّ البيت الوسطاني جملة معترضةٌ.
وقوله: ثُمَّ يُزْلِقُهُ بضم الياء وبكسر اللام من الإزلاق، وهو إفعال من الزلق، وهو نقيض ثبات القدم، والزَّلْقُ أيضاً جاء متعدياً، وقرئ بالوجهين
قوله تعالى: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ} [القلم: 51]، ونافع يفتحها 2. و تم هنا للترتيب لا للتراخي؛ إذ لا يحسنُ أن يُخبِرَ عنها بتراخي سقوطهِ عنها، بل بقربه وسرعته منها.
و من في مِنْهَا للابتداء، أو بمعنى عن، ويؤيده أنه رُوي: عنها.
لَبَانٌ بفتح اللام والمُوحَدَّةِ: الصدر، أو وسطه، أو ما بين الثديين. وأَقْرَابٌ بفتح أوله؛ أي: خواصرُ، وفيه إقامةُ الجمعِ مُقامَ المُثَنَّى؛ نحو قولهِ تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4].
وقوله: زَهَالِيلُ: جمعُ زُهْلول بالضمّ، بمعنى: أملس، صفة أقراب، كما ذكره الفاضل، وهو أقربُ، أو صفةُ لَبَان و أقْرَاب كما ذكره ابنُ جَمَاعَةَ، وهو أنسب. عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضِ مِرْفَقُهَا عَنْ بَنَاتِ الزَّورِ مَفْتُولُ عَيْرَانَةٌ خبر لمحذوف؛ أي: هي، وهي بفتح عين مهملة: ناقةٌ شبيهة
بعير الوحش في سرعتها ونشاطها، وصلابتها وانبساطها.
قُذِفَتْ بصيغة المجهولِ؛ أي: رُمِيتْ بِالنَّحْضِ بنونِ مفتوحة فحاء مهملة ساكنة وضادٍ معجمة: اللحم، ورُوي: قُذفتْ بتشديدِ الذالِ، وقُذفتْ باللحم عَنْ عُرُض بضمتين؛ أي: جانبٍ.
والمعنى: رُمِيتُ باللحم عن كل جانب من جوانبها؛ بإرادةِ العُمومِ المُستفادِ
من النكرة المثبتة، على حد قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسُ} [التكوير: 14]. و مِرْفَقُهَا مبتدأ خبره مفتولُ، و عن بناتِ الزَّورِ متعلّق بهِ. والمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء وعكسه لغتان، وبهما قُرئ في السبعة قوله
تعالى: {وَيُهَى لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقَا} [الكهف: 16] 1.
والزَّورِ بفتح الزاي: أعلى الصدر، وبناته: ما يتصل به مما حوله من الأضلاع وغيرِهَا.
والفَتْلُ بالفاء: الصرفُ.
والمعنى: هي مَصُونةٌ عن الضَّغطِ والزَّلَقِ وانقطاعِها؛ لبُعدِ مرفقها عن أضلاعِهَا. كَأَنَّمَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ ما موصولةٌ، وهي مع صلتها - أعني: فاتَ عَيْنَيْهَا ـ اسم كانَ، وبِرْطِيلُ بكسر أوله خبره، و فَاتَ بالفاء، وفي آخره التاء من الفوت؛ أي: تقدَّم، قال الأصمعي: الوجه كلُّه فائتُ العينين إلا الجبهة.
و مَذْبَحَهَا بفتح الموحدة؛ أي: منحرها، وهو ما يلي الصدر، ومِنْ خَطْمِهَا خبر مقدَّم، والخَطْمُ - بفتح الخاء المُعْجَمَة ـ من كل طائر: منقاره، ومن كل دابة مقدَّمُ أنفه وفمه.
و مِنَ اللَّحْيَيْنِ عطف، وهما بفتح اللام: العَظْمانِ اللَّذانِ ينبتُ عليهِمَا الرّحِيةُ بالكسر - من الإنسان، ونظيره من بَقِيَّة الحيوان.
قرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء وبِرْطِيلُ مبتدأ مؤخَّر، وهو بكسر أوله: مِعْوَل من حديد، وأيضاً: حجَرٌ مُستطيل؛ شبَّه رأسها بأحدهما في الكِبَرِ والعِظَمِ والقوة.
والحاصل: أنه وصفها بكِبَرِ الرأس وعِظَمه وقوته وصلابته، وفيه إيماء إلى فخامته وشهامته.
وفي نسخة: قاب بدل: فات، وهو بالقافِ، وفي آخره موحدة مرفوعة. قال الفاضل: ما كافّة؛ أي: مانعة لـ كأنَّ عن العمل، وقابُ الشيء: قَدْرُهُ، ومنه قوله تعالى: {قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: ?]، وهو مبتدأ مضاف إلى عَيْنَيْهَا، ومَذْبَحِهَا عطفٌ على عَيْنَيْهَا، و مِنْ خَطْمِهَا و مِنَ اللَّحْيَيْنِ حالان من قَابُ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحِهَا على اللف والنشرِ المُرتَّب، و مِن للابتداء، والعامل فيهما معنى الفعل المُستفاد من كأنَّ، وإضافةُ القابِ لأدنى ملابسة، والمراد: قاب وجهِهَا المنتهي إلى عَيْنَيْهَا، وقابُ عُنقها المنتهي إلى مَذْبَحِها، وبِرْطِيلُ خبر المبتدأ بحذفِ مضاف؛ أي: قَدْرُ بِرطيل؛: كأَنَّ قَدْرَ وجهها المنتهي إلى عينيها مبتداً مِن خَطْمِهَا، وَقَدْرَ عُنُقِهَا المُنتهي إلى يعني:
مَذبحِهَا مبتدأ من اللحيينِ، قَدْرُ حَجَرٍ طويلِ فِي الطُّولِ والصَّلَابَةِ.
والمعنى: أنَّ وجهَها من مُقدَّمِ الأنف إلى العينيينِ كَحَجَرٍ طويل، وكذا عُنْقُهَا
من المَنْحَرِ إلى اللحْيَين كحَجَرٍ طويل، فيما ذُكر من وجهِ الشَّبِهِ. تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذَا خُصَلٍ فِي غَارِزِ لَمْ تَخَوَّنْهُ الْأَحَالِيلُ تُمِرُّ مِن أَمَرَّهُ: جَعَلَهُ ماراً؛ أي: تُمِرُّ عِيرانَةُ ذنباً؛ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ في الطول، وهو جَرِيدُه الذي لم يَنْبُتْ عليهِ الخُوصُ؛ فإن نبتَ عليهِ يسمَّى: سَعَفَاً
بفتح السين والعين المهملتين وبالفاء.
ذَا خُصَلٍ بضم ففتح: جمعُ خُصْلة من الشعر، صفةٌ أخرى لموصوف محذوف.
فِي غَارِز متعلق بـ تُمِرُّ على أنَّ في بمعنى على، على حد قوله تعالى: {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، وهو بغينِ مُعجَمةٍ، ثم راء مكسورة فزاي؛ من غَرَزَتِ الناقةُ ـ بالفتح - تغرُز بالضم: إذا قل لبنها، والمراد به هنا: الضّرعُ. وقوله: لَمْ تَخَوَّنْهُ بفتح الخاء المعجمة والواوِ المشدّدة، حُذف منه إحدى التاءين؛ أي: لم تَتَنَقَّصْهُ.
الأَحَالِيلُ بفتح الهمزة والحاء المهملة: جمعُ إحليل، وهو مخرج اللبن من الضّرع، وهو المراد هاهنا، ويُطلق على مخرج البول أيضاً.
والمعنى: أنها حائلٌ لا تُحلب، وذلك أقوى لها على السير؛ فنفَى الضّعف عنها بنفيه عن ضَرعِهَا.
قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلبَصِيرِ بِهَا عِتْقُ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ أي: هي قنواء، أو صفة عَيْرَانَةٌ، مؤنَّثُ أقْنَى، من القَنَا؛ كالعَصَا، وهو احْدِيدَابُ في الأنف؛ أي: ارتفاع في وسطه، وفي رواية: وجنَاءُ بدل قَنْواءُ، ويُضعفها لزوم
تکراره بقوله: غَلْباءُ وجْنَاءُ، ويُرجحُها ما قيل: من أَنَّ القَنَا عِيبٌ في الإِبل.
و في حُرَّتَيْهَا بضم الحاء وتشديدِ الرَّاءِ خبرٌ مُقدَّم، وهما الأُذنانِ، وقد رَوَى اليَشْكُرِيُّ: أنَّ النبيَّ لا لَمَّا سمع هذا البيت قال لأصحابه: «ما حُرَّتاها؟» فقالَ
بعضُهم: عيناها، وسكت بعضُهم، فقال: «أُذْنَاهَا» ذكره ابن هشام.
وقوله: للبَصِيرِ متعلّق بـ مُبِينٌ؛ أي: للعليم بتلك الناقة؛ فالباء صلة البصير، أو للرائي إيَّاها؛ فالباء زائدة، و عتق مبتدأ، أو فاعل للظرف، ومعناه: كرم ونَجابةٌ، مبين صفته؛ أي: ظاهر.
و فِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ إعرابه كما سبق؛ أي: وفي خَديهَا لِين وسهولةٌ لا خُشونةٌ وحُزونةٌ.
والمعنى: إذا نظر البصير بالإبل إلى أُذنيها وسهولة خديها بان له عِتْقُها وكرمُهَا. تَخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لاَحِقَةٌ ذَوَابِلٌ مَسُّهُنَّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ تَخْدِي كترمي، بمعجمةٍ فمهملة، بمعنى: تُسرع، وبمعجَمَتين: تسترخي، وهو أبلغ؛ لأنَّها مع استرخَائِها في السيرِ تَلحَقُ النُّوقَ السَّوابق، فكيف لو أسرعت. وقوله: عَلَى يَسَرَاتٍ بفتحتين؛ أي: قوائم خفاف، وعَلَى بمعنى الباءِ الداخلة على الآلة؛ أي: تُسرع بها، أو على حقيقتها باعتبار استعلاء الماشية على قوائمها.
وجملةُ وَهْيَ لاَحِقَةٌ؛ أي: مُدْرِكةٌ، حال من يَسَرَاتٍ، وسوَّعَ مجيءَ الحال من النكرة عدم صلاحية الجملة للوصفية؛ لاقترانها بالواو، على حدّ قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259]. ورُويَ: لاهية بدل لاحقة؛ أي: أنَّها تُسرع من غير اكتراث ومبالاة، كأن ذلك سجيَّةٌ لها، وهي تفعله وهي غافلةٌ عنه.
وقوله: ذَوَابِلٌ نُونَ للضرورة، وهو جمع ذابل؛ أي: اليابس، خبر ثان، أو حال من ضمير لاحقة، أو صفة يَسَرَاتٍ، والفصل بين الصفة والموصوف جائز، نحو قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَهُ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ} [الواقعة: 76]، وهذا أوفقُ لما بعده من الجملة؛ فإنها صفة لها أيضاً.
وفي نسخة: وقعُهُنَّ بدل: مَسُّهُنَّ، وهو مبتدأ خبره تَحْلِيلُ؛ أي: شيء قليل لم يُبالغ فيهِ؛ كأَنَّه من تحليل القَسَمِ، يُشيرُ بالجملة إلى صفة رفعِهَا قوائمها؛ فلا تمس الأرض إلا تحلَّةَ القَسَمِ، كما يحلفُ الإنسانُ على الشيء لَيَفْعلنَّهُ، ففعلَ منهُ اليسير ليتحلَّل به قسمه، هذا أصله، ثم كثر حتى قيل لكلِّ شيءٍ لم يُبالَغ فيهِ.
ومعنى البيت: أنها تُسرعُ بقوائمِهَا الخِفافِ الدَّقيقة مسرعةً في سيرها، كأنها لا تمس الأرضَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ، والحالُ أنَّها ضامرة أو لاحقة بالنُّوقِ السابقة عليها، أو اللاحقة بالديار البعيدة إليها.
سُمْرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَى زِيَمًا لَمْ يَقِهِنَّ رُؤُوسَ الأُكُم تَنْعِيلُ سُمْرُ: جمعُ أسمر، والسُّمْرةُ: لون يَقْرُبُ من السَّوَادِ، وهو بالرفع خبر محذوف هو: هي، والجملة صفة يَسَرَاتٍ، والإضافة لفظيةٌ؛ أي: سُمْرٌ عُجَايَاتُها، وهي بضم العينِ المُهملة وبالجيم: جمعُ عُجَايةٍ، وهي: لحمةٌ مُتَّصِلةٌ بالعَصبِ المُنحدر من ركبةِ البعير إلى الفِرْسِنِ، والفِرْسِنُ في البعير كالحافر في الدابة، وذلك مِن سِمَاتِ
القوَّةِ والصَّلابة والنَّجَابة.
وجملة يَتْرُكْنَ صفةُ يَسَرَاتٍ، وهو بمعنى: يَجْعَلَنَّ، متعد إلى مفعولين، وقيل: زِيَماً حال من الحَصَى وهو بكسر الزاي وفتح الياء: المتفرق؛ أي: أنها لشدَّةِ وطئها الأرضَ تُفرِّقُ الحَصَى عن موضعها.
وجملة لَمْ يَقِهِنَّ صفةُ يَسَرَاتٍ أيضاً، من الوقاية بمعنى الحفظ، وفي بعض الرواياتِ: لم يُبْقِهنَّ من الإبقاء.
ورُؤُوسَ الأُكْمِ ظرف مكانٍ بحذفِ مضافٍ؛ أي: لم يَقهنَّ ـ أو: لم يُبْقِهنَّ فوق رؤوس الأُكْمِ، وهو بضم الهمزة وسكونِ الكافِ مُخفَّفُ أُكُم بضمتين جمعُ، كام، ككُتب وكتاب، و الأكام جمع أكم بفتحتين، كجِبَالٍ وجَبَلٍ، والأكم، بفتحتين:
جمعُ أَكَمَةٍ؛ كَثَمَرٍ وثَمرة. والأصوب على رواية لَمْ يَقِهِنَّ كونُه مفعولاً ثانياً لـ يق؛ إذ الوقاية تتعدى إلى مفعولين، يقال: وقيتُه الشرَّ، قال تعالى: {فَوَقَتْهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} [الإنسان: ??]. والمعنى: لا يُحتاج لوقايتها من أذَى رؤوسِ الأُكُمِ ـ أو لبقائها فوق رؤوسِ الأُكُم - إلى تنعيل كسائِرِ النُّوقِ، بل كَفَى بِصَلَابَتِها وقايةً.
وتَنْعِيلُ فاعل يَقِ، وهو شَدُّ النعل على حافرِ الدابة؛ أي: أنَّها ناقةٌ صُلبةٌ، لا تَحْفَى فِي سَيرِهَا، ولا تَرِقُ قَدَمَها، فلا تحتاج إلى النعل عند جريها. كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا إِذَا عَرِقَتْ وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَسَاقِيلُ الجملة الأولى صفةُ عَيْرَانَةٌ، والأَوْبُ بفتح أوله: سرعة تقليب2 اليدين والرجلين، وإِذَا عَرِقَتْ ظرف أَوْبَ، وهو كنايةٌ عن وقتِ الهاجرة، وهو وقت اشتدادِ الحرّ، وإنما خَصَّ التشبية بهذا الوقتِ؛ لأنَّ السرابَ إنما يظهر عند قوة حر الشمس. وتلفّعَ الرجلُ بالثوبِ: اشتمل عليه وتغطّى بهِ.
والقُور بالضم: جمعُ قارَةٍ، وهي جبل صغير، والعَسَاقِيلُ: السَّرابُ، وهوَ ما تراه نصف النهار، والجملة حال من ضميرِ عَرِقَتْ.
قيل: ليس في هذه الجملة الحالية ضمير صاحبها؟
وأجيبَ: بأنه يجوز إخلاء الجملة الحالية عنه؛ ك: لقيتُكَ والجيش قادم. كذا في «المُفصَّلِ».
يَوْماً يَظَلُّ بِهِ الْحِرْباءُ مُصْطَخِدا كَأَنَّ ضَاحِبَهُ بِالشَّمْسِ مَمْلُولُ يَوْماً ظرف تلفعَ أو عَرقَتْ، أو بدل من إذا بدل كل.
ويَظَلُّ بفتح الظاءِ المُعْجَمَةِ، مضارع ظللت بالكسر، يقال: ظللت أعمل كذا ظلولاً: إذا عملته بالنَّهارِ، وقد يُخفَّفُ بحذف إحدى اللامين، ومنه قوله تعالى: {ظَلْت عَلَيْهِ عَاكِفا} [طه: 97]، وقد يُفسَّرُ يَظَلُّ بمعنى يَصيرُ. وبه بمعنى فيه، و الحِرْباءُ بكسر الحاء: دُوَيْيَّةٌ مُخَطَّطَةٌ تستقبل الشمس وتدور معها، فتصيرُ وقتَ الهاجرة في أعلى الشجر، وقيل: حيوان يُرى له سَنَامٌ حَسَنَامِ الإبل، يستقبل الشمس، ويدور معها كيف دارتْ، ويتلون ألواناً بحر الشمس، وهو في الظل أخضر، ويُكنى أبا قُرَّةَ، وبه يُضرب المثلُ؛ لأنه يُمسك ساقَ الشجرِ، فلا يُرسله إلا ويُمسك ساقاً آخر، وألفه للإلحاق بقرطاس.
وقوله: مُصْطَخِداً بكسر الخاءِ المُعْجَمَةِ؛ أي: محترقاً، وأصله: مُصْتَخِدَاً، يقالُ: اصْطَخَدَ: إذا تصلَّى بحر الشمس، ورُويَ مُصْطَخِما واصْطَخَمَ بالميمِ: انتصب قائماً.
والضَّاحِي البارزُ، ويُروى: بالنار بدل بالشمس، والباء للسببية.
و مَمْلُولُ مفعول من مَلَلْتُ الخُبز بالفتح أملُهُ بالضم: إِذا عَمِلتُه في المَلَّةِ، بفتح الميم: وهي الرماد الحار، وقيل: الحُفْرَةُ نفسها، ويقال لذلكَ الخبز: ملول ومليل أيضاً.
والحاصل: أنه شبَّهَ أَوْبَ ذراعيها بأوبِ ذِراعَي عَيْطَلٍ وقت عرقها في يومٍ شديد الحريظل فيه الحرباء محترقاً بحيثُ يكون ظاهره كأنه بسبب الشمس مجعول في الرماد الحار.
وَقَالَ لِلْقَوْمِ حَادِيهِمْ وَقَدْ جَعَلَتْ ورْقُ الْجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الْحَصَى: قِيلُوا
قَالَ عطفٌ على تلفّعَ، وحَادِيهِمْ سائق إبلهم بالحُدَاء، وهو الغناء. والوُرقُ بضم أوله: جمعُ أَوْرَقَ؛ كحُمْرٍ وأَحْمَرَ، والوُرْقَةُ: لون يُشبه الرماد، وقيل: أخضر يضرب إلى سواد.
والْجَنادِب: جمعُ جُندب، بضم الجيم والدالِ ويُفتحُ: ذَكَرُ الجرادِ، وقيل:
ضرب منه، وقيل: الصغارُ منه، والإضافة فيه من باب: أخلاق ثياب. والرَّكضُ: تحريكُ الرِّجلِ، ومنه قوله تعالى: {اركض برجلك} [ص: 42]. أي: والحالُ أَنَّ جَنادِبَ الوُرْقِ أخذنَ يُحرِّكنَ أرْجُلِهِنَّ على الحَصَياتِ، لا يُمْكِنُ لهنَّ التمكُنُ عليها لكونها مُحمَّاةٌ بالحرّ، ولا الطيران عنها؛ لإعيائها عنه لتأثير الحرّ فيها، أو: أَخَذْنَ يَضربْنَ الحَصَى بأرجُلِهِنَّ لقصدِ النزول؛ للإعياء عن الطيران، فيهربن من حرَّهَا.
وقوله: قِيلُوا مقولُ قال وهو أمرٌ مِن قالَ يَقِيلُ قَيلُولةً: وهي النوم في نصفِ النهار، وقيل: الاستراحةُ في النهارِ وقتَ شدَّةِ الحَرِّ وإن لم يكن مع ذلك نوم، ومنه قوله تعالى: {أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَذخَيْرُ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]، ومن الأول قوله تعالى: {فَجَاءَهَا بِأَسُنَا بَيَنَّا أَوْ هُمْ قَابِلُونَ} [الأعراف: 4].
شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعًا عَيْطَلٍ نَصَفٍ قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ شَدَّ النَّهَارِ: ارتفاعه؛ فهو مصدرٌ جُعل ظرفاً؛ أي: وقت ارتفاعه؛ كـ: لقيتُكَ قدومَ فلان، فهو إما ظرف لغو لـ قيلوا، أو بدلٌ مِن يوماً في يَوْماً يَظُلُّ بِهِ الحِرْباءُ. وقوله: ذِرَاعًا عَيْطَلٍ خبرُ كأنَّ بحذفِ مضاف؛ أي: كأَنَّ أُوبَ ذراعيها في هذه الحالاتِ أُوبَ ذراعَيْ عَيْطل.
والعَيْطَلُ: الطويلة.
والنَّصَفُ بفتحتين: التي بينَ الشَّابَةِ والكَهْلةِ، وما أحسن قول الحماسي: لَا تَنْكِحَنَّ عَجُوزاً إِنْ دُعِيْتَ لَهَا واخْلَعْ ثِيَابَكَ عنها مُمْعِنَا هَرَبَا وإِنْ أَتَوْكَ وَقَالُوا إِنَّهَا نَصَفٌ فَإِنَّ أَمْثَلَ نِصْفَيْهَا الذي ذَهَبَ وضمير قَامَتْ إلى عَيْطَل، فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ بضم النون وسكون الكاف:
جمعُ نَكْدَاءَ، كَحَمْراءَ وحُمْر، وهي التي لا يعيش لها ولد.
ومَثَاكِيلُ بفتح الميم: جمعُ مِنْكَال بكسرها، وهي الكثيرةُ الشُّكْلِ،
والشُّكْلُ: فقدانُ المَرأة ولدَها؛ أي: التي مات لها أولاد كثيرة. والمعنى: كأنَّ ذِراعَيْ هذه الناقة في سُرعة سيرها ذراعًا هذه المرأةِ في اللَّطْمِ لَمَّا فقدت ولدها، جاوبَهَا نساء فَقَدْنَ أولادَهُنَّ؛ إذ النساء المثاكيلُ إذا جاوبنها كانَ ذلك أقوى لحُزْنها وأنشط في ترجيع يديها عندَ النِّياحةِ لمُساعَدَتهنَّ لها. نَوَّاحَةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَهَا لَمَّا نَعَى بِكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ نواحَةً بتشديد الواو: مبالغة نائحة، صفة أخرى لـ عَبْطل، وكذا رِخْوةُ الضَّبْعَيْنِ بكسر الراء، وتُثلث، والإضافة لفظية؛ أي: رِخْوَةٌ ضَبْعَاها، والضَّبْعُبفتح فسكون: العَضُد.
والنَّعي بالفتح: خبر الموتِ.
والبكر بالكسر: أول أولاد المرأة ذكراً كان أو أنثى.
والنَّاعِي: مَن يأتي بخبر الموتِ. والمعقولُ: اسم ليس بمعنى العَقْلِ، وهو أحد المصادر التي جاءت على صيغة
مفعول؛ كمَعْسور، ومَيْسُورٍ، ومَفْتون، كما في الآية على ما قاله الأخفش والفرَّاءُ. وأنكر سيبويه مجيء المصدرِ بزنة المفعول، وتأوَّلَ قولَهُم: دَعْهُ من معسوره إلى ميسوره، على أنه صفةٌ لزمن محذوف؛ أي: دَعْهُ من زمنٍ يُعْسِرُ فِيهِ إِلَى زَمَنِ يُوسُرُ فِيهِ. وقولهم: ما له معقول، على معنى ما له شيء يُتعقل، ويلزم من انتفاء الشيء المُتعقِّلِ انتفاء العَقْلِ، كما يلزمُ من انتفاء المضروب انتفاء الضرب.
وأما الآية، فقيل: الباء زائدة.
والمعنى: إِنَّ هذهِ المرأة كثيرةُ النَّوْح مُسترخيةُ العَضُدين، فيداها سريعةُ الحركة، فلما أخبرها الناعونَ بموتِ ولدِهَا لم يبقَ لها عقل، فأقبلتْ تُشقَّقُ مَنْحرها وصدرها بيدها.
تَفْرِي اللَّبَانَ بِكَفَّيْها وَمِدْرَعُها مُشَقَّقٌ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيلُ تَفْرِي بالفاء وكسر الراء، ويجوز في تائه الفتح والضم، يُقالُ: فريتُه وأفريتُه بمعنى واحد، وقيل: أفريتُ الأديم: قطعته للإفساد، وفريتُه: قطعته
للإصلاح، والجملة صفة عَيْطَلِ.
واللَّبَان بفتح اللام: الصَّدرُ، و أل فيه نائبة عن الضمير؛ أي: لبانها؛
يعني: قميصها.
والباء في بِكَفَّيْهَا للاستعانة.
وأورد عليه: أن الفَرْيَ بالأنامل لا بالكفّينِ.
وأجيب بأنه قد يحصلُ الفَري بالكف عند شدة الضرب به وكثرته، أي: في قوله تعالى: {بِأَيَتِكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم: 6].
حيث يتورّم به الجلد فيشقَّقُ، أو يُحمل على حذف مضافين؛ أي: بأنامل أصابع كفيها، والأول أبلغ وأدل على الوجع والمصيبة.
و مِدْرَعُها مبتدأ، مُشَقَّق خبره؛ أي: مشقوق شقاً كثيراً، ورَعَابِيلُ خبر ثان، والجملة حال من فاعل تَفْرِي.
و عَنْ تَرَاقِيهَا متعلّق بـ مُشَقَّق بتضمين معنى الإزالة أو التنحية؛ أي: مُزالاً منها، أو مُنَحَّى عنها.
والتراقي بفتح أوله وكسر القافِ: جمعُ تَرْقُوةٍ؛ بِفتحِ التَّاءِ، وَالعَامَّةُ يَضُمُّونَهَا وهو خطأ، ووزنُهَا فَعْلُوةٌ، وهي عظامُ الصدر التي تقع عليها القلادة، وفيه استعمال الجمع موضعَ المُفرد للمبالغة.
قيل: الرَّعَابِيلُ بفتح الراء: قِطَع، وقيل: ممزق، وقيل: الرَّعَابِيلُ: الأخلاق، واحدهُ رُعْبُولٌ، وإنما يصح حمله على المذرع الواحد باعتبار حذف أداة التشبيه؛ أي: مِدْرَعُهَا كالثيابِ الأخلاقِ في التشقق وتفرُّقِ الأجزاء، أو باعتبار أنه أُريدَ بالمِدْرِعِ الجنس، فكانَ حمل الجمعِ عليه نظير التوصيفِ، في نحو: الدرهم البيضُ.
والمعنى: أنها تضرب صدرها بكفّيهَا مُشفّقةً درعَها؛ تأسفاً على ولدها. يَسْعَى الوُشَاةُ جَنابَيْهَا وَقَوْلُهُمُ إِنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ جملة يَسْعَى بالتذكير والتأنيثِ، صفةٌ عُذَافِرَةٌ، أو حَرْفٌ أو عَيْرَانَةٌ، والمراد بالسعي هنا: ما يقعُ من الوُشاة - بضم الواو: وهم النمامون، من الإفسادِ بكلامهم، والضَّرَرِ بِمَلامِهم.
وجَنابَيْهَا ظرف لـ يسعى، ونصبه بالياء؛ لأنه مُثنَّى جَنَابِ بفتح الجيمِ، وهو الفناء، بكسر الفاء، وما قرب من محلَّةِ القومِ ودورهم.
ورُويَ: حَوَالَيْهَا بدل جَنَابَيْها، وقد وردَ: «اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا»؛ أي:
أنزِلِ المطرَ حَوَالَيْنَا، ولا تُنزِلْهُ عَلَيْنَا؛ لِمَا يُتوقَّعُ من الضَّرر لدينا.
وضمير جَنَابَيْها أو حَوَالَيْهَا لـ سُعَادُ التي ذَكَرَ أَنهُ لا يُبَلِّغُهَا أَرضَهَا إِلَّا العِنَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ؛ أي: أنَّ الوُشَاةَ يَسعون إليها ويمشون لديها بوعيد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاها.
وقيل: جملة يسعى للتخلص للمدح، أو حال من سعاد؛ أي: فارق والحال أنَّ الوِشَاةَ يسعونَ حَولَهَا.
وقَوْلُهُمْ مُشْبَعاً بالرفع، وهو ومقوله حال من الوُشَاةِ، ويُروى وقيلهم بالكسرِ، وهو لغةٌ كالقَالِ، ورُويَ نصب قولَهُم؛ أي: ويقولونَ قولَهُم.
ثم قَوْلُهُمُ إِنْ كان بمعنى المصدرِ؛ فقوله: إِنَّكَ ... إلخ مقوله، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي: وقولهم هذا القول حاصل، وإنْ كانَ بمعنى المفعول؛ فالجملة بتأويل هذا الكلام خبره.
وابْنَ أَبِي سُلْمَى بضمّ السِّينِ، قالَ التَّبريزيُّ: وليسَ في العَربِ سُلْمَى بالضمّ غيره، وأبو سُلْمَى كنيته - واسمه: ربيعة - والد زُهيرِ جَدُّ كَعْبٍ، ففيه نسبه لجدِّهِ، كما في حديثِ: «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المُطَلبْ.
وقوله: لَمَقْتُولُ أي: صائرٌ إلى القتل، على حد: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر: 30]، ومنه: «من قتل قتيلاً فلهُ سَلَبُهُ». والحاصل أنه وصفَ الناقةَ التي كان هو راكبها بأنها تعدو الرُّشاةُ حولَهَا:
قائلين: إنك يا ابن أبي سُلْمَى لَمُشَارِفُ القتل؛ حيثُ أهدرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم دمكَ لِمَا وشِيَ إليه من قولك: ألَا أَبْلغَا عنِّي ... الأبيات.
وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمَلُهُ لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
قوله: آملُهُ أي: أرجو خيره وأطمع نصرَهُ؛ فَإِنَّ الذَّواتِ لا تُؤْمَلُ.
ويقال: أَلْهَيْتُه عنه: شغلته عنه، ومنه قوله تعالى: {الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]
ويجوز أن تكونَ لا نافيةً هنا، أو ناهيةً على حد لا أرينَّكَ هاهنا، والتوكيد بعد لا
النافية، قيل: قياسية، وقيل: ضرورية.
والمعنى: لا أَشْغَلُكَ عمَّا أنتَ فيه بأنْ أُسَهْلَهُ عليكَ وأُسَلِّيكَ، فاعمل لنفسك؛ فإني لا أُغْنِي عنك شيئاً.
وفي نسخةٍ لَأُلْهِيَنَّكَ فهو جواب قسم محذوف؛ أي: واللهِ لأَجْعَلنكَ مشغولاً عنِّي؛ لأنِّي شُغِلْتُ عنكَ بغَيرِ كَ، وإنِّي لعليل، فإنْ كانَ على طريق الاستئناف فـ إنَّ مكسورة، وإن كان على إضمار لام التعليل فمفتوحةٌ؛ أي: لأَنِّي شُغِلتُ عنكَ بِغَيركَ وأعرضتُ عنكَ بجُرمِكَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أهدر دمكَ.
والحاصلُ: أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ هذا الوعِيدَ التجأ إلى إخوانِهِ الذِينَ كَانَ يَأْمُلُهم في الأمر الشديد فتبرؤوا منه وأعرضوا عنه يأساً من سلامته؛ لشدَّةِ مَلَامته، وخوفاً من غضبه عليه السَّلامُ، وقالوا له هذا الكلام على وجه الاهتمام.
فَقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لا أَبالَكُمُ فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ الفاء للتفريع، ولا أَبَا لَكُم بالألف وإشباع الميم، و: لا أبا لك، يُستعمل في المدحِ؛ أي: إِنكَ شجاع ماجد مُستغن عن الأب، وفي الدم؛ أي: إِنَّكَ مجهولُ النَّبِ.
والفاء للتعليل، و ما موصوفةٌ لا موصولةٌ؛ لأنَّ إضافة كل إلى المعرفة يُوجِبُ إحاطة الأجزاء دونَ الأفراد، وإلى النكرة عكس ذلك، والمقصود: إحاطة الأفرادِ دونَ الأجزاء. والحاصل: أنه يقولُ: لَمَّا سمعتُ الوُشَاةَ يقولونَ: إِنَّكَ لمقتول؛ أَيستُ عن إمدادِ الخِلانِ، فقلتُ: دعوني أذهب إلى جناب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكلّ أمرٍ قدره الرحمن من فناء أو بقاء مفعول.
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ كُلُّ مبتدأ خبرهُ مَحْمُولُ، وإنْ وَصْلِيةٌ، وهي عطف على محذوف؛ أي: إنْ لم تَكُل أو طالتْ، والجملتان في محل النصب على الحالية من ضمير محمود؛ أي: محمول على جنازة مستوياً طول سلامته وعدمه، ويجوز للجملة الشرطية أن تقع حالاً إذا شُرِطَ فيها الشيء ونقيضه؛ نحو: لَأَضْرِبَنَّهُ إِنْ ذَهَبَ وَإِنْ مَكَثَ. وقيل: جواب الشرط محذوف سد مسده خبر ما قبله، على حد قوله
تعالى: {وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70]. و يَوْماً و عَلَى آلَةٍ ظرفًا مَحْمُولُ، و حَدْبَاءَ؛ أي: ضيقة أو مرتفعة،
والمراد بها النَّعشُ، وما أحسن قول الشاطبي رحمه اللهُ مُلْغِزاً فيه: أتعرف شيئاً في السماء يطير إذا سارَ صاح الناسُ حيث يسير فتلقاه مركُوباً وتلقاه راكباً وكلُّ أميرٍ يَعْتَلِيهِ أَسير يَحُضُّ على التَّقوى ويُكْرَهُ قُرْبهُ وتَنفِرُ منه النَّفْسُ وهو نذير ولمْ يَسْتَزِرُ عن رغبة في زيارة ولكن على رَغْمِ المَزورِ يَزورُ يقول: إذا كان كلُّ مَنْ ولدَتْهُ أُنثى وإن عاش زمناً طويلاً سالماً من النوائب وآمناً من المصائبِ؛ فلا بُدَّ له من الموتِ، ولا محالة له من الفَوْتِ، فمِمَّ الجَزَعُ يا صاحبَ الفَزَع؟! وبِمَ تفرحونَ أَيُّها الشامِتون؟!
واللهِ دَرُّ مَن قالَ:
فَقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سَيْلَقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا هذا؛ وكلُّ ابن أنثى يشمل عيسى عليه السَّلامُ، وسيموتُ ويُدفنُ بين نبينا وضحِيْعيه من صاحبَيهِ، لكنَّهُ يُشكل بآدمَ، إلا أن يُراد به هذا الجنس، كما قيل في حديثِ: «أنا سيد ولد آدم»، والعمومُ يُستفاد من قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ} [آل عمران: ??5]، وهو أعمُّ من جنس الإنسانِ؛ فإِنَّهُ شامل للملائكة وأصناف الحيوان.
وجملة على آلةٍ حدباء محمول على الغالب، وفي معناه: كلُّ ما يستقر
الميت في مقرِّهِ، كما حُقِّقَ في حديثِ: «إذا دُفِنَ الميت في قبره. أُنْبِنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ أُنْبِثْتُ بصيغة المجهول؛ أي: أخبرتُ، ورُويَ: نُبِّئْتُ وهو بمعناه، وكلُّ منهما يقتضي ثلاثة مفاعيل، الأول قائم مقام الفاعل، والثاني والثالثُ أنَّ مع اسمها وخبرها ساد مسدَّهُما، وقيل: الثالثُ محذوفٌ؛ أي: أُنبئتُ إيعادَ رسولِ اللهِ حاصلاً. وأعاد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهاراً للتعظيم، وإشعاراً للتفخيم، ولذا أتى بـ عَنْدَ دون مِنْ؛ لأن تلك أدلُّ على التعظيم، ولتقوية الرجاء من عند الكريم؛ إذ تواتر أنَّ الصفحَ والكرمَ من أخلاق رسول الله الله في ذكر صريح اسمه وصحيح وَسْمه ما ليس في الضميرِ مِنْ رَسْمِهِ، ولأنَّ فيه تكرار الاعترافِ بالرسالة التي هي. مقتضية للعفو ومستجلبة للرضا.
ثم اعلم: أنَّ جميع ما تقدم توطئة لهذا البيتِ المُكرَّمِ؛ فإِنَّ غرضَهُ من القصيدة وما فيها من الإتحاف هو التَنصُّلُ والاستعطافُ، ومُحصَّلُ البيت استرضاؤه عليه السلام، واستجلاب أخلاقه الكرام من حصولِ رحمته وعنايته، ودفعِ سَخَطِهِ وغَضَبِهِ وملامته، وقد رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ هذا البيت قال: «العفو عندَ اللهِ» ذكرهُ ابنُ جَماعَةَ ... .
فَقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِراً وَالعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبُولُ عطفٌ على أُنْبِثْتُ أي: أُخبرتُ أنَّ رسولَ اللهِ أوعدني، فقد جئتُ مُعتذراً،
وهذا البيتُ غير موجود في أكثر النسخ.
مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْـ قُرْآنِ فِيْهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ مَهْلاً نصب على المصدر لـ أَمْهِلْ؛ أي أَمْهِلْ مَهْلاً، فيكون اسماً بمعنى المصدر، ويجوزُ كونه اسم فعل، وتنوينه للتنكير، ذكره الفاضل.
وقيل: مصدرٌ أُنيب عن فعله، وأصله: إمهالاً؛ فحذف زائداه؛ وهما الهمزة والألف.
استَمْهَلَ مما يخافه من الأخذ بأقوالِ الوُشَاةِ، حتى يتمكن من إظهارِ إيمانه، وبيان كذبِ الوُشَاةِ في شانه.
والجملة استئنافٌ؛ كأنَّهُ قيلَ: ماذا قلتَ من الكلام حين ظَفِرتَ بإتيانِ جَنابِهِ عليه السلام، فقال: مهلاً.
وجملة هَدَاكَ دُعائيَّةٌ، وأرادَ بالدعاء زيادة الهدى في مَعرِضِ الثناء بازديادِ آثاره وإشراق أنواره، وليس المراد به الثبات على الهُدى؛ إذ ذاكَ ثابتٌ في حقه عليه السلام على وجه الدوامِ؛ ففيه تحصيل حاصلِ المَرامِ.
وقيل: المراد: هداك للصفح والعفو عمَّا أَوْعَدْتني به؛ فيكونُ في الحقيقة داعياً لنفسهِ؛ لِمَا فيه من التذلُّل والمَسكنَةِ والتلطَّفِ في الدعاء والمسألة.
و نافلة القرآنِ مُدْرَج.
وأصل النافلة: عطيةٌ يُتطوَّعُ بها زيادةً على غيرها، ومنه قوله تعالى: {فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]، ومنه النوافلُ: لِمَا زادَ على الفرائض، ولذا سُمِّي ابنُ الابنِ نافلة في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَالَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: ??].
وفيه إشارة إلى أنَّ الله تعالى أنعم على رسوله بعلوم عظيمة علمه إيَّاها، وجعل الكتاب زيادة له على تلك العلوم والإضافة من بابِ: جَرْدُ قَطِيفَةٍ، كذا ذكرَهُ بعضُهم.
والأظهرُ أنَّ المراد بزيادةِ القرآنِ مزيَّتُه وفضيلته على سائر الكُتُبِ، كما يُشير إليه قوله تعالى: {وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]. أو المراد بـ نافلة القرآن: أحاديثه عليه السلام الزائدة على الكتاب، والمُفيدة بالفوائد الخارجة عن حد الحساب.
ثم يَجوزُ نصب القرآن على أنْ يكونَ حَذْفُ التنوينِ مِن نافلة ليسَ للإضافة بل لالتقاء الساكنين؛ فـ نافلة حالٌ، أو مفعول ثانٍ، والقرآن بدل.
و فِيهَا مَوَاعِيظٌ جملةٌ، قدَّمَ الخبر للاهتمام، وفي نسخة: مَواعِيدٌ بدل مَواعِيظُ وكلا بالتنوين ضرورة، والمراد بها: وعد المؤمنين بالجنان، ووعيد الكافرين بالنيران، ووعد المُخلِصين بالفردوس الأعلى، والمنافقينَ بالدَّرْكِ الأسفل، والجملة صفة نافلة القرآنِ بحذف الموصول؛ أي: نافلة القرآن التي فيها، أو مستأنفةٌ، كأنه قيل: ما فيها؟ فقال: فيها .. ، أو معترضة لمدحها. وتَفْصِيلُ أي: تبيينُ ما يُحتاجُ إليه من أمرِ المَعَاشِ والمَعَادِ، وأحكامِ الأصولِ والفروع للعباد.
وفي البيت من الاستعطاف: التذكير بنعمة الله تعالى على رسوله؛ ليكونَ ذلك أدعى إلى العفو والكرم، وشكرِ المُنعم الرب الجليل، والإقرار بالتنزيل، وما اشتمل عليه من المواعظِ والتفصيل والتذكير بما جاءَ في الكتابِ المُبينِ؛ من قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ} [الأعراف: ???]، وقد رُوي أن جبريل قال بعد نزول الآية: «إِنَّ رَبَّكَ يَأمُركَ أن تَصِلَ مَن قطعكَ، وتُعطيَ مَن حَرَمِكَ، وتعفوَ عَمَّنْ ظلمكَ».
وقيل: ليس في القرآن آيةٌ أجمع في مكارم الأخلاق منها.
لا تَأْخُذَنَّي بِأَقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَإِنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأَقَاوِيلُ الجملة مبينة لقوله: مهلاً، وهي سؤال تضرع ومسكنة، ولا ناهية والنون مؤكّدة.
والواو في وَلَمْ للحال لا للعطف؛ إذ الخبر لا يُعطف على الطلب، أو للاعتراض؛ لبيانِ براءتهِ عمَّا قيل في شأنه من ملامته. والواو في وَإِنْ كَثُرَتْ حاليَّةٌ، كذا يُعبّرون عنها، والتحقيق أنَّها عاطفة على حال محذوفة؛ أي: على كلّ حالٍ وإِنْ كنتُ على هذه الحالة.
وجواب إنْ محذوفٌ لدلالة لا تأخُذَني عليه، لا أنه المُتقدم، خلافاً للمُبرِّدِ
وأبي زيد والكوفيين، كذا حققه ابن هشام". وقال الفاضل: عطف على محذوف؛ أي: إن لم تكثُرُ وَإِنْ كَثُرَتْ، والجملتانِ بعد انسلاخ معنى الشرط وإرادة التسوية في محلّ النَّصبِ على الحالية من فاعل لَمْ أُذْنِبْ؛ أي: حال كوني مستوياً كثرة الأقاويل في شأني وعدمها.
ويُرْوَى: ولو كثُرت عنِّي.
والمعنى: لا تُبحْ دَمِي ولا تُعاقبني في جُرمِي بسبب أقوالِ الوُشَاةِ الكاذبينَ، والحال أنِّي غير مذنبٍ بعد أن هداني الله؛ فإنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قبله، أو: ولم أُذُنبِ الذَّنب الذي قيل عنِّي كلَّه، بدليل قوله: وإنْ كثُرتْ في شأني الأكاذيب من الأقاويل، بل وقع ما يسعُه حِلمُكَ وعفوك وكرمُكَ.
لَقَدْ أَقُومُ مَقَاماً لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَو يَسْمَعُ الفِيلُ اللام جواب القسم؛ أي: والله لقد، ورُويَ: وإني لأقوم مقاماً؛ أي: عظيماً. و لو للشرط في الماضي، وقد تدخل في المستقبل؛ نحو: {لَوَيُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ من الأم} [الحجرات: 7]، وهاهنا من هذا القبيل.
ومفعولُ أَرَى محذوفٌ بدلالة ما بعده؛ أي: أَرى ما لو يراه الفيل، والجمله عطف على أقُومُ بحذفِ عاطفٍ، أو حال من فاعله، وما مفعولُ أسمعُ، والشرطية الثانية صلة ما، أو صفته، والعائد محذوفٌ؛ أي: ما لو يسمعه الفيل. وتنازَعَ يقومُ و ما لو يراه المُقدَّرُ ويَسْمَع في الفِيلُ؛ فأُعمل الأخيرُ وأُضمر الفاعل في أَخَوَيه2. وتنازع في الجزاء الآتي - أعني: الظل -: لو يقوم ولو يراه المُقدَّرُ ولو يسمعِ الفيل؛ فصُرِفَ الجزاء إلى الأخير، وحُكِمَ بحذفه من الأَوَّلَينِ.
وفي نسخة:
لقد أقوم مقاماً لو أقوم به أرى وأسمع. ...... إلخ
فـ أرى جزاء لو أقومُ بهِ. ومعنى لقد أقومُ بهِ: لقد أُريدُ أنْ أقوم به، على حد قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ} [الإسراء: 45].
وفيه: أنَّ قولَه: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ يقتضي أنَّه قد تحقَّقَ القيامُ منهُ في جَنابِهِ عليهِ السلام، إلا أن يُحمل أتيتُ أيضاً على إرادة الإتيان. كذا حقَّقه الفاضل، والحَمْلُ هو المتعين لوقوع القصيدة قبلَ مُلاقاتِه الطَّلعةَ السعيدة.
فَظَلَّ يُرْهَدُ إِلا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ يقالُ: ظَلِلْتُ أعمل كذا: إذا عملته بالنهار؛ ضدُّ بات، وقد يُستعمل ظلَّ في معنى صار كما هنا.
ويُرْعَدُ ـ بصيغة المجهول - خبره، يُقالُ: أُرعِدَ فلانٌ من الفزع: إِذا أَخَذَتْهُ الرّعدة من الخوف.
والتنويل: إعطاء الأمان، وهو اسم يكون، وله ظرف مستقر منصوب المحل على أنه خبره، ويجوز أن تكونَ تامةً؛ فـ له حال.
و مِنَ الرَّسُولِ متعلّق بـ يكون، أو بقوله: له، والباء للاستعانة، أو للإلصاق؛ فيكون حال بعد حال.
والحاصل أنه يقولُ: والله لقد أقومُ بعد ذهابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ذا هيبة، لو يقوم فيه الفيل مع ما فيه من العَظَمَةِ، وأَرَى لأَجْلِ ما وَشَى به الواشونَ إِليه صلى الله وسلم عليه ما لو يراه الفيل من أصنافِ العقوبة، وأسمعُ ما لو يَسْمعه الفيل من التهديدات الشديدة، لظلَّ مُضْطَرِباً، إلَّا أنْ يكونَ لهُ من رسولِ الله إعطاء أمانٍ،
وإيصالُ مَرحَمةٍ، وهذا إظهار لفظاعةِ شأن ما عَرَضَ له من الخَطْبِ الجَلِيِّ، وأنه معَ ذلك يقتحمه قائلاً: خلُّوا سبيلي ... إلى آخره.
حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لَا أُنَازِعُهُ في كَفَّ ذِي نَقِمَاتٍ قِيلُهُ القِيلُ حَتَّى غايةٌ لمُقدَّر بدلالة ما سبق، أو عطفٌ عليه؛ أي: وكنتُ أخافُ حتّى ... إلخ، وما بعد حتى قد تدخل في حُكمِ ما قبلها، وهنا كذلك؛ فإنه كان عند وضع اليمين في كفّ النبي صلى الله عليه وسلم أخوف بدلالة وصفه عليه السلام بـ ذِي نقِمَاتٍ، والجملةُ المُقَدَّرةُ - أعني: وكنتُ أخافُ - عطفٌ على فقلتُ: خلُّواس اسبيلي. ويجوز أن تكونَ حتّى ابتدائيةً للتأكيد؛ أي: لقد قُمتُ مقاماً لو يقوم ... إلخ؛
حتى وضعت يميني في يمينه وضَعَ طاعة. ورُويَ: حَتَّى جعلتُ يميني لا أُنازِعُهُ.
والمنازعةُ: المُجاذَبَةُ، والجملة حال من فاعِل وضعتُ، وضمير الفاعل عائد لـ ذي نقِمَاتٍ باعتبار تقدُّم الظرف - أعني: في كفِّ ذِي نَقِمَاتٍ ـ على الحالِ؛ إذ رتبة المُلحقات بالمفاعيل التأخُرُ عنها، ويجوز عَوْدُهُ إلى المصدرِ؛ أي: لا أُنازعه نزاعاً، على حد عبد الله أظنُّهُ مُنطلق أي: أظنُّ ظَنّاً.
والمعنى: وضعتُ يميني غير منازع نزاعاً في كفِّ ذِي نَقِمَاتٍ ـ بفتح النونِ وكسر القافِ ـ جمعُ نَقِمَةٍ كَلِمَةٍ وكَلِمَاتٍ، والنَّقِمَةُ: الانتقام، وأرادَ به النبي عليه السلام؛ فإنه كان ينتقم من أعداء أهل الإسلام.
وقوله: قِيلُهُ القِيلُ صفةُ ذِي نقِمَاتٍ، على حد:
أنا أبو النَّجمِ وشعري شعري
أي: قيله كامل راسخ، والقِيلُ والقَوْلُ والقال، بمعنى.
لَذَاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ وَقِيلَ إِنَّكَ مَنسُوبٌ وَمَسْؤُولُ اللام للابتداء، ويحتمل تقدير القسم قبلها؛ إذ المقام يقتضيه، وفي نسخة: فذاك بالفاء، و ذا إشارة إلى ذي نقِمَاتٍ، أو إلى وضع اليمين في كف ذي نقِمَاتٍ، وهو مبتدأً، خبرهُ أَهْيَبُ، ورُويَ: أَرْهَبُ، وهُما مبنيَّانِ من فعل المفعول على حدٌ أَشْغَل، والمفضَّلُ عليه من خادر، و عند وإذ ظرفانِ لـ أهيب، و إِذْ مضاف إلى أُكَلَّمُهُ، وأُكَلَّمُهُ بمعنى: كلَّمتُهُ، ويُروى: يُكلِّمُني، وقيل: عطفٌ على أُكَلِّمُه، أو حال من ضميره.
وفي رواية: لِذَلِكَ بلام مكسورة؛ فـ أهيبُ خبر لمحذوف؛ أي: هو أهيبُ لكونه ذا نَقِماتٍ؛ فـ ذا إشارة إلى كونه ذا نقماتٍ، ومعمول اسم التفضيل وإنِ امْتَنَعَ تقدمه عليه؛ إلا أنه يجوز في الظرف ما لا يجوز في غيره.
وقوله: مَسْؤُولُ عطفٌ على مَنسُوبٌ، والمعنى: إِنِّي لَمَّا مَثَلْتُ بينَ يديهِ صلَّى الله وسلم عليه، وكنتُ قد قيل لي قبل ذلك: إنه باحث عنك وسائل لكَ عمَّا نُقل منكَ؛ حصل لي من الرَّهْبِ ما حصل.
والحاصل: أنَّه يقولُ: واللهِ لَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - أو: لَوضْعُ يميني على كَفِّهِ - أَهْيَبُ في نفسي حينَ كلَّمتُه، وقيل لي - أو مقولاً لي: إنَّكَ منسوب إلى أقوال باطلة، من نحو: سقاك بها المأمون، ومنع أخيك بجير عن الإسلام، وتعييرك عليه، ومسؤول عن سببها. مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُبُوتِ الأُسدِ مَسْكَنَهُ مِنْ بَطْنِ عَشْرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ الخَادِرُ بخاءٍ مُعجمةٍ ودال مهملة: الأسد الداخل في خدره، والخِدْرة: الأجمة، وهي الأشجارُ المُلتفة، ومِنْ الأولى تفضيلية متعلقة بـ أهيب والثانية بيانية وصفية؛ أي: أَهْيَبُ من مُلابسة أَسَدٍ خَادِرٍ كائن من ليوثِ الأُسدِ.
قيل: الليثُ والأسد مترادفانِ، فكيف يصح إضافةً أحدهما إلى الآخرِ؟ وأُجِيبَ: بأنَّ الليثَ مُشتَركُ بينَ الأسدِ وضَرْب من العناكبِ يَصطادُ الذُّبابَ بالوثب؛ فالإضافة من باب إضافةِ اللفظ المُشتَرَكِ إلى أحد معانيه؛ كـ: عين الشمس، ولا ريبة في صحتها. وبأنَّ المراد: القويَّةُ التامَّةَ الكاملةُ البالغةُ في الشجاعة والضَّخامة والقوَّةِ والشَّوكة مبلغاً تكون هي أسوداً بالنسبة إلى الأسود، كما يُقالُ: خواص الخواص. ويُروى: من ليوث الغابِ؛ أي: الآجامِ.
ويُروى: مِن ضَيْغمٍ من ضِراءِ الأُسدِ، والضَّيغمُ: فَيُعَلِّ مِن الضَّغْمِ، وهو العَضُ، والضّراءُ بكسر الضادِ المُعْجَمَةِ: جمعُ ضارٍ، من ضَرِيَ بكذا: إِذا أُولِعَ. و مَسْكَنْهُ بفتح الكافِ وكسرها، مبتدأ خبره غيل، والجملة صفة أخرى لـ خَادِرٍ، ومِنْ بَطْنِ حالٌ من غِيلٌ، ويُروَى ببطن فيحتمل الخبرية والحالية. و عَشَّرَ بفتح عين مهملة وثاءٍ مُثلَّثَةٍ مُشدّدة: موضع يُنسب إليه الأسود، وهو
غير منصرِف للوزنِ والعَلَمية، والمعنى مِن وسطِ غِيل ـ بكسرِ مُعجمةٍ ـ أَجَمَةٍ. دُونَهُ أي: قريب منه غِيْلُ فاعل الظرف، أو مبدأ خبره الظرفُ، والجملة صفة غِيْلُ؛ أي: أنهُ في أَجَمَةٍ داخل في أَجَمَةٍ، وذلك أشدُّ لتوحشه وقساوته، وأكد بضرره وضراوته.
هذا، وقال الفاضل: من ابتدائية، والجارُّ والمجرور صفةٌ خَادِرٍ؛ أي: من خَادِرٍ ناش2 مِن بطنِ عثَرَ، وكانَ من بابِ الفَصْلِ بين الصفة والموصوف بأجنبي، وهو مَسكَنُهُ وهو جائز؛ نحو: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ} [الواقعة: 76]، أو بيانية، ويكونُ مِنْ بَطْنِ حالٌ من غِيْل.
يَغْذُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْم مَن القَوْمِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ يَغْذُو صفةُ خَادِرٍ مِن: غَذَوتُ الصَّبِيَّ باللبن؛ أي: ربَّيتُه، وفي بعض الروايات: يغدو بدال مهملة من الغُدُوِّ، وهو خلافُ الرَّواحِ، ويصح المعنى
على أن يكون بعين ودالٍ مُهملتين من العَدْوِ، لكنه لم يُرو.
ثم إن كانت الرواية يغذو بذال معجمةٍ؛ فـ ضِرغَامَينِ تنازَعَ فِيهِ يَعْذُو ويُلحِمُ، وإن كانت بدال مهملة؛ فهو مفعول يُلْحِمُ، والراجح فيه أن يكونَ من بابِ منع، والمرجوح كونه من باب الإفعالِ. والضّرغام - بكسر الضادِ المُعْجَمَةِ: الأسد. والمعنى: يُطعمهما لحماً.
و عَيْشُهُمَا مبتدأ خبره لحم ... إلخ؛ أي: قُوْتُهُما لحم بني آدم، ومِنْ ابتدائية؛ أي منتزع من الرجال، أو بيانيةً؛ أي: لحم كائن من لحوم الرجال. ومَعْفُورٌ صفةٌ الحم؛ أي: ملقى في العَفَرِ ـ بفتحتين ـ وهو التراب.
و خَرَادِيلُ صفةٌ أخرى له، جمعُ خَرْدلَةٍ، وهي قطعة من الشيء.
وكون الأسد مُريباً لاحماً الشبلين عيشها ... إلخ، كتابة عن كونه أخوف، إذ ذاك يستلزم كونه كثير الاصطيادِ عظيم الافتراس؛ فإنَّ الأسد إذا كان ذا شبلين كانَ أكثر افتراساً وأدوم اصطياداً لإشباعهما.
ثم إنْ كانَ الضّرغَامُ اسماً لجنس يستوي فيه الصغير والكبير؛ فالأمر ظاهر،
وإن كان اسماً للكبير؛ فتسميةُ الشَّبل - وهو ولد الأسد ـ به باعتبارِ ما يَؤُولُ. والحاصل: أنه يقولُ: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعتُ يميني في كفِّه أَهْيَبُ عندي من أَسَدٍ خَادِرٍ ناشِ مِنْ بَطْنِ عَثَرَ، مسكنُه أَجَمَةٌ بِقُربها أَجَمَةٌ أُخرى حريص على الاصطيادِ شديدٌ في الافتراس؛ لكونه ذا شبلين عيشهما لحم من الرجالِ مُمرَّع في الترابِ، مقطوع قطعةً قطعةً.
إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ القِرْنَ الأَوَهُوَ مَقْلُولُ الجملة صفة خَادِرٍ، والمساورةُ: المُواثَبَةُ، والقِرْن بكسر القافِ: المُقاوم في الشجاعة أو العلم ونحوهما، وجواب إذا: لا يَحلَّ لَهُ؛ أي: لا يتأتى له حتَّى كأَنَّهُ يحرم عليه أن يتركَ القِرنَ المعهودَ إلا وهو بسكونِ الهاءِ مَفْلُولُ مِن فَلَّهُ: إِذا هزمَهُ وكسرَهُ، وأصلُ الفَل: الكَسْرُ الحِسي، ومنه:
ولا عيب فيهم غيرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ
به فلول من قراع الكتائب
ثم استُعمل في غيره اتِّساعاً ومَجازاً، والاستثناءُ مِن أعم الأحوال. ويُروى مجدول بدل مفلول؛ أي: مرمي بالجَدَالة، وهي وجه الأرض؛ أي: مُلقى على التراب. والحاصل أنه يصفُ الخادرَ بأنه إذا يَصولُ على أَسَدٍ آخرَ مثلِهِ فِي الشَّجاعةِ، يلزم أن لا يتركه غيرَ منهزم ومُنكَسِرٍ؛ لكمال شجاعته؛ فكان أشد مهابةً، وأليق بأنْ تكون له مخافة.
مِنْهُ تَظَلُّ سِبَاعُ الْجَوِّ ضَامِرَةٌ وَلَا تُمَشِّي بِوَادِيهِ الأَرَاجِيلُ مِنْهُ بالإشباع ومن سببية، والجملة صفةٌ لـ خَادِرٍ، والضمير له، والْجَو ما بينَ السماء والأرضِ، وما اتَّسع من الأودية، وهو المراد هنا.
وقيل: الجو: البر الواسِعُ.
و ضَامِزَةٌ بضادٍ مُعجمة فزاي؛ أي: ساكنة، والبعير إذا أمسك جرَّته في فيه فهو ضامر، كذا ذكره الشراح
وقال الفاضل الهندي: إنه بالضادِ المعجمة والراء؛ يعني: أنه يصفُ كمال مهابة ذلك الخادرِ بحيثُ إِنَّهُ ضَمَّرَ سِباع الوادِي جُوعاً لعدم اقتدارها على الاصطياد خوفاً منه. ثم قوله: وَلا تُمَنِّي عطفٌ على تَظَلُّ وهو بضم التاء وفتح الميم؛ من
التّمشية، بمعنى المَشي، والباء في بوَادِيهِ بمعنى في؛ أي: وادي خَادِرٍ. والأَرَاجِيلُ جمع راجل؛ خلافُ الفارس، ورَجِلٌ اسم جمع؛ كَصَاحِبِ وصَحْبِ، ومنه قوله تعالى: {وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجلك} [الإسراء: 64].
وقيل: الأراجيل: جمع رجيل؛ كأحاديث جمع حديث، والرجيل: خيل قوي على المشي. وَلا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ مطرحُ البَرُّ وَالدَّرْمَانِ مَأْكُولُ أخَويْقَةٍ اسمُ لاَ يَزَالُ وخبره بِوَاديه بإشباع الهاء؛ أي: صاحب ثقةلشجاعته، وذو اعتماد على جُرأته، كائناً في واديه، معادِياً لثانيه.
مُطَرَّحُ البَزْ صفةٌ أخو ثقة وهو بفتح الراء المشدّدة وكسرها، والبر بفتح المُوحَدَّة وتشديد الزاي: السلاح، والدَّرْسَانِ عطف على البَزِّ، وهو جمعُ الدَّرْس؛ أي: الثوبُ الخَلَقُ، ومَأْكُولُ صفةٌ ثانية لـ أخُو ثقة. والحاصل: أنَّه يصفُ ذلك الخادر بأنَّه لا يأتي عليه زمانٌ إلا ويُوجد في واديه شُجاع ذو ثقة بشجاعته، مطروح سلاحه، أو طارحٌ هو سلاحه وثيابَهُ المُمزَّقة، أو الخَلَقَ التي تُلبس تحتَ البَزّ، وذلك يستلزم أشدَّ مهابةً وأكثر مخافة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعتُ يميني في كفّه المعروفِ كان أهيب عندي من هذا الأسد الموصوف. إِنَّ الرَّسُولَ لَنَورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ يُسْتَضَاءُ؛ أي: يُهتدى به إلى الحقِّ، ويُروى: السيف فهو تشبيه بليغ؛ أي: كسيف قاطع في دفع الباطل ودمغه، و مُهَنَّدٌ بفتح النونِ المُشدَّدة؛ أي: مطبوع من حديد الهند؛ خبر بعد خبر، أو صفة نور إن أُرِيدَ به السيف.
والمعنى كصاحبِ مُهنَّدٍ، أو كسيفٍ مُهنَّدِ؛ أي: منسوب إلى الهند، وسيوف الهند أفضل السيوف.
والمعنى: أنه عليه السلام كسيف قاطع للخصامِ، من سيوف عظَمَها اللهُ بنيلِ الظُّفَرِ والانتقام؛ رُويَ أَنَّ كعباً رضي الله عنه أنشد: من سيوف الهند، فقال
: من سيوف الله».
ورُوي أيضاً: أَنَّ كعباً لَمَّا وصل إلى قوله:
إِنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
رمى إليه بردةً كانت عليه، وأنَّ مُعاوية بذل له فيها عشرة آلاف، فقال كعب: ما كنتُ لِأُوثِرَ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، فلما مات كعب بعثَ معاوية إلى ورثته عشرينَ ألفاً، وأخذها منهم، وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم. ذكره ابنُ جَمَاعَةَ. وفي «العوارف»: أن البردة كساء أسودُ مُربَّع، وهي البردة الباقية عند خلفاء بغداد، توارثاً كابراً عن كابر انتهى
وقيل: هي التي كانت عند الخلفاء من معاوية، وصَلَتْ إلى بني أُمَيَّةَ، ثم إلى بني العباس، وحُكي أنها اليومَ عند سلاطين الأروامِ، حفظهم الله من حوادث الأيام إلى انتهاء الأنام.
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَاتِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا في عُصْبَةٍ خبرٌ آخرُ لـ إِنَّ، ومِنْ قُرَيْش صفةٌ عُصبة و قَالَ قَائِلُهُمْ صفةٌ ثانية لها، ويُروى: فِتية بدل عُصْبة.
أي: إنَّ الرسول لسيف مهند كائن في جماعة كائنة من قريش، أو مبعوث فيهم، وقائلُهُم هو عمرُ بنُ الخَطَّابِ، كما ذكرهُ ابنُ جَمَاعَةَ.
وفي شرح الفاضل: رُوي أنه قال عبد الله بن عمر: حدثني إبراهيم بنُ المنذر، قال حدثني محمدُ بنُ الضحاك الخُزاعيُّ: أَنَّ كعباً عَنَى بـ قَالَ قَائِلُهُمْ عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم قوله: ببطن مكَّةَ ظرف قال، والباء بمعنى في، ولما بمعنى حين، وزُولُوا هو المقول، وهو أمرٌ من زَالَ يَزولُ؛ أي: انفردوا وتميزوا عن
جماعة الأعداء على عَزمِ قتالهم لا على وجه الفرار عن خدائهم.
قال السهيليُّ: وحين أنشد كعب: إِنَّ الرسول لسيف يُستضاء به ... إلى قوله: زولوا، نظر عليه السلام إلى أصحابه الكرام، كالمُتعجِّبِ لهم من حُسنِ مقاله، وجودة شعره وكماله في حاله، وقال لهم: «اسْمَعُوا». أخرجه الحاكم والبيهقي. وقد يُؤخذ من هذا الأمر: استحباب سماع هذه القصيدة، وتحسين مراتب مرامه العديدة، على ما فيها من لفتِ الحَضْرَةِ المُصطَفويَّة، ووصف أصحابه المرضِيَّةِ، وغيرها من الفضائلِ البَهيَّة، والشمائلِ السَّنيَّةِ، ومعرفة القواعد العربية، والفوائد الأدبية التي بها فاقتْ جميعَ القصائد، ونال صاحبها بها أعلى المراتب والمقاصدِ.
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسُ وَلَا كُشُفٌ عِنْدَ اللَّقَاءِ وَلَا مِلٌ مَعَازِيلُ زال هذهِ تامةٌ؛ أي ذهبوا وانتقلوا، وهي التي بُني منها الأمر في البيت السابق، فَمَا زَالَ عطفٌ على زالوا، انگاس بفتح الهمزة: جمع نكس؛ بكسر النون، وهو رجل ضعيف.
لا كشف بضمتين، والشينُ معجمة: جمعُ أَكْشَفَ، وهو من لا تُرْسَ معه في الحرب.
و عِنْدَ اللَّقَاءِ ظرفُ ما زالَ؛ أي: حالَ ملاقاة الأعداء ومحاربتهم. و لا ميل بكسر الميم: جمعُ أميل، وهو مَن لا سيفَ معَهُ، ومَن لا يُحسِنُ الرُّكوبَ ولا يستقر على السَّرْجِ، وكلُّ منهما يناسب المقام، ومَن جوز حمل المُشتَركِ على معنييه دفعةً ـ كالشافعي ـ جاز عنده الحمل عليهما معاً.
هذا؛ والبيتُ كنايةٌ عن قوَّةِ شجاعتهم وغاية فخامتهم؛ لأنه يدلُّ على أنهم زالُوا عن مكانهم، وانتقلوا عن أوطانهم، وعندَ المُحاربة لم يَزُل عن مكان الحرب ضَعْفاؤهم ممن ليس معهم تُرس ولا سيفٌ ولا رُمح، فكيف أقوياؤهم من أصحابِ دروع وأن وأسياف وأتراس ورماح؛ فعدم زوالهم عن مكانهم من لوازم غاية الشجاعة ونهاية الجُرْأَةِ والفَخامة؛ إذ المُقاومة على المُحاربة في أرض الغيرِ أَشقُّ وأصعب. وقيل: المعنى: هاجروا من مكة إلى المدينة، وليس فيهم من هذهِ صفته، بل المُهاجرونَ بأسرهم أقوياء ذوو أسلحة، كلَّما سمعوا صيحةً طاروا إليها وقاموا عليها وثبتوا لديها، والأوَّلُ أَوْلى على ما لا يخفى.
شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالُ لَبُوسُهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ سم بضم أوله: جمعُ أَشمَّ؛ كصُمٌ وأصَمَّ، وهو [مَنْ] في قصبة أنفهِ عُلو مع استعلاء أعلاه، و العَرَانِينِ بفتح أوله: جمع عِرْنينَ بكسر أوله، وهو الأنفُ. وأَبْطَالٌ بفتح الهمزة: جمعُ بَطَلٍ، بفتحتين، وهو من يبطل عنده دماءُ خَصْمِهِ، ويذهبُ هَدَراً، ولا يُدْرَكُ لهُ بالثأر.
وقيل: مَن يبطل فيه الحِيَلُ؛ فلا يُوصَلُ إليه.
واللبوس ـ بفتح اللام: ما يُلبس من السلاح.
والمعنى: أنَّها منسوجةٌ من نسج داود عليه السلام، إما على الحقيقة؛ لإمكان بقاء دروع نسَجَها، وإِمَّا دروعٌ مُشبَّهة بها.
والْهَيْجَاءُ: بفتح الهاء ممدوداً: الحرب، وقد يُقصَرُ كما هنا.
وقوله: سَرَابِيل، أي: مثلها، لا دروغ مشقوقة الجيوب؛ فإنه أشق في اللبس وأخف للبدن.
هذا، وقال الفاضل: شُمُّ العَرَانِينِ ... إلخ، بالرفع، خبر لمحذوف؛ أي: أولئك العُصبة، أو بالنصب على المدح، أو بالجرّ على أنه صفة عُصْبة، إذ الإضافة لفظية، وقيل: بالرفع على لغةِ أكلُوني البَراغِيثُ، قيل: ومنه قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [الأنبياء: 3]، وحديثُ: يتعاقبون فيكم ملائكة»، أو بدل، أو مبتدأ مقدَّمُ الخبر على ما أُولَ به الآيةُ والحديث المذكورانِ.
والمعنى: ما زالَ ثُمَّ العَرَانِينِ أبطال ذوو دروع، دونَ الضُّعَفَاءِ العُزَّلِ؛ فَقَاءُ فمَا زَالَ اعتراضية، على حد قوله:
واعلم فعلمُ المرءِ يَنْفَعُهُ
و أبطال صفةٌ ثانية لـ عُصبة، أو خبرٌ لمحذوف، ولَبُوسُهُمُ بإشباع الميمِ مبتدأ، خبره: من نسج داود، في الهيجا ظرف للمبتدأ، وسَرَابِيلُ خبرٌ أَخَرٌ لَهُ، وحمل الجمع على المفردِ باعتبار اشتمال الجنس على الأفراد، على حدّ: الدنيا جيفةٌ وطلابها كلاب، ونظيره توصيف الجنس بالجمع؛ نحو: الدينارُ الصُّفرُ، والدرهم البيضُ، والفصل بين المبتدأ ومعموله بخبر ـ وهو أجنبي من المبتدأ - يجوزُ ضرورةً. أو من نسج صفة لَبُوسُهُم، وسَرَابِيلُ خبره، وفي الهيجاء ظرف للمبتدأ؛ فلا فصل؛ أي: لَبُوسُهم الكائن من منسوج داود في الحرب كسر ابيل. أو من نسج حال من الخبر؛ لأنه مفعول معنى، لأنَّ المعنى: أنهم يلبسونَ سرابيل حال كونها من نسج داود.
وجملةُ لَبُوسُهُم صفةٌ أخرى لـ عُصبه، أو صفة لـ أبطال.
بيضُ سَوَابِعُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنَّهَا حَلَقُ القَفْعَاءِ مَجْدُولُ أي: هي مجلوةٌ صافية، وكوامل تامة، قال ابن هشام: هما صفتا سَرَابِيل ومفردهما أبيضُ، وسربالُ؛ إذ السربال مذكَّر، وفاعل يُجمعُ على فوَاعلَ في مسائل؛
منها: أن يكونَ صفةً لِمَا لا يَعقلُ.
و شُكَّتْ بضم الشينِ المُعْجَمَةِ وتشديدِ الكافِ المفتوحة، وحَلَقٌ نائبُ
الفاعل، والجملة صفةٌ أُخرى لـ سَرَابِيلُ.
والحَلَةُ بفتحتين: جمع حَلْقَةٍ بالسُّكون على غير القياس، وهذا هو الصحيح، وخالف أبو عمرو في المُفرد، فقال: حَلَقةٌ، بالفتح، وقال أبو عمرو الشَّيبانيُّ: ليس في الكلامِ حَلَقةٌ بالتحريك إلا جمعُ حالقٍ، وخالف الأصمعي في الجمع، فقال: حِلَقٌ؛ بكسر الحاء؛ كَقَصْعَةٍ وقِصَعِ.
ثم ضميرُ كَأَنَّهَا للحَلَق، والجملة صفة حَلَق.
و حَلَقُ القَفْعَاءِ بقافٍ مفتوحة وفاء ساكنة فعين مهملة: نبتُ يَنبسط على وجهِ الأرض، له حَلَقٌ يُشبَّهُ بهِ حَلَقَ الدروع، وهي شجرةٌ خضراء ما دامت رطبةً، فإذا همَّتْ بالجفوف انقفعت عن الأرض وتقبضت، ولقبضها شُبه الدروعُ بها، وقيل: حشيشة ضعيفة. قال الفاضل: شَبَّهَ حَلَقَ الدروع بحَلَقِ القَفْعَاء، وهو تشبيه حِسّيِّ بحِسي، ووجه
الشَّبهِ مُتعدّدٌ حِسي، وهو الاستدارة، والكثرة، والضّيقُ على مقدار مخصوص. و مَجْدول: مُحْكَمُ الصَّنعة، صفةٌ ثانية لـ حَلَق، وفيه تقديم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد، وهو جائز فصيح، ومنه قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَومِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ} [المائدة: 54].
والتذكير بكل واحدٍ منها؛ أي: مجدول كلُّ واحدة منها.
لا يَفْرَحُونَ إِذَا نَالَتْ رِمَاحُهُمُ قَوْماً وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا جملة لا يَفْرَحُونَ صفةٌ مُضية، وإِذَا ظرف له.
و ثالث أي: أصابت و رِمَاحُهُم بإشباع الميم فاعله، ومفعوله قَوْماً؛
أي رجالاً.
ولَيْسُوا؛ أي: العُصْبَةُ مَجَازِيعاً جمعُ مِجْزاع: كثيرُ الجَزَعِ، كَمَحَارِيبَ
ومحراب، وصُرِفَ للضرورة، و نيلُوا مجهول نالوا بمعنى: أُصيبوا. والمعنى: إذا غلبوا لم يفرحوا؛ لأنَّ ذلك شأنهم وسيرتهم، وإذا غُلِبوا لا يجزعونَ؛ لشدَّةِ صبرهم وقِلَّةِ مبالاتهم، وكثرة معرفتهم؛ حيثُ قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، وقال قائلهم:
فيوماً علينا ويوماً لنا ويَوماً نُسَاءُ ويَوماً نُسَرُّ أو عدمُ فَرحهم بإصابة رماحهم قوماً، وعدمُ جَزَعِهم بإصابةِ رِماحِ الخُصومِ إِيَّاهُم؛ كنايةٌ عن قوَّةِ باطنهم بعد بيانِ قوَّةِ ظاهرهِم، وإشارة إلى عملهم بقوله عزّ
وجلَّ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَنكُمْ} [الحديد: 23]. يَمْشُونَ مَنيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إِذَا مَرَّةَ السُّودُ التَّابِيلُ أي: يمشون مشياً كمشي الجمال في الإسراع، أو في الوقار والامتناع، والجملة صفة عُصْبة.
و الزُّهْرِ بضم الزاي وسكون الهاء: جمعُ أزهر بمعنى الأبيض، كحُمْرٍ وأَحْمَرَ. وجملةُ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ حالٌ من فاعل يمشون، أو صفة أخرى لـ عُصْبة؛ أي: يحفظهم في الهيجاء ضربهمُ الأعداء بالسيوف والرماح، لا التحصن بالحصون والقلاع.
وقد تنازع في إِذَا قوله: يَمْشون ويَعْصِمُهم.
و عَرَّدَ بتشديد الراءِ؛ بمعنى: فرَّ، ورُوي بغينِ مُعْجمةٍ، بمعنى طَرِبَ بِالرَّجَزِ والشعر عند القتال.
و السُّودُ: جمع أَسودَ، والمراد بهم الكفار.
البيت للنمر بن تولب.
و التنابِيلُ: جمعُ تِنْبَالٍ؛ كتمساح، وهو القصير.
والبيت كناية عن كَمالِ شجاعتهم؛ إذ المعنى: يُسرعون إلى الهيجاء إسراع الجمال وقتَ فِرارِ القومِ، يَعصمهم عن الأعداء في ذلك الوقتِ ضربهم إيَّاهُم بالسيوف والرماح، لا حصون يفرُّونَ إليها، ولا جماعةٌ يستعينونَ بها، ولا يَخْفَى أَنَّ الإسراع وقتَ فِرارِ القومِ من لوازم كمال الشجاعة وغايةِ الرُّسوخِ في أمرِ المُحاربة. لا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلا فِي نُحُورِهِمُ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ الجملة صفةٌ أخرى لـ عُصْبة؛ أي: لا يقعُ طعنُ الرِّماحِ إلا في نُحورِهم بإشباع ضم الميم؛ أي: صُدورِهم، رُوي عن عليّ كرَّم الله وجهَهُ: أَنهُ كانَ دِرعُه صدراً لا ظهراً، فقيل له: لو اخترَزْتَ من ظهركَ، فقال: إذا أَمْكَنْتُ من ظَهرِي فلا نجوتُ.
و ما نافيةٌ؛ أي: ليس لهم تَهْلِيلُ؛ أي: تأخُرُ عن حِيَاضِ الْمَوْتِ بالصَّادِ المُعْجَمَة: جمع حوض، والمراد بها الأمكنة التي فيها مجتمعاته؛ كحوض الماء للَّذي فيه مُجتَمَعُهُ؛ أي: لا يتأخَّرونَ عنها إذا تأخر غيرُهم ونكَصَ منها، ورُوي بالصَّادِ المُهملة؛ جمعُ حَوْص، وحياصُ المَوتِ: مضائقه وشدائده. قال الفاضل: وجملة ما لهم عطف على الفعلية، أو حال من المضاف إليه؛ أي: الضمير في نحورهم، أو جملة معترضة للمدح.
وفي رواية فما لهم بالفاء؛ فالجملةُ مُعلَّلة؛ أي: لا يقعُ الطعنُ إلا في نحورهم؛ لأنه ليس لهم عن مضائق الحربِ نُكوص ورجوع، بل سعادةُ الشَّهادةِ هي مطلوبهم، والموتُ في حضرة الحبيب هو محبوبهم.
ولا يخفى على أربابِ الصَّفا ما في القصيدة من حُسنِ المَقطعِ والمَطلعِ، وصنعة تشابه الأطراف، وغيره من بدائع الأصناف؛ حيثُ ختم الكلام في المبنى بما يُناسِبُ ابتداءَ المَرامِ في المَعنَى؛ فإنه قد ابتدأ بذكرِ الفِراقِ والجَفَاءِ، وختم بذكرِ الموتِ والفناءِ على وصف الشهادةِ المُوجِبةِ للقاء في دار البقاء، ولا ارتياب في أنه ليس بين الموتِ والفراق فرقُ عند أرباب الاشتياق، على أنَّ ذكر الموت هو منتهى أمور المرء عندَ الانتهاء، وإن طالت مُدَّةُ الابتلاء في دارِ البَلاءِ من الابتداء؛ فبلغَ القَصِيدُ في الحُسنِ أقصى غايته، وانتهى إلى منتهى نهايته.
فنسأل الله العافيةَ في الدُّنيا، وحُسنَ الخاتمة في حالِ الرُّجوع إلى العُقبى، وأن يتفضّل علينا بالجزاء الأولى، وأن يُبلغنا المقامَ الأَسنَى، ويُلحقنا بالرفيق الأعلى؛ معَ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشُّهداءِ والصَّالحينَ، عِلماً وعَمَلاً، وتصديقاً وتحقيقاً وتوفيقاً، وحسن أولئك رفيقاً.
وقد حرَّره مؤلفه - رُحِمَ وسلفه - في أواخر شهر صفر، حتم بالخير
والظَّفر، من شهورِ عامِ اثني عشر بعد الألف من هجرة سيد البشر، عليه من
الصَّلواتِ أتمُّهَا، ومن التحياتِ أعمُّهَا.
رمما يُستَحسَنُ من شعرِ كَعبٍ رضي الله عنه:
لو كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سعي الفتى وهو مخبوء لهُ القَدَرُ يَسْعَى الفتى لأمور ليسَ يُدْرِكُها فالنفس واحدة والهمُّ مُنتشر والمرءُ ما عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لا تنتهي العينُ حتَّى ينتهي الأثر