شرح الجامع الكبير
المؤلف: أبو بكر، أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ.
توفي سنة (370 هـ).
اعتنى به: لجنة دار الهداية للبحوث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة الأقصى الشريف
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح الجامع الكبير
المؤلف: أبو بكر، أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ.
توفي سنة (370 هـ).
اعتنى به: لجنة دار الهداية للبحوث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة الأقصى الشريف
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
وأما قولها قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأتمّ، فإنّ معناه أنّه قصر في الفعل وأتمّ في المعنى كما قال عمر: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصرٍ على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: هلا أثبت التخيير بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}، فخرج ذكر القصر مخرج الترخيص فيكون مخيّرًا فيه.
قيل له: لم نعلم القصر في السفر في غير حال الخوف بهذه الآية ألا ترى إلى قول يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب "كيف نقصر وقد أمنا؟ "، وذكر الآية، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته، فأخبر أن حكم القصر في غير حال الخوف مأخوذ من السنة دون الآية، لأن حكم الآية مقصور على حال الخوف.
فإن قيل: إن الخوف لا يوجب القصر.
قيل له: يحتمل أن يكون الاختلاف والمشي الذي فيها جعل قصرًا، لأنه لو لم يكن هناك عذر فسدت صلاته بهما، ويحتمل أن يريد بالقصر في أوصاف الصلاة دون أعداد ركعاتها كالإيماء والقعود في حال الخوف.
فإن قيل في خبر عمر أن النبي صلى الله عليه قال: «صدقه تصدق الله عليكم فاقبلوا صدقته»، وذلك دليل على جواز الإتمام، لأن لنا ألا نقبل الصدقة وهو مع ذلك معارض لما رويتموه من أن صلاة السفر باقية على الأصل، إذ لو كان كذلك ما كان فيها صدقة.
فالجواب: إن قوله: فاقبلوا صدقته أمر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب إلا أن يقوم الدلالة على غيره، وهو مع ذلك غير معارض للخبر الذي فيه أن صلاة السفر باقية على أصل الفرض من قبل أن الصدقة ههنا التخفيف كما أن قوله: فتاب عليكم معناه: خفَّف عنكم ووسع عليكم، وإذا كان كذلك لم يكن قوله: تصدق الله بها عليكم ما ينافي بقاء فرض السفر على الأصل.
فإن قيل: اتفاق الجميع على لزوم الإتمام بدخوله في صلاة المقيم دلالة على أنه مخير بين الإتمام والقصر.
قيل له: لو كان كذلك لكان دخول العبد والمرأة في صلاة الجمعة، وفعلها الركعتين مع الإمام دلالة على أنهما مخيران قبل الدخول في صلاة الإمام بين فعل الظهر أربعًا أو ركعتين، وكذلك المريض، وأيضا فإنّ من جعله مخيرًا قبل الدخول أسقط تخييره بعد الدخول، فلو لزمنا ما الزمونا من التخيير لأجل تغير فرضه بدخوله في صلاة المقيم لزمهم ألا يجعلوه مخيرًا قبل الدخول لاتفاقهم على سقوط التخيير بعده، فصح بذلك سقوط هذا السؤال على أنه لو كان دليلا على أنه مخير لكان دليلا على أن المقيم مخير، لأن له أن يسافر فيصلي ركعتين.
وقد احتج أبو خازم رحمه الله لأصل المسألة من جهة النظر بمعنى تحصيله بأنا وجدنا كل ما كان الإنسان مخير بين فعله على وجه الابتداء وبين تركه إذا تركه لا إلى بدل كان فعلا من ذلك أن الرجل مخير بين أن ينتقل ابتداء بصوم أو صلاة أو صدقة أو نحوها من القرب وبين أن يتركها لا إلى بدل فكان هذا حقيقة النقل ووجدنا الفرض بخلاف ذلك، لأنه إما أن يكون له خيار في تركه في وقته وإن تركه تركه إلى بدل ألا ترى أنّه لا خيار في ترك الظهر في آخر وقتها، وأنه مخير في أول وقتها بين فعلها أو تركها إلى فعل آخر بفعله في آخر الوقت، وكذلك صوم رمضان المسافر مخير بين فعله وتركه فإن تركه تركه إلى بدل، فلما اتفقنا وخالفونا في صلاة السفر على أن له ترك ما زاد على الركعتين لا إلى بدل علمنا أنهما نقل إذا فعلهما.
قال أبو بكر: فسأل بعضهم على هذه العلة، فقال: إن هذه الحقيقة التي وضعتها للنفل قد توجد مثلها فيما يفعل على وجه الغرض من ذلك أن فرض الركوع الذي يجوز الاقتصار عليه إنما هو مقدار ما يسمى به الرجل راكعا وأنه لو أطال لكان جميعه فرضا وقد كان جائزا له بدءًا الاقتصار على ما دونه وترك ما فعله، وأنه لو تركه تركه لا إلى بدل، ثم إذا فعله فعله فرضا. ألا ترى أن يدركه في هذه الحال مدرك لركعته، وكذلك هذا في القيام والقراءة وسائر أفعال الصلاة إذا دام عليها كان جميعها مفعولا فرضا.
والجواب عن ذلك: إنا قد قيدنا العلة بدءًا بما يسقط هذا السؤال، وذلك أنا قد قلنا: كل ما يفعله الإنسان من هذه الأفعال على وجه الابتداء لا على وجه الدوام على فعل قد سبق منه، والبقاء عليه، وكان وضعه ما ذكرنا كان نفلا. وأما إطالة الركوع والقيام وسائر أفعال الصلاة فإنَّما هي دوام على أفعال قد ابتدأها قبل ذلك، فكان حكم الدوام عليها حكم الابتداء. ويدل على الفصل بين الأمرين على أصول أصحابنا قولهم فيمن حلف لا يصوم فأصبح صائمًا، ثم أفطر إنّه حانث، ولو حلف لا يصلي، فافتتح الصلاة، ثم قطعها لم يحنث حتى يصلي ركعة وسجدة، لأن الصوم إنَّما هو الإمساك، وقد وجد ذلك منه، ثم إتمامه إلى آخر النهار إنّما هو دوام على ذلك الخبر. وقالوا في الصلاة إنّها لما كانت أفعالا متغايرة غير مفعولة على وجه الدوام على فعل مبتدأ لم يحنث حتى يأتي بجنس أفعال الصلاة.
ونظيره أيضا قولهم فيمن أصبح يوم الفطر صائمًا: إنّه لا يفطر ولا يقضي ولو افتتح الصلاة عند طلوع الشمس قطعها وقضى، وذلك لأن الصوم إنما هو الإمساك في أول النهار وما بعده من آخر النهار إنما هو دوام عليه، فلما لم يصح له الجزء الأول، وكان فاسذا كان حكم ما بعده حكمه، وقالوا: إن الصلاة أفعال متغايرة مختلفة يفعل كل فعل منها على جهة الابتداء لا على وجه الدوام على فعل متقدم، فلزمت سائر الأفعال بالافتتاح، ولم يمنع كون الافتتاح منهيًّا عنه لزوم ما بعده من الأفعال من جهة الحكم، إذ لم يكن مفعولة على وجه الدوام على الفعل الأول ولم يكن حكمها حكمه،
وهذا الذي استشهدنا به من ذلك، وإن لم يكن حجّة للمسألة، فإنّه تأنيس وتوطئة للمتعلم وبيان أن أصحابنا قد اعتبروا ذلك واعتمدوه وأيضا لإسقاط السؤال، وأنه غير لازم على أصلهم. وأما حجّة المسألة، فهو: ما ابتدأنا بذكره في هذا الفعل من تحصيل العلة على الوجه الذي ذكرنا.
قال أبو بكر: قد تكلمنا في هذه المسألة بجملة فيها كفاية لمن تدبرها، ونتكلم الآن في أنّ المسافر لا يجوز له الإتمام بعد قوات الوقت فالدليل عليه قول النبي عليه السلام: (وما فاتكم فاقضوا، فأمر بقضاء الفائت، وحكم القضاء أن يكون مفعولا على حسب لزومه قبل الفوات، فلمّا كان فرضه قبل القوات القصر لم يجز له الإتمام، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فأوجب قضاء المنسية بعينها فلا يصح نقلها إلى أربع، لأن فرض الأربع غير الركعتين.
فإن قيل: يجب عليه الإتمام فإذا كان مقيما في حال القضاء كما قلتم فيمن فاتته صلاة في حال المرض حتى برأ أنه يجب عليه قضاؤها قائما بركوع وسجود، وإن كان في حال المرض جائزا له فعلها قاعدًا وبالإيماء.
فالجواب: إن المسافر لما كان فرضه ركعتين ولم يكن يجوز له الإتمام على أصلنا وجب الا يتغير فرضه بعد القوات كما أن من فاتته صلاة في حال الإقامة، ثم سافر لم ينتقل فرضه إلى القصر ولا إلى التخيير على أصل يخالفنا. وأما المريض فإن فرض القيام قائم عليه في حال المرض، وإنّما رُخص له في تركه للعذر، لأنه لولا العجز عن القيام وسائر الأفعال لما أبيح له فعلها بالإيماء، فمتى زال العذر رجع إلى أصل فرضه. وأما المسافر فإن فرضه كان ركعتين لا غير، فلا يتغير فرضه بعد القوات بالإقامة.
ومما يدل على الفصل بين المسلمين على أصلهم أن مسافزا لو دخل في صلاة الظهر ثم نوى الإقامة أتم صلاته أربعاء لأن ذلك فرض لزمه في الحال ولم يتغيّر حاله إلى فرض قد كان لازما، فرُخص له في تركه، ولو أن مريضا صلى ركعة من صلاته بالإيماء، ثم برأ استقبل الصلاة لرجوعه إلى أصل فرضه كالمتيمم يجد الماء والغريان يجد الثوب وخروج وقت المسح، فإذ قد أتينا على هذا الفصل فلنتكلم على أن صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام تقصد بفسادها. ويدل [على] فساد قول القائلين بأن كلا مصل لنفسه، إذ كانت مسألة الكتاب قد اقتضت ذلك.
فصل
والدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقوله: الإمام ضامن لا وجه له إلا أن تكون صلاة المأموم معقودة بصلاته يفسد بفسادها، لأنا متى لم تعطه هذا الحكم ولم نحمله عليه خلت اللفظة من الفائدة. ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّما جعل الإمام ليؤتم به)، فلو كان مصليا لنفسه ولم تكن صلاة المأموم منعقدة بصلاة إمامه لم يلزمه الإنتمام به ولا وجب عليه اتباعه، وكذلك قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا يدل على ذلك أيضا، لأن المصلي لنفسه لا يلزمه الإنصات لقراءة غيره. ومن الدليل على ذلك أيضا: قوله عليه السلام من كان له إمام فقراءته له قراءة وقوله: يكفيك قراءة الإمام) وسائر الأخبار الواردة في النهي عن القراءة خلف الإمام، فلو كان المأموم مصليا لنفسه لكانت قراءته قراءة له.
فإن قيل: كيف يصح لك الاحتجاج على المخالف بما ذكرت في الفصل الذي خالفك فيه؟
قيل له: موضع الاحتجاج متفق عليه من قبل أن مخالفنا في القراءة خلف الإمام لا يخالفنا في أنّ مُدرك الإمام في الركوع لا قراءة عليه، وأنه يعتد بهذه الركعة مع ترك القراءة لأجل قراءة الإمام، فلولا أن إمامه قد تحمل عنه قراءته لما جاز له الاعتداد بهذه الركعة، فصح بذلك أن صلاته مضمنة بصلاة إمامه.
ومن الدليل عليه أيضا أن الشافعي رحمة الله عليه قد وافقنا في القاريء إذا صلى خلف الأمي إن صلاته فاسدة. فدل ذلك على أن صلاته مضمنة بصلاة أمامه، إذ لو كان مصليا لنفسه لم يضره كون إمامه أميًا، وكذلك لا خلاف أنه لو صلي خلف كافر وهو عالم بكفره أن صلاته فاسدة ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: إنّ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين (درجة وقوله في حديث أبي بن كعب صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى، فلو كان مصليا لنفسه من غير أن يكون صلاته معقودة بصلاة إمامه لكان اجتماعهم وانفرادهم سواء لا يتعلق به حكم. ألا ترى أنهم لو حضروا فصلوا منفردين لم يستحقوا فضيلة الجماعة.
ومن الدليل على ذلك أيضا أن صلاة الجمعة لا تصح إلا بجماعة، ولو حضرت الجماعة وصلى واحد لنفسه لما صحت لهم الجمعة، وفي ذلك دليل على أن صلاتهم معقودة بصلاة إمامهم من أجل ذلك صحت لهم الجمعة عند اشتراكهم فيها. ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الإمام لو سهى ولم يسه المأموم لزم المأموم أن يسجد مع إمامه لأجل سهوه، ولو سهى المأموم لم يجب عليه ولا على الإمام السجود لأجل سهوه، فبان بذلك أن الإمام ضامن لصلاته، فكذلك أسقط عنه سهوه والزمه سهو نفسه فصارت صلاته كأنها صلاة الإمام في الحكم، فينبغي أن تفسد بفسادها.
فإن قيل: قد روي عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر وكبر، ثم أوما بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما فرغ قال: (إنّما أنا بشر وإني كنت جنبا) فلم يأمرهم بإعادة الصلاة ولا التكبير حين جاء روي في بعض الألفاظ أنّه قال لهم: (على رسلكم) حين أراد الرجوع للاغتسال فدل ذلك على صحة صلاتهم وتحريمهم بها خلفه وهو جنب، وعن عمر أنه صلى بهم وهو جنب، ثم ذكر ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فلم يأمرهم بالإعادة، وفي ذلك دليل على إفساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأموم في سائر الأحوال.
قال أبو بكر فيقال له: ليس في الخبر أنّ القوم قد كبروا، ويحتمل ألا يكونوا كبروا ويحتمل غيره، فإذا احتمل ذلك سقط الاحتجاج به، إذ ليس حمله على أحد الوجهين بأولى من حمله على الوجه الآخر وأيضا إن كانوا كبروا بدءًا فليس في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم باستئناف التحريمة.
فإن قيل: وليس فيه أنه أمرهم باستئنافها.
قيل له: قد يجوز أن يكون أمرهم باستئنافها وإن لم يُنقل.
فإن قيل: لو أمرهم لنقل.
قيل له: ولو كانوا قد كبروا بدءًا لنقل فلما لم ينقل أنهم كانوا كبروا بدءًا [ثم] علمنا أنهم لم يكبروا حتى انصرف النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر: وكلّمني بعض شيوخ الشافعيين قد نهى في هذه المسألة، فقال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقمت الصلاة فلا يقوموا حتى تروني، ثم قال في الخبر على رسلكم»، وقال في بعض الأخبار: مكانكم علمنا أنهم كانوا في الصلاة، لأنهم لو لم يكونوا في الصلاة لكانوا منهتين عن القيام عند غيبة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لهم: لا تقوموا حتى تروني، فقلت له: ما أنكرت أن يكونوا قد استأنفوا التكبير والافتتاح بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنا قد انقضنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع كبر، وقد كان قال لهم: إذا كبر الإمام فكبروا فلم
يكونوا ليخالفوا النبي صلى الله عليه، فيتركوا التكبير عند تكبيره، فصح بذلك أنهم استأنفوا الافتتاح لأجل تكبير النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأت بشيء يجوز أن يُحكى ويقال أيضا ما الدليل على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قال لهم: (لا تقوموا حتى تروني) قبل هذه الحادثة، ومعلوم أنه لا يجوز إثبات التاريخ للأخبار إلا بقيام الدلالة عليه، وذلك معدوم في هذا الخبر.
قال أبو بكر: وقد حكى أبو داود السجستاني في السنن فرواه عن أيوب وأبي عون وهشام عن محمد بن سيرين، فقال فيه: فكبر ثم أوما إلى القوم أن اجلسوا فذهب فاغتسل، فقد صح بأمره إياهم بالجلوس أنهم لم يكونوا في الصلاة، لأنهم لو كانوا في الصلاة لما جاز لهم أن يجلسوا، وبطل ما احتج به هذا المحتج من دلالة بقائهم على حال القيام على كونهم في الصلاة.
فإن قيل: فقد روى عياش الأزرق عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة وصت الناس صفوفهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مقامه ذكر أنه لم يغتسل، فقال للناس: مكانكم فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج واغتسل، فقد أخبر في هذا الحديث أنهم لم يزالوا قيامًا حتى خرج، فدل ذلك على أنهم كانوا في الصلاة.
قيل له: ليس في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان كبر فلا يصح الاحتجاج به، وأيضا فإنَّه روي في خبر آخر أنه قال لهم: (اجلسوا) وفي لفظ آخر أنه قال لهم: (مكانكم) وعلى رسلكم) وجب الجمع بين هذه الألفاظ، فكأنه قال لهم: (اجلسوا ولا تبرحوا) فأمرهم بقوله: (مكانكم وعلى رسلكم) ألا يخرجوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح بهذه الأخبار أمره إياهم بالجلوس، وليس في شيء منها أنّه أمرهم أن يثبتوا قيامًا، لأنه ليس في قوله: (مكانكم و على رسلكم أمر بالقيام ولا إيماء في القعود، وإذا روي في خبر آخر أنهم لم يزالها قيامًا حتى خرج كان اتباع لفظ النبي صلى الله عليه أولى من فعلهم، لأنه يجوز أن يكونوا ظنوا أن أمره إياهم بالجلوس على وجه التخفيف عنهم فقاموا قياما حتى رجع. وأيضا يحتمل أن يكون من علم منهم أمره بالجلوس جلس ولم يعلم على القيام حتى يصح معنى الألفاظ الواردة فيه كلها.
ووجه آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون هذه القصة كانت قبل أن كان من حكم صلاة المأموم أن ينعقد بصلاة إمامه، لأنهم قد كانوا في أوّل الإسلام يبدؤون بقضاء الفائت قبل متابعة الإمام، ومعلوم أن ذلك لا يكون وهو متبع للإمام، فلما نسخ ذلك وأمروا باتباع الإمام لما في خبر معاذ وغيره صارت صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، فإذا احتمل حديثهم هذا ما وصفنا سقط الاحتجاج به.
ويدل عليه أن افتتاحهم على مذهب المخالف كان قبل افتتاح النبي صلى الله عليه وسلم، وليس من حكم المأموم أن يتخرج بصلاته قبل تحريمة الإمام، فصح أنه كان في وقت لم يكن يلزمهم فيه متابعة الإمام، وإن كل واحد منهم حينئذ كان في معنى من يصلي لنفسه، ثم نسخ ذلك بوجوب إتباع الإمام، وبقوله: (إذا كبر الإمام فكبروا). وأما خبر عمر فليس فيه أنه لم يأمرهم بإعادة الصلاة، وقد يجوز أن يكون أمرهم ولم يسمعه راوي الخبر، وإن صح أنه لم يأمرهم فإنّه يجوز أن يكونوا قد كانوا يفرقوا فلم يعرفهم.
فإن قيل: قد روي في خبر عمر أنه أعاد ولم يعيدوا.
قيل له: ليس فيه أن عمر رضي الله عنه قال لهم: "لا تعيدوا" ولا أنهم علموا بأنه صلى بهم وهو جنب فلم يعيدوا، وقد يجوز ألا يكونوا علموا بجنابته، ويجوز أن يكونوا علموا فأعادوا أيضا، ولم يعلمه الراوي، ويحتمل أيضا أن يكون عمر لم يتيقن أن الجنابة كانت قبل الصلاة، وشك فأخذ لنفسه بالاحتياط ولم يأمرهم بالإعادة، وقد روي أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد: الصلاة، فدل على أن تركه الأمر بالإعادة في الجنابة، إنّما كان لعدم اليقين عنده بوقوع الجنابة قبل الصلاة.
قال أبو بكر: فإذ قد صحت هذه الأصول التي يثبت عليها مسألة الكتاب رجعنا إلى بيان بنائها عليها، فقلنا لما امتنع جواز الإتمام بعد القوات مع نية الإقامة امتنع جوازه بدخوله في صلاة المقيم، لأن نية الإقامة أكد في إيجاب الإتمام من دخوله في صلاة المقيم. ألا ترى أن دخوله في صلاة المقيم إنّما يلزمه الإتمام ما دام في صلاته تلك، فإن أفسدها رجع إلى القصر، ونية الإقامة يلزم الإتمام من جميع الوجوه، فلما لم يتغير فرضه بنية الإقامة بعد الفوات كذلك يجب ألا يتغير بدخوله في صلاة المقيم، إذ كان واحد منهما سبب يتغير به الفرض، فإذا لم يغير أقوى السنتين لم يغير أضعفهما، فإذا صح ذلك قلنا لا يخلو المسافر الداخل في صلاة المقيم بعد القوات من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يقتدي به في جميع صلاته على أنها فرض كلها، أو على أن ركعتين منها فرض وركعتين نقل، أو على أن يقتدي به في ركعتين منها فينصرف.
وقد دللنا على أنه غير جائز انتقال فرضه إلى الأربع بعد فوات وقته، ولا جائز أيضا أن يصليها على أن بعضها فرض وبعضها نقل لاستحالة كون التحريمة الواحدة للنقل والفرض مغا وامتناع إيجابهما ألا ترى أنهم متفقون أنه لو افتتح الصلاة ينوي الفرض والنفل جميعا أن التحريمة لا يكون لهما.
فإن قيل: فقد يصح بناء النقل على تحريمة الفرض كالرجل يصلي الظهر، ثم يضيف إليها أخرس قبل السلام، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن شك في صلاته فلم يدر ثلاثا صلى أو أربعا: فليصل ركعة أخرى، فإن كانت قد تمت
صلاته فالركعة والسجدتان له نافلة، فلم لا يجوز أن يقتدى به في جميع صلاته على أن بعضها فرض وبعضها نقل لوجود نظائره في الأصول.
فالجواب أن الذي أصلناه فيما وصفنا أن يتضمن التحريمة الواحدة الفرض والنقل جميعا حتى يلزماه جميعا بها وهذا الاختلاف فيه. فأما بناء النقل على وجه الابتداء فغير ممتنع وقوعه، وما الزمناه فهو من هذا القسم الجائز دون ما أحلناه ومنعنا منه. قلنا ولا يجوز أن يقتدي به في ركعتين وينصرف، لأن المأموم لا يجوز له الانصراف عن الصلاة قبل انصراف إمامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّما جعل الإمام ليؤتم به)، وقوله: (إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)، وقوله في حديث معاذ حين أدرك النبي صلى الله عليه في بعض صلاته فاتبعه، وقد كانوا قبل ذلك يبدؤون بقضاء الفائت من صلاتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما حملك على ما صنعت؟) فقال: "ما كنت الأجدك على حال إلا وأتابعك عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يبين) لكم معاذ فكذلك فافعلوا)، فأمرهم بترك قضاء الفائت لأجل متابعة الإمام ولئلا يخالفه في أفعاله، فبان بذلك امتناع جواز انصراف المأموم عن الصلاة قبل انصراف الإمام، فلما لم ينفك اقتداء المسافر بالمقيم بعد فوات الوقت من أحد هذه الوجوه الثلاثة، وبطلت كلها بما وصفنا لم يصح الاقتداء به. وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بأنه لو صح له الاقتداء به لكانت الجلسة الأولى نفلا للإمام وفرضا للمأموم بعد القوات لا يتغير فرضه لما قد دللنا عليه، ولا يصح عندنا اقتداء من يصلي الفرض بالمتنقل.
فإن قيل: فينبغي أن يصح له الاقتداء به في الركعتين الأخرتين إذا أدركه فيهما، لأنّ الأخرس بسائر أفعالهما فرض لهما جميعا.
فالجواب: أنه إذا صح امتناع دخوله في الأوليين وجب مثله في الأخريين، لأنا لو فرقنا بين الأوليين والأخريين أتموا، فإنا لا نريد الإتمام، فلما جعل علة القصر هي السفر على أنه لا يجوز غيره.
ومن الدليل على صحة ذلك: إنكار الصحابة الإتمام على عثمان بمنى وموافقة عثمان إياهم على ما أنكروه عليه، وأبي نية عن غذره في ذلك، لأنه لو كان مخالفا لهم لحاجهم ولم يقرهم على النكير عليه فيما يسع الخلاف فيه، فلما وجدناه اعتذر بضروب من الاعتذار تازة بأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ) من تأهل بارض فهو من أهلها، وأنّي تأهلت بمكة)، وقال الزهري: إنّ عثمان إنّما أتم، لأنه كان قد أزمع على الإقامة اعتذر، وتارة بأنه يحضرنا أقوام
طعام فخشي بأن يظنوا أن فرض الصلاة في الحضر والسفر ركعتان 45 وصح بذلك موافقته إياهم على ما أنكروه عليه من الإتمام لولا العذر
وعن ابن عباس: من صلى في السفر أربغا كمن صلى في الحضر ركعتين، وعن ابن عباس أنه كان يقول: "لا تقولوا قصرًا، فإن الذي فرض عليكم في الحضر أربعًا هو الذي فرض عليكم في السفر ركعتين، وقال عمر: "صلاة السفر ركعتان من خالف السنّة كفر، ولا يطلق مثل هذا القول إلا لمخالفة التوقيت الذي لا يسع الاجتهاد فيه ولا يحتمل التأويل.
فإن قيل: فابن مسعود أحد من أذكر على عثمان، ثم أتم معه.
قيل له: إنّه أنكربدءًا لما ظن أن عثمان إنّما أتم على جهة أنه جائز له الإتمام في السفر، فلما عرف غذره أتمّ معه، وذلك لأنّ عبد الله كان ممن يأخذ العطاء، وإذا أزمع الإمام على الإقامة في موضع صار اتباعه مقيمين بإقامته. فإن قيل: قد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها أتمت في السفر، وإنّها قالت المسافر بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وعنها أنها قالت: قصر" رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأتم، فهذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم التخيير وقول عائشة خلاف على الصحابة فيما حكيت عنهم.
فالجواب أنه لم يثبت بشيء من هذه الأخبار خلاف ما ذكرنا، وليس فيه ما يقدح فيما وصفنا، وذلك أن قولها: "المسافر بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر" يحتمل أن يريد به إثبات الخيار له في دخوله في صلاة المقيم وإتمام الصلاة معه، وإن شاء لم يدخل وقصر ليصح لنا ما صح عنها من قولها: زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت. فأما ما روي عنها أتمّت في السفر، فإنّها قد سئلت عن ذلك، فقالت: "أنا أم المؤمنين، فحيث ما حللت فهو دار لي"53، وقال عروة: تأوّلت كما تأوّل عثمان، ولو كانت غير متاولة فيما فعلت فالتخيير ساقط لأنه لم يثبت عنها التخيير في أمر نفسها، فلا جائز أن يصلي أربعا على غير وجه التخيير إلا وقد نسخ فرض الركعتين في السفر، وهذا خلاف
الاتفاق، فصح أنها كانت متاولة في صحة الدخول فيهما كان ذلك خلاف الإجماع والأصول، لأن كل من أجاز له الدخول في الأوليين أجاز له في الأخريين، وكل من أجاز له الدخول في الأخريين أجازه في الأوليين، ومن منع اقتدائه به في الأوليين منعه في الأخريين، ومن فرق بينهما خرج عن إجماع الجميع وأما جهة مخالفته للأصول فهو: أنا لم نجد صلاة تصح للرجل الدخول في آخرها دون أولها، فلما امتنع دخوله في أولها وجب أن يكون كذلك آخرها. فإن قيل: إذا قدم الإمام رجلا مسبوقاً بركعة بعدما سجد سجدة أليس المقدم يفعل هذه السجدة نفلا ويفعلها المأموم فرضا. قيل له إذا صار خليفة الأول فعلها فرضا عندنا ومتى تركها فسدت صلاته.
قال أبو بكر: وأما وجه جواز اقتداء المقيم بالمسافر بعد الفوات، فلأن المقيم يلزمه بالافتتاح ما يلزم الإمام، ولا يوجب دخوله في صلاته تغير فرضه، فلم يختلف حكمه بعد القوات وقبله، وقد يمكن تصحيح هذه المسألة على أصل آخر من أصولهم، وهو: أن من أصلهم أن نية الإمام معتبرة في صحة اقتداء المأموم به فمتى أمكن أن يؤدي صلاة المأموم بنية الإمام صح اقتداؤه به فيها، ومتى لم يمكن أن يؤدي صلاة المأموم بنية الإمام لم يصح اقتداؤه به فيها، ولذلك أجازوا اقتداء المتنقل بمصلّي الفرض ولم يجيزوا اقتداء مصلّي الفرض بالمتنقل، لأن نية الفرض يصح أن يؤدي بها النقل، لأن من دخل في الصلاة بنية الفرض، ثم ذكر أنه قد كان صلاها كان له أن يبني عليها النقل، ولو دخل بنية النقل، ثم ذكر صلاة عليه لم يجز له بناءها على النقل، فعلى هذا الأصل نقول في مسألتنا: أنه لما جاز أن يؤدي صلاة المقيم بنية صلاة المسافر، لأن مسافرًا لو دخل في الظهر ثم نوى الإقامة لزمه الإتمام وبنى على تلك النية صلاة المقيم، فكذلك يصح للمقيم الاقتداء بالمسافر بعد الفوات، وليس في الأصول أداء صلاة السفر بنية الإقامة. ألا ترى أن مقيما في المصر لو افتتح الصلاة في سفينة وهو يريد السفر، ثم انحدرت السفينة فخرج من المصر، وحصل مسافرًا لم يصح له الاقتصار على صلاة السفر، بل يبني على صلاة، الإقامة، فلما لم يصح أن يؤدّي بنية صلاة الإقامة صلاة السفر لم يصح اقتداء المسافر بالمقيم بعد فوات الوقت، وهذا الفصل أحد ما كان يعتمده أبو الحسن رحمه الله في المسألة.
قال أبو بكر: وقد اختلفت فقهاء الأمصار في جواز الاقتداء بمصلي الفرض بالمتنقل والمتنقل بمصلي الفرض، فقال أصحابنا: يجوز اقتداء المتنقل بمصلي الفرض ولا يجوز اقتداء مصلّي الفرض بالمتنقل، ولا يجوز عندهم أيضا لمن يصلي فرضا أن يقتدي بمن يصلّي فرضا غيره، وحكي عن مالك بن أنس أن صلاة المتنقل خلف مُصلّي الفرض غير جائز، وقال الشافعي قدس الله روحه لكل واحد منهما أن يقتدي بالآخر، وكذلك إذا صليا فرضين مختلفين. والدليل على صحة قول أصحابنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّما جعل الإمام ليؤتم به، وقوله: (لا تختلفوا على إمامكم)، فوجب على هذا القضية اعتبار نية الإمام في صحة صلاة المأموم لما قد لزمه من الإنتمام به، فإذا لم يكن
في الإتمام مثل نية المأموم لم يمكنه الإنتمام به إنّما هو بموافقته فيما يفعله وليس المتنقل نية الفرض، فلا يكون مصلّي الفرض مؤتماً به، فلم يصح له الاقتداء به.
فإن قيل: فيلزمكم على هذه العلة مع اقتداء المتنقل بمصلي الفرض، إذ ليس معه نية النقل.
قيل له: إن النية التي تحتاج إليها المأموم في صحة صلاته موجودة مع الإمام، ومعه زيادة معنى آخر، فلا يضر ذلك المأموم إذا قد وجد منه ما يصح به صلاة المؤتم، ويصح اقتداؤه به فيه، وذلك أن النية التي تصح بها صلاة المتنقل هي نية الصلاة فحسب، وليس عليه أن ينويها نفلا، ونيّة الصلاة موجودة مع الإمام، فإن كان عليها فرضا فمعه زيادة معنى آخر وهو نية الفرض، فلا نية ذلك من الاقتداء. وأما مصلّي الفرض فإنّ معه نية الصلاة ونية الفرض ولا تصح صلاته إلا بهما، وليس مع الإمام نية الفرض فلم يصح له الاقتداء، إذ لا يكون مؤتماً به فيما لم يفعله من النية، وإنما يصح الإنتمام به في معنى موجود قد فعله إمامه، ونظير ذلك من مسائلهم جواز اقتداء المؤميء بمن يركع ويسجد، لأن الإمام معه هذا الإيماء ومعه زيادة معنى آخر، ولم يجوزوا اقتداء الراكع والساجد بالمؤمي، إذ ليس مع الإمام ركوع وسجود يقتدي به فيهما المأموم.
إن قيل: قد أجاز أبو حنيفة رحمة الله عليه هذا القائم بالقاعد مع عدم القيام والركوع مع الإمام، ولم يحتج المأموم في صحة الاقتداء إلى وجود جميع أفعال صلاته مع إمامه، فكذلك يجوز له الاقتداء به مع عدم مثل نيته معه.
قيل له: قد قال: إن القياس الا يجوز، ولكنهم تركوا القياس للأثر، وإذا قلنا: إن القياس ما الزمنا السائل سقط سؤاله، لأن من أصلنا جواز تخصيص الحكم مع وجود العلة وأيضا فإن قوله: (لا تختلفوا على إمامكم وإنما جعل الإمام ليؤتم به يقتضي عمومه لزوم الإنتمام به في جميع أفعاله وترك مخالفته في سائر أركان صلاته إلا ما قام دليله فيخص منه ويبقى الباقي على حكم العموم.
ووجه دلالة التخصيص: أن صحة الاقتداء لا تقتضي المشاركة في القيام بدلالة أن من أدرك الإمام في الركوع صح له الاقتداء به والاعتداد بركعته مع عدم المشاركة في القيام، فلذلك اختلفا.
ودليل آخر للمسألة، وهو ما قدمنا من أن نية الفرض يؤدّي بها النقل ولا يؤدّي نية النقل الفرض، وقد بينا ذلك في الفصل المتقدم، وعلى هذا لم يجوزوا المصلي الظهر الاقتداء بمصلي العصر ولا لمصلي ظهر يوم أن يقتدي بمن يصلي ظهر يوم غيره للعلة التي وصفنا. ألا ترى أن رجلا لو دخل في صلاة ظهر على أنها عليه، ثم تبيّن أنّه قد صلاها أنَّه لا يجوز أن يبني عليها ظهر أخرى، فإن احتج صحيح بما روى قتادة عن سليمان اليشكري انه سال جابر بن عبد الله
عن قصرالصلاة في الخوف في أي يوم أنزل وأين هو؟ قال: انطلقنا نتلقى عير قريش أقبلت من الشام حتى إذا كنا بنخل وذكر الحرث إلى قوله، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجال وأخذ السلاح، ثم نؤدي بالصلاة فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى يحرسونهم، فصلى بالذين يلونها ركعتين وسلّم، ثم تأخر الذين تلونه على أعقابهم، ثم جاء الآخرين فصلى بهم، والآخرون يحرسونهم، ثم سلّم، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان، فيومئذ أنزل الله تعالى قصر الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح، قال ففي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بكل طائفة ركعتين، ثم سلّم، ومعلوم أن الأولين كانتا فريضة والأخريين نقلا، فثبت بالخبر جواز اقتداء مصلي الفرض بالمتنقل.
قال أبو بكر الجواب: أنّه ليس في هذا الخبر دلالة على ما ذكره القائل لاحتماله ضروبا من التأويل بخلاف ما ادعى وذلك أنه يحتمل أن يكون سلامه حينئذ كان غير مخرج له من الصلاة، وإنما كان على وجه الإعلام للطائفة التي معه وقت انصرافها، فلم يكن السلام يقطع الصلاة كما لم يكن يقطعها الكلام على ما روي عن ابن مسعود وأبي سعيد وزيد بن أرقم في إباحة الكلام في الصلاة، فيكون حينئذ قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرضه أربعًا بكل طائفة ركعتين، ثم قضت الطائفتان كل واحدة ركعتين.
فإن قيل: إن ذلك كان في السفر ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتم الصلاة في السفر.
قيل له: في هذا الخبر بيان نزول وقت القصر، وذلك كان جائزا. قال: إن قصر الصلاة نزل ذلك اليوم، فيحتمل أن يكون نزوله بعد فراغهم من الصلاة، إذ ليس في الخبر أن الآية نزلت قبلها، وأيضا يحتمل أن يكون قوله: "سلم" أراد به سلام التشهد كما قيل في خبر آخر، وفي كل ركعتين فسلّم يعني فتشهد.
ووجه آخر، وهو: أن إعادة الفرض كان مباحًا في وقت ثم نهي عن ذلك ألا ترى إلى ما روى عمر بن شعيب عن خالد بن أيمن المعافري قال: كان أهل العوالي يصلّي في منازلهم ويصلّون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين. قال عمر: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق. وعن عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار مولى ميمونة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
نهى أن يصلي فريضة في يوم مرتين، فإذا كانت إعادة الفرض جائزة في بدء الأمر احتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعاد فرضه في حديث جابر بعدما فعله إن صح تسليمه في الركعتين كان على وجه القطع للصلاة، فلما احتمل حديث جابر لما ذكرنا من وجوه التأويل سقط الاحتجاج به علينا فيما اختلفنا فيه، فإن احتجوا بما روى أبو عاصم عن ابن جريح عن عمرو بن دينار عن جابر أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم، وهي له تطوع ولهم فريضة.
قيل له: يحتمل أن يكون ذلك من قول ابن جريح أو عمرو، ويجوز أن يكون من قول جابر، وأنه قال ذلك فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ، إذ لم يحكوه عن معاذ، ومعلوم أن ذلك إنَّما يُعلم من جهة معاذ، لأن ضميره مغيب عنا لا نعلمه إلا بإخباره إيانا، وقد عدم الخبر عن معاذ بحقيقة ذلك لم يصح الاحتجاج به لمخالفنا، ويجوز أن يكون من قال ذلك إنما قاله من جهة الظنّ كما ظنّه مخالفونا، وعلى أن ذلك لو ثبت عن معاذ أنه فعله لم يكن فيه حجة، إذ لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فترك التكبير عليه أو أقره عليه، وإنّما تثبت حجّة فعل الصحابي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا علمه النبي عليه السلام فأقره ولم ينكره ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه لرفاعة بن رافع حين أخبره أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يغتسلون حتى ينزلوا، فقال له: "فأخبرتم للنبي بذلك فرضيه من فعلكم، فأخبر أن فعلهم ذلك ليس بحجة إلا بعد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم اياهم عليه بعد علمه وكما قال سعد بن أبي وقاص: "كان منا من يرمي الجمار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بست ومنا من يرميها بسبع، فلم يكن ذلك حجّة، إذ لم يعوه لما إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم عليه بعد علمه وكذلك الفعل إذا ثبت عن معاذ لم يكن فيه حجّة حتى يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن معاذا كان يصلي بهم تطوعًا، فأقره عليه ولم ينكره، وقد روي في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين شكى إليه تطويل القراءة: (أفتان
أنت يا معاذ، إما أن تخفّف بهم الصلاة أو تجعل صلاتك معنا وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن إبراهيم الحربي أنه كان يقول: ما شيء أدل على أنّ الذي كان يصليه بهم هو الفرض من هذا اللفظ وذلك أنه أشار به إلى صلاته المعهودة، فقال: (إما أن تصليها معنا وإما أن تخفف بهم (الصلاة)، ولو كان يصلّي فرضه مع النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لقوله: (إما أن تجعل صلاتك معنا وجة، إذ قد جعل صلاته معهم قبل ذلك.
ووجه آخر، وهو: أنه يحتمل أن يكون في حال ما كان يجوز إعادة الفرض على النحو الذي بينا في الفصل المتقدم. فإن قيل: لم يكن معاذ ليترك فضيلة الفرض خلف النبي الله عليه وسلم لأجل قومه.
قيل له: أكثر ما فيه أنه صلى بهم تطوعًا وقد ثبت أنه ليس فيه حجّة، إذ لم يعلمه عليه السلام، وأيضا فإن الأفضل كان له الإنتمار لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره بالصلاة بقومه، وصح أنه لا يجوز أن يصلي بهم تطوعًا علمنا أنه كان يصلي بهم فرضا موافقة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر: وأما الكلام على مالك في منعه المتنقل أن يقتدي بمصلي، الفرض، فمن جهة ما روي شعبة عن يعلى عن ابن عطاء عن جابر بن يزيد عن الأسود عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى رجلين لم يصليا في ناحية المسجد فدعا بهما فقال: (ما منعكما أن تصليا (معنا، قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: (فلا تفعلوا إذا صلّى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام وهو يصلي فليصل معه، فإنّها له نافلة)، فقد أجاز في هذا الخبر صلاة المتنقل خلف من يصلي الفرض.
فإن قيل: فأنت لا تجيز لمن كان في مثل هذين أن يصلي مع الإمام بعد الفرض، لأن في الخبر أن ذلك كان في صلاة الفجر.
قيل له: لقيام الدلالة على امتناع فعل النقل بعد صلاة الفجر، وأن ذلك كان قبل حظر الصلاة بعد الفجر إلا أن دلالة الخبر قائمة في جواز صلاة المتنقل خلف مُصلّي الفرض، لأن خبرًا واحدًا قد يتضمن أحكامًا عدة، فينسخ بعضها، ولا يمنع ذلك من استعمال باقي أحكامه، إذ لم يقم الدلالة على نسخه.
ومن الحجة في ذلك أيضا ما روي عبد الله الصامت عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة أو قال يؤخرون الصلاة، قلت يا رسول الله: فما تأمرني، قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلها، فإنّها لك نافلة)، وروى عمرو بن ميمون عن معاذ عن النبي صلى
الله عليه وسلم نحو ذلك، وروى عبادة بن الصامت وقبيصة بن وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، فهذه سنن متواترة قد صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، فلا يصح العدول عنها ولا مخالفتها.
باب المستحاضة والتي لا ينقطع دمها
قال محمد بن الحسن رحمة الله عليه وإذا استحيضت المرأة توضات لوقت كل صلاة.
قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في حكم المستحاضة، فقال قائلون هي بمنزلة الصحيحة لا وضوء عليها للاستحاضة وهو مذهب مالك بن أنس، وقال آخرون تغتسل لكل صلاة، وقال الشافعي رحمه الله تتوضاة لكل صلاة الفرض ولا تتوضا للنقل بعدما توضات للفرض، وقال أصحابنا: تتوضا لكل وقت صلاة ولها أن تصلي بذلك الوضوء ما شاءت من الصلاة ما لم يخرج الوقت. والحجة في إيجاب الوضوء على المستحاضة حديث ابن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش حين استحيضت أن تتوضا لكل صلاة، وروى محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا محمد بن سعد الكاتب قال: حدثني ابن أبي مليكة عن فاطمة بنت أبي حبيش عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالطهر عند كل صلاة، وعن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن أبي مليكة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت ترى الدم فأمرها النبي صلى الله عليه أن تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وعن حجاج عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المستحاضة تتوضا لكل صلاة، وروى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة أن تتوضأ لكل صلاة، وهو قول علي وعبد الله وعائشة وابن عباس وعروة وسعيد بن المسيب ومحمد بن علي وعطاء وأبي سلمة رضي الله عنهم أجمعين، فثبت بهذه الأخبار وغيرها وجوب الوضوء عليها.
فإن قيل: روي في حديث حمنة بنت جحش حين استحيضت سبع سنين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة ولم يكن الغسل واجبًا عليها عندك، بل كان على الندب والاختيار، فكذلك الوضوء.
الجواب: أن حمنة يجوز أن تكون ليست عادتها في الوقت والعدد، وكذلك ينبغي أن يكون من استحيضت سبع سنين
لا تكاد تحفظ أيامها لا سيما في بدء الإسلام مع عدم عادتها، وعادات النساء حينئذ بمراعاة هذه الأحوال، فلذلك أمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاغتسال لكل صلاة، وكذا قال أصحابنا فيمن كانت هذه حالها أنها تغتسل لكل صلاة، ووجدنا الأصول تشهد بخلاف حديث حمنة إذا حمل على ظاهره، لأنا وجدنا وجوب الغسل يمنع قراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد ألا ترى أن الجنب يمنع من هذه الأشياء حتى تغتسل، فلو وجب عليها الغسل لمنعت ما وصفناه، وفي اتفاق الجميع على أن لها أن تفعل ذلك دلالة على زوال الغسل عنها. وأيضا أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه دم عرق، ودم العرق لا يوجب الغسل، فعلمنا أن الأمر بالغسل إنما هو احتياط للحيض على الجهة التي وصفنا.
فإن قيل: لما جاز لها الصلاة مع سيلان الدم دل ذلك أن دمها ليس بحدث، والا وضوء عليها، لأن الوضوء إنما يدفع حدثا متقدما له، ولا يدفع حدثا يأتي من بعد.
قيل له: إباحة الصلاة مع الدم غير دال على الا وضوء عليها كما لم تدل إباحة الصلاة مع الحدث القائم في الرجل عند المسح على الخفين على جواز ترك المسح، وكما لم يدل بقاء الجنابة والحدث مع التيمم على جواز ترك التيمم، فكذلك جواز الصلاة مع سيلان الدم غير دال على سقوط فرض الوضوء.
ومما يدل على صحة ذلك: أنه لا خلاف أن خروج البول يوجب نقض الطهارة، وإذا دام ذلك به لم يخرج ذلك من أن يكون موجبا لنقضها على الوجه الذي كان موجبا لو وجد منه اليسير علمنا أن الذي به سلس البول في حكم من خرج ذلك منه ابتداء في باب وجوب الطهارة، وأنه إنما رخص له في ترك الطهارة ما دام الوقت للمشقة التي تلحقه ولا متناع أداء الصلاة عليه بطهارة تامة، فبقي له حكم الطهارة إلى انقضاء الوقت فإذا انقضى رجع إلى أصل فرضه من إيجاب الطهارة لخروج البول منه.
فإن قيل: إن أكثر هذه الأخبار التي رويتموها في إيجاب الوضوء على المستحاضة لا يصححها أهل النقل. أما حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة فهو مرسل، لأنّ حبيب لم ير عروة، وحديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده ساقط لأنّ جده مجهول لا يُدرى من هو.
قيل له: ليس طريقنا في قبول الأخبار طريق أصحاب الحديث، وليسوا عيّازا علينا فيما يجب قبوله أو ردّه، وإنَّما ينظر في قبول الأخبار التي نقل الفقهاء من السلف وقبولهم لما رووه واستعمالهم، ثم لا يضره الإرسال عندنا ولا كونه مجهولا عند أصحاب الحديث من قبل أنه صار عندنا معروفا عدلا بنقل العلماء حديثه والرواة عندئذ لا سبيل لنا إلى معرفة عدالتهم وصحة نقلهم مع عدم. مشاهدتنا إياهم إلا من جهة نقل أهل العلم عنهم، فكل واحد من هذه الإخبار التي ذكرناها لو انفردت لأوجب الحكم بنفسه على الأصل الذي بينا، فكيف وقد توارت حتى كادت توجب العلم والعمل مع ما عاضدها من استعمال السلف من الصحابة والتابعين لها.
فصل
فأما الحجة في تقدير وضوء المستحاضة بوقت الصلاة، فهو ما روي لنا بإسناد لا يحضرني ذكره في نقض ألفاظ حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (توضئي لوقت كل صلاة)، فرخص لها في فعل الصلاة وقت صلاة كاملا، فثبت أنّ الوقت كلّه رخّصه في جواز الصلاة فيه بذلك الوضوء، وهذا كقوله عليه السلام: (يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها) في جواز استيفاء الرخصة في وقت المذكور.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ألفاظ أخر أنها تتوضا لكل صلاة، وهذا اللفظ أعم في إيجاب الوضوء من الأول، فينبغي أن يكون أولى.
قيل له: يحتمل أن يكون معنى الخبرين واحدًا وأن يكون المراد بهما جميعا الوقت، إذ قد يعبر عن الوقت بالصلاة. ألا ترى أنك تقول: رأيت فلانا صلاة الظهر تريد الوقت، وإذا احتمل ذلك وجب حملها عليه لئلا يبطل فائدة الخبر الذي ذكر فيه الوقت. ألا ترى أن من أوجبه لكل صلاة تعلقه بالوقت البتة ولم يجعل للوقت تأثيرًا فيه فأسقطه بواحدة. فإن قيل: يعبر عن الصلاة بالوقت أيضا، وذلك أنك تقول: "صلاة المغرب" فالمغرب" ههنا هو الوقت، ثم تقول: "صليت المغرب" فيكون المغرب الصلاة نفسها.
قيل له: لا ينكر أن يعبر بالمغرب تارة عن الصلاة وتارة عن الوقت إلا أن الوقت نفسه لا يجوز أن يكون عبارة عن الصلاة. ألا ترى أنك لا تقول صليت "الوقت" كما تقول صليت المغرب"، فلما لم يحتمل قوله لوقت كل صلاة معنى غير الوقت واحتمل قوله لكل صلاة الوقت تازة والصلاة نفسها تارة، وكان حمله على حقيقة الصلاة مؤديا إلى إسقاط اللفظ الآخر على ما لا يؤدي إلى إسقاط الآخر وجب حمله على ما لا يؤدّي إلى إسقاطه وعلى أنه لما صح عندنا بدلائل
أخر وجوب الوضوء بخروج الدم من السبيل، ثم روي هذان الخبران وجب حملهما على إفادة حكم لم يكن استفدناه بغيرهما، فواجب على هذا أن تكون فائدة قوله لوقت كل صلاة تقديزا الرخصة للطهارة بالوقت. وأيضا في خبرنا تارة الوقت في اللفظ فكان أولى، لأنّ الخبرين إذا زويا وفي أحدهما زيادة لفظ فالذي فيه الزيادة أولى. ووجه آخر، وهو: أن اللفظين لو كانا مختلفين متضادين لا يصح حملهما على الوفاق وجب اعتبارهما بالأصول، وكان الذي تشهد له الأصول منها أولى بالاستعمال، وقد وجدنا الأصول شاهدة لصحة قولنا لأنا قد وجدنا رخصة مقدّرة لوقت وهو المسح على الخفين ولم نجد رخصة مقدرة بصلاة.
فإن قيل: هلا كانت المستحاضة في وضوئها كالمتيمم في إسقاط تقدير وضوئها بالوقت، إذ كل واحد منهما يصلي مع الحدث.
قيل له: لا حظ للنظر مع الأثر، وقد بيّنا من جهة الأثر وجوب تقدير الرخصة بالوقت ولو زمنا الفصل بينهما كان الفصل ظاهزا، وذلك أن المستحاضة قد وجد منها حدث بعد الوضوء فلو خلّينا والأصول لأوجبنا عليها الوضوء لهذا الحدث إلا أنها لما ثبتت لها الرخصة من جهة التوقيف وقنا كاملا أثبتناها لها، ولم نوجب على المتيمم حدثا بعد تيممه، والمعنى المبيح له التيمم بدءًا موجود مع مرور الأوقات وهو عدم الماء من غير حدث وجد منه، فلم يجز من أجل ذلك إيجاب إعادته، لأن فيه إيجاب طهارتين من جنس واحد بحدث واحد، وهذا خلاف الأصول. وكذلك إن سلمنا قياس المتيمم على المستحاضة وتقديره بالوقت مثل وضوء المستحاضة أجبناهم بمثل ذلك، وأيضا لزوم تقدير التيمم بالوقت قياسًا على الاستحاضة للعلة التي ذكروا لم يكن حينئذ قياسه على الاستحاضة بأولى من قياسه على المسح على الخفين لأن الحدث لم يرتفع عن الرجل بالمسح بدلالة أنه نزع الخت لزمه غسل الرجل، فثبت بذلك أن بقاء الحدث الذي وقع التيمم من أجله غير موجب لتقديره بوقت وزعم الشافعي رحمه الله أنها إذا توضأت وصلت فرضا أجاز لها أن تصلي ما شاءت من النقل، ولا يجوز لها أن تصلي بذلك الوضوء فرضا آخر، فيقال له: خبرنا عنها بعدما صلّت الفرض هل يخلوا من أن يكون حكم وضوءها باقيًا أو زائلا؟ فإن زال حكم وضوءها وعادت إلى حكم الحدث فغير جائز لها أن تصلي نقلا، إذ لا خلاف أن المحدث لا يجوز له فعل نقل الصلاة في حال حدثه كما لا يجوز له فعل فرضها، وفي اتفاقنا جميعا على جواز فعل النقل لها دليل على أنها في حكم الطاهرات
فإن قيل: قد خفّف أمر النفل بما لم يخفّف به الفرض بدلالة أنّه يبتديء النفل قاعدًا من غير عذر ويصليه في السفر على الراحلة إيماء وإلى غير القبلة، ولا يجوز مثله في الفرض.
الجواب: أنّه إنّما أتيح له فعل النفل على وجه يُباح مثله في الفرض في حال العُذر ألا ترى أنّ الخائف والذي يشتبه عليه القبلة يجوز لهما ترك القبلة، ومن لم يقدر على الركوع والسجود صلّى إيماء، فإنّما خفّف عنه في النفل من حيث جاز مثله في الفرض في حال العذر، ولما لم يكن له في أصل الفرض جواز الصلاة بغير طهارة في حال العذر ولا غيره ثبت أنّ النفل والفرض متساويان فيها، فإذا أجاز لها فعل النفل من غير تجديد الطهارة وجب مثله في الفرض لبقاء حكم طهارتها.
فصل
اختلف أصحابنا في تقدير وقت الرخصة لوضوء الاستحاضة، فقالوا كلّهم إلّا زفر أنّ الرخصة ترتفع بخروج الوقت، وقال زفر بدخول الوقت، ويظهر موضع الخلاف بينهم في الاستحاضة: إذا توضأت بعد طلوع الشمس، فقال زفر يجب عليها الوضوء بدخول وقت الظهر، وقال الآخرون من أصحابنا: يجب عليها بخروج وقت الظهر. والدليل تتوضأ!!!
على حجّة قولهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: المونت كل صلاة، فأوجب بذلك استيفاء الرخصة لها وقت صلاة كامل، ولا يحصل ذلك إلّا بخروج الوقت كما قال عليه السلام: (يمسح المسافر ثلاثة أيّام ولياليهنّ والمقيم يومًا وليلةً)، فأوجب استيفاء الرخصة بكمال الوقتين عند الجميع، فكذلك مثله وقت الصلاة لوضوء الاستحاضة.
فإن قيل: إنّما رخص لها في ذلك وقت صلاة، ومذهبكم هنا يوجب لها الرخصة أكثر من وقت صلاة، وذلك غير جائز كما لا يجوز أن يزيد المسافر والمقيم على الوقت المذكور للمسح.
الجواب: أنّه معلوم أنّه قصد بذلك إلى الوضوء الذي يلزمها الفرض الصلاة، وقد اتفق الجميع على أن لها أن تتوضأ قبل وقت الظهر، وتصلّي به ما شاءت من الصلوات، فعلمنا أنّ ذلك لوضوء رخصة لما يلزمها من صلاة الوقت، إذ لو لم يكن كذلك لما جاز لها أن تصلّي بذلك الوضوء البنّة لوقوعه في غير وقت صلاة، فصح بذلك أنّ ذلك الوضوء إنّما يصح حكمه لما يفعل به من صلاة الوقت بعد دخوله فصار ما قبل الوقت تابعًا للوقت لا حكم له في نفسه، ولو كنا بذلك
مخالفين للخبر كمخالفة من زاد المقيم على اليوم والليلة في المسح والمسافر على ثلاثة أيام ولياليها لكان زفر أشدّ مخالفة له حين أجاز لها الوضوء في غير وقت صلاة مع ورود الخبر مقصورًا على رخصة الوضوء لوقت صلاة. فإن قيل: ما بين طلوع الشمس إلى وقت الزوال وقت الصلاة وهي صلاة العيد فجاز أن يتوضأ له، ويكون ذلك الوقت معتبزا في وضوءها كأوقات سائر الصلوات.
الجواب: إنّ النساء لم يخاطبن بصلاة العيد ورخصة الوقت إنّما ثبتت في وضوء المستحاضة، فلم يدخل وقت صلاة العيد فيها، إذ لم يدخلن في خطابها على أن وقت صلاة العيد إنما هو لليوم الأول والثاني إن تركت على وجه العذر في الفطر، وليس سائر الأيام وقنا لصلاة العيد، فينبغي على هذا الأصل الا تتوضا في غير الأيام التي يُصلى فيها العيد ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، إذ ليس هو وقنا لصلاة العيد، فلما جاز لها أن تتوضا في هذا الوقت مع ما وصفنا دل على سقوط اعتبار وقت صلاة العيد في ذلك، وأن المعنى فيه ما ذكرنا من كونه تابغا لوقت الظهر. ومما يدل على أن رخصة المستحاضة تتعلق بخروج الوقت دون دخوله اتفاق الجميع على أنها إذا توضأت في وقت الفجر انتقض وضوءها بطلوع الشمس، فلو تعلقت رخصتها بدخول الوقت لوجب أن يبقى حكم وضوءها إلى دخول وقت الظهر، وفي ذلك دليل على أن الاعتبار في ذلك بخروج الوقت.
مسألة
قال محمد: وإن توضأت في أول الوقت والدم سائل ولبست خُفيها فأحدثت حدثا غير الدم فإنها تتوضأ وتمسح خفيها، فإذا مضى ذلك الوقت نزعت خفيها وغسلت رجليها وأعادت وضوءها، وقال: زفر: تمسح على خفيها يوما وليلة كالصحيحة الحجّة لما ذكره محمد: إن وضوء المستحاضة وقع مع وجود الحدث، وإنما جعل الوقت رخصة لها في فعل الصلاة مع الحدث لأجل الوضوء المتقدم، فمتى خرج الوقت ارتفعت الرخصة ولزمها الوضوء للحدث الذي كان موجودًا معه فاشتهر من هذا الوجه الماسح على الرجل الخفين إذا خرج وقت مسجه لزمه غسل الرجلين، لأن المسح وقت فكذلك، وضوء الاستحاضة لما قاربه الحدث، ثم ارتفعت الرخصة بخروج الوقت وجب عليها غسل الرجلين، وقد بينا أصول الباب وما بيننا وبين المخالفين فيها من الخلاف وبقي الآن علينا الاحتجاج لمسألة خروج الدم من الجرح، وقد ذكرها محمد في الكتاب ونحن نذكرها بجملة مقيمة دون الاستقصاء فيها، لأنا قد بيناها بها فيها في مسائل الخلاف التي عملناها في الطاهرات والأصل في ذلك أن كل نجاسة خرجت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير فإنها تنقض الطهارة والحجة فيه ما زوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عباس وعائشة أنه كان
إذا رعف في صلاته توضأ وبنى، وفي حديث سلمان رأني النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان سال من أنفى دم، فقال: أحدث لك وضوء أو في حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من القيء، وفي حديث ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاء أحدكم أو قلس فليتوضا ولبين على صلاته ما لم يتكلّم)، وعن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القلس حدث)، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الوضوء من دم الاستحاضة وقال فيه: أنّه دم عرق وليست بحيضة)، فوجدنا الدم الخارج من السبيل الذي وقع السؤال عنه ذا أوصاف، منها: أنه دم، عرق، وأنه دم الاستحاضة، وأنه خارج من السبيل، فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذه الأوصاف في تعليلة غير كونه دم عرق، فعلمنا أن العلة الموجبة لنقض الطهارة هي كونه دم عرق فحيث ما وجد فواجب أن ينقضها، والدم الخارج من سائر البدن دم عرق.
فإن قيل: أن كلامه هذا خرج على سؤالها عن دم خارج من السبيل، فالسبيل مضمر فيه وإن لم يكن ملفوظا به، لأن حكم السؤال أن يكون مضمّنا في الجواب ألا ترى أنه لو قيل لفلان: "عليك ألف درهم فقال: "نعم" كان مقرا بها، وكان خروج كلامه مخرج الجواب منطويا عن السؤال وموجبًا له كذلك ما وصفنا.
قال أبو بكر: خروج الكلام مخرج الجواب وانطواؤه عليه غير مانع صحة اعتبار المعنى الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم في علة نقض الطهارة على الإطلاق، ولا يوجب كونه مقصوزا عليه دون غيره، وذلك لأن أكثر أحواله أن يكون بمثابة من ذكر جميع ما سألته عنه علله بأنه دم، عرق، فلا يمنع ذلك أجزاء العلة على الإطلاق على حسب ما أطلقها. ألا ترى أنه لو ابتدأ فقال: دم عرق المستحاضة فيه الوضوء، لأنه دم عرق لم يمنع ذلك من كون دم العرق علة في ذلك على الإطلاق كما أنه لو قال: (البر) بالبز مثلا بمثل، لأنه مكيل أو مأكول كان معقولا أن العلة التي تعلق بها الحكم كونه مكيلا أو مأكولا دون كونه برا، لأن التعليل به وقع، فكذلك ما وصفنا، وأيضا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الوضوء من المذي لما روي في حديث علي عليه السلام، وثبت أيضا بالسنة واتفاق الأمة وجوب الوضوء من البول والغائط والمعنى في ذلك أنه نجاسة خرجت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وهذا المعنى موجود في سائر النجاسات الخارجة من البدن فوجب أن يحكم لها بحكمه.
والدليل على صحة هذا الاعتبار اتفاق الجميع على عدم نقض الطهارة بخروج الأشياء الظاهرة من البدن كالبزاق والدمع والغرق، واتفقوا أيضا على نقضها بخروج البول والغائط وهما نجسان، فلما وجدنا الحكم متعلقا بخروج النجاسة على الوصف الذي قدمنا موجودا بوجوده ومعدوما بعدمه علمنا أن هذا هو العلة الموجبة لنقض الطهارة، فإن الزمونا على ذلك ظهور النجاسة على رأس الجرح قبل السيلان مع عدم إيجاب نقض الطهارة قلنا لهم: لا يلزمنا من قبل أن من شرط علينا خروجها بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ورأس الجرح لا يلزم تطهيره وإنّما يلزم تطهير مواضع الصحة، فلذلك لم ينتقض به الطهارة حتى يخرج إليها.
فإن الزمونا: القيء وخروجه إلى الفم وهو موضع يلحقه حكم التطهير ولا ينتقض به الطهارة عندنا حتى يملأ الفم. أجبناهم بنحوها ذكرنا من عدم شرط علينا، لأنا قلنا: إنّ العلة خروج النجاسة بنفسها، والقيء غير خارج بنفسه وإنّما أخرج، لأن من شأن هذه السيالات الا تسيل بنفسها إلى فوق وإنما تسيل إلى أسفل، وإذا وجدناها سيالة إلى فوق علمنا أن غيرها أخرجها من ريح أو علة عارضة هناك أخرجتها، فيكون حينئذ بمنزلة الدم يخرج من الجرح بقطن أو غيره، فلا يوجب خروجه على هذا الوجه وضوء وعلى هذا قلنا في البول: إذا ظهر على رأس الإحليل أنه ينتقض به الطهارة، لأنه نجاسة قد خرجت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
فإن قيل: فينبغي على هذا الأصل ألا توجبوا نقض الطهارة بالقيء إذا ملأ الفم، لأنه لم يخرج بنفسه.
قيل له: نحن لم نقل أن كل ما لم يخرج بنفسه على الوصف الذي قدمنا لا ينقض الطهارة، وإنما قلنا: أن كل ما خرج على الوصف الذي قدمنا ينتقض به الطهارة، ولم يوجب نقض الطهارة بالقيء لهذه العلة، وإنما أوجبناه بمعنى آخر، ولا يمتنع اتفاق الحكمين مع اختلاف العلتين كما يقطع يد رجلين أحدهما، لأنه سرق، والآخر لأنه قطع يد غيره، وكما يفسد البيع لأنه بيع ما ليس عند الإنسان ويفسده، لأنه بيع ما لم يقبض ولأنه غرز، فاتفقت الأحكام مع العلل اختلاف
قال أبو بكر: وقد بينا هذه المسألة بحملة كافية لمن وفّق لفهمها، ونرجع الآن إلى بيان فروع الباب على أصولهم، وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله حصر الباب بمعان قريبة يستمر مسائله عليها، وكان يحكي هو وغيره من شيوخنا عن أبي سعيد البرذعي رحمه الله أصولا لهذه المسائل تجري مجرى التوطئة والتقريب على المتعلم، وأنا أذكرها إن شاء الله تعالى بعد فراغي من آخر المسائل على المعنى الذي كان يحصله أبو الحسن، فالذي حصلناه عنه في ذلك أن الباب مبني على معنيين، أحدهما: أن وضوء الاستحاضة ينفع لدم يسيل في الوقت ولا ينفع لدم يسيل في وقت ثان
وأن وضوء الصحيح لا ينفع لدم يسيل بعده، ووضوء الاستحاضة هو الذي يقع على وجهين إما أن يجب بخروج الوقت أو يقع عن سيلان الدم في الوقت. وأما المعنى الآخر، فهو أن ارتفاع الرخصة أو العذر في الصلاة يوجب استئنافها، وارتفاع الرخصة يكون بخروج الوقت، وأمّا ارتفاع العذر فتارة يكون بالبرء وتارة بانقطاع الدم في وقت صلاة كامل. فالدليل على أن وضوء الاستحاضة هو الذي يجب بخروج الوقت أو يقع عن سيلان الدم في الوقت، وأن وضوء الصحيح هو الذي يقع بخلاف ذلك أن طاهزا غير مستحاضة لو توضات ثم استحيضت أن ذلك الوضوء لا ينفعها لدم يسيل في وقتها ذلك، فثبت أن وضوء الرخصة هو الذي يجب عن دم الاستحاضة بخروج الوقت أو يقع عن سيلان الدم. وأما الدليل على أن ارتفاع الرخصة أو العذر في الصلاة يوجب استئنافها ما اتفقوا عليه من أن أمر الماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه وهو في الصلاة أنه لا جائز له المضي عليها، وكذلك عندنا المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة والعاري إذا وجد الثوب ومن في معناها والمعنى في ذلك كله ارتفاع الرخصة ووجوب الوضوء بحدث متقدم للصلاة قد فعل معه هنا منها، وإنّما قلنا: أن انقطاع الدم وقت صلاة كامل يرتفع به العذر، وأنه بمنزلة البرء من قبل أنه | معلوم أن المستحاضة لا يجوز أن يرى الدم سائلا أبدا، وإنما يراه وقنا وينقطع وقنا، ومعلوم أن انقطاعه يوما أو يومين يوجب زوال العذر ويخرجها من حكم الاستحاضة، وأن انقطاعه ساعة لا يوجب زوال العذر ولا يخرجها من حكم الاستحاضة، إذ لا جائز أن تنفك منه، فاحتجنا إلى الفصل بين القليل والكثير، فوجدنا أقرب ما فيه ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في بقاء الطهارة، فجعلنا انقطاعه هذه المدة حدا لارتفاع العذر. ومما يدل على أن انقطاع الدم الوقت اليسير لا حكم له وأنّه مع ذلك بمنزلة دوامه أنّ الطهر اليسير الذي يتخلل الدم في أيام الحيض لا حكم له، ويكون معه بمنزلة اتصال الدم ودوامه.
قال أبو بكر ومسائل الباب مستمرة على هذه المعاني إذا ضبطت، وقد طعن عيسى بن أبان في المسألة الأخيرة من الباب، ولا شبهة في موضع طعنه إذا جرى على هذه الأصول.
مسألة
قال محمد: وإذا كان بالرجل دم سائل لا يرقا توضأ لوقت كل صلاة، فإذا دخل وقت الظهر والدم سائل فتوضأ ثم انقطع الدم بعد الوضوء فقام فصلى الظهر، ثم انقطع الدم حتى دخل وقت العصر فعليه إذا دخل وقت العصر أن يعيد الوضوء إن تم الدم على انقطاعه أو سال.
قال أبو بكر: وذلك أن خروج الوقت أوجب ارتفاع الرخصة فوجب الوضوء للحدث المقنع، لأن خروج الوقت ليس بحدث وأن الوقت متى خرج ارتفعت به الرخصة فيجب الوضوء للحدث المتقدم.
قال محمد فإن توضأ في وقت العصر والدم منقطع، ثم صلى العصر، ثم سال الدم معه ذلك في وقت العصر مضى على صلاته من قبل، وإن سال وهو في الصلاة فليس عليه في هذا الدم وضوء ما دام في وقت العصر، فإن خرج وقت العصر وجب عليه أن يتوضأ للمغرب من قبل أن وضوءه كان وضوء الاستحاضة لوجوبه بخروج الوقت على الحد الذي بينا، فينفع لدم يسيل في الوقت.
قال محمد فإن لم يسل في وقت العصر وتم على انقطاعه حتى دخل وقت المغرب ثم سال، فإنّ على الرجل أن يتوضا ويعيد الظهر ولا يعيد العصر
قال أبو بكر: لأنه لما انقطع وقت صلاة كامل علمنا زوال العذر فصلى مع الحدث مع زوال العذر، فوجبت عليه الإعادة، إذ كان انقطاعه وقت صلاة كامل في باب أن آلة العذر بمنزلة البرء.
فإن قيل: فهل يخلوا هذا الرجل حين صلّى الظهر من أن يكون صلاته جائزة أو غير جائزة، فإن كانت جائزة فينبغي الا يأمروه بإعادتها لأجل دوام انقطاع الدم إلى دخول وقت المغرب، وإن كان غير جائزة فلا ينبغي أن يؤمر بها. والجواب: إنا نقول أنه بعد انقطاع الدم المتروف للحال، فإن تم الانقطاع على وجه يوجب زوال العذر حكمنا بفساد صلاته و أمرناه بالإعادة، وإن لم يتم حكمنا بجوازها، وهذا كما قلنا جميعا في المرأة ترى الدم أول ما رأته فيأمرها بترك الصلاة، فإن تم بها الدم وقتا يكون مثله حيضا على اختلاف الفقهاء في مقدار مدة الحيض حكم كل واحدٍ منهم لها على أصله بحكم الحيض منذ حين ابتدأ بها الدم، وإن انقطع دون ذلك أمرناها بإعادة ما تركته من الصلاة، وحكمنا لها في ذلك الوقت بحكم الطاهرات، فجعل الجميع أمرها مترقبًا في ابتدائه وإن حكموا لها بحكم الحيض في ترك الصلاة، فكذلك نقول في مسألتنا: إن صلاة هذا الرجل محكوم لها بحكم الصحة في الحال، وأمرها مع ذلك مترقب بتمام الانقطاع، ولذلك نظائر كثيرة في الأصول يطول الكتاب بذكرها لو تقصيناها، من ذلك قول الله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَقِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثةِ أَيَّامٍ فِي الْحَج، فلو أنّ المتمتع أحرم بعمرة ثم صام للمتعة أو صام بعدما أحرم بالحج على قول من لا يجيزه إلا بعد إحرام الحج، أن هذا الصوم مترقب فإن لم يجد الهدي، ثم ذلك الصوم وإن وجد الهدي يوم النحر قبل الإحلال بطل الصوم، ونظيره قول الله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَة أشهرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضن، فلو أنّ رجلا طلق امرأته وهي صغيرة وقد دخل بها إن عدتها الشهور، فإن اعتدت شهزا أو شهرين كان ذلك معتدا به من عدنها إلا أنه مترقب، فإن لم تحض حتى استوفت الثلاثة الأشهر كان ما مضى من الشهور عدة، وإن رأت الحيض قبل انقضاء عدتها بالشهور انتقضت الشهور
ولم يعتد بها، وقال الله تعالى: (وَالْمُطلقات يتربَّصن بأنفسهِنَّ ثلاثة قزوع، وقال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَدْرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أشهر وعشرا، فلو أن رجلا طلق امرأته طلاقا رجعيًّا كان عدتها الحيض، فإن مات
عنها قبل انقضاء عدتها انتقلت عدتها إلى الشهور، ونظائر ذلك في الأصول أكثر من أن يأتي عليها.
فإن قيل: فما الفرق بين ذلك وبين الأمة تصلي ورأسها مكشوف واضعة القناع، ثم أعتقت في الصلاة أنها تأخذ القناع وتبني، وكذلك المجتهد في القبلة إذا تبين له في الصلاة جهة غيرها توجه إليها وبنى.
قيل له من قبل أنّ الأمة لم يلزمها فرض الستر إلا في الحال، ولم يكن قد تقدم عليها فرض الستر فانتقلت إليه بالعتق وأشبهت ما روي في أهل قباء أنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فأتاهم آت فأخبرهم أنّ القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا إليها ولم يستأنفوا الصلاة، فصار ذلك أصلا في نظائره. وأما المستحاضة والمتيمم والماسح على الخفين فقد كان فرض الطهارة لازما [له]، وإنّما أبيح لهم تركها للعذر، فمتى ارتفع العذر عادوا إلى أصل فرضهم، وقد فعلوا معه جزءًا من الصلاة فقصدت صلاتهم، ولا نعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في أن خروج وقت المسح في الصلاة يوجب استئنافها فرددنا عليه نظائره. وأما المجتهد إلى القبلة إذا تبين له خلاف الجهة التي توجه إليها ولأنه قد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يبطل الاجتهاد الأول بمثله، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقضي بقضية، ثم يرى خلافها فلا يبطل الأولى ويستأنف الأمر في المستقبل بما يراه، وروي عن جماعة من الصحابة نحو ذلك، فدل ذلك على صحة ما ذكرنا.
قال محمد: فإن انقطع الدم بعدما صلى ركعتين من الظهر كان بهذه المنزلة.
قال أبو بكر: وذلك لأن زوال العذر في الصلاة كهو قبلها ألا ترى أنّه لا فرق بين وجود الماء للمتيمم قبل دخوله في الصلاة وبعده قبل الفراغ منها، وكذلك الماسح على الخفين لا فرق بين خروج وقت مسحه قبل دخوله في الصلاة، وبينه بعد الدخول فيها قبل الفراغ منها فيما يوجب من إفساد صلاته.
قال محمد ولو توضأ في وقت الظهر والدم سائل وصلى الظهر، وفرغ منها وهو سائل ثم انقطع وقت صلاة كامل أو برأ لم يلزمه إعادة الظهر.
قال أبو بكر: وذلك لأنّ زوال العذر وارتفاع الرخصة بعد الفراغ من الصلاة لا يوجب فسادها كالمتيمم إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة والماسح على الخفّين إذا خرج وقت مسحه بعد فراغه منها.
مسألة
قال محمد: وإذا استحيضت المرأة فدخل وقت العصر والدم سائل فتوضأت ثم انقطع الدم، فقامت تصلّي العصر فصلت ركعتين، ثم دخل وقت المغرب فإنّها تعيد الوضوء والصلاة، وذلك لأنّ خروج الوقت أوجب ارتفاع الرخصة، وقد كان الحدث متقدمًا للصلاة، وقد فعل معه جزءًا منها ففسدت صلاته كما قلنا في الماسح والمتيمم. ويدلّ على ذلك أيضًا قولهم في المحدث في الصلاة: إذا وقف ساعة بعد الحدث فسدت صلاته، لأنّه قد فعل مع الحدث جزءًا من الصلاة، فكذلك مسألتنا لما لزمنا الوضوء لحدث كان قبل الصلاة، وقد فعلت جزءًا من الصلاة لزمها استئنافها.
معنى قد نص محمد على خلافه.
فإن قيل: فقد قال محمد في الكتاب إنّ الوضوء وجب عليها بدخول الوقت، وأنت تقول: لم يجب بدخول الوقت، وإنّما وجب بالحدث المتقدّم، فكيف يصح لك بناء المسألة على قيل له: أن محمدًا يتساهل في العبارة اكتفاء بمعرفة من وضع له الكتاب ممن عرف أصوله ولم يضع الكتاب للمبتديء ولمن لم يقع له ارتياض بمسائله، وعلى أن معنى محمد الذي ذكره الذي ذكره غير مخالف لما قلنا، لأنّه لا يجوز أن يريد وجب عليها الوضوء لخروج الوقت للحدث المتقدّم، فيكون المعنيان جميعًا صحيحين.
قال محمد: ولو دخل وقت العصر ودمها سائل ثم انقطع فتوضأت والدم منقطع، ثم صلّت ركعتين من العصر ثم دخل وقت المغرب فإنّها تمضي على صلاتها ولا تعيد الوضوء.
قال أبو بكر: لأنّ وضوئها كان صحيحًا ولم يكن هناك رخصةً مقدّرة بالوقت، فيُعتبر خروجه من أجلها.
قال محمد فإن سال الدم بعد دخول وقت المغرب وهى فى الصلاة توضأت ومضت على صلاتها.
قال أبو بكر: إنّما وجب عليها الوضوء بسيلان الدم في وقت المغرب، لأنّ الوضوء الواقع في وقت العصر، وإن كان وضوء الاستحاضة فإنّه غير نافع لدم يسيل في وقت ثانٍ وإنّما ينفع لدم يسيل في الوقت الذي وقع فيه، فلما دخلت في
الصلاة وهي طاهرة ودخل وقت المغرب ثم سال كان هذا حدثا مبتدأ.
قال أبو بكر والحجّة في جواز البناء لمن سبقه الحدث في الصلاة الآثار التي تقدّم ذكر بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته، وفارق هذا المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة من جهة أنّ وجود الماء يرفع رخصة التيمم، فيجب الوضوء حينئذ للحدث المتقدم وقد فعل معه جزءًا من الصلاة فتفسد صلاته كما قالوا جميعًا في الماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه في الصلاة. وأما الحدث فهو معنى طارئ في الحال لا يتعلّق حكمه بما قبله، وإنّما وجب به حكم مبتدأ، ونظير المتيمم من المحدث أن يبقى على حال صلاته ساعةً بعد الحدث فتفسد صلاته، لأنّه قد فعل مع الحدث جزءًا من الصلاة.
قال محمد ولو كانت المرأة توضأت في وقت العصر بعدما انقطع دمُها فصلت ركعتين ثم سال الدم ثم دخل وقت المغرب فإنّها تعيد الوضوء والصلاة، وذلك لأنّ الوضوء المتقدّم للسيلان لما كان نافعًا له، وكان الوقت رخصةً فيه لم يلزمها الوضوء به، فلما خرج الوقت ارتفعت الرخصة فلزمها الوضوء للحدث المتقدّم الذي قد فعل معه جزءًا من الصلاة فلزمها استئنافها ولم يجزأ البناء عليها.
مسألة
قال محمد وإذا استحيضت المرأة فدخل وقت الظهر ودمها سائل فتوضأت وصلت، ثم انقطع عنها الدم حتى دخل وقت العصر توضأت والدم منقطع، فلما فرغت من وضوءها سال الدم فليس عليها أن تعيد الوضوء، هذا على ما قدّمنا من أنّ الوضوء إذا وجب بخروج الوقت كان وضوء الاستحاضة وينفع لدم يسيل في الوقت، وهذه صفة هذا الوضوء المفعول في وقت العصر.
قال محمد ولو كانت توضأت في وقت الظهر والدم سائل وصلت، ثم انقطع الدم ثم أحدثت حدثًا غير الدم فتوضأت لحدثها والدم منقطع، ثم دخل وقت العصر والدم منقطع فليس عليها أن تتوضأ للعصر.
قال أبو بكر: وذلك أنّ وضوءها كان صحيحًا ولم يكن وضوء الاستحاضة فلم يجب عليها أن تتوضأ للعصر. قال أبو بكر: وذلك أنّ وضوءها كان صحيحًا ولم يكن وضوء الاستحاضة فلم يجب اعتبار الوقت في ارتفاع الرخصة إذ لم يكن هناك رخصة في دم سائل منها.
قال محمد فإن توضأت للعصر والدم منقطع ثم سال الدم فعليها أن تتوضا ولا ينفعها ذلك شيئا. قال: وكذلك لو كانت أحدثت حدثاً غير الدم في وقت العصر فتوضات لذلك الحدث، فلما فرغت من وضوءها سال الدم فإن عليها أن تتوضا مرة أخرى.
قال أبو بكر: وحكي عن عيسى بن أبان أنّه قال: ينبغي ألا يكون عليها وضوء حتى يخرج وقت العصر، وذهب في ذلك إلى أن انقطاع الدم إذا لم يكن وقت صلاة كامل فلا حكم له، فوجب أن يكون الوضوء الواقع في خلال ذلك بمنزلة وضوء الاستحاضة [كما أن انقطاع دم الحيض الوقت اليسير لا حكم، ويكون مع ذلك بمنزلة من ترى الدم متصلا.
قال أبو بكر وجواب محمد صحيح على الأصل الذي قدمنا لا يجوز غيره، وذلك أن وضوءها في هذه المسألة كان وضوء صحيحًا لخلوة من الوجهين اللذين ذكرنا من صفة وضوء الاستحاضة ألا ترى أنه لم يجب لخروج الوقت ولا عن سيلان الدم، ولا يجوز أن نجعلها مستحاضة في وضوء قد وقع صحيحًا لم يوجبه دم الاستحاضة لدم يوجد بعد الوضوء ألا ترى أنها لو كانت غير مستحاضة فتوضات وهي طاهر للحدث، ثم استحيضت في الوقت لزمها الوضوء لسيلان الدم، ولا ينفعها الوضوء المتقدم للدم وإن كان في الوقت لأنه لم يقع عن الاستحاضة، فكذلك هذه المرأة لما لم يقع وضوءها للاستحاضة، إذ لم يكن موجبًا عن دم الاستحاضة لم ينفعها الدم يسيل في الوقت.
فإن قيل: يجب أن يعتبر الدم الموجود كان في وقت الطهر في هذا الوضوء فنجعله وضوء الاستحاضة لأجل الدم الموجود في وقت الظهر والدم الموجود بعد الوضوء في وقت العصر.
قيل له: لا يجوز أن نجعلها مستحاضة في وضوء قد وقع منها صحيحًا في وقت العصر لدم كان في وقت الظهر لم تقع طهارة الوقت له، وإنما يكون الوضوء الواقع في وقت العصر وضوء الاستحاضة إذا كان موجبا عن سيلان كان في وقت الظهر. فأما إذا لم يقع على هذا الوجه ولا كان السيلان موجودا معه أو قبله في وقت العصر لم يجز أن يحكم له بحكم وضوء الاستحاضة، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن ينفع الوضوء الواقع في وقت الظهر لدم يسيل في وقت العصر، فلما بطل هذا ثبت أنها بمنزلة امرأة طاهر توضأت ثم استحيضت في الوقت، فلا ينفعها ذلك الوضوء شيئًا.
قال أبو بكر: قلت لأبي الحسن: أليس لو توضات في وقت الظهر والدم سائل ثم انقطع الدم فصلت والدم منقطع وتمّ الانقطاع بها حتى دخل وقت المغرب أنها تعيد الصلاة، ولو سال في وقت العصر لم تعد فقد صارت في حكم المستحاضة في الصلاة المفعولة في وقت الظهر لدي وجد منها في وقت العصر، فما أنكرت من اعتبار حكم الدم الموجود في وقت الظهر من أجل سيلانه في وقت العصر في مسألتنا، فأجاب أنّ هذه قد كانت مستحاضة في وقت الظهر لوجود الدم فيه،
ولم نجعلها مستحاضة فيه لأجل وجود الدم في وقت العصر، وإنما فرقنا بين وجود الدم في وقت العصر وعدمه فيه في إيجاب إعادة الظهر، فلما انقطع وقت صلاة كامل كان ذلك موجبا لكونها مؤداة على غير عذر، وإذا لم ينقطع وقت صلاة كامل كانت مؤداة على عذر، وإنّما وقع الفرق من جهة إعادة الصلاة أو غيرها لا من جهة أنهم جعلوها مستحاضة في وقت لدم وجد في وقت آخر غيره. وأما في مسألتنا فإنَّك تريد أن تجعلها مستحاضة في الوضوء الواقع في وقت العصر، وإن لم يجب عن دم كان في وقت الظهر لأجل وجود الدم في وقت الظهر، فأسقطت عنها الطهارة للدم الموجود في وقت العصر بعد الوضوء وهذا لا يجوز.
قال أبو بكر: وأما ما يحكونه عن أبي سعيد البرذعي في تحصيل معاني الباب فهو أن الوضوء وضوان: وضوء تام ووضوء ناقص، فالوضوء التام لا ينتقض بدخول الوقت وينتقض بسيلان الدم، والوضوء الناقص ينتقض بدخول الوقت ولا ينتقض بسيلان الدم، فالوضوء التام وهو وضوء الصحيحة التي ليست بمستحاضة ووضوء المرأة التي انقطع دمها في وقت الظهر فتوضأت بعد ذلك ثم دخل وقت العصر فلم يكن يجب عليها الوضوء بدخول الوقت، لأن وضوءها كان تاما، فإن توضأت في وقت العصر ثم سال الدم أو لم تتوضأ وجب عليها الوضوء للسيلان لما بينا من أن الوضوء التام لا يقع لدم يسيل بعده وأما الوضوء الناقص فإن تتوضأ للظهر والدم سائل ثم انقطع عنها الدم ثم دخلت في الصلاة ثم سال الدم فلا ينتقض وضوءها، وإن دخل وقت العصر انتقض وضوءها بدخول الوقت.
قال: والانقطاع انقطاعان: انقطاع تام وانقطاع، ناقص والانقطاع التام يرفع الوضوء الناقص نظير ذلك انقطاعه وقت صلاة كامل فتعيد صلاتها التي صلتها بعد الانقطاع، والانقطاع الناقص لا يرفع الوضوء الناقص ولا يُبطل حكمه، لأنه لو انقطع أقل من وقت صلاة لم يبطل حكم ذلك الوضوء والانقطاع الناقص يضر الوضوء التام ولا يضر الوضوء الناقص كما قلنا في مستحاضة توضات للظهر ودمها منقطع ثم أحدثت في وقت الظهر وتوضات للحدث والدم منقطع فهذا وضوء تام وإن سال الدم في وقت الظهر انتقض الوضوء فقد صار الانقطاع الناقص يضر الوضوء التام، لأنه لو لم يكن الدم منقطعا لنفعها الوضوء لدم يسيل بعده، ولو كانت توضأت للظهر والدم سائل ثم انقطع ثم صلت ركعتين وسال الدم مضت على صلاتها فلم يضر الانقطاع الناقص الوضوء الناقص.
باب من السجدة
قال أبو بكر: يستدل شيوخنا على وجوب سجدة التلاوة بقوله سبحانه: (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ فدمهم على ترك السجود كما ذمّهم على ترك الإيمان، ولا يستحق الذم إلا بترك الواجبات، ولو خُلّينا وظاهر الآية لوجب السجود عند قراءة القرآن أي موضع قرئ منه إلا أن الأمة لما اتفقت على اتقاء وجوب السجدة فيما
عدا مواضع السجود من القرآن وجب استعمال حكم الآية في مواضع السجود ليحصل لنا استعمال الآية على وجه، لأنّا لو لم نوجب السجود في حال أصلا عند قراءة القرآن كان في ذلك إسقاط حكم الآية وما يضمنه من إيجاب السجود.
فإن قيل: إنّما خرج الوعيد على الكفار لأجل تركهم الإيمان لا لأجل السجود، فحسب.
قيل له: لو لم يكن بترك السجود مذموماً لما قرنه إلى ترك الإيمان عند التعنيف والذم ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلْهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ الآية لما قرن مع الشرك ما ذكر من الأفعال أفادنا بذلك ذمّ فاعل ما قرنه إليه وإن لم يكن مشركًا. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الآية يقرن مخالفة الإجماع إلى ذكر "مشاقة الرسول"، فدل ذلك على ذمّ تارك إجماع الأمة وإن لم يكن كافرًا مشاقًا.
فإن قيل: يعني بقوله: {لَا يَسْجُدُونَ} "لا يخضعون"، لأنّ السجود في اللغة الخضوع والاستكانة، وذلك واجب على كلّ أحدٍ عند سماع القرآن.
قيل له: أنّ السجود في الشرع لعمري هو الخضوع إلّا أنّه خضوع على وصف متى خرج عنه لم يسم سجودًا. ألا ترى أنّ الركوع والقيام والصوم والصلاة وسائر العبادات خضوع ولا يُسمّى سجود ا من حيث كان خضوعًا، فثبت بذلك أنّه خضوع على وصف وهو وضع الجبهة على الأرض، وأصله في اللغة من قولهم "سجد البعير" إذا وضع جرانه بالأرض، فقد أفادتنا الآية وجوب هذا الضرب من الخضوع، فينبغي أن يأتي به على الوصف المأمور به. ويدل على وجوبها قوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ الآية، وعمومه يقتضي وجوبها بسماع جميع آيات القرآن، فلما اتفقوا على نفي وجوب السجدة عند تلاوة سائر القرآن ما عدا مواضع السجود وجب استعماله في مواضع السجود.
فإن قيل: هذا وجه الندب.
قيل له: لما قرنه بالإيمان وترك الاستكبار دلّ على وجوبه ويدلّ عليه أيضًا قوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا، ثم قال في سياقه: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْت أَضَاعُوا الصَّلَاةَ، وذلك راجع في الظاهر إلى ما تقدّم ذكره من السجود، فدل على وجوبه لاستحقاق والذم بتركه، فإن قيل: إنّما أراد به الصلاة نفسها.
قيل له أراد أنّ السجود المذكور بعينه، وهو يسمّى صلاة من وجه إذا كان من أفعال الصلاة كما يسمّى الصلاة على الجنائز صلاة وإن كان ركنًا واحدًا من أركانها. ومن الدليل على وجوبها: ما رُوي عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ وَالنَّجْمِ فسجد معه المسلمون والمشركون إلّا شيخًا من قريش أخذ كفَّا من تراب فوضعه على جبهته، ولقد رأيته قتل كافرًا، وهذا على وجه الذمّ له عند ترك السجود، ومعلوم أنّ النوافل لا يستحق تاركها الذم. فدل ذلك على أنّه علم وجوبها من جهة التوقيف، لأنّ ما كان طريقة الاجتهاد لا يلحق تاركه الوعيد فيه، وهذا الضرب من الذم نظير قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ليَوْمٍ يَلقونه
قال أبو بكر: ومما يدل على وجوبها من طريق النظر اتفاق الجميع على إباحة فعلها في الصلاة لتاليها، ولو كانت نفلا ما أبيح له فعلها فيها لاتفاقهم جميعًا على أنّه محظور عليه أن ينتفل بزيادة سجدة في الصلاة فلو كانت سجدة التلاوة نفلا ما أبيح لتاليها في الصلاة فعلها.
فإن قيل: ما أنكرت أن يكون إنّما أبيح له فعلها في الصلاة من حيث كان سببها الذي من أجله ندب إلى فعلها مفعولا في الصلاة
قيل له: إن لم يكن السبب موجبًا لها فلا فرق بين وجوده وعدمه في إباحة، فعلها، لأنّ السبب الذي لا يتعلّق به حكم الوجوب لا يبيح فعل المنهي عنه، إذ كان لو فعل كان مفعولاً على وجه الندب.
فإن قيل: لما لم يكن السبب الموجب لها واجبًا وجب ألا يكون واجبةً.
قال أبو بكر: هذا لا معنى له، لأنّ الندب سبب ليس بواجب، ومع ذلك يوجب المنذور به وسجدتا السهو واجبتان، وسببهما وهو السهو غير واجب. وكان أبو الحسن يقول: إنّما سبيل سجدة التلاوة عندنا في سبيل الوجوب سجدتي السهو.
فإن قيل: إذا كان لتاليها راكبًا فعلها بإيماء دلّ ذلك على أنها غير واجبة.
قيل له: لو افتتح الصلاة راكبًا لزمته بالافتتاح، ويجوز له أداؤها بالإيماء، فبطل أن يكون جواز فعلها بالإيماء دلالة على نفي وجوبها، ولو قال رجل: "الله" علي أن أصلي ركعتين راكبًا" إنما الزمناه بالنذور، ولم يكن جواز أدائها راكبًا دلالة على عدم وجوبها إذا تلاها خارج الصلاة.
قيل له: لما ثبت أسباب الصلاة كانت واجبة فيها، ولا يدلّ ذلك على وجوبها إذا تلاها خارج الصلاة.
قيل له: لما ثبت وجوبها إذا ثليت في الصلاة ثبت وجوبها وإذا تليت في غيرها، لأن أحدا لم يفرق في وجوبها بين تلاوتها في الصلاة وخارجها عنها، ولأن كل من أوجبها في غيرها ومن لم يوجبها في غير الصلاة ولم يوجبها فيها. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه لو ترك فعلها في الصلاة حتى خرج منها لم يلزمه قضاؤها ولم يفسد الصلاة بتركها فانتفى بذلك وجوبها، لأنا وجدنا السجدة من صلب الصلاة لما كانت واجبة فسدت صلاته بتركها.
قال أبو بكر الجواب إنا لم نقل إنّها تصير من فروض الصلاة بتلاوتها فيها حتى يلزمنا هذا السؤال، وقد يكون الشيء واجنا في الصلاة، ثم لا تفسد الصلاة بتركه إذا لم يكن من فروضها كترك القعدة في الثنتين والتشهد وترك سجود السهو وأما سقوطها بالخروج من الصلاة فغير مانع من وجوبها، لأن سجود السهو يسقط بالترك، ولا يدل ذلك على أنه غير واجب وصلاة العيدين واجبة وتسقط بالترك، ولا يدل ذلك على عدم وجوبها.
فإن قيل: روى أبو داود السجتاني في السنن حديثا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوما آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس فقال عليه السلام: (إنّما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود)) فنزل فسجد وسجدوا، وفي ذلك دلالة على أنها ليست بواجبة، لأنه أخبر أن سجوده كان لأجل أنهم تأهبوا للسجود. وعن زيد بن ثابت قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وَالنَّجْم فلم يسجد أحد من، وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأها على المنبر مرة يوم
الجمعة فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأها الجمعة الأخرى فتأهبوا للسجود، فقال عمر: "على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن يشاء فقرأها ولم يسجدها ومنعهم أن يسجدوا.
قال أبو بكر: أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم فليس فيه دلالة على نفي الوجوب، لأن قوله: (إنّها توبة نبي) لا يمنع وجوبها وأما قوله: (ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود) ونزل وسجد وسجدو" فإنّ ظاهرة يقتضي أن يكون سجوده في تلك الحال إنّما كان لأجل تأهبهم للسجود، فإن أراد ذلك فليس فيه دلالة على نفي وجوبها، وإنما فيه دلالة على جواز تأخيرها وليس في جواز تأخيرها دلالة على نفي الوجوب، لأنّ الواجبات قد يجب وجوبا موسعا ويكون الإنسان مخيزا في تأخيرها فلا ينفي ذلك وجوبها. وأما حديث زيد فليس فيه أكثر من تركها في الحال، وقد بينا أن التأخير لا ينفي الوجوب وأما حديث عمر فيجوز أن يكونوا لما تأهبوا للسجود في الجمعة الأخرى رأى ضيقا في الموضع فكره أن يشق عليهم يدل على ذلك أنه قال: "منعهم السجود"، وليس من قول أحد المسلمين المنع من السجود عند التلاوة، فعلمنا أنه إنما أباح لهم تركها في الحال للمشقة، ويحتمل أن تكون التلاوة كانت منه في وقت الزوال الذي لا يجوز فيه فعل الصلاة فكره فعلها في ذلك الوقت، ولذلك منعهم من فعلها.
فإن قيل: إنَّه كان في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لا تفعل قبل الزوال.
قيل له: ليس في الخبر أنه قرأها يوم الجمعة على المنبر، وقد كان عمر وغيره من الخلفاء رضي الله عنهم يخطبون خطبا آخر غير الواجبات تارة للوعظ والتذكير وتازة لحوادث يحدث، ويحتمل أن تكون كانت تلاوته لآخر الحج، فظن الناس أنه موضع سجدة، ولم يكن يراه هو سجدة على ما نقوله نحن وأما قوله: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن يشاء" ففيه الدليل على وجوبها من قبل أنه أخبر أنا متى شيئا كانت مكتوبة علينا، ومعلوم أن الفروض لا يتعلق وجوبها بمشيئتنا، فلم يبق لقوله وجه إلا أن يريد أن سببها وهو التلاوة موكول إلي مشينتنا في أن يفعله، فيجب علينا حينئذ ألا ترى أنه لو تلاها وأراد أن يجب عليه بالتلاوة لم يجب عند القائلين بأنها نقل وأنه متى فعلها نقلا: عندهم أن تعلق الوجوب بالمشيئة إنّما هو من جهة أنا متى شئنا تلونا فيلزمنا فعلها. وقد رُوي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن عزائم السجود أربع الم تنزيل وحم و السجدة و و النجم واقرأ باسم ربك والعزائم الواجبات.
فإن قيل: لما تعقبنا جميعا على أن تكرارها في المجلس الواحد لا يوجب الثانية علمنا أنها ليست بواجبة، لأنها لو كانت واجبة لما جاز الاقتصار على واحدة ولوجبت الثانية بوجود سببها، فلما لم يجب الثانية علمنا أن التلاوة ليست بسبب للوجوب.
قيل له: السهو الكثير ينوب عنه سجدتان، ولم يدل ذلك على أن السهو ليس بسبب لوجوب سجود السهو، وكذلك الأحداث الكثيرة لا يجب لها إلّا طهارة واحدة، ولم يدل ذلك على نفي وجوب الطهارة بالحدث، وكذلك الجنائز الكثيرة يكتفي فيها بالصلاة الواحدة، ولم يدل ذلك على نفي وجوب الصلاة على الواحدة إذا انفردت.
مسألة
قال محمد وإذا قرأ الرجل سجدة واحدة في مجلس واحدٍ مرازا فإنَّما عليه أن يسجد لذلك سجدة واحدة.
قال أبو بكر: كان أبو الحسن رحمه الله يحتج في ذلك بحصول الإجماع على أن الثانية غير واجبة، لأن الناس في وجوب السجدة على قولين منهم من لا يوجبها أصلا لا الأولى ولا الثانية، ومنهم من يوجب الأولى ولا يوجب الثانية، فقد حصل من اتفاق الجميع أن الثانية ليست بواجبة.
فإن قيل: إنّما حصل الإجماع في الثانية بقولك: "أنها ليست بواجبة ولو سبب لقلب أنها واجبة عليه فكنت خلافًا، فهلا أوجبت الثانية لوجود سبب الإيجاب على أصلك.
قيل له: على أي وجه حصل الإجماع فهو حجّة، وقد روي عن جماعة من السلف أنّ الثانية لا يجب لها سجدة أخرى في المجلس الواحد منهم أبو عبد الرحمن المسلمي وإبراهيم النخعي والشعبي وغيرهم هذا مع حصول الخلاف بين السلف في وجوب السجدة في الأصل، فلمّا كان كذلك وحصل الإجماع من السلف في الثانية على ما وصفنا جاز لنا ترك القياس فيها لو كان يوجبها.
قال أبو بكر: ودليل آخر، وهو أنه معلوم بما قدمنا من الكلام في وجوب السجدة أن السماع سبب لوجوبها، وكذلك التلاوة على الانفراد ألا ترى أن إنسانا أصم لو تلا سجدة لزمته وإن لم يسمعها، وأن من سمعها ولم يتلها لزمه فعلها لم اتفق المسلمون على أنّ التالي إذا كان سامغا لما يتلوه لم تلزمه سجدتان. وكان المعنى فيه عندنا و وجود السببين في مجلس واحد السجدة واحدة، فوجب اعتبار ذلك فيما وصفنا، وهو أن الأسباب الموجبة للسجدة الواحدة إذا جمعها مجلس واحد لا يوجب إلا واحدة وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بالسهو الكثير إذا وقع في صلاة واحدة أنه ينوب عنه
سجدتان وسببه المكان الواحد بالصلاة الواحدة والمعنى الجامع بينهما ما تعلّق من الحكم في الأصول بالمجلس الواحد
كما تعلّق بالصلاة الواحدة ألا ترى أن المخيرة يتعلّق خيارها بالمجلس وكذلك خيار السوم وخيار عتق الأمة.
فإن قيل: السهو الواقع من أجناس مختلفة لا يوجب إلا ما يوجبه لو كان من جنس واحد، وقلت في السجدتين المختلفتين: يسجد لكل واحد منهما، وإن ضمهما مجلس واحد فبطل الاستدلال بسجود السهو لمخالفة حكم الفرع فيما يوجبه
قيل له: إنّما خالف حكم السهو حكم التلاوة من جهة أن السهو وإن اختلف مكانه فهو في الحكم كأنه من جنس واحد، لأن المعنى فيه ترك بعض موجب التحريمة في موضعه وهو غير مختلف من هذا الوجه. وأما التلاوة فإنّ لكل آية منها في نفسها حرمة فاختلف أحكامها من أجل ذلك، فاشتبه من هذا الوجه المجلسين والصلاتين من حيث تعلّق بكل واحدٍ منهما حكم غير حكم صاحبه، وإنما تعتبر الأفعال باختلاف أحكامها لا باختلافها في أنفسها، فما اتفقت أحكامها
منها حكم لها بحكم واحد، وما اختلف أحكامها حكم لها بحسب ذلك، واعتبر كل واحد على حياله.
قال محمد ولو قرأها في مجلس فلم يسجدها حتى ذهب من ذلك المجلس ثم عاد فقرأها سجد سجدتين.
قال أبو بكر: التلاوة سبب للوجوب، فمتى ما وجدت فحكمها أن توجب إلا أن يجتمع السبيان في مجلس واحد في السجدة الواحدة، فيكون موجب الثانية هو موجب الأولى على حسب ما أقمنا من الدلالة عليه، فإذا أعادها مرتين في مجلس كان موجب الثانية غير موجب الأولى.
قال محمد ولو قرأها وهو جالس فسجدها ثم قام في مكانه ذلك فقرأها وهو قائم لم يكن عليه إلا سجدة واحدة. قال أبو بكر وذلك لحصولهما جميعا في مكان واحد ولأن القيام لا يقطع حكم التلاوة وحكم المكان من هذا الوجه ألا ترى أن حكم الصلاة تارة يتعلق بالانتقال من حال القعود إلى القيام وتارة بالانتقال من حال القيام إلى القعود، وليس من حكم الصلاة الانتقال من مكان إلى مكان آخر إلا للعذر، وقد كنا شبهنا فيما سلف المكان الواحد بالصلاة الواحدة، فلما وجدنا تغير الأحوال فالمصلي على الوجه الذي ذكرنا غير قاطع لحكمها، ولم نجد الانتقال من مكان إلى مكان من أحوال الصلاة، كذلك قلنا: إنّ الانتقال من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود غير قاطع لحكم المجلس في سجدة التلاوة، ويقطعه الانتقال من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود، وغير قاطع لحكم المجلس في سجدة التلاوة ويقطعه الانتقال من مكان إلى مكان.
قال أبو بكر: وليس هذا كالمخيرة إذا قامت فيبطل خيارها من قبل أن التخيير يقتضي منها جوابًا، فكلما فعلته مما يدل على الإعراض عن الجواب فهو مبطل الخيارها، ولم يتعلق حكم السجدة بالمجلس من حيث اقتضت جوابا، فلذلك اختلفا.
قال محمد ولو قرأها وهو جالس فسجدها ثم قام في مكانه ذلك فدخل في صلاة فقرأها كان عليه أن يسجدها، وذلك لأنهما وإن كانتا متلوتين في مجلس واحد فإنّ الثانية قد أوجبت زيادة فضيلة لا يمكنه فعلهما إلا بفعل السجدة بكمالها فوجب عليه إعادتها ووجه زيادة الفضيلة أنّ السجدة المتلوة في الصلاة أفضل منها في غيرها إذا كانت من أفعال الصلاة كما أن قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها في غيرها.
فإن قيل: فهلا أجزات المتلوّة في الصلاة إذا فعلها فيها عما يتلوه في مكانه بعد الخروج منها.
قيل له: عن أصحابنا في هذا روايتان أحديهما أنه لا يسجدها، والأخرى أنه يسجدها، ولكل واحد منهما وجه محتمل، فوجه الرواية التي لا توجب الإعادة أنهما متلونان في مكان واحد، وقد فعل الأفضل منهما وهي التي في الصلاة، ووجه الرواية الأخرى أن المتلوة في الصلاة لا يصح بقاء حكمها بعد الخروج منها ألا ترى أنه لو تلاها في الصلاة فلم يسجدها حتى خرج منها سقطت عنه فصارت المتلقوة خارج الصلاة كالسجدة المبتدأة.
قال محمد فإن لم يكن سجدها أولا حين تلاها حتى قام فدخل في الصلاة ثم تلاها أجزائه سجدة واحدة لهما جميعا. قال أبو بكر: وذلك لأنّ دخوله في الصلاةلا يبطل حكم المجلس فكان حكم الأولى قائما فجاز أن تنوب المفعولة في الصلاة عنها، لأن الأولى قد انتقلت إلى الصلاة من أجل إعادتها فيها في المكان الواحد، لأن الثانية لم توجب إلا ما أوجبته الأولى لاجتماعهما في مكان واحد فصارت الأولى كأنها متلوّة في الصلاة، فناب عنها ما فعله فيها، إذ كانت المفعولة في الصلاة أفضل من المفعولة في غيرها.
فإن قيل: أليس لو تلا سجدة خارج الصلاة ثم سجدها في الصلاة لم يجزه، فكيف تنوب المفعولة فيها عما تلاه في غيرهما. قال أبو بكر: إذا أعادها في الصلاة فموجب الثانية هو موجب الأولى لاجتماعهما في واحدٍ وإذا اتفق موجباهما اتفق حكمها فصارتا كأنهما متلوتان جميعا في الصلاة.
قال محمد فإن لم يسجدها حتى فرغ من صلاته لم يكن عليه أن يسجدها، لأنها لما صارت بحيث تنوب عنها السجدة المفعولة في الصلاة انتقلت إلى الصلاة فصارت من سنتها، وسنن الصلاة لا تقضى خارجا عنها.
مسألة
قال محمد: وإذا قرأ الرجل وهو يسير على دابة سجدة، مِرارًا، فإن كان في صلاة كان عليه سجدة وإن لم يكن في صلاة سجد لكل مرة سجدة.
قال أبو بكر: لما جعلت الأمكنة المتفرّقة للراكب في باب جواز الصلاة كالمكان الواحد وجب أن يكون في حكم المكان الواحد في باب السجدة، وهذا يدلّ على صحة ما ذكرناه من اعتبار حكم المكان بأحوال الصلاة، وأنّ الانتقال من القعود إلى القيام لا يبطل حكم المجلس كما لا يقطع حكم الصلاة، إذ كان من أحوالها وأما إذا لم يكن في الصلاة فلم يضمن هذه الأمكنة حكمًا واحدًا فصارت مجالس متفرّقة ووجبت لكل تلاوة سجدة.
مسألة
قال محمد: وإذا صلّى الرجل فقرأ في الركعة الأولى سورة فيها سجدة فسجدها ثم قام منها فأعادها فقرأها وهو في الركعة الأولى على حاله قائمًا عليه سجدة واحدة، لأنّه تلاها في مجلس واحد
قال محمد فإن قام في الركعة الثانية فقرأ تلك السورة وتلك السجدة فإنّه لا سجود عليه في قول أبي يوسف الآخر، في قول محمد يسجدها استحسانًا.
قال أبو بكر: مرّ أبو يوسف على القياس الذي وصفنا أنّ أحوال الصلاة يجمعها حكم. واحد ألا ترى أن ما يفسد أولها يمنع من بناء آخرها فصارت جملة الصلاة كالمجلس الواحد ألا ترى أنّهم قالوا جميعًا أنّه لو تلاها مرتين وهو راكب يصلّي في مكانين مختلفين في ركعة واحدة أنّ عليه سجدة واحدة، لأنّ هذه الأمكنة قد صارت في حكم المكان الواحد لما تعلّق بها من حكم جواز الصلاة كذلك الصلاة الواحدة وإن اختلفت أحوالها، فإن يجمعها حرمة واحدة فصارت كالمكان الواحد.
ووجه آخر، وهو: أنّهم لم يختلفوا أنّ القيام لا يبطل حكم المجلس في التلاوة إذا لم يكن في الصلاة، فإن لم تؤكّده الصلاة لم يبطله أيضًا، وذهب محمد إلى أنّها لما تُليت في الصلاة صارت من سنّتها، وسنن الصلاة قد تعاد في ركعتين يدلّ على ذلك تكرار فاتحة الكتاب وسورة نحوهما في الركعتين ممّا لا يكون في الركعة الواحدة، فلما اختلف حكم الركعة الواحدة والركعتين فى باب تكرار السببين، ولم يختلف ذلك في الركعة الواحدة وجب أن يكون كالمجلسين.
قال أبو بكر: وهذا جوابه عن سؤال الراكب إذا تلي في موطنين وهو يصلّي، لأنه لا يعيد سنن الصلاة من القراءة في الركعة الواحدة، وإن كان راكبًا فجمع هذه الأمكنة حكم واحد، فلذلك لم يجب عليه إعادتها، وإذا تلاها في ركعتين وهو راكب فجوابه فيه كهو في النازل.
مسألة
قال محمد وإذا أم رجل قومًا فقرأ رجل خلفه سجدة فيسمعها جميعا من خلفه فليس عليهم أن يسجدوها في صلاتهم ولا يعيد [عند] فراغهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
قال أبو بكر: لما تليت هذه السجدة في هذه الصلاة التي هم مشتركون فيها صارت من سننها، فلا يخلو من أن يسجدها المأموم ومن سمعها أو يسجدها المأموم وحده دون سامعها أو يسجدوها كلهم بعد فراغهم من الصلاة، فلا يجوز أن يسجدها الإمام والمأموم، لأنه يصير تابعا للمأموم كما لا يجوز أن يسجد لأجل سهو المأموم، لأنه يصير تابعا له، ولا يجوز أن يسجدها المأموم التالي من قبل أنّه لا يجوز له أن ينفرد بفعل دون الإمام كما أنه لو سهى لم يسجد، لأنه لا يجوز له أن ينفرد بفعل دون الإمام ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بترك قضاء الفائت لأجل اتباع الإمام في حديث معاذ، وقال في حديث أبي هريرة: إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا)، وقال: (لا تختلفوا على إمامكم)، فلم يبق من الوجوه الثلاثة التي قسمها الكلام عليها بدءًا إلا أن يسجدها بعد الفراغ من الصلاة وهو قول محمد فالدليل على أنه لا يجب عليهم أن يسجدوها بعد الفراغ أن هذه السجدة لما كانت متلوة في الصلاة صارت من سننها، فلما تعذر فعلها لما وصفنا وجب سقوطها ألا ترى أن المأموم إذا سها لزمه سجود السهو لأجل سهوه وصار من سنن صلاته إلا أنّه لما تعذر فعله لأجل لزوم اتباع الإمام منقط.
فإن قال قائل: لما لم يجز فعلها في الصلاة صارت كالسجدة المسموعة ممن ليس معهم في الصلاة، فيسجدونها بعد فراغهم منها.
الا
قال أبو بكر: السجدة المسموعة ممن ليس معهم في الصلاة لم تصر قط من سنن هذه الصلاة، لأنها لم يُتل فيها، وهذه السجدة قد صارت من سنن هذه الصلاة، لأنها متلوة فيها وهم مشتركون في هذه الصلاة، فيتعلق حكمها بجمعهم. ترى أن الإمام لو أفسد صلاته فسدت صلاة جميعهم ولو قامت امرأة إلى جنب واحد منهم في هذه الصلاة فسدت صلاته، وأن الإمام يتحمل عنهم القراءة والسهو وما جرى مجراه، وأن اشتراكهم يصحح لهم الجمعة وفضيلة
الجماعة، وإذا كان كذلك اختلف حال سماعها ممن شاركهم فيها وممن هو منفرد عنهم، وأيضا قد اتفقوا على أن التالي لها في الصلاة يلزمه فعلها فيها، وإنّ السامع لها من غيره في الصلاة يلزمه فعلها خارجا عنها، فدل ذلك على افتراق أصليهما.
فإن قال: لما لم يكن فعلها في الصلاة وجب فعلها خارج الصلاة كالجنب إذا سمع سجدة أو تلاها لم يجز له فعلها في الحال وفعلها بعد الاغتسال.
قال أبو بكر: الجنابة تمنع فعل السجدة أصلا والصلاة لا تمنع أن تصير السجدة من سننها، فثبت لها حكم الوجوب فيها ثم سقطت.
فإن قال: لا معنى لقولكم أنها وجبت في الصلاة وصارت من سنتها مع قولك: أنه لا يجوز أداؤها فيها، لأنها لو صارت من سنتها جاز أداؤها فيها ولا يمكنه أدائها، إذ لا يجوز أن يكون شيء من الأشياء من سنن الصلاة، ومع ذلك يكون منهيًّا عن فعله فيها ولا يمكنه أدائها فيها.
قال أبو بكر: يجوز أن يصير من سنن الصلاة ثم يسقط في الثاني، وسقوطها في الثاني لا يمنع وجوبها بدءًا، ولهذا نظائر كثيرة من أصولهم، منها: أن يثوب المهر في عقد النكاح حق لله تعالى لا يجوز إسقاطه بوجه، ولا يصح استباحة البضع بغير بدل، فلو أن رجلا زوج أمته من عبده صح النكاح ولا يجب عليه المهر، ولا يجوز مع ذلك أن يقال: إنّ هذا العقد لم يوجب مهزا وأنه استباح بضعها بغير، بدل، لأن هذا خلاف الإجماع، بل يقول: إن المهر وجب بالعقد ثم سقط في الثاني حين صار حقًّا للمولى، وسقوطه في الثاني لم يوجب وقوع العقد بغير مهر. ونظيره أيضا: ما يقوله أصحابنا ومحمد معهم في رجل تزوج امرأة على عبد زيد، فأجازه أنّ العبد يخرج من ملك المولى إلى ملك المرأة، ومع ذلك يحصل للزوج في تلك الحال حكم الملك لما وجب عليه من ضمان القيمة. ألا ترى أنه لو طلقها قبل الدخول رجع نصفه إلى الزوج، ولم يجز مع ذلك أن يقول: أنّ الزوج لم يحصل له حكم الملك من أجل حصول الملك به للمرأة في تلك الحال، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن السجدة لا تصير من سنن الصلاة لأجل أنها تسقط في الثاني. فإن قيل: فهلا كان مثل المحترم بالصلاة عند طلوع الشمس فيؤمر بتأخيرها، ويكون المعنى الجامع بينهما: أن دخوله في الحظر بتلاوته لها خلف الإمام
قيل له: الفصل بينهما: أن كونه خلف الإمام لا يمنع جواز الصلاة، ولزوم السجدة لا تأثير له في إفسادها، فلذلك لا يمتنع لزومها في الصلاة، وللوقت تأثير في إفساد الصلاة، فلذلك أمر بتأخيرها.
فإن قيل: فهلا كانت هذه السجدة كالركعة الفائتة في باب لزوم أدائها بعد فراغ الإمام كما يفعل سجدتا السهو بعد الفراغ من الصلاة.
قيل له: لسنة الركعة الفائتة ما ذكرت، وذلك من قبل أنّها تفعل بناء على الصلاة من غير انفصال منها، وكذلك سجدتا السهو إذا عاد فيهما بعد السلام بطل حكم السلام الواقع قبلها وعاد إلى حكم الصلاة الأولى، ومدركة فيها يكون مدركًا للصلاة، وليس كذلك سجدتا التلاوة في مسألتنا من قبل أنّ موجبيها بعد الصلاة لا يفعلونها على وجه البناء على الصلاة، فلذلك اختلفا، وذهب محمد إلى أنّه تعذر فعلها في الصلاة لم يلزم فعلها إلّا بعد الفراغ منها كسماعها ممن ليس معهم في الصلاة.
مسألة
قال محمد ولو أنّ قومًا كانوا يصلّون ورجل يؤمهم فقرأ رجل ليس معهم في الصلاة سجدة فسمعها القوم جميعًا فعليهم أن يسجدوها إذا فرغوا من صلاتهم في قولهم جميعًا، وذلك لأنّ هذه السجدة ليست من سنن فلزمهم فعلها خارج الصلاة.
قال محمد: فإن لم يفرغ الإمام من الصلاة حتى قرأ السجدة التى سمعها من الرجل فإنّه يسجدها ويجزيه منها، وذلك لأنّ الإمام لما تلاها في المكان الذي سمعها فيه صارت من سنن صلاته، ولم يوجب الثانية غير ما أوجبت الأولى إذا لزمتا جميعًا في مكان واحد، فأجزأت المفعولة في الصلاة عنهما، لأنّ السجدة المسموعة قد تحوّلت إلى الصلاة وصارت من سنتها.
فإن قيل: ما ينكر أنّه لما لم يوجد واجب في غير الصلاة يجوز قضاؤه فيها لم يجز أداء هذه السجدة في الصلاة، لأنّها وجبت في غيرها، وكما أنّ ما يجب في الصلاة لا يجوز أداؤه خارجًا عنها كذلك ما يجب في غير الصلاة لا يجوز أداؤه فيها.
قال أبو بكر: المفعولة في الصلاة في مسألتنا إنّما جزأت عن المسموعة في غير الصلاة، لأنّ المسموعة بعينها قد وجبت في الصلاة بتلاوته لها ولو لم تجب إلا بالتلاوة التي كانت في غير الصلاة لما جاز له فعلها فيها، وليس في الأصول خلاف ما أجزنا.
باب من الطهر في الوضوء والثياب وغير ذلك
قال محمد وإذا أصاب الثوب قذر فغسل في إجانة ثم أخرج منها فعصر، ثم غسل في إجانة أخرى ثم أخرج منها فعصر، ثم غسل في إجانة أخرى ثم أخرج منها فعصر فقد طهر، ولا يجزي أحدًا أن يتطهر بشيء من هذا الماء.
قال أبو بكر: إنّما أراد محمد بذلك أن النجاسة التي ليست لها عين مرنيّة قائمة في الثوب، لأنهم قد قالوا: إنّها إذا كان لها عين مرئية فطهارتها إزالة عينها إلا أن يبقى أثر لا يزيله الماء فلا يضره، وإنّما حدوا في النجاسة التي ليس لها عين مرئية غسلها ثلاثا لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده)، فأفادنا عليه السلام بهذا الخبر معاني كثيرة، منها: الأخذ بالاحتياط في الطهارة عند حدوث السبب التي يجوز حصول النجاسة معه في اليد، وذلك أن محمدًا قال في معنى ذلك: أنهم كانوا يستنجون ويستبرون بالأحجار والحجر لا يزيل النجاسة، فكان الواحد منهم لا يأمن وقوع يده في حال نومه على موضع النجاسة، ويكون هناك بلّة من غرق أو غيره فينجس يده فندبنا صلى الله عليه وسلم إلى الاحتياط من تلك النجاسة التي عسى أن تكون قد أصابته يده، فصار ذلك أصلا في استعمال الاحتياط عندما يعرض من نظائر ذلك.
فإن قيل: فقد رُوي أن أصحاب عبد الله كانوا إذا سمعوا هذا الحديث من طريق أبي هريرة ينكرونه ويقولون: "فكيف يصنع بالمهراس الذي بالشام يعنون أنّه لا يمكن غسل اليد منه قبل إدخالها فيه.
قيل له: يجوز أن يكونوا سمعوا أن أبا هريرة يأمر بغسل اليد قبل إدخالهما في الإناء أمزا حتمًا، فكان النكير واقعا على ما يراه من الوجوب وأما المعنى الثاني: أفادنا عليه السلام في الخبر، فهو: أن النجاسة إذا حلت في الماء أفسدته وإن لم تغير طعمه ولا لونه، لولا ريحه لولا ذلك ما كان لأمره عليه السلام بالاحتياط منها، وجه لأن تلك النجاسة إذا كانت غير مرئية فمعلوم أنها لا تغير الماء، وقد أمرنا بالاحتياط منها. والمعنى الثالث: تحديد الثلث في غسل كل نجاسة غير مرئية العين، ويدل هذا الخبر على وجوب الوضوء من النوم.
قال أبو بكر وإنّما قال إن المياه كلها نجسة والثوب طاهر بعد الثالثة من قبل أنّ النجاسة التي كانت في الثوب قد حلت في الماء، فطهر الثوب لزوال النجاسة منه ونجس الماء لحلولها فيه.
إن قيل: كيف يجوز أن يكون الثوب طاهزا وإنّما أخرج من ماء نجس، ولو أن إنسانا طرح ثوبًا في هذا الماء تنجس فينبغي ألا تحكموا بطهارة الثوب التي زائلة هذا الماء.
قيل له: إنما صار الثوب طاهزا والماء نجستا به زالت وهذا كما يقول في الماء المستعمل: إن الماء الذي باتن العضو محكوم له بحكم الاستعمال والماء الباقي فيه غير محكوم له بحكم الاستعمال، لأنه لو كان كذلك كان بمنزلة من توضأ بماء مستعمل فلما لم يجب ذلك، وفرّقوا بين الماء الذي زائل العضو وبين الباقي فيه، كذلك يجب أن يفرق بين الماء الذي زالت به النجاسة من الثوب وبين الماء الباقي في الثوب. ألا ترى أنه لو غسل ثوبًا قد أصابه بعض الأصباغ الملونة له أنه بمقدار ما يزول من الصبغ عن الثوب يحلّ في الماء حتى يبقى الثوب أبيض ويصير الماء ملونا بذلك اللون، فكذلك النجاسة إذا توالي عليها الغسل فلا يمكن أحدًا أن يقول غير ذلك، لأنه لو حمل الأمر في ذلك على محض القياس كان ينبغي الا يطهر الثوب أبدًا، لأنّ الماء الذي يخالط الثوب ينجس بمخالطته للنجاسة التي فيه ثم يزول بعضها ويبقى بعضها في الثوب، ثم كذلك الماء الثاني والثالث والرابع وكان ينبغي أن لو غسله في ماء جاري أن يكون هذا حكمه إلا أنه لا يجوز استعمال القياس في مواضع الاتفاق فتركوا القياس من أجل ذلك، وطهروه بالثلاث بالسنة على أنه لا ينفي هناك إذا توالت عليه أعداد الغسل من أجزاء النجاسة شيء على نحو ما قدمنا، وإنما يبقى ما جاور النجاسة أو جاور ما قد كان جاور النجاسة، فكذلك وقع الفرق في الرابعة بينه وبين الماء الذي قد تيقن فيه أجزاء النجاسة فلا يجوز استعماله بحال.
قال أبو بكر ثم اختلف أبو يوسف ومحمد في كيفية إزالة النجاسة على الوجه الذي يطهر به الثوب، فقال محمد في الجامع: أنه يطهر بالثالثة إذا غسل في إجانة، ولم يذكر فيه خلافا عن أبي يوسف في الثوب، وذكر غسل النجاسة من البدن في إجانة، فأجراه محمد مجرى الثوب، وذكر عن أبي يوسف أنه لا يطهر حتى يُصب عليه الماء صبا متواليا. وروى محمد عن أبي يوسف في غير هذا الموضع التسوية بين الثوب والبدن في أنه لا يظهر حتى يصب الماء عليه صبا، وروى ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف في الثوب أنه يطهر بالثالثة، وذكر عنه علي بن الجعد الفرق بين الثوب والبدن فقال عنه ألا ترى أن رجلا لو غسل ثوبا ثلاث مرات يغسله في كل مرة ثم يريقه ويغسله فيه أنه يطهر، ولو أدخل ذراعه في إناء ثلاثاً فغسلها فيه أنها لا يطهر وينجس الإناء.
قال أبو بكر: فوجه قول محمد في ذلك أنه لو لزم استعمال القياس فيه لوجب الا يطهر بالصبّ على نحو ما قدمنا من بيانه لمخالطة أجزاء النجاسة قبل مزايلتها إياه، فلما اتفق الجميع على سقوط هذا الاعتبار في الصب وجب مثله في غسل الثوب في الإجانة. ألا ترى أن رجلا لو دمي فوه غسله بأن يأخذ الماء فيه، ويمجه، ولا يؤمر بأن يتجرع ذلك الماء النجس، فلا فرق بين الفم وسائر الأعضاء، وكذلك لو أن قمقما أصابته نجاسة في داخله كان عليه أن يصب الماء فيه ثم يُراق، لأنه معلوم امتناع صب الماء عليه فعلمنا أن هذا القدر معفو عنه، ولم يؤخذ علينا فيه حمله على محض القياس.
ووجه قول أبي يوسف أنّه حمل الأمر فيه على القياس أبدا حتى تأتي ضرورة، فلما لم تكن في غسل الثوب والبدن
في الإجانة ضرورة وكان في صب الماء عليها ضرورة، لأنه لا يمكن أكثر منه ترك القياس في الصب واستعمله في غسلهما في الإجانة هذا على الرواية التي سوى فيها بين الثوب والبدن. وأما على الرواية التي فرق بينهما فكأنه ذهب إلى أن البدن أغلظ حكمًا في باب التطهير ألا ترى أن غسل البدن الطاهر يكسب الماء حكم الاستعمال وغسل الثوب الطاهر لا يكسبه ذلك، فخفَّف أمر غسل الثوب ولم يفعل مثله في البدن.
قال محمد: فإن غسل في إجانة أخرى فتوضا رجل بذلك الماء فلا بأس بالوضوء من ذلك الماء.
قال أبو بكر: لا يصير الماء مستعملا عندهم بغسل الثوب الطاهر فيه، لأنّ من أصل محمد: أن الماء لا يصير مستعملا إلا بأن يقصد باستعماله جهة القربة. أما للنقل أو الفرض وإذا لم يقصد به جهة القربة بالاستعمال لم يضر عنده ألا ترى أنه يقول في الجنب يدخل بنزا يطلب دلوا فأصاب الماء جميع بدنه أنه يطهر ولا يكون الماء مستعملا ألا ترى أنه الاستعمال من جهة القربة ولو أنّ طاهرا توضأ بماء صار مستعملا إذا قصد به الاستعمال من جهة القربة، لأن في تجديد الوضوء قربة لقوله عليه السلام: (من) توضاً مرتين ضاعف الله أجره مرتين من جدد طهوره جدد الله له الأجر)، وعن ابن عمر أنه جدده ن بان الصلاة، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضا على طهر كتب له عشر حسنات) فثبت بذلك وجه القربة في تجديد إذا قصد به ذلك. ويدل عليه ما ندبنا إليه عليه السلام من غسل بيوم الجمعة والعيدين وعند الإحرام. وأما غسل الثوب الطاهر فلا قربة فيه بوجه، فلذلك لم يتعلق به حكم الاستعمال، وعلى أصل أبي يوسف يعتبر الماء مستعملا بأحد معنيين: إما أن يسقط به فرض أو يفعل به قربة. ألا ترى أنه يقول في الجنب يدخل البئر يطلب دلوا أنه لا يطهر، لأنه لو طهر لصار الماء مستعملا، ولا خلاف بينهم أن طاهزا لو غسل بدنه بماء لا يريد التطهر به لم يكن مستعملا، فبان أنه يستعمل كل واحد من هذين المعنيين على حاله في إيجاب حكم الاستعمال للماء.
فالدليل على صحة قول محمد في أن الماء إذا لم يقصد به الاستعمال لم يصر مستعملا، وإن سقط به فرض أنا لا نعلم خلافا بين المسلمين أن جنبًا أو محدثا لو أدخل يده في جب أو كوز أن الماء لا يصير مستعملا وقد صح عندنا أن الطهارة لا تحتاج في صحة وقوعها إلى نية، فوجب أن يطهر يديه، ولا يخالفه أبو يوسف في أنّ الطهارة يصح بغير نية،
وإذا كان كذلك صح أن سقوط الفرض بالماء لا يكسب الماء حكم الاستعمال، وقد يجوز أن يلزم أبو يوسف هذا السؤال فيقول: إنّ يد الجنب لا تطهر بإدخالها في الجب إذا لم يرد غسلها إلا أنه يلزمه الا يجوز الطهارة إلَّا بنية، ومن أصله أن الطهارة يصح بغير نية، وذهب أبو يوسف في ذلك إلى أن العضو لو ظهر وكذلك الرجل إذا دخل البئر يطلب دلوا لصار مستعملا لما تعلّق به من سقوط الفرض ولو كان كذلك لما أجزأته طهارته، لأن الماء قد صار مستعملا بأول جزء حصل به الطهارة، وقد اتفقوا جميعا أنه متى تعلّق به حكم القربة بنية الاستعمال كان مستعملا، فإذا سقط به فرض آخر فهو أحرى أن يكون مستعملا، لأن علة الاستعمال المانعة من التطهر به هي ما يتعلق به من الحكم، إذ ليس هناك نجاسة حالة فيه ولا جاور جسما نجمنا
وأما الكلام في مسألة الماء المستعمل فقد بيّناه في مسائل الخلاف التي عملناها على الاستقصاء، ونذكر ههنا جملة منه، فنقول: إن الدليل على أنّ الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به ما حدثونا به عن أبي داود في السنن. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلا صخب النبي عليه السلام أربع سنين كما صحبه أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل ويغتسل الرجل بفضل المرأة، فاحتمل قوله فضل غسل الرجل والمرأة ما يفضل بعد غرقهما من الإناء، ويحتمل ما يسيل من أعضائها. فلما روت عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل ورسول الله من إناء واحد وهما جنبان، واجتمعت الأمة على جواز غسل المرأة بفضل غسل الرجل وهو ما يبقى في الإناء صح أن مراده عليه السلام بالخبر الذي رويناه منصرف إلى ما يسيل من العضو وحدثونا في سنن أبي داود عن سعيد عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضا الرجل بفضل طهور المرأة.
قال أبو بكر ودلالة هذا الخبر على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل كدلالة الخبر الذي قدمناه. وحجّة أخرى، وهو ما سمعنا في كتاب الطحاوي عن ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فنهى عن الاغتسال فيه كما منع البول فيه في خبر آخر، فدل ذلك على أن الاغتسال فيه يمنع التطهر به لولا ذلك لم يكن للنهي معنى أو لا يوجب في الماء حكمًا، وإنّما ذكرنا هذا الحديث الذي
أفرد فيه ذكر الاغتسال من الجنابة ليكون أقطع لشعب المخالف، لأنهم ربما قالوا في الأخبار التي جمع فيها بين البول والاغتسال: أنه نهى عن الاغتسال فيه بعد البول، فأريناهم أنه نهى عنه على الانفراد.
ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا بني هاشم إنّ الله كره لكم غسالة أيدي الناس فحين حرم عليهم الصدقة شبهه بغسالة أيدي الناس، فدل ذلك على أن ما غسل به في الأعضاء فاستعماله محرم للطهارة. وقال عمر رضي الله عنه: "الأسلم" حين أكل من تمر الصدقة أرأيت لو توضاً إنسان بماء أكنت شاربه فجعل ذلك أصلا رد إليه أكل تمر الصدقة لمن لا يستحقه، لأنه لو كان ممن يستحقها لما أنكره عليه فدل ذلك على استفاضة تحريم الماء المستعمل عندهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو توضأ العبد فغسل وجهه خرجت ذنوبه من وجهه ... حتى ذكر سائر أعضاء الوضوء، وفي هذا دلالة على أنّ الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به لانتقال حكم الحدث الذي كان في الأعضاء إليه، فأشبه الماء الذي يُغسل به النجاسة أن حكم النجاسة ينتقل إلى الماء بطهارة المغسول.
باب صلاة العيدين
قال أبو بكر: اختلف السلف من الصدر الأول ومن بعدهم من الناس في تكبيرات العيدين، فروى الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عليه السلام أنّه كان يكبر يوم الفطر أي عشر تكبيرة يفتتح بتكبيرة واحدة، ثم يقرأ ثم يكبر خممنا يركع بإحديهن، ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر خمنا يركع بإحديهن، وكان يكبر في الأضحى خمس تكبيرات ثلاثا في الأولى واثنتين في الثانية يكبر في الأولى ثم يكبر تكبيرتين ويركع بالثانية، فإذا قام إلى الثانية قرأ ثم يكبر تكبيرتين يركع بالثانية، فذلك خمس تكبيرات ويبدأ فيهما بالقراءة وعن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: "من شاء كبر سبعا ومن شاء تسغا أي: عشرة وثلاث عشرة، وعن ابن عباس من وجه آخر أنّه كان يكبر في الأولى سبغا وفي الثانية خمسا، فمنهم من قال: يعتد بتكبير الركوع من تكبيرات العيد، ومنهم من يقول: قال سوى تكبير الركوع، وكان لا يفصل بين الفطر والأضحى ويبدأ فيهما جميعا بالتكبير، وعن عمر وعبد الله وأبي موسى الأشعري وحذيفة
وابن الزبير خمسا في الأولى وأربغا في الثانية، يوالي بين القرائتين، ويعتد بتكبير الركوع والافتتاح من تكبيرات العيد، فكانت التكبيرات الزوائد عندهم سثا ثلاثا في الأولى وثلاثا في الآخرة. وعن جابر ومسروق وسعيد بن المسيب أنهم قالوا عشر تكبيرات مع تكبيرة الصلاة وهو قول قتادة والحسن، فأخذ أصحابنا في ذلك بما رُوي عن عمر وعبد الله ومن تابعهما لما يؤيده من الأثر والنظر.
فأما الأثر: فما حدثونا به عن الطحاوي قال: حدثنا علي بن عبد الرحمن ويحيى بن عثمان قالا حدثنا عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة قال حدثنا الوضين بن عطاء أن القاسم أبا عبد الرحمن أخبره قال أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد وكبر أربعا ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف فقال: لا تسهوا أربع كتكبير الجنازة، وأشار بأصابعه وقبض إبهامه، فلما حصله كبر كتكبيرات الجنائز أربعا علمنا أنها أربع متواليات، فقد قامت الدلالة على الموالات بين القرانتين، فصح أن الأربع المتواليات في الركعة الأولى بعد الافتتاح وفي الثانية بعد القراءة.
وحدثنا قال: حدثنا محمد بن أحمد الخوارزمي قال حدثنا غسان بن الربيع قال حدثني عبد الرحمن بن ثابت عن مكحول قال: حدثني أبو عائشة أن سعيد بن العاص دعا أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان فسألها: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى، فقال أبو موسى: أربغا كتكبيرات الجنائز، وصدقه حذيفة. وعن النعمان بن المنذر عن مكحول قال أخبرني رسول الله حذيفة وأبي موسى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه كان يكبر للافتتاح خارجة من التكبيرات المذكورات في الحديثين اللذين قدمنا
فإن قال: روى عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين اثني عشر تكبيرة، سبغا في الأولى وخمسا في الآخرة سوى تكبيرة الصلاة. وعن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أبي واقد الليثي وعائشة أن
والأضحى فكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسنا. وعن الفرح بن فضالة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله قيل له: أما عبد الله بن عبد الرحمن فساقط الحديث عندهم لا يحتج بروايته. وأما ابن لهيعة عندهم فهو غير مقبول وهو مع:، ذلك مضطرب، لأنه يرويه مرّة عن أبي الأسود عن عروة، ومرة يحدّث عن خالد بن يزيد عن أبي شهاب، ومرة عن جابر بن زيد عن عقيل عن ابن شهاب وأما حديث ابن عمر فقد ذكر أن أصله موقوف عليه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الطحاوي أن حديث الوضين بن عطاء أولى من هذه الأحاديث كلها من طريق الإسناد، على أنه لو تعارضت الروايات في ذلك كان الذي يشهد له الأصول من ذلك أولى. فلما وجدنا تكبيرات العيد معفولا ابتداءها في حال القيام في الصلاة أشبهت تكبيرات الجنازة، وهي أربع متوالية لما رُوي عن عبد الله بن مسعود أنّه قال في تكبيرات الجنازة كل ذلك قد كان يعني سبعا وخمسا وأربغا، ورأيتهم أجمعوا على أربع تكبيرات، فأخبر باتفاق الصحابة على أربع، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر على النجاشي وغيره أربغا، فوجب أن يكون تكبيرات العيد مثلها لاتفاقهما في أن كل واحد منهما مفعول في الصلاة في حال القيام
قال أبو بكر: وإنّما سوى أصحابنا بين العيدين في التكبير، لأنهما لا يختلفان في سائر أركان الصلاة وتساويا فيها، فكذلك يجب أن يتساويا في التكبير، وإنما قال أصحابنا: إن تكبير الافتتاح والركوع معتد بهما من تكبيرات العبد من قبل أنه لما صح عندنا أنها كتكبيرات الجنازة أربع متواليات وجب أن يعتد بتكبير الركوع، لأنا لو لم يفعل ذلك لحصل ثلاث تكبيرات متوالية من تكبيرات العيد في الركعة الأولى والثانية، فمن حيث وجب أن يكون أربغا متوالية من تكبيرات العيد صح أن تكبير الركوع والافتتاح معتد بها منها.
فإن قيل: فهذه العلة توجب أن تكون تكبيرة الركوع في الركعة الأولى غير معتد بها من تكبيرات العيد، لأنه لو اعتد بها لحصلت التكبيرات خمسا، لأن تكبير الافتتاح معتد به منها.
قيل له: إنّما قلنا إذا كانت غير متوالية لم يعتد بها من تكبيرات العيد.
فصل
قال أبو بكر: وجه قول علي رضي الله عنه في البداية بالقراءة فيهما: إن القراءة أوجب من التكبير، والتكبير زيادة مسنونة فيجب أن يبدأ بأوجبهما ولا يغير القراءة عن موضعها ووجه قول ابن عباس بالبداية بالتكبير فيهما
جميعًا إنّ التكبير ذكر مسنون مفعول في حال القيام فأشبه ذكر الاستفتاح أنّه يُبدأ به على القراءة وأشبه الاستعاذة أيضًا. وأما وجه قول ابن مسعود في الموالاة بين القراءتين وهو مذهب أصحابنا، فلأنا وجدنا الذكر المسنون في حال القيام نبدأ به في الركعة الأولى على القراءة ويؤخّر في الركعة الآخرة عنها. ألا ترى أنّ الاستفتاح مسنون في الركعة الأولى وهو يبدأ به على القراءة، وأنّ القنوت مسنون في الركعة الآخرة فكان مفعولا بعد القراءة، فكذلك تكبيرات العيد لمشاركته الذكر المسنون فيما وصفنا.
مسألة
قال محمد: وإن حضر الرجل العيد مع الإمام وقد ركع الركعة الأولى ولم يرفع رأسه منها، فأراد الرجل أن يدخل معه في الصلاة فكبر تكبيرة الافتتاح، والإمام راكع، فخاف الداخل معه في الصلاة إن كبّر تكبير العيد أن يرفع الإمام رأسه فتفوته الركعة الأولى، فإنّه إذا خاف ذلك كبّر تكبيرة الافتتاح قائمًا ثم ركع ثم كبّر وهو راكع مع الإمام تكبير العيد الذي سبقه به الإمام.
قال أبو بكر: إنّما أمره بالركوع إذا خاف فوت الركعة من قبل أنّه لو كبر قائما فاتته الركعة، ووجب عليه قضاؤها مع التكبير، فكان لا يكون التكبير المعفول معتدا به فلا معنى لأمره به وترك الركعة وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا)، وقال معاذ / كنت لأجدك على حال لا أتابعك عليها، فقال عليه السلام: سنّ لكم معاذ فكذلك فافعلوا، فوجب من أجل ذلك أن يتابع الإمام في الركوع معتدا به، وإنّما أمره بأن يكبر في ركوعه، لأنّ حال الركوع هي حال تكبير العيد والدليل على أنّ تكبير الركوع معتد به من تكبيرات العيد لما قد دلّلنا عليه وهي مفعولة في حال الانحطاط، فلذلك جاز فعله في حال الركوع
فإن قيل: ليس حال الاستقرار في الركوع حال التكبير فينبغي ألّا يفعله فيها.
قيل له حكمه حكم ما قبله، لأنّ جملته هو الركوع، فإذا كان تكبير الانحطاط معتمدا به من تكبير العيد وكان حال الاستقرار في الركوع كحال الانحطاط وجب أن يُكبّر فيها. ووجه آخر، وهو أنّ حال الركوع كحال القيام في باب صحة إدراك الركعة بإدراكه، فكذلك ينبغي أن يكون كحال القيام في باب جواز تكبير العيد فيها.
قال أبو بكر: وهذا معنى حجاج محمد في الكتاب.
فإن قال: ليس في حال الاستقرار موضعًا للتكبير، فلا يجوز أن يقضي فيها تكبير العيد كحال السجود.
قيل له: الفصل بينهما ما قدمناه.
فإن قال: كما لم يقضه بعد رفع رأسه من الركوع كذلك لا يقضيه في الركوع.
قيل له: إنّ حال الركوع حال ذكر كحال القيام والتكبير ذكر فيجوز أن يقضيه فيها ولا يقضيه بعد الركوع، لأنّه ليس موضعا للذكر.
فإن قيل: لما لم تجز القراءة في حال الركوع علمنا أنّها ليس كحال القيام، لأنّ القراءة تجوز في حال القيام، فكذلك لا يقضي فيها التكبير كما لا يقضي فيها القراءة.
قال أبو بكر: لا يجوز اعتبار موضع التكبير بالقراءة، لأنّ تكبيرة الافتتاح مقيّد بها من تكبيرات العيد، ولا تصح القراءة في تلك الحال، وكذلك تكبير الركوع معتدّ به منها، ولا تصح القراءة في حال الانحطاط، والمأموم يكبر للعيد في حال القيام ولا يقرأ في تلك الحال، ولو قرأ لم يجزه عن فرضه.
فإن قال لو أدركه في الركوع في الوتر لم يقنت في الركوع كذلك لا يكبر للعيد.
قيل له: الفصل بينهما ما وصفنا من أنّ تكبير الركوع لما كان معتدا به من تكبير العيد علمنا أنّ حال الركوع حال التكبير، ولم يجز هذا المعنى في القنوت وأيضا فإنّ حال الركوع حال التعظيم والتكبير تعظيم، فجاز أن يكبر للمعنى الذي وصفنا، والقنوت دعاء وليس حال الركوع حال الدعاء.
فإن قيل: لو ركع وترك تكبير الركوع لم يقضه في حال الركوع، فتكبير العيد أولى ألا تقضيه فيه. قيل له: الفصل بينهما: إنّ تكبير العيد يقضى إذا ترك في موضعه ألا ترى أنّه لو بدأ بالقراءة وفرغ منها ثم ذكر قضى التكبير بالاتفاق، ولم يثبت قضاء تكبير الركوع إذا تركه فصح بذلك ما وصفناه.
فإن قال: فلم صار تكبير العيد في حال الركوع أولى من التسبيح الذي هو سنّة الركوع.
الجواب: لأنّه المه بدلالة إنّ تارك تسبيح الركوع لا يلزمه سجدتا السهو، وتارك تكبير العيد عليه سجدتا السهو عندهم، وأيضًا فإنّ التكبير مخصوص بهذه الصلاة، فيجب أن يكون أولى من التسبيح الذي يشترك فيه سائر الصلوات،
وهذا كما قالوا: إنّ الطواف بالبيت للغرباء أفضل من الصلاة، لأنهم لا يقدرون عليه في كل وقت مع ما يجمع الصلاة من الطاعات التي لا يجمعها الطواف.
قال أبو بكر: وروى عن أبي يوسف أنّه لا يكبر في حال الركوع، وذهب إلى الوجوه التي سألنا عنها في المسألة. قال محمد: فإن كبر مع الإمام تكبيرتين، ثم إنّ الإمام رفع رأسه من الركوع، وقد بقي على الرجل الداخل معه في صلاته بعض تكبير العيد، فيرفع رأسه مع الإمام ولا يكبر ما بقي من التكبير بعدما يرفع رأسه من الركوع ولا إذا سجد، وقد بطل عنه ما بقي من تكبير هذه الركعة.
قال أبو بكر: إذا رفع الإمام رأسه فقد اتفقت حال القيام ألا ترى أن يدركه في هذه الحال غير مدرك للركعة، فيقطع التكبير من أجل ذلك كما أنّه لو أدركه بدءًا في هذه الحال لم يكبر، لأنّ هذه حال فوات التكبير، والسنن إذا فاتت عن مواضعها لا تقضى بدلالة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام في السنن من الظهر فسبّح به فلم يرجع. ووجه آخر، وهو: أن متابعة الإمام أولى من قضاء الفائت لما بيّناه فيما سلف، فلا ينبغي له أن يخالف الإمام في الفعل لأجل
قضاء الفائت
فإن قيل: فإذا دخل مع الإمام وهو قائم وقد فرغ من التكبير السنن يكبر وإن ركع الإمام.
قيل له: بل يكبر عندنا ولا يركع حتى يفرغ من التكبيرات كلّها والفصل بين هذا وبين مسألتنا: إذا رفع الإمام رأسه من الركوع أنّ مُدرك الإمام في الركوع يقضي الفائت، ومدركه في القيام قد أدرك حال التكبير وهو في القراءة كبّر واستفتح ب"سبحانك اللهم وبحمدك، وكذلك من أدرك الإمام فهو بمنزلته لو أدركه في أوّل الصلاة وأما مدرك الركوع فغير مدرك للقيام، وإنّما أدرك ما هو في حكم القيام من وجه، فجاز له أن يكبّر ما بقي حكم حال القيام، ويدلك على الفصل بينهما أنّه لو أدرك الإمام وهو راكع فوقف ولم يركع حتى رفع الإمام رأسه، وقد كان يمكنه أن يفعل معه الركوع فلم يفعل أنّه لا يعيد بالركعة، ولو أدركه قائمًا فلم يركع معه حتى رفع رأسه أنّه يركع ويعيد بالركعة.
مسألة
قال محمد ولو أدرك الإمام في الركعة الأولى بعدما كبّر الإمام وهو في القراءة، وقد كبّر الإمام تكبير ابن عباس والرجل يرى تكبير ابن مسعود وأنّه يكبر تكبيرات ابن مسعود، فإذا قام في الثانية كبّر تكبير الإمام.
قال أبو بكر إنَّما أمره أن يكبر، لأنه مدرك لحال التكبير، لأن حال القيام حال التكبير ألا ترى أن تكبير الركوع مفعول بعد القيام وهو مقيد به من تكبيرات العيد، فلما أدرك حال التكبير كبر، وإنّما أمره أن يكبر على رأيه ولا يتبع إمامه من قبل أن التكبيرات فات موضعها فلا يلزمه اتباع الإمام في الفائت.
فإن قيل: فكيف يجوز قضاء الفائت قبل فراغ الإمام أرأيت إن قضى فانت الفعل قبل فراغ الإمام أجزءه.
قيل له: قضاء فانت الذكر خلف الإمام جائز ما أدرك حالا يفعل فيها بوجه ولا يجوز قضاء فانت الفعل. والدليل على ذلك أن من انتهى للإمام وهو في القراءة، كبر واستفتح بسبحانك اللهم وبحمدك، وكذلك من أدرك الإمام في التشهد كبر وقعد وابتدأ التشهد من أوله، وذلك كله فاتت وكذلك من يرى القراءة خلف الإمام يقول: إذا انتهى إلى الإمام وقد فرغ من فاتحة الكتاب أنه يكبر ويقرأ فاتحة الكتاب، فثبت بذلك جواز قضاء فانت الذكر خلف الإمام فأما فانت الفعل فلا خلاف أنه لا يجوز قضاؤه قبل فراغ الإمام، ويدل ذلك أيضا أن الرجل يدرك الإمام في الركوع فيكبر ويركع، فقد قضى تكبيزا فاننا لم يدركه مع الإمام
قال أبو بكر: وما استشهد به محمد من المسائل في السهو والقنوت كله صحيح، وإنّما دل به على أن الفائت لا يلزم فيه اتباع الإمام.
قال محمد وإذا افتتح صلاة العيد مع الإمام وهو يرى تكبير ابن مسعود، فكبر الإمام غير ذلك اتبع الإمام حتى يكبر الإمام تكبيزا لم يكبره أحد من الفقهاء، وجاء فيه بشيء ليس فيه خلاف، فلا يكبر معه.
قال أبو بكر: الأصل في وجوب اتباع الإمام في أفعال الصلاة وأذكارها الإمام دليل خصوصه منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنّما جعل الإمام ليؤتم به وقوله عليه السلام: لا تختلفوا على إمامكم)، وقوله: (سن لكم معاذ فكذلك فافعلوا) يعني في اتباع الإمام، فلزم بهذا الأصل اتباع الإمام في كل فعل أو ذكر أمر المأمور به لعموم اللفظ. ويدل عليه أيضا ما روى ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الثانية فلم يجلس، فسبح به فلم يجلس، فقام أصحابه ثم سجد سجدتي السهو. فلما لم يذكر على أصحابه قيامهم معه، وترك الجلوس لأنفسهم صح بذلك لزوم اتباع الإمام. ويدل عليه أيضا اتفاق المسلمين على أن من أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من الصلاة لزمه القعود معه لأجل اتباعه، لأنه ليس من سنة الصلاة القعود في الركعة الأولى منها.
فإن قيل: لو لزمه اتباع الإمام في خلاف ما يعتقده للزمه اتباعه لو قام الإمام إلى الخامسة من الظهر، فلما اتفق الجميع على أنّه ليس عليه اتباعه فيها بان بذلك فساد أصلك.
قيل له: إنما يلزمه اتباعه فيما تضمنته التحريمة. فأما الخامسة فإنّها صلاة أخرى لم يتضمنها تحريمة الصلاة الأولى، فلذلك لم يلزمه اتباعه فيها. ومن الدليل على أن تكبير العيد مفعول على وجه الاتباع أنّ المأموم لا يجوز له أن يكبر للعيد قبل إمامه، فدل ذلك على أنه متبع له فيه، فلذلك لزم اتباعه فيما يفعله.
ووجه آخر، وهو: إنّ السلف من الصدر الأول والخلفاء الراشدين منهم ومن بعدهم من التابعين قد اتفقوا على أن كل ما قضي به قاض من طريق الاجتهاد ثم رفع إلى غيره، فرأى خلافه لم ينقضه، وكذلك لو رأى هو نفسه خلافه، من ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه رفع إليه ميراث فيه إخوة لأم وإخوة لأب وأم المشركة، فحرمهم ولم يشركهم مع ولد الأم، ثم خُوصم إليه في هذه المسألة فشرك بينهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين اختصم إليك عام أوّل فلم تشرك وشركت العام، قال: "هذا على ما قضينا وذاك على ما قضينا، فلم ينقض حكمه الأول، وقد قضى أبو بكر رحمه الله بقضايا كان عمر فيها خلافه فلم يفسخها حين ولي، وأمضى ذلك على ما قضاه، واستأنف الحكم فيما استقبل من أمره على رأيه من ذلك، إن رأي أبي بكر كان التسوية في العطاء، ثم ولّي عمر فلم يفسخ ما أمضى ورأى التفضيل، ثم أراد التسوية أيضا في المستأنف بعد ذلك، ثم احترم رضي الله عنه قبل أن يفعلها، وذلك أنه قال: "لئِنْ عِشتُ إلى قابل لأجعلن الناس بيانا واحد، وهذا شيء لا خلاف فيه بين الفقهاء، فصح بهذا الأصل إن كلما كان طريقة الاجتهاد وليس فيه ما يخالفه النص لزم فيه بين الفقهاء، فصح بهذا الأصل اتباع الإمام.
فإن قيل: فهلا أمرت المأموم باتباع الإمام في القنوت في الفجر، إذ كان ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد.
قيل له: الفصل بينهما: أنه ليس في واحد من التكبيرين نص يقطع به فلم يبق لنا إليه طريق غير الاجتهاد. وأما القنوت فقد ثبت النص في تركه، لأنهم لم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القنوت بعد فعله، ولا يجوز لنا اتباع الإمام في مخالفة المخصوص، وكذلك قال أصحابنا في قضاء القاضي بما فيه خلاف بين الفقهاء: أنه متى كان فيه مخالفة النص أبطله من رفع إليه إذا لم يكن ذلك من مذهبه. ووجه آخر، وهو: أن القنوت لا يقع فيه اتباع الإمام بدلالة أن له يقنت ويدعو بما لا يدعو و به الإمام، وليس بمأخوذ عليه أن يفعله على مقدار ما يفعله الإمام، وفي ذلك دليل على أن القنوت لا يقع فيه اتباع.
فإن قيل: فهلا أمرته باتباع الإمام في رفع اليدين في الركوع إذا كان طريقه الاجتهاد.
قيل له: قد ثبت عندنا النص في النهي عن رفع اليدين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (كقوا أيديكم في الصلاة واسكنوا في الصلاة)، وقوله عليه السلام: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وليس فيه رفع في تكبير الركوع. فإن قيل: فقد رويتم في تكبير ابن مسعود نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم] فينبغي ألا يتركه بمتابعة الإمام. قيل له: قد عارضه أخبار أخر توجب الحكم بخلافه.
فإن قال: فهلا أمرته بترك الرفع في تكبيرات العيد متابعة لإمامه، إذ ليس في أحدهما نص.
قيل له: قد ثبت النص عندنا في الرفع في تكبيرات العيد، وهو قوله عليه السلام: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن منها تكبيرات العيد، وكان أبو الحسن يقول: لا ينهاه عن الرفع، بل هو مخير بين الرفع وتركه، وإنما قال محمد: إن الإمام إذا جاء بتكبير لم يفعله أحدٌ من الفقهاء لم يتابعه المأموم من قبل أنّه لا يجوز متابعة الإمام في مخالفة الإجماع ألا ترى أن قاضيًا لو قضى بقضيّة على رجل خالف فيها الإجماع لم يلزمه قبولها ولا وجب عليه التزامها. قال محمد فإن لم يكن يسمع تكبير الإمام فكبر الناس وأكثروا التكبير فليكبر معهم ما كبروا، وإن كثر ذلك، لأن هذا خطأ من الناس وزيادة منهم، وأن يكبر ما لم يجب عليه أحب إلي من أن يترك ما أوجب عليه.
قال أبو بكر: قد بين محمد هذه المسألة وأوضحها، وذلك أنه قال: إن هذا الرجل وإن أتي على أكثر ما روي في التكبير فإنّه لم يستيقن بأنه قد كبر هذه التكبيرات بعدما كبر الإمام، ويجوز أن يكون قد فعل بعضها قبل تكبير الإمام فلا يجزيه ولا يسقط عنه ما لزمه من التكبير بالشك.
فإن قيل: فقد الزمته ما أيقنت سقوطه عنه، فإن جاز أن تلزمه ما ليس عليه جاز لغيرك أن يُسقط عنه ما قد وجب عليه. الجواب: أنه قد يجوز أن يلزم الإنسان في بعض الأحوال زيادة فرض إذا لم يتوصل إلى أداء الأصل إلا بها نظير ذلك أن المفروض من غسل اليد إلى المرفق، ومعلوم أنه لا يمكنه استيعاب ذلك إلا بغسل بعض ما يجاوز المرفق، وإن لم يكن منه، وإذا اشتبهت على الرجل جهات القبلة لزمه فرض الاجتهاد والتحري، وقد يلزمه فرض استقاء الماء من البئر في المغارة أو شرائه لأجل الطهارة إذا لم يتوصل إليه إلا بهما، فقد يلزمه التيمم والوضوء جميعا في حال الحديث.
واحدة، ونظائر ذلك في الأصول أكثر من أن تحصى، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشاك في صلاته فلم يدر أَثَلَاثًا صلّى أو أربعًا بأن يضيف إليها ركعةً أخرى، ولولا الشكّ لما جاز له الإضافة، فكذلك هذا السامع لتكبير الناس إذا لم يتيقن مضادفه. نظيره تكبير الإمام لزمه التكبير أبدًا حتى يتيقن بأداء ما لزمه من ذلك.
مسألة
قال محمد: وإذا افتتح الرجل صلاة العيد مع الإمام فنام خلفه ثم استيقظ بعد فراغ الإمام، والإمام يرى] تكبير ابن عباس، والمأموم يرى تكبير ابن مسعود، أنّه يكبر تكبير ابن عباس ولا يقرأ شيئًا.
قال: وذلك أنّه تابع للإمام، لأنّه قد أدرك أوّل صلاته ألا ترى أنّه لو استيقظ والإمام في الركعة الثانية لم يتبعه فيها حتى يقضي ما فاته، لأنّ من أدرك أوّل صلاة الإمام لزمه متابعته فيما أدركه فيه على الترتيب التي تضمنته التحريمة. والدليل على ذلك أنّ الإمام لو سجد والمأموم بعد في القيام لم يلزم المأموم ترك الركوع، ومتابعة الإمام في السجود، بل يلزمه أن يبدأ بالركوع ثم يسجد، ولو كان أدركه بدءًا في السجود لم يركع وتابعه فيه ثم يقضي.
مسألة
قال: محمد ولو أنّ رجلا فاتته ركعة من صلاة العيد مع الإمام، وقد كبر الإمام تكبير ابن مسعود ووالى بين القرائتين، والمأموم أيضًا يرى تكبير ابن مسعود، فلمّا سلّم الإمام نأمر الرجل يقضي ما فاته يبدأ فيقرأ ثم يكبر أربعًا يركع بالرابعة، لأنّها ثانية فيضع في باشه كما يضع الإمام في بابه.
قال أبو بكر وكذلك قال في كتاب الصلاة، وقال في نوادر الصلاة في رواية أبي سليمان: إنّه يبدأ في الثانية بالتكبير. قال أبو بكر: كان أبو الحسن يقول: من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف أنّ ما يصلّيه المسبوق بركعة مع الإمام هو آخر صلاته ما يقتضيه أوّل صلاته، وإنّ من قول محمد إنّ ما يصليه مع الإمام هو آخر صلاة الإمام وأوّل صلاته هو.
قال: واحتج محمد بأنّه لا يصح للرجل دخول في آخر صلاة نفسه، فوجب أن يكون داخلا في أوّل صلاته، فما يبني عليه من الأفعال حينئذ يكون أوّل صلاته وكان أبو الحسن يجيب لأبي حنيفة عن ذلك بأنّ الدخول وإن وقع في أوّل صلاة نفسه، فإنّ ما يفعله بعد ذلك على جهة اتباع الإمام فهو آخر صلاته إذ كان آخر صلاة إمامه ولا يمتنع أن يقع الدخول بدءًا في أوّل الصلاة ثم يبنى عليه آخرها ألا ترى أنّ رجلا لو نام خلف الإمام وقد أدرك أوّل صلاته ثم
انتبه والإمام في الثانية فتبعه فيها أن صلاته تجزيه ويقوم، فيقضي الركعة الأولى وهو مصلي مع الإمام آخر صلاته نفسه، فلم يمنع دخوله في أول الصلاة من بناء آخرها عليه.
فإن قال المحتج لمحمد: فإذا أدرك مع الإمام ركعة من المغرب ثم سلّم الإمام، فقام يقضي، أمر بالقعدة بعد ركعة، فلو كان ما يقضيه أول صلاته لم يؤمر بالقعدة فيها، لأنه ليس من سنة الصلاة القعدة في الركعة الأولى منها.
قيل له: إن الركعة المقضية وإن كانت أول صلاته في الحكم فإنها أشبه في الفعل، فلذلك قعد فيها على أنه لو لزم هذا أبا حنيفة للزم محمد أمثلة في المدرك للركعة الأخيرة من الوتر مع الإمام، إذا قنت فيها معه أنه يعيد القنوت فيها يقضي، لأنه آخر صلاته عنده ولم يأت معه بالقنوت في موضعه، فلما لم يوجب عليه محمد القنوت فيما يقتضيه، ولم يقدح ذلك في أصله كذلك ما ذكره لا يلزم أبا حنيفة.
ومن الحجة لأبي حنيفة أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ حين ترك قضاء الفائت واتبعه: (سنّ لكم معاذ فكذلك فافعلوا)، فثبت بذلك أنّ الذي صلاه معاذ كان آخر صلاته، لأنه ترك فعل أول الصلاة ولم يقعه على حسب ما كانوا يفعلون ألا ترى إلى قوله عليه السلام له: (ما حملك على ما صنعت)، ثم أمرهم بالاقتداء به. ودليل آخر، وهو قوله عليه السلام: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، وأمر بقضاء الفائت والفاتت هو أول الصلاة فعلمنا أن المقضي أولها، وإن المفعول مع الإمام آخرها
فإن قيل: فقد روي عنه في هذا الخبر: وما فاتكم فأتموا، والإتمام أن يُعبر به عن فعل آخر الصلاة.
قيل له: ليس الأمر كذلك، لأنّ الإتمام حقيقته استيفاء جميع آخر الصلاة وسواء دخل النقص في آخرها [أو] أولها، فإنّ ذلك يمنع تمامها، وإذا استوعب جميع أجزائها فقد أتمها. ويدل على صحة ذلك ما روي عن علي كرم الله وجهه في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال: "إنّما إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فقد أطلق لفظ الإتمام على استيعاب أجزائها من جهة ابتداءها.
قال أبو بكر: فإذا كان من أصلهم في قضاء الفائت ما وصفنا رجعنا إلى مسألة الكتاب، فقلنا: قد بين لنا محمد من. المسألة ما يُكتفى به عن غيره، وذلك أنه قال: ينبغي له أن يختم بالتكبير، وبيان ذلك أنه لما كان حكم التكبير
عندهم أن يختم به صلاة العيد وهو مما يعاد في الصلاة أشبه بالتشهد الذي يختم به الصلاة ويعاد فيها، فلو أن رجلا أدرك الإمام في ركعة من الصلاة وقعد معه فيها، ثم قام يقضي لم يجد بدا من إعادته في آخر صلاته، ولم يعتبر ما فعله من القعدة مع إمامه، فكذلك هذا المدرك للركعة الواحدة من صلاة العيد، وإن كان قد فعل التكبير في الركعة الأولى بعد القراءة، فإنّه لا يعتبر ذلك ويختم صلاته بالتكبير وليس ذلك كالقنوت في الوتر إذا فعله المسبوق مع الإمام ثم قام يقضي أنه لا يعيده، وإن كان القنوت مما يختم به الوتر من قبل أنه ليس مما يُعاد في الصلاة.
فالعلة فيه اجتماع الوصفين جميعًا ولا يلزم القياس على وجود أحدهما، فلذلك فرقوا بينه وبين القنوت. ووجه آخر، وهو: أنا لو أمرناه بأن يبدأ بالتكبير كان قد والى بين التكبيرتين، وليس هذا قول أحد، فلا يفعل القضاء على وجه يؤتيه إلى مخالفة الإجماع.
قال أبو بكر وإنّما روى في نوادر الصلاة أنّه يبدأ في الثانية بالتكبير، فهو أشبه بأصل [أبي حنيفة وأبي يوسف على ما قدمنا من قبل أنّ المقضي عندهما هو أوّل الصلاة، فينبغي له أن يفعله على سببه، فيجوز أن يقال: أن جواب الجامع وكتاب الصلاة قول محمد بناه على أصله وجواب النوادر على مذهب أبي حنيفة وقد قلت: إن في الموالاة بين التكبيرين مخالفة الإجماع.
قيل له: قد يجوز أن يفعل في القضاء ما لا يجوز فعله ابتداء ولا يكون فيه مخالفة الإجماع ألا ترى أنه إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من المغرب قعد مع الإمام ثم يقوم فيقضي ويقعد في الركعة الأولى مما يقضيه ثم يقعد في آخر صلاته أيضا، فقد جاز أن يقعد لأجل القضاء في كل ركعة من صلاته ولا يجوز مثله على وجه الابتداء، ونحن لا نعلم إجماعا في القضاء، وإنّما الإجماع في فعله ابتداء أنّه لا يفعل على وجه الموالاة بين التكبيرين. فأما على وجه القضاء فلا يمنع على ما بيناه.
مسألة
قال محمد: وإذا افتتح الإمام صلاة العيد، وهو يرى تكبير ابن مسعود فسها فبدأ بالقراءة ثم ذكر بعدما فرغ من فاتحة الكتاب وسورة فإنَّه يكبر تكبير ابن مسعود، ثم يركع ولا يعيد القراءة، فإذا قام في الثانية صنع فيها ما صنع ابن مسعود في الثانية وعليه سجدتا السهو.
قال أبو بكر: الأصل في ذلك أنه متى فرغ من القراءة أو التكبير على التمام فقدم مؤخرًا أو أخر مقدمًا سهوا أو اجتهادًا فإنه لا ينقض ما فعله، ومن فرغ منه على وجه العذر ومتى لم يفرغ منه على التمام حتى زال العذر فعل كل ذلك على
الترتيب وألغى ما سواه والدليل على صحة ذلك: إنّ من ترك سجدة من الركعة الأولى من صلب الصلاة أو من تلاوة حتى قام في الثانية وركع، ثم ذكرها في الركوع أنّه يقضيها أو استحبّ له إعادة الركوع، ولو رفع رأسه من الركوع، ثم ذكر فقضاها لم يؤمر بنقض الركوع، فكذلك ما وصفناه.
قال محمد: فإن ذكر التكبير بعدما قرأ فاتحة الكتاب أو بعضها فإنّه يكبر ثم يعيد فاتحة الكتاب وسورة وذلك لما بيناه.
مسألة
وإذا افتتح الإمام صلاة العيد وهو يرى تكبير ابن عباس فلما فرغ من التكبير وأتم الركعة قام في الثانية فرأى في الثانية حين قام قول ابن مسعود هو الصواب، فإنّه لا ينبغي له أن يبدأ بالقراءة في الركعة الثانية كما يفعل ابن مسعود. قال أبو بكر: وذلك لما بيناه من أنّ اجتهاده متى أدّاه إلى خلاف ما مضى لم يتعقب الماضي بالنقض، واستأنف الأمر فيما يفعله بما أدّاه إليه اجتهاده.
قال محمد: وكذلك لو افتتح الصلاة وهو يرى تكبير ابن عباس فلمّا كبّر أربعًا أو خمسا رأى أنّ تكبير ابن مسعود هوالصواب.
قال أبو بكر: وذلك لما بيّنا من استأنف ما يفعله في المستقبل بما رآه قبله.
قال محمد ولو افتتح الصلاة وهو يرى تكبير ابن عباس، فكبر ثم قرأ، فرأى وهو يقرأ أنّ تكبير علي عليه السلام هو الصواب ولا يعيد التكبير.
قال أبو بكر وهذا أيضًا لما بينا من أنّه قد فرغ منه على تمام فلا ينقضه، ويستقبل الأمر في الثانية بما يراه.
قال محمد ولو أنّ إمامًا افتتح الصلاة يوم العيد، وهو يرى قول ابن مسعود، فلمّا كبّر أربعًا وقرأ فاتحة الكتاب أو بعضها رأى أنّ الصواب قول ابن عباس يرجع إلى التكبير فكبّر تكبيرتين أخرتين ثم أعاد فاتحة الكتاب وسورة، ثم رأى أنّ تكبير ابن عباس هو الصواب كبّر تكبيرتين، آخرتين، ثم كبر الثالثة فركع بها ومضى عليها ولم يعد القراءة، وذلك لما بيّنا من أنّ فراغه منها على تمام فلا ينقضها.
باب التكبير في أيام التشريق في أدبار الصلوات
اختلف الصدر الأول في تكبير التشريق، فاتفق عمر وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين في الابتداء أنّه من صلاة الفجر يوم عرفة واختلفوا في القطع، فقال علي وعمر رضي الله عنهما في أحد قوليه بعد صلاة العصر
من آخر أيام التشريق، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وعن عمر أنه يقطع بعد الظهر، وقال ابن مسعود: يكبر في صلاة العصر من يوم النحر ثم يقطع، وهو قول أبي حنيفة، واتفق ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت في الابتداء أنه من صلاة الظهر يوم النحر، واختلفوا في القطع، فقال ابن عباس إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق يكبر في الظهر ثم يقطع، وقال ابن عمر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق يكبر في الفجر ثم يقطع، وقال زيد بن ثابت: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
قال أبو بكر قد رُوي في ذلك أخبار مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد ليست بالقوية، وقد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كله توسعة على أمته، وترفيها لهم بالتخيير بين هذه الأشياء. والأصل في إثبات المقادير من طريق المقاييس ومتى لم يكن طريقه الاجتهاد علمنا أنه مأخوذ من طريق التوقيف، وإذا اختلف السلف من الصدر الأول كان ذلك عندنا على طريق التخيير، فمن ذهب إلى شيء منه كان موسعا عليه، وقد أشار عيسى بن أبان إلى مثل هذا المعنى فيما كان هذا سبيله وإنما يحتاج حينئذ إذا كان الأمر على ما وصفت إلى ترجيح بعض هذه الأقوال بشيء يغلب في النفس أنه أظهرها وأولاها بالفصل في أكثر الرأي، ولا يمكن إقامة دليل عليه من طريق القياس وهذا كما قلنا في سائر المقادير التي لا سبيل إلى معرفتها من طريق المقاييس، وإن سبيلها التوقيف والاجتهاد ونظير ما يكون طريقه التوقيف. قال أصحابنا في مدة الحيض ومقدار النفاس ومقدار المهر في العقد ومقدار التشهد إنَّه لما كان طريقه التوقيف جعلوا قول الصحابي فيه وقطعه عليه توقيفا، إذ لا جائز أن يقوله تخمينا، ولا سبيل إليه إلا من جهة التوقيف علمنا أنه قاله سماعا وتلقينا، ونظير ما كان طريقه الاجتهاد مقدار المتعة ومهر المثل وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد التوقيف بمقاديرها وؤكلت إلى اجتهادنا، فلما لم يرد في تكبير التشريق توقيف يوجب القطع به واختلفت الأخبار فيه مع اختلاف السلف في مقداره، علمنا أن طريقة الاجتهاد وسبيل الحكم فيه بأغلب الرأي.
قال أبو بكر: وكان أبو الحسن يحتج لقول أبي حنيفة بأن الأكابر من الصحابة قد روي عنهم في أيام المعلومات أنها العشر، ومنهم من جعلها يوم النحر ويومين بعده، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما سئل عن الأيام المعدودات، فقال: (هي أيام منى)، واتفقوا أن المعدودات ثلاثة أيام بعد النحر، فقد حصل من اتفاقهم أن يوم النحر من المعلومات، فثبت بذلك أن المعلومات مرادة بالتكبير لاتفاق الجميع على أنه يكبر يوم النحر فلو خُلينا، وظاهر
قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} لوجب التكبير في سائر الأيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه فيما قبل يوم عرفة أخرجناه من الظاهر بالاتفاق، وأوجبنا التكبير فيما عداه من أيام العشر وهو يوم عرفة ويوم النحر، إذ هما من المعلومات، ولم تقم الدلالة على أنّ ما بعد ذلك من مراد بالتكبير فلم نوجبه
فإن قيل: قوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ لم يرد به تكبير التشريق، لأنّ الله تعالى قال: {عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وليست هذه صلة تكبير التشريق، لأنّه يفعل عقيب الصلاة لا على الأضاحي والهدايا، وما في الآية يقتضي التكبير على الأضاحي والهدايا.
قيل له: المراد بقوله والله أعلم عَلَى مَا رَزَقَهُم "لما رزقهم" كما قال الله تعالى: كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} معناه: "لما هداكم، وكما يقال: "أشكر الله على نعمه يريد "النعمه"، فكأنّه أمرهم تعالى بالتكبير شكرًا له على نعمه عليهم فيما جعل لهم من القربة في هذه أيام منى، فهلا أوجبت التكبير فيها بالظاهر.
قال أبو بكر: ليس المراد بالذكر المذكور في هذه الآية تكبير التشريق المفعول في أدبار الصلاة لما في سياق الآية من الدلالة عليه، وذلك لأنّه عطف عليه قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى، ومعلوم أنّ هذا الحكم لا يتعلّق عند الجميع بتكبير التشريق فاحتجنا إلى طلب الذكر الذي يتعلّق به هذا الحكم في الأصول، فوجدناه الذكر المفعول عند الجمار، إنّ المراد هو الذكر الذي يتعلّق به المفعول عند الرمي وأيّام منى، وانتفى أن يكون المراد به تكبيرات التشريق.
قال أبو بكر: وقد احتج بعض شيوخنا لأبي حنيفة بأنّه لما صح أن افتتاح التكبير في أول يوم يفتتح به فرض الحج، وهو يوم عرفة وجب أن تكون خاتمته في أوّل يوم يمر فيه فرض الحج وهو يوم النحر.
قال أبو بكر: قال علي بن الحسن الرازي أصح هذه الأقاويل قول ابن عباس، واحتج لذلك بأنّ التكبير إنّما يجب في أيام المعدودات في الوقت الذي يقطع فيه التلبية، والتلبية إنّما تقطع مع رمي الجمرة، وإنّما ترمي جمرة العقبة بعد صلاة الغداة، والتكبير إنّما يفعل بعد الصلاة، فأوّل صلاة بعد رمي الجمرة هي الظهر وهي التي يجب فيها التكبير.
قال أبو بكر: وهذا ليس بدليل على ما ذكر، لأنّ مخالفيه لم يوافقوه على أنّ التكبير متعلّق بالرمي فيعتبر به، ويدلّ على فساده أنّ التكبير يجب على من لا رمي عليه في سائر الأمصار، فعلمنا أنّ اعتبار الرمي في هذا الباب ساقط لا معنى له. وابن عباس يوافقهم أيضًا أنّه يكبر في الظهر من آخر أيام التشريق، وإن كان ممن قد تعجّل في يومين فلم يتعلّق فعل التكبير بالرمي، لأنّه لو كان متعلّقًا به عنده كان يجب أن يسقط عمّن سقط عنه الرمي بالنفر.
فإن احتج يحتج لهذا القول بقول الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، وقضاء المناسك بعد رمي الجمرة وهو مسنون.
قيل الظهر وكذلك المسنون من فعل طواف الزيارة أن يفعله في ذلك اليوم بعد الرمي فلما كان قضاء المناسك في ذلك اليوم بعد صلاة الفجر وجب أن يفعل التكبير بعد الظهر، لأنّ هذا شرط الآية، ويستدلّ على صحة ذلك أيضًا بقوله في نسق التلاوة: {وَاذْكُرُوا اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ، فأوجب ذكرًا بعد قضاء المناسك في يوم النحر، ثم تلاه بذكر مفعول في أيام التشريق، فوجب أن يكون ابتداؤه يوم النحر وانتهاؤه آخر أيام التشريق.
الجواب: إن قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) لم يرد به تكبير التشريق في دبر الصلاة، وذلك أنّه روي في التفسير أنّ العرب في الجاهلية كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى يذكرون مفاخر آبائهم ومآثرهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأيّد لهم منه ذكره تعالى، ومعلوم أنّهم لم يكونوا يفعلون وذلك في دبر الصلوات، لأنّهم لم يكونوا مصلون وإنّما كانوا يفعلونه في محافلهم وعند اجتماعهم مع نظرائهم، فوجب أن يكون الذكر المحمول بدلا من ذلك مفعولا في تلك الحال، لأنّه لو تركه إلى وقت الصلاة لم يكن مفعولاً في موضعه ولا واقعا موقعه فإن قيل: فليس هناك ذكر بعد رمي الجمار غير تكبير التشريق.
قيل له: إنما أراد الله تعالى به إبطال فعل الجاهلية وندبهم إلى فعل ضدّه من ذكر الله وهو مندوب إلى ذلك عندنا وليس على جهة الوجوب وأما قوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) فقد بينا في الفصل الأول أن المراد به غير تكبير التشريق وعلى أن ابن عباس لا يعتبر ذلك بوقت الرمي، لأنه يقول: يكبر في الظهر ثم يقطع والرمي إلى آخر النهار لمن لم ينفر، ولو كان مفعولا عنده بالآية لوجب أن يفعله في العضو وأما وجه قول أبي يوسف ومحمد: فقد احتج محمد لنفسه في الكتاب لأن يكبر الرجل فيما لا يجب عليه أحب إلي من أن يترك التكبير فيما يجب عليه، وكأنه أخذ بالاحتياط، إذ لم يكن فيه سنة توجب الاقتصار على الأقل، ولا وجه من طريق القياس يوجب إلحاقه بأصل دون غيره.
فإن قيل: يلزمه على هذا الاعتلال الأخذ بالأكثر في تكبير العيد أيضا احتياطا.
قيل له: يجوز أن يفرق بينهما من جهة السنة الواردة في تكبير العيد على مذهب عبد الله كان عندهما أصح وأولى بالقبول من غيرها، وأنّ الأخبار لما تساوت وتعارضت في تكبير التشريق كان الأخذ بالاحتياط أولى. ويجوز أن يكون لما كان عندهما أنّ في مقدار تكبير صرفا من النظر يوجب قياسه على أصل من الأصول دون غيره وهو تكبيرات الجنازة كان عندهما أولى، ومثل ذلك غير موجود في تكبير التشريق، إذ لا شبه له في الأصول وليس فيه خبر يقطع به، فصار طريق الاجتهاد وعليه الرأي، فكان الأخذ فيه بالاحتياط أولى.
فصل
قال أبو بكر ثم اختلف أصحابنا فيمن يجب عليه وكيف صفته، فقال أبو حنيفة صفته أن يكون مفعولا في وقته في مصر جامع، وعلى من يصلي في جماعة من الرجال، ويسقط عمن سواهم. وقال أبو يوسف ومحمد: صفته أن يكون مفعولا في وقته، وعلى كل من صلى صلاة فرض كاننا من كان الحجّة لأبي حنيفة رحمه الله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار وعن علي كرم الله وجهه: (لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)، والتشريق اسم يقع على صلاة العيد ويقع على التكبير في أيام التشريق ويقع على الأضحية فعموم اللفظ يقتضي نفي ذلك في غير مصر. ويدل على أن التكبير مراد بهذا القول ما روي في خبر آخر: لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصرجامع، ومعلوم أنه لم يرد بالتشريق في هذا الخبر الأضحية ولا صلاة العيد، لأنه قد أفردهما بالذكر، فصح أن المراد به تكبير التشريق في هذا الخبر الأضحية ولا صلاة العيد، لأنه قد أفردهما بالذكر، فصح أن المراد به تكبير التشريق.
فإن قيل: إن التشريق إنّما أخذ من تشريق اللحم في تلك الأيام بمنى، ولا يتعلّق ذلك بالتكبير ولا مدخل له فيه، فكيف يصح دخوله في اللفظ
قيل له: معلوم أنّه لم يرد بالخبر تشريق اللحم، لأنّ تشريق اللحم جائز في كلّ موضع وفي كل وقت، فلا معنى لاعتبار تشريق اللحم، لأن تشريق اللحم في ذلك، إذ ليس هو مراد بالخبر، وحصل اللفظ على معنى غير ما وُضع له في الأصل على قول هذا القائل، ثم حينئذ لا تكون الصلاة والأضحية أولى باللفظ من التكبير، وقال أهل اللغة: إنّ أصل التشريق في اللغة إنّما هو الإظهار من ذلك قولهم: شرق" الشمس" إذا طلعت و"أشرق" إذا أضأت، ومنه قول العباس بن عبد المطّلب في مدح النبي عليه السلام:
"وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضأت بنورك الأفق" ظلمة الكفر بطلوع الشمس.
شبه ما ظهر من نور الإسلام بعد ظلمة الكفر بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل، وكانت العرب في الجاهلية إذا وقفت بالمزدلفة يقول: "أشرق ثبير كيما نُغير، يريدون ظهور الشمس على جبل يسمّى ثبير، وسمّيت ناحية مطلع الشمس مشرقًا لظهورها ابتداء فيها، وإذا كان كذلك فإنّ من جعله لتشريق اللحم، فإنّما أجزاء عليه، لأنهم كانوا يبسطون لحوم الهدايا في الشمس في هذه الأيام، والأصل فيه ما وصفنا، وإذا كان كذلك ثم كان التكبير في هذه الأيام مظهرًا مشهورًا يُعلنه فاعله في أدبار صلاته جاز أن يسمّى تشريقًا، وكذلك صلاة العيد لما كانت مُظهرة لخروج الكافة لها واجتماعهم عليها جاز أن يسمّى تشريفا.
فإن قيل: لو كان اسم التشريق واقعا على ما ذكرت لأجل ظهوره للذم أن تسمّى صلاة الجمعة تشريقًا لظهورها وكذلك الحج والمناسك كلّها لظهورها.
قيل له: إنّ الاشتقاق لا يُقاس وإنّما يؤخذ أصول الأسماء وما اشتق منها تلقينا من أهل اللغة، ثم لا يجوز لنا إطلاق تلك الأسماء على غير ما وردت فيه قياسًا عليها. ألا ترى أنّ اسم الحجّ في أصل اللغة هو القصد، ولذلك قال الشاعر يحُجّ مأمومةً في قعرها لَجَتْ
يعني يقصد، فسمّيت أفعال المناسك حبًّا لهذا المعنى، ثم لم يجز لنا إجراء هذا الاسم على كل من قصد لشيء من الطاعات كالصلاة والصيام ونحوها فكذلك ما وصفنا، فلما صح بما وصفنا اختصاص فعل التكبير بالأمصار وجب أن يكون مخصوصا بالجماعات ومن تلزمه الجمعة كصلاة الجمعة، فلما لم تلزم الجمعة غير أهل الأمصار وجب أن يكون مخصوصا بالجماعات ومن تلزمه الجمعة كصلاة الجمعة، فلما لم تلزم الجمعة غير أهل الأمصار المقيمين وجب أن يكون ذلك حكم التكبير والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما مخصوص بالمصر.
فإن قيل: تجوز الجمعة أيضا في غير مصر، واحتج بحديث أسعد بن زرارة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجهه من مكة إلى المدينة، فتجمع إذا كان معه أربعون وعن عمر أنه كتب إلى أبي هريرة: "جمعوا حيث ما كنتم
قيل له: ليس هذا موضع الكلام في صلاة الجمعة هل يصح في غير مصر أم لا فنستقصيه، ولكنا بنك عن هذا الفصل، فنقول أن ما روي في قصة أسعد حديث واه لا يحتج بمثله أهل المعرفة ولا يخفى سقوطه عليهم. يدل على فساده أن فرض الجمعة إنّما نزل بالمدينة كذا روي أن سورة الجمعة نزلت بالمدينة لا يختلفون فيها، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجهه إلى المدينة قبل أن يهاجر، فكيف يحتج بمثله وفرض الجمعة لم يكن ثم نزل بعد، وأيضا ليس في قوله: "كان يجمع أن النبي صلى الله عليه وسلم] أمره بذلك أو علم فعله فأقره عليه ثبتت حجة فعل الصحابي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكره. وأما حديث عمر رضي الله عنه فإنّ أبا هريرة كان أميرًا على البحرين، فكان يخرج من عمله إلى عمل آخر له، فتدركه الجمعة في عسكره في مصر، فكتب إلى عمر يسأله عن الجمعة فكتب إليه عمر: جمع حيث كنت من عملك"، وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يوجه إلى المواضع الكثيرة الأهل من يجمع بهم ولم يوجه إلى القرى والمياه من يجمع بهم، وهذا أظهر في النقل والعمل من أن لي على أحد من أهل العلم.
ووجه آخر يدل على أن تكبير التشريق مخصوص بالمصر أنّ التكبير لما كان مخصوصا بوقت في أدبار الصلوات تسقط بفواته، ثم وجدنا الصلوات المخصوصة بالأوقات التي تسقط بفواتها لا تلزم إلا أهل الأمصار والجماعات، مثل العيدين والجمعة وجب أن يكون التكبير كذلك، فلذلك لم تجب عند أبي حنيفة على المسافرين ولا النساء وإن صلوا جماعة، ولم يلزم المنفرد وإن كان مقيما، ولا أهل السواد. وأما أبو يوسف ومحمد فذهبا إلى أنه التشريق المذكور في الخبر إنما هو صلاة العيد، وهذا ذكر مسنون عقيب الفرض فأوجباه على كل مصلي فرض.
مسألة
قال محمد ولو نسي صلاة كانت وجبت عليه قبل أيام التكبير فذكرها في أيام التكبير وصلاها جماعة لم يكن عليهم تكبير، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، وحكم الفائت مفعولا على سببه ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر حتى طلعت الشمس صلى ركعتي الفجر قبلها ووصاها على سائر سننها بالأذان والإقامة وكذلك قال أصحابنا فيمن فاتته العشاء حتى طلعت الشمس فصلاها في جماعة: إنّ الإمام يجهر بالقراءة فيها ليقع قضاؤها على سننها، ولو نسي صلاة الظهر فصلاها ليلا جماعة لم يجهر بالقراءة فيها، فلما لم يكن التكبير مسنونا عقيب الفائتة في مسألتنا لم يلزمه التكبير فيها عند قضائها.
قال محمد ولو نسي قوم صلاة في أيام التكبير قضوها بعد أيام التشريق في جماعة أو فرادى لم يكن عليهم تكبير. والأصل في ذلك: أنّ السنن المخصوصة بأوقات تسقط بفوات أوقاتها، ودليل ذلك رمي الجمار وصلاة العيدين وسجود
السهو وترك القعدة في الادلبز الا ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها في الظهر فسبح به فلم يرجع. فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر حتى طلعت الشمس صلى ركعتين من الفجر فقد قضاهما بعد فوات وقتهما
قيل له: نحن نقضيهما أيضا على هذا الوجه كما قضاهما النبي صلى الله عليه وسلم، لأن وقتهما لم يفت بعد، وذلك أن وقتهما أن يفعلا قبل صلاة الفجر، فهما مفعولتان في وقتهما في هذه الحال.
مسألة
قال محمد ولو أنهم نسوها وهي صلاة من صلاة أيام التكبير فلم يذكروها حتى دخلت أيام التكبير من قابل فذكروها وصلوها جماعة أو فرادى لم يكن عليهم تكبير، وذلك لما قدمنا من فوات الوقت، وكما لو فاته رمي الجمار لم يرمه من العام القابل، وكما لو فاتته صلاة العيد لم يصلها من قابل.
قال محمد: ولو أنهم نسوها وهي صلاة من صلوات أيام التشريق فذكروها من آخر أيام التشريق وصلوها جماعة كبروا فيها.
قال أبو بكر: لم يفت وقت التكبير بتأخيره إلى آخر أيامه كما لا يفوت رمي الجمار بتأخيره إلى آخر أيامه، وكما لم يجعل تكبير العيد فاتنا للمأموم بإدراكه للإمام في القراءة والركوع، لأن هذه الأحوال يفعل فيها التكبير قائما آخره عن الوقت المستحب له إلى غيره كما يؤخّر الإنسان الصلاة عن الوقت المستحب له إلى غيره فلا يكون فاتته. ألا ترى أن من صلى عصر يومه عند اصفرار الشمس لم يفعل فائتة وإن كره له تأخيرها إليه، وإن من صلى العتمة بعد نصف الليل لم يفعلها فائتة مع كونه منهيا عن تأخيرها إليه.
مسألة
قال محمد: وإذا سهى الإمام فلم يكبر حتى خرج من المسجد كان على من خلفه أن يكبروا، وليس هذا بمنزلة سجدتي السهر.
قال أبو بكر: الفرق بينهما ما بينه محمد من أن سجود السهو من الصلاة والتكبير ليس من الصلاة، وبيان ذلك أن من أصل أصحابنا جميعا أن سجود السهو يفعل بناءً على التحريمة ألا ترى أنهم جميعا يقولون أنه لو ضحك بعد سجود السهو قبل أن يسلّم وجب عليه الوضوء، وأن أبا حنيفة يقول: لو طلعت الشمس في هذه الحال فسدت صلاته، فهم وإن كانوا مختلفين في خروجه من الصلاة بالسلام فلم يختلفوا أنّه إذا سجد فعله على حكم التحريمة وأنه في حكم الصلاة، واختلفوا فيه بعد السلام قبل أن يعود إلى السجود، فقال محمد وزفر لا يخرجه السلام من الصلاة، وقال أبو حنيفة يخرج من الصلاة بالسلام ثم يعود في حكمها بالعود إلى السجود وكان أبو الحسن يحكي عن أبي يوسف: أن سلامه مراعى فإن لم يعد في السجود كان خارجا من الصلاة بالسلام، وإن عاد لم يكن السلام قطعا، وإذا كان من أصلهم: أنه متى عاد إلى السجود كان في حكم الصلاة وأنه يفعله بناء على التحريمة وجب أن يسقط عنهم بسقوطه عن الإمام، لأن كل ما كان في حكم أفعال الصلاة يلزمهم اتباع الإمام فيها ألا ترى أنّ الإمام لو قام في الثنتيين من الظهر لزم
المأموم اتباعه والقيام معه. ويدل على أن السجود يفعل بناء على التحريمة أن السجود لا يجب إلا لترك بعض سنن الصلاة فيقوم مقام النقص الداخل فيها، فينبغي أن يكون مفعولا على حكم التحريمة.
وأما تكبير التشريق فليس هو مفعولا بناءً على التحريمة، لأنه ليس من الصلاة ولا من أسبابها، فلا يعتبر فعل الإمام فيما يلزم المأموم منه، والتكبير يشبه التلبية المندوب إليها للمُحرّم عقيب الصلاة أن اعتبار فعل الإمام ساقط فيها، ويشبه أيضا سجدة تلاها رجل فسمعها غيره أنه يسجدها سواء سجدها التالي لها أو لم يسجدها.
مسألة
قال محمد ولو أن الإمام قام ساهيا ولم يكبر وذكر ذلك بعدما خرج من المسجد لم يكن عليه تكبير، فإن ذكر ذلك وهو في المسجد عاد إلى مكانه فكبر، وذلك لأن هذا التكبير مسنون عقيب الصلاة، والخروج من المسجد يقطع حكم الحال التي عقيب الصلاة كما يقطع حكم الصلاة لغير الغون فسقط وأما ما دام في المسجد فإنّ موضع التكبير باق. ألا ترى أن من ظنّ أنّه قد أحدث فانصرف ولم يخرج من المسجد حتى ذكر رجع فبنى ولم يفسد صلاته، ولو ذكر أنه لم يحدث بعد الخروج من المسجد فسدت صلاته.
مسألة
ولو أحدث وهو في مكانه بعدما سلّم قبل أن يتكلم فإن كان أحدث متعمدا فلا تكبير عليه وإن أحدث غير متعمد كبر في مكانه قبل أن يتوضا، وذلك لأنّ الحدث متعمدا يقطع حكم الحال كما يقطع حكم الصلاة وهو مثل الكلام فسقط التكبير، لأنه يحصل غير مفعول عقيب الصلاة ولا في موضعه. وأما الحدث فإنه لا يقطع حكم الحال كما لا يقطع حكم الصلاة، وإنما أمره بأن يكبر قبل أن يتوضاً من قبل أنه غير مفعول في الصلاة ولا بناء عليها، وإنما يفعل خارج الصلاة عقيبها لا على وجه البناء، فلا يضره الحدث إذا لم يخرجه عن حكم الحال، وهذا يدل أيضا على الفرق بين التكبير وسجود السهو، لأن سجود السهو لا يفعل في حال الحدث، لأنه مفعول على وجه البناء على التحريمة.
مسألة
قال محمد ولو أن إمامًا يرى تكبير ابن مسعود فصلى خلفه قوم يرون تكبير علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بعض الصلوات التي لا يرى فيها الإمام التكبير، ويراه القوم فإنّهم يكتبرون خلفه وإن لم يكبر الإمام، وذلك لما بينا من أن المأموم لا يفعله على وجه الاقتداء، إذ ليس هو من الصلاة ولا يفعل بناء عليها، وشبهه محمد بسجدة تلاها رجل فإن سجد لها سجد القوم معه، يأتمون به فيها، وإن لم يسجدها سجدها القوم، وبمنزلة الإمام المحرم إذا ترك التلبية عقيب الصلاة فيفعلها المأمومون إذا كانوا محرمين.
باب الصيام والاعتكاف
قال محمد: وإذا قال الرجل: "الله" عليّ أن اعتكف شهزا ولم ينو شهزا بعينه فله أن يعتكف أي شهر شاء، ولكن لا بد من أن تتابع بين اعتكافه ولا يفرّق.
قال أبو بكر الأصل في ذلك أن الشهر عبارة عن الليل والنهار لا يختص بأحد الوقتين دون الآخر. ألا ترى أنه لو حلف الا يكلم فلانا شهزا أن الوقتين جميعًا يدخلان في يمينه، ولا يصدق في بيئة النهار دون الليل، كذلك الاعتكاف يشتمل الوقتين، ولا تعمل نية في تخصيصه.
والمعنى الجامع بينهما: أن الاعتكاف يصح في الوقتين كما يصح ترك الكلام، وأنه خص بالبينة ما ليس في اللفظ إذ ليس في اللفظ ذكر الليالي وهو كقوله: "لا أكل " أنه عام في جميع الأكل، ولا تعمل نية في تخصيص طعام دون طعام، إذ ليس الطعام مذكوزا في اللفظ ونيّة التخصيص إنما تعمل فيما كان موجودًا في لفظه، وليس هذا كقوله: "لا أكل طعاما ونوى طعاما دون طعام فيصدق فيما بينه وبين الله، لأنه خص بالنية مذكوزا في اللفظ. ووجه آخر أن قوله شهزا" لما كان عبارة عن الليل والنهار، فأنا متى علمنا بينة في أحد الوقتين كان الباقي بعض الشهر، فلما لم تصح العبارة بالشهر عن الباقي بعد التخصيص لم يعمل لأنه يؤدّي إلى إسقاط اللفظ وإنَّما الزمنا شهزا متتابعا، لأن الاعتكاف يصح في جميع آخر الشهر، فأشبه من هذا الوجه ترك الكلام ونحوه، وانتظم الليل والنهار على وجه التتابع، وإنما كان له أن يعتكف أي شهر شاء ولم يتناول النذر الشهر الذي يلي الإيجاب، وفارق اليمين في قوله: والله لا أكلمك شهرًا، فيكون من حين حلف من قبل الموجب بالنذر هو الاعتكاف، والشهر تقدير لهذه القربة وأخرجه مخرج النكرة، فلم يتناول "شهزا" بعينه كقوله: "لله عليّ أن أعتق عبدا إن ذكر العبد لما كان تقديرًا للقربة التي أوجبها من العتق لم يتناول عبدا، بعينه، ولهذا المعنى أصل في الكتاب وهو قوله تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ متتابعين) في الظهار وفي القتل وقوله: (وَسَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ) وسائر ما أوجب الله تعالى من الصيام مطلقا غير مقيد بوقت بعينه فلم يتناول وقتا بعينه، بل كان على أي شهر شاء، فوجب على هذا الأصل اعتبار كل قربة مقدرة غير مقيدة بوقت ربما ذكرنا من وقوعها على وقت غير معين، إذ كانت النذور محمولة على أصولها في الفروض وأما
اليمين على الكلام وما لا قربة فيه فله أصل آخر في تعلّقه بالوقت الذي يلي اليمين وهو قوله تعالى: وَلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر، فكانت المدّة من حين حلف وكذلك الإجارات والآجال.
قال محمد ولو قال: "الله" عليّ أن أصوم شهرًا ولم يبيّن شهرًا بعينه ولا متتابعا ولا نية له، فإن شاء فرّق بين صومه وإن شاء وصل.
قال أبو بكر: وذلك لأنّه معلوم وقوع اللفظ على الخصوص لاستحالة وقوع الصوم في الليالي فلم يقع الإيجاب متّصلا متتابعا فلم يجز لنا أن نزيد فيه التتابع، لأنّ التتابع صفة زائدة لا يجوز إيجابها باللفظ، ويدلّ عليه بما أوجب الله تعالى من الصيام المطلق من غير شرط التتابع أنّه لا تتابع فيه كقضاء رمضان وصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وصوم جزاء الصوم فيه وجب بقاء الإيجاب في الأيام على التتابع.
فإن قيل: إنّ الموجب لصوم شهر لم يوجبه إلّا متفرّقًا فلا يلزم التتابع في اللفظ.
قيل له: ليس صوم رمضان متتابعا عندنا، وإنّما هو صوم أيام معيّنة متجاورة. والدليل على ذلك: أنّ الصوم المتتابع متى فرّق فيه لزمه استئنافه كصيام شهرين متتابعين، وأنّه لو أفطر في و ما لم يلزمه قضاء الشهر كلّه، فعلمنا
أنّه ليس عليه في صوم رمضان شرط التتابع، وإنّما فيه تعيين أيام متجاورة والتتابع معنى آخر غير ذلك.
فإن قال: فقد أوجبت التتابع في صوم كفّارة اليمين مع الإطلاق وعدم شرط التتابع.
قيل له: إنّما أو جبناه بالتوقيف، لأنّ في قراءة عبد الله فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
مسألة
وإذا قال: الله عليّ اعتكاف شهر فعليه اعتكاف شهر بصومه لا بدّ منه، لأنّ الاعتكاف لا يكون إلا بصومٍ. قال أبو بكر: الدليل على أنّ الاعتكاف لا يصح إلّا بصوم: إنّ الله ذكر الاعتكاف في الكتاب مجملًا مفتقرًا إلى بيانٍ ولم يبين صفته لنا، فاحتجنا إلى بيان من غيره، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقع على وجه البيان فهو مراد بالآية، فصار كالموجود في لفظها، فثبت أنّه من شرط الاعتكاف كما لو كان موجودًا في لفظ الآية كان من شرائطه، ونظير
ذلك ما أوجبه الله من الفرض مجملا في الكتاب، ثم كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها على وجه البيان موجبا أنّه من أداء الله به كالصلاة والزكاة والحج.
فإن قيل: لفظ الاعتكاف في الكتاب ليس بمفصل، بل هو مبين المعنى ظاهر المراد، لأنه اسم للبث في المكان، وذلك معني معلوم غير محتاج إلى البيان، فلما قيده بذكر المساجد علمنا أنه هو الاعتكاف المراد باللفظ، ولا يفتقر مع ذلك إلى بيان غيره
قيل له: إن الاعتكاف وإن كان لبثا في اللغة فإنّه قد أريد به في الشرع معانٍ ليست بداخله اللفظ من جهة الاسم ولا بمعقول به ألا ترى أنّه لا يسمى كل لابث في المسجد معتكفا"، وهذا كما قلنا في الحج: إنّه يقع في اللغة على القصد والزيارة، ثم وقع في الشرع على معان أخر لم تكن معقولة في اللغة من جهة الاسم، وإذا لم يصح إطلاق لفظ الاعتكاف على كل لابث في المسجد إذ قد لبث في المسجد منتظزا للصلاة أو لغريم له أو ملزوما بدين فلا يسمى معتكفا في الشريعة علمنا أن هناك معنى آخر من أجله صح له أن يكون معتكفا، وذلك موكول إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لمتا وقع منه البيان بالصوم علمنا أنه هو المراد إذا لم يشرط أحد فيه معنى غير الصوم.
فإن قيل: ما أنكرت أن يكون المعنى المضموم إليه هو النية دون غيره كما كان الصوم في اللغة الإمساك، ثم الذي فرق بينه وبين الصوم الشرعي هو النية دون غيره كما كان الصوم في اللغة الإمساك، فكذلك الاعتكاف في اللغة هو اللبث، فإذا انضمت النية إليه صار اعتكافا شرعيًا.
قيل له: النية شرط فيه بالإجماع والصوم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّ كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو مراد بالآية لوقوع فعله على وجه البيان، وكون النية شرطا فيه لا يمنع أن يكون غيرها شرطا فيه أيضا، وكذلك إن سألوا في انضمام ترك الجماع إليه أجبناهم بمثل ذلك، ويقال لهم أيضا إن ترك الجماع ليس بقربة، والمعنى الذي يجعل اللبث قربة ينبغي أن يكون قربة في نفسه، وعلى أن ترك الجماع ليس بمعنى مضموم إليه، وإنما الجماع شيءٌ يحظره الاعتكاف، كما يحظر الإحرام الجنايات المحظورة فيه.
وقد استدل شيوخنا أيضا بأن الاعتكاف لما كان لبثا في المكان، ووجدنا اللبث في المكان لا يكون قربة في نفسه إلا بانضمام غيره إليه مثل الوقوف بعرفة ليس بقربة إلا بانضمام الإحرام إليه، فوجب ألا يكون الاعتكاف قربة إلا بانضمام
معنى آخر إليه هو قربة في نفسه لو تعزى عنه، ولم يشرط فيه أحدٌ معنى يكون قربة في نفسه إذا تعرّى عن غيره إِلَّا الصوم، فعلمنا أنّ الذي يجعله قربة لوجود قربة النية فيه وانضمامها إليه، وإن لم يكن الإمساك قربة إذا تعرى من النية، كذلك اللبث يجوز أن يصير قربة لانضمام النية إليه، وإن لم يكن قربة في نفسه عند تعرية منها من قبل أنا شرطنا أن يكون المضموم إليه قربة في نفسه تعرى عن غيره كالإحرام إذا تعرى عن الوقوف بعرفة كان قربة في نفسه نحو إحرام العمرة.
وأما النية فليست قربة في نفسها إذا تعرّت عن غيرها، وإنّما هي تابعة للأفعال التي قد ثبت أنها قربة في الأصول، فيحتاج إلى النية للفصل بين الفرض والنقل ألا ترى أنه ليس في الأصول نية هي قربة في نفسها غير متعلقة بفعل وفي الأصول صوم واجب فعله دون الوقوف وهو نادر العمرة، وبهذا المعنى بعينه وقع الفصل بين ترك الجماع في كونه مضمونا إلى اللبث وبين الصوم، لأنّ ترك الجماع في نفسه ليس بقربة إذا تعزى عن غيره ألا ترى أن من ترك الجماع ونواه لم يكن ذلك قربة، وإنّما ترك الجماع من موجب فروض أو أفعال أخر غيره ولا حكم له في نفسه، فلا يجوز أن يصير الاعتكاف قربة من أجله.
ودليل آخر، وهو: أنا وجدنا النذور لا تصح إلا بما له أصل في الفروض كما لا يكون قربة إلا بما له أصل في القرب. ألا ترى أن رجلا لو قال: "الله" علي المشي إلى المسجد" أو "أعود مريضا" أو "أسلم على إنسان" لم يلزمه بذلك فعل ما أوجبه على نفسه، لأنّ هذه الأشياء ليس لها أصل في الفروض، فلا تصير واجبة بالنذر، فلما وجدنا الاعتكاف يلزم بالنذر، ولم يكن للبث في المسجد أصل في الفروض علمنا أنّه إنما لزم لما يتضمن من الصوم الذي له أصل في الفروض.
والدليل على أن النذر لا يصح إلا بما له أصل في الفرض أنه لا خلاف أن النذر لا يصلح بما ليس له أصل في القرب مثل قوله: "الله" علي أن أمشي إلى "السوق" أو "أدخل هذه الدار" أو نحو ذلك من الأفعال التي ليست بقرب أنها لا تلزمه بالنذر، لأنه ليس لها أصل في القرب، فلا يصير ما ليس بقربة في الأصل قربة بالنذر، كذلك ما ليس له أصل في الفروض ينبغي الا يصير واجبا بالنذر.
فإن قيل: فقد تلزم العمرة بالنذر ولا أصل لها في الفروض عندك.
قيل له: أن العمرة هي الطواف والسعي ولهما أصل في الفروض وهو الحج.
فإن قيل: لما جاز الاعتكاف بالليل ولا صوم فيه علمنا أنّ الصوم ليس من شرطه
قيل له: قد جاز بقاء الاعتكاف بالليل ولا صوم فيه مع خروجه من المسجد لحاجة الإنسان ولم يدخل على جوازه في غير المسجد، وإن الكون في المسجد ليس من شرائطه، وأيضا يجوز أن يصير الاعتكاف بالليل قربة لصوم يتأخر عنه كما كان في المسجد ليس من شراطه اللبث بمنى قربة لرمي يفعله في اليوم الثاني، ولم يدل ذلك على أن اللبث بمنى قربة في نفسه لغير الرمي وأفعال الإحرام.
فإن قيل: لما جاز أن يعتكف في رمضان دل على أنه لا يقتضي صوما، لأنه لو اقتضاه لم يثبت عنه صوم رمضان كما لو نذر صوما لم يثبت عنه صوم رمضان.
قيل له: لم يقل: إن الاعتكاف عبارة عن إيجاب صوم حتى يلزمنا ذلك، وعلى أنه لو كان كذلك كان بمثابة من قال: "الله" علي صوم "رمضان" فلا تلزمه صوم غيره، وإنّما نقول: إن من شرائط الاعتكاف الصوم، ثم نبالي كان ذلك الإحرام نقلا أو فرضا، وكما نقول: إن من شرائط الصلاة الطهارة، ثم لا نبالي لأي شيء وقعت، وعلى أنه لو قال: "الله علي اعتكاف "شهر لم ينب عنه رمضان، لأنّه لزمه صوم لأجل الاعتكاف، وإنّما يجيز ذلك في رمضان إذا لم يتعلق بذمته، وكان الإيجاب متعلقا بعينه أو دخل فيه من غير إيجاب تقدمه.
فإن قيل: قد روى عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنّي نذرت أعتكف ليلة في الجاهلية"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرك)، فقد أمره بالوفاء به في ليلة مفردة مع استحالة وقوع الصوم فيها.
قيل له: قد روي خبر آخر أنّه قال: نذرت أن أعتكف يوما، وفي خبر آخر أنه قال: "نذرت أن أعتكف يوما وليلة، فنحمل الأمر على أنه سأله عن الأمرين جميعا، فقال: نذرت أن أعتكف يوما وليلة"، فقال له: (أوف بنذرك) يعني في النهار الذي فيه الصوم، وجملة الأمر في هذا الخبر أنه لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يثبت اللفظان جميعا على ما زويا فيكون على ما بينا، إذ ليس أحد اللفظين أولى بالإثبات من الآخر لتساويهما في النقل أو أن يبطلا جميعا إن حملا على التعارض، فلا يكون أحدهما أولى بالبطلان من الآخر، فيسقط حينئذ الاحتجاج به، ويصير بمنزلة ما لم يُرو، ووجب علينا طلب الدليل على الحكم من غيره.
قال أبو بكر وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لو قال: "الله" علي اعتكاف ليلة وأراد اليوم لزمه، وإن لم تكن له نية لم يلزمه، وليس فيه عن أبي حنيفة رواية على هذا التفصيل فيحتمل أن يكون قول أبي حنيفة أيضا إذا نوى اليوم كذلك، فإن كان كذلك فيحمل أن يكون عمر رضي الله عنه كان نوى ذلك وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أوف بنذرك قول عمر: نذرت أن أعتكف في الجاهلية يحتمل وجهين أحدهما أن يكون نذر قبل إسلامه، فإن كان هذا أراد فإن ذلك النذر كان معصية، لأنهم كانوا يعتكفون للأصنام، فقوله: (أوف بنذرك) لأجل نذره في حال الكفر فمنسوخ بقوله: لا نذر في معصية)، ويحتمل أن يكون نذره كان في حال إسلامه إلا أنه كان قبل فتح مكة في حال ما كان أهلها على الجاهلية، فأشكل عليه حكمه إذا كان جائزا سقوطه عنه لأجل تعذر فعله عليه في حال نذره، فامره عليه السلام بالوفاء به إذا كان نذره صحيحًا على الوجه الذي تقدم بيانه في الفصل المتقدم.
فإن قيل: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ومعلوم أن أولها يوم الفطر ولا صوم فيه.
قيل له: يحتمل أن يريد به في العشر الأول من شوّال فلا يستغرق الجميع ولا يدخل فيه يوم الفطر كما قال تعالى: الْحَجَّ أَشْهرُ مَّعْلُومات) معناه في أشهر معلومات، وإنّما هو يوم عرفة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة)، كذلك قوله: (اعتك العشر الأول)، معناه في العشر الأول، ويكون دليله ما تقدم ذكره من حجاج
مسألة
قال محمد وإذا قال: "الله علي أن أعتكف ليلة فلا شيء عليه، وذلك لأنّ ليلة لا تكون عبارة عن غيرها، ولا يكون غيرها تبغا لها. ألا ترى إلى قوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الْفِ شَهْرٍ ومعلوم أن اليوم لا يدخل فيها، وقال تعالى:
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ و إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وإِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ هو مقصور على سواد الليل، فلذلك لم يلزمه بالنذر لعدم الصوم فيه.
قال محمد ولو قال: "لله عليّ أن أعتكف يوما لزمه ذلك يدخل المسجد قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، وذلك لأنّ اليوم عبارة عن ماض النهار لا يدخل منه غيره تبعًا له.
قال: محمد: ولو قال: "الله" عليّ أن أعتكف ليلتين أو "يومين لزمه ليلتان بيوميهما، يدخل المسجد قبل غروب الشمس فيمكث ليلته ويومها وليلته الأخرى ويومها، وروى ابن سماعة وغيره عن أبي يوسف أنّ عليه يومين وليلة يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، ويبقى فيه ذلك اليوم والليلة واليوم الثاني، ويخرج بعد غروب الشمس من اليوم الثاني، وروي نحوه عن زفر. وقال زفر: أيضًا إذا قال: "لله" عليّ أن أعتكف شهرا دخل فيه الليلة الأولى ويبتدئ بها، ففرّق بين أن يوجبه بذكر الأيام وبين إيجابه بلفظ الشهر.
قال: لأن الشهر عبارة عن الوقتين جميعًا من الأيام والليالي والأيام ليست عبارة عن الليالي، وإنّما يدخل فيها ما يتخللها من الليالي على وجه التبع لاستحالة وجود يومين إلّا بأن يتخلّلها ليلة، والليلة الأولى لم يتنظمها اللفظ ولم يوجبها الحكم من جهة البيع، فلذلك اختلفا عنده.
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أنّه متى ذكر جميعًا من الليالي أو الأيام دخله مثله من الآخر فيه، فإذا قال: "ثلاثين ليلةً" كانت عليه بأيامها، وكذلك إذا قال: "ثلاثين يومًا كانت عليه بلياليها، وذلك معنى معقول في اللفظ.
والدليل عليه قوله تعالى: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، وقال في آية أخرى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، والقصة واحدة فعبر تارةً بذكر الأيام وتارةً بذكر الليالي، فعلمنا أنّ إحدى العبارتين تفيد ما تفيده الأخرى. ألا ترى أنّه حين أراد التفرقة بين الوقتين في العدد لم يقتض على إطلاق إحدى العبارتين دون تدان الأخرى بعددها فقال: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ}، لأنّه لو لم يفصل كان المعقول سبعة أيام بعدد الليالي المذكورة، وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر، ومعقول فيها الليالي بأيامها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الشهر تسع
وعشرون ليلة، وفي لفظ آخر: تسعة وعشرون يوما، فعبر تازة بالأيام وتارة بالليالي. ويدل على ذلك أيضا: أن جميع الأيام يستحيل وجوده إلا ويتخللها الليالي، وكذلك يستحيل وجود جميع الليالي إلا بتخلل الأيام، فعلمنا أن كل جميع من أحد الوقتين يقتضي بالوقت الآخر مثله، فلذلك قلنا: يجب أن يستوفي في مسألتنا: يومين بليلتيهما.
مسألة
ولو قال: "الله" علي أن أعتكف ثلاثين ليلة وقال: نويت الليل دون "النهار" فلا شيء عليه، وذلك أن اسم الليل لسواد الليل، وإنما تدخل الأيام فيه تبغا لا من جهة اللفظ بل من جهة الحكم، فإذا نوى حقيقة اللفظ عملت نيته، وإذا لم تكن له نية لزمه اعتكاف ثلاثين يوما من جهة ما ذكرنا من دخول الوقت الآخر فيه على وجه التبع.
قال محمد ولو قال: "الله" علي أن أعتكف ثلاثين يوما وقال: "نويت النهار" دون "الليل" فهو كما قال، وإن شاء فرق اعتكافه وإن شاء جمع، لأن قوله يوما" حقيقته لبياض النهار، ويدخل فيه الليل تبغا من جهة الحكم على الحد الذي وصفنا، فإذا نوى ما وضع اللفظ له حقيقة وأن يكون الحكم مقصوزا عليه دون غيره كان كما نوى، وليس هذا كقوله: "لله علي اعتكاف "شهر"، لأنّ اسم الشهر لا يختص بأحد الوقتين دون الوقت الآخر، بل يشملهما ويقع عليهما وقوغا واحدًا.
مسألة
قال محمد ولو قال: "الله" علي أن أعتكف شهر "رمضان فعليه أن يعتكف بالليل والنهار، فإن صامه ولم يعتكفه كان عليه قضاء اعتكافه، فيعتكف شهزا مكانه متتابعا ويصوم.
قال أبو بكر: وروي عن أبي يوسف في الإملاء أن الاعتكاف يسقط عنه إذا صام رمضان ولم يعتكفه. أما وجه قولهم في جواز صوم رمضان عن الاعتكاف الموجب فيه فهو ما قلنا: إن الاعتكاف لا يوجب الصوم وإنما الصوم من شرائطه فاق صوم ضم إليه حالا، وهذا كرجل قال: "لله علي المشي إلى مكة لحجة الإسلام، فلا يلزمه إحرام آخر، ومع ذلك لو لم يقل لحجة الإسلام لزمه إحرام ولا ينوب عنه حجة الإسلام، وكما يقول في الوقوف بعرفة: إنَّه ليس بقربة إلا بإحرام، ومع ذلك لا يوجب الإحرام بدلالة أن إحرام الفرض يصيّر قربة، وأيضا فإنّ العين متى علق بها نذرًا أجزات
عن نفسها وعنه بدلالة أنّ من حال الحول على ماله فوجبت فيه الزكاة، ثم نذر صدقته فتصدق به عن النذر وعن الزكاة جميعًا.
وأما وجه قول محمد: إنّه إذا صام رمضان ولم يعتكفه كان عليه أن يعتكف شهرًا آخر مكانه يصوم فيه، فهو أنّه لما صام رمضان ولم يعتكفه بقي الاعتكاف في ذمته عاريًا عن الوقت الموجب فيه، فصار بمنزلة من قال: "لله عليّ أن أعتكف شهرا"، فيلزمه ذلك بصومه، لأنّ فوات العين لا يمنع بقاء الاعتكاف، إذ قد يصح الاعتكاف في العين تارةً وفي الذمة أخرى.
فإن قيل: فهو لم يوجب على نفسه صومًا غير صوم رمضان فكيف ألزمته ذلك؟
قيل له: إن لم يلزم نفسه صومًا فإنّ صحة لزوم الاعتكاف عنه متعلقة بشهر رمضان فلا يسقط بفواته ألا ترى أن من قال: "لله عليّ صوم رجب" ففاته صومه لم يسقط عنه.
قال محمد: فإنّ اعتكفه في رمضان قابل لم يجزه.
قال أبو بكر: لما لم يضمّه في الأوّل حصل في ذمّته، ومن كان في ذمّته اعتكاف شهر لم ينُب عنه صوم رمضان، وليس كذلك إذا لم يفت رمضان الأول فيجزيه أن يقتضيه فيه من قبل أنّه لم يحصل بعد في ذمّته ما دام فعله في العين مقدورًا عليه. ونظير هذا رجل دخل مكة بغير إحرام أنّ عليه أن يرجع فيحرم من الوقت، فإن أحرم في هذه السنة بحجة الإسلام أجزته مما لزمه بالدخول، لأنّه لم يحصل الإحرام في ذمته ولو تحوّلت السنة لم يجزه حجة الإسلام مما لزمته بالدخول، لأنّ تحوّل السنة أوجب حصول إحرام في ذمته فلا ينوب عنه حجة الإسلام.
قال: محمد ولو أنّه أفطر شهر رمضان الأوّل من غير عذر وجب عليه قضاء باعتكاف متتابع، فإن قضاه باعتكاف متتابع أجزأه، لأنّ الصوم الذي أوجب فيه الاعتكاف باقٍ فيجزيه له أن يقضيه فيه، فهو بمنزلة من كان عليه قضاء رمضان فقال: "لله عليّ أن أعتكف فيما أقضيه من رمضان، فلا يلزم صوم غيره، وقد استشهد محمد على ذلك بالرجل يقول: "الله" عليّ أن أعتكف رجبًا ثم أفطر فيه أنّه يجوز له قضاؤه باعتكافه، ومع ذلك إن اعتكف مكانه شهر رمضان لم يجزه.
قال أبو بكر هذا استشهاد صحيح على المسألتين جميعًا. ووجه دلالته عليها: أنّ فوات صوم رجب يلزمه الصوم والاعتكاف في ذمته، وكذلك فوات صوم رمضان يحصل الصوم والاعتكاف في ذمته، فينبغي أن يستويا في باب القضاء على الوجه الذي بيّنه محمد
مسألة
قال محمد: ولو قال: "الله عليّ أن اعتكف "رجب فاعتكف مكانه شهر ربيع أجزاء في قول أبي يوسف، وكذلك الصلاة والصدقة، وقال محمد تجزيه الصدقة ولا يجزيه الصوم والصلاة.
قال أبو بكر: كان أبو الحسن يحتج في ذلك باتفاق الجميع على أن قربة الأوقات لا يتعلق بها الإيجاب. ألا ترى أنه لو قال: "لله علي صوم يوم عاشوراء" فلم يصمه أجزاء أن يصوم يوما آخر مكانه، ومعلوم أن صوم عاشوراء أفضل من غيره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صيام يوم عاشوراء كفارة سنة وكذلك صوم يوم عرفة أفضل من غيره ولو نذره ثم أفطر فيه قضى عنه يوما مكانه، فلو كانت قربة الوقت يتعلق بها الإيجاب لكان على ناذر صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة إذا أفطر فيهما أن ينتظر قضاء هما في يوم عاشوراء أو في يوم عرفة من قابل، فلما اتفق الجميع على سقوط ذلك ثبت أن قرية الوقت لا يتعلق به الإيجاب، وإذا صح ذلك صار ذكره الوقت وترك ذكره سواء في باب اللزوم، فصار فيما لزمه بمنزلة من قال: "الله" علي صوم شهر فيجوز له أن يصوم أي شهر شاء، وبمنزلة من قال: الله علي أن أصوم في ثوب كذا فصامه في ثوب آخر أنّه يجزيه، لأن الإيجاب لا يتعلق بثوب دون غيره كذلك لما لم يتعلق الإيجاب بقربة الوقت صار ذكره الوقت كذكره الثوب، وكمن قال: "الله" علي أن أصلي في هذا الثوب"، فصلّى في غيره، وكذلك الأماكن بهذه المثابة ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من سبعين صلاة في غيره)، ثم لو قال: "لله" علي أن أصلي في مسجد الرسول" جاز له أن يصلي في غيره عند محمد، وقد روي أن رجلا نذر أن يصلي في بيت المقدس فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالمدينة.
فإن قال: تعليق النذور بالأماكن مخالف لتعلقها بالأوقات، لأنا لم نجد صلاة تختص بمكان حتى لا يجوز أداؤها في غيره، وقد وجدنا الصوم والصلاة يختصان بأوقات حتى لا يجوز أداؤهما في غيرهما كمن يصلّي أو يصوم قبل الوقت فلا يجزيه. قيل له: الصلاة عندنا قد تختص بأماكن مخصوصة حتى لا يجوز فعلها في غيرها، كالصلاة بالمزدلفة لو صلّى الحاج المغرب في وقتها قبل أن يأتي مزدلفة لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، فعلمنا أن هذا الفصل ساقط، وقد وجدنا قربا آخر
متعلقة بأماكن لا يصح فعلها في غيرها كالوقوف بعرفة والطواف وغيرهما، على أن محمدًا وزفر وجميع من خالف
في ذلك لا يخالف في نذر يوم عاشوراء أن غيره ينوب عنه وإن لم يكن مثله في فضيلته.
فإن قيل: فقد قالوا: إنه إذا نذر صوم يوم الفطر ثم صامه أجزاء عن النذر، ولم يجعلوا ذلك بمنزلة قوله: "لله علي أن أصوم يوما" فلا يجزيه يوم الفطر عن نذره، فإذا جاز أن يتعلق النذر بالعين إذا عينه، وفارق إطلاقه من غير تعيين من الوجه الذي وصفناه دل ذلك على أنه لا يجوز تقديمه، لأنه بمنزلة فعل الشيء قبل وقته.
قال أبو بكر: الجواب: إن هذا السؤال لا يعترض على استدلالنا بل هو مؤكد له، وذلك لأنا قلنا: إن تعيين الوقت لا يمنع صحة حجة الإيجاب في الحال، وأنّ الوقت وإن كان مخصوصا بقربة ليس في غيره فغير مانع من لزوم الشيء له في الحال، وهذا الذي ذكره السائل يدل على ذلك أيضا، لأنّ قربة الوقت لما لم يتعلق بها الإيجاب، فكذلك كون الوقت منهيًّا عن الصوم فيه لا يمنع صحة الإيجاب فهو قد جريا من هذا الوجه قرن وأما الفرق بين النذر المطلق والمقيد في امتناع جواز المطلق في يوم الفطر، وجواز أداء المقيد فيه فغير قادح في المعنى الذي اتفقا فيه وهو صحة الإيجاب. ألا ترى أن من قولهم جميعا أن رجلا لو قال: "الله" علي أن أتصدق بهذا الدرهم أن النذر متعلق بالعين حتى لو هلك الدرهم سقط النذر، ومع ذلك لو أدى درهما أخر أجزى عنه فلم يمنع تعلق النذر بالعين من هذا الوجه من جواز أداء غيره عنه، فكذلك تعلّق الإيجاب باليوم المعين لا يمنع جواز تقديمه، وحكي عن أبي سعيد البرذعي أنه كان يحتج لقول أبي يوسف بأن هذا إيجاب مؤجّل فهو محسن في إسقاط الأجل.
قال أبو بكر وهذا احتجاج صحيح وبيانه أن دخول الأجل فيه لا يمنع صحة الإيجاب في الحال كما أن دخول الأجل في ثمن المبيع لا يمنع لزوم الثمن في الحال قبل حلول الأجل، لأن الثمن لو لم يلزم إلا بعد الأجل لكان المشتري قد ملك على البائع السلعة في الحال من غير بدل لزمه وهذا لا يجوز، لأن حكم عقود المعاوضات أن يحصل لكل واحد منهما الملك بإزاء ملك الآخر. وأيضا لو كان لزومه متعلقا بحلول الأجل لبطل البيع، كما لو باعه على ألا يلزمه الثمن في الحال، وإنما يلزمه عند مجيء شهر بطل البيع. ويدل على أن البائع قد ملك على المشتري الثمن في الحال مع التأجيل أنه متى قبض الثمن اعتد بوقت الأجل في وجوب الزكاة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الأجل المذكور في النذر غير مانع جواز تقديمه كما أن المشتري إذا رضي بتعجيل الثمن، وإسقاط الأجل كان محسنا في ذلك ويدل على ذلك أيضا أن عندهم من قال لامرأته: أنت طالق غذا أنه موقع في الحال لطلاق موصوف، وإن ذلك ليس بيمين عندهم، ولو قال: إذا قدم زيد فأنت طالق كان حالفا ولم يكن موقعا، فكذلك يجوز أن يفرق بين قوله: "الله عليّ صوم رجب" وبين قوله: "إذا قدم زيد فلله علي صوم "رجب" في جواز تقديم أحدهما وامتناعه في الآخر.
قال أبو بكر وللمسألة عندي وجه آخر على ما قاله أبو يوسف يوجب تصحيح مقالته، وذلك أن النذر لا يخلو من أن يكون سببًا للوجوب المتعلق بالوقت أو ليس سببا له، فإن لم يكن سببا فواجب الا يجزي تقديم الصدقة التي علق وجوبها بالوقت قبل مجيئه، لأن من أصلهم جميعا أن تقديم الفروض والواجبات على أوقاتها لا يجوز إلا عند وجود أسبابها، ولا يختلف في ذلك عندهم حكم ما كان من ذلك حقًّا في المال أو على النذر ألا ترى أنهم لا يجوزون تقديم الزكاة قبل وجود النصاب لعدم سببها، وأن من جرح صيدا أو رجلا فكفر بالرقبة التي هي حق في المال أو بالصيام الذي هو حق على البدن عند عدم الرقبة في القتل أن ذلك يجزيه لأجل وجود سببه، وكذلك يجوز تقديم الزكاة عندهم بعد وجود النصاب لأجل وجود السبب، فلم يختلف حكم ما هو حق في المال أو على البدن في أن كل واحد منهما لا يصح أداؤه إلا بعد حضور وقته أو وجود سببه، فلما اتفق الجميع على أنّ النذر سبب لجواز أداء الصدقة المتعلقة بالوقت قبل مجيء وقتها علمنا أن النذر هو سبب الوجوب، فواجب على هذه القضية الا يختلف حكم ما كان من ذلك حقًّا في المال أو على البدن.
وأما ما احتج به محمد لنفسه من يشتبهه نذر الصوم بصوم رمضان ونذر الصلاة بالصلاة المفروضة والصدقة بالزكاة، فغير قادح فيما وصفنا، لأنا نقول: هلا شبهته بجواز صوم القتل قبل موت المجروح، وبجواز صوم جزاء الصيد قبل موت الصيد، وبجواز فعل صوم المتعة بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج لأجل وجود سببه أو لا ترى أن اليمين لما لم يكن سببا للوجوب لم يختلف حكم الصدقة والصيام عندهم جميعا في امتناع جواز أدائها قبل الحنث في المسألة التي ذكرناها في الكتاب أنه إذا قال: "إذا قدم فلان فلله علي صدقة أو صوم" أنه لا يجزيه تقديم شيء من ذلك على قدوم فلان لأن اليمين ليست بسبب للوجوب عندهم جميعا، وكذلك لا يجوز تقديم كفارة اليمين بالله على الحنث عندهم، لأنها ليست سببًا لوجوب الكفَّارة، فكان أبو الحسن يقول في حجاج محمد: إنّه يلزمه على اعتباره ألا يجوز إيجاب صوم النذر إلا في العين التي أوجبها الله فيها، فإذ قد جوّز ذلك ولم يمتنع إيجاب الله الصوم في تلك العين وجوبه في غيرها من جهة النذر، ويخالف في ذلك بين الأصل والفرع الذي هو موجب بنذره في التعيين لزمه بتجويز المخالفة بينهما جواز تقديم النذر، وإن امتنع ذلك في العين الموجبة في الأصل.
قال: ويلزمه أيضا قياما على تجويزه للنذر في غير العين تجويز إيجاب الحج إلى غير البيت، وإلّا يمنع ذلك تخصيص الله إياه بالمكان لزمه بالنذر في غيره كما لم يمنع تخصيص رمضان بالصوم من إيجاب صوم في غيره، فإذا لم يجز ذلك في المكان مع جوازه في الصوم صح لنا امتناع قياس النذر على نظائرها في الأصول من الوجه الذي قاسه محمد
قال أبو بكر وهذا لا يلزمه عندي من قبل أن له أن يقول: إنّي إنّما أقيس ما له نظير في الأصول. فأما القياس مع عدم النظير فساقط، وليس في الأصول حج إلى غير ذلك المكان ولا في غير ذلك الوقت المخصوص به، وقد وجدت في
الأصول صومًا يجب في غير رمضان مثل الكفارات وجزاء الصيد وغيرها، فجاز إيجابه في غير رمضان ولم يجز إيجاب الحج إلى غير ذلك المكان، وله أن يقول أيضا إن القياس يسوغ عند وجود الخلاف فأما مع حصول الإجماع والقياس ساقط وفي الحنين جميعا إجماع أعني في امتناع نذر الحج إلى غير البيت وجواز الصوم في غير رمضان. وأما جواز النذر المضاف إلى وقت قبل مجيئه فمختلف فيه، فساغ لي القياس عند وقوع الخلاف.
ومما يؤيد به حجاج محمد اتفاق الجميع على أنّ النذور محمولة على أصولها في الفروض من ذلك أن من قال: "الله علي صلاة كان أقل ما يلزمه ركعتان لأنّ أقل فروض الصلاة ركعتان ويلزمه من السنن والطهارة وسائر شرائط الصلاة مثل ما يلزمه في الفروض وقد قالوا: أنه لو قال: "الله" علي إطعام مساكين أن عليه طعام عشرة مساكين، لأنّ هذا نذر فحملوه على أصله في الفروض وهو اليمين، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ النذر يمين)، وقال: (لا نذر في معصيته، وكفارته كفارة يمين)، فكذلك يجب أن نحمله في الوقت على أصله في الفروض، والله أعلم.
مسألة
قال محمد: ولو قال: "إذا قدم فلان فلله علي أن أتصدق "بدرهم فعجل صدقته قبل أن تقدم لم يجزه.
قال أبو بكر: وذلك لأنه علّق الوجوب بشرط فلما لم يوجد الشرط لم يجب.
فإن قيل: فهلا جعلت اليمين سببًا للنذر، فجوزت تقديم الصدقة على الشرط لوجود اليمين، وهلا جعلتم هذا مفارقا للحلف بالله في امتناع جواز الكفارة قبل الحنث، لأن من اعتلالكم هناك أن اليمين إنّما لم يكن سببا، لأن الوجوب يتعلق بالحنث واليمين الحنث، وهذا المعنى غير موجود ههنا في مسألة النذر من قبل أنّ اليمين غير مانعة من قدوم، ولأن فلا يمتنع أن يكون سببًا له، إذ قد تعلّق به من غير أن يكون مانعا منه.
قيل له: ليس كل ما لم يمنع من شيء يكون سببًا له حتى يلزمنا ما ذكرت واليمين التي هي شرط، وجواب أبعد في كونه سبيا من الحلف بالله تعالى، وذلك أن هذا الرجل إنّما الزم نفسه الحق بوجود الشرط فكيف يجوز تعلّق الإيجاب عليه قبل وجوده، وإذا تتعلق به حكم الإيجاب إلا بوجود شرطه لم يجز تقديمه على وقت وجوبه، ولما كان اليمين مع وجودها لم يتعلق الإيجاب بها إلا بوجود فعل آخر وهو القدوم لم يجز أن يكون اليمين سببًا كما لم يكن النكاح سببا للظهار حتى يجوز تقديم كفارته لأجل وجود النكاح قبل أن يظاهر من قبل أنّه يحتاج في وجوب الكفارة إلى فعل