رسالة في حق الاستنجاء
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
هند أحمد خليل حسن
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في حق الاستنجاء
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
هند أحمد خليل حسن
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
رسالة في حق الاستنجاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى،
اعلم أنه يسّن الاستنجاء: وهو إزالة النجو؛ أي ما يخرج من البطن بنحُو؛ حجر، ومَدَرٍ، ويمسحُ مخرجه بيده اليسرى، حتى ينقيه.
ولا يسنّ عدد، حتى إن حصل الإنقاء بحجر واحدٍ حصلت السنة، وإلّا فيما يحصل به، ولو زاد على الثلاثة، ولكن تندب ثلاثة أحجار، يدبر بالحجر الأول، ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث، صيفًا، ويقبل بالأول، ويدبر بالثاني، ويقبل بالثالث، شتاءًا، وتفعل المرأة فيهما، كما يفعل الرجل صيفًا، هذا هو المشهور.
وفي "المجتبى": المقصود الانقاء، فيختار ما هو الأبلغ والأسلم، عن زياة التلويث عنده.
وفي "القنية" «جمع الحديث النهي عن الاستنجاء باليمين، والنهي عن مسّ الذكر بها، فيأخذ الذكر بشماله فيمّره على جدار أو موضع ناتئ من الأرض، إنما (من نفع شبهة) إن أمكن. وإلّا فيأخذ الحجر بيمينه، ولا يحركّه، بل يمّر العضو عليه.»
وفي "شرح البخاري" " لابن حجر"، وفي الكل، من ادّعى أنه في هذه الحالة يكون مستنجيًا بيمينه، فقط غَلِطَ، وإنما هو كمن صبً بيمينه الماء على يساره، حال الإستنجاء.
واتفقوا على إجزاء الحجر في الخارج المعتاد.
واختلفوا في غير المعتاد، وفيما أصاب في الخارج:-
1. ذكر في "الخلاصة"، «عدم إجزائه في الأول».
2. وفي "القنية"، «عدم إجزائه في الثاني»
3. وصحّح "الزيلعي" «عموم الأجزاء للكل»؛ فقال: «ولا فرق بين أن يكون الخارج معتادًا أو غير معتادٍ في الصحيح حتى لو خرج من السبيلين، دم، أو قيح، يطهر بالحجارة، وكذا لو أصاب موضع الإستنجاء نجاسة من الخارج، تطهر بالإستنجاء بالحجارة، ويسقط اعتبار ما بقي من النجاسة بعد الاستنجاء بالحجر، في حق الصلاة والعرق، لا في حق الماء.»
قال صاحب "الكفاية": «صلّى بدون الغَسل مع استعمال الأحجار، يجوز بلا كراهة بالاجماع، بخلاف قليل النجاسة، يعني في غير موضع الاستنجاء، حتى كُرهت الصلاة معها عندنا ولم يجز عند "الشافعي" رحمه الله.»
وقال "الزيلعي": «إذا أصابه العرق من المقعد بعدما استنجى بالحجر، لا ينجسّه ولو قعد في ماء قليل ينجسّه في الصحيح.»
وأمّا غسل المقعد بالماء، بعد الحجر، فقيل أدب؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يواظب عليه، وقيل سنة في زماننا، فقد روى "البيهقي" رحمه الله في "سننه" و"ابن أبي شيبة" في "مصنفه":عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: «من كان قبلكم يبعرون بعرًا وانتم تتلطون تلطا فاتبعوا الحجارة الماء».
قال الشيخ "كمال الدين ابن الهمام" وما رواه "الشيخان":عن أنس - رضي الله عنه - «أنه - صلى الله عليه وسلم -، كان يدخُل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي معي أداوةً من ماء، فيستنجي بالماء}، ظاهر في مواظبته - صلى الله عليه وسلم - على الاستنجاء بالماء) (، ومفيد كونه سنة في كل زمان».
ونقل في "الحواشي العصامية" " لصدر الشرعية" عن "الكافي" «أنه إن أمكن الغسل بلا كشف العورة، فهو سنة بعد الحجر، وتاركه فاسق».
وفي "المجتبى" «وإن احتاج إلى كشف العورة يستنجي بالحجر دون الماء».
قالوا: «ومن كشف العورة للإستنجاء، يصير فاسقًا، والجمع بين الماء والحجر أفضل فيقدّم الحجر أوّلا ثم يستعمل الماء لتخفّف النجاسة».
وتقل مباشرتها باليد، ويكون أبلغ في النظافة، ثم الغسل وحده أفضل في التنقية بنحو الحجر والمدر لإزالته النجاسة بالكلية.
قال "القدوري" في "مختصره": «وإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا المائع».
وقال "الزاهدي" في "شرحه": «هذا مبهم لابد من بيانه، وذلك أنه إذا جاوزت المخرج أكثر من قدر الدرهم لم يجزئ إلا المائع لأن الحجر لا يقلع الخبث، ولا ضرورة في الكثير ولا بلوى فيجب قلعها بالمائع، وإن تجاوزت النجاسة المخرج وهي أقل من قدر الدرهم، فكذلك عند محمد رحمه الله.
وعند ابي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، لا يجب لأن المخرج عفو ساقط الاعتبار
وقالوا: والمراد بالمخرج نفس المخرج وما حوله من موضع الشرج، فإنما يجب الغسل بالماء عندهما إذا تجاوز وراء موضع الشرج أكثر من قدر الدرهم» انتهى.
وأما البول إذا تجاوز عن رأس الإحليل أكثر من قدر الدرهم فالظاهر، أنه يجزئ فيه الحجر، عند أبي حنيفة رحمه الله.
و عند محمد، لا يجزئ إلّا إذا كان أقل من قدرالدرهم. كذا في "السراج الوهّاج") (، لكن في "الخلاصة") (إن كان على طرف إحليله نجاسة أقل من قدر الدرهم وعلى موضع آخر أقل من قدر الدرهم، (لكن لو جمع يزيد على قدر الدرهم بجميع) يجمع انتهى.
فهذا أحوط، وذاك أوسع، وصفة الإستنجاء بالماء على ما ذكره "الزيلعي" وغيره أن يستنجي بيده اليسرى بعد ما استرخى كل الاسترخاء، إذا لم يكن صائمًا، ويصعدا إصبعه الوسطى على سائر الأصابع قليلًا في إبتداء الإستنجاء، ويغسل موضعها، ثم يصعد بنصره ويغسل موضعها (يصعد خنصره ويغسل موضعها) ثم سبابته فيغسل حتى يطمئن قلبه، أنه قد طهر بيقين أو غلبة ظنّ، ويبالغ فيه إلا ان يكون صائمًا.
وفي "الخلاصة") («ويصبُّ الماء قليلًا، ثم يزيد ليكون أطهر».
وفي "المفاتيح" «ثم يفيض الماء باليمنى على محل النجو ويدلك ببطن الأصابع من اليسرى، حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بحاسّة اللمس».
وفي "النوازل") (، «حتى يعود من اللينة إلى الخشونة»، وفي "الفوائد الزينية") (، «يشترط إزالة الرائحة عن موضع الإستنجاء، والأصبع الذي استنجى به، إلّا إذا عجز، والناس عنه غافلون».وفي "الخلاصة".
وهل يشترط عدد الصبّات؟ والصحيح أنه مفوّض إليه. وقال "الزيلعي": «ثم لا يقدّر بالعدد، لأن هذه النجاسة مرئية، فالمعتبر فيها زوال العين، إلّا أن يبتلى بالوسوسة، فيقدّر في حقه بالثلاث، وقيل بالسبع، وقيل بالتسع، وقيل بالعشر، ومع طهارة المغسول يطهر اليد».
كذا في "الملتقط"، «ومسح اليد على الجدار بعد الإستنجاء أدب، وله أن يمسحها على جدار مبتل أو مستأجر».
كذا في "القنية". والمرأة كالرجل، تغسل ما ظهر منها، ولو غسلت براحي أكفاها، كذا في "فتح القدير" هذا.
وأمّا ما اعتاده بعض الناس من صبّه الماء في كفه اليسرى ونقله بها إلى المقعد فمع كونه تكلّفًا، لا يرام، وترجيحا لعادة العوام، يبعد أن يحصل به المرام، بل صرّح في بعض الشروح بعدم حصوله به، ولو مع استعمال ماء النهر كله، ويغسل ذكره بعد الحجر ندبًا، ويستبرئ قبله وجوبًا بالمشى، أو التنحيح، أو الاضطجاع على شقه الأيمن، حتى يستقر قلبه على انقطاع العود، كذا في "الظهيرية".
وقيل يكتفي يمسح الذكر، واجتذابه ثلاث مرات، والصحيح أن طباع الناس وعاداتهم مختلفة، فمن في قلبه أنّه صارطاهرًا، جاز، له أن يستنجي، لأن كل واحد أعلم بحاله. كذا في "التاترخانية"، وفي "الشرح الصغير" "للمنية"، «وينبغي أن ينضح فرجه وسراويله بالماء، إذا توضأ أو يحتشي بالقطن، إن كان الشيطان يريبه كثيرًا، قطعًا لوسوسته، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به قدر ما يصلي الصلاة، وكذا الحكم في احتشاء دبره».انتهى.
وإن ابتلَّ الطرف الأول ولم تنفذ البلة لم ينقض، وكذا إن نفذت إلى الطرف الآخر منه، وكان هو أيضًا داخلًا متسفلًا على رأس الإحليل، لأن الخروج لم يوجد، بخلاف ما لو نفدت، وكانت القطنة عالية على رأس الإحليل، أو محاذية له فإنه ينتقض. ذكره في "مختارات النوازل"، و"البديع".
وإن احتشت المرأة في الفرج الخارج فابتل داخل الحشو انتقض، نفذ أو لم ينفذ، لأن الفرج الخارج من الفرج الداخل بمنزلة الأليتين من الدبر، فيعتبر الخروج من الفرج الداخل، وقد وجد، وأمّا إذا احتشت في الفرج الداخل فإن كانت البلّة نفذت إلى الجانب الآخر، فإن كانت القطنة عاليةً، أو محاذيةً لحرف الفرج، كان حدثًا، لوجود الخروج وإن كانت مستفلة عنه لا ينتقض لعدم الخروج.
كذا في "شرح المنية" " للعلامة ابن أمير الحاج"، «وفيه أيضًا ثم الذي يظهر أنهم حيث شرطوا للنقض خروج القطنة واخراجها، رطبة، أو مبتلة، أرادوا أن يكون بها أثر من حدث أصابها من داخل رطبًا كان حالتئذ أو جافًا بواسطة حرارة المحل، ولعل التنصيص على كونها رطبة أو مبتلة احترازًا عن أن تخرج كما دخلت لم يصبها شيء، وهذا هو المراد من قولهم، وإن كانت يابسة لم ينتقض فاعلمه» انتهى.
ولو احتشت المرأة فرجها الداخل وغيَّبت القطن كلّه، فسد صومها، لأنه من الجوف إجماعًا، بخلاف الرجل إذا حشى ذكره فغيَّبه كله. قال الشيخ الإمام "كمال الدين ابن الهمام") (: وما نقل عن خزانة الأكمل أنه إذا حشى ذكره بقطنة فغيّبها يفسد صومه، كاحتشائها مما تقتضى بطلانه حكاية الاتفاق على عدم الفساد في اقطار الدهن، مادام في قصبة الذكر، ولا شك في ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، نجزت هذه الرسالة بعون الله تعالى وحسن توفيقه على يد العبد الضعيف والمذنب النحيف، عالم محمد بن حمزة، عفا الله عنهما رب العزة، بين الصلاتين لثالث آخر الرّبيعين المنتظم في سكة شهور سنة تسع ومائة وألف من هجرة من ارتدى بغاية العز ونهاية الشرف، صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسائر عباد الله الصالحين، من أهل السموات والأرضين.