[24]
[رِسَالَةٌ في] حَفْرِ المُرَبَّعَاتِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[24]
[رِسَالَةٌ في] حَفْرِ المُرَبَّعَاتِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
681)
(24) [رِسَالَةٌ في] حَفْرِ المُرَبَّعَاتِ
* سئل - رحمه الله تعالى - عن رجلٍ استأجر أُجراء يحفرون له مربعة عمقها قامتان وأزيد ليغرس فيها الكرم، فانهدمت حائط من حيطان المربعة على بعضهم في حالة الحفر، فمات فهل يهدر دمه أو يطالب به رفقته أو يطالب به المستأجر؟ وماذا يجب في ذلك؟.
فأجاب:
لا مطالبة على المستأجر وعلى الرفقة الذين يحصصهم وتقسط حصّة الميت. وهذا مما لا خلاف عندنا نعلمه في ذلك.
فلفظ الرواية هكذا:
ولو استأجر أربعة نفرٍ يحفرون له بئرًا فوقعت عليهم من حفرهم فمات أحدهم، فعلى كلّ واحدٍ من الثلاثة ربع الدّية وهدر الربع؛ لأنّه حصل بجنايتهم. والله أعلم.
فأحضر إليه سؤال ثانٍ في رجلٍ استأجر ثمانية رجالٍ يحفرون له مربعة في رملٍ عمقها قامتان وأزيد ليغرس فيها الكرم، فانهدمت حائط من حوائطه الأربعة على اثنين منهم في حالة الحفر، فماتا. فهل يهدر دمهما أو يطالب به رفقتهما، أو يطالب به المستأجر. وماذا يجب في ذلك؟.
وعليه جوابٌ صورته:
682)
الحمدُ لله المنعم بالصّواب. لا ضمان على أحدٍ ممن ذكر في ذلك، ولا مطالبةَ فيه والحالة هذه. والله أعلم.
قال الشيخ ?: فخشيت أن يخفى جوابي ويظهر هذا للحكام الذي يخفى عليهم بعض الأحكام الشرعية.
فكتبت إلى جانب ذلك الجواب، ما صورته:
الحمد لله. ربّ زدني علماً.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
لا يهدر ذمّتهما، ويطالب رفقتهما بديتهما، فعليهم دية ونصف دية لأولياء كل واحدٍ منهما: ثلاثة أرباع دية، ويهدر ربع هذا مما لا خلاف فيه عندنا.
وأمّا المستأجر فلا شيء عليه. والحالة هذه والله أعلم.
وخشيت من أصحاب الأغراض الفاسدة أنهم يحتجون في مثل هذه الواقعة بذلك الجواب ويقولون:
قد أجاب فلانٌ في مثل هذا بكذا، كما يقولون في أحكام بإجماع المسلمين صدرت من بعض الحكام: قد حكم فلانٌ في مثل هذا بكذا، فعلقت هذا التعليق وضفنته عبارات كتب علمائنا ليتمكّن القائم لله من الرّد على المبطلين.
فعبارة التجريد والإيضاح والمفيد والمزيد (1): ولو استأجر أربعة نفرٍ
(1) (التجريد الركني في الفروع) للإمام ركن الدين، عبد الرحمن بن محمد المعروف، بابن أميرويه الكرماني الحنفي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، وشرحه =
683)
يحفرون له بئراً، فوقعت عليهم من حفرهم، فمات أحدهم، فعلى كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة ربع الدِّية (1)، وهدر الرُّبع؛ لأنّه حصل بجنايتهم جميعاً (2). انتهى بحروفه.
وعبارة المبسوط (3): ولو كان الأجراء أربعة فوقع عليهم من حفرهم، فمات واحدٌ ضمن الثلاثة. كلّ واحدٍ ربع الدية (4) وهدر ربع الدية؛ لأن الأجراء مباشرون للإتلاف؛ لأنّ البئر إنما انهارت عليهم من حفرهم، فصارت كما لو استأجر أجراء لهدم حائط فسقط حالة الهدم من أيديهم شيءٌ على إنسافي ضمن الهادمُ؛ لأنّه مباشرٌ. فكذا هذا. والأمر سبب والضط ن على المباشر دون السبب. فقد تلفَ المقتول بجنايته وبجناية ثلاثة من أصحابه وجنايته مهدرة، وجناية أصحابه معتبرة. كما لو جرح نفسه جراحة وجراحة
= وسمّاه: (الإيضاح)، وهو ثلاث مجلدات. وشرحه أيضاً: شمس الأئمة، تاج الدين، عبد الغفار بن لقمان الكردي الحنفي، المتوفى سنة اثنتين وستين وخمس مئة، وسماه: (المفيد والمزيد). كشف الظنون (1/ 345).
وقال المصنف في تاج التراجم (ص 12): عبد الغفور بن لقمان بن محمد تاج الدين، أبو المفاخر الكردري، تفقه على: أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وتولى قضاء حلب للعادل نور الدين محمود، وصنّف شرحاً على الأخسيكتي، وشرحاً على التجريد، وسمّاه: المفيد والمزيد، وشرح الجامع الصغير على طريق الجامع الكبير في تقرير أصول الأبواب، وكان على غاية من الزهد، توفي سنة اثنتين وخمسين، وقيل: اثنتين وستين وخمس مئة.
(1) تحرف في المخطوط إلى: (الدرية).
(2) انظر الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري (5/ 47).
(3) انظر المبسوط للشيباني (3/ 47 -. . .) والمبسوط للسرخسي (7/ 422 -. . .).
(4) تحرف في المخطوط إلى: (الدرية).
684)
ثلاثة ضمنوا ثلاثة أرباع الدية. فكذا هذا. انتهى.
وهذه عبارة المحيط والذخيرة أيضاً.
وعبارة القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان (1): رجلٌ استأجر أربعةَ رهطٍ يحفرون له بئراً فوقعت من حفرهم، فمات أحدهم، كان على كل واحدٍ من الثلاثة الباقين ربع دية الميت، وسقط ربعها، فبقي ثلاثة الأرباع. انتهى.
وعبارة البدائع (2): ولو استأجر أربعة نفرٍ يحفرون له بئراً، فوقعت عليهم من حفرهم، فمات أحدهم، فعلى كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة ربع الدِّية، وهدر الرّبم؛ لأنَّه مات من أربع جناياتٍ إلا أنَّ جناية المرءِ على نفسه هدرٌ، فبطل الرّبع، وتثبت جناية (3) أصحابه [عليه]، فتعتبر، ويجب عليهم ثلاث (4) أرباع الدِّية على كلِّ واحدٍ منهم الرّبع.
وقد روى الشَّعبيُّ، عن علي ?: أَنَّه قَضَى عَلَى الْقَارِصَةِ وَالْقَامِصَةِ (5) وَالْوَاقِصَةِ بِالدِّيَة أثَلاثًا وَهُنَّ (6) ثَلاثُ جَوَارٍ، كبَتْ (7) إحْدَاهُنَّ الأُخْرى، فَقَرَصَتْ الثَّالِثة الْمَرْكُوبةَ فَقَمَصَتْ (8) فَسَقَطَتْ الرَّاكِبةُ فَقَضَى لِلَّتِي وَقَصَتْ بِثلثَيْ الدِّيَةِ عَلَى
(1) مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي (1/ 318 و 3/ 450) نقلاً عن قاضي خان.
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (16/ 437 -. . .).
(3) في البدائع: (وبقي جنايات).
(4) في المخطوط: (ثلاثة).
(5) تحرف في المخطوط إلى: (والقانصة).
(6) تحرف في المخطوط إلى: (بين).
(7) تحرف في المخطوط إلى: (كتب).
(8) تحرف في المخطوط إلى: (فقنصت).
685)
صَاحِبَتِهَا، [وَأَسْقَطَ الثُّلُثَ]؛ لأَنَّ الْوَاقِصَةَ أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا (1).
وَرُوِيَ: أَنَّ عَشَرَة مَدُّوا نَخْلَة فَسَقَطَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَمَاتَ، فَقَضَى عَلِي ? عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُشْرِ الدِّيَةِ، وَأَسقَطَ الْعُشْرَ؛ لأَنَّ الْمَقْتُولَ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ (2). انتهى بحروفه. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ استأجرَ جميع بستانين يعرف أحدهما بابن أبي الفرج والآخر بجنينة للنّصارى، وساقى على ما بالبستانين من النخيل والأشجار المساقاة الشرعية، على أن يقوم على النخيل والأشجار الكائنة بالبستانين المعلومة عندهما العلم الشرعي بنفسه، وبمن يستعين به من رجاله على ما يجوز عليه عقد المساقاة الشرعية من تنظيفٍ وتأبير وسقى على العادة في مثل ذلك، على أنّ مهما طلعه الله من ثمره في ذلك كانت مقسومة بينهما على مئة جزءٍ، وتسعةٍ وتسعين جزءاً للمساقي المذكور، وجزءٌ واحدٌ لربّ الأشجار المذكورة، ثم إن المستأجر المذكور أجّر البستان المعروف بجنينة النّصارى لرجل آخرَ، وساقاهُ كما في أبحاره، ومساقاته من غير زيادة، ثم إنّ المؤجّر الأوّل جافى غيبة المستأجر منه ووضع يده على جميع سواقط البستانين، وجميع ثمرة البستان المعروف بجنينة النّصارى، وباع ذلك وتصدّق فيه لنفسه. فماذا يجب عليه للمستأجر منه، وللمستأجر الآخر؟.
فأجاب الشيخ - رحمه الله تعالى -:
(1) لم أجده.
(2) لم أجده.
686)
الحمدُ لله. ربّ زدني علماً.
لا يجب عليه لا للمستأجر منه ولا للمستأجر الثاني. وللمستأجر الثاني على الأجر أجرُ مثل عمله إن كان عمل، والحالة هذه. والله أعلم.
ثم كتب على هذا جماعةٌ من أهل الديار المصرية من الحنفية ألواناً من الأجوبة بغير علمٍ.
فواحدٌ كتب:
الحمدُ لله الهادي للحقّ.
يجب على المتعدي منعُ يدهِ مما هو كذلك مع المقابلة والضمان على الوجه الشرعي.
وكتب آخر تحت خطه:
الحمدُ لله، وبه توفيقي.
إذا وقعت المساقاة للثاني بشروطها المعتبرة شرعاً، فهيَ صحيحةٌ. وعليه ما التزمه من العمل. وله المسمى من الخارج من ثمرة البستان، فإذا وضع أحدٌ يدهُ على الثمرة بغير إذنِ مالكها يكون متعدّياً، ويلزمه الضمان بطريقه الشّرعي.
وكتب ثالثٌ:
الحمدُ لله المنعمِ للصّواب.
ما وضع المؤجّر الأوّل يده بغير طريقٍ شرعي، وتعدى فيه من ذلك، يلزمه قيمته للمستأجر منه، الذي يستحقه بطريقة شرعاً، ويزجر ويردع على تجرئه وتعديه. والحالة هذه.
687)
وإنّما قال الشيخ ?: ما تقدّم؛ لأنّ لفظ الرواية والسواقط لصاحب النخيل؛ لأنّها ليست من الثّمرة، وإنّما هي بمنزلة النّخل نفسه.
هذا لفظ علمائنا بحروفه.
ولفظها في مسألة الثمرة والنخل لا يدفعها إلى غيره، إلاّ أن يقول له ربُّ النّخل: اعمل فيه برأيكَ. هذا لفظ أصل المبسوط (1).
ولفظ التجريد والمفيد والمزيد والإيضاح (2): ولو دفع نخلاً معاملةً، ولم يقل: اعمل برأيك. فدفع العاملُ إلى غيره معاملةً فعمل فيه، فما (3) خرج فهو لصاحب النّخل، وللعامل الآخر على العامل أجر مثله؛ لأن العامل الأوّل لم يعمل، فلم يستحق شيئاً. والثاني عمل بحكم عقدٍ فاسدٍ؛ لأنّ العامل لا يملك أن يعامل غيره بدون الإذن.
ولفظ البدائع (4): ومن أحكام المعاملة: أنَّ العامل لا يملك أن يدفع إلى غيره معاملةً، إلَاّ إذا قال له ربُّ النَّخل (5): اعمل فيه برأيك؛ لأنَّ الدَّفع
(1) انظر: المبسوط للسرخسي (7/ 213 -. . .) ورد المحتار (26/ 127) وحاشية رد المحتار (6/ 598)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (16/ 214)، والبحر الرائق (21/ 500).
(2) (التجريد الركني في الفروع) للإمام ركن الدين، عبد الرحمن بن محمد المعروف، بابن أمير وبه الكرماني الحنفي، شرحه وسمّاه: (الإيضاح). و (المفيد والزيد) لشمس الأئمة، تاج الدين، عبد الغفار بن لقمان الكردي الحنفي. تقدّم الكلام عنهم.
(3) في المخطوط: (فيما). والصواب ما أثبت.
(4) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (14/ 31).
(5) في البدائع: (الأرض).
688)
إلى غيره لا يثبت (1) إثبات الشَّركة في مال غيره بغير إذنه فلا يصحُّ، وإذا قال له: اعمل أفيه، برأيك، فقد أذن له، فصحَّ، ولو لم يقل له: اعمل فيه برأيك، فدفع العامل إلى رجلٍ آخر معاملةً، فعمل فيه، فما خرج (2) فهو لصاحب النَّخل، ولا أجر للعامل الأوَّل؛ لأنَّ استحقاقه بالشَّرط - وهو شرط العمل - ولم يوجد العمل منه (3) بنفسه (4) ولا بغيره أيضاً؛ لأنَّ عقده معه لم يصحَّ، فلم يكن عمله مضافاً إليه، وله على العامل الأوَّل أجر مثل عمله [يوم عمل]؛ لأنَّه عمل له بأمره، فاستحقَّ أجر المثل. انتهى.
ولفظ المحيط: دفع إلى رجلٍ نخلاً (5) له معاملة منه بالنصف، ولم يقل له: اعمل برأيك، فدفع العامل إلى غيره معاملةً، فالخارج كله لصاحب النّخل، وللعامل الآخر على الأوَّل أجرٌ مثل عمله، ولا أجرَ للأوّل على صاحب النّخل؛ لأنّ الأوّل صار مخالفًا غاصباً لما دفع نخل غيره إلى غيره وأشركه في الخارج بغير إذن صاحبه، فلا يستحقّ الأجر؛ لأنَّه غاصبٌ. وقد استأجر الثاني بشيءٍ بعينه وهو لا يملكه، وقد أوفى الثاني العمل فيستحقّ أجر المثل على الأوّل؛ لأنّ الخارج تولّد من النّخل، فيكون لصاحبه. انتهى.
ولفظ الذخيرة: وإذا دفع إلى رجلٍ نخلاً معاملةً بالنّصف ولم يقل: اعمل برأيك، فدفع العامل إلى آخر معاملة يعمل فيه فما خرج فهو لصاحب النّخل.
(1) (لا يثبت) غير موجودة في البدائع.
(2) في البدائع: (فأخرج).
(3) في البدائع: (منه العمل).
(4) في المخطوط: (نفسه).
(5) تحرف في المخطوط إلى: (دخلا).
689)
وللعامل الآخر على العامل الأول أجر مثله فيما عمل بالغاً ما بلغَ، ولا أجر للعامل الأوّل. أمّا لا أجرَ للعامل الأوّل؛ لأنّه يكون إيجاب الشركة في مال الغير. والعامل الأوّل لم يعملن بنفسه. وعمل الثاني غير مضافٍ إليه؛ لأن العقد الأوّل لم يتناوله، فلا يستحقّ أجر المثل، وإنّما للعامل الثاني أجر مثل عمله على الأوّل؛ لأنه أوفى العمل. وقد استأجره الأول فيستحقّ أجر المثل عليه. قالوا: وقوله: بالغاً ما بلغ. قول محمّدٍ. أمّا عند أبي يوسف فلا يتجاوز به ما سمّى. انتهى. والله ? أعلم.
* * *
* و سئل الشيخ من مدينة غزّة:
هل يجوز للجندي أن يؤجر ما أقطعه الإمام الأعظم من أراضي بيت المال، ولا يجوز لكونه غير متمكنٍ من استمرار التسليم في جميع المدّة، لجواز أن يخرجه عنه في أثناء المدّة، وبكونه ملك منفعة ذلك لا في مقابلة مالٍ، فهل للجندي نظير المستأجر في أنّ له أن يؤجّر أو نظير المستعير في أنّه ليس له أن يؤجّر المستعار.
فإن قيل لجواز الإجارة ولزومها، فهل إذا مات المؤجّر إن أخرج الإمام الأرض عنه، وأقطعها لغيره تنفسخ الإجارة أو لا؟.
فإن قيل: بعدم انفساخها، فهل تبقى بأجر المثل أو بما سمّاه المؤجّر الأوّل. والحال: أنّ الأرض المؤجّرة لم يكن للمستأجر فيها بناءٌ ولا غرسٌ ولا نسبٌ.
فأجاب:
690)
الحمدُ لله. ربّ زدني علماً. نعم.
لهُ أن يؤجّر ما أقطعه الإمام، ولا أثر لجواز إخراج الإمام له في أثناء المدّة، كما لا أثر لجواز موت المؤجّر في أثناء المدّة ما أجّرَ، ولا لكونه ملك منفعةً لا في مقابلة مالٍ لاتفاقهم على أنّ من صولح على خدمة عبدٍ سنة كان للمصالحِ أن يؤاجره إلى غير ذلك من النصوص الناطقة لجواز إيجار ما ملكه من المنافع لا في مقابلة مالٍ، فهو نظير المستأجر؛ لأنه ملك الإقطاع بمقابلة استعداده لما أعدّ له، لا نظير المستعير لما قلنا، وإذا مات المؤجّر أو أخرج الإمام الأرض عن المقطع تنفسخ الإجارة لانتفاء الملك إلى غير المؤجّر. كما لو انتقل الملك في النظائر التي خرج عليها إجارة الإقطاع، وهي إجارة المستأجر. وإجازة العبد الذي صولحَ على خدمة مدةً معلومةً، وإجازة الموقوف عليه الغلّة. وإجازة العبد المأذون، وما يجوز عليه الإجازة من مال التجارة، وإجازة أم الولد. والله أعلم.
ثم وقف الشيخ على جواب لبعض الحنفية من أهل العصر صورته:
الحمد لله المنعم للصّواب.
نعم يجوز للجندي أن يؤجّر إقطاعه حيث كان، يتضمن إقطاعه له ملك المنفعة والتصرّف فيه في العرف العام بما يراه، وليس هذا نظير المستعير وتكون الإجارة من المقطع صحيحة لازمةً حيث كانت مشتملةً على شروطها شرعاً، ولا ينفسخ بالموت ولا بإقطاعه غيره.
فإنّ الإمام جعله كالوكيل في ذلك. وتبقى بالمسمّى الذي وجد في شرط اللزوم، ويشهد لذلك؛ قواعد علمائنا والحالة هذه.
قال الشيخ - رحمه الله تعالى -:
691)
قوله: في العرف العام. مستدرك لاستناده التصرف من ملك المنفعة، ولعدم صلاحيته؛ لأنه يكون وكيلاً.
وقوله: إنه لا تنفسخ بالموت ولا بإخراج الإمام الإقطاع عنه. مخالفٌ لحكم النّظائر التي خرج جواز الإقطاع عليها، كما صرّحت بها.
وقوله: إنّ الإمام جعله كالوكيل مخالفاً لما صدر به من أنّه ملك المنفعة والتصرّف بما يراه.
وقوله: إنّ القواعد تشهد بذلك. من نوع فتاوى الرأي. حيث لا يتصور أن يكون مالك المنفعة على الانفراد وكيلاً في إيجارها عن غيرها. والله أعلم.
* * *
* قال - رحمه الله تعالى -:
ورد علينا من دمشق من قبل الأمير قراجا الظّاهري (1) ثلاثة أسئلة:
الأوّل (2): في قتيلٍ وجدَ في محلّةٍ أو بين قريتين أو بين طائفتين التقتا بالسيوف وغيرها، فأجلوا عن قتيلٍ وطلب أولياء القتيل ديَته من أهل المحلّة، أو أقرب القريتين، أو أحد الطائفتين، أو منهما جميعاً، وادّعوا عليهم فقضى لهم بالقسامة والدية عليهم، ودفعوا الدية إلى أولياء القتيل، ثم تصرّف الأولياء في الدّية، واقتسموها فيما بينهم، فهل يكون أخذ أولياء المقتول الدية وقبولها عفواً عن القاتل من القصاص؟.
(1) انظر الضوء اللامع للسخاوي (3/ 273).
(2) الذي ذكر في المخطوط المسألة الأولى والثالثة وربما يكون ذلك بسبب سقط من الناسخ.
692)
وهل يكون العفو قبول الدية في قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]. شاملاً لما ذكر سواءٌ كان القاتل معلوماً أو مجهولًا أم لا؟.
ثم إذا ظهر القاتل بعد ذكرٍ هل يعود الأمر إلى القصاص، وينقض ما دفع من القسامة، وإعطاء الدية أم يبطل القصاص؟.
وهل لأولياء القتيل أن يدّعوا بذلك على القاتل أم لا؟.
وإذا بطل القصاص واستمر حكم الدية، وادّعى أهل المحلّة أو غيرهم على أولياء القتيل بالمال الذي أخذ منهم حيث ظهر القاتل؟.
وهل لأولياء القتيل رد المال على أهل المحلّة أو غيرهم، بأنّ القتيل وجدَ بين ظهرانيكم، وقد أعطيتم الدية بحكم الشرع وجدًا لكم ما وقع منكم من التقصير في الحفظ والمنع من القتل، وكان ذلك بحيث عليكم أم ليس لهم ذلك؟.
وهل للذين أخذ منهم الدية الرجوع على أولياء المقتول سواء كان منهم أو من غيرهم؛ وتؤخذ الدية من القاتل أو من عاقلة القاتل؛ وهل يكون حكم هذا القتل حكم الخطأ أو شبه العمد فتؤخذ الدية من القاتل مغلّظة أو من عاقلته أم يعود عمداً، ويقتص من القاتل ويبطل القضاء بالدية والقسامة؟.
وهل يفرق العلم بالقاتل بإقراره أو بالبينة أم لا؟.
وهل يسمع إقراره وقولهم: كنتم متبرعين في العطاء؟.
أم هل تسمع هذه الشهادة بعدما ذكر أم لا؟.
وهل يفرّق بين ما إذا كان الشهود من أهل المحلّة أو من غيرهم أم لا؟.
693)
فأجاب - رحمهُ الله تعالى -:
لا يكون أخذ الأولياء الدية وقبولها عفوًا عن القاتل؛ لأنّه لم يُعلم، والقصاص لم يثبت، وليس الآية الشريفة شاملة لما ذكر؛ لأنّ علماء الأمّة اختلفوا فيها على أقوالٍ: ليس هذا منها. وإذا علمَ القاتل بإقراره أو بالإخبار عنه، ولا تسمع للأولياء عليه دعوى؛ لأنّ الأولياء لما ادّعوا على أهل المحفة واختاروا من يحلف وحلفوا إلخ. فقد أبرؤوا غير أهل المحلّة عن القتل ونفوه عنه، فلا تسمع لهم دعوى على غيرهم بعد ذلك أصلاً.
وقد أشار علماؤنا إلى ذلك بتعليل عكسه. فقالوا: إذا ادّعى الولي القتل على رجلٍ من غير أهل المحلّة يكون إبراء لهم عن القسامة والدّية؛ لأنه نفى القتل عنهم بدعواه على غيرهم. وإذا لم يسمع لهم دعوى لم يظهر القتيل عند الحكم من غير أهل المحلّة، لم يسمع لأهل المحلّة بدعوى على أولياء القتيل، ولا يسمع لهم وحدهم دعوى على القاتل، كما صرّح به في البدائع وشرح الطّحاوي وغيرهما. وحينئذٍ لا يتوجه شيءٌ بما ذكر. والله أعلم.
وكتبَ حنفي:
الحمدُ للهِ المنعمِ بالصّوابِ.
لا يكون ما ذكر من أخذ الأولياء للمقتول الدية، ممن ذكر عفوًا عن القصاص في حقّ القاتل، حيث لم يجب شرعاً في مثل هذه الصورة المفروضة قودٌ حتى يكون قبولهم الدية عفواً عن القصاص.
وقول العلماء: العفو قبول الدية في قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] إلخ.
694)
ليس شاملاً لذلك، فإنّ الآية الكريمة، إنّما هي في حقّ من ثبت له قصاصٌ، ثُمّ إنّ الولي أو أحد الأولياء إِذا رضيَ بأخذ الديةِ، تسقط المطالبة بالقصاص، ولم تثبت في شيءٍ من الصّور مطالبةً بقصاص على أحدٍ شرعاً.
فإذا وقع من الأولياء ما ذكر، ثم ظهرَ بعد ذلك قاتل معيّن، وثبت بطريقة شرعاَ ذلك وتعين الحق عليه. تعود المطالبة عليه. وما فعل تبين أنّه لم يكن عليهم. فإذا عاد بالمطالبة الولي على معيّنٍ يرد ما أخذ من عاقلة أهل المَحِلّة عليهم.
فإذا قال الأولياء: بأنّ القتيلَ وجدَ بين أظهركم، وقد أعطيتم بحكم الشرع وجداً. لخ.
فللغارمين الدية أن يقولوا: إنّما دفعنا ذلك بناءً على الوجوب علينا شرعًا، وقد تبين عدم ذلك، فنحن نستردُّ ما أخذ منا لهم ذلك شرعاً، لكن بقيَ الكلام عند ثبوت القتل على شخص (1) معيّن عمداً، يتعلّق به القصاص بعد وجود ما تقدّم بأجمعه.
والذي يظهر: تعلّق حق القصاص عيناً بالقاتل بعد وجود شروط ذلك شرعاً.
ولا ينتقل الحكم إلى غيره إلاّ بالصّلح.
وما وجبَ به المال لا يظهر في حق العاقلة. وكذلك إذا أقرّ إذا لم يصدّقوه ما لم يظهر من أقوال مشايخنا صريحاً: أنّ فيما تقدّم قبل ظهور القاتل المعيّن عمداً يكون شبهة في وجوب القصاص، ولم أقف عليه.
(1) في المخطوط: (شخصين) والصواب ما أثبت.
695)
وما نقل عن أبي حنيفة: أنّ شهادة بعض أهل المحلّة على قتل غيرهم أو واحدٍ منهم باطلة وإن خالفاه في الأولى، فإنمّا ذلك بناءً على أنّهم صاروا خصماً أو هم بعرضية أن يصيروا خصماً فقالَ بالأوّل. وقالا بالثّاني.
وأمّا في الصّورة الواقعة: فهم نزلوا خصماً وألزموا الدية فلا يقبلون بلا خلاف. والحالة هذه. والله أعلم.
فقال الشيخ - رحمه [الله]-: عندما وقف عليه قوله: ثم ظهر بعد ذلك قاتلٌ معيّنٌ، وثبت بطريقة شرعاً ذلك. إلخ. هو مبنيٌّ على ما ذكر بعده. وقد ثبت أنه لا طريق للثبوت شرعاً، فلا يصحّ شيءٌ مما ذكر، ولا يحتاج إلى فرضه. والله تعالى أعلمُ.
والثَّالثُ في ميّتٍ مكفّنٍ موضوعٍ في مكانٍ، فجاء قومٌ وادّعوا بأنّه أبوهم (1)، وأثبتوا ذلك، وقد ترك مالاً كثيراً، فأراد كلّ واحدٍ منهما أن يكون الميراث له (2)، ثم بعد ذلك كشفوا عن الميت فإذا هو خنثى. هل تعتبر البيئتان أم لا؟.
وهل يكون الميراث لهم بينهم أم لا؟.
فأجاب الشيخ أمين الدين يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي (3):
الحمدُ لله المنعم بالصّواب.
بعد الموت إذا حصلت الدّعوى، فالمقصود منها المال. فيعمل بمقتضي البينتين عند التعارض وعدم المرجّح، فيكون المال بينهما. ونظير ذلك: ما قال
(1) تحرف في المخطوط إلى: (أبوه).
(2) في المخطوط: (لهم).
(3) تقدّمت ترجمته.
696)
مشايخنا في الأختين إذا ادّعت كل واحدة نكاح رجلٍ واحدٍ ولم يكن إحداهما مرجّحة على الأخرى في بيّنتها، ولا بمرجّحٍ آخرَ.
ففي هذه الحالة تهاتر البيّنتان، ولا تعمل بيّنة منهما. وإذا كان بعد موته يعمل بهما، ويجعل الميراث بينهما نصفين، وذلك لأنّ بعد الموت مقصودهما المال.
ومسائل كثيرة من هذا الباب إذا كانت الدّعوى من كلّ واحدة وواحدٍ بعد الموت يعمل بهما في قسمة الميراث بينهما، وإن تساقط قبل الموت إذا كانت الدعوى في الحياة والحالة هذه.
ورفع إليَّ هذا على يد السيّد الأرميوني (1)، فكتبت:
(1) قال السخاوي في الضوء اللامع (4/ 203): محمد بن علي بن محمد الشمس، أبو الوفاء بن النور، الحصني الأرميوني القاهري الحنفي الشريف، إمام القجماسية، ولد تقريباً سنة ثلاث وأربعين وثمان مئة بالقاهرة، ونشأ بها، فحظ القرآن والشاطبيتين والمجمع والمنار والعمدة للنسفي، وألفيتي الحديث والنحو، والتلخيص، والشمسية والتهذيب للتفتازاني، كلاهما في المنطق؛ وعرض على جماعة كابن الديري وابن الهمام والمناوي وأخذ القراءات عن الشهابين الشارمساحي والسكندري والشمس ابن العطار والزين ماهر وأبي القاسم النويري وابن كزلبغا فعلى الأول للعشر وعلى الثالث للسبع بعض ختم وعلى الثاني لنافع وابن كثير وغيرهما وعلى الأخير لنافع وابن كثير وأبي عمرو ثم للسبع إلى أثناء الحجر كلهم بالقاهرة وعن السيد الطباطبي للعشر بمكة ثم بعضه بجامع ابن الرفعة والفقه عن أبي العباس السريسي والزين قاسم بل والقاضي سعد الدين بن الديري وأكثر عنه والأصول عن أولهم وأصول الدين عن ابن الهمام والعربية عن الشرف موسى البرمكيني والجلال المرجوشي وألفية الحديث وغيرها بحثًا عن كاتبه في آخرين ممن حضر دروسهم كالأقصرائي والكافياجي وبرع في الفضائل؛ وناب في القضاء عن ابن الديري فمن بعده وناكده المحب بن =
697)
الحمدُ لله، ربِّ زدني علماً.
لم يضع الأئمة مسألة الميّت الملفوف على هذا الوجه المذكور في السؤال؛ لأنّه لا يحصل غرضهم، فإنّ غرضهم تصوير مسألة يجتمع منها جميع الورثة الخمسة عشر الذكور والعشر الإناث ومن عدا الزوجين يمكن اجتماعهم في أيّ ميّتٍ كانَ.
وأمّا اجتماع الزَّوجين: لأنّ الأولاد. وعن هذا جاء تعارض البيّنتين.
فالاعتبار الأوّل: ذكرت في الفرائض.
= الشحنة لمزيد اختصاصه بابن الصواف وما نهض لترك استنابته ثم اقتفى أثره الأمشاطي بعد أن ولاه إلى أن أخلص هو في الترك، وحج غير مرة قبل ذلك وبعده وجاور وصحب عبد المعطي المغربي وعظم اختصاصه به وأخذ عنه التصوف وغيره، واستقر في تدريس الاينالية بالشارع، والإعادة بالمهمندارية مع نيابة نظرها برغبة البرهان الكركي له عنها، وفي التدريس بالفخرية ابن أبي الفرج، وبمسجد خان الخليلي بعد الشمس الأمشاطي، وفي الإمامة بالقصر ومرتب بالجوالي الطرابلسية بعد التاج عبد الوهاب الشامي، وفي تدريس القجماسية المستجدة وإمامتها وخزن كتبها فالتدريس بعد قاضي الحنفية ابن المغربي والإمامة والخزن بعد الشمس النوبي. وتصدى للإقراء في الفقه وأصوله والعربية والمعاني والبيان وغيرها كالقراءات بل وكتب على المجمع كتابة جامعة وصلى فيها إلى صلاة العيد فأكثر، ورزقه الله ملكة قوية في التعبير عن مراده مع مزيد حافظة وحسن تصور واستحضار لمحافيظه، واعتناء بزيارة الشافعي في كل جمعة وكونه يمشي لذلك من باب القرافة أدباً، وكثرة خضوعه للمنسوبين للصلاح وتراميه عليهم، بل عنده من التواضع والأدب والمداراة والتودد بالتردد لمن يالفه أو يترجى نفعه، وألفاظ بليغة ومعان جيدة يستعملها في مخاطباتهم لو كانت عن روية لحمدت مع بُعْدٍ تام عن دناءة النفس ومزيد رغبة في إظهار النعمة في ملبسه ونحوه وحشمة وافرة وموافاة تامة.
698)
وبالاعتبار الثاني: ذكرت في أدب القاضي. ولم يجعلوها في باب دعوى الأختين كما زعم المجيب. وإنّما أجروها على القولين المشهورين في الخنثى.
هل يبقى إشكاله بعد البلوغ أم لا؟.
فالقائل بنفي الإشكال بعد البلوغ أعمل البيّنتين كما قال أبو سعيد الهروي في شرح أدب القضاء، عن أبي حنيفة أنّه قال: فيما إذا قام رجلٌ ببيّنة على ميّتٍ ملفوفٍ في كفنٍ أنّه امرأته وهؤلاء أولادهُ منها. وأقامت امرأة بيئة أنّه زوجها وهؤلاء أولادها منه، فكشف عنه، فإذا هو خنثى، له الآلتان:
يقسم المال بينهما، فأعمل البينتين، وقسم المال بين الفريقين.
وأمّا صفة القسمة: فللزوجة ما هو الأكثر وهو الربع (1)، ولا منازعة للزّوجة في أكثر من الثمن، فيسلّم الثمن للزوجة بلا منازعة واستوت منازعتهما في الثمن الآخر، فيكون لكلّ نصف ثمنٌ، ومخرجه من ستة عشر للزوج ثلاثة وللزوجة واحد والباقي للأولاد. فإن كان هناك أبوان، فلهما السدسان، ومخرج السدس من ستة، وبينهما موافقة بالنّصف فيضرب نصف أحدهما في كامل الآخر، يبلغ ثمانية وأربعين. للزوجة الربع اثنا عشر. وللزوج تسعة وللزوجة ثلاثة لما قدّمناه. وللأبوين السدسان ستة عشر لكل ثمانية والباقي وهو عشرون للأولاد إن كانوا ذكوراً أو إناثاً. الأوَّل من رؤوسهم. والثاني {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].
فإن انكسر صحح بطريقه، وإن كانوا إناثاً فقط فلهنّ الثلثان. فتعول
(1) كرر في المخطوط عبارة: (ولا منازعة للزوجة ما هو الأكثر وهو الربع).
699)
المسألة إلى ستين للزوجة والأبوين ما قدمناه، والباقي وهو اثنان وثلاثون للبنات، فإن استقاموا وإلاّ صحح بطريقه.
والقائل بانتفاء الإشكال بعد البلوغ يمنع من إعمال البيّنتين كما قال في فتاوى ملا الأعلى: وإن كان هذا الخُنثى المشكل مات قبل أن يظهر أمره، فأقام الرّجل البيّنة: أنّ أباه زوّجها إيّاه بألف درهم برضاها، وأنّها ولدت منهُ هذا الولد.
قال: أُجيزُ بيّنته وأجعلها امرأته، وأجعل الولد ابنها، وإن أقامت المرأة البيّنة: أنّ أباها زوّجها إيّاه برضاها منه، وأنَّه دخل بها وأنّها ولدت منه هذا الولد.
قال: تقبل بيّنتها، ويقضي بكون الخنثى رجلاً وألزمه الولد، فإن اجتمعت الدّعوتان جميعاً. وجاءت البيّنتان معاً ولم يوقّتا أو وقّتا على السّواءِ، فإنّه تتهاتر جميعاً. انتهى.
وبعضهم ذهبَ إلى الترجيح فقال في فتاوى ش (1): لو شهدَ شهودٌ على خنثى أنه غلامٌ. وشهودٌ على أنّه جاريةٌ والمطلوب ميراثٌ، قضى بشهادة الغلام وإن قضى بأنّها جارية. انتهى.
فظهر بهذا: المنقول في عين المسألة خلاف ما زعم المجيب من أنّها من باب دعوى الأختين. والله أعلم.
* * *
* و سئل - رحمه الله تعالى - عمّن عليه دَينٌ مستغرق وقد حكم بضرب
(1) كذا في المخطوط.
700)
عنقه، فلما قدمَ لذلك، أعتق جميع ما يملكه من عبيدٍ وجوارٍ وكتب بعد ذلك عتائق بأيديهم وتزوّج بعض العبيد الجواري وليس للمعتق مالٌ سوى العبيد والجوار، فهل ينفذ العتق ويصح التزويج أم لا؟.
فأجاب:
نعم. ينفّذ العتق، ويصح التزويج إلا المستولدات، فبعد انقضاء عدّتهن وهي ثلاث حيضٍ. والله أعلم.
قيل: قال في الفصول العمادية: المريض إذا أعتق في مرض موته ولا مال له سواه فعتقه موقوفٌ عند أبي حنيفة حتى لو شهد هذا المعتق، لا تقبل شهادته؛ لأنّه من التصرفات التي لا يحتمل الفسخ. فيتوقف وينظر في وصايا الصغرى. انتهى.
قال الشيخ ?: هو كذلك في وصايا الصغرى معزوٌّ إلى الباب الثاني من الدّفتر الثاني في الزّيادات.
وهذه الروايات في زيادات الزّيادات.
ومعنى قوله: فيتوقف من العبد في الحال في أحكام الحرية من الشهادة وغيرها، فأبرأَ السيّد تبيّن أنّه حرٌّ من حين أعتق، وإن مات السيّد فالمعتق بمنزلة المكاتب إذا سعى في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -.
* * *
* و سئل ? عن رجل عليه دُيونٌ، فرفع أمره إلى بعض القضاة لينظر في حاله، فعيّن القاضي أمره إلى بعض نوّابه وهو حنفيٌّ.
والحال: أنّ المديون لم يقدر على وفاء الديون التي عليه، كما ذكر.
701)
ثم إنه كتب فصل محضر بإعسارِه. وكتبه فيه أربعة شهود بارزي العدالة، ثم جاء بعض أصحاب الديون، فادّعى عليه بدينه. فأجاب: إنّه معسرٌ لا مال له، ثم قامت تلك البيّنة شهادتهم عند القاضي، وأعذر لصاحب الدين، وهو المدعي.
فأجابَ: بعدم الدّافع والطعن لذلك.
فسأل المديون القاضي بثبوت ما قامت به البيّنة والحكم بموجبه. فأجابه لذلك، فهل هذا الثبوت والحكم صحيحان؟.
وهل ينفذ ذلك على بقية أصحاب الديون أو لا؟.
فأجاب: رفع المديون أمره إلى القاضي، وتعيين القاضي أمره إلى بعض نوّابه، ليس له أصل في الشّرع عند علمائنا، لاتفاقهم على أنّ الحق لربّ الدين في المطالبة من أيّ حكام الشريعة يشاء، وكتابة المحضر وكتابة الشهود فيه قبل الحكم مما لا عبرة به في الشرع عندنا لاتفاق علمائنا على أنّه لا تسمع البيّنة إلّا في وجه من يكون أصلًا أو وكيلًا أو حكمًا إلّا في كتاب القاضي ولا تسمع البيّنة بالإعسار قبل الحبس في الصحيح.
قال في المحيط: فإن أخبره عدلٌ أو اثنانِ بإعساره قبل الحبس.
فيه روايتان:
في روايةٍ: تقبلُ ولا يحبسه.
وفي رواية الخصّاف: لا تقبل.
وإليه ذهب عامّة مشايخنا. وهو الصحيح؛ لأن الحبس لم يشرع حجّة لإبطال حقوق العباد، والحبس حق العباد، فلا يبطل حقّه بمجرّد الخبر بدون
702)
قرينةِ الصّدق، وبعد الحبس انضمّت إلى الخبر قرينة الصّدق وهو الحبس، بل لو شهد وأقبل مضى مدة الحبس.
قال في مختارات النوازل: لا تقبل. وعليه عامّة المشايخ.
وليس للقاضي المقلّد أن يحكم بالضّعيف؛ لأنّه ليس من أهل الترجيح، فلا يعدل عن الصحيح إلَّا القصد غير جميلٍ. ولو حكم لا ينفّذ؛ لأنّ قضاءه بغير الحق؛ لأنّ الحقّ هو الصحيح.
وما وقع من أنّ القول الضعيف يتقوّى بالقضاء المراد به قضاء المجتهد، كما بيّن في موضعه لما لا يحتمله هذا الجواب (1). والله ? أعلمُ.
* * *
(1) قال صاحب رد المحتار (21/ 434): مطلب الحكم والفتوى بما هو مرجوحٌ خلاف الإجماع: قلت: وتقييد السّلطان له بذلك غير قيدٍ لما قاله العلامة قاسم في تصحيحه من أنّ الحكم والفتوى بما هو مرجوحٌ خلاف الإجماع. اهـ.
وقال العلامة قاسمٌ في فتاواه: وليس للقاضي المقلّد أن يحكم بالضعيف؛ لأنَّه ليس من أهل الترجيح فلا يعدل عن الصّحيح إلا لقصدٍ غير جميلٍ ولو حكم لا ينفذ؛ لأن قضاءه قضاءً بغير الحقّ؛ لأن الحقّ هو الصّحيح وما وقع من أن القول الضعيف يتقوّى بالقضاء المراد به قضاء المجتهد كما بيّن في موضعه. اهـ.
وقال ابن الغرس: وأمّا المقلّد المحض فلا يقضي إلا بما عليه العمل والفتوى. اهـ.
وقال صاحب البحر في بعض رسائله: أمّا القاضي المقلّد فليس له الحكم إلا بالصّحيح المفتى به في مذهبه ولا ينفذ قضاؤه بالقول الضعيف. اهـ.
ومثله ما قدّمه الشّارح أوّل كتاب القضاء وقال: وهو المختار للفتوى كما بسطه المصنّف في فتاويه وغيره وكذا ما نقله بعد أسطرٍ عن الملتقط.
703)
* و سئل ?: عن رجلٍ طلّق زوجته البالغة طلاقًا بائنًا، ثم اتّفقا على العود، فامتنع أبوها. وقال للشّهود: حلفت بالطلاق أنني لا (1) أتكلم لها في شيءٍ. استأذنوها: إن رضيت فأنا راضٍ، تشهدوا عليه بذلك. واستأذنوها لعمّها وللحاكم الحنفي بتلك البلدة التي هم بها وحضروا إلى القاضي، وشهدوا عنده: أنّ فلانةً بنتَ فلانٍ أذنت لكم أن تزوّجها لمطلّقها فلان بن فلانٍ من غير ذكر جد لهما. فعقد القاضي العقد يحضره شهوده. وكتب على مسودته علامته واسمه والتاريخ، ثم اجتمع به أبو الزّوجة وقال له: ليس لي في الزّواج غرضٌ وأغصبوني. فقال القاضي للشّهود: ولمَ لا سميتم جدّها مذهبنا لا يصحّ النسب إلا بتسمية الجدّ. هذا تدليسٌ. فهل الأمر كما قال من جهة عدم الصحّة، وإنّ ذلك من الشهود تدليسٌ والعقدُ صحيحٌ وهو مفرّطٌ لعدم تنبيه الشهود على تسمية الجد مع عقده وكتابته على المسوّدة التي ليس فيها اسم الجدّ.
وإذا قال: أنا فسخته لذلك، فهل للفسخ تأثيرٌ في قطع العصمة أم العصمة باقية ثابتة بمجرّد العقد؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب ?:
العقد المذكورُ صحيحٌ، وليس من الشهود تدليسٌ ولا أثرٌ لفسخه في قطع العصمة.
أمّا صحّة العقد: فلأن البالغة وليّة نفسها وولاية الأب ولاية استحبابٍ، فلا أثر لقوله: أغصبوني. والقاضي وكيلٌ عنها، ولا يشترط تسميةٌ مع معرفة
(1) جاء في هامش المخطوط: (ما) وكتب تحتها: صح.
704)
الشهود لها، وإنّما يشترط ذكر الجدّ من العاقد لا للشهود عند أبي حنيفة إذا لم يكونوا يعرفونها.
وعند أبي يوسف ومحمّد: يكفب ذكر الأب.
وإذا كانت الشهود تعرفها فيجوزُ، وإن لم يذكروا إلّا اسمها خاصّةً.
قال في الينابيع: قال أبو القاسم: لو وكّلت المرأة رجلًا من أن يزوّجها من نفسه فقال في غيبتها للشهود: اشهدوا بأنّي تزوّجت فلانةً ولم يعرفها الشّهود، لا يجوز النّكاح حتى يذكر اسمها واسم أبيها على وجه يستدرك بذلك.
قال الفقيه: وهذا قياس قول أبي حنيفة. فإنّ النكاح عنده لا يجوز حتى ينسبها إلى جدّها.
وفي قياس قولهما: إذا سمّى اسم أبيها مع اسمها جازَ.
قال الفقيه: هذا إذا لم يعرفوها. أمّا إذا عرّفوها جاز وإن لم يذكروا إلّا اسمها خاصّةً. انتهى بحروفه. والله ? أعلم.
705)