رسالة الجامكيّة
للفقيه أحمد بن محمد الحموي الحنفي
توفي في سنة (1098 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة الجامكيّة
للفقيه أحمد بن محمد الحموي الحنفي
توفي في سنة (1098 هـ)
رسالة الجامكيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
رُفع لسيّدناومولانا شيخ مشايخ الإسلام والمسلمين، شيخ المحقّقين والمدقّقين، معدِّل ميزان المعقول والمنقول، منقّح أغصان الفروع والأصول، عالم الهداية، رئيس الدّراية، كنز الطّالبين، سبط الرّسول، ابن البتول، مفتي الفِرَق، الإمام العلّامة السيّد أحمد بن محمّد الحمويّ، لطف الله تعالى به في الدّارين آمين، سؤالٌ صورته:
ما يقول سيّدنا ومولانا سيّد سادة الحنفيّة فيما رُتِّب وأُرصِد بأوامر الوزراء المصريّين، مبنيٌّ بعضه على أوامر الملوك، وبعضه على اجتهادٍلهم منهم، على جهات الخير، كقرّاءالرّبعات (¬1) الشّريفة، والأسبعةالشّريفة، تُقرأ في كلّ يومٍ وكلّ ليلةٍ، مثلاً في الأماكن الشّريفة، وأسبلة (¬2) الماء وخدمتها، وما يُحتاج إليه من تجديد الأواني ومرقها، ومكاتب الأيتام وكسوتها، والقيام بأودها (¬3)، وبناء المساجد والقائمين بشعائرها؛ كالمؤذنين والأئمة ونحوهم، وكالتّداريس (¬4) والقائمين بوظائفها، من التّداريس في الأماكن المخصوصة والإعادة والطّلب، هل كلُّ ذلك صحيحٌ يُفتَرَضُ إبقاؤه على ما هو عليه جارٍ، لمستحقّين لا يجوز لأحدٍ نَقضُه، بل يُثابُ المطّلع من ولاة الأمور على تنفيذه وتقريره على ما هو به وله الثّواب من الملك الوهّاب، أم كيف الحال؟ أوضحوا الجواب ولكم الثّواب.
فأجاب بما نصُّه:
¬
(¬1) جمع رَبْعَة: المصحف مجزأ ثلاثين جزءاً، كما في المعجم الوسيط (1: 325)
(¬2) جمع سبيل: الطريق وسبيل الله الجهاد والحج وطلب العلم وكل ما أمر الله به من الخير واستعماله في الجهاد أكثر، كما في المعجم الوسيط (1: 415)
(¬3) أودا الشيء حامله: أثقله وأجهده أو حناه من ثقله، ويقال أقام أوده قوم اعوجاجه، والمقصود بالقيام بأودها: تحمل مسؤوليتها.
(¬4) تدارس الكتاب ونحوه درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه، وتدارس الطلبة الكتاب درسه كل منهم على الآخر، كما في المعجم الوسيط (1: 280) والمقصود هنا المدارس.
الحمد لله حقَّ حمده، كما يليق بجلاله ومجده، ما ذكر من إرصاد المرتّبات (¬1) الدّيوانية (¬2)،
¬
(¬1) جمع مرتب: وهو الراتب، يقال رزق راتب ثابت دائم، ومنه الراتب الذي يأخذه المستخدم أجرا على عمله، كما في المعجم الوسيط (1: 326)
(¬2) جمع ديوان وهو: الدفتر يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والكتبة، ومكانهم، كما في المعجم الوسيط (1: 305)، والمراد هنا ديوان العطاء من بيت مال المسلمين ..
الصّادر بأوامر الوزراء المصريّين؛ صحيحٌ لا يجوز نقضه وإبطاله بغير مسوِّغ شرعيٍّ، حيث كان المُرْصَدُ (¬1) عليهم من معارف بيت المال؛ من العلماء، والقرَّاء (¬2)، والأيتام، والنِّساء الأرامل، وبناء المساجد، والقائمين بشعائرها من المؤذنين والأئمَّة والخطباء، وغير ذلك من الأجور الدينيَّة الّتي منعت الشّريعة المطهَّرة من إهمالها (¬3)،
¬
(¬1) اسم مفعول من رصد: أي ما أُعِدّ لهم من رزق، يقال: أرصد الشيء له أعده، كما في المعجم الوسيط (1: 348)
(¬2) جمع قارئ وهو المتنسك، كما في المعجم الوسيط (2: 722)
(¬3) إن هذه الصنوف التي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، يجب كفايتها من بيت مال المسلمين، إما لأنهم حبسوا أنفسهم لخدمة الإسلام والمسلمين، وذلك كالعلماء، والقراء، والفقهاء، والمؤذنين، والأئمة، والخطباء، والمجاهدين في سبيل الله تعالى، وطلبة العلم، والموظفين الذين يديرون أمور المسلمين، والحكام، والإداريين، وأشباههم، وهؤلاء يفرض لهم من بيت مال المسلمين مقابل حبس أنفسهم ـ أو حبس وقتهم ـ على خدمة المسلمين، والقاعدة الفقهية تقول: من حبس نفسه على خدمة أحد كانت نفقته على من حُبس عليه، ومن ذلك أن الزوجة تستحق النفقة على زوجها مقابل حبس نفسها عليه، ومن هذه الصنوف من يجب كفايته من بيت مال المسلمين لضعفهم، وعجزهم، وعدم قدرتهم على الكسب، وعدم وجود من وما يغنيهم، كالأرامل، والأيتام، وسائر الضعفة والمساكين، فهؤلاء يجب كفايتهم من بيت المال؛ لئلا يختل المجتمع ويلحقه من الفساد ما الله به عليم بسبب تضييعهم ..
واجبٌ على من هو ظلُّ (¬1) الله في أرضه النّظر في أحوالها، وحرّمت عليه الإعراض عن تفقُّدها مخافة اختلالها (¬2)، كيف لا وإدرار الأرزاق على ذوي الاستحقاق من أقوى دعائم السّلطنة العليَّة (¬3)، ومن أطيب ثمراتها الجنيَّة، ثمَّ لا فرق بين أن يكون المُرصَد طيناً (¬4) أو جامكيَّةً (¬5)
¬
(¬1) خليفته، يقال: في ظل فلان أي في كنفه ووجهه، سمي الخليفة ظلا لأن المظلوم يلجأ إليه، ينظر المعجم الوسيط (2: 577)
(¬2) قال في معيد النعم: " إذا ولَّاك اللَّه تعالى أمرًا على الخلق فعليك البحث عن الرعيَّة، والعدلَ بينهم في القضية، والحكم فيهم بالسويّة، ومجانبة الهوى والميل، وعدم سماع بعضهم في بعض، إلَّا أن يأتي بحجة مبينة". (1: 18)
(¬3) قال في معيد النعم: "ومن وظائفه أن ينظر في الإِقطاعات، ويضعها مواضعها، ويستخدم من ينفع المسلمين، ويحمي حوزة الدين، ويكفّ أيدي المعتدين. فإن فَرَّق الإِقطاعات على مماليك اصطفاها وزيّنها بأنواع الملابس، والزراكش المحرَّمة، وافتخرَ بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الإِسلام جياعًا في بيوتهم، ثم سلبه اللَّه النعمة، وأخذ يبكي ويقول: ما بالُ نعمتي زالت، وأيامي قصرت! فيقال له: يا أحمق، أما علمت السبب! أَوَلست الجاني على نفسك! ". (1: 21)
(¬4) الأرض التي تصلح للزراعة
(¬5) الجامكية: رواتب أصحاب الوظائف من الأوقاف، كما في معجم المعاني العربية من الشبكة العنكبوتية ..
ورزقاً يخرج من الدّيوان، لأن بيت المال أُعِدَّ لمصالح المسلمين، والإرصاد عبارةٌ عن أن يفرز (¬1) للمستحقِّ، وإبطاله بالاتِّفاق كما أفتى بذلك علماء القرن السّابع والثّامن من المذاهب الأربعة في كلامٍ يطول ذكره، وربَّما أوجبت السّآمة (¬2) رقمه ونشره، وإنَّما أجمعوا على عدم جواز النّقض؛ لما تقرَّر في كتب الفروع أنَّ تصرُّف الإمام وكذا نائبه منوطٌ بالمصلحة، وظاهرٌ أنَّه لا مصلحة في قطع أرزاق المستحقِّين من بيت المال، قالوا: وإذا كان فعل الإمام مبنياً على المصلحة فيما يتعلّق بالأمور العامّة لم ينفذ أمره شرعاً إلّا إذا وافقه، فإن خالفه لم ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف (¬3) رحمه الله تعالى في كتاب الخراج (¬4): "وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحدٍ إلا بحق ثابتٍ معروفٍ" (¬5) انتهى.
¬
(¬1) أفرز فلانا بشيء أفرده وخصه به، ينظر المعجم الوسيط (2: 680)
(¬2) الملل كما في المعجم الوسيط (1: 411)
(¬3) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري رضي الله عنه، صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وأكبر تلاميذه، أخذ الفقه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم عن أبي حنيفة، وولي القضاء لهارون الرشيد، أول من تلقب قاضي القضاة، يرجع نسبه إلى سعد بن حبتة أحد الصحابة الأنصار، من مؤلفاته: (الخراج)، (الرد على سير الأوزاعي)، (الآثار)، (113 – 182 هـ). ينظر: وفيات الأعيان: ج6، ص (378 - 388)، الأعلام: ج3، ص (78 - 79)
(¬4) وهو كتاب لأبي يوسف رضي الله تعالى عنه، يتحدث عن المشاكل الإدارية والمالية والسياسية والاجتماعية التي تخص الخراج والجزية وما شابهها، وهو من الكتب المعتبرة في المذهب، ومؤلفه كما لا يخفى من أعمدة المذهب الحنفي، ومن كبار أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه.
(¬5) كتاب الخراج (1: 78)
وقد ذكر علماؤنا أنَّ من له حقٌّ في ديوان الخراج كالمقاتلة، والعلماء، وطلبتهم, والمفتين, والفقهاء، يفرض لأولادهم تبعاً، ولا يُقطع بموت الأصل ترغيباً. (¬1)
وذكر في مال الفتاوى (¬2): أنَّ لكلِّ قارئً في كلِّ سنةٍ من بيت المال مائتي دينارٍ أو ألفي درهمٍ، إن أخذها في الدنيا وإلّا يأخذها في الآخرة، انتهى.
¬
(¬1) وهي من المسائل التي خرجت عن قاعدة: " التابع يسقط بسقوط المتبوع "، ينظر: الأشباه والنظائر (1: 103)، العقود الدرية (1: 210). وقال في غمز عيون البصائر: "قوله: ولا يسقط بموت الأصل ترغيبا إلخ: قال المصنف - رحمه الله - في البحر اعلم أن ظاهر المتون أن الذراري يعطون بعد موت آبائهم كما يعطون في حياتهم، وتعليل المشايخ بأن على الآباء عملة المسلمين، ونفقة الذراري على الآباء فلو لم يعطوا كفايتهم لاحتاجوا إلى الاكتساب يدل على أنه مخصوص بحال حياة آبائهم.
قال: ولم أر نقلا صريحا في الإعطاء بعد موت آبائهم حال الصغر (انتهى).
يعني، ولا نقلا صريحا في عدم الإعطاء، بقي أن يقال: إذا وقع التعارض بين ظاهر المتون، وتعليل المشايخ أيهما يترجح فيكون مقدما على الآخر فليحرر"، (1: 364)
(¬2) ينظر: البحر الرائق (5: 128). العقود الدرية (1: 210).
وفي صلح الفتاوى البزَّازيَّة (¬1) من أواخر الفصل الثّاني (¬2):له عطاءٌ في الدّيوان مات عن ابنين فاصطلحا على أن يُكتب في الدّيوان اسم أحدهما ويأخذ العطاء هو، والآخر لا شيء له من العطاء, ويبذل له من كان له العطاء مالاً معلوماً، فالصلح باطلٌ، ويردّ بدل الصّلح، والعطاء للّذي جعل الإمام العطاء له، لأنّ الاستحقاق للعطاء بإثبات الإمام لا دخل فيه لرضا الغير وجعله، غير أنّ السّلطان إن منع المستحقّ فقد ظلم مرّتين؛ في قضيّة حرمان المستحقّ، وإثبات غير المستحقّ, (¬3) انتهى.
فقد استفيد منه أنّه لا يجوز إبطال ما يستحقّه المستحقّ من بيت المال.
¬
(¬1) وهو لمحمد بن محمد بن شهاب الكردريالبريقيني الخوارزمي الحنفي، المعروف بابن البزاز، حافظ الدين، قال الكفوي: كان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وحاز قصبات السبق في العلوم. من مؤلفاته: ((الجامع الوجيز في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان المشهور بالفتاوى البزازية، قال اللكنوي: طالعت ((الفتاوى البزازية فوجدته مشتملا على مسائل يحتاج إليها مما يعتمد عليها. قيل: لأبي السعود المفتي لم لا تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتابا، فقال: أستحيي من صاحب ((البزازية مع وجود كتابه. (ت827). ينظر: تاج التراجم ص354، والفوائد ص309، والكشف1: 242.
(¬2) ينظر: الأشباه والنظائر (1: 106). قرة عين الأخيار (8: 407). الفتاوى الهندية (4: 265). غمز عيون البصائر (1: 373).
وفي شرح الإمام جلال الدّين التبّانيّالرّوميّالثّيريّ (¬1) على منظومته: والواجب على الأئمّة والولاة والسّلطان إيصال الحقوق إلى أربابها (¬2)، ولا يحبسونها عنهم على ما يروا من التّفضيل (¬3) والتّسوية (¬4)، ولا يجعلون بيت مال المسلمين من الكنوز، فإن قصّروا في ذلك فوبالهعليهم واستحقّوا بذلك إثم الظّالم، انتهى.
وفي المحيط الرضويّ (¬5) من كتاب الزّكاة: والرّأي إلى الإمام من تفضيل وتسوية من غير أن يميل في ذلك إلى هوىً، ولا يحلّ له إلا ما يكفيه ويكفي أعوانه بالمعروف، وإن فَضَل من المال شيءٌ بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسمه بين المسلمين، وإن قصّر في ذلك كان الله تعالى عليه حسيباً. (¬6)
¬
(¬1) محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد البلخي القونوي الرُّومي، جلال الدين، ينتهي نسبة إلى أبي بكر الصديق: عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم، ثم متصوف, صاحب الطريقة المولوية، من مؤلفاته: مجلدات المثنوي الستة، المجالس السبعة، رسائل المنبر، (604 - 672 هـ)، ينظر: الأعلام (: 30). الدرر الكامنة (1: 352). نهر الذهب (2: 234). الوفيات والأحداث (1: 149)
(¬2) ينظر: فتح القدير (7: 252). البناية (3: 460)
(¬3) قال في البحر الرائق: "وكان عمر - رضي الله عنه - يعطيهم على قدر الحاجة والفقه والفضل والأخذ بما فعله عمر - رضي الله عنه - في زماننا أحسن فتعتبر الأمور الثلاثة". (5: 128).
(¬4) من غير أن يميل في ذلك إلى هوى، ينظر: الأشباه والنظائر (1: 105). البحر الرائق (5: 128). غمز عيون البصائر (1: 371).
(¬5) وهو لمحمد بن محمد السرخسي، رضي الدين، برهان الإسلام، قال الكفوي: كان إماما كبيرا جامع العلوم العقلية والنقلية، من مؤلفاته: المحيط الرضوي، (ت571هـ). ينظر: تاج التراجم ص248 - 249، وطبقات ابن الحنائي ص104، والفوائد ص310 - 314.
(¬6) ينظر: ينظر: الأشباه والنظائر (1: 105). البحر الرائق (5: 128). غمز عيون البصائر (1: 371).
وذكر الإمام الزيلعيُّ (¬1) من باب الخراج بعد أن ذكر أنّ بيت المال أربعة أنواعٍ، قال: وعلى الإمام أن يجعل لكل نوعٍ من هذه الأنواع بيتاً يخصُّه، إلى أن قال: ويجب على الإمام أن يتّق الله تعالى، ويصرف إلى كل مستحقٍ قدر حاجته من غير زيادةٍ، فإن قصّر في ذلك كان الله عليه حسيباً، انتهى.
¬
(¬1) أحمد بن عمر الزيلعيّ العقيلي: فقيه متصوف، من ذرية عقيل بن أبي طالب، من مؤلفاته: (ثمرة الحقيقة ومرشد المسالك إلى اوضح الطريقة)، (تبيين الحقائق)، توفي عام 704هـ، ينظر: الأعلام (1: 186). معجم المؤلفين (2: 31).
وفي الفتاوى (¬1): أنّ من رأى أنّ الخراج ملك السّلطان كفر (¬2)، وذكر المحقِّق ابن بطّال (¬3) في شرح البخاريّ (¬4):
¬
(¬1) الهندية، لمحمد أورنك زيب عالم كير، سلطان الهند، من سلالة تيمورلنك المشهور: من علماء الملوك المسلمين. فتح بلدانا كثيرة. ووصفه مؤرخوه بأنه المجاهد العالم الصوفي. حفظ القرآن من صغره وكتب الخط المنسوب ومنه مصحف بخطه أرسله إلى الحرم النبوي. وكان مرجعا للعلماء. وأمر الأحناف منهم بأن يجمعوا باسمه فتاوى لما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية، فجمعوا (الفتاوى الهندية - ط) أربعة مجلدات، وتسمى (الفتاوى العالمكيرية) أقام في الملك خمسين سنة، وتوفي بالدكن ودفن في تربة آبائه. الأعلام (6: 46)
(¬2) ونصه: يكفر باعتقاد أن الخراج ملك السلطان كذا في البحر الرائق. الفتاوى الهندية (2: 281). وجملة البحر الرائق: " ويكفر ..... وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان"
(¬3) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن: عالم بالحديث، من أهل قرطبة. " شرح البخاري، قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة، من مؤلفاته: (شرح البخاري)، توفي: في صفر، سنة 449هـ. ينظر: الأعلام (4: 285). سير أعلام النبلاء (18: 47).
(¬4) صحيح البخاري المعروف لمحمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه ..
أنّه يجب على السّلطان أن يقضي ديون الميّت إذا لم يترك وفاء الدين، فإن كان دينه قدر ماله في بيت المال فبها ونعمت، وإلّا فبقدره، واستدلّ عليه بحديث البخاريّ:"من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً فعلى بيت المال" (¬1)، انتهى.
¬
(¬1) قال ابن بطال: " وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين، فإن لم يفعله وقع القصاص منه في الآخرة، ولم يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله في بيت المال، إلا أن يكون الدين الذى عليه أكثر مما له في بيت المال ولم تف بذلك حسناته، ومعلوم أن حق المسلم في بيت المال وإن لم يتعين عنده مال من ماله، يعلمه الذى أحصى كل شيء عددا، ومحال أن يحبس عن الجنة من له من الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على الانتصاف منه في الدنيا مما يفي بدينه، والله أعلم." شرح ابن بطال (6: 428)
وذكر العلامة المحقِّق تاج الدّين السّبكيّ (¬1) في كتابه معيد النّعم ومبيد النّقم (¬2): أنّ من وظائف السّلطان الفكرة في العلماء والفقراء (¬3) والمستحقّين، وتنزيلهم منازلهم، وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانةٌ عنده، ليس هو فيه إلا كواحدٍ منهم، وله نسبة دلاء المسلمين (¬4)،
¬
(¬1) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث, ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها، وكان طلق اللسان، قوي الحجة، شافعي المذهب, (727 - 771 هـ) ,من تصانيفه: (طبقات الشافعية الكبرى) , (معيد النعم ومبيد النقم)، (جمع الجوامع). ينظر: الأعلام (4: 184)، العبر في خبر من غبر (4: 177)، سير أعلام النبلاء (مقدمة: 38).
(¬2) لتاج الدين السبكي، مصنف في السياسة الشرعية والقضاء، قيل في وصف الكتاب وكاتبه: وقد أيَّده وأعانه على هذا ـ تأليف الكتاب ـ سعة فقهه، وخبرته بأحوال عصره، وشؤون الدولة وطبقات الناس؛ فقد ولي وظائف تجعله بسبب قويّ من الحكام، وسواد الناس وعامة الشعب. ينظر مقدمة تحقيق الكتاب في المكتبة الشاملة الالكترونية.
(¬3) هم الزهاد، قال في بريقة محمودية: المراد من الفقراء هم الذين قصروا احتياجهم على الله تعالى دون الدنيا، وأمتعتها، وإن كان لهم أموال عظيمة فمثل عثمان لا يضر ويقربه ما يقال إن الفقير الذي له محبة للدنيا فمن أهل الدنيا والغني الذي ليس له محبة لها فليس من أهلها. (3: 27)
(¬4) قال في البناية: " ولا يحل لهم منها إلا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم بالمعروف وإن قصروا في ذلك عليهم صاروا ظلمة مفسدين." (3: 461)، ومثله في الأشباه والنظائر (1: 105)، وفي البحر الرائق (5: 128)، وفي غمز عيون البصائر (1: 371) ..
فإن ترك العلماء والفقراء جياعاً في بيوتهم، يبيتون وفيهم من يطوي اللّيلة واللّيلتين هو وعياله، وأخذ في تنظيم ملكه، ومحاشاة سماطه، وزينته، ولباسه، ولباس حاشيته، وحشمه، فذاك من أشدِّ البلاء، وإن ضمَّ إلى ذلك أنّه استكثر على الفقهاء ما بأيديهم، وتعرّض لأوقافٍ وقفها أهل الخير ممّن تقدّم عليه عليهم، فهو بلاءٌ على بلاءٍ، فإنّ حقّه أن ينظر في مصالحهم وأوقافهم، وأن لا يكلهم إليها، بل يرزقهم من بيت المال ما تتمُّ به الكفاية والرّعاية، فإذا تعرّض إليها فقد خرق حجاب الهيبة والوقار, (¬1) انتهى.
¬
(¬1) قال في معيد النعم: "ومن وظائفه الفكرة في العلماء والفقراء وسائر المستحقين، وتنزيلهم منازلهم، وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانة عنده، ليس هو فيه إلا كواحد منهم، ولدلوه نسبة دلاء المسلمين، فإن ترك العلماء والفقراء جياعا في بيوتهم، يبيتون ومنهم من يطوي الليلة والليلتين هو وعياله، وأخذ يمن بعظيم ملكه ومحاسن سماطه وزينته ولباسه ولباس حاشيته، فذلك أحمق جهول
هذا، ولمّا كانت سنة نيِّفٍ وثمانين وسبعمائةٍ، أراد السّلطان الظّاهر برقوق (¬1) وهو نظام المملكة المصرية أن ينقضكلّ ما أرصدهملوك الدّولة الكرديّة (¬2) من بيت المال، وقال إنّه أُخذ من بيت المال بالحيلة، وقد استغرق نصف أراضي بيت المال، وعقد لذلك مجلساً حافلاً, حضره شيخ الشّيوخ، وعين أرباب الرّسوخ، المحقِّق أكمل الدّين (¬3)،
¬
(¬1) السلطان الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين برقوق بن آنص العثمانياليلبغاويالجاركسي القائم بدولة الجراكسة بالديار المصرية, تولى العرش 784هـ، وأشار السّراج البلقيني أن يكون لقبه «الملك الظاهر»، في عهده أسست المدرسة الظاهرية، وكان حازما مهابا محبّا لأهل الخير والعلم إذا أتاه أحد منهم قام إليه ولم يعرف أحد قبله من الملوك [الترك] يقوم لفقيه وقلّما كان يمكّن أحدا منهم من تقبيل يده، إلا أنه كان محبّا لجمع المال وحدث في أيامه تجاهر الناس بالبراطيل، فكان لا يكاد يولّى أحدا وظيفة ولا عملا إلا بمال وفسد بذلك كثير من الأحوال وكان مولعا بتقديم الأسافل وحطّ ذوى البيوتات. (740 – 801 هـ). ينظر النجوم الزاهرة ج11 (221 - 317)
(¬2) الدولة الأيوبية.
(¬3) هو الإمام المحقق الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد البابرتي. ولد في بضع عشرة وسبعمائة. وأخذ عن أبي حيان والأصفهاني، وسمع الحديث من الدلاصي وابن عبد الهادي، وكان علامة ذا فنون، وافرالعقل، قوي النفس، عظيم الهيبة، أخذ عنه العلامة السيد الشريف والعلامة الفنري، وعرض عليه القضاء فامتنع. له التفسير وشرح المشارق وشرح مختصر ابن الحاجب. وشرح عقيدة الطوسي والعناية شرح الهداية وشرح السراجية، وشرح ألفية ابن معطي، وشرح المنار وشرح تلخيص المعاني، والتقرير شرح أصول البزدوي، توفي سنة (786) وحضر جنازته السلطان فمن دونه، ودفن بالشيخونية في مصر. رد المحتار (1: 26) ..
شارح الهداية، شيخ السّادة الحنفيّة في عصره، وعلّامة الدّنيا على الإطلاق؛ سراج الدّين عمر البلقينيّ (¬1)، والبرهان ابن جماعة (¬2)، وغيرهم من العلماء، فاتّفقوا على أنّ ما أُرْصِدَ على من كان مَصرِفاً من مصارف بيت المال لا سبيل إلى نقضه، وانفضَّ المجلس على ذلك.
قال العلَّامة جلال الدّين السّيوطيّ: وهذا الّذي اتّفقوا عليه بعينه قاله العزّ بن عبد السّلام سلطان العلماء، فكلام العلماء في هذه المسألة يوافق بعضه بعضاً.
هذا وقد ذكر بعض الاختباريّين: أنّ الملك الكامل من بني أيّوب لمّا ملك مصر أرسل وزيره ليكشف له عن أحوال مصر وجباية أموالها، فكتب له الوزير يخبره في رقعةٍأنّ المرتّب في بيت أموال المسلمين في كل سنةٍ صدقاتٍ للعلماء والفقراء مائتان وسبعون ألف دينارٍ، ويحصل بسبب ذلك خللٌ في الخزائن ونقصٌ في الأموال.
فكتب إليه الملك الكامل تحت خطِّه ما نصُّه: الفاقة مرّة المذاق، والحاجة تذلُّ الأعناق، والمال مال الله، وهو الرّحيم الرّزّاق، أجري النّاس على عوائدهم في الاستحقاق، ما عنكم ينفد وما عند الله باق، فإنّا لا نحبُّ أن يثبت عنّا المنع عن غيرنا الإطلاق، والآثار الحسنة من مكارم الأخلاق، وإليكم هذا الحديث يساق، قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم: " من تسبّب في قطع رزق أخيه المسلم قطع الله رزقه" انتهى.
¬
(¬1) عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق بن عبد الحق الكناني، القاهري، الشافعي، العسقلاني الاصل، البلقيني، 724 - 805 هـ، لقب بسراج الدين.
(¬2) إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد ابن جماعة الكناني، أبو إسحاق، برهان الدين، الحموي الأصل، المقدسي الشافعيّ، صنف (تفسيرا) في عشر مجلدات، واقتنى ما لم يتهيأ لغيره من نفائس الكتب، بخطوط مصنفيها. وتوفي شبه الفجأة، ودفن بالمزة ظاهر دمشق، 725 - 790 هـ، ينظر الأعلام (1: 46).
قلت: وقد وقع نظير ذلك لجدِّ سلطان زماننا، السّلطان العادل، والهمام البازل, مفخر سلاطين أبناء عثمان، سليم خان, حين ملك مصر وديار العرب، عرض عليه وزيره حين كشف عن جباية الأموال وضَبَطَها وحرَّرها أن المُرصَد من ذلك على خيرات وقربات للعلماء والفقراء وغير ذلك نحو الثّلثين، والباقي يكون للخزينة، وأشار إليه بضمِّ ذلك إلى الخزينة السّلطانيّة، فردَّ عليه أقبح ردٍّ، وجازاه بالبعد والطّرد، وقال له: خيرات فعلها من قَبْلنا، لا نحبُّ أن يكون نقضها من قِبَلِنا، وأمر بإبقاء ما كان على ما كان، فجازاه الله بالإحسان، وجعل الكلمة الباقية في عقبه إلى آخر الزّمان.
هذا وقد وصّى النبيُّ عليه الصّلاة والسّلام بأهل مصر خيراً فقال: "سيُفتح عليكم بعدي مدينةٌ يذكر فيها القيراط, فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمّةً ورحماً"، وقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم: "إذا فتح عليكم مصر فاتّخذوا بها جنداً كثيفاً، فإن ذلك الجند خير أجناد الأرض"، قال أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنّهم وأزواجهم في رباطٍ إلى يوم القيامة"، وقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم وقد أُوتِيَ بثوبٍ من المَعافِر يعني مَعافِر مصر فقال أبو سفيان لعن الله هذا الثّوب ولعن من عمله، فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم: " لا تلعنهم فإنّهم منِّي وأنا منهم"، قلت: معنى كونهم منِّي أنّ هاجر أمَّ إسماعيل صلّى الله تعالى عليه وسلّم منهم، ومعنى كونه منهم أنّ ماريّه أمَّ إبراهيم ابنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم منهم، فقد ثبت أنّ أهل مصر وصيّة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم، وأنّه منهم، وهذه الخصوصيّة لا توجد لغيره من أهل سائر الأمصار.
وإذا كان كذلك ينبغي لمن ولاها من الملوك والوزراء أن يعمل فيهم بوصيّة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم؛ فينظر إليهم بعين العناية، ويشملهم بيد الرّعاية, وها هنا منقبةٌ يتنافس في مثلها العقلاء، ويرغب فيها الملوك والوزراء، وهي أنّ سيّد الوزراء على الإطلاق، وعالمهم بالاتّفاق، الوزير نظام الملك الملقّب بخَوَاجَهْ بُزُرْك، وَزَرَ لملك التّرك أبي الفتح بن أَلْب أرسلان، وقد وزر لأبيه من قبله، فقام بدولتهم أحسن قيام، حتّى ألقى الملك بجرانه، وذلّ الخلق لسلطانه، وكان الّذي مهّد له ذلك أنّه أقبل بكليَّته على مراعاة حملة الدّين، وبناء دور العلم للفقهاء، وإنشاء المدارس للعلماء، وأسّس الرّباطات للعُبّاد والزّهّاد وأهل الصّلاح والفقراء، وكان الذي يخرج من بيوت أمواله في ذلك ستّمائة ألف دينارٍ في كلّ سنة، فوشى به الواشي إلى أبي الفتح الملك، وقالوا: إنّ هذا المال المخرج نقيم به جيشاً يركز بدايته على سور القسطنطينيّة، ويذبُّ عنك، ويحمي بلادك, فخامر ذلك قلب أبي الفتح، فلمّا دخل عليه نظام الملك قال له: يا أبت، بلغني أنّك تخرج من بيوت المال في كل سنة ستّمائة ألف دينارٍ إلى من لا ينفعنا ولا يغني عنا، فبكى نظام الملك وقال: يا بنيّ أنت مشتغل بلذّاتك، ومنهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك، وجيوشك التي تُعدّهمللنّوائب، إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراعان، وقسيٍّلا ينتهي مدى مرماها ثلاثمائة ذراعٍ, ومع ذلك يستغرقون في المعاصي والخمور، والملاهي والمزمار والطّنبور، وأنا أقمت لك جيشاً يسمّى جيش اللّيل، إذا نامت جيوشك قامت جيوش اللّيل أقدامهم صفوفاً بين يدي ربِّهم، فأرسلوا دموعهم، وأطلقوا بالدّعاء ألسنتهم، ومدّوا إلى الله تعالى أكفّهم بالدّعاء لك ولجيوشك، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون، وبدعائهم تثبتون، وببركاتهم تمطرون وترزقون، تخرق سهامهم إلى السّماء السّابعة بالدّعاء
والتّضرّع، فبكى أبو الفتح بكاءً شديداً ثمّ قال: أكثر لي من هذا الجيش.
والله المسئول سبحانه أن يوفّق الجناب الكريم لمرضاته، وأن يحمي دولته من بطائن الشّر في جميع شؤونه وحالاته, والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، فإنّ ذلك عجلاً، وكتبه داعياً مبتهلاً، الشّريف أحمد بن محمّد الحنفيّ الحمويّ، غفر الله تعالى ذُنُوبَه، وملأ من الخيرات ذَنُوبَه بمنِّه وكرمه، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلَّم أجمعين.
وكان الفراغ من كتابته عن النّسخة في يوم الخميس، 28 محرّم سنة 1091، على يد أفقر العباد، وأقلّهم عتاد, الحقير إبراهيم بن حسن الحنفيّ، عاملهما بلطفهالخفيّ بمنّهوكرمه.