الجزء 1 · صفحة 5
ذيل الرسالة التائبية في شرح التائية
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليه العون
الحمدُ للهِ الأحدِ الصَّمَدِ المُنَزَّه عن الصَّاحبة والوالد والولد، والصَّلاة والسَّلامُ على سيد ولد آدم، الذي منه ابتدأ اللهُ الأمر الأهم، وبه اختتم، وعلى آلِهِ المُكرَّمِينَ وصحبه المُعظَّمينَ.
أما بعد: فهذهِ أبياتٌ مُشتَهرةٌ مُنتشِرةٌ، عددَ العَشَرَةِ المُبشَّرَةِ، منسوبةٌ إلى ولدِ العلامة ابنِ المُقري صاحب الإرشاد»، وزُبدة الزُّمَّادِ، وعُمدةِ العُبَّادِ، حيثُ عارض مُقابلة تائيَّتِهِ الرَّاضِيةِ المَرضية، الفائقة على التائية الفارضيَّةِ؛ لِمَا فيها من المُنكراتِ العَارضِيَّة، وقد توهَّمَ بعضُ العوامِ الذينَ هُم كالأنعامِ استحسان جوابه، أنَّهُ أخطأ طريق صوابه، وترك سبيل الواجب في آدابه؛ حيثُ لم يُحسن في مقامِ خطابه، ولم يأتِ بما يُجديه في بابه، على أنه لا مُناسبة بينهما لا في تحقيق المبنى، ولا في تدقيقِ المَعْنَى؛ فكل إناءٍ يترشَّحُ بما فيه، وكُلُّ وعاء يحفظ ما يُماثله ويُكافئه، وقد استدعى مِنِّي مِنْ أسعد أصحابي وأحمد أحْبَابِي شرحَ ما يُلائمه وينافيه؛ فأقولُ: قوله: لِي فِي اللهِ حُسْنُ ظَنَّ جَمِيلُ إِنْ تَجَافَى عَنِ الخَلِيْلِ الخَلِيْلُ لي بفتح ياء الإضافة لغةٌ مألوفةٌ وقراءةٌ معروفةٌ، خبر مُقدَّم؛ للاهتمام لا للحَصْرِ؛ لعدم صحةِ القَصْرِ، ولورودِ نفي حُسْنِ الظنِّ عن والده بطريق المفهوم، المُعتبر عند بعض أرباب العلوم، يقعُ في المقامِ المذموم، و حُسْنُ ظَنِّ مبتدأً مع مضافه، وفِي اللهِ مُتعلق به، و جَمِيلُ بالرفع نعت في المبنى وتأكيد في المعنى؛ لحسنه.
الجزء 1 · صفحة 7
ثم إنْ شرطيةٌ، وتَجَافَى أصله طلبُ الجَفَاءِ وترك الوفاء، لكن المعنى هنا على تباعد التعدية؛ يعني: كقوله تعالى: {نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 10]؛ فيكون مجازاً بإطلاق الملزوم، وإرادة اللازم؛ إذ من لوازم الجفاء تباعد أهلِ الوفاء، وعَنِ الخَلِيْلِ متعلّق بـ تَجَافَى، وهو فعل ماض في البيت، ومضارع في الآية، والخَلِيْلُ فاعل، وكأَنَّهُ كنَّى بهما عن نفسه ووالده في مقامِ أُنسه، لكن لا يخفى أن إن الشرطية في المبنى تُفسد في هذا المحل تحقيق المعنَى؛ إِذْ يَلزمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُ حُسْنُ الظن بالله سبحانَهُ إِنْ هجَرَهُ أبوه وقال في شأنه ما شأنه، وكذا لا يصح أن تكونَ إن بفتح الهمزة، وتقدير اللام التعليلية للعلة المُتقدّمة؛ فكانَ حقه أن يقول: إذ للظرفية بمعنى إذ الزَّمانية؛ ليكونَ توريةً في الكلام.
ويُرادُ بكل من الخليل جنسه ليتم المرام، ويصير المعنى: لي حُسنُ ظن بالله كريماً، حينَ وَلَا يَسْلُ حَمِيدُ حَمِيمًا} [المعارج: 10]، ويَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَهُ مِنْ أَخِيهِ وَأَتِهِ، وَأَبِيهِ وَصَحِبَيْهِ، وَبَنِيهِ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُمْ يَوْمَيذٍ شَأْنُ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37] وعلى كل تقدير وتقرير تحرير: إنَّ كلامه هذا وقع في مرتبة الفضيحة في مقابلة النصيحة، ثم هذا مصادرة منه، ومكابرة صادرة عنه؛ لأنَّ في كلام والدهِ اعتراض عليه بما أشار إليه؛ حيث قال:
تُسِيءُ بِهِ ظَنَّا وَتُحْسِنُ تَارَةً عَلَى نَحْوِ مَا يَقْضِي الهَوَى بِالقَضِيَّةِ وقد قدمنا معنى حُسنِ الظَّنِّ في محله المُستحسن، ثم قوله:
لِي عُمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَرِزْقُ يَنقَضِي وَالكَثِيرُ مِنْهُ قَلِيلُ إعرابه واضح بحسب مبناه، وفاضح بسبب معناهُ؛ فَإِنَّهُ لا مُنازِعَ لَهُ أَحدٌ في فحواه ومقتضاه، مع أن هذا أيضاً مصادرة في الأمر المطلوب، ومكابرة في الحكمِ المرغوب؛ حيثُ قال والده:
الجزء 1 · صفحة 8
تَقُولُ مَعَ العِصْيانِ رَبِّي غَافِرٌ صَدَقْتَ وَلَكِنْ غَافِرٌ بِالمَشِيْئَةِ وَرَبُّكَ رَزَاقٌ كَمَا هُوَ غَافِرٌ فَلِمْ لا تُصَدِّقُ فِيْهَمَا بِالسَّوِيَّةِ
فراجع معنى البيتين؛ لتعلم المرتبتين في القضيتين، ثم قوله:
مَا قَضَاهُ الإِلَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَعَلَامَ هَذَا العَرِيضُ الطَّوِيلُ لا يخفى مضمونُ المِصراعِ الأولِ: أَنَّ عندَ الكلِّ هو المُعوَّلُ، لكن ليس للفاجِرِ والكافر أن يحتج بالقضاء والقدر القاهر؛ لأن هذا إنما ينشأ عن الطبع الفاتر القاصر؛
كما حكى الله سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ [النحل: 35]، لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا} [الأنعام: 148]، مع قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107]، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ} [البقرة: 253]. فهذا بحر طويلٌ لا ساحل له في المرتبة السابقة، وخلاصته: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةٌ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]؛ أي: لكن أراد أن يكونَ الأمر كما أخبر عنه بقوله: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، وبقوله في الحديث القدسي والكلامِ الأُنسي: «خلقتُ هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلقتُ هؤلاء للنار ولا أبالي، والمَخلَص قوله عزّ وجلَّ: لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23]؛ فحقق إيمانك وإيقانكَ؛ لئلا تقع في وَحْلِ الزَّلل؛ كما وقع هذا الولد الجاهل الغافل في معارضة والده العالم العامل الكامل الفاضلِ؛ بقولهِ: فَعَلَامَ هَذَا العَرِيضُ الطُّويلُ؛ فإِنَّهُ بظاهره الكفرُ لتضمن إنكاره الأمر والنهي، وإبطال أحكام الشرع الجارية على مخالفة الطبع في بناء الأصل والفرع، ثم قوله:
الجزء 1 · صفحة 9
رُبَّ أَمْرٍ يَضِيقُ ذَرْعَكَ مِنْهُ لَكَ فِيْهِ إِلَى النَّجَاةِ سَبِيْلُ يُقرأُ البيتُ بإشباع الهاءين، كما هو لغةٌ وقراءة، وكذا منه فيما سبق منه،
والمراد بالذرع هنا: الصَّدرُ، ومنه قوله تعالى: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [هود: 77]. ا وهذا البيتُ أيضاً ليس في محله؛ إذ لا منازع له في أمره، وإن أرادَ بعموم الأمر شموله للمعصية؛ فهذا خطأ في القضية؛ إذ ليسَ العِصيان سبيلاً إلى النجاة من النيران، وطريقاً إلى دخول الجنانِ، نعم معصية أورثت ذلاً واستصغاراً، أو أوجبت
توبة واستغفاراً خيرٌ من طاعةٍ أعقبتْ عُجباً وغُروراً واستكباراً، ثم قوله: وَمَعَ الْعُسْرِ إِنْ تَتَابَعَ يُسْرُ لِصُروفِ الزَّمَانِ حَالٌ يَحُولُ مُشيراً إلى قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيرًا} [الشرح: 5]، وقد ورد: «لن يغلِبَ عُسْرٌ يُسرَينِ، وتحقيق هذا المرام ليس محله هذا المقام؛، ف مَعَ العُسْرِ في قوله خبرٌ لقوله: يُسْرُ، وضمير تَتَابَعَ لـ العُسْرِ، ولو قال: قد تتابع يُسْر؛ لتطابق القراءة، والحديثِ مبنى ومعنى، و صُروفِ الزَّمَانِ حوادث الدورانِ حَالٌ بل أحوالٌ يَحُولُ أي: يحول ويتغيَّرُ ويتبدَّلُ؛ إمَّا بأحسن وأيمن، وإما بأنحس وأبخس؛ كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، وقول القائل:
فيومٌ لنَا ويومٌ عَلَينا ويَومٌ نُسَاءُ ويَومٌ نُسَرُّ
وعلى هذا المعنى لا يُلائم المعارضة في المبنى، إلا إذا حمَلَنا على أنه أرادَ باليُسْرِ تيسير الطاعة، وبالعُسر تعسيرها في الساعة، ومع هذا والده لا يُنكِرُ هذهِ الحالة؛ لأنَّ المطلوب من العبدِ المسارعةُ قبلَ حُلولِ الفَوتِ، ونُزولِ الموتِ؛ فقد
الجزء 1 · صفحة 10
قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية [آل عمران: 133]، ثم قوله: لَيْتَ شِعْرِي عَوَاقِبُ الأَمْرِ مَاذَا أَوْ إِلَامَ بِنَا المَالُ يَؤولُ شعري أي: شُعوري وعِلْمي، اسم لَيْتَ، وخبره جملةُ عَوَاقِبُ الأَمْرِ مَاذَا؛ أي: أيُّ شيءٍ عاقبة أمرنا من حُسنه من اكتساب الطاعة، أو قبحه من ارتكاب المعصية؛ فإن المدارَ على حُسنِ الخَاتمةِ المَبنية على القضية السابقة المُبهمة على أهلِ الدُّنيا والآخرة.
والمَصْراعُ الثاني مثل الأول في المعنى وإِنْ غايرَهُ فِي المَبَنَى؛ فكونُ الوَاوِ بدلاً وهو الأولى، ثم ما الاستفهامية.
والمعنى: ليت شِعْرِي مال أمرنا يرجع إلى أي شيء حاصل بنا وواقع لنا، وهكذا كان خوفُ الخائفين من الأولياء والأصفياء، لكن بعدما كانوا يقومون بحق العبادة ومراعاة الشريعة في جميع الأشياء؛ ففي الحديثِ: «أكثرُ دُعَائِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلام تعليماً لأصحابه الكرام يا مُقَلبَ القُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قَلبِي على دِينكَ»، وفي رواية: «صرف قَلْبِي على عِبَادتك، وهو معنى قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]؛ أي: ثبتنا على الطريق القويم؛ وذلكَ لِمَا وردَ: «أَنَّ قُلُوبَ بَنِي آدم بينَ أَصابع الرَّحمنِ، يُقلبها كيفَ يَشاءُ، وقد بينت هذه المقالة في الرسالة
المُسمَّاةِ: «السالمة في حُسْنِ الخاتمة»، ثم قوله:
نَعْرِفُ الحَقِّ ثُمَّ نُعْرِضُ عَنْهُ وَنَرَاهُ وَنَحْنُ عَنْهُ نَمِيلُ الضمائر لـ الحَقِّ، وهي بالإشباع في الثلاثة، ويجوز قصره في الأخيرة، و نَحْنُ عَنْهُ نَمِيلُ بمعنى نُعْرِضُ عَنْهُ، وكذا نَرَاهُ بمعنى نعرفُ الحق.
الجزء 1 · صفحة 11
فهو تكرار في الكلام وتأكيد في المقام، وهذا إن كانَ منه اعترافُ بغفلته واغترافُ عن بحرِ معرفته؛ بتقبيح حالته وتقصيره في طاعته؛ فنعِمَّا هي، وإن كان تعريضاً بوالده الفقيه النبيه؛ ففيه شهادةٌ له على نفسه بأنه الجاهل السفيه؛ كما قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مَلَةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]، وكذا قوله:
قَدْ عَلِمْنَا وَمَا انْتَفْعَنَا بِعِلْمِ إِنَّهُ قَدْ دَنَا وَحَانَ الرَّحِيْلُ ف الرَّحِيلُ بمعنى الارتحال، تنازع فيهِ الفِعَلانِ مِنْ دَنَا وحَانَ؛ أَي: قرُبَ الزَّمانُ وآنَ أوانُ الانتقال من دارِ الفَنَاءِ إلى دار البقاء، ومن مكان العمل إلى مقامِ الجزاء، ثم قوله:
لَوْ قَنِعْنَا مِنْ المُحَالِ اسْتَرَحْنَا مِنْ عَنَاءٍ لَكِنَّ أَيْنَ العُقُولُ فالقناعةُ الرّضَا بالقِسْمةِ، والفعل بكسر النون، وأما بالفتح فمعناه: السُّؤال والتذلل، ومصدره القُنوع، ومن دعائهم نسألُ اللهَ القناعةَ، ونعوذُ باللهِ من القُنوع، ومنها قول القائل:
العَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعْ والحُرُّ عَبْدٌ مَا قَنَعْ سعد
و مِنْ المُحَالِ متعلق بـ استرحنا، وكذا مِنْ عَنَاء.
الجزء 1 · صفحة 12
ولا يُسْتَحْسَنُ تعلُّق الجار في تعدُّدِ المبنى مع اتحادِ المعنى؛ فالوجه أن يُقال: لو قنعنا بما قسم الله لنا لاسترحنا من المُحالِ الذي ينشأ من عناء وتعب وبلاء؛ إذ المُقدَّرُ لا يتغيّر، وقد قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، والضمير الشأنُ المُقدَّرُ اسمُ لَكِنَّ، وجملةُ أَيْنَ العُقُولُ هو الخبر؛ فتدبر، وهذا كما ترى ليس له دَخل في المُدَّعى؛ لا في المبتدأ ولا في المنتهى، وكذا قوله: نَحْنُ مُسْتَعْمَلُونَ فِيْمَا خُلِقْنَا مَالَنَا فِي نُفُوسِنَا مَا نَقُولُ فيه إشارة إلى قوله تعالى: {قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84]، وإلى: «كُلّ مُيُسَرُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وتفصيله في قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 4 - 10].
وفي الآيتين الكريمتين إيماء إلى أن الغالب على أهل الإيمانِ والطاعةِ حُسنُ أنَّ الخاتمة بخلاف أهل الكُفْرِ والمعصية؛ نسأل الله العفو والعافية من دخول الهاوية؛ فـ نحن مبتدأ، خبره مُسْتَعْمَلُونَ بصيغة المجهول، والجارُّ متعلّق بهِ؛ أَي: مُيسرونَ فيما خُلقنا لأجله من الخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، والحضور والغَفْلة، والجمعية والتفرقة، والمنحة والمحنة، والثواب والعقاب، واللقاء والحجاب، والصَّحوِ والمَحوِ والفناء والبقاء، وسائر الأحوال في جميع الأبواب.
الجزء 1 · صفحة 13
وما في الموضعين من المصراعين استفهامية؛ أي: أيُّ شيء من قدرة وحول وقوة في نفوسنا العاجزة عن حفظ أنفاسنا، أي شيء تقول في حقنا؟ فتقول: اعتقد أنَّ الله سبحانَهُ لا يُكلّفُ نفساً إلا وُسْعَها وإلا ما آتاها، وقد أمرها ونهاها، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا} [الشمس: 9]، ومع هذا لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
فعليك بتصحيح الاعتقادِ؛ لئلا تقع في وادي إلحاد، وإنكار زادِ المَعَادِ، ثم بمتابعة الشريعةِ المُبيِّنة طرقَ الصَّلاحِ والفساد، والله رؤوفُ بالعبادِ، وسبحانَ مَن أَقامَ العباد فيما أراد.
فلنختم الكتاب بما ورد عن رئيس الاحتساب عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سُئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ} [الأعراف:،???]، قالَ عمرُ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها، فقالَ: «إِنَّ الله خلق آدم، ثم مسح ظهرَهُ، بيمينه فاستخرج منهُ ذُريَّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منهُ ذُريَّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنارِ، وبعمل أهل النارِ يعملونَ»، فقال رجلٌ: فقيمَ العمل يا رسولَ اللهِ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ إذا خلق العبد للجنة استعملَهُ بعمل أهلِ الجنةِ حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة؛ فيُدخله به الجنةَ، وإذا خلق العبد للنارِ استعمله بعمل أهل النارِ حتَّى يموت على عمل من أعمال أهل النار؛ فيُدخلَهُ به «النار». رواه مالك والترمذي وأبو داود، والحديث في «المشكاة ?، وقد شرحناه في «المرقاة». والصَّلاةُ والسَّلامُ على خُلاصة الكائناتِ، وسُلالة الموجوداتِ، والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الجزء 1 · صفحة 14
وقد تم بحمد الله وعَونِهِ وحُسنِ توفيقه، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.