الجزء 1 · صفحة 7
الكتاب: خزانة المفتين
المؤلف: الحسين بن محمد بن الحسين السمنقاني الحنفي (ت 746 هـ)
أطروحة: دكتوراة - جامعة الملك خالد، السعودية
دراسة وتحقيق: د. فهد بن عبد الله بن عبد الله القحطاني
العام الجامعي: 1441 هـ - 1220
عدد الصفحات: 1225
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 20 صفر 1443
الجزء 1 · صفحة 1
(ص: 1)
خِزانةُ المُفْتين
للإمام الحسين بن محمد بن الحسين السَّمَنْقاني الحنفي
المتوفَّى سنة 746 هـ،
(قسم العبادات)
دراسة وتحقيق
د. فهد بن عبد الله بن عبد الله القحطاني
الجزء 1 · صفحة 2
الفصل الأول
التعريف بكتاب خزانة المفتين
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أهمية ومكانة الكتاب.
المبحث الثاني: منهج المؤلف وأسلوبه في الكتاب.
المبحث الثالث: نسبة الكتاب لمؤلفه.
المبحث الرابع: التعريف بمصادر المؤلف في كتابه.
الجزء 1 · صفحة 3
المبحث الأول
أهمية ومكانة الكتاب
يعدُّ كتاب خزانة المفتين من كتب الواقعات والفتاوى، وهي الكتب التي تجمع مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سُئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية، والكتاب وإن كان كثيرٌ من مسائله من هذا النوع، إلا أن مؤلفه ضمّنه جملاً كثيرة من تقريرات المتون والشروح المعتبرة كالهداية، والاختيار، وشرح مجمع البحرين، وغيرها على ما سيأتي في مصادر المؤلف، وكذا أورد المؤلف مسائل فيها أقوال أبي حنيفة وصاحبيه، وقد صرّح المؤلف في خاتمة كتابه بأنه اجتهد في بيان المسائل، واختار ما هو الأصحّ منها، وأنه بناه على قواعد الحنفية في النظر والترجيح بين الروايات والأقوال.
ويُمكن إجمال أهمية الكتاب فيما يلي:
1 - اعتماد كثير من متأخري الحنفية على النقل من هذا الكتاب، واعتباره من الكتب المعتمدة في نقل المذهب، وهذا يظهر من جانبين:
الجانب الأول: التصريح بأنه من الكتب المعتبرة في نقل المذهب الحنفي، ومن ذلك:
· قال ابن نجيم في مسألة تقادم الدعوى: "وقد كثر السؤال بالقاهرة عن ذلك مع ورود النهي من السلطان - أيده الله - بعدم سماع حادثةٍ لها خمسة عشر عاماً، وقد أفتيت بعدم سماعها عملاً بنهيه، اعتماداً على ما في خزانة المفتين، والله أعلم" (1)
· وقال أبو الحسنات اللكنوي في معرض رده على من قال بمشروعية بعض الصلوات المبتدعة: "والذي يدلُّ على أنَّ الصلاة المذكورة لا أصلَ لها خلوُّ أكثر الكتب المعتمدَة عن ذكرها كالبزَّازية، والخُلاصة، وفتاوى قاضي خان، المحيط، والذخيرة، وخزانة المفتين ... " (2)، بل وجعله من أصحاب التصحيح والترجيح في المذهب (3).
(1) يُنظر: البحر الرائق 7/ 288.
(2) يُنظر: ردع الإخوان عن محدثات آخر جمعة رمضان ص 31.
(3) يُنظر: عمدة الرعاية 5/ 101، 7/ 409.
الجزء 1 · صفحة 4
· وقال الكشميري صاحب العرف الشذي في شرح جامع الترمذي في مسألة وقت صلاة الظهر: "وذكر الشيخ سيد أحمد الدّحلاني الشافعي في رسالةِ رجوع أبي حنيفة إلى المثل الأول ناقلاً عن الفتاوى الظهيرية، وخزانة المفتين، والكتابان من المعتبرات .. " (1)
الجانب الثاني: كثرة النقول عن الكتاب ممن جاء بعد مؤلفه، وممن نقل عنه:
الملا خسرو (2)، والقُهستاني (3)، وابن نُجيم (4)، وسراج الدين ابن نُجيم صاحب النهر الفائق (5)، وملّا علي القاري (6)، والشِّلْبي (7)، وشيخ زاده (8)، والشّرنبلالي (9)، والحَصْكَفي (10)، والحمويّ (11)، وأصحاب الفتاوى الهندية (12)، والطحطاوي (13)، وابن عابدين (14)، وأبو الحسنات اللكنوي (15)، وغيرهم.
2 - المؤلف لم يُهمل الخلاف بين الحنفية رأساً، بل أدرج الخلاف بينهم في جملة من المسائل، كما سيأتي في الكلام على طريقة المؤلف في عرض مسائل الكتاب.
(1) يُنظر: العرف الشذي في شرح جامع الترمذي 1/ 171.
(2) يُنظر: درر الحكام 1/ 410.
(3) يُنظر: جامع رموز الرواية 3/ 169.
(4) يُنظر: البحر الرائق 4/ 204.
(5) يُنظر: النهر الفائق 2/ 505.
(6) يُنظر: المسلك المتقسط ص 198.
(7) يُنظر: حاشية الشّلبي على التبيين 4/ 221.
(8) يُنظر: مجمع الأنهر 1/ 97.
(9) يُنظر: الشُّرنبلاليّة 2/ 135.
(10) يُنظر: الدر المختار ص 321.
(11) يُنظر: غمز عيون البصائر 1/ 54.
(12) يُنظر: الفتاوى الهندية 1/ 20.
(13) يُنظر: حاشية الطحطاوي على المراقي ص 230.
(14) يُنظر: حاشية ابن عابدين 2/ 351.
(15) يُنظر: عمدة الرعاية 1/ 291.
الجزء 1 · صفحة 5
3 - كثرة مصادر المؤلف وأصالتها، على أن الكتاب حوى جملة من النقول عن بعض الكتب المفقودة، مثل فتاوى أهل العراق، وفتاوى أهل سمرقند، والفتاوى للحميدي، وغيرها.
4 - كثرة الفروع الفقهية، وقد أحصيت المسائل التي في قسم العبادات الذي حققته فبلغت قرابة أربعة آلاف فرعٍ فقهي.
5 - اعتناء المؤلف بذكر التصحيح والترجيح في الأقوال في المذهب يبرز أهمية الكتاب، وقد صرّح بذلك في أول الكتاب، وبيّن أنه سيورد المعول عليه في المذهب، ولم أقف في هذا القسم الذي أحققه إلا على مسألتين انفرد بهما عن الحنفية فيما يظهر، وهما: قوله بوجوب الصلاة على النبي ? في التشهد (1)، وقوله بوجوب طواف القدوم (2).
* * * *
(1) يُنظر: الصفحة رقم 485 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 1109 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 6
المبحث الثاني
منهج المؤلف وأسلوبه في الكتاب
يمُكن إجمال منهج المؤلف في الكتاب فيما يلي من النقاط:
منهجه في ترتيب المسائل:
1 - يعرض المؤلف مسائل الكتاب في الغالب على منهج فقهاء الحنفية في ترتيب الأبواب الفقهية، ويبدأ عادةً البابَ بذكر بعض التعريفات، والشروط العامة، والتقاسيم والأنواع، ثم يذكر فصول الباب فصلاً، فصلاً، وكان جُلّ نقولاته في مقدمات الأبواب والفصول من كتب المتون والشروح، لا كتب الفتاوى والواقعات؛ لأن العادة جرت في كتب الفتاوى بعدم تقرير أصول الباب وتعريفاته، بل الدخول رأساً في نقل الفتاوى عن أئمة الحنفية؛ لذا فإن مقدمات الأبواب والفصول عند المؤلف كان غالبها من كتابَي: الاختيار في شرح المختار للموصلي، وشرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي (1).
2 - يبدأ المؤلف الفصل بمهماته، ثم يردفها بالفروع المتناثرة اللائق إدراجها بهذا الفصل في الغالب؛ وربما كرر بعض الفروع، مع اختلاف العبارة تبعاً لمن ينقل عنه.
3 - المؤلف وإن كان الغالب منه موافقة أصحابه الحنفية في ترتيب المسائل إلا أنه لم يطّرد في هذا، ولربما خالفهم في ترتيب المسائل، فمن ذلك أنه تكلّم على أحكام النظر للنساء في آخر فصل الحيض والنفاس من كتاب الطهارة (2)، والعادة عند أكثر فقهاء الحنفية ذكر أحكام هذه المسائل في أبواب الكراهة، والحظر، والإباحة، التي يعقدها المصنفون في الفقه الحنفي في آخر مصنفاتهم (3).
(1) يُنظر: الصفحة رقم 130، والصفحة رقم 265 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 316 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الهداية 4/ 368، تحفة الملوك ص 230، الاختيار 4/ 156، مجمع الأنهر 2/ 530، الدر المختار ص 656.
الجزء 1 · صفحة 7
4 - جرت العادة من المؤلف أنه في آخر مسائل الفصل يلخص ما مرّ من أكثر مسائل الكتاب، خاصة ما يتعلق بالأركان والشروط والمبطلات ونحو ذلك، وربما زاد في تلخيصه هذا مسائل لم يكن ذكرها، أو ينقص مسائل كان قد ذكرها (1).
منهجه في ذكر الخلاف في المذهب:
1 - الأصل في كتاب خزانة المفتين ذكر الأقوال الصحيحة عند الحنفية، وطيّ الخلاف بينهم، كما صرّح المؤلف بذلك في مقدمته، لكنّ المؤلف لم يلتزم بهذا.
2 - حكى المؤلف الخلاف بين الحنفية في كثيرٍ من المسائل، بل حكى الخلاف مع مالك (2)، والشافعي أيضاً (3)، والغالب هو ذكر الخلاف بين الحنفية فقط (4).
3 - الناظر في حكايته للخلاف بين الحنفية يتبيّن له أن المؤلف سلك أكثر من طريقة في ذكر الخلاف، فتارةً يصرحّ بالأقوال في المسألة، وربما ذكر أدلتها (5)، وتارةً يُطلق الخلاف دون ذكرٍ للأقوال، ولا أدلتها، ولا أربابها (6)، وتارةً يذكر قولاً في المسألة، وفي ثنايا الفصل أو آخره يذكر قولاً آخر (7)، وتارةً يذكر قولاً في فصل من الفصول، ثم يذكر قولاً غيره في فصلٍ آخر (8).
4 - كان أكثر الخلاف الذي يذكره المؤلف بين الحنفية مُنصباً على اختلاف الروايات عن أبي حنيفة، أو على الخلاف بين أئمة الحنفية الثلاثة، أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وربما نقل أقوال مشايخ بخارى خاصّة (9)، ولم يلتزم طريقة معينة في تسمية أصحاب الأقوال،
(1) يُنظر: الصفحة رقم 187، والصفحة رقم 1081 من هذا البحث.".
(2) يُنظر: الصفحة رقم 175 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 449، والصفحة رقم 176 من هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 186، والصفحة رقم 868 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 828، والصفحة رقم 614 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 699، والصفحة رقم 749 من هذا البحث.
(7) يُنظر: الصفحة رقم 72، والصفحة رقم 123 من هذا البحث."
(8) يُنظر: الصفحة رقم 130، والصفحة رقم 408 من هذا البحث.
(9) يُنظر: الصفحة رقم 190، والصفحة رقم 299 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 8
فتجده أحياناً يسمّي، وأحياناً لا يسمّي أصحابها، فيقول عند حكاية الخلاف: "وقيل"، وهذا هو الغالب.
5 - لم يكن للمؤلف منهجاً معيناً في الترجيح والتصحيح عند ذكر الخلاف، فتارةً يذكر الخلاف ولا يرجّح، ولا ينقل عن أحدٍ ترجيح (1)، وتارةً يرجّح إما بنقل ترجيح غيره، وهذا هو الغالب (2)، أو يرجّح دون عزوٍ لأحد (3).
منهجه في النقل:
صرّح المؤلف في المقدمة بمصادره في كتابه، ويمكن بيان منهجه في النقل منها وفق ما يلي:
1 - تباين عزو المؤلف لهذه المصادر، فلم يكن اعتماده عليها على وتيرة واحدة، والمتأمل في ذلك يجد أن جلّ اعتماده في النقول كان عن خمسة مصادر من المصادر التسعة عشر التي بيّنها في المقدمة، وهذه الخمسة هي: فتاوى قاضيخان، وشرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي، والخلاصة في الفتاوى، والاختيار شرح المختار، والفتاوى الظهيرية.
2 - يلتزم المؤلف لفظ المصدر الذي ينقل عنه، وهذا في الغالب؛ لأنه ربما اختصر النصّ المنقول بحذف الخلاف بين الحنفية المدوّن في المصدر (4)، أو أنه في بعض الأحيان يسوق العبارة بالمعنى لا باللفظ (5).
3 - الغالب في صنيع المؤلف عزوه النصَّ برمز الاختصار الذي نصّ عليه في المقدمة، وفي بعض الأحيان يصرّح باسم الكتاب كاملاً، والفرق أنه في الوجه الأول يؤخّر العزو، وفي الوجه الثاني يقدّمه (6).
(1) يُنظر: الصفحة رقم 322 والصفحة رقم 354 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 428 والصفحة رقم 455 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 562 والصفحة رقم 609 من هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 162 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 324 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 1152 والصفحة رقم 69 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 9
4 - لم يقتصر نقل المؤلف على المصار التي سمّاها في مقدمته، بل نقل عن غيرها كما سيأتي في مصادر المؤلف، وربما لندرة النقل عنها لم يسمّها في مقدمته (1).
منهجه في الاستدلال:
1 - الغالب في كتب الواقعات والفتاوى خلوّها من الاستدلال، ولم يكن كتاب خزانة المفتين خارجاً عن هذا الغالب في الغالب، والمؤلف لم يهمل الاستدلال رأساً، فقد نقله في جملة من المسائل.
2 - تنوعت مصادر الاستدلال عند المؤلف، وكان يكتفي في الغالب بدليلٍ واحد، ومصادر الاستدلال التي اعتنى بها هي: القرآن الكريم (2)، والسنة المطهّرة (3)، والإجماع (4)، والقياس (5)، والاستحسان (6)، والعرف (7)، وغيرها من الأدلة.
3 - لم أقف للمؤلف على دليلٍ خاصٍ انفرد به في شيءٍ من المسائل، بل عامة ما استدلّ به مدوّن قبله في كتب الحنفية.
* * * *
(1) يُنظر: الصفحة رقم 260، والصفحة رقم 324 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 79، والصفحة رقم 412 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 829، والصفحة رقم 925 هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 524، والصفحة رقم 713 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 696 والصفحة رقم 197 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 198 والصفحة رقم 676 من هذا البحث.
(7) يُنظر: الصفحة رقم 1195 والصفحة رقم 375 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 10
المبحث الثالث
نسبة الكتاب لمؤلفه
يمكن الجزم بنسبة الكتاب لمؤلفه الحسين بن محمد بن الحسين السمنقاني، وذلك لما يلي:
1 - صرّح المؤلف باسم الكتاب في المقدمة فقال: " .... كل هذا مع اعترافي بقلة البضاعة، وقصور الباع في هذه الصناعة، وعلى علمي بأن من صنّف فقد استُهدِف، ومن ألَّف فقد استُقذِف، ولكن المأمور معذور، والعذر عند الكرام مقبول، وسمّيته بخزانة المفتين".
وفي ختم الكتاب، صرّح بذكر اسمه هو فقال: "هذا آخر كتاب خزانة المفتين، وقد أتيت به على ما أسّستُه من تلك القواعد، واجتهدت في بيان المسائل، واخترت فيه ما هو المعوّل في الباب، وذكرت ما هو الأصحّ من المذاهب في الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، النبيّ الأميّ، وعلى آله الطيبين، وصحبه الطّاهرين، وفرغت من هذه المسودة المباركة يوم الخميس السابع من محرّم الحرام، سنة أربعين وسبع مائة، على يد المؤلف الفقير إلى الله تعالى: الحسين بن محمد بن الحسين السّمنقاني".
2 - ورد في كتب التراجم ذكر هذا الكتاب "خزانة المفتين" منسوباً إلى الإمام السّمنقاني ?، فذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، ونسبه إليه (1)، وكذا صنع في سُلم الوصول إلى طبقات الفحول (2)، وكذا الزّرِكلي في الأعلام (3)، ونسبه إليه أيضاً أبو الحسنات اللكنوي في بعض رسائله (4).
* * * *
(1) يُنظر: كشف الظنون 1/ 703.
(2) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55.
(3) يُنظر: الأعلام 2/ 256.
(4) يُنظر: تحفة الكَمَلة على حواشي تحفة الطلبة، المجلد الأول، ص 260، ضمن مجموع رسائل اللكنوي.
الجزء 1 · صفحة 11
المبحث الرابع
التعريف بمصادر المؤلف في كتابه
يمكن تقسيم المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في كتابه إلى قسمين: قسمٍ نصّ عليه في مقدمته، وقسمٍ لم ينصّ عليه، وهذا بيانها:
القسم الأول: ما نصّ المؤلف عليه في مقدمته، وهي على ترتيبه:
1 - الهداية في شرح بداية المبتدي، للإمام أبي الحسن، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، (المتوفى سنة 593 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (هـ)، وهذا الكتاب من أهم متون الحنفية على الإطلاق، شرح فيه مؤلفه كتابه بداية المبتدي، وللهداية شروح كثيرة، من أهمها: النهاية للسّغْناقي، والعناية للبابرتي، والبناية للعيني، وفتح القدير لابن الهمام، وقد قال العيني عن كتاب الهداية: "إن كتاب الهداية تباهجت به علماء السلف، وتفاخرت به فضلاء الخلف، حتى صار عمدة المدرسين في مدارسهم، وفخر المصدَّرين في مجالسهم، فلم يزالوا مشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه حاوياً لكنز الدقائق، وجامعاً لرمز الحقائق، ومشتملاً على المختار للفتوى، ووافياً بخلاصة اسرار الحاوي، وكافياً في إحاطة الحادثات، وشافياً في أجوبة الواقعات ... " (1).
2 - النهاية في شرح الهداية، للإمام حسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السّغْناقي، (المتوفى سنة 711 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (نه)، وهو من أجلّ شروح الهداية وأوسعها، قال عنه البابرتي صاحب العناية: ""تصدى الشيخ الإمام ... السغناقي سقى الله ثراه، وجعل الجنة مثواه لإبراز ذلك، والتنقير عما هنالك، فشرحه
(1) يُنظر: البناية شرح الهداية 1/ 101.
الجزء 1 · صفحة 12
شرحاً وافياً، وبيّن ما أشكل منه بياناً شافياً، وسمّاه النهاية؛ لوقوعه في نهاية التحقيق، واشتماله على ما هو الغاية في التدقيق" (1).
3 - فتاوى قاضيخان، وتسمى الخانية، للإمام حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخر الدين، المعروف بقاضيخان، (المتوفى سنة 592 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (ف)، جمع قاضيخان فيه كثيراً من فتاوى الحنفية، واعتمد الحنفية على كتابه هذا في التصحيح، حتى قال ابن قُطْلُوبُغا في ديباجته على شرحه لمختصر القدروري: " هذا ما تيسّر على مختصر القدوري، مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضيخان في الفتاوى، فإنّه أحقّ من يُعتمد على تصحيحه" (2).
4 - الخلاصة في الفتاوى، للإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد، البخاري، (المتوفى سنة 542 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (خ)، وقد بين صاحب الخلاصة في أول كتابه أنه لخصه من كتابيه: خزانة الواقعات، وكتاب النصاب، فكتب الخلاصة جامعة للرواية، خالية عن الزوائد، مع بيان مواضع المسائل، وكَتَب الفصول والأجناس على رأس كل كتاب؛ وبين أنه صنّفه ليكون عوناً لمن ابتلي بالفتوى (3).
5 - الفتاوى الظهيرية، للإمام ظهير الدين محمد بن أحمد بن عمر، البخاري، (المتوفى سنة 619 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (ظ)، حوى كثيراً من المسائل والفتاوى، قال عنه العيني: "هو كتاب مشتمل على مسائل من كتب المتقدمين، لا يستغني عنها علماء المتأخرين" (4)، وقد لخّصه العيني وانتخب منه جملة من المسائل في كتابه "المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية".
(1) يُنظر: العناية شرح الهداية 1/ 6.
(2) يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 134.
(3) يُنظر: كشف الظنون 1/ 718.
(4) يُنظر: كشف الظنون 2/ 1226.
الجزء 1 · صفحة 13
6 - شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي، للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن إسماعيل، الأسبيجابي، (المتوفى سنة 535 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (طح)، والمؤلف السمنقاني سماه: "الشرح للطحاوي"، وهو عند الإطلاق يراد به شرح الأسبيجابي، وقد تبيّن هذا من خلال النقول والعزو، وهذا الشرح من أجل شروح مختصر الطحاوي، وقد اعتمد عليه الكاساني في بدائع الصنائع كثيراً (1).
7 - الفتاوى الكبرى، للإمام عمر بن عبد العزيز بن مازه، المعروف بالصّدر الشهيد، (المتوفى سنة 536 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (ك)، وهي تصنيفٌ جامعٌ لكثير من كتب الفتاوى التي كانت قبل عصر المؤلف كما صرّح بذلك في مقدمتها، ومنها: كتابا النوازل، وعيون المسائل لأبي الليث السمرقندي، وواقعات الناطفي، وفتاوى أهل سمرقند، وغيرها (2).
8 - النوازل، للإمام أبي الليث، نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، السمرقندي (المتوفى سنة 375 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (ن)، جمع السمرقندي فيه جملةً من فتاوى فقهاء الحنفية ممن كان قبله، وكان يسمّي أصحاب هذه الفتوى، ونصّ في مقدمته على أسماء من ينقل عنهم من مشايخ الحنفية (3).
9 - الفتاوى لأهل سمرقند، وقد جعل المؤلف اختصاره حين يعزو إليه: (س)، ولم أجد من دوّن اسم مؤلفها أو أسمائهم، وفي المحيط البرهاني ما يُشعر أنها جملة من الفتاوى دونت عن جماعة من فقهاء سمرقند، لا عن فقيهٍ واحد (4)، وقد نقل عنهم أبو الليث في نوازله، فيظهر بذلك تقدمهم، وأنهم ربما كانوا في القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع، وأكثرَ صاحب المحيط البرهاني، وكذا صاحب الفتاوى التاتارخانيّة في النقل عن هذا الكتاب، ولم يذكر في كشف
(1) يُنظر على سبيل المثال: بدائع الصنائع 1/ 17، 1/ 191، 1/ 274.
(2) يُنظر: الفتاوى الكبرى، 18/أ، كشف الظنون 2/ 1228.
(3) يُنظر: النوازل للسمرقندي ص 112.
(4) يُنظر: المحيط البرهاني 3/ 536، 4/ 298.
الجزء 1 · صفحة 14
الظنون اسم مؤلفها، بل إن محقق الفتاوى التاتارخانيّة العلامة شبير بن أحمد القاسمي الحنفي صرّح بأنه لم يعرف أصحابها (1).
10 - الفتاوى لأهل العراق، وهذا كالذي قبله من جهة عدم معرفة أصحابها، لكن نقل الحنفية عنه نادرٌ جداً (2)،وقد جعل المؤلف اختصاره حين يعزو إليه: (ع).
11 - الاختيار شرح المختار، للإمام أبي الفضل، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي، (المتوفى سنة 683 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (اخ)، شرح فيه المؤلف الموصلي متنه المختار، واختار فيه قول أبي حنيفة، فتداولته الأيدي، فطلبوا منه شرحا، فشرحه شرحا أشار فيه إلى علل المسائل ومعانيها، وذكر فروعاً يحتاج إليها، ويعتمد في النقل عليها (3).
12 - شرح مجمع البحرين، للإمام مظفر الدين أحمد بن علي، المعروف بابن السّاعاتي، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (شم)، شرح فيه ابن الساعاتي متنه مجمع البحرين، وهذا المتن من أشهر المتون المعتبرة عند الحنفية، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي، مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع في اختصاره، وشرحه في الشرح المذكور، وأدرج في شرحه كثيراً من مسائل الخلاف مع غير الحنفية (4).
13 - الملتقط في الفتاوى، للإمام أبي القاسم، محمد بن يوسف الحُسيني، السمرقندي، (المتوفى سنة 556 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (م)، ذكر صاحب الملتقط في مقدمته "أنه اصطفى كتابه من البراهين الشرعية، من مصطفيات الأولين والآخرين، من
(1) يُنظر: الفتاوى التاتارخانيّة 1/ 143
(2) الظاهر أنه عند ذكر فتاوى أهل العراق في مقابلة فتاوى أهل سمرقند، فلا يُراد بمشايخ العراق هنا أئمة المذهب كأبي حنيفة وأصحابه، إنما مَن بعدهم من فقهاء حنفية العراق كأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الجصاص، وأبي عبدالله الجرجاني، وأبي بكر القدوري وغيرهم. يُنظر: تاج التراجم لابن قطلوبغا ص 98، 318، حاشية ابن عابدين 3/ 86.
(3) يُنظر: كشف الظنون 2/ 1622.
(4) يُنظر: الطبقات السنية 1/ 401، كشف الظنون 2/ 1599.
الجزء 1 · صفحة 15
أحكام الحوادث الشاملة الوافرة، مما لم يذكر في الأصول تقريراً على فصل الخطاب، ومآل الجواب" (1).
14 - الواقعات للناطفي، للإمام أبي العباس، أحمد بن محمد بن عمر، الطبري، الناطفي، (المتوفى سنة 446 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (و)، جمع فتاوى من قبله من مشايخ الحنفية، مختلطة غير ممتازة، كما هو الحال في صنيع قاضيخان وصاحب الخلاصة بعده (2).
15 - الفصول للعِمادي، للإمام أبي الفتح، عبد الرحيم بن أبي بكر عماد الدين بن عبد الجليل، المرغيناني، (المتوفى سنة 667 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (فص)، قال اللكنوي: "طالعت الفصول العمادية فوجدته مجموعاً نفيساً شاملاً لأحكام متفرقة ومتضمناً لفوائد ملتقطة" (3)، وهذا الكتاب خاصٌّ بالمعاملات من البيوع والأنكحة والوصايا، ونحوها، رتبه على أربعين فصلاً.
16 - الفصول للأُسْرُوشَني، للإمام أبي الفتح، محمد بن محمود بن حسين، الأُسْرُوشَني، الحنفي، (المتوفى سنة 632 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (فس)، وهو كسابقه في المعاملات فقط، رتبه على ثلاثين فصلاً (4).
17 - الفتاوى للحميدي، لم أهتد للمقصود بالحميدي هنا، ولا بكتابه (5). وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (حم).
(1) يُنظر: الملتقط في الفتاوى ص 4.
(2) يُنظر: حاشية ابن عابدين 1/ 69، عمدة الرعاية 1/ 38.
(3) يُنظر: الفوائد البهية ص 159.
(4) يُنظر: كشف الظنون 2/ 1266.
(5) عزا بعض الحنفية كالعيني بعض المسائل إلى الفوائد الحميدية، وهي لحميد الدين علي بن محمد الضرير الرامشي (ت 666 هـ)، وهو أول من شرح الهداية، فربما كان هو المراد. يُنظر: البناية 2/ 102، 2/ 227، كشف الظنون 2/ 2022.
الجزء 1 · صفحة 16
18 - شرح الجامع الصغير، للإمام عمر بن عبد العزيز بن مازه، المعروف بالصّدر الشهيد، (المتوفى سنة 536 هـ)، وقد جعل المؤلف السمنقاني اختصاره حين يعزو إليه: (ص)، وابن مازه هذا هو صاحب الفتاوى الكبرى الآنف ذكره، وكتابه هذا شرح فيه الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، قال اللكنوي عنه: "وهو شرحٌ مختصر مفيد" (1)، ونقل اللكنوي عن ملا علي القاري "أن للصّدر الشهيد ثلاثة شروح على الجامع الصغير: مطوّل، ومتوسّط، ومتأخّر" (2).
القسم الثاني: ما لم ينصّ المؤلف في مقدمته عليه، وهي:
1 - الأصل، للإمام محمد بن الحسن الشيباني، (المتوفى سنة 189 هـ)، ويسمى كتابه هذا المبسوط، اشتمل على المسائل والآراء الفقهية لأئمة الحنفية الثلاثة، أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن (3).
2 - شرح القُدُوري، أشار إليه المؤلف في موطنٍ واحدٍ، وأراد به شرح مختصر الكرخي للقُدُوري، ومختصر أبي الحسين الكرخي المتوفى سنة (340 هـ) هذا من أوائل متون الحنفية، وقد تعددت شروحه وتنوعت، ومن أشهرها شرح أبي الحسين القُدُوري المتوفى سنة (428 هـ)، وقد ذكر في مقدمته لشرح هذا المختصر طريقته فقال: "وقد عزمت على إملاء كتاب جامع في شرحه، أعتمد فيه بيان الفروع والروايات والزوائد التي لا بدّ منها، وأورد من مسائل الخلاف من غير بسط ... " (4).
3 - المستصفى، للإمام أبي البركات حافظ الدين، عبد الله بن أحمد بن محمود، النسفي، (المتوفى سنة 711 هـ)، وهذا الكتاب شرح فيه أبو البركات كتابَ "مختصر الفقه النافع" لأبي القاسم محمد بن يوسف السمرقندي (المتوفى سنة 556 هـ).
* * * *
(1) يُنظر: الفوائد البهية ص 148.
(2) يُنظر: المصدر السابق.
(3) يُنظر: كشف الظنون 1/ 81، عمدة الرعاية 1/ 34.
(4) يُنظر: شرح مختصر الكرخي للقدوري ص 71.
الجزء 1 · صفحة 17
الفصل الثاني
التعريف بالمؤلف
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اسمه، ونسبته، وكنيته.
المبحث الثاني: مولده، ونشأته، ووفاته.
المبحث الثالث: أسرته.
المبحث الرابع: شيوخه وتلاميذه.
المبحث الخامس: كتبه وآثاره.
الجزء 1 · صفحة 18
المبحث الأول
اسمه، ونسبته، ولقبه
لم أظفر بعد البحث والمطالعة في مظان ترجمة المؤلف إلا على بعض المعلومات اليسيرة عن اسمه، وبعض مصنفاته، وبعض شيوخه، وتاريخ وفاته (1).
1 - اسمه:
الحسين بن محمد بن الحسين.
كذا كتب المؤلف اسمه في آخر كتابه من خزانة المفتين، لكن كل من ترجم له ذكره باسم "حسين بن محمد بن حسين" (2)، والأول أصح لتصريح المؤلف بذلك.
2 - نسبته:
السمنقاني، نسبة إلى بلدة سَمَنقان (3).
وقد ذكر حاجي خليفة في سلم الوصول إلى طبقات الفحول أن نسبته "السميقاني" (4)، وذكر اللكنوي أن نسبته "السمعاني" (5)، والأول أصح؛ لما مضى من النسبة إلى البلد، ولأن المؤلف صرّح بذلك في آخر كتابه خزانة المفتين.
(1) يُنظر في ترجمة المؤلف: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55، الأعلام للزركلي 2/ 256.
(2) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55، الأعلام للزركلي 2/ 256.
(3) سَمَنْقَان بفتح أوّله وثانيه، ونون ساكنة ثمّ قاف، وآخره نون: أحد بلدان إقليم خراسان، وهذه البلدة تقع اليوم في شمال شرق دولة أفغانستان، وتعد ولاية من أربع وثلاثين ولاية في أفغانستان، وعاصمة ولاية سمنقان مدينة آيبك، وعدد سكانها قرابة نصف مليون نسمة، معظهم يتحدث الفارسية. يُنظر: معجم البلدان 3/ 254، مراصد الاطلاع 2/ 738، موقع الويكيبيديا على الشبكة العنكبوتية https: ar.wikipedia.org/wiki.
(4) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55.
(5) يُنظر: تحفة الكَمَلة على حواشي تحفة الطلبة، المجلد الأول، ص 260، ضمن مجموع رسائل اللكنوي.
الجزء 1 · صفحة 19
3 - لقبه:
لُقّب بـ "حسام الدين".
وهذا الذي ذكره حاجي خليفة عنه (1)، لكن جاء في طرّة آخر لوحٍ من نسخة آيا صوفيا تسميته بديع الدين، فربما كانا لقبين له.
* * * *
(1) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55.
الجزء 1 · صفحة 20
المبحث الثاني
مولده، ونشأته، ووفاته
1 - مولده:
لم تفصح التراجم التي ترجمت للمؤلف عن تاريخ مولده، لكن يمكن أن يُقرّب تاريخ مولده بالنظر إلى تاريخ وفاته، فإذا كان تاريخ وفاته سنة 746 هـ، فإن الغالب على مولد المؤلف أن يكون في النصف الثاني من القرن السابع الهجري (1).
2 - نشأته:
لم يُشر من ترجم للمؤلف إلى أيّ شيءٍ عن نشأة المؤلف، إلا أن اشتغاله بالعلم والتأليف دليلٌ على كونه نشأ نجيباً محبَّباً إليه العلم من أهله وخاصّته، وقد لمح فيه شيخه الناموسي شيئاً من ذلك فأشار عليه بكتابة خزانة المفتين، كما نصّ المؤلف على ذلك في مقدّمة كتابه (2).
3 - وفاته:
توفي ? سنة 746 هـ، وكان قد فرغ من كتابة خزانة المفتين سنة 740 هـ (3).
* * * *
(1) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55، الأعلام للزركلي 2/ 256.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 48 من هذا البحث.
(3) يُنظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 55، الأعلام للزركلي 2/ 256.
الجزء 1 · صفحة 21
المبحث الثالث
شيوخه وتلاميذه
لم تذكر كتب التراجم شيئاً عن شيوخ وتلاميذ المؤلف، إلا أنّ المؤلف نصّ في مقدمته أنه كتب خزانة المفتين بمشورة من شيخه محمد بن علي الناموسي، ولم أعثر على أي ترجمة لشيخه هذا.
لكن جاء في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ما نصّه:
"محمد بن علي الناموسي، البخاري، فاضلٌ. من آثاره: كتاب الدعاء" (1).
وقد أحال كحالة إلى أعلام الشيعة لآغا بزرك، وقد راجعت هذا الكتاب وهو طبقات أعلام الشيعة لآغا بزرك الطهراني، فوجدت هذه الترجمة بعينها، وفيها أنه عاش في القرن الثامن الهجري (2)، ولم أستطع الجزم بأنه هو المراد.
هذا، وقد كُتب في طرّة آخر لوحٍ من نسخة آيا صوفيا ما قد يشير إلى أن الإمام أبا البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود، النسفي، (المتوفى سنة 711 هـ) (3)، شيخٌ للسمنقاني فقد جاء فيها هذا السند: "مولانا بديع الدين، تلميذ مولانا حافظ الدين النسفي، وهو تلميذ مولانا حميد الدين الضرير، وهو تلميذ مولانا شمس الأئمة الكردري، وهو تلميذ مولانا برهان الدين المرغيناني صاحب الهداية، وهو تلميذ مولانا القاضي فخر الدين خان، وهو تلميذ القاضي أبي زيد الدبوسي، وهو تلميذ أبي حفص الكبير، وهو تلميذ محمد بن الحسن الشيباني، وهو تلميذ القاضي أبي يوسف، وهو تلميذ سيد التابعين (4)، وهو تلميذ حمّاد".
(1) يُنظر: معجم المؤلفين 11/ 66
(2) يُنظر: طبقات أعلام الشيعة 5/ 196.
(3) يُنظر في ترجمته: الجواهر المضية 1/ 270، تاج التراجم ص 174.
(4) يعني أبا حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 22
وزيادةً على هذا فإنّ مما يقوّي كونه شيخاً له قرينتان:
الأولى: معاصرة السمنقاني للنسفي فإن كلّاً منهما مات في النصف الأول من القرن الثامن، وكذا عاشا جميعاً في بلاد ما وراء النهر.
الثانية: أن للمؤلف السمنقاني كتاباً آخر في الفقه نصّ عليه في مقدمة خزانة المفتين، وهو الشافي في شرح الوافي، ويغلب على الظن أنّ المراد بالوافي كتاب الحافظ النسفي الذي شرحه هو في كتابه الكافي، فربما توجّه لشرحه دون غيره تأثّراً بشيخه.
* * * *
الجزء 1 · صفحة 23
المبحث الرابع
كتبه وآثاره
للمؤلف كتابان في الفقه، ولم أجد أحداً نقل عنه غيرهما، وهما:
الأول: خزانة المفتين، وقد مضى الكلام عنه مفصّلاً.
الكتاب الثاني: الشافي في شرح الوافي، وقد نصّ المؤلف عليه في مقدمة خزانة المفتين فقال: " ... فطفقت أشاور نفسي مقدمًا رِجلاً، ومؤخراً أخرى، متردداً في الاشتغال به، أو بالإقبال على ما هو أهمّ وأحرى، وهو "الكتاب الشافي في شرح الوافي" إذ شرعتُ فيه والشُّروع ملزِم، وكتبت أكثره وهو غير مُبرِم، وها أنا أكاد أتكئ عنه اتّكاء الفراغ، أشار إليّ مَن إشارته حكمٌ، وطاعته غُنمٌ، بصرف العنان إلى هذا الجمع وكتابته ... ".
والظاهر أن أراد بالوافي متن أبي البركات النسفي، قال في مقدمته: "ولقد أفردت في هذا الكتاب ما هو المُعَوَّلُ عليه في الباب، وطويت ذكر الاختلافات، واكتفيت بالعلامات .. (1) "
* * * *
(1) يُنظر: كشف الظنون 2/ 1997.
الجزء 1 · صفحة 24
الفصل الثالث
التعريف بمصطلحات الحنفية الواردة في الكتاب
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المصطلحات التي يشار بها إلى فقهاء المذهب.
المبحث الثاني: المصطلحات التي يشار بها إلى كتب المذهب.
المبحث الثالث: المصطلحات التي يُشار بها إلى ترجيحات المذهب.
الجزء 1 · صفحة 25
المبحث الأول
المصطلحات التي يُشار بها إلى فقهاء المذهب
لم يكن المؤلف ? مكثراً من تسمية أصحاب الأقوال، بل كان الغالب عليه ذكر الأقوال دون أصحابها؛ لذا كانت المصطلحات التي يشار بها إلى فقهاء المذاهب قليلة بالنسبة إلى غيره ممن جمع مسائل الفتاوى والواقعات، ومع ذلك لم يخلُ كتابه منها، والمصطلحات الواردة في كتابه هي:
1 - أصحابنا:
يورد المؤلف هذا الاصطلاح على وجهين:
الأول: أئمة الحنفية الثلاثة، أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد (1).
الثاني: الحنفية (2)، والمرجع في التفريق بينهما هو السياق الذي يرد فيه هذا المصطلح، وقد استعمل المؤلف الإطلاقين، ولم يخرج عن استعمال الحنفية لهذا المصطلح (3)، ويُطلق هذا المصطلح أيضاً على أبي حنيفة وسائر من أدركه من الحنفية (4).
2 - المشايخ:
أطلق المؤلف هذا المصطلح على ثلاثة وجوه:
الأول: كبار أصحاب النبي ? (5)، وهذا يندر استعماله عند الحنفية، ولا يراد به ما ذُكر عند الإطلاق.
(1) يُنظر: الصفحة رقم 52، والصفحة رقم 181 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 183 من هذا البحث.
(3) يُنظر: حاشية ابن عابدين 4/ 495،، عمدة الرعاية 1/ 72، المذهب الحنفي للنقيب 1/ 313.
(4) قال الحموي في غمز عيون البصائر 1/ 26: "والمراد بأصحابنا أصحاب مذهبنا، وهم أبو حنيفة وأصحابه".
(5) يُنظر: الصفحة رقم 780 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 26
الثاني: من لم يُدرك الإمام أبا حنيفة ? (1)، وقد نصّ على هذا المعنى عمر ابن نجيم في كتابه النهر الفائق في شرح كنز الدقائق (2)، واستعمله السمنقاني بهذا المعنى أيضاً.
الثالث: طائفة من الحنفية، والمؤلف يقيده فيقول: "مشايخنا" (3)، أو يزيد على ذلك فيقول: "مشايخنا في ديارنا" (4)، فيكون المراد مشايخ بلده خاصّة، أو مشايخ بلدِ من نقل عنه، خاصةً إذا كان السياق في حكاية خلافٍ بين الحنفية، فإن لم يكن في هذا السياق فهو راجعٌ إلى النوع الثاني، واستعمالات الحنفية لا تخرج عن هذه الأنواع، وإن كان استعمالهم للنوع الأول نادرٌ جداً.
3 - عامة المشايخ:
يُطلق المؤلف مصطلح عامة المشايخ ويريد به: أكثرهم (5)؛ بدليل وجود الخلاف عن بعض الحنفية، واستعمال الحنفية لا يخرج عن هذا المعنى أيضاً (6).
4 - مشايخ بخارى:
هذا المصطلح يطلقه المؤلف على علماء الحنفية المتقدمين الذين سكنوا بخارى (7)، وعلى رأسهم: أبو بكر محمد بن الفضل، وأبو حفص البخاري الكبير، وأبو بكر الخصّاف، وأبو زيد الدبوسي، وغيرهم، وربما أُطلق هذا على المتأخرين من مشايخ بخارى، وهذا راجع إلى ذات المسألة الفقهية التي ينقلها المؤلف، وكذا إلى زمن الناقل، ولم أجد من نصّ على تفسير هذا المصطلح، لكنني التمسته من خلال المسائل أو التراجم التي يورد فيها الحنفية هذا المصطلح (8).
(1) يُنظر: الصفحة رقم 566، والصفحة رقم 712 من هذا البحث.
(2) يُنظر: النهر الفائق 3/ 326، عمدة الرعاية 1/ 71.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 728، والصفحة رقم 786 من هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 250 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 83، والصفحة رقم 142 من هذا البحث.
(6) يُنظر: فتح القدير 1/ 477، عمدة الرعاية 1/ 69، المذهب الحنفي للنقيب 1/ 323.
(7) يُنظر: الصفحة رقم 85 من هذا البحث.
(8) يُنظر: تاج التراجم ص 192،97،94، الجواهر المضية 1/ 380، البناية 5/ 649.
الجزء 1 · صفحة 27
5 - مشايخ العراق:
هذا المصطلح كالذي قبله، وإن كانت مدرسة الحنفية في العراق متقدمةً في النشأة على مدرسة بلاد ما وراء النهر، بل من العراق انطلق مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والظاهر أنه عند ذكر العراقيين في مقابلة مشايخ بخارى أو غيرهم لا يُراد أئمة المذهب كأبي حنيفة وأصحابه، إنما مَن بعدهم من فقهاء حنفيّة العراق كأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الجصاص، وأبي عبدالله الجرجاني، وأبي بكر القدوري وغيرهم (1)، وهذا أيضاً لم أجد من نصّ عليه، لكنه يفهم من سياق هذا المصطلح في كتب تراجم وفقه الحنفية (2).
6 - المتقدمون والمتأخرون:
المتقدمون هم من أدرك أئمة الحنفية الثلاثة، والمتأخرون: من لم يُدركهم، هذا هو الغالب عند الحنفية عند إطلاق هذا المصطلح، كما نصّ على ذلك اللكنوي (3).
وقيل: الحدّ الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين رأس القرن الثالث، وهو الثلاثمائة، فالمتقدمون مَن قبله، والمتأخرون مَن بعده (4).
والمتأمّل لهذين التفسيرين يجد أن البون بينهما ليس شاسعاً، وأن المسألة تقديرية أغلبية، والسمنقاني عند إيراده لهذا المصطلح لا يخرج عن هذين التقديرين (5)، وفي كلامه ما يُشعر أنّ المتقدمين يطلق على أبي حنيفة وسائر من روى عنه من أصحابه، والمتأخرون مَن عداهم، فإنه قال في مقدمته: "وجمعت فيه ما هي مرويّةٌ عن أصحابنا المتقدمين، وما هي مختارةٌ عند المشايخ المتأخرين" (6).
(1) يُنظر: الصفحة رقم 85 من هذا البحث.
(2) يُنظر: تاج التراجم لابن قطلوبغا ص 98، 318، حاشية ابن عابدين 3/ 86.
(3) يُنظر: عمدة الرعاية 1/ 72، المذهب الحنفي للنقيب 1/ 327.
(4) يُنظر: عمدة الرعاية 1/ 72، المذهب الحنفي للنقيب 1/ 327.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 87، والصفحة رقم 327، والصفحة رقم 608 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 49 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 28
7 - عندنا:
يورد المؤلف هذا المصطلح، ويعني به فقهاء الحنفية، والملاحظ أنه ربما ذكره للتنبيه على الخلاف مع غير الحنفية، كالشافعية (1).
8 - شمس الأئمة:
لم يورد السّمنقاني هذا المصطلح إلا مرة واحدة، وقد نصّ غير واحد أن الحنفية يعنون بشمس الأئمة عند الإطلاق السّرَخْسي صاحب المبسوط (2)، ومَن عداه يُذكر مقيّداً، لكن الظاهر أنّ هذا غير مطّرد، بدليل أنّ السّمنقاني أطلقه وأراد به الحُلْوَاني (3).
* * * *
(1) يُنظر: الصفحة رقم 168، والصفحة رقم 353 من هذا البحث.
(2) يُنظر: عمدة الرعاية 1/ 74، المذهب الحنفي للنقيب 1/ 319.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 706 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 29
المبحث الثاني
المصطلحات التي يُشار بها إلى كتب المذهب
يستعمل بعض الحنفية مصطلحات أو رموزاً للإشارة إلى بعض الكتب، إما على سبيل الاختصار، أو على سبيل الاشتهار، أو غير ذلك، ولأن السمنقاني عدّ في مقدمته مصادره ورموز اختصارها فسأكتفي بما عدا ذلك، والمصطلحات التي أطلقها هي:
1 - الأصل:
يُطلق الحنفية هذا المصطلح ويعنون به كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني المسمّى المبسوط أيضاً (1)، وقد أورد السّمنقاني هذا المصطلح ووافق أصحابه في المراد منه (2).
2 - الكتاب:
لمصطلح "الكتاب" عند الحنفية في الغالب معنيان (3):
الأول: كتاب الأصل لمحمد بن الحسن، الآنف ذكره.
الثاني: مختصر القدوري لأبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر القدوري (المتوفى سنة 428 هـ).
وقد ورد هذا المصطلح عند السمنقاني في موضعين، في أحدهما أراد الأصل (4)، وفي الآخر لم أقف على نقله فيهما (5).
* * * *
(1) يُنظر: حاشية الطحطاوي على المراقي ص 610، حاشية ابن عابدين 1/ 70، عمدة الرعاية 1/ 78.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 435 من هذا البحث.
(3) يُنظر: حاشية ابن عابدين 2/ 344.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 149 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 333 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 30
المبحث الثالث
المصطلحات التي يُشار بها إلى ترجيحات المذهب
تعددت عند الحنفية المصطلحات التي يراد منها تصحيح القول والعمل به، وهي تفيد معنىً واحداً في الغالب (1)، وهذه المصطلحات أكثر السّمنقاني من إيرادها في كتابه خزانة المفتين، إما نقلاً عن غيره، أو استعمالاً منه لها، وألفاظ الترجيح التي نقلها أو استعملها هي: وعليه الفتوى (2)، وبه يفتى (3)، وبه نأخذ (4)، وعليه الاعتماد (5)، وعليه العمل اليوم (6)، وهو الصّحيح (7)، والأصحّ (8)، والظاهر (9)، والأظهر (10)، وظاهر المذهب (11)، والأشبه (12)، والأوجه (13)، والمختار (14).
والذي يدل على أنّ هذه المصطلحات يراد بها معنىً واحداً عند السمنقاني هو استعماله لها في موطنٍ واحد، فقد قال مثلاً في مسألة من مسائل النية في الزكاة: " أمّا إذا أخذ السّلطان منه أموالاً
(1) يُنظر: الطراز المُذهَب في ترجيح الصحيح من المذهب ص 58، الدر المختار ص 15،، عمدة الرعاية 1/ 75.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 327، والصفحة رقم 465 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 564، والصفحة رقم 898 من هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 898 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 644، والصفحة رقم 684 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 697 من هذا البحث.
(7) يُنظر: الصفحة رقم 143، والصفحة رقم 688 من هذا البحث.
(8) يُنظر: الصفحة رقم 179، والصفحة رقم 708 من هذا البحث.
(9) يُنظر: الصفحة رقم 951 من هذا البحث.
(10) يُنظر: الصفحة رقم 972، والصفحة رقم 1063 من هذا البحث.
(11) يُنظر: الصفحة رقم 565، والصفحة رقم 974 من هذا البحث.
(12) يُنظر: الصفحة رقم 158 من هذا البحث.
(13) يُنظر: الصفحة رقم 694 من هذا البحث.
(14) يُنظر: الصفحة رقم 83، والصفحة رقم 571 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 31
مصادرةً، ونوى هو أداء الزكاة إليه فعلى الصحيح أنّه لا يجوز، وبه يفتى؛ لأّنه ليس للطالب ولاية أخذ الزكاة عن الأموال الباطنة، وبه نأخذ" (1).
وفي مسألة الوضوء بنبيذ التمر قال: " وروى نوح بن مريم عن أبي حنيفة ?: أنه يتيمّم ولا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف، والشافعي، رحمهما الله، وهو الأصحُّ، وعليه الفتوى" (2).
والأصل في مصطلحات الترجيح أنها لا تستعمل إلا عند وجود الخلاف بين الحنفية، سواءٌ كان ضعيفاً أو قوياً، وهذا هو الذي درج عليه المؤلف، إلا في موطنٍ واحدٍ استعمل مصطلح "الصحيح"، مع عدم وقوفي على خلاف بين الحنفية في المسألة التي أوردها (3).
والمؤلف ? لم يكن يفرق بين الأصح والصحيح، بدليل استعماله المصطلحين في مسألة واحدة، وهي مسألة النية في صلاة التراويح، قال ? أولاً: ""الأصحُّ أنَّ التراويحَ وسائرَ السُّنن المطلقة لا تتأدّى بمطلق النية" (4)، ثم قال في موطنٍ آخر: "وإن نوى الصلاةَ أو صلاةَ التطوع لا يجوز على الصحيح؛ لأنّها [أي التراويح] صلاةٌ مخصوصةٌ فيجب مراعاة الصّفة للخروج عن العُهدة وذلك بأن ينوي السنة" (5).
والمؤلف ? استعمل مصطلح الإجماع على وجهين:
الأول: إجماع الحنفية أو إجماع أئمتهم الثلاثة أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وهذا هو الغالب عند إطلاقه الإجماعات في هذا الكتاب، وتُعرف إرادته ذلك من خلال سياق المسائل، فتجده يذكر الخلاف بين أئمة الحنفية الثلاثة في شيء من المسائل ثم يعقب بإجماعهم على فرع لهذه المسألة، أو يحرر النزاع أولا بذكر إجماعهم في مسألة، ثم يعقب بذكر اختلافهم (6).
(1) يُنظر: الصفحة رقم 898 من هذا البحث.
(2) يُنظر: الصفحة رقم 179 من هذا البحث.
(3) يُنظر: الصفحة رقم 1033 من هذا البحث.
(4) يُنظر: الصفحة رقم 407 من هذا البحث.
(5) يُنظر: الصفحة رقم 580 من هذا البحث.
(6) يُنظر: الصفحة رقم 298 والصفحة رقم 463 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 32
الثاني: إجماع العلماء كافة، ولم يكن المؤلف يورد هذا النوع من الإجماع إلا في المسائل الظاهرة، كالإجماع على وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ونحوها من المسائل (1).
* * * *
(1) يُنظر: الصفحة رقم 320، والصفحة رقم 839 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 33
نُسخ المخطوط المعتمدة في التحقيق:
تعددت نسخ مخطوط خزانة المفتين، حتى بلغت أكثر من ستين نسخة منتشرة في أصقاع العالم (1)، وقد وقع الاختيار على ثلاث نسخ يأتي وصفها، وقد اخترت هذه النسخ لما يلي:
1 - أن هذه النسخ من أقدم ما وقفت عليه.
2 - كل هذه النسخ مكتملة وواضحة الخط.
3 - لا يوجد في هذه النسخ خرم أو طمس إلا ما ندر.
4 - وجود تعليقات لابن نُجيم الحنفي على إحدى هذه النسخ (2).
5 - تنوع مصادر هذه النسخ وتفاوت تاريخ نسخها مع الاعتبار بالأقدم أقصى ما يمكن.
وهذا بيان هذه النُسخ:
النسخة الأولى: وتقع في مجلد واحد:
ويبدأ من أول كتاب الطهارة إلى نهاية الكتاب.
عدد لوحاته: (405) لوحة، على وجهين.
عدد الأسطر: 30 سطرا.
عدد الكلمات:22 كلمة تقريباً.
اسم الناسخ: أحمد بن عبد الرزاق فضل الشرواني
تاريخ النسخ: 842 هـ
المكتبة: متحف طوبقبوسراي- تركيا.
رقم الحفظ: [814].
(1) يُنظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط 3/ 1006.
(2) وقد كانت تعليقاته عليها يسيرة جداً، ولابن نجيم نقول في البحر عن هذا الكتاب؛ لذا اعتمدت ضمن النسخ المختارة، وهي النسخة الثالثة المرموز لها بـ (ج).
الجزء 1 · صفحة 34
ورمزت لها بالرمز (أ).
النسخة الثانية: وتقع في مجلد واحد:
ويبدأ من أول كتاب الطهارة إلى نهاية الكتاب.
عدد لوحاته: (515) لوحة، على وجهين.
عدد الأسطر: 29 سطرا.
عدد الكلمات:17 كلمة تقريباً.
اسم الناسخ: علي بن عمر.
تاريخ النسخ: 890 هـ.
المكتبة: أسعد أفندي - تركيا.
رقم الحفظ: [676].
ورمزت لها بالرمز (ب).
النسخة الثالثة: وتقع في مجلد واحد:
ويبدأ من أول كتاب الطهارة إلى نهاية الكتاب.
عدد لوحاته: (587) لوحة، على وجهين.
عدد الأسطر: 31 سطرا.
عدد الكلمات: 16 إلى 20 كلمة تقريباً.
اسم الناسخ: غير معروف.
تاريخ النسخ: 965 هـ.
المكتبة: مكتبة باشا - تركيا.
رقم الحفظ: [691].
الجزء 1 · صفحة 35
ورمزت لها بالرمز (ج) (1).
(1) وفي أثناء إعداد الرسالة رأيت الحاجة قائمةً لمراجعة نسخٍ أخرى للمخطوط، فوقع الاختيار على نسختين رديفتين، وهما: نسخة آيا صوفيا، ونسخة جلبي عبد الله، ولم أرمز لهما برمز، بل ذكرت اسم النسخة صراحة حتى لا تلتبس بالنسخ الثلاث المعتمدة.
الجزء 1 · صفحة 36
(ص: 36)
(((نماذج من نُسخ المخطوط)))
الجزء 1 · صفحة 37
الورقة الأولى من النسخة (أ)
الجزء 1 · صفحة 38
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من النسخة (أ)
الجزء 1 · صفحة 39
الورقة الأولى من النسخة (ب)
الجزء 1 · صفحة 40
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من النسخة (ب)
الجزء 1 · صفحة 41
الورقة الأولى من النسخة (ج)
الجزء 1 · صفحة 42
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من النسخة (ج)
الجزء 1 · صفحة 43
الورقة الأولى من النسخة الرديفة الأولى (آيا صوفيا)
الجزء 1 · صفحة 44
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من النسخة الرديفة الأولى (آيا صوفيا)
الجزء 1 · صفحة 45
الورقة الأولى من النسخة الرديفة الثانية (جلبي عبد الله)
الجزء 1 · صفحة 46
الورقة الأخيرة من كتاب الحج من النسخة الرديفة الثانية (جلبي عبد الله)
الجزء 1 · صفحة 47
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله حمد الشاكرين، ونؤمن به إيمان الموقنين، ونقر بوحدانيته إقرار الصادقين، ونصلّي على نبيّه وحبيبه سيد المرسلين، وعلى جميع إخوانه من النبيين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الطاهرين.
وبعدُ، فإنّ العلوم كثيرة، والأعمار قصيرة، فالأولى صرف الهمّة إلى الأهمّ، والإقبال على ما له النفع الأعمّ، وهو علم الأحكام، المبيّن للحلال والحرام، الذي أُنزل لبيانه الآيات، وبيّن سيدنا عليه أفضل الصلوات والتحيّات؛ إذ هو قائد السّعادة، ورائد السّيادة، ووسيلة الزّلفى، وفيه شرف الآخرة والأولى.
وقد صنّف فيه العلماء رضوان الله وسلامه عليهم.
سلامٌ متى يُكتبْ على الطِّرس (1) عَطّرتْ ... كتابتُه الأقلامَ والطِّرسَ واليدا
واستوضحوا منه ما أظلم من معانيه، واستكشفوا ما أبهم من مبانيه، ثم هجس في خاطري أن ألخّص من كتبهم نسخةً فيها المسائلُ التي يكثر وقوعها، وتمسُّ الحاجة إليها، وتدور عليها واقعات الأمة، وتقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي المختار للفتوى، والمسائل التي تعمّ بها البلوى، وكنت أتوانى في هذا الأمر إلى أن ترادفت الخواطر، وتوالت الخُطّاب، وتوفرت الدّواعي، وازدحمت الطّلاب، ظنًا منهم -وبعض الظنّ إثمٌ- أن عندي صُبابةً من أقداحه (2)، أو وفور سهمٍ من قِداحه (3)، فطفقت أشاور نفسي مقدِّمًا رِجلاً، ومؤخراً أخرى، متردداً في الاشتغال به، أو بالإقبال على ما هو أهمّ وأحرى، وهو "الكتاب الشافي في شرح الوافي" إذ شرعتُ فيه والشُّروع ملزِم، وكتبت أكثره وهو غير مُبرِم (4)، وها أنا أكاد أتكئ عنه اتّكاء الفراغ، أشار إليّ مَن إشارته حُكمٌ، وطاعته غُنمٌ، بصرف العنان إلى هذا الجمع وكتابته، وهو المولى الأعظم، أستاذ علماء العالم، مربّي طوائف
(1) الطرّس: الصحيفة. يُنظر: الصّحاح 3/ 943، لسان العرب 6/ 121.
(2) الأقداح: جمع قَدَح، وهو نوعٌ من الآنية، يروي الرجلين. يُنظر: المحكم 2/ 568، لسان العرب 2/ 544.
(3) القِداح: جمع قِدْح، وهو السّهم قبل أن يُنصل. يُنظر: العين 3/ 41، تهذيب اللغة 4/ 21.
(4) المُبرم: المُضجِر. يُنظر: الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 136، تاج العروس 31/ 266.
الجزء 1 · صفحة 48
الأمم، سلطان أفاضل بني آدم، ناقد أحاديث سيدنا ?، صاحب المنقول والمعقول، ناشر الفروع والأصول، كشّاف المشكلات، فتّاح أبواب المعضلات، المشرّف بتشريف {دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (1)، المباهي به الملّةُ والدّين، (الباقي به) (2) الحقُّ والملّةُ والدّين، محمد بن علي الناموسي (3)،
الذي استنارت بطلوع أنوار إقباله نجومُ أرباب الفضائل في أفضاله، وارتفعت بارتفاع قدره أقدارُ أهل العلم في عصره، قد أصبح العلمُ والفضلُ في عصره متّسِعَ الأنوار، والتفسيرُ والحديثُ متّسِعَ الآثار، وأمسى الجهلُ في دهره منحوسَ الطوالع، معكوسَ المطالع، منكوسَ المنار، مطموسَ الآثار، لا زال قدرُه مرفوعًا، وعَلَمُ فضلِه وعلْمِه مرفوعًا.
ما إن مدحتُ محمدًا بمقالتي ... لكن مدحتُ مقالتي بمحمدِ (4)
فقلت كما قال الشافعيّ-?:
كيف الوصول إلى سُعادَ ودونها ... قُلل (5) الجبال ودونهنّ حُتوفُ
والرّجل حافيةٌ وما ليَ مركبٌ ... والكفُّ صفرٌ والطريق مَخُوفُ (6)
ووجهتُ ركابي شطرَ مطالبهم، وتوجهتْ تلقاءَ مدين مآربُهم، وشرعتُ مع قريحتي القريحة، وفكرتي الجريحة؛ لتلاطم أمواج الأحوال، وتراكم أنتاج الأشغال، وجمعت فيه ما هي مرويّةٌ عن أصحابنا المتقدمين (7)، وما هي مختارةٌ عند المشايخ المتأخرين، رضوان الله عليهم أجمعين، ما صات بلبلٌ وناح، وشُمّ وردٌ وفاح.
(1) سورة آل عمران، من الآية (97).
(2) في النسخ الثلاث: (حكم)، والمثبت من نسخة آيا صوفيا، اللوح 1/أ، وبه يستقيم السياق.
(3) يُنظر في ترجمته: الصفحة رقم 21 من هذا البحث ..
(4) هذا البيت من الشعر نُسب إلى حسان بن ثابت ? في مدحه للنبي ?. يُنظر: المثل السائر 3/ 240، صبح الأعشى 2/ 321.
(5) قلة الجبل: أعلاه. يُنظر: تهذيب اللغة 8/ 232، تاج العروس 36/ 22.
(6) نسبه المؤلف وغير واحد للشافعي. يُنظر: ديوان الإمام الشافعي، جمع: نعيم زرزور ص 80.
(7) يُنظر: الصفحة رقم 27 من هذا البحث.
الجزء 1 · صفحة 49
وأوردتُ في هذا الكتاب ما هو المعوّل عليه في هذا الباب، وطويتُ ذكر الاختلافات (1)، واكتفيتُ عن ذكر جميع ما أوردت فيه من الكتب بالعلامات، فمن الهداية: (هـ)، ومن النهاية في شرح الهداية: (نه)، ومن الفتاوى للإمام فخر الدين (2): (ف)، ومن الخلاصة: (خ)، ومن الفتاوى للإمام ظهير الدين (3): (ظ)، ومن الشرح للطحاوي (4):
(طح)، ومن الفتاوى الكبرى: (ك)، ومن النوازل: (ن)، ومن الفتاوى لأهل سمرقند: (س)، ومن الفتاوى لأهل عراق: (ع)، ومن الاختيار في شرح المختار: (اخ)، ومن شرح مجمع البحرين: (شم)، ومن الملتقط: (م)، ومن الواقعات: (و)، ومن الفصول العِمادي: (فص)، ومن الفصول للأُسْتُرُوشَني (5): (فس)، ومن الفتاوى الحُميدي: (حم)، ومن شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (6): (ص)، ومن الفوائد المتفرقة: (ق).
كلُّ ذلك بعباراتهم المستعذَبة، وإشاراتهم المستملَحة، إلا قليلًا، ولا يعرف قدْر ذلك إلا من تسنَّم (7) قلِال شواهق هذه الصناعة بحقّ، وجرى في ميدانها أشواطًا على عَرَق، هذا مع اعترافي بقلة
(1) في الغالب؛ لأنه أورد أكثر من قول في عدة مسائل مختلف فيها بين الحنفية، بل أورد خلاف غير الحنفية.
(2) هو: حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، المعروف بـ "قاضيخان" الأوزجندي الفرغاني، الإمام الكبير، والعالم النحرير، فخر الدين قاضي خان، صاحب " الفتاوي " المشهورة. توفي سنة 592 هـ. من مصنفاته: الواقعات، شرح الجامع الصغير، الفتاوى. يُنظر: الجواهر المضية 1/ 205، تاج التراجم ص 151.
(3) هو: أبو بكر، محمد بن أحمد بن عمر، ظهير الدين، البخاري الحنفي، تولى القضاء، وله من المؤلفات: الفتاوى الظهيرية، والفوائد الظهيرية التقطها من شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، توفي سنة 619 هـ. يُنظر: الجواهر المضية 2/ 20، تاج التراجم ص 232.
(4) هو: أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي المصري الطحاوي الفقيه الحنفي، المحدث الحافظ، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمنه بمصر. له من المصنفات: أحكام القرآن، وشرح مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، وغيرها. ولد سنة 239 هـ، وتوفي سنة 321 هـ. يُنظر: تاريخ الإسلام 7/ 439، الجواهر المضية 1/ 102 ..
(5) هو: أبو الفتح، محمد بن محمود بن حسين الأُسْتُرُوشَني الحنفي، الشيخ الإمام، كان حبرًا في الفقه بحرًا في الفتوى، له من المصنفات: الفصول، وأحكام الصغار، توفي سنة 632 هـ. يُنظر: تاج التراجم ص 279، سلم الوصول إلى طبقات الفحول 3/ 261.
(6) هو: أبو محمد، عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، حسام الدين، المعروف بالصدر الشهيد، من أكابر الحنفية، من أهل خراسان. له من المصنفات: الجامع في الفقه، والفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى، والواقعات الحسامية، توفي سنة 536 هـ. يُنظر: تاج التراجم ص 217، سلم الوصول 2/ 416.
(7) تسنّم الشيءَ: عَلاه. يُنظر: الصحاح 5/ 1955، لسان العرب 12/ 306.
الجزء 1 · صفحة 50
البضاعة، وقصور الباع في هذه الصناعة، وعلمي بأن من صنّف قد استُهدِف، ومن ألّف فقد استُقذِف، ولكنّ المأمور معذور، والعذرُ عند الكرام مقبول، وسمّيته بخزانة المفتين.
والمرجو ممن مُلئ بدرر الإنصاف طبعه، أن لا يبادر إلى إنكار أبكار ما يقرع سمعه، بل عليه أن يمعن النظر ويجانب الاعتساف، ثم يسلك مسلك الاستنكار أو الاعتراف؛ لأنّ الحكم إذا قُيّد بقيدٍ كان حكمًا آخر.
فيا ربّ صُنه عن لسانِ مُداهنٍ ... وعن كلّ طعّان دعيّ مذمَّم
فما عابه إلا سفيهٌ معاندٌ ... شقيٌّ حسودٌ وهو غير مكرَّم
وما ضر شمسًا أشرقت في علوّها ... جُحود حسودٍ وهو عن نورها عمِي
فرحم الله امرأً طوى ذيلَ الاعتراض، ونظر عليه بعين الرضا والإغماض، ولا ينظر إليه بالتبرّم والملال، والسآمة والاستثقال، ودعا لمن عمل فيه بالرحمة وخاتمة السعادة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من صالحي عباده وعارفي آياته، ويوفقنا لمتابعة سيدنا ?، إنّه وليُّ الإنعام بالتوفيق للإتمام، وعلى سيّدنا ونبينا الصّلاة والسّلام والتحيّة والإكرام.
اللهم اجعلني من الشاكرين الذاكرين، وارزقني حَجة الإسلام، وزيارة حبيبك سيد المرسلين.
ربّنا تقبل منا إنك أنت السّميع العليم، وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم، ولا تضرب به وجوهنا يا إله العالمين.
وخدمت به (1) خزانة كتبِ من خصّه الله تعالى بالنفس القدسيّة، والرياسة الإنسية، وهو المولى الأعظم، الأعلم المذكور، أدام الله ظِلاله، وأفاض على كافة المسلمين فضله وأفضاله؛ إذ هو في هذا العصر متعيّنٌ لتربية أهل العلم والفضل، وعامرٌ بسيرته ما دُثر من سير أهل الجود والعدل، معنيٌّ بالأمور الدينية لا غير، موفَّقٌ لإحياء معالم كلّ خير، متفردٌ في اقتناء الكمالات الحقيقية، متخصّصٌ بإنشاء الخيرات الأخروية، فلا سلب اللهُ العالمَ ظلَّه، ولا عدِمهم إنعامه وفضلَه، فإنْ لاحظه بعين القَبول والرّضا، فذلك غاية السُّؤل والمبتغى، وبالله التوفيق.
(1) أي أنه جعل كتابه هذا إهداءً إلى خزانة كُتب مَن وصف، والظاهر أنه أراد السّلطان في زمانه، وهو وإن لم يصرّح بهذا، لكن جرت العادة بذلك. يُنظر في مثل هذه المقدّمة والإهداء: مقدمة الثعالبي في كتابه ثمار القلوب 1/ 8، مقدمة الخزرجي في كتابه عيون الأنباء ص 6.
الجزء 1 · صفحة 51
اعلم أن المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استُفتي عن مسألة، وسُئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويّةً عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم، فإنّه يميل إليهم، ويفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهدًا متقنًا؛ لأنّ الظاهر أن يكون الحقَّ مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده
لا يبلغ اجتهادهم، وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف (1)، ومحمد (2)، ?، وهم ممن يُعتمد على مذهبهم، ويُقتدى بحسن سيرتهم، وهم الذين أحيوا سنّة رسول الله ? على وجهها، واتفاقهم هدى، واختلافهم رحمة، ولا ننظرُ إلى قول من خالفهم، ولا نقبل حجته؛ لأنّهم عرفوا الأدلة، وميّزوا بين ما صحّ وثبت، وبين ضدّه (3)، وهم المُشرَّفون بتشريف: "خيرُ القرونِ قَرني، ثم الذين يَلُونهم ...
" (4) الحديث.
إذا أجمع الناس في واحدٍ ... وخالفهم في الثنا واحدُ
فقد دلّ إجماعهم دونه ... على عقله أنّه فاسدُ (5)
(1) هو أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم القاضي الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، الإمام المجتهد العلّامة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وهو المقدّم من أصحابه، له: الخراج والآثار وغيرها. توفي سنة 182 هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 97، سير أعلام النبلاء 8/ 535، الجواهر المضية 2/ 220.
(2) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني، العلامة، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلّام وغيرهم خلقٌ كثير، له: الأصل، كتب ظاهر الرواية، الآثار. ولد سنة 131 هـ، وتوفي سنة 189 هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 125، سير أعلام النبلاء 9/ 134، الجواهر المضية في طبقات الحنفية 1/ 526.
(3) فيما نظّره نظر، فإن أبا حنيفة ? -كما نقله عنه ابن عابدين في الحاشية 1/ 67 - يقول: "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"، ولعلّ الحامل على مثل هذا الكلام الاجتهاد في ضبط العوام، وعدم تشتيتهم، ومنع اضطرابهم، وهو وإن كان قصداً حسناً، لكنه ربما تسبب في الجمود المذهبي، وضعف التحرير والتدقيق.
(4) جزء من حديثٍ أخرجه البخاري في صحيحه، [كتاب أصحاب النبي ?، باب فضائل أصحاب النبي-?]، (5/ 3:برقم 3651)، ومسلم في صحيحه، [كتاب فضائل الصحابة ?، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم]، (4/ 1963:برقم 2533) من حديث عبد الله بن مسعود ? مرفوعاً.
(5) هذان البيتان أوردهما الماورديّ في أدب الدنيا والدين ص 357، دون نسبةٍ إلى أحد.
الجزء 1 · صفحة 52
وإن كانت المسألة مختلفةً بين أصحابنا نأخذ أولًا بقول أبي حنيفة ?، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد رحمهما الله، ثم بقول غيرهم من أصحاب أبي حنيفة ?، ثم أقاويل المشايخ من بعدهم (1).
وإذا كان أبو حنيفة ? في جانبٍ وصاحباه في جانبٍ، قيل: فالخيار للمفتي، إن شاء أفتى بقول أبي حنيفة ?، وإن شاء أفتى بقولهما (2).
وفي الأقضية يختار قول أبي حنيفة ?، ولا يأخذ بقولهما (3).
وقال عبد الله بن المبارك (4): يأخذ بقوله لا غير (5).
وفي شرح الطحاوي (6):
والفقيه إن لم يكن مجتهدًا لا يأخذ إلا بقول أبي حنيفة، ولايجوز له أن يأخذ بقولهما إلا في المزارعة (7)،
(1) يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 124، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص 59.
(2) هذا قول الأسبيجابي في مقدمته لشرح مختصر الطحاوي، ونقله الغزنوي عن بعض الحنفية في الحاوي القدسي تسمية، كما في تكوين المذهب الحنفي لبكداش.
يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 124، لسان الحكام ص 218، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص 58، تكوين المذهب الحنفي لبكداش ص 70.
(3) يعني في الأقضية بظاهر العدالة؛ لأن الاختلاف فيه اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان؛ لتغير أحوال الناس. يُنظر: المبسوط 16/ 88، الهداية 3/ 118، مجمع الأنهر 2/ 154، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص 59.
(4) هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح، المروزي، شيخ الإسلام، الفقيه المحدث، الحافظ، الغازي، أخذ الفقه عن الأوزاعي، وأبي حنيفة، والثوري، ولد بمرو سنة 118 هـ، وتوفي سنة 181 هـ. يُنظر: تاريخ بغداد 11/ 388، سير أعلام النبلاء 8/ 378.
(5) يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 124، لسان الحكام ص 218.
(6) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص 73، (تحقيق: محمد الغازي).
(7) المزارعة: دفع الأرض إلى من يزرعها على أن الغلة بينهما على ما شرطا.
يُنظر: طلبة الطلبة ص 149، الهداية 4/ 337، البناية شرح الهداية 11/ 474.
الجزء 1 · صفحة 53
والمعاملة (1)؛ لاتفاق المتأخرين على ذلك (2).
وإن كان مع أبي حنيفة ? أحد صاحبيه يأخذ بقولهما، لوفور الشرائط، واستجماع أدلّة الصواب بينهما، وإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقول صاحبيه في زماننا لتغير أحوال الناس.
والاجتهاد: بذل المجهود في إدراك المقصود ونيله (3).
وفي عُرف الفقهاء: بذل الوسع والطاقة في طلب الحكم الشرعي بطريقه (4).
وشرط صيرورة المرء مجتهدًا أن يعلم من الكتاب والسنة ما يتعلّق به من الأحكام الشرعية، دون ما يتعلّق به من المواعظ والقصص، وأن يكون عارفًا بمعاني خطابات الشرع، وذلك بمعرفة أقسام الكلام وموارده ومصادره، لأنّ الحكم يختلف باختلافه، وينبغي أن يكون عالماً بوجوه العمل بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأما معرفة الفروع المستخرجة من الأصول بآراء المجتهدين فليس بشرط (5)، فإذا بلغ الحدّ الذي ذكرنا، له أن يفتي من استفتاه برأيه واجتهاد (6).
(1) المعاملة يراد بها المساقاة، وهي: دفع النخل والكرم والأشجار المثمرة معاملةً بالنصف، أو بالثلث، أو بالربع، قلّ أو كثر. يُنظر: طلبة الطلبة ص 150، الهداية 4/ 343، الجوهرة النيرة 1/ 373.
(2) مذهب أبي حنيفة فساد عقد المزارعة، وقالا بصحته، والفتوى على قولهما؛ لأن الحاجة ماسة إليها؛ لأن صاحب الأرض قد لا يقدر على العمل بنفسه ولا يجد ما يستأجر به والقادر على العمل لا يجد أرضاً ولا ما يعمل به.
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 3/ 415، بدائع الصنائع 6/ 185، الهداية 4/ 343.
(3) يُنظر: الصحاح 2/ 461، لسان العرب 3/ 135، أنيس الفقهاء ص 64.
(4) يُنظر: الكافي شرح البزدوي 4/ 1836، كشف الأسرار 4/ 14، فصول البدائع في أصول الشرائع 2/ 474.
(5) لأن هذه التفاريع ولّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد فكيف يكون شرطا في منصب الاجتهاد؟ وتقدم الاجتهاد عليها شرط.
يُنظر: كشف الأسرار 4/ 16، شرح التلويح على التوضيح 1/ 30، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص 171.
(6) يُنظر: الفصول في الأصول 4/ 273، نهاية الوصول 2/ 666، فصول البدائع 2/ 475، التقرير والتحبير 3/ 346.
الجزء 1 · صفحة 54
وقيل: المجتهد من سُئل عن عشر مسائل فيصيب في ثمانية، ويخطئ في البقية (1).
وقيل: لا بدّ من معرفة الناسخ، والمنسوخ (2)، والمُحكم (3)، والمُؤوَّل (4)، والعلم بعادات الناس وعرفهم (5).
وإن كانت المسألة على غير ظاهر الرواية، إن كانت توافق أصول أصحابنا يُعمل بها، وإن لم يجد للمسألة رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيءٍ يعمل به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتي بما هو صواب عنده (6).
وإن كان المفتي مقلدًا غير مجتهد يأخذ بقول من هو أفقه الناس عنده ويضيف الجواب إليه، وإن كان أفقه الناس عنده في مصرٍ آخر يرجع إليه بالكتاب ويتثبّت في الجواب، ولا يُجازف خوفًا من الافتراء على الله تعالى بتحريم الحلال وضدّه (7).
(1) لأن الصواب متى غلب، فالعبرة للأغلب، وهذا القول ذكره قاضيخان في رسم المفتي في مقدمة الفتاوى، ولم يعزه لأحد.
يُنظر: فتاوى قاضيخان 1/ 9، مجامع الحقائق في أصول الفقه ص 158، شرح منظومة عقود رسم المفتي ص 64.
(2) النسخ في اللغة الإزالة أو التبديل، وفي الاصطلاح هو: "أن يرد دليل شرعي متراخيا عن دليل شرعي مقتضيا خلاف حكمه". يُنظر: شرح التلويح على التوضيح 2/ 62، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص 155.
(3) المحكم في اللغة: المتقن، وهو في الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: "ما أُحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل". يُنظر: كشف الأسرار 1/ 51، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص 89.
(4) المؤول في اللغة مأخوذ من التأويل، وهو في الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: "ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي"، وقيل: "هو كلَّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة". يُنظر: كشف الأسرار 1/ 43، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص 83.
(5) الظاهر أن هذا ليس قولاً مغايراً لما سبق؛ لأن معرفة الناسخ والمنسوخ داخلٌ في العلم بالكتاب والسنة الآنف ذكره في أول شروط الاجتهاد، وقد نصّ على هذا المعنى التفتازاني في شرح التلويح، ونصّ عليه الجصاص في الفصول وجعله شرطاً للاجتهاد، وجعله البخاري في كشف الأسرار شرطاً متمماً للاجتهاد.
يُنظر: الفصول في الأصول 4/ 273، كشف الأسرار 4/ 16، شرح التلويح على التوضيح 2/ 235.
(6) يُنظر: فتاوى قاضيخان 1/ 9، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 126، شرح منظومة عقود رسم المفتي ص 69.
(7) يُنظر: بدائع الصنائع 7/ 5، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص 126، البحر الرائق 6/ 277.
الجزء 1 · صفحة 55
ثمّ إن أبا يوسف وهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل (1)، والحسن بن زياد اللؤلؤي (2)، كانوا تلاميذ أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي رحمة الله عليهم، وأبو حنيفة ? كان تلميذ حمّاد (3)، وحمّاد كان تلميذ إبراهيم النخعي (4)،
وإبراهيم كان تلميذ علقمة (5)، وعلقمة كان تلميذ عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود كان صاحب رسول الله ? وعلى آله الطيبين، وأصحابه الطاهرين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين.
* * * *
(1) زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم العنبري أبو الهذيل، الفقيه، المجتهد، تفقه على أبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن حبان: كان فقيهاً حافظاً، مات سنة 158 هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 109، سير أعلام النبلاء 8/ 41، الجواهر المضيّة 1/ 243.
(2) هو: الحسن بن زياد، أبو علي اللؤلؤي الأنصاري، أحد أصحاب أبي حنيفة، كان رأساً في الفقه، له تصانيف كثيرة، منها كتاب أدب القاضي، وكتاب الخصال، وكتاب معاني الإيمان. توفي سنة 204 هـ. يُنظر: تاريخ بغداد 8/ 275، سير أعلام النبلاء 9/ 543، مغاني الأخيار 1/ 196.
(3) هو أبو إسماعيل، حمّاد بن بن مسلم بن أبي سليمان، الأشعري، الكوفي، أحد أئمة الفقهاء، من صغار التابعين، سمع أنس ابن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي، روى له مسلم وأصحاب السنن. مات سنة 120 هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء 5/ 231، الجواهر المضية 1/ 226، سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2/ 64.
(4) هو أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة، النخعي، الكوفي، الإمام، الحافظ، فقيه العراق، كان بصيراً بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، رأى عائشة ? وهو صبي. مات سنة 96 هـ. يُنظر: تهذيب الكمال 2/ 233، سير أعلام النبلاء 4/ 520، مغاني الأخيار للعيني 1/ 23 ..
(5) هو أبو شبل، علقمة بْن قيس بْن عبد اللَّه، النخعي، الكوفي، الفقيه، الحافظ، المجود، أدرك الجاهلية، وسمع عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة ?، من أشهر رواة عبد الله بن مسعود، وأعرفهم به، وأعلمهم بعلمه، وكان يشبهه في هديه وسمته. يُنظر: تاريخ بغداد 14/ 240، تاريخ الإسلام 2/ 683، الإصابة 5/ 105.
الجزء 1 · صفحة 56
كتاب الطهارة
الجزء 1 · صفحة 57
كتاب الطهارة
وهي: النظافةُ عن النّجاسات (1).
افتتحتُ الكتابَ بكتاب الصلاة؛ لأنّها أهمُّ العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، وبدأتُ بالطهارة؛ لأنّها شرطٌ لازمٌ لا يسقط بعذرٍ، وسائرُ الشروطِ مثلُ استقبال القبلة يسقط بالأعذار (2).
* * * *
(1) الطهارة لغة: مطلق النظافة والنزاهة، وأما شرعاً فما ذكره المؤلف، والتعريف الثاني عند الحنفية - وهو أعم-: النظافة عن حدث أو خبث. يُنظر في التعريف اللغوي والشرعي للطهارة: طلبة الطلبة ص 4، أنيس الفقهاء ص 6، بدائع الصنائع 1/ 3، الاختيار لتعليل المختار 1/ 7.
(2) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 530، العناية شرح الهداية 1/ 13، البناية شرح الهداية 1/ 139، حاشية ابن عابدين 1/ 80.
الجزء 1 · صفحة 58
فصل في الوضوء
وهو لغةً: الحُسن (1).
وشريعةً: الغَسلُ والمسحُ في أعضاءٍ مخصوصة (2).
وفيه المعنى اللغوي؛ لأنه يُحَسِّن الأعضاء التي يقع فيها الغَسل (3).
وهو أنواعٌ ثلاثةٌ (4): فريضةٌ، وواجبةٌ، وسنةٌ، كما سيجيء.
وسببُ وجوبه: الحدث، والأصحّ إرادة الصلاة (5)، والأول اختيار الشيخ السَّرَخْسي (6) (7)، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (8) الآية، أي: إذا أردتم
(1) يُنظر: مجمل اللغة 2/ 928، مختار الصحاح ص 340، المغرب ص 488.
(2) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار 1/ 7، البناية شرح الهداية 1/ 138، مراقي الفلاح ص 28.
(3) يُنظر: طلبة الطلبة ص 4، لسان العرب 1/ 195، القاموس المحيط 1/ 55، أنيس الفقهاء ص 6.
(4) يُنظر: البحر الرائق 1/ 17، النهر الفائق 1/ 35، الدر المختار ص 18، حاشية الشِّلْبي على تبيين الحقائق 1/ 3.
(5) أطال ابنُ نجيم في ذكر أقوال الحتفية في هذه المسألة، وصحّح قولاً قريباً مما ذكره المؤلف فقال: "الظاهر أن السبب هو الإرادة في الفرض والنفل ويسقط وجوبها بترك إرادة الصلاة"، وأقرّه الحصكفي في الدر المختار. يُنظر: فتح القدير 1/ 12،البحر الرائق 1/ 9، مراقي الفلاح ص 29، الدر المختار 1/ 18.
(6) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة أبو بكر السرخسي الحنفي، كان إماماً فاضلاً فقيهاً أصوليّاً، له كتاب المبسوط، صنّفه في الفقه الحنفي، وعوّل الحنفية على هذا الكتاب كثيرا، توفي سنة 490 هـ. يُنظر: الجواهر المضية 2/ 28، تاج التراجم لابن قطلوبغا 234.
(7) لم أقف عليه، بل الذي في المبسوط إبطال هذا القول، ووجدته في أصوله صرّح بأنّ الصلاةَ سببُ وجوب الطهارة، ونقل ابن نُجيم عن بعض الحنفية أن اختيار السرخسي كون الحدث هو سبب وجوب الطهارة، لكن استبعد ابنُ نجيم هذا عنه. يُنظر: المبسوط 1/ 5، أصول السرخسي 1/ 106، البحر الرائق 1/ 9، النهر الفائق 1/ 23.
(8) سورة المائدة، من الآية (6).
الجزء 1 · صفحة 59
الصلاة وأنتم مُحْدثون، كذا قال ابن عباس ? (1).
والفريضةُ فيه ما ذُكر في الآية، وهو غسلُ الوجهِ واليدين مع المرفقين، ومسحُ ربع الرأس، وغسلُ الرجلين مع الكعبين (2).
والوجه: ما يُواجَه به (3)، وهو من قُصاص الشّعر إلى أسفل الذقن طولاً، وما بين شحمتي الأذنين عرضاً (4)، وداخلُ العينين ليس من الوجه (5). (خ) (6)
فإيصالُ الماء إلى داخل العينين ليس بواجبٍ ولا سنة، ولا يتكلّفُ بالإغماضِ والفتحِ حتى يصلَ الماءُ إلى الأشْفارِ (7) وجوانبِ العينين (8). (ظ) (9)
(1) لم أقف عليه عنه بهذا اللفظ، وقد جاء عنه بمعناه عند ابن جرير في تفسيره (10/ 7) قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا عبيد الله، قال: سُئل عكرمة عن قول الله: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق"، فكلَّ ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: (لا وضوء إلا من حَدَثٍ). وفي إسناده ابن حميد شيخ الطبري، وعبيد الله بن عبد الله العتكي: متكلمٌ فيهما. يُنظر: تهذيب الكمال 19/ 80، و 25/ 97.
(2) يُنظر: أحكام القرآن للطحاوي 1/ 77، أحكام القرآن للجصاص 2/ 420، فتح القدير لابن الهمام 1/ 56.
(3) يُنظر: العين 4/ 166، تهذيب اللغة 6/ 168، المخصص 1/ 63.
(4) يُنظر: المبسوط 1/ 6، تحفة الفقهاء 1/ 8، الهداية 1/ 15، طلبة الطلبة ص 3.
(5) لخروجه عن المواجهة.
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 344، بدائع الصنائع 1/ 4، المحيط البرهاني 1/ 33، حاشية الشِّلْبي على تبيين الحقائق 1/ 3.
(6) الخلاصة في الفتاوى 1/ 21.
(7) الأشفار جمع شُفُر، وهو: منبت الهدب من حروف أجفان العين. يُنظر: تهذيب اللغة 6/ 121، لسان العرب 4/ 419.
(8) لأن داخل العين كما سبق ليس من الوجه؛ كما أنّ في إيصال الماء إلى داخل العينين حرجاً وضرراً.
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 344، بدائع الصنائع 1/ 4، البحر الرائق 1/ 48.
(9) الفتاوى الظهيرية (3/ب).
الجزء 1 · صفحة 60
ويجب إيصالُ الماء إلى المآقي (1)، حتى لو كان في المآقي شيءٌ يقال له بالفارسية: خِمَه (2) لا يخرج عن الحدث (3).
وأما الشَّفَة ما يظهر منها عند الانضمام فهو من الوجه، وما ينكتِم عند الانضمام فليس من الوجه، وهو تبعُ الفم (4). (خ) (5)
ويجب إيصالُ الماء إلى العِذار وهو: البياضُ الذي بين الأذنِ ومَنبِتِ الشّعر (6)؛ لأنّه من الوجه (7).
ويجبُ إيصالُ الماء إلى الذَّقَن (8) قبل نبات اللّحية (9).
وما تحت الذَّقَن لا يجب إيصالُ الماء إليه (10).
(1) المآقي: جمع ماق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف وهو مخرج الدمع، وفي ضبط مفرد (مآقي) اثنتا عشرة لغة. يُنظر: لسان العرب 10/ 335، تاج العروس 26/ 372.
(2) أراد الرَّمَص، وهو قذى تلفظه العين فيجتمع في الماق. يُنظر: العين 7/ 122، النهاية في غريب الحديث والأثر 2/ 263، لسان العرب 7/ 43، القاموس (فارسي - عربي) لشاكر كسرائي ص 211.
(3) غسل ما تحت الرمص مقيد بما إن بقي خارجاً عند تغميض العين، وإلا فلا.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 33، البحر الرائق 1/ 12، الشُّرنبلاليّة 1/ 7، حاشية ابن عابدين 1/ 97.
(4) والمراد ما ينكتم عادة لا عند انضمامها بشدة وتكلف؛ لأن ما ينكتم خارج عن المواجهة، فليس إذن من الوجه.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 33، فتح القدير 1/ 16، البحر الرائق 1/ 12، الفتاوى الهندية 1/ 4.
(5) الخلاصة في الفتاوى 1/ 21.
(6) يُنظر: طلبة الطلبة ص 3، المغرب ص 308.
(7) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 319، المبسوط 1/ 6، بدائع الصنائع 1/ 4، البناية شرح الهداية 1/ 149.
(8) الذَّقَن: مجتمع اللَّحيين ومَنبِت اللحية.
يُنظر: العين 5/ 133، تهذيب اللغة 9/ 74، لسان العرب 13/ 172.
(9) لحصول المواجهة به بخلاف ما لو نبت الشّعر.
يُنظر::بدائع الصنائع 1/ 3، الهداية 1/ 15، المحيط البرهاني 1/ 33، درر الحكام 1/ 8.
(10) لأنّه ليس من الوجه.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 3، الهداية 1/ 15، المحيط البرهاني 1/ 33، درر الحكام 1/ 8.
الجزء 1 · صفحة 61
وأمّا إذا نبتت اللّحية فلا يجب إيصال الماء إلى ما تحتها (1). (خ) (2)
والأفضل له أن يخلِّلها، وإن لم يخلِّلها أجزأه (3). (ظ) (4)
ولو كان الرجل مُلتحياً لا يجب غَسل ما استرسل من الذَّقَن (5). (ف) (6)
ومسحُ ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية فرضٌ، هو الصّحيح (7). (ظ) (8)
(1) إلا أن يكون الشعر قليلاً تبدو المنابت من ورائه كما سيقيده المؤلف، ووجه سقوط الغَسل وجود الحرج في إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية الكثيفة.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 33، البحر الرائق 1/ 12، حاشية ابن عابدين 1/ 101، عمدة الرعاية 2/ 271.
(2) الخلاصة في الفتاوى 1/ 21.
(3) لما روى الترمذي في سننه، [أبواب الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية] (1/ 86:برقم 31) من حديث عن عثمان بن عفان ? "أن النبي ? كان يخلل لحيته". قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم، وقال البخاري إنه أصح شيء في الباب، لكن قال أحمد وأبو حاتم: لا يثبت عن النبي ? في تخليل اللحية شيء. يُنظر في الحكم على الحديث: نصب الراية 1/ 23، البدر المنير 2/ 185، التلخيص الحبير 1/ 278، تحفة المحتاج لابن الملقن 1/ 187.
ويُنظر في فقه المسألة: الأصل 1/ 46، النتف في الفتاوى 1/ 23، المبسوط 1/ 80، تحفة الفقهاء 1/ 14، البناية 1/ 221.
(4) الفتاوى الظهيرية (4/أ).
(5) لأن الشعر المسترسل من اللحية ليس من الوجه، كما في التبيين للزيلعي.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 4، المحيط البرهاني 1/ 34، تبيين الحقائق 1/ 3، البحر الرائق 1/ 12.
(6) فتاوى قاضيخان 1/ 37.
(7) لأنه لما سقط غسل ما تحتها أقيم مسحها مقام مسح ما تحتها فيفرض مسح الكل، وهذه الرواية التي نقلها المؤلف هي المصححة في الدرر وملتقى الأبحر، وفي اللحية الكثة روايات أخر في مذهب الحنفية بلغت تسع روايات، وقد ذكر الكاساني أن وجوب غسلها هو المذهب الصحيح المرجوع إليه وما عداه مرجوع عنه، وأقره ابن الهمام وابن نُجيم وغيرهما.
يُنظر: الأصل /46، المبسوط 1/ 80، فتح القدير 1/ 16، درر الحكام 1/ 8، البحر الرائق 1/ 16، مجمع الأنهر 1/ 11.
(8) الفتاوى الظهيرية (3/ب).
الجزء 1 · صفحة 62
وإيصالُ الماء في الوضوء إلى أصول الشعر ليس بفرضٍ إلا أن يكون الشعر قليلاً تبدو المنابت منه. (ف) (1)
وإن زال شعر مُقدَّم الرأس بالصَّلَع الأصحُّ أنه لا يجب إيصال الماء إليه (2). (خ) (3)
ولو توضأ وغسل وجهه وأمَرَّ الماء على لحيته، [ثم حلق لحيته] (4) ليس عليه غسل موضعها؛ لأنه حين أمرَّ الماء على الشعر كان بمنزلة غسل البشرة (5). (ك) (6)
وكذا لو مسح على رأسه ثم حلق رأسه، أو غسل حاجبه ثم حلقه، أو قلّم ظُفره أو جزَّ شاربه لا تلزمه الإعادة (7). (ظ) (8)
وإذا أراد غَسل وجهه يضع الماءَ على جبينه حتى ينحدر الماء إلى أسفل الذقن، ولا يضعه على خدّه ولا على أنفه (9).
(1) فتاوى قاضيخان 1/ 33.
(2) ويكفيه المسح؛ لأنه من الرأس لا من الوجه.
يُنظر: جامع المضمرات 1/ 104، فتح القدير 1/ 15، البحر الرائق 1/ 12، حاشية ابن عابدين 1/ 97.
(3) الخلاصة في الفتاوى 1/ 22.
(4) ساقطة من (ج).
(5) يُنظر: عيون المسائل ص 12، فتح القدير 1/ 16، البحر الرائق 1/ 16، مراقي الفلاح ص 31.
(6) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (8/ب).
(7) لعدم البدلية، إذ البدل يكون عند تعذر الأصل، كذا في حاشية ابن عابدين 1/ 102.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 38، فتح القدير 1/ 16، درر الحكام 1/ 10، البحر الرائق 1/ 16، حاشية ابن عابدين 1/ 102.
(8) الفتاوى الظهيرية (3/ب).
(9) لما روى البزار في مسنده (10/ 355 برقم: 4488) من حديث وائل بن حجر في صفة وضوء النبي ? وصلاته، وفيه: (ثم أخذ حفنة من ماء فملأ بها يده، ثم وضعها على رأسه حتى انحدر الماء من جوانبه) ... الحديث. وفي إسناده محمد بن حُجْر، قال البخاري عنه: فيه نظر، وقال الذهبي: له مناكير. يُنظر في الحكم على الحديث: نصب الراية 1/ 13، مجمع الزوائد 1/ 232.
ويُنظر في فقه المسألة: الفتاوى التاتارخانية 1/ 46، نخب الأفكار 1/ 255، فتح القدير 1/ 26، حاشية الطحطاوي على المراقي ص 81.
الجزء 1 · صفحة 63
ولا يضرب على جبينه ضرباً عنيفاً (1). (ف) (2)
والسنّةُ غسلُ اليدين إلى الرُّسْغين (3) ثلاثاً قبل غسل الوجه (4).
وكيفيته إن كان الإناء صغيراً بحيث يمكن رفعه: أن يأخذَه بشماله ويصبَّ على يمينه حتى يغسلها ثلاثاً، وإن كان كبيراً ولم يكن معه إناءٌ صغيرٌ يُدخل أصابع يده اليسرى مضمومةً دون الكفّ (5)
، ويرفع الماء ويصبُّ على يده اليمنى حتى يغسلها ثلاثاً، ثم [يدخل] (6) اليمنى بالغاً ما بلغ (7) (8).
وهذا إذا لم يكن على يديه نجاسةٌ، فإن كانت يأخذ الماء بفِيه ثم يغسلهما (9). (خ) (10)
وإذا حول بِلَّة عضوٍ إلى عضوٍ في الوضوء لا يجوز (11).
(1) لمنافاته شرف الوجه.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 46، فتح القدير 1/ 36، تبيين الحقائق 1/ 7، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 81.
(2) فتاوى قاضيخان 1/ 33.
(3) الرُّسغ: المفصل الذي بين الساعد والكف. يُنظر: العين 4/ 377، لسان العرب 8/ 428.
(4) لما روى البخاري في صحيحه، [كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين إلى الكعبين]، (1/ 48: برقم 186) من حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ?، وفيه قوله ?: (فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا).
يُنظر: الأصل 1/ 6، تحفة الفقهاء 1/ 12، المحيط البرهاني 1/ 42، حاشية ابن عابدين 1/ 107.
(5) ولا يُدخل الكف؛ لأنه لو أدخل الكفّ صار الماء الملاقي للكفّ مستعملاً إذا انفصل، لا جميع ماء الإناء.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 122، الاختيار 1/ 8، البناية 1/ 179، البحر الرائق 1/ 19.
(6) ساقطة من النسخ الثلاث، والزيادة هذه من نسخة آيا صوفيا (2/ب)، وهي الموافقة للسياق.
(7) أي: يدخل يمناه، بالغاً في إدخاله؛ أي قدر ما بلغه، كما في عمدة الرعاية 1/ 278.
(8) هذه الصفة المذكورة لتقع البداءة باليمنى كما هي السنّة.
يُنظر:: المحيط البرهاني 1/ 122، الاختيار 1/ 8، العناية 1/ 20، البناية 1/ 179، عمدة الرعاية 1/ 278.
(9) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 41، العناية 1/ 20، النهر الفائق 1/ 38، حاشية ابن عابدين 1/ 111.
(10) الخلاصة في الفتاوى 1/ 21.
(11) لأنه يصير متوضئاً بماء مستعمل.
يُنظر: تبيين الحقائق 1/ 50، فتح القدير 1/ 90، البحر الرائق 1/ 49، حاشية ابن عابدين 1/ 159.
الجزء 1 · صفحة 64
وفي الغُسل يجوز إذا كانت متقاطرة (1). (ظ) (2)
والوضوءُ الفرضُ (3) هو: وضوءُ المحدِث عند القيام إلى الصلاة (4).
والواجبُ (5) هو: الوضوءُ للطّواف (6).
والمندوبُ في ذلك غير معدودٍ، فمنها:
الوضوء للنّوم إذا أراد النوم (7)، وإذا استيقظ منه (8).
(1) والفرق بينهما أن البدن في الجنابة كعضو واحد، بخلاف الوضوء.
يُنظر: المبسوط 1/ 36، تبيين الحقائق 1/ 50، البحر الرائق 1/ 49، حاشية ابن عابدين 1/ 159.
(2) الفتاوى الظهيرية (4/أ).
(3) الفرض عند الحنفية: ما ثبت بدليل موجبٍ للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع. يُنظر: أصول السرخسي 1/ 110، تيسير التحرير 2/ 229.
(4) لأنّه ثبت بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. [سورة المائدة، من الآية 6].
يُنظر: البحر الرائق 1/ 17، حاشية الشلبي على التبيين 1/ 3، الشُّرنبلاليّة 1/ 12، حاشية ابن عابدين 1/ 150.
(5) الواجب عند الحنفية دون الفرض، وهو: ما كان لازم الأداء شرعا، من غير أن يكون دليله موجبا للعلم قطعا. يُنظر: أصول السرخسي 1/ 110، تيسير التحرير 2/ 229.
(6) لما روى الترمذي في سننه، [أبواب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف] (2/ 285:برقم 960) عن ابن عباس أن النبي ? قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير". اختلف في رفعه ووقفه، ورجّح الوقف النسائي، والبيهقي، وغيرهما، وصححه مرفوعا ابن خزيمة، وابن حبان، وضعفه ابن القطان، والنووي. يُنظر في الحكم على الحديث: بيان الوهم 5/ 731، نصب الراية 3/ 57، التلخيص الحبير 1/ 358.
ويُنظر في فقه المسألة: بدائع الصنائع 2/ 129، فتح القدير 3/ 50، تبيين الحقائق 1/ 3، الشُّرنبلاليّة 1/ 12.
(7) لما روى البخاريُّ في صحيحه، [كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء]، (1/ 58:برقم 247) عن البراء بن عازب ?، قال: قال النبي ?: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ... " الحديث.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 57، عمدة القاري 6/ 219، البحر الرائق 1/ 17، حاشية الشلبي على التبيين 1/ 3.
(8) ليكون مبادراً للطهارة وأداء العبادة.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 57، البحر الرائق 1/ 17، مراقي الفلاح ص 37، منحة الخالق 1/ 17.
الجزء 1 · صفحة 65
ومنها: المحافظةُ على الوضوء، وتفسيرُه: أن يتوضّأ كلّما أحدث؛ ليكون على الوضوء في الأوقات كلِّها (1).
ومنها: الوضوءُ بعد الغِيبة (2)، وإنشاد الشّعر (3).
ومنها: الوضوء على الوضوء (4).
ومنها: لغسل الميت (5). (ف) (6)
ويغسل الوجه ثلاثاً (7).
(1) لما روى البخاري في صحيحه، [كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار، .. ]، (2/ 53:برقم 1149) من حديث أبي هريرة ?: أن النبي ? قال لبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يدي في الجنة) قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 57، البحر الرائق 1/ 17، مجمع الأنهر 1/ 26، مراقي الفلاح ص 36.
(2) لأنها نجاسة معنوية، ولأن الوضوء يكفر الذنوب، كذا في حاشية ابن عابدين، ولا يخفى أن الغيبة من الكبائر، ويتعلق بها حقُّ آدمي.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 57، البحر الرائق 1/ 17، النهر الفائق 1/ 35، حاشية ابن عابدين 1/ 89.
(3) قيّده الشُّرُنبُلالي وغيره بالشعر القبيح، واستدلّ له بأن الوضوء يكفر صغائر الذنوب.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 57، البحر الرائق 1/ 17، النهر الفائق 1/ 35، مراقي الفلاح ص 19.
(4) لما روى أبو داود في سننه، [كتاب الطهارة، باب الرجل يحدث الوضوء من غير حدث]، (1/ 16: برقم 62)، من حديث ابن عمر مرفوعاً: "من توضأ على طهر كُتب له عشر حسنات". ضعفه الترمذي، والنووي، وابن حجر. يُنظر في الحكم على الحديث: البدر المنير 2/ 586، التلخيص الحبير 1/ 384.
ويُنظر في فقه المسألة: غنية المتملي ص 15، البحر الرائق 1/ 17، النهر الفائق 1/ 35، الشُّرنبلاليّة 1/ 12.
(5) خروجاً من خلاف من أوجبه.
يُنظر: تبيين الحقائق 1/ 3، البحر الرائق 1/ 17، النهر الفائق 1/ 35، حاشية الطحطاوي على المراقي ص 84.
(6) فتاوى قاضيخان 1/ 36.
(7) لما روى البخاري في صحيحه، [كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً]، (1/ 43:برقم 159) من حديث حمران مولى عثمان أخبره أنه، رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، .. الحديث
يُنظر: الأصل 1/ 6، المبسوط 1/ 6، الاختيار 1/ 12، العناية 1/ 31.
الجزء 1 · صفحة 66
ثم يغسل ذراعيه ثلاثاً (1).
والسنّة أن يبدأ من قِبَل الأصابع إلى المِرفق (2)، ولو بدأ من قبل المرفق إلى الأصابع جاز (3). (طح) (4)
المرأة إذا كان في أظفارها عجينٌ، أو الخبَّازُ، أو الصبّاغُ، أو الطيّانُ، إذا توضّأ وفي أظفاره عجينٌ، أو طينٌ، أو ما أشبه ذلك، اختلفوا فيه (5)، قال بعضهم: يتم وضوؤه؛ لأن ذلك لا يمنع وصول الماء إلى باطنه (6). (ف) (7).
وفي الخلاصة (8): يجب إيصال الماء إليه (9)، وفي الوَسَخ والدَّرن (10) [لا] (11)؛ لأنّه يتولَّد من ذلك
(1) لحديث عثمان ?، وفيه: "ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار". يُنظر في تخريجه الهامش السابق.
يُنظر: المبسوط 1/ 6، الاختيار 1/ 12، تبيين الحقائق 1/ 14، العناية 1/ 31.
(2) لأن الله تعالى جعل المرافق والكعبين غاية الغسل فتكون منتهى الفعل.
يُنظر: تحفة الفقهاء 1/ 13، المحيط البرهاني 1/ 48، منحة السلوك ص 57، فتح باب العناية 1/ 12.
(3) للإجماع على ذلك، حكاه الجصّاص وغيره.
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 333، تحفة الفقهاء 1/ 13، البناية 1/ 250، فتح باب العناية 1/ 12.
(4) شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص 208، (تحقيق: محمد الغازي).
(5) نبّه ملا خسرو في درر الحكام 1/ 10 على أن سبب خلافهم هنا مبنيٌّ على النفوذ من عدمه في كلّ ما ذُكر.
(6) يُنظر: تبيين الحقائق 1/ 13، البناية شرح الهداية 1/ 151، درر الحكام 1/ 10، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(7) فتاوى قاضيخان 1/ 37.
(8) الخلاصة في الفتاوى 1/ 22.
(9) الظاهر أنّه أراد العجين والطين والصبغ، ووجه ذلك كونها تمنع وصول الماء، لكن المعتمد عند الحنفية التفريق بين الطين والصبع والوسخ من جهة، والعجين من جهة أخرى، وأنّ العجين وحده -مما ذكر المؤلف- هو الذي يمنع وصول الماء، وهو الذي مشى عليه في شرح الوقاية ومراقي الفلاح ومجمع الأنهر والدرّ المختار، وزاد الأخير الصبغ إن كان صلباً.
يُنظر: مجمع الأنهر 1/ 21، الدر المختار ص 26، مراقي الفلاح ص 29، عمدة الرعاية 1/ 350.
(10) فسّره الشرنبلالي بوسخ الأظفار، وهو الموافق لكلامهم في سياق هذه المسألة، يُنظر: مراقي الفلاح ص 31.
(11) ساقطة من (ج).
الجزء 1 · صفحة 67
الموضع (1).
وكذا الطعام إذا بقي في أسنانه (2). (ف) (3).
وهذا إذا لم يكن كثيراً (4)، فإن كان كثيراً وهو أن يتبيّن للناظرين -كما في سقوط السِّنِّ (5) -يجب إيصال الماء إليه (6).
وإن كان في طواحنته (7) (8) ثقبٌ وفيها شيءٌ، (لا يجب) (9) إيصال الماء إليه، بخلاف الغُسل فإنه (يجب) (10) (11). (ق)
ولو كان الظفر طويلاً بحيث يستر رأس الأُنملة يجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإن كان قصيراً لا يجب (12). (خ) (13)
(1) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 36، البناية 1/ 151، فتح القدير 1/ 16، مراقي الفلاح ص 31، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(2) يعني في كونه مختلفا فيه كالذي قبله، أو أنّه معطوف على الدرن في كونه لا يمنع، والذي في الدر المختار أنّه يمنع إن كان صلباً، وإلا فلا.
يُنظر: البناية شرح الهداية 1/ 151، البحر الرائق 1/ 49، الدر المختار ص 26، مراقي الفلاح ص 29.
(3) فتاوى قاضيخان 1/ 38.
(4) يعني الطعام.
(5) يظهر أن مراده: أن يُرى الطعام في الفم كما يُرى السنّ ساقطا.
(6) لأن نفوذ الماء يتعسر والحال هذه.
يُنظر: درر الحكام 1/ 99، الدر المختار ص 26، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 102.
(7) كذا في سائر النسخ، ولعل الصواب: طواحينه.
(8) الطواحن: الأضراس. يُنظر: الصحاح 6/ 2157، مقاييس اللغة 3/ 444.
(9) في (ب): يجب.
(10) في (ب): لم يجب. والمثبت هنا وفي الحاشية السابقة هو الموافق لكلام الحنفية في هذه المسألة. يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 34،الدر المختار ص 26، البحر الرائق 1/ 48، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(11) لوجوب المضمضة في الغسل دون الوضوء.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 34،الدر المختار ص 26، البحر الرائق 1/ 48، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(12) لأن الغسل وإن كان مقصورا على الظواهر، لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة الحوائل.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 36، فتح القدير 1/ 16، مراقي الفلاح ص 26.
(13) الخلاصة في الفتاوى 1/ 22.
الجزء 1 · صفحة 68
ثم يمسح برأسه فرضاً وسنةً بماءٍ واحدٍ مرة (1).
ومقدارُ المفروض رُبع الرّأس بثلاثة أصابع (2).
وإن مسح بإصبعٍ واحدةٍ ظاهراً وباطناً وجنْباً (ووقع) (3) ذلك في ثلاث مواضع جاز (4).
وإن مسح بإصبعين لا يجوز، إلا أن يمسح بالإبهام والسبابة مفتوحتين يضعهما مع ما بينهما من الكف على الرأس فيجوز (5)، ويكون ذلك بمنزلة ثلاثة أصابع (6). (ف) (7)
ولو مسح بإصبعٍ واحدةٍ بجوانبها الأربعِ الصحيحُ أنه لا يجوز (8). (خ) (9)
(1) لحديث عثمان ? في صفة وضوء النبي ?، وفيه قوله ?: " ثم مسح برأسه .. ". يُنظر في تخريجه الصفحة رقم 66 من هذا البحث.
يُنظر: الأصل 1/ 6، المبسوط 1/ 7، بدائع الصنائع 1/ 22، البناية 1/ 238.
(2) لما روى مسلم في صحيحه، [كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة] (1/ 231:برقم 247) من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ?: «مسح على الخفين، ومقدم رأسه وعلى عمامته».
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 5، اللباب 1/ 103، فتح القدير 1/ 17.
(3) في (أ): ووضع. وما في مصدر المؤلف يوافق المثبت.
(4) لأن ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع، وهذا الذي اختاره في البدائع وغيره، وقد ذكر الكمال أنّ هذا القول مبنيٌّ على أن المفروضَ مسحُ مقدار ثلاثة أصابع.
يُنظر: تحفة الفقهاء 1/ 10، بدائع الصنائع 1/ 5، المحيط البرهاني 1/ 36، فتح القدير 1/ 20.
(5) لأنهما أصبعان وما بينهما من الكفِّ قدر أصبع، فيصير المسح بثلاثة أصابع فيجوز.
يُنظر: الأصل 1/ 34، تحفة الفقهاء 1/ 10، المحيط البرهاني 1/ 36، فتح القدير 1/ 19.
(6) ووجه جواز الثلاث دون الاثنتين أن الثلاث أكثر ما هو الأصل في آلة المسح.
يُنظر: الأصل 1/ 34، تحفة الفقهاء ص 10، المحيط البرهاني 1/ 36، فتح القدير 1/ 19.
(7) فتاوى قاضيخان 1/ 37.
(8) هذا القول الثاني في المسألة، وهو قول السرخسي، وذكر ابنُ نجيم أنه لا يُجزئ على اعتبار أن المفروضَ مسحُ ربع الرأس.
يُنظر: المبسوط 1/ 64، البناية 1/ 239، البحر الرائق 1/ 16، الشُّرنبلاليّة 1/ 10، حاشية ابن عابدين 1/ 100.
(9) الخلاصة في الفتاوى 1/ 26.
الجزء 1 · صفحة 69
وإن مسح برؤوسِ الأصابع لا يجوز، إلا إذا كان الماء سائلاً من الكفّ إلى رؤوس الأصابع (1).
وكذا الحكمُ في مسألة الخفّ (2).
وإن مسح بثلاثة أصابع موضوعةٍ (3) [غير] (4) ممدودةٍ يجوز (5).
والاستيعابُ في مسحِ الرأس سنَّة (6).
وصورة ذلك: أن يضع أصابعَ يديه على مُقدّمِ رأسه، وكفَّيه على فُودَيه (7)، ويمدَّهما إلى قفاه (8). (ف) (9)
ولو مسح رأسه بماءٍ أخذه من لحيته لا يجوز (10).
(1) لأنّ البلّة تصيرُ مستعملةً بمجرّد الإصابة، فإذا لم يكن سائلاً صارت البلّة المستعملة أولاً مستعملة ثانياً في الفرض، بخلاف ما إذا كان سائلاً، فإنّ البلة التي مسح ثانياً حينئذٍ غير التي استُعملت أولاً.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 42، البحر الرائق 1/ 14، مراقي الفلاح ص 29، عمدة الرعاية 2/ 62.
(2) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 167، البحر الرائق 1/ 182، الدر المختار ص 41، حاشية ابن عابدين 1/ 272.
(3) معنى موضوعة: أن يضعها بتمامها على الرأس، فيكون المسح بجميعها لا بأطرافها، كما في منحة الخالق 1/ 15.
(4) ساقطة من: (ج).
(5) لأنّ ذلك يبلغ مقدار المفروض.
يُنظر: الأصل 1/ 34، المحيط البرهاني 1/ 36، منحة الخالق 1/ 15، حاشية ابن عابدين 1/ 99.
(6) دليل سنيتة الاستيعاب ما روى البخاري في صحيحه، (1/ 48: برقم 186) من حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ?، وفيه قوله: (ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).
يُنظر: المبسوط 1/ 7، بدائع الصنائع 1/ 22، البناية 1/ 237، البحر الرائق 1/ 27.
(7) الفودان: قرنا الرأس وناحيتاه. يُنظر: لسان العرب 3/ 340.
(8) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 47، تبيين الحقائق 1/ 5، الفتاوى التاتارخانية 1/ 55، البحر الرائق 1/ 27.
(9) فتاوى قاضيخان 1/ 35.
(10) لأنه ماء مستعمل.
يُنظر: الأصل 1/ 71، المبسوط 1/ 63، المحيط البرهاني 1/ 121، البحر الرائق 1/ 98.
الجزء 1 · صفحة 70
ولو كان في كفِّه بللٌ فمسح به أجزأه، سواءٌ أخذ الماء من الإناء، أو غسل ذراعيه وبقي البلل في كفّه (1)، هو الصحيح (2).
ويمسح الأذنين بماء الرأس (3)،
فيمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبّابتين حتى يصير ماسحاً ببللٍ لم يصِر مستعملاً (4). (خ) (5)
ولم يُنقل عن أصحابنا إدخال الأصبع في صماخ (6) الأذنين إلا عن أبي يوسف (7). (ف) (8)
(1) لأنه بمنزلة ما لو أخذه من الإناء، فليس بمستعمل، وقيّده الحاكم الشهيد بألّا يكون قد استعمله في شيء من أعضائه، لكن تعقبه السرخسي بقوله: " وهو غلط منه فإنه إذا استعمله في شيء من المغسولات لم يضره؛ لأن فرض الغسل تأدّى بما جرى على عضوه لا بالبلة الباقية في كفّه"، وقال ابن عابدين: "وأكثرهم على أن ما قاله الحاكم الشهيد خطأ".
يُنظر: الأصل 1/ 33، المبسوط 1/ 63، المحيط البرهاني 1/ 38، منحة الخالق 1/ 14.
(2) والفرق بين بلل اللحية وبين بلل الكف أن بلل الحلية سقط به فرض غسل الوجه وصار مستعملاً، فلا يقام به فرض آخر، أما بلل الكف ما لم يسقط به فرض الغسل؛ لأن فرض غسل الأعضاء أقيم بالماء الذي زايل العضو لا بالبلل الذي على الكف، فلم يصر هذا البلل مستعملاً، فجاز أن يقام به فرض مسح الرأس.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 68، المحيط البرهاني 1/ 38، الفتاوى التاتارخانية 1/ 43، الفتاوى الهندية 1/ 6.
(3) يعني بماء أُخذ لمسح الرأس لما روى الترمذي في سننه، [أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الأذنين من الرأس]، (1/ 282: برقم 441) من حديث عبد الله بن زيد، قال: قال رسول الله ?: "الأذنان من الرأس". وفي الباب عن ثمانية من الصحابة منهم أبو أمامة وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وغيرهم. واختلف كثيرا في هذه الأحاديث رفعاً ووقفاً، صحة وضعفاً، لكن قال الطحاوي: "تواترت الآثار بذلك". وقال ابن حجر: "إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسّنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرقٍ لها دون هذه". يُنظر في الحكم على الحديث: شرح معاني الآثار 1/ 33، تنقيح التحقيق 1/ 203، نصب الراية 1/ 18، النكت على كتاب ابن الصلاح 1/ 415.
ويُنظر في فقه المسألة: تحفة الفقهاء 1/ 14،الهداية 1/ 16، البناية 1/ 217، البحر الرائق 1/ 28، عمدة الرعاية 1/ 288.
(4) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 47، العناية 1/ 33، البناية 1/ 238، النهر الفائق 1/ 45، منحة الخالق 1/ 27.
(5) الخلاصة في الفتاوى 1/ 26.
(6) الصماخ: خرق الأذن الذي يفضي إلى الرأس. يُنظر: العين 4/ 192، لسان العرب 3/ 34.
(7) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 48، درر الحكام 1/ 11.
(8) فتاوى قاضيخان 1/ 35.
الجزء 1 · صفحة 71
والسُّنّة أن يبدأ بمُقدَّم الرأس (1).
ومسحُ الأذنين لا ينوبُ عن مسح الرأس (2).
ومسحُ الرقبة الأصحُّ أنّه أدبٌ (3)،
وفعلُه أولى من تركه (4). (خ) (5)
ولو غَمس رأسَه في إناءٍ جاز عن المسح (6). (ف) (7)
والمرأةُ إذا مسحت على خِمارها لا يجوز، إلا إذا كان رقيقاً ينفُذ الماء فيه فيبلغ رُبُع رأسها (8).
(1) لما روى البخاري في صحيحه، [كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله] (1/ 48: برقم 186) من حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ?، وفيه قوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ... ).
يُنظر: المبسوط 1/ 7، بدائع الصنائع 1/ 22، المحيط البرهاني 1/ 47، العناية 1/ 33، البناية 1/ 237.
(2) لأنه ترَك المفروض، والمسنون لا يقوم مقام المفروض.
يُنظر: الأصل 1/ 35، المبسوط 1/ 65، بدائع الصنائع 1/ 23، البناية 1/ 218، الفتاوى التاتارخانية 1/ 46.
(3) الفرق بين السنة والأدب أن السنة ما واظب عليه رسول الله ? ولم يتركه إلا مرة، أو مرتين لمعنى من المعاني، والأدب ما فعله مرة، أو مرتين، ولم يواظب عليه". وسينص على هذا المؤلف في الصفحة رقم 484.
ويُنظر أيضاً في بحث الفرق بينهما: تحفة الفقهاء 1/ 14، بدائع الصنائع 1/ 24، البناية 1/ 178.
(4) دليل مسح الرقبة ما روى أبو داود في سننه، [كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ?]، (1/ 32:برقم 132) عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت رسول الله ? يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال - وهو أول القفا، وقال مسدد - مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه».ضعفه البيهقي، والنووي، وابن حجر. يُنظر في الحكم على الحديث: سنن البيهقي 1/ 99، خلاصة الأحكام 1/ 112، التلخيص الحبير 1/ 288.
ويُنظر في فقه المسألة: المبسوط 1/ 10، تحفة الفقهاء 1/ 14، بدائع الصنائع 1/ 23، الاختيار 1/ 9، تبيين الحقائق 1/ 6، تحفة الطَّلَبة في تحقيق مسح الرقبة ص 9.
(5) الخلاصة في الفتاوى 1/ 27.
(6) لأن فرض المسح يتأدى بإصابة البلة.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 70، المحيط البرهاني 1/ 123، فتح القدير 1/ 20، حَلْبة المُجلّي 1/ 315.
(7) فتاوى قاضيخان 1/ 35، وفيه زيادة: "في قول أبي يوسف".
(8) لوجود إصابة الماء في الصورة الثانية دون الأولى.
يُنظر: المبسوط 1/ 101، الفتاوى السراجية ص 27، بدائع الصنائع 1/ 5، الفتاوى التاتارخانية 1/ 43، مجمع الأنهر 1/ 50.
الجزء 1 · صفحة 72
ولو مسح على شعره وكان شعره طويلاً يُنظر: إن مسح ما تحت أُذنيه لا يجوز، وإن مسح ما فوقه أجزأه (1). (طح) (2)
ولو كانت الذُّؤابتان (3) مشدودتين حول رأسِه كما يفعل النساءُ فمسحَ على رأس الذُّؤابتين لم يجز عند العامَّة (4)، أرسل أو لم يرسل (5). (ظ) (6)
ثم يغسلُ رجليه إلى الكعبين ثلاثاً (7).
وكيفيته: أن يأخذ (الإناء) (8) بيمينه (وأكفأه) (9) (10) على مُقدّم رجله الأيمن، ودلك بيساره فغسلها ثلاثاً، ثمّ أفاض الماء على مقدّم رجله اليسرى، ودلك بيساره (11).
(1) لأنّ ما تحت الأذنين ليس من الرأس فلم يمسح على محل الفرض، بخلاف ما فوق الرأس.
يُنظر: الأصل 1/ 35، المبسوط 1/ 64، بدائع الصنائع 1/ 5، المحيط البرهاني 1/ 37، مجمع الأنهر 1/ 5.
(2) شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص 211، (تحقيق: محمد الغازي).
(3) الذّؤابة: الشعر المظفور من شعر الرأس. يُنظر: تهذيب اللغة 15/ 20، لسان العرب 1/ 380.
(4) يعني عامة مشايخ الحنفية، والمقصود أكثرهم. يُنظر: فتح القدير 1/ 477، الفوائد البهية للكنوي ص 242
(5) لأن موضعها في الأصل تحت الأذنين فلا يجزئ مسحها عن الرأس، وإن وضعت في محل الفرض، وقيل: يجزئ؛ لأنّه مسح على شعر تحته رأس، فصار كما لو مسح على الشعر الأصلي، والمذهب المعتمد الأوّل لأن محل الفرض ما فوق الأذنين.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 38، فتح القدير 1/ 20، الفتاوى التاتارخانية 1/ 43، كمال الدراية 1/ 31، الفتاوى الهندية 1/ 5.
(6) الفتاوى الظهيرية (4/أ).
(7) لحديث عثمان ? في صفة وضوء النبي ?، وفيه: " ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ". يُنظر في تخريجه الصفحة رقم 66 من هذا البحث.
يُنظر: الأصل 1/ 6، المبسوط 1/ 8، تبيين الحقائق 1/ 5، فتح القدير 1/ 31، البحر الرائق 1/ 23.
(8) في (أ): الماء، والمثبت موافق لمصدر المؤلف.
(9) في سائر النسخ الثلاث: وألقاه، والمثبت من نسخة آيا صوفيا، اللوح 2/أ، وهو الموافق لمصدر المؤلف.
(10) أكفأ الإناء إذا أماله. يُنظر: تهذيب اللغة 10/ 210، لسان العرب 1/ 141.
(11) فتاوى قاضيخان 1/ 39.
الجزء 1 · صفحة 73
والدَّلْك (1)
سُنّة (2). (خ) (3)
(ادّهن) (4) رجليه ثم توضأ وأمرّ الماء على رجليه، ولم تقبلا الماء لمكان الدُّسومات (5) جاز الوضوء (6). (ك) (7)
رَجُلٌ توضأ ووضع رجلَه على أرضٍ نجسٍ ثم ذهب وصلّى؛ فإن كانت الأرض صلبةً يابسةً ولم يقف عليها جازت صلاته؛ لأنّه لا يلتزق برجله نَجَس (8).
وإن كان الموضع رطْباً والرِّجل كذلك، أو كان الموضع رطباً والرِّجل يابسة فظهرت الرطوبة في القدم فعليه أن يغسلهما، ولو صلى قبل الغَسْل لم يجز؛ لأنه لزق به النجس (9). (ن) (10)
(1) الدّلك في اللغة: المرْس والعرْك، والمراد هنا عند الحنفية: إمرار اليد على العضو مع إسالة الماء.
يُنظر: الصحاح 4/ 1583، لسان العرب 10/ 426، البحر الرائق 1/ 11، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 72.
(2) لما روى أبو داود في سننه، [كتاب الطهارة، باب غسل الرجل]، (1/ 104: برقم 148) من حديث عن المستورد بن شداد، قال: (رأيت رسول الله-? إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره). صححه ابن القطان وابن الملقن، وضعفه النووي. يُنظر في الحكم على الحديث: بيان الوهم والإيهام 5/ 264، المجموع 1/ 424، البدر المنير 2/ 226.
ويُنظر في فقه المسألة: شرح أبي داود للعيني 1/ 348، مراقي الفلاح ص 33، حاشية ابن عابدين 1/ 123.
(3) الخلاصة في الفتاوى 1/ 22.
(4) كذا في سائر النسخ، وفي فتح القدير 1/ 20، وحاشية ابن عابدين 1/ 154: دَهَن.
(5) الدسومة: من الدسم وهو الودك من لحم أو شحم. يُنظر: العين 7/ 233، تاج العروس 32/ 151.
(6) لوجود غسل الرجلين، ولأن الدسومة لا تمنع مباشرة الماء للبشرة، وإنما تمنع بقاء الماء على العضو، وذلك لا يضر، والمرادُ الدسومة إذا لم يكن لها جرم كما نبّه عليه الشُّرنبلالي.
يُنظر: فتح القدير 1/ 20، حَلْبة المُجلّي 1/ 498، الشُّرنبلاليّة 1/ 10، الفتاوى الهندية 1/ 5، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(7) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (8/ب).
(8) يُنظر: الفتاوى الوَلْوَالجية 1/ 43، المحيط البرهاني 1/ 190، تبيين الحقائق 6/ 219، حاشية ابن عابدين 6/ 737.
(9) يُنظر: الفتاوى الوَلْوَالجية 1/ 43، بدائع الصنائع 1/ 85، المحيط البرهاني 1/ 190، تبيين الحقائق 6/ 219.
(10) النوازل لأبي الليث السمرقندي ص 135.
الجزء 1 · صفحة 74
أصابه الطّينُ أو مشى في الطّينِ ولم يغسل قدميه حتى صلّى يجزئه، ما لم يكن فيه أثر نجاسة (1). (ك) (2)
والغَسل مرةً سابغةً فريضةٌ، والمرتان فضيلةٌ (3)، والثلاث سنّة.
وتفسير السُّبُوغ (4) قال أبو يوسف ?: "هو أن يجعل الماء على أعضائه كالدُّهْن" (5).
وقال خَلَف (6) - وهو المختار- (7): هو أن يُسَيِّل الماءَ على أعضائه ويتقاطر منه قطرات، أما إذا أفاض الماء على رأس العضو فقَبْل أن يصل إلى المرفق أو الكعب يُمسك الماء ويَمُدّ بكفه إلى آخر العضو لا يكون سُبُوغا (8).
(1) لأن الأصل طهارته.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 180، فتح القدير 1/ 211، حاشية ابن عابدين 1/ 350.
(2) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (9/أ).
(3) الفضيلة بمعنى الأدب والمستحب، وهو: ما فعله النبي ? مرة، أو مرتين، ولم يواظب عليه. يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 24، الدر المختار ص 22.
(4) السبوغ في اللغة: الشمول والكمال. يُنظر: مفاتيح العلوم ص 113، لسان العرب 8/ 334.
(5) يعني أن المقصود: بلُّ المحلّ بالماء سال أو لم يسل. يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 3، البحر الرائق 1/ 14، حاشية ابن عابدين 1/ 96.
(6) هو أبو سعيد، خلف بن أيوب العامري، البلخي، الإمام، المحدث، الفقيه، الحنفي، الزاهد، عالم أهل بلخ. تفقه على القاضي أبي يوسف، وسمع من ابن أبي ليلى، ومعمر بن راشد، وطائفة، حدّث عنه الإمام أحمد، وروى له الترمذي حديثاً واحداً. توفي سنة 215 هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء 9/ 541، الجواهر المضية ص 231.
(7) وهذا قول أبي حنيفة ومحمّد، فلو استعمله استعمال الدّهن لم يجز في ظاهر الرواية، كذا في البحر الرائق 1/ 11.
(8) لأن بعض العضو والحال هذه مُسح ولم يُغسل.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 3، البناية 1/ 148، جامع المضمرات للكادوري 1/ 115، البحر الرائق 1/ 11.
الجزء 1 · صفحة 75
فإن توضّأ وغسل العضو مرة واحدة إن فعل لعِزَّة الماء أو البرْد لا يكره، وهذا إذا فعله أحياناً، أما إذا اتخّذ ذلك عادةً فيكره (1).
ولو غسل مواضعَ الوضوءِ أربعَ مراتٍ يُكره (2). (خ) (3)
مريض لا يمكنه الوضوء أو التيمم وله جاريةٌ فعليها أن توضئه؛ لأنها مملوكته، وطاعة المالك واجبةٌ إذا عَرِي عن المعصية (4).
وإن كانت له امرأةٌ لا يجب عليها ذلك؛ لأنّ هذا ليس من حقوق النّكاح، إلّا إذا تبرّعت بذلك؛ لأنّها بمنزلة سائر المسلمين في حقِّ هذا الحكم، والإعانةُ على البرِّ مندوبٌ إليها في حقِّ المسلمين؛ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (5) (6). (ك) (7)
(1) لاعتياده ترك السنة المشهورة.
يُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 45، البحر الرائق 1/ 24، الدر المختار ص 22، النهر الفائق 1/ 44.
(2) لما روى أبو داود في سننه، [كتاب الطهارة، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا]، (1/ 95:برقم 135) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن رجلا أتى النبي ? فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" أو "ظلم وأساء". صححه ابن خزيمة، والنووي، وابن حجر، وضعّفه ابن العربي. يُنظر في الحكم على الحديث: عارضة الأحوذي 1/ 72، خلاصة الأحكام 1/ 116، فتح الباري لابن حجر 1/ 298.
ويُنظر في فقه المسألة: العناية 1/ 31، فتح القدير 1/ 31، الفتاوى التاتارخانية 1/ 54، حاشية ابن عابدين 1/ 118.
(3) الخلاصة في الفتاوى 1/ 22.
(4) يُنظر: الفتاوى الوَلْوَالجية 1/ 104، الفتاوى السّراجيَّة ص 28، البحر الرائق 2/ 124، حاشية ابن عابدين 1/ 234.
(5) سورة المائدة، من الآية 2.
(6) يُنظر: الفتاوى الوَلْوَالجية 1/ 105، البناية 2/ 652، الفتاوى التاتارخانية 1/ 586، البحر الرائق 2/ 124، حاشية ابن عابدين 1/ 234.
(7) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (8/ب).
الجزء 1 · صفحة 76
رجلٌ له عبدٌ مريضٌ لا يستطيع أن يتوضّأ يجب على مولاه أن يوضّئه، بخلاف المريضة حيث لا يجب على زوجها أن (يوضئها) (1) (2). (ن) (3)
المريضُ إذا كان له ابنٌ أو أخٌ، أو المريضةُ إن كانت لها بنتٌ سقط الاستنجاء، ويوضّئُه الابنُ والأخ، وتوضّئها البنت، (إلا أنها لا تمسّ فرجه إلا من يحل له الوطء) (4) (5). (خ) (6)
وإن توضّأ في الماء الجاري أو في الحوضِ الكبير وغَمس رجليه في الماء يجوز وإن لم يُخلِّل الأصابع (7). (ك) (8)
ولو كان على أعضاءِ وضوئِه قُرحةٌ نحو الدُّمَّل (9)، وعليها جِلدة رقيقةٌ فتوضأ وأمرَّ الماء على ظاهر
(1) في (ب) و (ج): يعاهدها.
(2) فرّق بينهما في الفتاوى الوَلْوَالجية 1/ 105 بقوله: "لأن المعاهدة إصلاحُ ملكه، وإصلاح الملك على المالك، وأمّا المرأة حرة فكان إصلاحها عليها". ويُنظر: الفتاوى التاتارخانية 1/ 586، البحر الرائق 2/ 124، حاشية ابن عابدين 1/ 234.
(3) النوازل لأبي الليث السمرقندي ص 134.
(4) كذا في سائر النسخ، والظاهر أن المراد أنه لا يَمسُّ الفرجَ إلا من يحلّ له الوطء.
(5) سقوط الاستنجاء للعجز عنه، ومنع المسّ لتحريم ذلك إلا لمن يحِل جِماعُه.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 45، الفتاوى التاتارخانية 1/ 51، الفتاوى الهندية 1/ 49، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 49، حاشية ابن عابدين 1/ 341.
(6) الخلاصة في الفتاوى 1/ 25، وما بعد قوله: وتوضئها البنت لم أجده.
(7) وظاهره: ولو كانت منضمة؛ لأن غمسها والحال هذه يكفي عن تخليل الأصابع، وهذا في الماء الجاري أو الحوض الكبير كما ذكر المؤلف، وأمّا في الإناء فقد صرّحوا بأن الأصابع إن كانت منضمة فالتخليل واجب؛ لأنه حينئذ لا يمكن إيصال الماء إلا به، والفرق أن للماء الجاري قوة يدخل بها الماء في أثناء الأصابع.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 39، تبيين الحقائق 1/ 5، البناية 1/ 226، حَلْبة المُجلّي 1/ 68، حاشية الطحطاوي على المراقي ص 71، حاشية ابن عابدين 1/ 118.
(8) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (9/أ).
(9) الدمّل: الخُرّاج، وهو ورم يخرج طافحاً على الجلد ونحوه. يُنظر: المخصص 1/ 491، كشف اصطلاحات العلوم والفنون ص 799.
الجزء 1 · صفحة 77
الجلدة، ثم نزع الجلدة ولم يغسل ما تحتها وصلّى جازت صلاته (1). (ف) (2)
وإن توضأ واغتسل وبقي على جسده أو أعضاء وضوئه وَنيمُ (3) ذبابٍ، أو خُرءُ بَرغوث، لم يصل الماء تحته جاز وضوؤه وصلاته (4). (خ) (5)
وضَعَ على شُقاق (6) رجلِه دواءً لا يصل الماء تحته يُجري الماء على ظاهر الدواء إن كان يضرّه إيصال الماء إليه (7). (خ) (8)
وآدابُ الوضوء أن يتمضمضَ باليمين، ويستنشق باليسار (9).
والمبالغةُ فيهما سنّة (10).
(1) لأن هذه الجلدة الرقيقة ليست بدلاً عما تحتها، بخلاف الخف إذا نُزع بعد المسح.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 40، الفتاوى التاتارخانية 1/ 45، الدر المختار ص 20، الفتاوى الهندية 1/ 5، حاشية ابن عابدين 1/ 102.
(2) فتاوى قاضيخان 1/ 34.
(3) ونيم الذباب: ذرقه. يُنظر: مجمل اللغة 2/ 938، لسان العرب 12/ 674.
(4) للحرج، وقيل: لأنّ محل الفرض استتر بالحائل وصار بحال لا يواجه الناظر إليه فسقط الفرض عنه وتحول إلى الحائل.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 41، البناية 1/ 148، درر الحكام 1/ 9، حاشية ابن عابدين 1/ 154.
(5) الخلاصة في الفتاوى 1/ 23.
(6) الشُقاق بالضم: تشقق جلد اليد والرجل من الإنسان والحيوان. يُنظر: تهذيب اللغة 8/ 204، المغرب في ترتيب المعرب ص 255، لسان العرب 10/ 181.
(7) لما في تكليف إيصال الماء تحته من الحرج وهو مدفوع.
يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 41، الاختيار لتعليل المختار 1/ 26، مجمع الأنهر 1/ 51، كمال الدراية 1/ 214، حاشية ابن عابدين 1/ 102.
(8) الخلاصة في الفتاوى 1/ 23.
(9) لأن الفم مطهرة، والأنف مقذرة، واليمين للإطهار، واليسار للأقذار، وقيل: كلاهما باليمنى.
يُنظر: المبسوط 1/ 6، تحفة الفقهاء 1/ 12، بدائع الصنائع 1/ 21، البناية 1/ 249، الفتاوى الهندية 1/ 9.
(10) لما روى أبو داود في سننه، [كتاب الطهارة، باب في الاستنثار]، (1/ 100:برقم 142) عن لقيط بن صبرة، قال: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما". صححه ابن خزيمة، وابن القطان، والنووي، وغيرهم. يُنظر في الحكم على الحديث: صحيح ابن خزيمة 1/ 78، بيان الوهم والإيهام 5/ 592، خلاصة الأحكام 1/ 99، نصب الراية 1/ 16.
ويُنظر في فقه المسألة: تحفة الفقهاء 1/ 12، بدائع الصنائع 1/ 21، تبيين الحقائق 1/ 4، درر الحكام 1/ 11، البحر الرائق 1/ 22.
الجزء 1 · صفحة 78
وتفسيرُها: أن يملأَ الفم، وإن لم يملأْ يُغرْغر حينئذ (1).
وفي الاستنشاق: يرفعُ الماء بكفّه ويضعُ على مِنخره حتى يصْعَد في أنفه (2). (ظ) (3)
وحدُّ المضمضة: استيعابُ الماء جميعَ الفم (4).
والمبالغةُ فيه أن يصل الماء إلى رأس حلقه (5).
وحدُّ الاستنشاق: أن يصل الماء إلى المارِن (6) (7).
والمبالغة فيه أن يجاوز المارِن (8). (خ) (9)
تحريك الخاتم سنةٌ إن كان واسعاً (10)، وفرضٌ إن كان ضيقاً بحيث لم يصل الماء تحته (11).
والثُّقْبُ الذي فيه القُرْط (12) على هذا (13). (خ) (14)
(1) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 46، البناية 1/ 213، فتح القدير 1/ 25، حاشية ابن عابدين 1/ 116.
(2) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 46، منية المصلي ص 18، فتح القدير 1/ 25، البحر الرائق 1/ 22.
(3) الفتاوى الظهيرية (4/ب).
(4) يُنظر: تبيين الحقائق 1/ 4، البحر الرائق 1/ 21، النهر الفائق 1/ 41، فتح باب العناية 1/ 37، حاشية ابن عابدين 1/ 115.
(5) يُنظر: المحيط البرهاني 1/ 46، درر الحكام 1/ 11، البحر الرائق 1/ 21، حاشية ابن عابدين 1/ 115.
(6) المارن: ما لان مما انحدر عن قصبة الأنف. يُنظر: الفائق في غريب الحديث 4/ 41، لسان العرب 13/ 404.
(7) يُنظر: درر الحكام 1/ 11، البحر الرائق 1/ 22، فتح باب العناية 1/ 32، النهر الفائق 1/ 4، الفتاوى الهندية 1/ 6.
(8) يُنظر: البحر الرائق 1/ 22، فتح باب العناية 1/ 32، النهر الفائق 1/ 4، الفتاوى الهندية 1/ 6.
(9) الخلاصة في الفتاوى 1/ 21.
(10) للمبالغة في الغَسل.
يُنظر: المبسوط 1/ 10، بدائع الصنائع 1/ 22، البناية 1/ 151، مراقي الفلاح ص 35، مجمع الأنهر 1/ 16.
(11) لأنه يمنع وصول الماء ظاهرا.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 22، البناية 1/ 151، فتح القدير 1/ 16، مراقي الفلاح ص 31.
(12) القُرْط: ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي ونحوه. يُنظر: تهذيب اللغة 9/ 8، النهاية في غريب الحديث والأثر 4/ 41.
(13) لما ذُكر في تحريك الخاتم، وقد نصّ عليه الحصكفي في الدر المختار ص 23.
(14) الخلاصة في الفتاوى 1/ 23.
الجزء 1 · صفحة 79
والسِّواكُ سنّةٌ (1)، فإن كان معه سِواكٌ استاك به، وإن لم يكن استعمل الأصبع من يمينه (2).
والمصريُّ والقرويُّ سواء (3).
والاستنجاءُ بالأحجار سنة مؤكدة (4) (5).
ولا يعتبر فيه العدد، والمعتبر فيه الإنقاءُ، فلو كان ينقيه بحجرٍ واحدٍ لا يحتاج إلى الثاني، وهكذا [الثاني] (6)، وهذا إذا كانت النجاسة لا تتجاوز المعتاد (7).
(1) لما روى البخاري في صحيحه، [كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم]، معلقاً (3/ 31)، عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ?: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء).
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 301، تحفة الفقهاء 1/ 13، بدائع الصنائع 1/ 19، الهداية 1/ 15، فتح القدير 1/ 24.
(2) لما روى البيهقي في السنن الكبرى، [كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستياك عرضا]، (1/ 66:برقم 176) عن أنس ?، عن النبي ? قال: "تجزئ من السواك الأصابع ". صحّحه الضياء المقدسي، وضعّفه البيهقي والنووي وابن حجر. يُنظر في الحكم على الحديث: خلاصة الأحكام 1/ 88، التلخيص الحبير 1/ 247.
ويُنظر في فقه المسألة: تحفة الفقهاء 1/ 13، المحيط البرهاني 1/ 45، البناية شرح الهداية 1/ 206، فتح القدير 1/ 25.
(3) يعني في استعمال الأصبع عند عدم السواك، ولم أقف على وجه التنصيص في نفي التفريق، لكن ربما لكون الطين ملازماً في الغالب لأصبع القروي بخلاف المصري (المدني)؛ فأراد رفع الإيهام وسوّى بينهما في استعمالهما للأصبع عند عدم السواك، وهذا المعنى ذكروه فيما لو طال الظفر، هل يجب غسل ما تحته؟ ففرق بعضهم بين القروي وغيره، فلعل ذاك من هذا. يُنظر: البناية 1/ 151، فتح القدير 1/ 16، البحر الرائق 1/ 14، مراقي الفلاح ص 31.
(4) السنة المؤكدة عند الحنفية هي السنن القريبة من الواجب، وتُسمّى سنن هدى، ويُمثّل لها بالاستنجاء والأذان والإقامة وصلاة الجماعة، ووجه التسمية مواظبة النبي ? وهي من مكملات الواجب وشعائره، واختلفوا هل يأثم تاركها؟ قيل: يأثم، رجحه ابن نجيم، وقال إنه الظاهر من المذهب، وقيل: لا يأثم، وهو ظاهر إطلاقاتهم في مواطن. يُنظر: فتح القدير 2/ 389، التقرير والتحبير 2/ 149، البحر الرائق 1/ 24، حاشية ابن عابدين 1/ 118، عمدة الرعاية 2/ 310.
(5) لمواظبة النبي ? على فعله، ولم يكن واجبا لتركه ? له في بعض الأوقات، ولأن قليل النجاسة الحقيقية في الثوب والبدن عفو في حق جواز الصلاة.
يُنظر: بدائع الصنائع 1/ 18، العناية 1/ 203، فتح القدير 1/ 212، مراقي الفلاح ص 24.
(6) ساقطة من: (أ).
(7) لأن المقصود الإنقاء، لكن يُندب جعل الأحجار ثلاثة لأنها تنقي في الغالب.
يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1/ 352، بدائع الصنائع 1/ 18، العناية شرح الهداية 1/ 213.