الجزء 1 · صفحة 5
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الدراسات العليا
قسم الفقه الحنفي
" جامع المباني في شرح فقه الكيداني"
محمد بن حسام الدين الخرساني القهستاني
(المتوفى: 953 هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق
Jamie Almabani Fi Sharh Fiqh Alkaidani""
by Muhammad bin Husam Aldin Alkharsani Alqhistani
953 Hijri))
Study, Text Editing and Commenting
إعداد
منير الاسلام محمد نور الاسلام
إشراف
الدكتور: رأفت علي الصعيدي
قدمت هذه الرسالة استكمالًا لمتطلبات درجة الماجستير في الفقه الحنفي وأصوله
في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
تاريخ المناقشة:
05/ 02/2023 م
الملخص
"جامع المباني في شرح فقه الكيداني"
محمد بن حسام الدين الخرساني القهستاني
(المتوفى: 953 هـ (
دراسة وتحقيق وتعليق:
إعداد: منير الاسلام محمد نور الاسلام
إشراف الدكتور: رأفت علي الصعيدي
وقد تم تقسيم هذه الرسالة إلى مقدمة وثلاثة أقسام:
تناول الباحث في المقدمة نبذةً عن أهمية المخطوط وسبب اختياره، ونسخ المخطوط ووصفها، وما تضمنه تحقيق المخطوط، والمنهج المتَّبع فيه.
والقسم الأول مبحثان:
المبحث الأول: (قسم الدراسة عن المصنف): وقد ذكر الباحث المؤلف الذي عاش فيه، بالإضافة إلى حياة المصنف من اسمه، وكنيته، ونسبته، وشيوخه، وثناء العلماء عليه، ومنصبه ووفاته.
المبحث الثاني: (التعريف بالكتاب): وقد وبين الباحث فيه منهج المصنف في الكتاب، ومسامحاته، كما ذكر الباحث المصادر التي اعتمدها المصنف عليها، ورتبها بحسب الجدول.
أما القسم الثالث (قسم التحقيق): وقد جعله المصنف - رضي الله عنه - في ثمانية فصول وثمانية أبواب: والفصول الثمانية شملت على: المشروع، وتعريف الفرض، والواجب، والسنة، والمستحب، والمباح، والمحرم، والمكروه والمفسد.
أنهى الباحث الرسالة بخاتمة ضمنتها بأهم النتائج التي وصل لها، والتوصيات.
Abstract
"Jamie Almabani Fi Sharh Fiqh Alkaidani"
الجزء 1 · صفحة 6
by Muhammad bin Husam Aldin Alkharsani Alqhistani
(953 Hijri)
Fasting:
Study Analysis and Commentary
Prepared by
MONIRUL ISLAM MOHAMMAD NURUL ISLAM
Supervisor
Doctor:
RAFET ALI SAIDI
this thesis was divided into an introduction and three sections:
In the introduction, the researcher dealt with an overview of the importance of the manuscript and the reason for choosing it, copying, and describing the manuscript, what was included in the investigation of the manuscript, and the approach followed in it.
And the first section (the study section about the work): The researcher mentioned the author in which he lived, in addition to the life of the workbook from his name, his nickname, his lineage, his sheikhs, his students, his journey to science, the scholars' praise of him, his position and his death.
And the second section (study section on the book): The researcher explained in it the author's approach in the book, and its forgiveness, as the researcher mentioned the sources that the author relied on and arranged them according to the table.
As for the third section (the investigation section): The Author may Allah bless him and grant him peace, made it into eight chapters and episodes including: the legislation, the definition of the Duty, the Obligatory, the prophet's practice, the desirable, the permissible, the forbidden, the abomination and the Spoiler of prayer.
The researcher ended the thesis with a conclusion that included the most important results and recommendations.
الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: مقدمة المشروع
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا مُحَمَّدٍ، أشرف الخلق أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ:
فإنَّ من نعم اللهِ تعالى على الأمة الإسلامية، أن أنعم عليها بعلماء أجلاء خدموا هذا الدين بنشر العلم بمؤلفاتهم العلمية.
ولقد ترك لنا علماؤنا السابقون تراثاً ضخماً من المؤلفات العلمية التي تشهد لهم بالفضل وعلو الكعب في العلوم، إلا أنَّ قسماً كبيراً منها ظلَّ حبيس مخطوطات قديمة بات طالب العلم محروماً من الاستفادة منها، لما تعوّد عليه طلاب العلم من كتب مطبوعة ومفهرسة بالطرق الحديثة.
وباتت المخطوطات العلمية ـ وللأسف الشديد ـ مجرد مخزون تراثي يدل على ماض مشرق، يزين بها الفضلاء والوجهاء مكتباتهم، في حين أنَّ هذه المخطوطات تحوي علوماً كان من الممكن الانتفاع بها، من خلال تحقيقها وتنقيحها ودراستها والتعليق عليها، حتى يتصل الإسناد بين الماضي والحاضر.
وإنَّ هذا العلم الموروث في تلك المخطوطات لينادي أصحاب الهمم والعزم من أجل دراستها وتحقيقها وتنقيحها والتعليق عليها والتعريف بها.
ومنذ قرون بعيدة أدرك العلماء أهمية تحقيق النّصوص وتصحيحها، وعلموا أنها مسؤولية عظمى تحتاج إلى جهد كبير، قال الجاحظ: ((ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعنى، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام)) (¬1).
وقد سلك كثير من العلماء مسلك تحقيق الكتب القديمة، وهو مسلك لا يقل أهمية عن التأليف على وجه الاستقلال؛ لأنَّ فيه إحياءً لتراث علمي لا يمكن الاستغناء عنه.
¬
(¬1) الحيوان ج 1 ص 79. الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب، الحيوان، (تحقيق: عبد السلام هارون)، ط 2، مصطفى البابي الحلبي، 1965 م.
الجزء 1 · صفحة 8
فالتحقيق يعمل على إحياء تراث الأمة، الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية، والتعريف به وإبرازه، ونقله إلى الأجيال الصاعدة، لتستفيد من هذا النتاج الفكري الشامخ، الذي خلَّفه لنا أسلافُنا، فلا يصح أن تبقى هذه الكنوز مطمورة وغير مستفاد منها. ومن المعروف أن ما حُقِّقَ من المخطوطات قليل جداً، فلا بد من أحياء هذه الذخائر العظيمة التي تعتز به الأمة، وإخراجها إلى عالم النور بالطباعة والتحقيق العلمي الرصين.
ويعتبر علم الفقه من أكثر العلوم الشرعية التي تناولها العلماء السابقون بالبيان والتأليف، على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم؛ لأنَّ فيه بيان الأحكام الشرعية التي لا غنى للمكلف عنها.
ومن بين تلك المدارس المحترمة، مدرسة السادة الحنفية، التي ظهر منها العلَّامة محمد بن حسام الدين القهستاني المتوفى سنة 953 هـ.
وقيامًا لبعض الواجب لهذا الدين، وحفاظًا على هذا التراث التي تعتز به الأمة وجهت همتي إلى الدراسة والتحقيق والتعليق «جامع المباني في شرح فقه الكيداني لمحمد بن حسام الدين الخراساني القهستاني» مساهمةً مني في إحياء الكنوز العلمية لعلمائنا، ومحافظة عليها من الضياع، ورغبة في تسهيل اطلاع طلبة العلم على تراث أسلافهم، وخدمةً للعلم وأهله.
«وإنَّ كتاب «مقدمة الصلاة» المنسوبة للكيداني، والفناري، وابن كمال باشا من أحد المتون في الفقه الحنفي، ونالت عناية واعتمادًا كبيرًا من العلماء في التدريس والشرح والترجمة وغيرها ومما يؤكد ذلك كثرة الشروح عليها، وانتشارها في البلاد وبين العباد، ويرجع سبب هذه المكانة التي نالتها المقدمة هي: صغر حجمها، وحسن ترتيبها تقسيمها للفرائض والوجبات، والمكروهات والمباحات والمفسدات، وبراعة حبك عباراتها في احتواءها على المعاني الكثيرة، وكثرة الضوابط في تراكيب جملها مما تخلو عنه المطولات، واشتمالها على فروع دقيقة قل وجودها في غيرها من المتون.» (¬1)
¬
(¬1) كذا قال اللكنوي في الفوائد ص 120
الجزء 1 · صفحة 9
ومن العلماء من اعتبرها من المتون الغير معتبرة، كاللكنوي قال: ((ومن الكتب غير المعتبرة: «فتاوي إبراهيم شاهي» من مؤلفات القاضي شهاب الدين الدولة آبادي، ومنها: تصانيف نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي المعتزلي الاعتقاد حنفي الفروع. كـ «القنية»، و «الحاوي»، و «المجتبى شرح مختصر القدوري»، ومنها: «السراج الوهاج شرح مختصر القدوري من مؤلفات أبي بكر الحدادي» ومنها: «الفتاوي الصوفية» لفضل الله محمد بن أيوب، ومنها: «فتاوي ابن نجيم»، و «فتاوي الطوري»، ومنها: «خلاصة الكيداني» المنسوبة إلى لطف الله النَّسَفي)) (¬1).
وقال أيضاً: ((«خلاصة الكيداني»، وهو من الكتب غير المعتبرة)) (¬2).
وقال العلامة محمد تقي العثماني (¬3) عند ذكر وجوه عدم اعتبار الكتب: «الوجه الأول: عدم الاطلاع على حال مؤلفه: ربما يكون الكتاب غير معتبر لعدم معرفة حالة المؤلف، فإنَّه لا يعرف هل كان فقيهاً معتمداً، أم جامعاً بين الرطب واليابس، فمنها: «خلاصة الكيداني» فإنَّه لا يعرف مؤلفه، وقد ثبت أنَّه ذكر فيها روايات واهية.
ثانياً: مشكلة البحث:
يعتبر كتاب (جامع المباني في شرح فقه الكيداني) من الكتب المهمة ذات المكانة الرفيعة لدى
العلماء، وطلاب العلم في المذهب الحنفي، والذي تناقلوه جيلًا بعد جيل، إلًا أنّه من خلال البحث والتحري وجد الباحث أن هناك جوانب لابد من بيانها والإجابة عليها وإعادتها بشكل وعرض جديدين، ومن هنا جاءت مشكلة البحث وفق الأسئلة الآتية:
1. ما ترجمة العالم الشخصية والعلمية: عصره، أقرانه، شيوخه، مؤلفاته، درجته في الاجتهاد؟
2. ما الدراسة السليمة للمخطوط من حيث التحشية والتعليقات النافعة؟
3. ما النص الصحيح والأكمل والأفضل للمخطوط؟
ثالثاً: أهمية البحث ومبرراته:
تنبع أهمية الرسالة من خلال النقاط الآتية:
¬
(¬1) في مقدمة عمدة الرعاية ص 12.
(¬2) في غيث الغمام ص 35.
(¬3) في أصول الإفتاء ص 30.
الجزء 1 · صفحة 10
1.حاجة طلاب العلم في المذهب الحنفي لمعرفة هذا الكتاب من حيث الترجيح والتقعيد والوازنة بين الأقوال المعتمدة في المذهب ليكون مرجعًا لهم.
2.الحاجة الماسة لهذا الكتاب لمن يتصدر لتعليم الناس أحكم الفقه الحنفي فهو غني وصالح لكل زمان ومكان.
3. إثراء المكتبة الإسلامية بكنز من كنوز التراث الإسلامية في المذهب الحنفي.
رابعاً: أهداف البحث:
1. دراسة وتحقيق وتعليق على مخطوط "جامع المباني في شرح فقه الكيداني"، تحقيقاً صحيحاً، وتعليقاً علمياً منهجياً، حيث لم يسبق تحقيقه والتعليق عليه.
2. بيان صحة نسبة المؤلَف للمؤلِف.
3. الاهتمام بخدمة نص الكتاب بشرح غوامضه، وعزو معلوماته، وتخريج أحاديثه، وبيان وتوضيح مسائله.
4. إجراء دراسة وتعليق حول موضوع الكتاب تظهر مكانته بين كتب المذهب في عصره وما بعده.
5. إظهار مكانة الكتاب بين كتب المذهب في عصر المؤلف وما بعده.
خامسًا: المنهجية المتبعة في البحث:
أ. سلكت المنهج الوصفي في دراسة الشخصية لغرض الترتيب وتنظيم المعلومات في العرض.
ب. سلكت المنهج الاستقرائي في التعليق والتحشية لكتب المذهب من خلال المسائل المرتبطة بالمخطوط؛ للتبين من صحتها ونسبتها واعتمادها.
ت. سلكت المنهج الاستردادي (التاريخي) من خلال تحقيق المخطوط ضبطاً وتصحيحاً ومقابلة، تيسيراً لفهمه والوصول إليه.
ث. سلكت المنهج الجدلي من خلال مناقشة المؤلف في اختياراته ومدى اعتماد مسائله.
سادسًا: منهجية العمل في التحقيق:
منهج عمل الباحث في التحقيق كالآتي:
الأول: منهجي في المقابلة والتعليق:
1 - بيان النسخ التي اعتمدت للتحقيق ووصفها، وتحديد مكانها، وعدد الأوراق، وتاريخ كتابتها، وعدد أسطرها، وغيرها من الأمور التي لها شأن في توضيح المخطوط وتوثيق مصدره، بالإضافة إلى صورة الورقة الأولى والأخيرة لكل نسخة و إثباتها عند الوصف.
الجزء 1 · صفحة 11
2 - توضيح المسائل الغامضة في المخطوطة ذات الخفاء، أو الإلغاز لشدة اختصارها، لإزالة الإبهام عن العبارات، وشرحها وتوضيحها من الكتب الفقهية المعتبرة؛ وصولا لأسهل عبارة، وتثبت بالحاشية مع مراجعها.
3 - التعليق على جميع الآراء التي خالف فيها المؤلف معتمد المذهب، كأن يأتي بتخريج ضعيف في المذهب، أو يذكر رأيا مخالفا للمعتمد، فأعمل على التعليق والتنبيه على ذلك الرأي في الحاشية، مبينا ضعفه ورده وعدم اعتماده، مستعينا بالكتب الفقهية، ومدللا من عبارات الفقهاء وفق أصول قواعد الترجيح.
4 - إثبات النص الأصلح والأصح في الأعلى، وذكر الفروق الأخرى في الحاشية، فلا يتجاوز الباحث في مرحلة تمحيص المخطوط كلمة كلمة إلا بالاقتناع أنها هي الصحيحة؛ من خلال الترجيح بين النسخ واختيار الأصح، لا الاعتماد على النسخة الأم في التحقيق في الأعلى، وما سواه نثبته في الحاشية.
5 - مناقشة كل مسألة نص المخطوط عليها بعبارة الترجيح صحيحة، مثل: وهو الصحيح أو الأصح، أو المختار، أو وبه يفتى، لببيان الأقوال الأخرى في ذات المسألة، وعرض الأدلة، وبيان الراجح فيها وفق أصول الترجيح.
6 - بيان الروايات الضعيفة التي نقلها صاحب المخطوط بدون التنبيه عليها، نتيجة اعتماده على كتاب غير معتمد، مع التعليق في الحاشية بما يثبت ضعفها وعدم اعتمادها.
7 - التنبيه على عبارات التساهل في الإطلاق في المخطوط، حيث تركيب العبارة من الجانب العلمي غير صحيح؛ لكنه ليس من قبيل الخطأ؛ ولكن من قبيل التساهل في العبارات.
8 - بيان المعنى الاصطلاحي للمفردات من مصاردها الأصلية عند الحنفية؛ للوصول إلى مراد الحنفية من هذا المصطلح، وعدم الاقتصار على معرفة المعنى في اللغة، وكذا عند المدارس الفقهية الأخرى عند الحاجة.
9 - ذكر مصطلحات المؤلف في المخطوط ضمن قائمة منفردة؛ لتكون مفتاحا للقاراء في فهم المخطوط.
الجزء 1 · صفحة 12
10 - تخريج أسماء الكتب التي ذكرها المؤلف في المخطوط؛ لأنها مصادره، سواء كانت بالواسطة أو مباشرة بكتابة اسم الكتاب، ومؤلفه، وطباعته، ومكان المخطوط إن لم يكن مطبوعا ومحققا.
11 - تخريج الأحاديث بذكر رواته من الصحابة، والكتب التي خرَّجته، وذكر الحكم من حيث الصِّحة والضَّعف من قبل كبار المُحَدِّثين، والإتيان له بالشواهد التي تقويه إن كان فيه ضعف، وتثبيت لفظ الحديث المذكور في كتب السنة إن ذكره الشارح بمعناه، واكتفيت بذكر الجزء والصفحة بدل الكتاب والباب خوف التطويل؛ لأنَّ غالبية الأحاديث غير مذكورة في الصحاح، فاحتاج إلى ذكر عدد كبير من كتب السنة الوارد فيها، فلو ذكرت الكتاب، والباب، لاستغرق تخريج كثير منها أكثر من صفحة.
12 - ذكر الأقوال التي لم يذكرها صاحب المخطوط إذا كان قد ذكرها غيره، ولو لم تكن معتمدة بهدف بيان سعة المذهب وخدمة للنص.
13 - نقل العبارات نفسها بدون تغيير التي كان نقلها صاحب المخطوط بالمعنى.
14 - لما كانت في الكتاب عبارات غامضة تحتاج إلى من يفكها ويحلها ويبين مراد الشارح منها؛ لذا كثرت الحواشي والتعليقات عليه، وقد راجعت لفهمها كثيراً من الحواشي والكتب، ووقفت على عبارات لطيفة في ذلك رأيت أن أثبتها في الهامش لتعين على توضيح مقصود كلام المصنف.
الثاني: المنهج المتبع في التوثيق كالآتي:
1 - القيام بترميز نسخ المخطوطات بحرف، مثلا: أ، ب، ج، د.
2 - توثيق كل الأقوال الواردة في المخطوط لأصحابها، ويستثنى من ذلك قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه الإمامين: أبي يوسف، و محمد بن الحسن، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد؛ لأن كتب الفقه في المذهب وضعت من أقوالهم، فهي مظانها، إلا في حالة اضطراب الرأي في مسألة ما، فيتم التحري للتأكد من نسبة القول من أجل التصحيح.
الجزء 1 · صفحة 13
3 - توثيق أقوال أئمة المذاهب: الإمام مالك بن أنس، أو الإمام الشافعي محمد بن إدريس، أو الإمام أحمد بن حنبل، فيتم توثيقه من الكتب المعتمدة لصاحب المذهب؛ للتأكد من نسبة القول وصحته وإنه معتمد مذهبه، وإن ظهر غير ذلك يتم التنبيه في الحاشية.
4 - توثيق النقل عن علماء التفسير أو الحديث أو اللغة من كتبهم، فإن كان مفقودا يوثق ممن نقل عنه؛ بشرط أن يكون متقدم على مؤلف المخطوط.
5 - وضع علامة التنصيص << >> لكل نص في المخطوط نقل بحروفه من كتاب آخر، أو مختصرا، والتنبيه على ذلك بالقول: إنه ملخص، فيجعل في نهاية النقل ويذكر في الحاشية: انتهى من كتاب كذا، أو انتهى ملخصا من كتاب كذا، وإن كان في نهاية النص في المخطوط لفظ انتهى، يكتب في الحاشية، من كتاب كذا.
6 - إذا كان الاختلاف في كلمة واحدة نضع ((علامة الحاشية)) عليها بدون وضعها بين معكوفيتين هكذا: زيد.
7 - وإن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر وضعنا ((علامة الحاشية)) على معكوفتين هكذا: [].
8 - إذا سقطت كلمة أو كلمات من نسخة أو نسخ، يثبت في الحاشية ساقطة من ب، أو ساقطة من أ، ب، أو يمكن أن يعبر: زيادة في د.
9 - إذا كان الاختلاف في تركيب كلمة أو كلمات، أثبت الصحيح في الأعلى، وذكر الصور المرجوحة في الأسفل، وقال: (في ج، د: كذا)، فإذا كان الاختلاف على أكثر من صورتين أثبت الصور المرجوحة في الأسفل وقال: (في ج: كذا) وفي (د: كذا)
10 - توثيق الآيات في الأعلى ببيان اسم السورة ورقم الآية، بحيث تكون الآية بالرسم العثماني بين قوسين مزهرين، والتوثيق بين معكوفين مربعين [].
الجزء 1 · صفحة 14
11 - تثبيت الفروق ما عدا الاختلاف في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغ الترحم على العلماء والصحابة؛ لأنها في الدرجة الأولى من النساخ لا من المؤلف، بسبب التفاوت الكبير فيها بين ذكرها وحذفها. لذا سأقوم بتثبيت شكل الصلاة كالآتي (- صلى الله عليه وسلم -)، وكذا اختلاف النسخ بصيغة الترحم والترضي على من يذكر من العلماء وعدمه بذكر شكل الترضي (- رضي الله عنه -) بدون الإشارة إلى ذلك.
الثالث: المنهج المتبع في ترجمة الشخصيات والأماكن:
1 - ترجمة لجميع الأعلام التي تذكر في المخطوط، بذكر الاسم واللقب والوفاة والكتب التي ألفها كذكر ثلاث كتب على الأقل، ونسبته إليه مع توثيق رقم الصفحة والكتاب الذي اقتبس منه، مع نبذة لا تتجاوز الثلاث أسطر عن كل عالم علم من مصادر قديمه وحديثه.
2 - ترجمة الأماكن التي تذكر وقد توهم على القارئ، بالإضافة لترجمة المذاهب والفرق ببيان مذهبها، ومكانتها في الفقه أو الاعتقاد أو اللغة أو في فنها وصنعتها.
3 - يستثنى من ترجمة الأعلام الخلفاء الاربعة رضي الله عنهم، وأئمة مذهبنا رضي الله عنهم، والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم، وأصحاب الكتب الستة.
4 - ويستثنى ايضًا الأعلام والكتب الذين سبق ترجمته في الفصول السابقة من المخطوط حرصًا على عدم التكرار.
الرابع: المنهج المتبع في التعامل مع النص:
1 - انتقاء نسخة المخطوط الأفضل والأكمل والأوضح من النسخ لتوضيح وتثبيت الفروق.
2 - تقسيم المخطوط لفقرات تتناسب مع المواضيع والمعاني.
3 - وضع علامات الترقيم والرسم الإملائي المناسب.
4 - شكل الكلمات التي تشكل على القارئ.
5 - الاعتناء بمواضع الهمزات، والشدّات المناسبة، وفق المدارس الإملائية والنحوية في مدارس اللغة العربية الحديثة.
6 - توضيح بعض الكلمات التي تحتاج إلى توضيح لغوي من المعاجم؛ لكشف خفائها.
الجزء 1 · صفحة 15
7 - وضع المتن بين قوسين () بخط غامق وضبطه بالشكل ضبطًا كاملًا.
سابعًا: الدراسات السابقة:
لم أقف لهذا الكتاب تحقيقًا صحيحًا وتعليقًا منهجيًا دقيقًا، وذلك بعد البحث والتحري قدر الجهد والطاقة.
علماً انَّه يوجد لهذا المخطوط طبع حجرية وغير حجرية، منها واضح الخط ومنها الرديء.
لذلك أصبحت الحاجة ماسةً لدراسة وتحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه تحقيقاً وتعليقاً علمياً دقيقاً، وكرسالة علمية، وبإشراف أساتذة متخصصين حتى تتعزز الثقة العلمية بهذا الشرح المبارك، وينتفع به طلبة العلم على أكمل وجه.
ثامنًا: المخطط التفصيلي للتحقيق:
بما أن موضوع الرسالة يتعلق بتحقيق مخطوط من كتب التراث الإسلامي؛ فقد اتبعت فيه منهجية علمية تستلزم عمل دراسة حول النص المحقق، واختيارات الشارح فيه، مع ضبط النص وتشكيل ما أوهم فيه، وقمت بالتعليق عليه بما يثري النص ويجعل عبارته سهلة لا غموض فيها، ثم ذكرتُ اختيارات الشارح في المذهب.
بناءً عليه فإن الرسالة تشتمل على مقدمة وقسمين:
أما المقدمة فقد احتوت على نبذة عن أهمية المخطوط وسبب اختياره، وما تضمنه التحقيق، والمنهج الذي اتبعته، ومشكلة البحث.
وأما القسمان الباقيان فهما: قسم الدراسة، وقسم التحقيق:
القسم الأول: (قسم الدراسة): جعلته مبحثان:
المبحث الأول: دراسة عن المصنف، وأربعة مطالب:
المطلب الأول: عصر المصنف والحالة العلمية في زمانه.
المطلب الثاني: اسمه وكنيته ولقبه.
المطلب الثالث: مولده منصبه ومؤلفاته وثناء العلماء عليه.
المطلب الرابع: درجته وانتقادات العلماء عليه.
المبحث الثاني: التعريف بالكتاب:
المطلب الأول: صحة نسبة الكتاب واسمه.
المطلب الثاني: منهج المصنف في الكتاب.
المطلب الثالث: المسامحات.
المطلب الرابع: مصادر المصنف.
المطلب الخامس: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.
القسم الثاني: (قسم التحقيق): واشتمل على النص المحقق.
الجزء 1 · صفحة 16
المبحث الأول
دراسة عن المصنف
التمهيد:
إنَّ معرفة العصر الذي عاش فيه المؤلِّف وأحواله والبيئة التي نشأ فيها، وكذا من أسرته وتلامذته وشيوخه وكتبه وكلام العلماء عنه تساعد في فهم علمه واختياراته واجتهاداته.
غير أنه من الصعوبات الأساسية التي تواجه الباحث، شح المعلومات التي ذكرت في كتب التاريخ والتراجم عن المؤلف، فلم يذكر عنه إلا القليل، مقارنة بغيره من العلماء، فإن الباحث اجتهد قدر الاستطاعة وعلى قدر ما نتج من المعلومات التي قام بجمعها بطريقة منقحة مرتبة موفية حقه.
المطلب الأول: عصر المصنِّف والحالة العلمية في زمانه:
مر القهستاني بعصر شهدت فيه صراعات عديدة حيث قال القهستاني في مقدمة «جامع المضمرات»: (قد جرى في بلاد الإسلام وسيما خراسان ما يطول عرضه من البليات الصورية والمعنوية والراجعة للأمان) (¬1).
فقد شهدت بلاد خراسان صراعات عديدة بين دول رئيسة ثلاث هي:
1.الدولة التيمورية: للفترة من (807 - 960 هـ) والذي كان حسين ميرزا في عصره سلطان هذه الدولة وبسط نفوذه قرابة ربع قرن حتى إيران الشمالية وبلاد الأفغان أيضًا (¬2).
2.الدولة الأوزبكية: للفترة من (906 هـ) فقد تأسست هذه الدولة بقيادة الفاتح الشيباني الذي كان يعرف بقوته العسكرية وشدته في القتال، يعود نسبته إلى السلطان أوزبك خان، وكان له الفضل الكبير لاعتناق الأوزبك وكثير من الناس الإسلام (¬3).
¬
(¬1) ينظر: جامع المضمرات ج 1 ص 203.
(¬2) ينظر: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة ج 3 ص 121.
(¬3) ينظر: كتاب موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي ج 14 ص 300.
الجزء 1 · صفحة 17
فقد شهدت الدولة حروبا عدة ضد السلطان حسين ميرزا التيموري، فقد بدأ محمد الشيباني بغزو نواحي خراسان فبدأ بمدينة بلخ، ومن ثم بلاد خسروشاه وقندز وبخارى عام (900 هـ)، ونصب السلطان محمد الشيباني نفسه أميرًا لبخارى معينًا أخاه نائبًا له، ثم حاصر مدينة سمرقند، فسقطت بيده وسقطت معها الدولة التيمورية، وفي هذه الأثناء بدأ يعلو شأن الشاه إسماعيل الصفوي في قيادة الدولة الصفوية الآتي ذكرها.
3.الدولة الصفوية: بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يملك عرش إيران وكان أصله من الترك، فقد استغل الشاه سقوط الدولة التيمورية، ودارت معارك دامية، واستشهد في أحد المعارك السلطان محمد الشيباني (919 هـ).
واحتلت خراسان من قبل الدولة الصفوية وشهدت بخارى فتنة وحشية صعبة إذ كانت تعيش البلاد الفوضى، والتطاول، والاعتداء والسلب والنهب واستمرت هذه الحالة ما يقارب السنة ونصف السنة (¬1).
ولم يتحمل المولى القهستاني هذا الوضع فخرج من بينهم هاربًا وتفرغ للعلم والدرس فصنف هذا الكتاب حتى خرج لهم السلطان عبيد الله بن بهادر خان فظفر بهم، ودحرهم، وحرر بخارى، وبلاد خراسان من أيديهم ثم ارتقى عرش بلاد ما وراء النهر بعد عام 940 هـ واستقبلته بخارى بحفاوة كبيرة فخرج المولى القهستاني من زاوتيه لأداء مراسيم استقبال السلطان، وكان السلطان رغم انشغاله بالحرب كان يميل إلى الروح الدينية والتصوف فقد أعجب السلطان عبيد الله بالقهستاني وبالغ في تعظيمه فقربه.
الحالة العلمية في زمانه:
الناظر إلى تاريخ خراسان (¬2) وبخارى في حياة المؤلف يجد أن منجزات الدولتين التيمورية والاوزبكية (الشيبانية) ثابتة وواضحة في إعمار الصروح الدينية، فإنَّهم أبدوا اهتمامًا واضحًا في المدارس الدينية والجوامع، واتجهت الدولتان اتجاهًا صوفيًا وهذا ظاهر من خلال دراسة هاتين الدَّولتين.
¬
(¬1) ينظر: تاريخ الدولة الصفوية في ايران ص 125.
(¬2) ينظر: جامع الرموز ص: 3.
الجزء 1 · صفحة 18
فقد كان عصر التيموريين يتميز بظهور حضارة فيه لم تعرف لها الشعوب الإسلامية نظيرًا، فقد أقاموا في خُراسان وحدها مالا يقل عن (???) مسجدًا ومدرسةً ودارًا للشِّفاء وقاعاتٍ للقراء وجسوراً، فضلاً عن اهتمامهم بالعلم والعلماء فكانت دراسة اللغة والتفسير والتَّصوف شائعةً بشكل عام.
ولا تَقِل الدولة الشيبانية أهميةً عن الدولة التيمورية باهتمامها أيضًا بالعلم والعلماء، وشهدت البلاد في عهد الشيباني تطورًا واضحًا وجليًا في كثرة المساجد والمدارس والأروقة وأضرحة الأولياء، فقد عنى السلطان عبيد الله خان بالعلم والعلماء وكانت
دراسة «علوم الدين» هي الدراسة الرائجة في ذلك الوقت (¬1).
كانت قهستان في زمن المصنف تابعة لبلاد خراسان، وعاصر إمامنا مجموعة من السلاطين الخراسانيين الذين كان لأحوالهم وأخبارهم أثرٌ على حياة المسلمين وتفكير العلماء واتجاهاتهم، فإليك بيانهم ونبذة من سلوكياتهم يزداد وضوحًا زمن مترجمنا، ويُعرفُ منها أحد المؤثرة فيه:
الأول: أبو الفتح محمد شيباني بن شاه بداق بن أبو الخير خان، ولد عام 1451 م ويعود نسبه لجنكيز خان. كني في صغره بشاه بخت «ثروة الملك» وتحولت كنيته مع الزمن إلى شايبك، وهي الكنية التي اختارها لنفسه في كبره. توفي والده وجده وهو ما زال في سن صغيرة، وأمضى بداية حياته مع أخيه مطارداً من أعداء جده أبو الخير خان. وكانا يمضيان في ثلة الفرسان الذين ظلا يحميانهما. وتعلم خلال هذه المحنة كيف يستطيع العيش في أحلك الظروف مما صنع منه قائداً فذاً. كان مسرح تلك الأحداث هي هضبة القبجاق، والتي كانت يوماً ما مملكة جغطاي خان أحد أحفاد جنكيز خان. قام بتوحيد العديد من القبائل الأوزبكية ووضع الأسس لصعودهم في بلاد ما وراء النهر وإنشاء خانات بخارى (¬2).
¬
(¬1) ينظر: ملخص من تاريخ بخارى منذ أقدم العصور حتى العصر الحاضر ص 295 - 359.
(¬2) ينظر: محمد شيباني خان - ويكيبيديا (wikipedia.org)
الجزء 1 · صفحة 19
الثاني: عبيد الله خان بن محمود الأوزبكي: من ملوك الأتراك فيما وراء النهر، وكان أقدر أمراء الأوزبك، فتح بخارى عام (918 هـ) (¬1)، وله مصنف في التفسير «الفوائد الخاقانية العبيدية (¬2).
المطلب الثاني: اسمه وكنيته ولقبه:
الأول: أسمه:
اتفق أغلب العلماء على أنَّ اسمه: محمد (¬3).
أما بخصوص نسَبه فلم يذكر أحد من المؤرخين اسم أبيه إلا البغدادي (¬4) فقال: هو محمد بن حسام الدين.
الثاني: كنيته:
لم يتطرق أحد من المؤرخين على كنية له.
الثالث: لقبه:
ذكر ابن العماد (¬5) والزركلي (¬6) وكحالة (¬7) أن لقبه شمس الدين.
نسبته:
عُرف مترجمنا بنسَبٍ له، منها ما يكون لبلده، ولمذهبه، وهذه النسب هي: القهستاني، الخراساني، الحنفي، وتفصيل الكلام على النحو الآتي:
الأولى: القُهُسْتَانِيُّ: اتفق عدد من المؤرخين على ان نسبته هي القهستاني (¬8)، وبها عرف واشتهر، وهي بضم أوَّله ثم السُّكون ثُمَّ كسرِ الهاء، وسِينٌ مهملة، وتاء مثناة من فوق، وآخره نون، وهو تعريب كوهستان، ومعناه: موضعُ الجبال؛ لأنَّ كوه هو الجبل بالفارسية، ورُبَّما خفف مع النسبة فقيل: القهستاني، وأكثرُ بلاد العَجم لا يخلو عن موضع يقال له: قوهستان لما ذكرنا.
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين ص 650.
(¬2) ينظر: كشف الظنون ج 2 ص 1297.
(¬3) ينظر: السعاية ج 1 ص 78، والأعلام ج 7 ص 11، وكشف الظنون ج 2 ص 1972، وإيضاح المكنون ج 4 ص 544، وهدية العارفين ج 2 ص 244.
(¬4) ينظر: هدية العارفين ج 2 ص 244.
(¬5) ينظر: شذرات الذهب ج 8 ص 297.
(¬6) ينظر: الأعلام ج 7 ص 11.
(¬7) ينظر: معجم المؤلفين ج 9 ص 179.
(¬8) ينظر: السعاية ج 1 ص 78، الأعلام ج 7 ص 11، معجم المؤلفين ج 9 ص 179، كشف الظنون ج 2 ص 1972، هدية العارفين ج 2 ص 244.
الجزء 1 · صفحة 20
وأمَّا موقع القهستان الحالي: فأطرافها متصل بنواحي هراه (¬1) ثم يمتدُّ في الجبال طولًا حتَّى يتَّصل بقرب نهاوند وهمذان وبروجرد.
ولكن انفرد البغدادي فذكر اسمه كاملا فقال: هو القهستاني محمد بن حسام الدين (¬2).
¬
(¬1) هراه: وهي في الوقت الحاضر من المدن الأفغانية المشهورة تقع على مجرى نهر هاري، ومن أئمتها عبد الله بن واقد، والفضل بن عبد الله الهروي. ينظر: معجم البلدان ج 5 ص 396.
(¬2) ينظر: هدية العارفين ج 2 ص 244.
الجزء 1 · صفحة 21
الثانية: الخراساني (¬1): وتلك النسبة الى بلاد خراسان (¬2)، وهي بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، وليس ذلك منها إنَّما هو أطراف حدودها، وتشتمل على أمّهات من البلاد منها نيسابور وهراة (¬3) ومرو (¬4).
الثالث: الحنفي:
وهي نسبة للمذهب الفقهي الذي اشتغل به المصنف، وهذه النسبة لمذهب فقهي معروف عند جميع علمائنا، وهذا واضح جليٌّ لكلِّ مَن ينظر إلى كتب التراجم انَّ العلماء يُنسَبُون إلى مذهب وطريق.
¬
(¬1) ينظر: معجم المؤلفين ج 9 ص 179، ينظر: كشف الظنون ج 2 ص 1972، ينظر: هدية العارفين ج 2 ص 244.
(¬2) تقع حاليًا مدينة خراسان التاريخيّة ضمن مساحة واسعة في شمال شرق دولة إيران وجنوب تركمانستان وشمال أفغانستان، على امتداد الشمال من نهر أمو داريا باتجاه بحر قزوين غرباً، وعلى امتداد الجنوب من أطراف صحاري إيران الوسطى شرقاً باتجاه جبال وسط أفغانستان، ويشير معنى كلمة خراسان إلى بلد شروق الشمس، وتقع جغرافياً ضمن خطوط طول وعرض 35° 18 شمالاً، 60° 24 شرقاً، ينظر: موسعة موضوع.
(¬3) هراه: بالفتح مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان، وهي في الوقت الحاضر من المدن الأفغانية المشهورة تقع على مجرى نهر هاري، ومن أئمتها عبد الله بن واقد، والفضل بن عبد الله الهروي. ينظر: معجم البلدان ج 5 ص 396.
(¬4) مرو: وتسمى مرو الشاهجان: وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً، وتقع مرو اليوم ضمن بلاد التركمان (تركمانستان). وقد خرَّجت من الأعيان، وعلماء الدين، والأركان ما لم تخرِّج مدينة مثلهم، وكان بها بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطائفة من الصحابة، ثم عبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر، وعدة من التابعين ثم ابن المبارك، وسفيان، و الأمام أحمد وغيرهم، ينظر: كتاب الضعفاءج 1 ص 21.
الجزء 1 · صفحة 22
وخلاصة ما سبق أنه: محمد حسام الدين القهستاني الخراساني الحنفي.
المطلب الثالث: ولادته وشيوخه ومنصبه وأقرانه:
الأول: ولادته:
لم أجد في كتب التراجم والسير شيئاً عن ولادته صريحاً، سوى ما ذكره نفسه رحمه الله في مقدمة كتابه - جامع الرموز - حيث أشار فيها إلى ان الدافع إلى تصنيف كتابه هو ابتلاء بلاده ولا سيما خراسان بفتنة الصفويين ما يطول عرضه من البليات الصورية والمعنوية الرافعة للأمان) (¬1)، ومن المعلوم أن الدولة الصفوية قد استولت على خراسان بحدود سنة (??? هـ) بعد أستشهاد السلطان محمد الشيباني الأوزبكي أمير بخارى، وسقوط الدولة الأوزبكية في خراسان (¬2)، ونستنتج مما سبق أنه موجود قبل هذا التاريخ، ولو أخذنا بنظر الاعتبار سن التأهيل للتصدر العلمي والتصنيف هو بحدود العشرين سنة.
شيوخه:
لم أجد فيما اطلعت عليه من المصادر شيئًا عن شيوخه سوى ما ذكره المؤلف عن نفسه أنه كان تلميذًا لشيخ الإسلام سيف الدين أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدين بن عمر التفتازاني سيف الدين الحنفي، رئيس العلماء بهراه، الذي توفي مقتولاً سنة: (916) هـ، من تصانيفه حاشية على الوقاية، وشرح فروض السراجية، وشرح تهذيب المنطق والكلام، وشرح مطالع الأنوار في المنطق والحكمة وغيرها.
ثانيا: منصبه:
ذكر ابن العماد (¬3)، والزركلي (¬4)، وكحالة (¬5) أنه كان مفتيًا ببخارى.
أقرانه:
ذكر بعض العلماء أن الذين عاصروا الشيخ شمس الدين القهستاني هم:
¬
(¬1) ينظر جامع الرموز ص: 3.
(¬2) ينظر: تاريخ بخارى ج 1 ص 299.
(¬3) ينظر: شذرات الذهب ج 8 ص 297.
(¬4) ينظر: الأعلام ج 7 ص 11.
(¬5) ينظر: معجم المؤلفين ج 9 ص 179.
الجزء 1 · صفحة 23
1.المولى عصام الدين بن عربشاه الإسفرائيني الخراساني (ت 957 هـ)، وكان شريكاً للإمام القهستاني في الدرس، فقد نشأ ببلاط حسين ميرزا في هراة، ثم رحل بعد ذلك إلى بخارى من مصنفاته: شرح آداب عضد الدين، وحاشية على تفسير البيضاوي، وشرح الشافية في النحو وغيرها (¬1).
2.ملا ضياء الدين، وهو أحد الشيوخ المشهورين كان فقيهاً، (ت (973) هـ) (¬2).
3.خواجة خلال جويبري (ت 954 هـ)، كان له مقام كبير إذ كان من أهل التصوف، ومن رجال الفقه والتفسير (¬3).
ثالثا: مؤلفاته:
المؤلفات هي التي تشهد للعالم ما عنده من علمٍ، وللمصنِّف مؤلفات تدل على غزارة علمه، وكتبه شملت عدّةَ أنواع من التَّصنيف، وهي:
1. جامع الرموز في شرح النقاية مختصر الوقاية (¬4): قال كبير الدين أحمد محقق جامع الرموز: وأما أعظم الشروح نفعًا وأرفعها إشارة ورمزًا فهو شرح القهستاني المسمى بجامع الرموز، ولقد أصاب في تسميته بجامع الرموز؛ لأنه جامع لرموز هذا المتن المتين كاشف عن غوامض علوم الدين، فركنوا العلماء إليه وهجموا عليه، واستحسنوه قرنًا بعد قرن، واستكتبوه في قراطيس القرن، وفرغ عن تأليفه سنة 941 هـ (¬5).
2. جامع المباني في شرح فقه الكيداني (¬6)، وهو محل بحثنا.
رابعا: ثناء العلماء عليه:
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب ج 8 ص 297.
(¬2) ينظر: شذرات الذهب ج 8 ص 297.
(¬3) ينظر: كشف الظنون ج 2 ص 1802، وشذرات الذهب ج 4 ص 73، وهدية العارفين ج 1 ص 26.
(¬4) نسبه له اللكنوي في السعاية ج 1 ص 78، وحاجي خليفة ج 1 ص 868، والزركلي ج 5 ص 285.
(¬5) جامع الرموز كتاب مخطوط، ولم اجد احد من العلماء خدم وحشى على جامع الرموز.
(¬6) نسبه إليه الزركلي ج 7 ص 11، وكحالة ج 9 ص 179، والبغدادي ج 2 ص 244.
الجزء 1 · صفحة 24
بلغ - رضي الله عنه - درجة علمية كبيرة، حتى كانت كتبه محطَّ أنظار لمَن جاء بعده، ومن عباراتهم في الثناء عليه: قال ابن العماد (¬1): وكان إماما عالما زاهدا فقيها متبحرا جامعا يقال أنه ما نسي قط ما طرق بسمعه.
وقال الزركلي: كان مفتيا ببخارى (¬2).
المطلب الرابع: درجته وانتقادات العلماء عليه ووفاته:
درجته في الاجتهاد
هو من طبقة المجتهدين المتأخرين في المذهب نظرا لأنه عاش بعد القرن التاسع أربع طبقات في المذهب الحنفي، وهي:
أولًا: مجتهد مطلق: هو مَن استقلَّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانيًا: مجتهد مطلق منتسب: هو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه ووافق بعض أصوله أصول مَن انتسب لمذهبه، مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن - رضي الله عنهم -.
ثالثًا: مجتهد منتسب: هو الذي مشى على أصول إمامه وفروعه إلا أنه قد يخالف في أصول وفروع عن اجتهاد منه فيستنبط بها من الكتاب والسنة، مثل أبي جعفر الطحاوي وأمثاله من علماء القرن الثالث والرابع.
رابعًا: المجتهدون في المذهب: وهم على درجات إجمالًا على حسب التسلسل الزمانيّ، وبدأت هذه الطبقة من القرن الخامس إلى يومنا هذا، وعملهم:
1.التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصة دون الكتاب والسنة، وبنوا على أصول المذهب كثيرًا من الفروع المستجدّة.
2.الترجيح والتصحيح بين أقوال أئمة المذهب على حسب قواعد رسم المفتي.
3.التقعيد والتأصيل لفروع المذهب بصورة أدقّ وأحكم ممَّن سبقهم بحيث أنهم اهتمّوا بربطِ الفروع بقضايا الأصول الكلية: كأصول البزدوي (¬3).
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب ج 8 ص 297.
(¬2) ينظر: الأعلام ج 7 ص 11.
(¬3) ينظر: ملخص من الوجيز في فقه الاختلاف ص 135.
الجزء 1 · صفحة 25
4.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه، فألفوا المتون في إظهار المعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونهم أدق كتب المذهب في نقله وبيان أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه (¬1).
فإمامنا من طبقة المجتهدين في المذهب، إلَّا أنَّه لم يبلغ إلى أعلى درجاتها كما هو الواقع في علماء القرن الخامس والسادس: كالسرخسي والكاساني والبزدوي والمرغيناني وقاضيخان.
فالمؤلف قام بالترجيح بين الأقوال:
1. كترجيح قول الإمام على الصاحبين في مسألة انتهاء وقت الظهر على المثلين (¬2).
2. وكذا مثال الترجيح: أنَّه لا يُفسِد صلاة الفاتِح والإمامِ، سواءٌ قرأ ما يجوز أو لم يقرأ، أو انتقل أو لم يَنْتقِل وأخذ منه أو لم يأخذ، وهو الصحيح، كما في «الكافي».
وكذا مثال التمييز بين الصحيح والضعيف:
1. صحح أنَّ الثَّناء في السِّرية لا في الجهريَّة، والصَّواب عندنا في المذهب، أنه يقرأ في السرية والجهرية، كما في تحفة الفقهاء (¬3)، والبدائع (¬4)، وإطلاق المتون يدل عليه.
2. رجح المؤلف - رضي الله عنه - بين أقوال العلماء في التكبيرة لسجود التلاوة، فقال: المختار أن يكبر تكبيرتين أحدهما عند الانحطاط والأخرى عند الارتفاع (¬5).
3. تصحيح عدم وجوب السجود عند السماع من النائم (¬6).
لم يقم المؤلف ? بالتمييز بين الأقوال والكتب المعتمدة، حيث يلاحظ أن نقله في «شرح مقدمة الصلاة» كان من الكتب الضعيفة وغير المعتمدة في المذهب، لكن لم يخالف في المسائل الفقهية عن أصل المذهب.
انتقادات العلماء عليه:
ذكر اللكنوي أنه كان بياع الكتب ولا يعرف في الفقه ولا غيره شيئًا فقال:
¬
(¬1) ينظر: ملخص من الوجيز في فقه الاختلاف ص 135 - 136.
(¬2) ينظر: عند ذكر أوقات الصلاة ص 83.
(¬3) ينظر: تحفة الفقهاء ص 127.
(¬4) ينظر: جامع الرموز ص 142.
(¬5) ينظر: جامع الرموز ص 142.
(¬6) ينظر: عند ذكر أوقات الصلاة ص 83.
الجزء 1 · صفحة 26
وإنَّما كان دلال الكُتب في زمانه ولا كان يعرف الفقه ولا غيره، ويُؤيِّده انَّه يجمع في شرحه هذا بين الغثِّ والسَّمين والصحيح والضعيف من غير تحقيقٍ ولا تصحيحٍ وتدقيقٍ، فهو كحاطب ليلٍ جامع بين الرطب واليابس في النيل، انتهى (¬1).
وفي كشف الظنون: «أنه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام: الهروي، لا من أعاليهم، ولا أدانيهم، وإنَّما كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يعرف بالفقه، ولا غيره بين أقرانه». (¬2)
ويؤيده أنه يجمع في شرحه هذا، بين الغث والسمين، والصحيح والضعيف، من غير تحقيق، ولا تصحيح وتدقيق، فهو: كحاطب الليل، جامع بين الرطب واليابس في النيل، في شم العوارض، وذم الروافض (¬3).
الرد على انتقادات العلماء لشرح مقدمة الصلاة:
1. نقل الإمام القهستاني فقط ست مسائل غير معتمدة في شرح مقدمة الصلاة من مئات المسائل، وهذا لا ينقص عن قدر الكتاب ومكانته؛ لأنه لا يخلو كتاب عن خطأ إلا كتاب الله عزوجل.
2. أما المسائل التي نقلها عن الكتب المردودة فهي قليلة جدًا، والمسائل المنقولة معتمدة في مذهبنا.
3. اعتماد وموافقة العلماء الذين جاءوا بعده على شرح مقدمة الصلاة، فنقل صاحب البحر عشرات المسائل عن شرح مقدمة الصلاة، ونقل ابن عابدين مئات المرات عن القهستاني، وهذا دلالة على قبول العلماء لشرح مقدمة الصلاة.
4. أنه تولي منصب الإفتاء في مدينة بخارى، ومرجع الفتوى في بلاد ما وراء النهر (¬4) ولا يتولى هذا المنصب إلا من كان له باع طويل في العلم.
5. أن كثيرًا من العلماء مثل بن عابدين في حاشيته، وشيخي زاده في مجمع الأنهر نقلو عنه في كثير من المسائل.
وفاته:
توفي المؤلف رحمه الله يوم التروية نحو (950) هـ، وقيل: نحو (953) هـ،
وقيل: نحو (962) هـ، وقيل: نحو (963).
¬
(¬1) كذا في السعاية ج 1 ص 78.
(¬2) كذا في كشف الظنون ج 2 ص 1972.
(¬3) كذا في السعاية ج 1 ص 79.
(¬4) ينظر: كشف الظنون: حاجي خليفة ج 2 ص 1971، معجم المؤلفين ج 9 ص 179.
الجزء 1 · صفحة 27
فالمؤرخون اختلفوا في ذكر وفاته بالتحديد (¬1).
فالبغدادي في هدية العارفين ذكر أنه توفي سنة ((962)) (¬2)، وفي إيضاح المكنون ذكر انه توفي في حدود سنة (950) هـ.
وفي معجم المطبوعات ذكر تاريخين معاً: ((963) هـ أو (950) هـ) (¬3).
أما حاجي خليفة فذكر في كشفه انه توفي في حدود سنة ((962) هـ).
وقال أيضًا بصيغة التمريض: أنه مات سنة ((950) هـ) (¬4).
المبحث الثاني: التعريف بالكتاب
المطلب الأول: صحة نسبة الكتاب واسمه:
أولًا: صحة نسبة الكتاب:
1. نسب كتاب شرح مقدمة الصلاة إلى القهستاني ما لا يحصى من علماء المذهب: كابن عابدين (¬5) واللكنوي (¬6).
2. وكذلك نسبه إليه المترجمون كالكحالة (¬7)، والبغدادي (¬8) وحاجي خليفة (¬9) غيرهم.
ثانيًا: اسم الكتاب:
ذهب أكثر من ترجم له (¬10) إلى أن اسمه هو: «جامع المباني في شرح فقه الكيداني» وما ذكر العلماء له من أسماء فيها نوع تغير، هو من باب المعنى لا تحقيق الاسم، كما قال ابن عابدين «شرح المقدمة الكيدانية للعلامة القهستاني» (¬11).
وشاع ذكره في كتب الفقه مختصرًا باسم: «القهستاني» (¬12).
المطلب الثاني: منهج المصنف في الكتاب:
أولًا: لم يستدل المصنف كثيرًا من الكتاب والسنة، بل يركز على تبيين العبارات وشرحها:
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون: حاجي خليفة ج 2 ص 1971.
(¬2) ينظر: هدية العارفين ج 2 ص 244.
(¬3) ينظر: معجم المطبوعات العربية ج 2 ص 1533.
(¬4) ينظر: كشف الظنون ج 2 ص 1972.
(¬5) في رد المحتار ج 1 ص 417.
(¬6) في إمام الكلام في القراءة خلف الإمام.
(¬7) في معجم المؤلفين ج 9 ص 179.
(¬8) في إيضاح المكنون ج 4 ص 544.
(¬9) في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ج 2 ص 1972.
(¬10) ككحالة في معجم المؤلفين ج 9 ص 179 والبغدادي في هدية العارفين ج 2 ص 244، وغيرهم.
(¬11) ينظر: رد المحتار ج 1 ص 417.
(¬12) ينظر: رد المحتار ج 1 ص 81.
الجزء 1 · صفحة 28
مثال ذلك عندما تكلم عن واجبات الصلاة فقال: (و) الخامس: (تقديم الفاتحة عليها): أي على السُّورة أو الآيات الثلاث أو الآية الطويلة.
ثانيًأ: لم يذكر اختلاف الشافعي - رضي الله عنه - إلا في تسع مواضع واختلاف مالك - رضي الله عنه - في خمس مواضع:
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الفرضُ والواجب مترادفان (¬1): ما يذم شرعًا تاركه سواء ثبت بقطعي أو ظني، إلَّا أنَّه يُشكل بفرض الكفاية وصلاة النائم.
ثالثًا: يذكر كثيرًا من الفروع الجديدة:
ومن ذلك لمَّا ذكر قراءة الفاتحة في الصلاة فقال: (واقتصارها على مرّة): أي الاكتفاء من الفاتِحة في كُلِّ ركعةٍ بِجزء من الزمان، فالواجِب مرَّة واحدةً.
وفيه إشعارٌ ما بأنّه لا بأس بتكرارها في التطوع، كما في «كنز العباد».
رابعًا: تصحيح المسائل وبيان ما هو المعتمد وما عليه الفتوى:
¬
(¬1) وفي التلويح ج 2 ص 248: والشافعي - رضي الله عنه - لم يفرق بين الفرض والواجب، لا نزاع للشافعي - رضي الله عنه - في تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة، ولا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي كمحكم الكتاب وما ثبت بدليل ظني كمحكم خبر الواحد في الشرع، فإن جاحد الأول كافر دون الثاني وتارك العمل بالأول مؤولا فاسق دون الثاني.
الجزء 1 · صفحة 29
(على الأولى في الفرائض) دون النَّوافل (¬1).
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - يُكرَهُ أن لا يَكونا سواء.
والكلام دالٌّ على أنَّه لا يُكرَه تَطويل الأُولى في جميع الصلاة.
والأولى أنْ يقرأ في الأُولى الثُّلثَين، وفي الأُخرى الثُّلثُ، أو الثُّلثَين عشر أو عشرين.
ولا بأس بأن يقرأ أربعين وثلث آيات؛ للأثر، كما في «النهاية».
ويستحب بقدر الثُّلثين والثُّلث.
وقيل: بِقدرِ النِّصف، كما في «التمرتاشي» وغيره، وهذا عند محمد - رضي الله عنه -.
وأما عند الشَّيخين فيَطول أولى الفجر لا غير، والفتوى على الأول كما في «الزاهدي».
¬
(¬1) فعن أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -: يطيل الأولى من الفجر فقط؛ ويكره إطالة الثانية على الأولى بما فوق آيتين، وقال محمد - رضي الله عنه -: أحبُّ إليَّ أن يُطِيل الرَّكعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان قال: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل) في سنن النسائي الكبرى ج 2 ص 167، لهما: إن الركعتين الأوليين استويا في وجوب القراءة ووصفها فيستويان في مقدارها بخلاف صلاة الفجر فإنه وقت نوم وغفلة فيطيل الأولى إعانة لهم على إدراك فضيلة الجماعة والظهر والعصر وإن كانتا في وقت الاشتغال لكن بعد سماع النداء يتعين الإجابة فالتقصير من جهته فلا يعتبر. وما روي من إطالة الأولى على الثانية محمول على إطالتها بالثناء والاستعاذة، قال المرغيناني: التطويل يعتبر بالآي، إن كانت متقاربة وإن كانت الآيات متفاوتة من حيث الطول والقصر يعتبر الكلمات والحروف ولا يعتبر بالزيادة والنقصان فيما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه. ينظر: التبيين ج 1 ص 130 - 131.
الجزء 1 · صفحة 30
خامسًا: يكثر من بيان المعنى اللغوى والاصطلاحي:
(وضَمُّ سورةٍ) ولو قصيرةٍ معها في الأوليين أو الكُلِّ، فلو لم يَضُم جَهر بها في الأخريين على الأصح، كما في «الكافي».
والسورة بلا همزٍ، وهمزٌ لغةُ الرَّبض.
وشرعاً: طائفةٌ من كلامِه تعالى يُسمَّى باسمِ الشّارع.
سادسًا: ضبط الكلمات المشكلة بالحروف:
(وكذلك بسطُهم) أي المكروه افتراشُ الرِّجال لِلجَنْب، (العَضْدَين) بفتح العين وضَمِّ الضَّاد وكسْرِها، وبضمتين: ما بين المرفِقِ إلى المَنكب؛ لأنَّ كليهما خلافُ السُّنة في حقِّهم.
سابعًا: يذكر أحيانًا إعرابًا لبعض الجمل:
(والانحصار): أي استيعابُ جزئيَّات كُلِّ نوعٍ حالَ كونِ تلك الأنْواعِ (مرتبًّا): أيْ مقدَّمًا ومؤخَّرًا ... ، إنَّما لم يقل مرتبةً والضمير للأنواع التي هي صفةُ لِكلِّ نوعٍ، كما بيَّنَّا؛ لأنَّه أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، ولو جعل المرَتَّب اسمَ فاعل فلا حاجة إلى ذلك، ولا يجوز أن يجعل حالًا من التفصيل كما لا يخفى.
ثامنًا: ينقل كثيرًا من كتب المذهب:
وهذا ظاهر في كتابه أنه ينقل كثيراً من كتب المذهب.
المطلب الثالث: المسامحات
على الرغم من المسائل الكثيرة المعتمدة إلا أنه وكأي مؤلَّف بشري فإنه يعتريه النقص والسهو والخطأ؛ ليذكرنا بأن الكمال لله وحد تعالى، ومع ما يمكن أن يذكر من قبيل المآخذ إلا أننا لابد أن نعترف له بالفضل، في المؤَلَّف النافع ومن هذه المسامحات:
1. مسامحته في نقل المسألة من كتاب
- نقل عن فتح القدير مسألة الاعتكاف بأنه مستحب والمنقول فيه بأنه سنة:
قال: ومواظبته - صلى الله عليه وسلم - أعمُّ من الحقيقة، فيَشمل ترك سنَّةٍ صارتْ شِعارًا لِأهْل البِدعة، فإنَّه سُنَّة على ما قالوا: كالتَّخَتُّم باليمين مع تركه مَرَّة أو مرتين تركًا حقيقيًّا أو حكميًّا، كما واظب عليه - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء 1 · صفحة 31
ولم ينكرْ على تاركه كالاعتكاف وكالتيامن، فإنَّه لم يُروَ أحدٌ أنَّه بدأ بالشمال، كما في «شرح الوقاية» إلا أنَّه سهو قائم، لم يروَ أنَّه واظب عليه، فيكون مُستحبًّا لا سنَّة، كما في «فتح القدير» وغيره من المتداولات.
والصواب: أنَّ الحكم في فتح القدير (¬1) مخالفٌ لما ذكره، وهو أن الاعتكاف سنة لا مستحب (¬2).
- نقل عن صاحب التحفة أن الخروج من الصلاة يكون بتسليمتين:
قال: (والخروج) من الصلاة المطلقة فلا يُشكل بسلامٍ هو سنة في صلاة الجنازة (بلفظ السلام): أي بلفظٍ هو السّلام الأوّل فإنَّه يخرج به عند عامة العلماء.
وقيل: بتسليمتين، كما في «التحفة».
والصواب: أن هذا ليس قول صاحب تحفة الفقهاء، وإنما ذكر الخروج بتسليمتين بـ (قيل)، وعبارته: إذا سلم إحداهما يخرج عن صلاته عند عامة العلماء، وقال بعضهم لا يخرج ما لم يوجد التسليمتان، كذا في التحفة (¬3).
2. مسامحته في أركان الصلاة
- جعل تكبيرة الإحرام أنه من السنة وجعله من المشهور:
حيث قال: (فلفظُ التكبير): أي الله أكبر أو الأكبر، إلّا أنّ المشهور أنّه سنة.
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير ج 2 ص 389.
(¬2) الفرق بين السنة والمستحب: أن السنة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع تركه مرَّة أو مرتين والفاعل بها يستحق الثواب، والتارك بسنة الهدى يستحق العتاب، وهو حرمان الشفاعة، أما المستحب: فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرَّةً وتركه مرَّةً أخرى، والفاعل به يستحق الثواب، والتارك لا يستحق العتاب، كما في جوهر الكلي ص 3.
(¬3) ينظر: تحفة الفقهاء ص 138.
الجزء 1 · صفحة 32
والصواب: أن هذا غير مشهور، المشهور والصحيح أن لفظ التكبير واجب وليس سنة، صححه صاحب المجمع الأنهر (¬1)، والمراقي (¬2)، ودر المختار ورد المحتار (¬3)، وحاشية الطحطاوي (¬4)، والدرر (¬5)، وذكر في التحفة والذخيرة والنهاية: الأصح أنه يكره الافتتاح بغير الله أكبر عند أبي حنيفة رحمه الله، فالمراد كراهة التحريم؛ لأنها في رتبة الواجب من جهة الترك، فعلى هذا يضعف ما صحّحه السَّرَخْسيّ من أن الأصح أنه لا يكره مستدلاً بما روي عن مجاهد رضي الله عنه قال: (كان الأنبياء يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله، ونبيّنا من جملتهم)، وهذا على تقدير صحته فالمراد غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - بدليل نقل المواظبة عنه على لفظ التكبير، ويضعف أيضاً ما ذكره النسفيّ في المستصفى من أنّ مراعاة لفظ التكبير في الافتتاح واجبة في صلاة العيد بخلاف سائر الصلوات لما علمت أنها واجبة في الكل، والظاهر أنه مبنيٌّ على تصحيحِ السَّرَخْسيّ رحمه الله بدليلِ ما ذكره في الكافي، كما في البحر الرائق (¬6).
3. نقله من الكتب المردودة
- نقل عن كنز العباد بالرغم أنه من الكتب الواهية:
حيث قال: (واقتصارها على مرّة): أي الاكتفاء من الفاتِحة في كُلِّ ركعةٍ بِجزء من الزمان، فالواجِب مرَّة واحدةً.
وفيه إشعارٌ ما بأنّه لا بأس بتكرارها في التطوع، كما في «كنز العباد» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر ج 1 ص 89.
(¬2) ينظر: المراقي ص 95.
(¬3) ينظر: در المختار ورد المحتار ج 1 ص 469.
(¬4) ينظر: حاشية الطحطاوي ص 252.
(¬5) ينظر: درر الحكام ج 1 ص 66.
(¬6) ينظر: البحر الرائق ج 1 ص 323.
(¬7) قال صاحب كشف الظنون: كنز العباد فإنه مملوء من المسائل الواهية والأحاديث الموضوعة لا عبرة له لا عند الفقهاء ولا عند المحدثين ج 2 ص 1517.
الجزء 1 · صفحة 33
قلتُ: قال الإمام اللكنوي: «كنز العباد» مملوء من المسائل الواهية، والأحاديث الموضوعة، لا عبرة له، لا عند الفقهاء ولا عند المحدثين، قال علي القاري في طبقات الحنفية: علي بن أحمد الغوري له كتاب جمع فيه مكروهات المذهب، سماه «مفيد المستفيد»، و «كنز العباد في شرح الأوراد»، قال العلامة جمال الدين المرشدي: فيه أحاديث سمجة موضوعة، لا يحل سماعها (¬1).
- نقل عن المسعودية:
حيث قال: وذكر في «المسعودية»: أنَّه يَضَع الوَرِكَين على كَفِّ الرِّجلين.
قلتُ: لعله لمحمد بن أحمد البيكندي، حدَّث عن الهروي، وادعى السماع من إسماعيل الكشاني، فكذب (¬2).
4. مسامحته في التصحيح
- صحح أن الثناء في السرية لا في الجهرية:
(والثناء) اسم من الأثناء: ذكر الخير.
وعرفاً: أنْ يقول سُبحانكَ اللَّهم إلى آخره.
وفيه إشعار بأنّه يُثْنِي المقتدي كغيره في السِّريَّة والجهرِيَّة بلا تفصيلٍ عِند بعضهم، كما في «التتمة «.
وذكر في «الروضة»: أنّه يُثْني في الجَهْريَّة عند الفاتحة بالاتفاق، وعند السورة على قول أبي يوسف رضي الله عنه
والأصح أنَّه يُثْنِي في السِّرِّيَّة لا في الجهرية (¬3)، كما في «المضمرات» (¬4).
والصواب: أنه يقرأ في السرية والجهرية، كما في تحفة الفقهاء (¬5)، والبدائع (¬6)، وإطلاق المتون يدل عليه.
5 - مسامحته في مسألة رفع اليدين
- ذهب إلى أن رفع اليدين إلى المنكبين:
¬
(¬1) ينظر: النافع الكبير ص 29.
(¬2) كذا في الجواهر ج 2 ص 9.
(¬3) ينظر جامع المضمرات ج 1 ص 327 بتصرف فاحش.
(¬4) جامع المضمرات والمشكلات في شرح مختصر الإمام القدوري، المؤلف: يوسف بن عمر بن يوسف الكادوري (ت 832)، المحقق: سمير صبحي خدا بخش حجازي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، عدد الأجزاء: 5.
(¬5) ينظر: تحفة الفقهاء ص 127.
(¬6) ينظر: بدائع الصنائع ج 1 ص 202.
الجزء 1 · صفحة 34
حيث قال: (رفع اليدين) بأنْ يكون أصلُ الكَفِّ إلى المَنْكَبَين وأصولُ الأصابع إلى الأُذنين ورؤوسُها إلى الرَّأْسِ.
والصواب: أنه يرفع حتى يحاذي بابهاميه شحمة أذنيه، كما في عامة المتون والبدائع (¬1)، وتحفة الملوك (¬2)، والهداية (¬3)، وغيرها؛ فعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبَّرَ رَفَعَ يديه حتى يحاذي بهما أُذنيه) في صحيح مسلم (¬4)، وعن أنس رضي الله عنه قال: (رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر فحاذى بإبهاميه اليسرى، ثم ركع حتى استقرّ كلّ مفصل منه وانحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه) في المستدرك (¬5)، وصححه.
- ذكر أن رفع اليدين في الركوع والقومة مكروه أو مفسد:
حيث قال: (ورفعُ اليدين في غير ما شُرِع) فلا يَرفعان عند الانتقال إلى الرُّكوع والقَومة فإنَّه مكروهٌ أو مفسدٌ.
والصواب ما قاله النابلسي في الجوهر (¬6): لا تفسد به الصلاة في الصحيح؛ لأنه من جنسها خلافاً لما روى مكحول عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
6 - مسامحته في نسبة الكتاب
- نسب المحيط إلى محمود بن أحمد بن صدر الشهيد:
والصواب: أن أن المحيط لبرهان الدين ابن مازة، وصدر الشهيد عمه.
قال القرشي في الجواهر المضية (¬7): اعلم أن صدر الشهيد حسام الدين عم صاحب المحيط البرهاني أخو الصدر السعيد تاج الدين هو والد صاحب المحيط البرهاني.
7 - المسائل اللغوية التي فيها تسامح:
- وقد نبهت أثناء التحشية على التسامحات، وسأذكر مثالاً واحداً:
قال المصنف - رضي الله عنه -: إنَّ المكروهات أكثر من أن يحصى.
والصواب: أن يقول من أن تحصى، راجع إلى المكروهات، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع ج 1 ص 199.
(¬2) ينظر: تحفة الملوك ص 68.
(¬3) ينظر: الهداية ج 1 ص 48.
(¬4) ينظر: صحيح مسلم ج 1 ص 293.
(¬5) ينظر: المستدرك ج 1 ص 349.
(¬6) كذا في الجوهر ص 36.
(¬7) كذا في الجواهر ج 1 ص 560.
الجزء 1 · صفحة 35
المطلب الرابع: مصادر المصنف - رضي الله عنه -:
المطلب الخامس: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق
النسخة الأولى:
النسخة التي رمزت لها بـ (أ)؛ واضحة الخط وقليلة الطمس، وهي نسخة كاملة غير ناقصة.
من مكتبة السليمانية التركية تحت رقم (745).
اسم الناسخ: محمد بن مصطفى.
مكان النسخ: القسطنطينية.
تاريخ النسخ: 1080 هـ.
تتصف هذه النسخة بما يلي:
عدد لوحاتها: 55 ومقاس الصفحة الواحدة: 21.00*29.70 سم.
النسخة الثانية:
النسخة التي رمزت لها بـ (ب)، وهي نسخة جيدة الخط، وهي نسخة كاملة.
تاريخ النسخ: 1088 هـ.
وهي نسخة موجودة في مكتبة كوبريللي بالتركية برقم (101).
تتصف هذه النسخة بما يلي:
عدد لوحاتها: 33 ومقاس الصفحة الواحدة: 21.00*29.70 سم.
النسخة الثالثة:
وهذه النسخة رمزتها بـ (ج) وخطها واضح لكن داخلة فيما بعض، وهي نسخة كاملة.
وهي نسخة ضمن مخطوطات دار الكتب القطرية، برقم (1159).
تتصف هذه النسخة بما يلي:
عدد لوحاتها: 44 ومقاس الصفحة الواحدة: 21.00*29.70 سم.
النسخة الرابعة:
هذه النسخة رمزتها بـ (د)، وخطها مقبول وليس جيد، وفيها سبق قلم من الناسخ كثير.
وهي نسخة ضمن مخطوطات كتبة الأزهرية، سوريا برقم (8687).
تتصف هذه النسخة بما يلي:
عدد لوحاتها: 44 ومقاس الصفحة الواحدة: 21.00*29.70 سم.
الصفحة الأولى من الجزء المحقق
نسخة (أ)
الصفحة الأولى من الجزء المحقق
نسخة (ب)
الصفحة الأخيرة من الجزء المحقق
نسخة (ج)
الصفحة الأخيرة من الجزء المحقق
نسخة (د)
الجزء 1 · صفحة 36
القسم الثاني:
النص المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رَفَعَ قاعدةَ الفقه حتى وفَّقنا على مُراد خير التَّابعين، أبي حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وعن سائر أسلافنا أجمعين، والصَّلاة والسَّلام على أفضل الأفضلين من الرُّسل والملائكة المقرَّبين، وعلى آله وأصحابه خير آلٍ وأصحاب الدَّاعين إلى طريق مستقيم، ما قال أحدٌ أشهد أن لا إله إلا الله من قلبٍ سليم، أما بعد:
فلمَّا ارْتَحَل من هذه الدِّيار خيارُ هذه الأُمَّة الأبرار من الصَّحابة سيّدِ الأخْيار المهْتَمِّين في كشف غوامض الفُروع، وقد قَصُر عن النَّوائب المُتلاطمة يدُ الموضوع، ومهّد أصحابنا أصولًا كافيةً؛ لِبيان الأحكام، واستخرجوا فروعًا شافيةً لِمُبتلى الأسقام، فمَضَوا إلى رحمة الله تعالى الملك العلَّام، وموائدِ فوائِدهم موضوعة للأنام، وساروا إلى المنازِل المَوعودةِ وآثارُهم باقية إلى يوم القيام.
فقام المتأخرون منَّا في مقام التَّفريع والتَّصنيف لِيزيد التَّكميلَ، وانْتَصب المشايخ بالاعتناء التام في «التجنيس» (¬1) «والتحقيق» (¬2) والتأليف لكمال «التسهيل»، ثُمَّ جَمع منهم ومن كُتُبِهم تلامذتُهم في كُلِّ زمانٍ للقاصرين في المذهب الحنفي.
¬
(¬1) أشار إلى التجنيس لبرهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني المعروف بصاحب الهداية، (المتوفى: 593 هـ)، من مؤلفاته كفاية المنتهي، ومختارات النوازل، كما في الجواهر المضية ج 2 ص 627، والفوائد البهية ص 141 - 144.
(¬2) أشار إلى التحقيق لِمحمد بن محمد بن عمر الأَخْسِيكَثيّ الحنفيّ، نسبة إلى أَخْسِيكَث بفتح الألف، وسكون الخاء المعجمة، وكسر السين المهملة، ثم الياء، ثم الكاف المفتوحة، ثم ثاء مثلثة، بلدة من بلاد فرغانة، حسام الدين، (ت 644 هـ)، ينظر: الفوائد ص 310، الكشف ج 2 ص 1848.
الجزء 1 · صفحة 37
حتَّى وصل النَّوبة إلى البارع في هذين العِلمَين (¬1): المولى لُطْفِ الله النّسفي (¬2)، المشهور بين المُتَبَحِّرين بالفاضل الكَيداني، فإنَّه من مَهَرة المُناظرين عندهم فهو كالرَّبَّاني، - شكر الله تعالى مساعيهِ بالرِّضوان، وأسْكنَه في أعلى فَراديسِ (¬3) الجِنان-؛ لأنَّه قد جمع كتابين في هذين الفنَّين ... أُنْمُوذجًا مضبوطًا نافعًا في الدَّارين ترغيبًا فيهما فيما فيه للمُحَصِّلين العزيزة الفوائد، وتَحْريضاً للمخاطبين الرَّغبة في الخَرائد (¬4) الفوائد، إلّا أنَّه لا يَخلو عن غوامضٍ وتسامحٍ وإشارات.
¬
(¬1) لعله أراد الأصول والفروع: أي التفريع والتصنيف.
(¬2) لطف الله النسفي أو لطف الله الكيداني، فقيه حنفي، (ت: حوالي: 900 هـ)، من مؤلفاته: رسالة في عنوان المشروعات وغير المشروعات وأحكامها، ونسبه المؤلف، وشارحها إبراهيم بن ميردرويش البخاري، وإسماعيل باشا، وعبد الغني النابلسي، ينظر: الى معجم المؤلفين ج 8 ص 156، وخزنة التراث ج 1 ص 408.
معجم المؤلفين، المؤلف: عمر رضا كحالة، الناشر: مكتبة المثنى - بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت، عدد الأجزاء: 15.
(¬3) الفراديس: جمع فردوس، والفردوس: حديقة في الجنة، كما في «مختار الصحاح» ص 236.
مختار الصحاح لزين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: 666 هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا، الطبعة: الخامسة، 1420 هـ / 1999 م، عدد الأجزاء: 1.
(¬4) مفردها الخَرِيدَةُ: اللؤْلُوَّة لم تُثْقَب، ينظر: المعجم الوسيط ص 225.
المعجم الوسيط، المؤلف: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار)، الناشر: دار الدعوة.
الجزء 1 · صفحة 38
وقد اشتهرَ فيما وراء النَّهرِ (¬1) اشتهار الشَّمسِ في المهاجرات (¬2)، ولم يُلتفت مَن تصدَّى بشرحه إلَّا إلى توضيح الواضحات، وتطويلِ الكتاب بالزِّيادات [من الرِّوايات] (¬3)، فسرقنا (¬4) من أيدي الزمان نبذاً من الأوقات.
فصَرَفْنا إلى شرحٍ له كافٍ للمُهِمَّات، مُغنٍ في بابه عن كثيرٍ من المُطوَّلات، مُوجَزٍ بلا إخلال في العبارات، رجاءً منه تعالى أن يجعلَه وسِيلة السَّعادات، ومن النَّاظرين فيه أفضل الدَّعوات المفيدة لنا، والذَّخيرة لهم عند قاضي (¬5) الحاجات.
فنقول بتوفيقه تعالى كما قال: (بِسْمِ الله) جُملةٌ فعليةٌ عند الكوفيين (¬6) وهو أشهر، واسميةٌ عند البصريين، وأصلُ الجَلالة الإِله، وكلاهما عَلَمٌ مخصوصٌ به تعالى، إلَّا أنَّ الأوَّل آكد اختصاصًا بحذفِ الهمزة، كما في «الكشف والبيان» (¬7)،
¬
(¬1) بلاد ما وراء النهر، هي منطقة تاريخية وجزء من آسيا الوسطى، تشمل أراضيها أوزبكستان والجزء الجنوب الغربي من كازاخستان والجزء الجنوبي من قيرغيزستان، ينظر: موسوعة ويكيبيديا.
(¬2) في أ: المهاجرات: الوقت من بعد زوال الشمس عن منتصف السماء إلى انظر: المعجم الوسيط ص 973.
(¬3) ساقطة من: ج
(¬4) في أ: فرقنا له
(¬5) ساقطة من: د
(¬6) الكوفيون والبصريون: هم أهل النحو في الكوفة والبصرة، ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ج 1 ص 3.
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، كمال الدين الأنباري (ت (577) هـ)، الناشر: المكتبة العصرية، الطبعة: الأولى (1424) هـ- (2003) م، عدد الأجزاء: (2).
(¬7) ينظر: الكشف والبيان ج 1 ص 95.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن، المؤلف: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: 427 هـ)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى 1422، هـ - 2002 م، عدد الأجزاء: 10.
الجزء 1 · صفحة 39
وغيرِه.
«أعرف المعارف» (¬1) عند سيبويه (¬2)، وقال في المنام: أنِّي قد غُفِرت بذلك.
السِّين ساكنة في المشهور، فإنَّه في الأصل اسمٌ بكسرِ الهمزةِ وضمِّها، أو اسمٌ بالحركتين لغةٌ فيه، وإنَّما أتى به ليعُمَّ التبرُّك بأسمائه تعالى، لا لتَمْييزه عن اليمين، فإنَّه يمينٌ معه كما قالوا.
والباء (¬3) للاستعانة: أي بدأتُ أو ابتدأت باسم ه تعالى على المقصود مُستعينًا باسمٍ مختصٍ بذاتٍ موصوفةٍ بما يليق بالإلهيَّة من صفاتِ الكمال.
واختلفوا أنَّ الدَّلالة عليها (¬4) تَضَمُّنِيَّة (¬5) أو التزاميَّة (¬6) وهي أشهر، أو بِدائيٌّ أو ابتدائيٌّ حاصلٌ بالاستعانة به، ولو جعل الباء للتَّعدية كان أقلَّ تكلُّفًا، فإنَّ المعنى قَدَّمْتُ اسمه تعالى على ما هو المقصود، أو تقديمي [أو مُقدَّمي] (¬7) اسمه تعالى.
¬
(¬1) اختلف النحويون في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنَّ الاسم المضمر أعرف المعارف، ثُمَّ الاسم العلم، ثم الاسم المبهم، ثُم ما فيه الألف واللام، وسئل سيبويه عن لفظ (الله) فقال: (أعرف المعارف، غني عن التعريف)، ينظر: معجم المناهي اللفظية ويليه فوائد في الألفاظ ص 669، وأسرار العربية ج 1 ص 243.
(¬2) عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بشر، الملقب سِيبَويه، كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه، (ت 180 هـ). ينظر: وفيات ج 3 ص 463.
(¬3) ساقطة من: د.
(¬4) ساقطة من: د
(¬5) وهي: تفسير اللفظ ببعض مدلوله أو بجزء معناه، ينظر: إلى مصطلحات في كتب العقائد ص 158.
(¬6) وهي: الاستدلال باللفظ على غيره، المرجع السابق.
(¬7) ساقطة من: ج، و، د.
الجزء 1 · صفحة 40
يقال بدأتُ بالشيء وبدأته وابتدأتُ به أو ابتدأتُه (¬1): «إذا قدّمتُه على غيره» (¬2)، كما قال «الراغب» (¬3) وغيره من المحققين.
وقد حَسُنَ تقديم الجار على العامل للتَّخصيص، كما قال المتأخرون من «الزَّمخشري» (¬4) وتابعيه، وأحسن معنىً وأشدُّ اختصاصاً أن يتعلق الجار بالحمد، والمعنى لم يكن الحمد إلَّا بالاستعانة باسمه تعالى، واللَّام لم يمنع عن عمل المصدر، ولا التَّقديم، كما بُيِّن في محله.
¬
(¬1) في د: ابتدائية
(¬2) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ج 1 ص 27.
(¬3) الحسين بن محمد بن الفضل الأَصْفَهاني، أبو القاسم، المعروف بالراغب، من مؤلفاته: «مقدمة لتفسير القرآن»، و «تحقيق البيان»، و «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و «أفانين البلاغة»، و «الأخلاق»، و «تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين»، و «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم»، (ت 502 هـ). ينظر: الكشف ج 1 ص 36، الأعلام ج 2 ص 279.
(¬4) في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ج 1 ص 3 والزمخشري هو محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخورازمي الزَّمَخْشَرِيّ الحنفي، أبي القاسم، جار الله، قال اللكنوي: كان إمام عصره بلا مدافع نحويًا زكيًا فقيهًا مناظرًا بيانيًا متكلمًا مناظرًا أديبًا شاعرًا مفسرًا من أكابر الحنفية، من مؤلفاته: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، والفائق في تفسير الحديث، والمفصل، (467 - 538 هـ). ينظر: الفوائد ص 209، والجواهر ج 2 ص 161.
الجزء 1 · صفحة 41
(الرَّحْمَنِ الرَّحيم) بالحركات الثلاث، وقد جوَّزها أبو البقاء (¬1)، وهما: مبالغةٌ راحمٌ، فالمعنى كثيرُ الرَّحمة والإنعام مطلقاً، فهما متحدان معنًى للتأكيد وإن لم يستعمل الأول إلَّا في الباري تعالى.
قيل: الأول يدل على عظائِم النِّعم، والثاني على حقائرها؛ ولذا أخر.
وعن ابن المبارك (¬2): «الرحمن إذا سُئِل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب» (¬3).
(الحمدُ لله) جملةٌ مفيدةٌ لاستمرار الحَمْد لا لِدوامه (¬4)؛ لأنَّ خبره فعليٌّ.
¬
(¬1) عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العُكْبَرِيّ البَغْدَادِيّ الضَّرير الحَنْبَليّ النَّحْوِيّ، أبو البقاء، محبُّ الدين، قال اليافعي: لم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه على ما قيل، وكان الغالب عليه علم النحو، وتصانيفه مفيدة، من مؤلفاته: «إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن»، و «التخليص في الفرائض»، و «الاستيعاب في الحساب»، و «اللباب في علل البناء والإعراب»، و «شرح مقامات الحريري»، و «شرح ديوان المتنبي»، (538 - 616 هـ)، ينظر: مرآة الجنان ج 4 ص 32 - 33، الكشف ج 1 ص 811، معجم المؤلفين ج 2 ص 237.
(¬2) عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المروزي، أبو عبد الرحمن، قال شعبة: ما قدم علينا مثله، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، وقال الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، من مصنَّفاته: الجهاد، والرَّقائق، (118 - 181 هـ). ينظر: وفيات ج 3 ص 3234، العبر ج 1 ص 280 - 281، طبقات الشيرازي ص 107 - 108.
(¬3) ينظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن ج 1 ص 100.
(¬4) الاستمرار من فعل استمر: هي عدم الانقطاع، ويمكن أن تكون لفترة محددة معلوم أولها وآخرها، أما الديمومة من فعل دام: فهي الاستمرارية إلى ما لا نهاية، ينظر: شمس العلوم ج 9 ص 6205.
الجزء 1 · صفحة 42
والحمدُ: هو الثَّناء على الجميل الاختياري الواصِل إلى الحامد أو غيرِه غالبًا.
وقيل: لم يكن الحمدُ إلّا بعد سابقةِ التَّوفيق، فلم يكن إلَّا بعدَ الإحسان، بخلاف الشكر فإنَّه فعلٌ صادرٌ عن أحدٍ لتعظيم المُنْعِم.
والفرق بينهما: أنَّه مختصٌّ بالواصلِ إلى الشاكر.
وفي «القاموس» (¬1) الحمد: الشكر: «وهو عرفان الإحسان ونشره» (¬2)، واللَّام يُفيد اختصاصَ جميع المحامِد حقيقةً عند أهل الحقِّ لا ادعاء، كما زعم (¬3) المعتزلة (¬4).
فإنَّ الاسْتغراق مقدَّمٌ على غير العَهد ولا عهد، واللام للاستحقاق؛ لأنَّه بَيْنَ المَعنى والذَّات، ولا نُسلِّم أنَّه للاختصاص الحصريِّ كما ظنَّ.
وإنَّما جَمع بينه وبين البسملة في الكتابة موافقةً للتَّنزِيل.
¬
(¬1) القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب بنِ محمد بن إبراهيم بن عمر بن أبي بكر بن أحمد بن محمود بن إدريس بن فضل الله الفيروز آبادي الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِيّ، أبو طاهر، مجد الدين، من مؤلفاته: «القاموس المحيط»، و «سفر السعادة»، و «شرح صَحِيح البُخَارِيّ»، و «المرقاة الوفية في طبقات الحنفية»، (729 - 817 هـ)، ينظر: الكشف ج 2 ص 991، الأعلام ج 8 ص 19، معجم المؤلفين ج 3 ص 776 - 777.
(¬2) انتهى من القاموس المحيط ص 879.
(¬3) في ج: زعمت
(¬4) المعتزلة فرقة ظهرت في نهاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا، بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد وتبعهما أنصارهما قيل لهم: المعتزلة أو معتزلون، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء، ينظر: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص 193.
الجزء 1 · صفحة 43
وإنَّما قدم البسملة عملاً بالكتاب (¬1) والسنة (¬2) والإجماع (¬3).
قال «القرطبي» (¬4)
¬
(¬1) لأنه افتتح سبحانه وتعالى كتابه بالبسملة.
(¬2) السنة لغةً: الطريقة. اصطلاحا: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أو فعل أو تقرير كما في التلويح شرح التوضيح ج2 ص3.
وعند الأصوليين قول النبي ? وفعله وتقريره وقول الصحابي وفعله، ينظر:
(¬3) لغةً: العزم، اصطلاحا: هو اتفاق المجتهدين من أمة سيدنا محمد ? في عصر من العصور على أمر شرعي، والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل، المرجع السابق ص246.
(¬4) هو لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الاندلسي ابو عبد الله القرطبي
(ت:671 هـ)، من كبار المفسرين صالح متعبد من أهل قرطبة، رحل الى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب (في شمال اسيوط، بمصر) وتوفي فيها، من كتبه الجامع لأحكام القرآن، ينظر الأعلام ج5 ص322، نفح الطيب ج1 ص428.
الجزء 1 · صفحة 44
في «جامعه» (¬1): «أنَّ الأُمَّة أجمعوا على كتابة البسملة في [ابتداء الكتب] (¬2) والرسَّائل (¬3)»، ولعلَّ سندَه ما في «الجعبري» (¬4) أنَّه قال - صلى الله عليه وسلم -: عن جبريل عليه الصلاة والسلام: إذا كتبتم كتابًا فاكتبوا البَسملة في أوَّله (¬5).
¬
(¬1) الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م، عدد الأجزاء: 20 جزءا (في 10 مجلدات).
(¬2) في ج: ساقطة وأضافها الناسخ على هامش الصفحة
(¬3) ينظر: القرطبي، الجامع لأحكام القران ج13 ص193
(¬4) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبريّ، أبو اسحق، عالم بالقراءات من فقهاء الشافعية، له نظم ونثر، ولد بقلعة جعبر (على الفرات) وتعلم ببغداد ودمشق واستقر ببلد الخليل في فلسطين الى ان مات، يقال له شيخ الخليل، وقد يعرف بابن السراج، وكنيته في بغداد تقي الدين (ت: 732 هـ)، ينظر الاعلام ج1 ص55، الدرر الكامنة ج1 ص50.
(¬5) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعًا قال: (إذا كتبتم كتابًا فجدوا السين في بسم الله الرحمن الرحيم تقضى لكم الحوائج وفي رضا الله عز وجل) في الفردوس بمأثور الخطاب ج1 ص270، قال السيوطي في اللآلئ المصنوعة ج1 ص185: وفي سنده عبيد متروك، وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة ج1 ص277: هو موضوع.
الجزء 1 · صفحة 45
وما وَرَد في حديث الابتداء (¬1) ففي صحته مقالٌ؛ ولِذا لم يَكتب البُخاري إلَّا البَسملة، ولو سُلِّم فالمراد منهما ذكره تعالى سواءٌ وجد في ضمن البسملة أو الحمدلة (¬2)، كما ذكره الشيخ ابن حجر (¬3) وغيره من الحفاظ.
¬
(¬1) وحديث الابتداء عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (كل كلام ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) في مصنف بن أبي شيبة ج5 ص339، وابن ماجه ج1 ص610، مسند البزار ج14 ص291، وسنن الكبرى للنسائي ج9 ص184، وصحيح بن حبان ج1 ص173، وفي مصنف عبد الرزاق ج6 ص189: (لا يبدأ فيه بذكر الله)، قال الكشميري ج1 ص30: وأما حديث (كل أمر ذي بال لم يبدأ .. الخ) فمضطرب فإن في بعض ألفاظ (بحمد الله) وفي بعضها (بذكر الله)، وفي بعضها (ببسم الله).
(¬2) ينظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص109.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379 عدد الأجزاء: 13
(¬3) أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي الكِنَاني العَسْقَلانِيّ المِصْريّ القَاهِريّ الشّافِعِي، أبو الفضل، شهاب الدين، المعروف بابن حَجَر، وهو لقب لأحد آبائه، من مؤلفاته: «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و «هدي الساري مقدمة فتح الباري»، و «إنباء الغمر بأبناء العمر»، و «الإصابة في تمييز الصحابة»، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه تَشهد بأنَّهُ إمام الحفاظ محقِّق المحدِّثين، زُبدةُ النّاقدين، لم يُخلف بعد مثله، (773 - 852هـ)، ينظر: الضوء اللامع ج2 ص36 - 40، الأعلام ج1 ص173 - 174، الكشف ج1 ص106.
الجزء 1 · صفحة 46
(ربِّ العالمِين) بتشديد الباء، وقد يُخفَّف: أي متَوَلِّي مصالح كل فرْدٍ من أفراد الموجودات، فإنَّ الربَّ مُخَفف الرَّبِ، أو مصدرُ رَبِّ الأمر إذا أصْلَحه أو مَلكه، أو ربَّبه ترتيباً: «وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا (¬1) إلى حدِّ التَّمام» (¬2)، كما في «القاموس»، وغيره.
وليس على حذف المُضاف، وإلَّا صار كلامًا مرذولًا.
والعالَم ما يُعلم به الشَّيء (¬3)، ثُمَّ سُمِّي به ما يُعلَم به الخالِق من كلِّ نوع من الفَلَك، وما يحويه من الجواهر والأعراض، مثل عالم الإنسان، وعالم الماء، وعالم النار دون عالَمِ زيدٍ وعمرٍو (¬4) وغيره من الأفراد.
والمفرد المُعرَّف وإن كان أصلًا أخصر متناولًا لِكل فردٍ من أفراد هذه الأنواع بمقتضى الاستغراق، إلَّا أنَّه توهم استغراق أفراد نوع واحد منها، والفاعل لم يجمع هذا الجمع إلا العالم، والياسم فيقال الياسمين.
(والعاقِبَة): أي الدَّرجات العالياتُ التَّابعة للأعمال الصالحات، جعلها الله تعالى (للمُتَّقين) الممتثِلِين بكل مأمور، والمنْهِيين عن كل منهي كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء.
من عَقب الشَّيء بالفتح إذا تَبِعه.
والتقوى في الأصل: جعل النَّفس في وقاية ممَّا يخاف.
فالتَّاء بَدلٌ من الواو، والجُملة من عطف التَّربية [العامة على الخاصة [(¬5) تنبيهًا (¬6) على فضيْلتها، وإرشادًا للمحصِّلين إلى تحصيل صفةِ التَّقوى عند التَّحصيل، وإلَّا فقد ابتلي إلى أحد من الثَّلاثة كما قالوا: صُحْبة السُّلطان أو صُحبة الرستاقين (¬7) أو الموت شابًا، والأولان أسوأ حالاً وليس الخبر كالمعاينة.
¬
(¬1) ساقطة من: ج
(¬2) ينظر: القاموس ج1 ص336.
(¬3) ساقطة من: ج
(¬4) زائدة في: أ
(¬5) الخاصة على العامة في: ب، ج، د
(¬6) في د: بينها
(¬7) الرستاق: الرُزداق: بالضم: السّواد، والقرى، معرب رُستا، والرزدق الصف من الناس، والسطر من النخل، مُعرّب: رُسته، ينظر: القاموس المحيط ص635
الجزء 1 · صفحة 47
فإن قلتَ: الجملةُ نكرةٌ كما قالوا فكيف يجوز أن يكون صفةً للجلالة التي هي أعرف المعارف؟
قلتُ: إنَّ الصِّفة إذا خُصَّت بموصوفٍ جاز أن يكون نعتاً له، ولو تخالفا تعريفًا وتنكيرًا، كقولهم: صدر ذلك عن علي - رضي الله عنه - قاتل العنترة، كما في «التسديد شرح التمهيد» للعلامة السغناقي (¬1).
هذا أصلٌ جليلٌ دافعٌ للإشكال المشهور في هذا المقام، ولما ورد برواية أبي موسى المدني (¬2) على ما في «مفتاح الحصن» (¬3)
¬
(¬1) حسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي أو الصِّغْنَاقِيّ، حسام الدين، نسبةً إلى سِغْنَاق بلدة في تركستان، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، من مؤلفاته: «شرح التمهيد في قواعد التوحيد» لأبي المعين المكحولي، و «الكافي شرح أصول البزدوي»، قال الإمام اللَّكْنَوِيُّ: طالعت من تصانيفه «النهاية» وهو أبسط شروح «الهداية» وأشملها، قد احتوى على مسائل كثيرة وفروع لطيفة، (ت بعد710هـ)، ينظر: الكشف ج2 ص2032، الفوائد ص106.
(¬2) عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبدالصمد بن عمرو بن عبد الله المدني المعروف (بقالون القارئ) كنيته ابو موسى (ت 205هـ) توفي ايام المأمون ومولده سنة عشرين ومئة في أيام هشام بن عبد الملك. ينظر معجم الادباء ارشاد الأريب الى معرفة الاديب، ج1 ص2144.
(¬3) مفتاح الحصن الحصين للحافظ ابن الجزري رحمه الله - ص407.
محمد بن محمد بن بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدِّمشقيّ الشِّيرَازِيّ الجَزَرِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الخير، شمس الدين، نسبةً إلى جزيرةِ ابنِ عُمَرَ، من مؤلفاته: «الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين»، و «النشر في القراءات العشر»، و «طيبة النشر في القراءات العشر»، و «ملخص تاريخ الإسلام»، و «التوضيح شرح المصابيح»، و «ذيل طبقات القراء» للذهبي، (751 - 833هـ)، ينظر: الشقائق النعمانية ص25 - 30، الأعلام ج7 ص274، الكشف ج1 ص669.
الجزء 1 · صفحة 48
أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: (كُلُّ كلام لا يبدأ فيه بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة): (¬1) أيْ لا خير في فعل لم يصدر بالصلاة.
قال: (والصَّلاة) بألفٍ مُبْدَلَةٍ عن الواو لفظاً وبالواو كتابةً، إلَّا إذا أُضِيف أو ثُنِّي فكتب صلاتك أو صلاتان.
وقال ابن درستويه (¬2): لم يثبت بالواو في غير القرآن اسم من التصلية، أي: الثَّناء الكامل، إلَّا أنَّه ليس في وُسعنا؛ ولهذا أُمرنا أنَّ كلا ذلك إليه تعالى، كما في «شرح التأويلات» (¬3).
وفي المعنى: أنَّها في الأصل العطف، لكن بالنِّسبة إليه تعالى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، وإلينا الدعاء، وهو: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أفضل العبادات في هذا الباب» (¬4)،
¬
(¬1) في الإرشاد في معرفة علماء الحديث ج 1 ص 289، والجامع الكبير ج 1 ص 15789، والديلمي ج 3 ص 246، وقال الرهاوى: غريب تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل بن أبى زياد الشامى، وهو ضعيف جداً لا يعتد بروايته ولا بزيادته، ينظر: طشف الخفاء ج 2 ص 199 ..
(¬2) هو: عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي، الفسوي، (أبو محمد) (ت:347 هـ) نحوي لغوي مشارك في علوم كثيرة، قدم من مدينة فسا في صباه الى بغداد، واستوطنها وأخذ الأدب عن ابن قتيبة والمبرد، وتوفي في بغداد لسبع بقين من صفر، من تصانيفه: الإرشاد في النحو، المقصور والممدود، التوسط بين أخفش وثعلب في تفسير القرآن، أخبار النحويين وشرح الفصيح لثعلب: ينظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ج 14 ص 115، ومعجم المؤلفين ج 2 ص 232.
(¬3) تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) ج 1 ص 4.
تفسير الماتريدي، لمحمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (ت (333) هـ)، المحقق: د. مجدي باسلوم، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، (1426) هـ - (2005) م، عدد الأجزاء: (10).
(¬4) في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام ص 678.
الجزء 1 · صفحة 49
كما ذكره «المرزوقي» (¬1) وغيره.
وقال ابن الحجر: أنَّها من الله تعالى للنبي زيادة (¬2)
وقال الجمهور: أنَّها في الأصْل الدُّعاء، استعمل مجازًا في غيره.
(والسَّلام) اسم من التسليم.
وقيل: مصدرٌ ثلاثيٌ أو مزيدٌ.
والأول أصحُّ.
والمعنى: جعله الله تعالى سالمًا من كل مكروه.
وإنَّما لم يَكْتفِ بالصلاة رعايةً لظاهر النَّص {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
وقيل: يكتفي بالسلام كما في «المنية» (¬3).
وسلام على عباده بلا ألف كتابةً لا لفظاً، فالأحسن التَّرك، والمنكَّر والمُعرَّف في ذلك سواءٌ على ما في كتب الخطِّ العربي.
(على رَسُولِه) جملةُ خبرٍ للمعطوفين، وجاز أن يكون خبر الثاني، وأمَّا خبر الأوَّل فمحذوف عند سيبويه.
وقيل: يجوز العكس.
والرَّسول لغة: مبالغةُ مفعَل بالفتح بمعنى الرِّسالة (¬4) اسم من الإرسال، ما يذهب به المحتمل من الكلام، وفعول هذا لم يأت إلَّا نادرًا.
وعُرفًا: مَن بُعِث لتبليغ الأحكام مَلكًا كان أو إنسانًا بخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّه مختصرٌ بالإنسان، كما في «التمهيد» وغيره.
وقيل: بينهما تباين، فالرَّسول مَن معه كتاب، والنَّبي مَن لا كتاب معه.
والمشهور أنَّ النَّبي أعمُّ، وفي كلٍّ منهما نظر؛ لأنَّ مَن أنزل عليهم الصلاة والسلام سبعة، أصحاب الكتب الأربعة، وشيث، وإدريس، وإبراهيم صاحب خمسين صحيفة، وثلاثين، وعشرين.
وفي رواية: لإبراهيم عشرة، ولموسى قبل التوراة عشرة.
¬
(¬1) المرزوقي هو أحمد بن محمد بن الحسن، أبو علي المرزوقي) ت: 421هـ) عالم بالأدب من أهل اصبهان، كان معلم ابناء بني بوية فيها، من كتبه: الازمنة والامكنة، وشرح ديوان الحماسة لأبي تمام، ينظر: الأعلام ج1 ص212.
(¬2) ينظر: فتح الباري ج11 ص156.
(¬3) ينظر: غنية المستملي ص2.
(¬4) زائدة في: أ
الجزء 1 · صفحة 50
وبحكم الخبر (¬1) الرُّسل ثلاثمئة وثلاث عشر، فيَلزم أن يكون غير السَّبعة لم يكن رسولًا.
محمد - صلى الله عليه وسلم - أشهر أسمائه الشَّريفة وهي ألْفٌ وثلاثمئة وتسعة وتسعون، وإنَّما سُمي به إلهامًا.
والمعنى: ذاتٌ كَثُر خصاله المحمودة، أو كَثُر الحمدُ له في الأرض والسماء، أو كثر حمده تعالى.
ولمَّا كانت الصلاة على النبي (¬2) ناقصةٌ بدون الصَّلاة على الآل كما في «شرح التأويلات» (¬3) وغيره تعرض بقوله: (وعلى آله) (¬4) بألفٍ مبدلةٍ عن الهمزة المبدلة عن الهاء عند البصرية، وعن الواو عند الكوفية، والأول أصح لغة: اسم جمع لذوي القربى.
وعرفًا: المؤمنون من هذه الأمة أو (¬5) الفقهاء العاملون منهم.
فلا يقال الآل على المقلدين، كما في «المفردات» (¬6)، والأول المختار، كما في «شرح مسلم».
¬
(¬1) ساقطة من: ب
(¬2) زائدة في: ب
(¬3) تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) ج1 ص4.
(¬4) آل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهة النسب: أولاد علي وعباس وجعفر وعقيل - رضي الله عنهم -، ومن جهة السبب: كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة، كما في شرح أبي داود للعيني ج4 ص259.
تفسير الماتريدي، لمحمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (ت (333) هـ)، المحقق: د. مجدي باسلوم، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، (1426) هـ - (2005) م، عدد الأجزاء: (10).
(¬5) في ب: و
(¬6) في د: المغرورات، معجم مفردات القران الكريم، ينظر ص 38، معجم مفردات القرآن الكريم للحسين بن محمد بن الفضل الأَصْفَهاني، أبو القاسم، المعروف بالراغب، من مؤلفاته: مقدمة لتفسير القرآن، وتحقيق البيان، والذريعة إلى مكارم الشريعة، وأفانين البلاغة، والأخلاق، و «تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين، (ت502هـ). ينظر: الكشف ج1 ص36، الأعلام ج2 ص279.
الجزء 1 · صفحة 51
عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك قال فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم) (¬1).
والأحسن وعلى آل محمد فإن إضافته إلى الضمير قليلة أو غير جائزة.
والشيعة الشنيعة (¬2) لم يَفصلوا بين النبي - صلى الله عليه وسلم - والآل بكلمة على زعْم حديثِ (مَن فصل بيننا بعلي فليس منا).
(أجمعين): تأكيد أو صفة جمع، أجمع في الأصل اسم تفضيل (¬3)، فإن قولنا: قرأتُ الكتاب أجمع، معناه: أتم جمعاً في قراءتي من كل شيءٍ، نُقِل إلى معنى الجميع.
والأولى أن يورد ثلاثة ممَّا هو سُنَّة في الخطبة ما يدل على براعة الاستهلال في النِّهاية أنَّه شرط للتصنيف والتشهد.
وأما بعد.
(اعلم): أمرٌ من العلم: وهو إدراك الشَّيء بحقيقة المُتعلِّق بالذَّات أو النِّسبة، وعلى الأوَّل يتعدى إلى واحد، وعلى الثاني إلى اثنين، وهو كلمة ترغيب للمخاطب على الحضور التَّام لِئلَّا يفوت بعدها شيءٌ من الكلام، كما في «الكشف» (¬4) و «المصباح» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم ج1 ص305، واللفظ له، وصحيح البخاري ج6 ص121.
(¬2) في ب: والشنيعة
(¬3) في ب: تفصيل
(¬4) لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، 427هـ، ترجم سابقًا.
(¬5) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ص 162، أحمد بنُ مُحَمَّد الفَيُّومِيّ ثُمَّ الحَمَويّ، قال ابنُ حَجَرٍ: اشتغلَ وَمَهَرَ وتَمَيَزَ بالعربية عند أبي حَيَّان، وتوطَّنَ حَمَاةَ، وكان فاضلاً كاملاً عارفاً بالفقهِ. ينظر: بغية الوعاة ج1 ص389.
بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: المكتبة العصرية - لبنان / صيدا، عدد الأجزاء: 2
الجزء 1 · صفحة 52
واعلم أنَّ هذا منه شروع فيما هو كالمقدمة؛ لما هو المقصود من الأبواب الثمانية.
(بأنَّ العبد): «أي الإنْسانَ حراً كان أو عبداً، أو المملوك»، كما في «القاموس» (¬1)، والأول المراد لا الثاني كما ظن.
وهو أشرف أسماء المؤمن، ولذا عبّر به عن أشرف الإنسان {فأوحى إلى عبده} [النجم 10] و {نعم العبد} [ص30].
والعلم يتعدى بنفسه، والباء كما ذكره الفاضل الجاربردي (¬2) في أول شرح «الشافية»، أو يزاد في مفعوله قياساً، كما ذكره «الرضي» (¬3): {ألم يعلم بأن الله يرى} [العلق 14]، {وهو بكل شيء عليم} [البقرة 29].
وقد علم بذلك أنَّ المخطئ في إيراد الباء مخطئ.
(مبتلى): أي مكلف بالأوامر والنواهي، أو مقصود ظهور جودته وردائته، وكلاهما ملائم للمقام ومستعمل في الكلام.
¬
(¬1) ينظر: القاموس المحيط ص 1040.
(¬2) هو: احمد بن الحسن بن يوسف، فخر الدين الجاربردي: فقيه شافعي، اشتهر وتوفي في تبريز (ت:746هـ) له شرح منهاج البيضاوي في اصول الفقه وشرح الحاوي الصغير، وشرح شافية ابن الحاجب وحاشية على الكشاف، ينظر: الاعلام ج1 ص111، الدرر الكامنة ج 1 ص346 ..
(¬3) هو محمد بن محمد بن محمد السَّرَخْسيّ، رضي الدين، برهان الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً جامع العلوم العقلية والنقلية، من مؤلفاته: «المحيط الرضوي»، (ت571هـ)، ينظر: تاج ص248 - 249، الفوائد ص310 - 314
الجزء 1 · صفحة 53
في «الأنوار» (¬1) في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} [البقرة 124]: «أنَّ الابتلاء في الأصل التكليف (¬2) بالأمر الشَّاق من البَلاء، لكنَّه لما استلزم الاختيار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما» (¬3).
وذكر «الراغب» (¬4) أنَّ الابتلاء يتضمَّن أمرَين:
«أحدهما: تعرُّف حاله والوقوف على ما جُهل من أمره.
والثاني: في ظهور جودته ورداءته، وقصد الأمران وأحدهما كما إذا نسب إليه تعالى، فإنَّه لم يقصد إلَّا ظهور أحدهما» (¬5).
(بين أن يُطيع) العبد (الله): أيْ بين أوقاتٍ لطاعتِه تعالى والامتثال بأمره، فبين بالحقيقة مضافٌ إلى ما يقتضيه من المُتعدِّد، وهي الأوقات المحذوفة، فإنَّه أضيف إلى الحدث، وإلَّا فإلى الأمكنة، نحو زيد بين عمرو وبكر.
والإطاعة من الطاعة: فعل يعمل بالأمر لا غيره.
¬
(¬1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: 685هـ)، المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى - 1418 هـ.
(¬2) في ب: المتكلف.
(¬3) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ج1 ص104.
(¬4) الحسين بن محمد بن الفضل الأَصْفَهاني، أبو القاسم، المعروف بالراغب، من مؤلفاته: «مقدمة لتفسير القرآن»، و «تحقيق البيان»، و «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و «أفانين البلاغة»، و «الأخلاق»، و «تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين»، و «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم»، (ت502هـ). ينظر: الكشف ج1 ص36، الأعلام ج2 ص279.
(¬5) ينظر: المفردات في غريب القرآن ج1 ص146.
المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ)، المحقق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة: الأولى - 1412 هـ.
الجزء 1 · صفحة 54
(تعالى): أي تجاوز عن صفات المخلوقين، والجملة معترضة، ويجوز أن يكون صفة للجلالة، فإنَّه مختصر به تعالى كما مرَّ من الأصل.
(فيُثاب) عطفٌ بالفاء على يطيع، فالتَّقدير فأنْ يُثاب ويُجزئ جزاءً خيراً في الدَّارين من الثواب، اسم من الإثابة أو التثويب وهو: الجزاء في الخير والشر، إلَّا أنَّ استعماله في الخير أكثر.
(وبين) أوقات (أن يَعصيَه) كيَضْرِبَه (¬1): أيْ يخرج عن طاعته تعالى.
وأصله أن يتمتَّع بعِصْيان، فأصله الواو، ومصدره لِلمعصية والعصيان.
وإنَّما لم يَكتف بالبَين الأوَّل؛ لِئلا يُتوهَّم أن يكون مقتضاه الإطاعة والمعصية معًا، ولم يكن تكريره للتأكيد كما ظن، فإنَّهم لم يُجوِّزوا إلَّا إذا كان المعطوف أو المعطوف عليه ضميرًا مجرورًا، نحو المال بيني وبينك وبيني وبين زيد وبين زيد وبينك، كما بيّن في محله.
(فيُعاقب): أي يُجزى جزاءً شرًّا من العقاب وهو كالعذاب: الإيجاع الشديد.
واعلم أنَّ هذا الكلام لا شيء عليه، كما حقَّقنا، محتاج إليه لبيان حكم كلٍّ من الطَّاعة المشروعة والمعصية غير المشروعة، ولم يكن حشوًا فضلًا أن يكون مُخلًا كما ظن.
(والابتلاء) والتكليف المذكور (يَتعلق): أي يُنسب تارة (بالمشروع) فعلًا وتركًا: أيْ بما شرع فعله وتركه من المعنى الحاصل بالمصدر الذي هو الهيئة (¬2) التي تسمى بالصلاة، وحبس النَّفس عن شرب الخمر، فإنَّ الفعل والترك في الحقيقة هو المعنى المصْدرِيُّ الذي هو الإتيان والإيقاع والإحداث وضدُّها، فيطيع ويثاب بكل منهما.
¬
(¬1) أي من باب ضرب يضرب.
(¬2) مصدر النوع أو مصدر الهيئة هو ما يُذكَر لبيان نوع الفعل وصفته، مثل «وقفتُ وِقفَةً»، أي: وقوفًا موصوفًا بصفة. وهذه الصفة إما أن تُحذف كالمثل السابق، أو تُذكر، مثل «زيدٌ حسنُ الوِقفةِ».
الجزء 1 · صفحة 55
وفيه إشعار بأنَّ الشَّريعة كلُ فعلٍ أو تركٍ مخصوص من نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صريحًا أو دلالةً، فإطلاقه على الأصول الكُلِّيَّة مجازٌ وإن كان شائعًا، بخلاف المِلَّة فإن إطلاقها على الفروع مجازٌ.
ويُطلق حقيقةً على الأصول كالإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، وغيرها؛ ولذا لا يُتبَّدل بالنَّسخ ولا يختلف فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يطلق على آحاد الأصول، كما في «كشف الكشاف» (¬1) وغيره، وكلٌّ منهما كالدِّين مضاف إلى الله تعالى، والنَّبي والأمة والملة لا تضاف إلَّا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيُقال: «مِلَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُقال ملة الله وملة زيد» (¬2)، كما قال «المظهر» (¬3) و «الراغب» (¬4) وغيرهما.
¬
(¬1) كشف الكشاف، لعمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني العسقلاني البُلْقِيَني المصري الشافعي، أبو حفص، سراج الدين، قال البرهان الحلبي: رايته رجلاً فريد دهره لم تر عيناي أحفظ للفقه وأحاديث الأحكام منه، من مؤلفاته: «التدريب»، و «تصحيح المنهاج»، و «كشف الكشاف»، و «حواشي على الروضة»، (724 - 805هـ). ينظر: الضوء اللامع ج6 ص85 - 90، والكشف ج2 ص1479.
(¬2) ينظر في التفسير المظهري ج1 ص94، تفسير سورة آل عمران، وينظر في المفردات في غريب القران ص610.
التفسير المظهري، المؤلف: المظهري، محمد ثناء الله، المحقق: غلام نبي التونسي، الناشر: مكتبة الرشدية – الباكستان، الطبعة: 1412 هـ.
(¬3) هو مظهر الدين الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المتوفي سنة 727 هـ، له شرح على مصابيح السنة سماه "المفاتيح في شرح المصابيح " ينظر: كشف الظنون 2ج2 ص1669
(¬4) ترجم سابقا ص48.
الجزء 1 · صفحة 56
فيُشكل بما قال الفاضل التفتازاني (¬1): أنَّها تُضافُ إلى آحاد الأمة (¬2)، وأريد بالمَشروع ما يأمرُ الشَّارع بِفعله أو تركه دون ما يظن أنَّه ما يجوز ذلك شرعًا، فإنَّ الجائز يُراد في الحلالِ ضدَّ الحرام، فيدخل في المكروه من أفراد غير المشروع كما تقرَّر، والمباح وإن دخل فيه من حيث إنَّه يستوي طرفاه في نظر الشارع بأن يحكم به صريحًا أو دلالةً.
وبه خرج فعل البهائم والصبيان والمجانين وغيره، لكنَّه لم يَدخل من حيث إنَّه يخرجُ عن حكم الطاعةِ والعِصيان، وسيأتي من المصنّف إشارة إليه، فلم يَدخل فيه إلَّا تبعًا، فلا حاجة إلى أن يتكلف، ويُراد بالمشروع نوعه على أنَّه يرده تعلق الابتداء بكل فردٍ من أفراد ما يقابله.
(وغير المشروع فعلاً): أيْ غير ما شرع فعله وما يُنهى عنه من الحاصل بالمصدر الذي هو الهيئة التي تُسمَّى بأكل الحرام مثلًا.
فإنَّ المَنهيَّ عنه في الحقيقة هو المعنى المصدري الذي هو الإيقاع، فالفعل بفتح الفاء فإنَّه المصدر لا بكسرها، فإنه اسم منه وأثر مرتَّب على المعنى المصدري، ولم يَخرج عنه المفسد؛ لأنَّه وإنْ كان يُثابُ من وجهٍ لكنه يُعاقب من وجه آخر، كردّ السلام، وكذا صوم يوم العيد نذرًا، والبيع الفاسد؛ لأنَّه وإن كان يخرج عن عهدة النَّذر ويفيد الملك لكنَّه يعاقب بهما، والنَّهي راجح على الأمر كما تقرر.
¬
(¬1) مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني، سعدالدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق، من كتبه: مقاصد الطالبين، وشرح العقائد النسفية، وحاشية الكشاف والنعم السوابغ (ت:793هـ) ينظ: الاعلام ج7 ص219.
(¬2) ينظر: في حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار) ج1 ص83.
رد المحتار على الدر المختار، المؤلف: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (المتوفى: 1252هـ)، الناشر: دار الفكر-بيروت، الطبعة: الثانية، 1412هـ، عدد الأجزاء: 6.
الجزء 1 · صفحة 57
فلا يراد (¬1) أنَّ النَّهي عن الأفعال الشَّرعية يَقتضي عندنا بقاء المشروعيَّة.
(وتركًا): أي غير ما شُرع تركُه، وهو مشتركٌ بين كف النَّفس عن الفعل وعدم الفعل، إلَّا أنَّه إنَّما يُراد المعنى الأول بِقرينة كونِه متعلقًا للابتداء، فيكون بينه وبين الفعل تضادٌّ؛ لارتفاعِهما عند عدم الفاعل ولا يُراد الثاني، فيكونان ناقضين؛ إذ المبتلى لا يقدر على الإعدام، كما تَقرَّر، فلم يتعلَّق الابتلاء به.
واعلم أنَّ فعلاً أو تركاً تنازع فيهما المشروع [وغير المشروع] (¬2) وجازَ حذف التمييزِ نحو: كم ضربت؟
وإذا كان الأمر كذلك (فلابُدَّ من بيان) أسماء (أنواع المَشْرُوعات) الأصلية الأربعة: الفرض، والواجب، والسنة، والمستحب، وأمَّا المُباح فمُبيَّن تبعًا.
والبيان هو: التَّعبير عمَّا في الضَّمير وإفهام الغير، كما في «الأنوار» (¬3).
وفي الكلام إشعار بافتراض بيانها عند الحاجة، وبأنَّ مجرد التَّقرير لا يكفي، وبأنَّ إغلاق العبارة مُخلّ في أداء ما على المبيَّن، وبأنَّه يجب على كلِّ مكلَّف أن يَعلم اسمَ كلِّ مُشروعٍ، فلم يَصحَّ صلاته بلا علم بأنَّ هذا فرضٌ أو واجبٌ أو سنةٌ، وإن عمل بكُلٍّ منها، كما ذهب إليه بعض المتأخرين.
والأحسن التَّبديل بالأجناس، فإنَّ المندرج هو النَّوع، والمندرج فيه الجنس وهو الأخصّ عند الأصولية عكس الميزانية.
(و) من بيان أنواع (غير المشروعات) الثلاثة: المحرم، والمكروه، والمفسد، (و) لابُّد من (بيان معانيها): أي مفهوماتِ شرعيَّة لأسماء الأنواع الثَّمانية على وجه الاختصار، (و) بيان (أحكامها): أي ما يُترتَّب على ذلك المعاني من الآثار على وجه الاختصار؛ (لِيَسهُل على الطالب): أي المبتدئ الراغب (دركُها): أي فهمُ تلك المعاني والأحكام، فيسهُل درك أفرادها (وضبطُها): أي حفظُها بالجزم، وهو الأخذ في الشيء بالثقة.
¬
(¬1) في أ: يردّ
(¬2) ساقطة في: أ
(¬3) ينظر الى تفسير البيضاوي ج3 ص352.
الجزء 1 · صفحة 58
وإذا كان كذلك (فنَقول): أي أقول أنا بإعانة (¬1) سائر العلماء (وبالله): أي باستعانته تعالى خاصة (التوفيق): أي كوننا موفقين، والتوفيق جمع المُقتضى للخير، وبرفع المانع
(المشروع) الأصلي (أنواعٌ أربعة)، الأحسن أربعةُ أنواع، فإنَّ المجهول هو العدد
(فرضٌ (¬2)،
وواجبٌ (¬3)،
وسنةٌ (¬4)،
¬
(¬1) لإعانة: تكون في الأمور البشرية من خلال أفعالهم وأن الإعانة فيها جانبين قويين كل منهما يعين الآخر، إنسان قوي مع إنسان قوي آخر فأعان كل منهم الآخر.
أما الاستعانة: فالهمزة والسين والتاء جاءت للطلب أي طلب العون، وفيها جانبين: جانب ضعيف عاجز وهو الإنسان، وفيها جانب قوي: وهو الله تعالى.
فالإنسان يستعين بالله والله تعالى يعينه.
وعليه: فالإعانة تكون بين البشر، بينما الاستعانة تكون بين الله تعالى والبشر، فالاستعانة أبلغ من الإعانة ولا تكون إلا بالله ومن الله تعالى، ينظر: الكليات ج1 ص227.
(¬2) الفرض: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل قطعي. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه، ينظر: «التوضيح» 2: 248 - 251، «وفواتح الرحموت» ج1 ص57، وغيرها.
شرح التلويح على التوضيح، المؤلف: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: 793هـ)، الناشر: مكتبة صبيح بمصر، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، عدد الأجزاء: 2.
(¬3) الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
والفرق بين الفرض والواجب: أن الفرض لازم علما وعملا حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملا لا علما، فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد غير المؤولة، وأما المؤولة فلا. ينظر: التوضيح ج2 ص 248 - 251.
(¬4) السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أن السنة نوعان:
الأولى: سنة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية؛ كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
والثانية: سنة الزوائد؛ وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده، ينظر: كشف الأسرار ج2 ص310.
الجزء 1 · صفحة 59
ومستحبٌ (¬1)،
ويليها): أيْ يَلي تلك الأنْواع، ويقرب منها من حيث إنَّه يدخل تحت حكم الشارع، وإن لم يكن مثاباً ومعاتباً (المباح) (¬2).
(وغير المشروعِ نوعان: محرَّمٌ (¬3)، ومكروهٌ (¬4) ويتلوهما (¬5)): أي يَتبع كلا النوعين: (المفسد للعمل المشروع فيه) كما سيأتي.
والحقُّ أنَّ ما يأتي به المكلف ستَّةٌ (¬6) الأربعة الأصلية من القسمِ الأوَّل، والأصليان من الثَّاني، ولكلٍّ منهما طرف فعل وطرفُ ترك، فالأقسام اثني عشر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
واعلم أنَّ الفرض والسنة مصدران بمعنى المفعول ولم يغيرا لكونِهما بالمصْدر أشْهَر؛ بخلاف البواقي، فإنَّها بهذه الأسامي أشْهَرُ (¬7)؛ ولذا خالفتهما إلَّا المحرَّم، فإنَّه بالحرام أشهر، فهو أولى، كما يأتي.
¬
(¬1) والمستحب: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه مرة أخرى، وما أحبه السلف.
(¬2) المباح: وهو ما استوى فيه الفعل والترك، ينظر: التوضيح ج2 ص 248 - 251، وفواتح الرحموت ج1 ص57، وغيرها.
(¬3) الحرام: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل قطعي. وحكمه العقاب على فعل.
(¬4) المكروه: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل ظني. وحكمه: أن المكروه نوعان:
الأول: مكروه كراهة تنزيه: وهو إلى الحل أقرب كسؤر الهرة ولبن ولحم الحمار.
والثاني: مكروه كراهة تحريم: وهو إلى الحرمة أقرب كسؤر البقرة الجلالة وسباع الطير، ينظر: التوضيح ج2 ص 248 - 251، وفواتح الرحموت ج1 ص57.
(¬5) في ب: ويليهما.
(¬6) في ب، ج: سنة.
(¬7) ساقطة من: ب.
الجزء 1 · صفحة 60
(فالكلُّ): أيْ جميعُ المشروعات وغير المشروعات وما يليهما، فالفاء للتفريع (¬1)
¬
(¬1) التفريع: هو إثبات حكم لشيء بينه وبين أمر آخَر نسبة وتعلق بعد إثبات ذلك الحكم لمنسوب آخَر لذلك الأمر، فلا بد إذًا من متعلقين، أي: شيئين منسوبين لأمر واحد، كغلام محمد وأبيه بالنسبة إلى محمد، ولا بد من حكم واحد يثبت لأحد المتعلقين، وهما الغلام والأب, بعد إثباته للآخر، كأن يُقال: غلام محمد فرِح ففرِح أبوه, فالفرح حكم أثبت لمتعلقي محمد، وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثاني على وجه يُشعر بتفريعه عن الأول. علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني» ص 341 – 342.
علوم البلاغة، المؤلف: محمد أحمد قاسم - محيي الدين ديب، حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة، الناشر: المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس – لبنان.
الجزء 1 · صفحة 61
والفصيحة (¬1)، وليس بينهما فرقٌ كما ظن، والأحسن كلّها، فإنَّ الجمهور لم يُجوِّزوا دخولَ اللَّام على كلٍّ، وهو لِعموم أفراد المنكَّر وأجزاء المعرَّف، فيصح كلُّ التُّفاحٍ حامضٌ لا كلُّ تفاح، كما في «التلويح» (¬2).
¬
(¬1) فاء الفصيحة؛ فهي الفاء المذكورة في الكلام، التي تعطِف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل: قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 160]، الأصل: فضرب فانبجست. وسميت "فاء الفصيحة" لأنها أفصحت، "أي: بينت" وكشفت عن المحذوف، ودلت عليه وعلى ما نشأ عنه. ولأنها -أحيانا- تفصح عن جواب شرط مقدر؛ ففي الآية الأولى دلت الفاء على المحذوف وعلى أن الضرب كان سببا في الانبجاس، أو يقال: إن كان موسى قد أطاع الأمر وضرب الحجر فماذا تم بعد ذلك؟ فالجواب: انبجست منه اثنتا عشرة عينا. ينظر: «النحو الوافي» ج3 ص636.
(¬2) شرح التلويح ج1 ص112، وهي لمسعود بن عمر بن عبد الله التَّفْتَازَانِيّ، سعد الدِّين، نسبة إلى تفتازان من بلاد خراسان، من مؤلفاته: التلويح إلى كشف غوامض التنقيح، وتهذيب المنطق، وشرح الشمسية، وشرح العقائد النسفية، قال الإمام اللكنوي: كل تصانيفه تنادي على أنه بحر بلا ساحل، وحبر بلا مماثل، (712 - 793هـ). ينظر: الدرر الكامنة ج4 ص350.
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، المحقق: مراقبة / محمد عبد المعيد ضان، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند، الطبعة: الثانية، 1392هـ/ 1972م، عدد الأجزاء: 6.
الجزء 1 · صفحة 62
(ثمانيةُ أنواع) في الأصْل منسوبٌ إلى الثَّمن بالضَمِّ؛ لأنَّه الجُزء الذي صَيَّر السَّبعة ثمانيةٌ، ففتحوا أوَّلها للتَّغيير في النِّسْبة وحَذَفوا منها إحدى يائي النسبة، وعوَّضوا منها الألف فتثبت الياء في النَّصب والإضافة، ويسقط مع التَّنوين في الرَّفع والجزم بلا تاء.
(أمَّا): أي مهما (¬1) يَكن من شيء وإنْ وقع في الدَّنيا شيء (¬2).
(الفَرض فما) أي فالفرض لا محالة فعلٌ أو تركٌ، كترك شُربِ الخَمر وغيرِه، فأمَّا للتَّفصيل ولو تقديرًا مع التَّأكيد أو لمجرد التَّأكيد متضمنٌ لمعنى الشرط؛ ولذا يُجاب بالفاء قائمٌ مقام الشَّرط، والفاصل بين أمَّا والفاء مبتدأ.
وهو الفرض لغة: الوجوب (¬3).
¬
(¬1) في ب: بهما
(¬2) (أما) هنا بأنها في معنى قولك: مهما يكن من شيء وهذا صحيح، وذلك أنها تسمى حرف تفصيل وابتداء، لأنها تفصل الجملة التي تليها عن الكلام الذي قبلها وتفصل الكلام تفصيلا، فتقول: أكرمت زيدا، وأما عمرا فلم أكرمه. وتقول: أما زيد فأكرمه، وأما عمرو فأهنه. قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ? وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر} (الضحى:10) وهي مضمنة معنى قولك: مهما يكن من شيء.
(¬3) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ص 700
النهاية في غريب الحديث والأثر (ت: الحلبي)، المؤلف: المبارك بن محمد الجزري بن الاثير مجد الدين أبو السعادات، محقق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي، حالة الفهرسة: مفهرس على العناوين الرئيسية، الناشر: دار ابن الجوزي، سنة النشر: 1421، عدد المجلدات: 1
الجزء 1 · صفحة 63
كما في «نهاية الجزري» (¬1).
وعرفاً: (ما ثبت) من الثَّبات ضَدَّ الزَّوال: أي تَقدِر على كلِّ أحدٍ أو جماعةٍ قادرةٍ عالمةٍ بالحادثة، فيشمل فرض العين: أي فرض كل ذاتٍ، فلا يسقط بأداءِ بعضٍ.
وفرض الكفاية: أي فرض جماعةٍ، يكفي بعضهم ويسقط بأدائه عنهم، كما إذا مات زيد وعلم به جماعةٌ فجهَّزه واحدٌ منهم، فإنَّه يسقط عنهم بفعله؛ لأنَّه المقصودُ، ويأثم الكُلُّ بترك الكُلِّ، وكذلك جوابُ السَّلام، والعطِاس وعيادة المريض والصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -، كما في «المقدمة» (¬2) وغيره.
¬
(¬1) نهاية الجزري لمبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو السعادات، مجد الدين، المعروف بابن الأثير الجَزَريّ، قال: ابن المستوفي: اشهر العلماء ذكراً، وأكثر النبلاء قدراً، وأوحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، من مؤلفاته: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول في أحاديث الرسول، والإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف، (544 - 606هـ). ينظر: مرآة الجنان ج4 ص11 - 13، الأعلام ج6 ص152 الكشف ص1989
(¬2) المقدمة الغزنوية لأحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغَزْنَويّ الكاشاني الحنفي، من مؤلفاته: «روضة اختلاف العلماء»، و «روضة المتكلمين في علم الكلام»، و «روضة اختلاف العلماء في أصول الفقه»، (ت593هـ).
ينظر: «تاج التراجم» ص104. «طبقات الحنائي» ص102.
الجزء 1 · صفحة 64
واعلم أنَّه قد يكون فرضاً على كلٍّ، كما إذا ظنَّ كلٌ أنَّ أحدًا مِنهم لمْ يَقُم به، وغيرُ فرضٍ على كلٍ، كما إذا ظنَّ كلٌّ أنَّ غيرَه يؤديه، وغير فرضٍ على بعضٍ يَظن أداءَ بعضٍ، كما في «المناهيج»، وإليه أشير في «الذخيرة» (¬1) وغيره في كتب أصحابنا.
(بدليل) فعيل، بمعنى فاعل لغة: المرشد.
وعند الأصولية: ما يُمكن أن يُتوصَّل به لصحَّة النَّظر إلى مطلوبٍ خبريٍّ، كقوله تعالى: {أقيموا الصلاة}.
والعالَم عند الميزانية المقدمات المخصوصة، نحو الصلاة مأمور بها وكل مأمور به ففرض، والعالم متغير، وكل متغير حادث.
(قطعيٍّ) تركه أولى، كما في بعض النسخ؛ لأنَّه عامٌ مخصوص غير مقيَّد؛ لأنَّ ما بعده يُغني عنه.
وتحقيق عمومه يَتوقَّف على تحقيقين ضروريين
أحدهما: أنَّ الأدلة السمعية أربعة:
1.قطعي الثبوت والدَّلالة كالمتواترات، وبه يثبت الفرض والحرام القطعي بلا خلاف.
2.وقطعي الثُّبوت وظَنِّي الدلالة، كالمتأوّلات.
3.وبالعكس، كأخبار الآحاد مفهومُها قطعي، وبكلٍّ منهما يثبت الفرض الظَّنِّي والواجب وكراهة التحريم والحرام على الخلاف.
4.وظني الثُّبوت والدلالة كأخبار آحاد، مفهومها ظنيٌّ، وبه يثبت السنة والمستحب وكراهة التنزيه والتحريم على الخلاف (¬2).
وثانيهما: أنَّ القطعيَّ له معنيان:
¬
(¬1) ذخيرة الفتاوى لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: «المحيط البرهاني»، و «ذخيرة الفتاوي» المشهورة بـ «الذخيرة البرهانية»،
قال الإمام اللكنوي: قد طالعت «الذخيرة» وهو مجموع نفيس مُعتبرٌ، وطالعت أيضاً المجلد الأول من «محيطه»، (ت616) ينظر: الجواهر ج3 ص233 - 234. الكشف ج2 ص 1619.
(¬2) أي ما كان في الحرمة خلاف بين العلماء،
الجزء 1 · صفحة 65
? ما يقطع الاحتمال أصلاً، كحكم الكتاب ومتواتر السنة والإجماع، وبه يثبت الفرض القطعي، ويقال له الواجب أيضاً.
? يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل هو تعدد الوضع مثلًا: كالقياس (¬1)، والظاهر (¬2)، والمشهور (¬3)، ويُسَمَّى بالظَّنِّ اللَّازم العمل في اعتقاد المجتهد، وهو نوعان:
? ما يَبطل بتركِه العملُ، وهو دون القطعيِّ، ويسمى بالفرض الظَّنِّيِّ، كمقدارِ المسحِ.
? وما يفسد به وهو دون الفرض وفوق السُّنة، ويُسمَّى بالواجب والفرض العمليِّ، كدعاء الوتر.
(لا شبهة) لفظاً ومعنىً (فيه).
أي في ذلك الدليل.
واحترز به عمَّا يَثبت بما وراء القسم الأول من الأوَّل والثَّاني من الثاني، إلَّا أنَّه يدخل فيه ما تواتر من النَّص، كأخذ العصا، والاستياك، وتثليثِ الغُسل في الوضوء، كما في «المنية».
¬
(¬1) القياس في اللغة: التقدير والمساواة، يقال قست النعل بالنعل: أي قدرته، كما في التلويح ج2 ص104، وافي الشرع: تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة، كما في نور الأنوار ج1 ص284.
(¬2) الظّاهر فاسم لكلام ظَهَرَ المراد به للسَّامع بصيغتِه، وحكمُهُ وجوبُ العمل بالذي ظَهَرَ منه. ينظر: «المنار في أصول الفقه» ص8.
المنار في أصول الفقه، المؤلف: عبد الله النسفي (ت710هـ)، اعتنى به وصححه: الدكتور صلاح أبو الحاج، الناشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.
(¬3) ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة - رضي الله عنهم -، ومن بعدهم. ينظر: «مسار الأصول في علم الأصول» ص219.
الجزء 1 · صفحة 66
«وإنَّما عرَّف الفرض المطلق ولم يُقيِّد بالاجتهادي؛ لأنَّ إطلاق الفرضِ عليه مجازٌ» (¬1)، كما أشير إليه في «الكافي» (¬2).
إلّا أنَّ المراد فيما يأتي ليس مطلقَ الفرض، بل فرضُ الشَّيء وهو: ما لابُدَّ لذلك الشَّيء منه، ولو دليله ظنيًّا كما سيأتي.
(وحكمه): أي حُكم هذا الفرض هو لغة: منع (¬3) الشيء للإصلاح.
وشرعًا: مشترك بين معاني:
منها خطاب الله تعالى، ويقال له الكلام النفسي، ومدلول الأمر (¬4) والنهي (¬5)، والإيجاب، والتحريم.
ومنها الأثر المرتب على الخطاب من الوجوب أو الحرمة أو غير ذلك.
ومنها الأثر المرتَّب على الأفعال الشَّرعية.
والأوَّل يُسمَّى: بالاختصاصات الشَّرعية، والثاني: بالتُّصرفات المشروعيَّة وهو نوعان:
دنيوي كالصِّحة في الصَّلاة، والملك في البيع.
وأخرويٌّ كالثواب والعقاب، وهو المراد في هذا المقام.
(الثواب): أي جواز الثَّواب والجزاء الخير، ففيه تسامح؛ لأنَّه قد يكون الفِعلُ الصَّحيح بلا ثواب.
(بالفعل) الذي هو أعمُّ من الفعل والتَّرك على رأي، فيشمل التَّرك، كترك أكلِ المَيْتة فإنَّه فرضٌ يُثاب به، كما في «الكشف» (¬6)
¬
(¬1) لم أحصل عليه في الكافي.
(¬2) لعله لمحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل المروزي بن الحاكم المَرْوَزِيّ السُّلَميّ البَلْخِيّ، أبي الفضل، الحاكم الشَّهيد، قال السمعاني: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره، من مؤلفاته: «المنتقى»، و «الكافي»، و «المختصر»، (ت 334هـ). ينظر: الجواهر ج3 ص313 - 315.
(¬3) في أ: منبع
(¬4) الأمر: قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء افعل، ينظر: نور الأنوار ج1 ص25.
(¬5) النهي: قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء لا تفعل، ينظر: المرجع السابق ص71.
(¬6) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ج4 ص384.
كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، المؤلف: عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي (المتوفى: 730هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، عدد الأجزاء: 4.
الجزء 1 · صفحة 67
وغيره.
(والعقاب) في الأصْلِ بدلٌ عن شيء، كما في «المشارق».
وقال «الجوهري» (¬1) و «البيهقي» (¬2):
¬
(¬1) إسماعيل بن حماد الجَوْهَرِيّ الفَارَابي، أبي نصر، من فاراب من بلاد الترك، كان من أعاجيب الزمان ذكاءً وفطنةً، إماماً في الأدب واللغة، قال السُّيُوطِيُّ: في «مزهر اللغة»: أول من التزم الصحيح مقتصراً عليه الجوهري، ولهذا سمى كتابه «الصِّحاح»، ومن مؤلفاته: «العروض»، ومقدمة في النحو، (ت393هـ). ينظر: النجوم الزاهرة ج4 ص207 - 208، الكشف ج2 ص1072.
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤلف: يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين (المتوفى: 874هـ)، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر، عدد الأجزاء: 16.
(¬2) أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، أبو بكر، نسبة إلى خسروجرد وهي قرية من ناحية بَيْهَق، وبَيْهَق بفتح الباء اسم لناحية من نوحي نيسابور مشتملة على عدة قرى، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عُنُقِهِ منَّة إلا البيهقي، فإن له المنّة على الشافعي نفسه، وعلى كل شافعي لما صنفه في نصرة مذهبه من ترجيح الأحاديث، كـ «السنن الكبير»، و «السنن الصغير»، و «معرفة السنن والآثار»، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمَّى بـ «المبسوط»، وتصنيفه في مناقبه، قال الذهبي: بلغت تصانيفه ألف جزء ونفع الله بها المسلمين شرقاً وغرباً؛ لإمامة الرجل ودينه وفضله وإتقانه، (ت458هـ).
ينظر: العبر ج3 ص242، طبقات الأسنوي ج1 ص98 - 99.
طبقات الشافعية للإسنوي، المؤلف: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 2002م، عدد الأجزاء: 2.
الجزء 1 · صفحة 68
هو العقوبة (¬1)، فلم يَكن مِمَّا كان بين اثنين، وفي «التكملة»: أنَّه اسم من المعاقبة، وهو الجزاء الشر.
(بالتَّرك) للفرض، غير مُستخفٍّ.
(بلا عذر): أي بلا عفوٍ عنه بفضله تعالى أو توبةٍ منه، أو مانعٍ شرعي؛ لأنَّه حينئذٍ (¬2) يَصير فاسقًا، وفي الاكتفاء إشعارٌ بأنَّ تارك الصَّلاة عمدًا كسلانًا لا يقتل إلَّا إذا جحد، لكن يُضرب ويُحبس حتى يُصلِّي (¬3)، كما في «فتح القدير».
العذرُ بضَمَّتَين، والسُّكونُ في الأصْلِ تحرَّي الإنسان ما يمحو به ذنوبَه، بأنْ يقولَ: لم أفعلهُ، أو فعلتُ لأجلِ كذا أو فعلتُ ولا أعود، وهذا الثالث التوبة، فكلُ توبةٍ عذرٌ بلا عكسٍ، ولا بمعنىً غير عاملٍ عند الكوفيينَ وغير عاملٍ، بل الباءُ عند البصريةِ.
(و) حكمهُ (الكُفْرُ) بالضَّمِ، والقياسُ الفتح، لغةً: السَّتر.
¬
(¬1) العقاب: العقوبة، وقد عاقبته بذنبه. وقوله تعالى: (فَعاقَبتم)، أي فَغَنِمتم. وعاقبَه أي جاء بعَقِبه فهو، مُعاقِبٌ وعقيبٌ أيضاً. والتعقيب مثله. والمعقبات: ملائكة الليل والنهار، لأنهم يتعاقبون، وإنما أنِّث لكثرة ذلك منهم، نحو نَسَّابة وعَلاَّمة. ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ج1 ص186
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 هـ- 1987 م، عدد الأجزاء: 6.
(¬2) ساقطة من: أ، ب
(¬3) تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا كَسَلًا يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا لَا يُقْتَلُ إلَّا إذَا جَحَدَ أَوْ اسْتَخَفَّ وُجُوبَهَا ج1ص497. ينظر: فتح القدير ج1 ص497.
فتح القدير، المؤلف: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (المتوفى: 861هـ)، الناشر: دار الفكر، عدد الأجزاء: 10.
الجزء 1 · صفحة 69
وشريعةً: عدمُ الإيمان عمَّا من شأنه، (بالإنكار) بأن يُنكِر قلبه شيئًا، ولم يَعرفه ممَّا علم مجيئه به بالضرورة، أو لسانه بأن لم يظهر عند الحاجة.
والإنكار ضد العرفان.
وفيه إشعارٌ بأنَّ من حكمِ لزومِ الاعتقادِ بكلِ فرضٍ ولا شبهةَ فيه.
(في المتفقِ عليه): أيْ فِيما اتَّفقَ أصحابنا عليه، كتركِ التسميةِ عمدًا، فإنَّه يَقتَضِي أن يكونَ كفرًا، وأهل السنةِ والجماعة كصحابيةِ الصِّديقِ، وهذا القيدُ لِزيادةِ التَّوضيحِ؛ لأنَّه مستفادٌ من ضميرِ حكمهِ.
اعلم أنّه أنَّ مَن كَفَر عياذًا بالله تعالى، بطل جميع طاعاتِه ولم يلزمْه القضاءُ إلا الحجَّ، فإنَّ نسبةَ العُمر إليه كنسبة الْوقت إلى الصلاة، وقد أحبطه، والوقت باق.
وهل يبطل معاصيه؟
قال كثير من المحققين: «أنَّها لم تَبطلْ» (¬1)، كما في «التمرتاشي» (¬2).
¬
(¬1) كذا في تنوير الأبصار ص11.
(¬2) هو محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، نسبة إلى تُمُرْتَاشِ: بضمتين، وسكون الراء، وتاء وألف، وشين، قرية من قرى خُوارَزم، وهو من تلامذة صاحب «البحر الرَّائق»، قال محب الدين: كان إماماً كبيراً حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: «تنوير الأبصار»، وشرحه سمَّاه «منح الغفار»، و «الوصول إلى قواعد الأصول»، و «إعانة الحقير شرح زاد الفقير»، قال الإمام اللكنوي: «التنوير» وإن كان أحسن الكتب المصنفة في الفن، لكن بعض المسائل المذكورة فيه وقعت في غير موقعها، كمسألة أفضلية كثرة الركوع والسجود من طول القيام، وهي وإن كان ذهب إليها صاحب «البحر» وغيره، لكنه مخالف لجمهور الفقهاء، وكمسألة انتقاض وضوء مدمن الخمر بعرقه، وغير ذلك كما لا يخفى على من طالعه، (ت1004هـ). ينظر: خلاصة الأثر ج4 ص18 - 20، دفع الغواية ص11.
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، المؤلف: محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي الحموي الأصل، الدمشقي (المتوفى: 1111هـ)، الناشر: دار صادر – بيروت، عدد الأجزاء: 4.
دفع الغواية في تهذيب بداية الهداية لحجة الإسلام الغزالي (ت505هـ)، المؤلف: الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج الطبعة، عمان، الأردن، 2020م. الناشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.
الجزء 1 · صفحة 70
(والواجب) لغةً: الساقط، كما ذَكَره فخرُ الإسلام (¬1) و «البيهقي» (¬2) وغيرِهما، أو اللَّازم، كما في «الصحاح» (¬3) و «المغرب» (¬4) و «الأساس» وغيرها.
فقد أشكل ما في «التلويح» (¬5)، الحق أنَّه الثابت.
وشريعةً: (ما ثبت): أي فعلٌ أو تركٌ يُقَرِّرُ (بدليلٍ فيه شُبْهةٌ)، مثل ما ثبتَ بأحد من قسمي الظنّي ممَّا مرَّ في الفرضِ، إلَّا أنَّه يدخلُ فيه ما ثبت بالظَّنِّي والسُّنَّة والمستحب.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الفرضُ والواجب مترادفان (¬6): ما يذم شرعًا تاركه سواء ثبت بقطعي أو ظنَّي، إلَّا أنَّه يُشكل بفرض الكفاية وصلاة النائم.
واصطلاحاً: أولى من اصطلاحه، فإنَّ فيه ترجيحاً بلا مرجحٍ وعدمُ التفاتٍ إلى التفاوتِ بين الدليلينِ والمدلولينِ، مع موافقةِ الاسم المسمى، كالصَّلاةِ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والترتيبِ بينَ الفوائتِ، وترك أكل الضب واللعبُ بالشطرنجِ، كما في «الكشف» (¬7) وغيره.
واعلم أنَّ الواجبَ قد يُطلَقُ على المعنى الأعمّ كما مرّ، فيشمل: المُضيِّق كالصومِ الذي وقته معيار، والمتسع كالزكاةِ، والمخيّر كالكفارة، والمرخّص كأكل الحرام عند المخمصة (¬8)، كما في «أصول اللامشي» (¬9).
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ج2 ص303.
(¬2) ينظر: أحكام القرآن للشافعي، جمع البيهقي ج1ص 316.
(¬3) ينظر: مختار الصحاح ج1 ص15.
(¬4) المغرب في ترتيب المعرب، المؤلف: ناصر بن عبد السيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ (المتوفى: 610هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، عدد الأجزاء: 1.
(¬5) ينظر: التلويح ج2 ص248.
(¬6) كما في: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج1 ص452.
(¬7) ينظر لكشف الأسرار شرح أصول البزدوي ج2 ص300.
(¬8) المخمصة: المجاعة. ينظر: معجم مقاييس اللغة ج2 ص219.
(¬9) ينظر: أصول الفقه للامشي ص57.
أصول اللامشي هو: الإمام، بدر الدين: محمود بن زيد الحنفي، المتوفى: 522هـ. ينظر: كشف الظنون ج1 ص81، هدية العارفين ج1 ص312.
الجزء 1 · صفحة 71
(وحكمه): أيْ حُكم الواجب والأثر المُتَرتِّب على فعله.
(حكم الفرض عملًا) تمييزٌ عن نِسبتِه في إضافة، أي: من حيثُ الفعل والتركُ، فيُثابُ ويُعاقب بلا عذرٍ.
وفيه إشكالٌ: وهو أنَّ التَّارك إنْ كان متأوِّلًا لا يفسق.
(لا اعتقادًا): أي لا يَلزم اعتقاد حقيِّته لِثبوته بدليلٍ ظني.
والاعتقاد في المشهور: هو الحكم الجازِم القابِل (¬1) للتَّشكيك، بخلاف اليقين.
(ولا يكفّر) أي: لا يُنسَب إلى الكفر، من الإكفار.
(جاحدُه): أي نافي الواجب بالقول والاعتقاد؛ لوجود الظَّنيّ، لكن يَكون ضالًّا أو مبتدعًا؛ لأنَّه رادٌّ لِخبرِ الواحدِ، كما في «الكشف» (¬2).
وقيل: يكفّر؛ لأنَّه يُكفّر بإنكارِ السُّنةِ المؤكَّدةِ، كما في «النظم» وغيره، والأولُّ أصحُّ وأشهر (¬3).
والجحدُ: نفيُ ما في القلبِ إثباته، وإثباتُ ما في القلب نفيه.
(والسنّة) مثل الطريقة ولو غير مرضية.
وعرفًا: بلا خلافِ ما واظب عليه مقتدى نبيًّا كان أو وليًّا، كما أشار إليه صاحبُ التحقيق، والمراد ههنا سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
(ما واظبَ) أي داوم (عليه) (¬4)، أو ثَبَت بأمر من فعلٍ أو تركٍ.
فالسُّنة: مصدرٌ باعتبارِ المعنى الشرعيّ، ولذا اشتقَّ منها المسنون وغيره
(النبي) - صلى الله عليه وسلم - اسم من اسمائه الشريفة، وإنَّما أدخل اللام عليه؛ لأنَّه في الأصْل صفة مرويّ بالتحقيقِ في القراءات السبع.
¬
(¬1) في ب: المقابل
(¬2) كشف الأسرار ج2 ص303.
(¬3) كما في أصول البزدوي ج1 ص137، ونور الأنوار ج1 ص210.
(¬4) السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أن السنة نوعان:
الأولى: سنة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية؛ كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
والثانية: سنة الزوائد؛ وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده، ينظر: كشف الأسرار ج2 ص310.
الجزء 1 · صفحة 72
وقال سِيبويه: أنَّ أهلَ التَّحقيق ألزموا (¬1) التَّخفيف (¬2)، والأوَّل المختار (¬3).
والحق: أنَّه مهموزُ اللام.
وقيل: أنَّه من النُّبوَّة، وهي الارتفاع، وهذا غيرُ مُتقبلٍ عند مُحقِّقي البَصريَّة، كما في «الفائق» (¬4).
وقد مرّ أنَّ حقَّه تركُ الألف كتابةً، وإنَّما أخَّره للاهتمام بشأنِ الضَّمير، وإشارةً إلى أنَّ السَّلام يُجْزِئ عن الصَّلاة على ما دلَّ عليه النصُّ، كما مر.
ومواظبة - صلى الله عليه وسلم - أعمُّ من الحقيقة، فيَشمل ترك سنَّةٍ صارتْ شِعارًا لِأهْل البِدعة، فإنَّه سُنَّة على ما قالوا: كالتَّخَتُّم باليمين مع تركه مَرَّة أو مرتين تركًا حقيقيًّا أو حكميًّا، كما واظب عليه - صلى الله عليه وسلم -.
ولم ينكرْ على تاركه كالاعتكاف (¬5) وكالتيامن (¬6)، فإنَّه لم يَرو أحدٌ أنَّه بدأ بالشمال، كما في «شرح الوقاية» (¬7) إلا أنَّه سهو قائم، لم يروَ أنَّه واظب عليه، فيكون مُستحبًّا لا سنَّة، كما في «فتح القدير» (¬8) وغيره من المتداولات.
¬
(¬1) في أ، ج، د: التزموا.
(¬2) في أ، ج، د: التحقيق.
(¬3) ساقطة من: ب
(¬4) ينظر: مختار الصحاح ص304.
(¬5) هو: الإقامة بنية الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة بالفعل للصلوات الخمس، كما في مراقي الفلاح ص264.
(¬6) هو: ابتداء الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن، ينظر المعجم الوسيط ص 1066
(¬7) ينظر: عمدة الرعاية على شرح الوقاية ج1ص307 - 308.
عمدة الرعاية على شرح الوقاية، المؤلف: عبد الحي اللكنوي الحنفي (ت1304هـ)، المحقق: الدكتور صلاح أبو الحاج، الطبعة: دار الكتب العلمية، الأولى، 2009م، الناشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، الإصدار: 1.
(¬8) هذه مسامحات المصنف حيث أنَّ الحكم في فتح القدير ج2 ص389 مخالفٌ لما ذكره، وهو أن الاعتكاف سنة لا مستحب.
الجزء 1 · صفحة 73
وما قالوا أنَّ المواظبةَ بلا تركٍ دليلُ الوجوب فقد ردَّه (¬1) «المبسوط البكرى» (¬2) بأنَّ المُواظبةَ لم يثبتْ الوُجوب بدون الأمر بالفعل أو الإنكار على التارك.
ومع الفتح والسُّكون لغةً محذوف.
اللام والياء دالٌ على الصحبة (¬3) واستحداثُها ظرف بلا خلاف، فإنَّه مضاف إلى أحد المصاحبين، والأولى تركُه مرَّة؛ إذ المعنى في وقت حدوث مصاحبة رفض ذلك الشيء في جزء من الزمان.
وفيه إشكال من وجوه:
الأول: أنَّه لم يصلحْ أن يكون ظرفًا للمواظبة لفُقدان الإحاطة المشروطة في الظرف.
والثاني: أنَّ المُواظبةَ أصلٌ، والترك فرع.
والكلام يُشعِر بالعَكْس، كما في قولِهم: جاءنِي زيدٌ مع عمرٍو من تابعيَّة زيدٍ لِعمرٍو على ما في أوائلِ (¬4).
¬
(¬1) قال ابن نجيم في البحر الرائق ج1 ص17 - 18: والذي ظهر للعبد الضعيف أن السنة ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنة المؤكدة، وإن كانت مع الترك أحياناً فهي دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب، فافهم هذا فإن به يحصل التوفيق.
(¬2) هو لمحمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البُخاري القُدَيْدي الحنفي، المعروف ببكر خُوَاهَرْ زَادَه، قال الذهبي: شيخ الطائفة بما وراء النهر، برع في المذهب، وفاق الأقران، وطريقته أبسط طريقة الأصحاب، وكان يحفظها. من مؤلفاته: المختصر، والتجنيس، والمبسوط، (ت483هـ). ينظر: الجواهر المضية ج3 ص141، الفوائد ص270.
(¬3) ينظر: تفسير الزمخشري ج2 ص468.
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة - 1407 هـ، عدد الأجزاء: 4.
(¬4) ساقطة من أ.
الجزء 1 · صفحة 74
والثالث: أنَّ الترك أعمّ من الاختياري والاضطراري، ومنه التركة، كما قال «الراغب» (¬1)، وحينئذٍ يَدخل فيه ما تُرك من الفرض والواجب، كما في ليلة التعريس (¬2) وغيرها.
ولم يُحمل على التّرك بلا قضاءٍ وإلَّا لَكان إفساد الحد، كما تقرر.
والإطلاق دالٌ على أنَّ السُّنَّة تنقسم إلى:
سُنّة الهدى، ويقال له: السُّنَّة المؤكدة القريبة من الواجب: أي السُّنَّة الهادية إلى الدِّين الكامِل، وهو ما كان فاعله مثاباً وتاركه ضالًّا مبتدعًا.
وإلى سنة الزوائد: أي السُّنَّة الزائدة على الهدى، وما كان فاعله مثابًا وتاركه غير ضال فإضافتها كصلاة الأولى (¬3)، وإنَّما جمع.
واللام يزيد إلى الجِنس إشارةً إلى أنَّه أكثر من القسم الأوَّل، نحو يجوز أن يكون المعنى سُنَّة الهادي للخلق (¬4) على وجه الكمال، وسُنَّة الزوائد على جميع المكلَّفين في الأعمال - صلى الله عليه وسلم - على التفضيل والإجمال.
وإنما جمع الزائد؛ لأنَّه جَعَلَ الصِّفة اسمًا كالكامل (¬5).
وقد جمع الهالك على الهوالك (¬6)، كما في «الرضي» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: تفسير الراغب ج1 ص523.
(¬2) التعريس: نزول القوم في سفر من آخر الليل يقفون ثم يرتحلون. ينظر: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ج7 ص4500.
شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، المؤلف: نشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: 573هـ)، المحقق: د حسين بن عبد الله العمري - مطهر بن علي الإرياني - د يوسف محمد عبد الله، الناشر: دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، دار الفكر (دمشق - سورية)، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 11.
(¬3) سبق تفصيل في بداية تعريف السنة.
(¬4) في أ: الى الخلق، في ب: للخلق، في ج: للخلق، في د: للمطلق
(¬5) كالكاهل في، ب، ج، د
(¬6) جمع ميت. ينظر: المعجم الوسيط صفحة 991
(¬7) سبق ترجمته.
الجزء 1 · صفحة 75
وما في شرح «الوقاية» أنّ الأولى ما كان على سبيل العبادة، والثَّانية ما على العادة فمردودٌ، بأنَّ الفَرقَ بين العبادة والعادة وهو النية (¬1) المُتضمِّنة للإخلاص، كما في «الكافي» (¬2) وغيره.
وجميع أفعاله - صلى الله عليه وسلم - عبادةٌ مشتملةٌ عليها كما بُيِّن في محله، فالأولى كالآذان والإقامة والرواتب، والثَّانية كالسواك، وصلاة الليل، والنَّوافل المعينة، وأذان القاعد والمنفرد، وسيرته (¬3) - صلى الله عليه وسلم - في القيام والقعود والمشي واللباس (¬4).
وقد تنقسِم (¬5) السنة إلى:
سنة العين، وكالرواتب، وسنة الكفاية (¬6) كسلامٍ واحدٍ من جمع، وقيل: ومنه الاعتكاف، ورد بأنَّه رواية شاذّة، والحق أنَّه من سُنَّة العَيْن وإلى سُنَّة عبادة.
وسُنَّة اتِّباع، كالطَّلاق في طهرٍ بلا وطئٍ، فإنَّ الطَّلاق وإنْ كانَ أبْغضُ المُباحاتِ لكنَّه مسلوكٌ على طريقتِه - صلى الله عليه وسلم -.
وإلى سنَّة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى سنَّة الصحابة - رضي الله عنهم - مثل التراويح، ووضع الكرسف (¬7) فإنَّه سُنَّة عائشة رضي الله تعالى عنها كما في «المسعودية» (¬8).
¬
(¬1) في أ: النسبة
(¬2) ينظر: الكافي شرح البزدوي ج2 ص544.
(¬3) في د: سيرة، في أ: سير
(¬4) ينظر: عمد الرعاية على شرح الوقاية ج1ص309.
(¬5) ينقسم في: أ، ب، ج
(¬6) سنة الكفاية: كإقامة التراويح بالجماعة فإذا قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين فلم يأثموا بالمواظبة على ترك بلا عذر ينظر: رد المحتار على الدر المختار ج2 ص442.
(¬7) الكرسف: القطن، ينظر: القاموس المحيط ص1408.
(¬8) لعله لمحمد بن أحمد البيكندي، حدَّث عن الهروي، وادعى السماع من إسماعيل الكشاني، فكذب، وكان عارفًا بعلم الكلام، مهر في النظر، من تصانيفه: الرسالة المسعودية في المباحث النفيسة، وتحقيق الرسالة بأوضح الدلالة، (ت482هـ)، ينظر: تاج ص255، والجواهر ج2 ص9.
الجزء 1 · صفحة 76
وإلى سُنَّة المشايخ كالعدد التِّسع في الاستياك، والمطلق قد ينصرف إلى سنة غيره - صلى الله عليه وسلم -.
(وحكمُه الثَّواب بالفِعل) في السُّنن، (والعِتاب بالتَّرك في سُنَّة الهُدى) بضمِّ الهاء وفتح الدَّال الإرشاد إلى طريقٍ موصلٍ إلى المطلوب، وفيه (¬1) أنَّ المشهور العتاب بالترك (¬2): وهو إظهار الغضب على أحد لشيءٍ مع بقاء المَحَبَّة بالترك.
لكنَّ في «المسعودية» (¬3): مَن اعتَقَد السُّنة على نفسِه وعمِل به فهو مُؤمِنٌ سُنِّيٌّ، ومَن اعتقد ولم يعمَل فهو مُؤمِنٌ عاصٍ، ومَن اعتقد على الغَير فهو مبتدعٌ، ومَن لم يَعتقد أصلًا فهو كافر.
وفي «التمرتاشي» (¬4): أنَّ التَّارك آثمٌ على الصَّحيح.
وقال أبو اليسر (¬5): أنه [من لَومٍ] (¬6) يُلام عليه مع لُحُوق إثم يَسيرٍ.
وقال محمد - رضي الله عنه -: في المُصِرِّين على ترك سُّنَّة بالقتال، وأبو يوسف - رضي الله عنه - بالتأديب، كما في «الكشف».
وفي الاكتفاء إشعارٌ بأنَّه لا يَكفر بإنكار سُنَّة من السُّنن، كما في «النَّظم» وغيره.
وقيل: أنَّه يَكفُر به عند بعضهم، وكذا بالتَّهاون والاستخفاف، كما في «الخزانة» (¬7).
¬
(¬1) ساقطة في: ب
(¬2) في أ و ج: العقاب.
(¬3) ترجم سابقا.
(¬4) ينظر: تنوير الأبصار ص10.
(¬5) هو محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَويّ، أبو اليسر، قال عمر النسفي: كان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق، (ت493هـ). ينظر: الجواهر المضية ج4 ص99، وطبقات ابن الحنائي ص86.
(¬6) ساقطة من: أ، ج، د.
(¬7) ينظر: خزانة الأكمل ج1 ص142.
الجزء 1 · صفحة 77
وذكر في «الخلاصة» (¬1): لو تَرَك سُنَّة بلا عذرٍ تهاونًا لم يُقبَل فرضُه.
والكلامُ مشعرٌ بأنَّ تارك الزَّوائد لا يُعاقب، بل لا يُكْره ولا يُسيء.
ومن حُكْمِه لا بأس، كما في التحقيق، فهي قريبة من حكم المُستَحَبِّ فتَرْكُه مكروهٌ كراهةَ التَّنزيه، كما يأتي.
(والمستحب) لغة: من الاستحباب هو أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يُحبَّه، كما في «المفردات».
وشريعة: مثل التَّطوع والنَّفل.
فالندب (ما فعلَه النبي) - صلى الله عليه وسلم - من فعل أو ترك، كترك ما قيل فيه لا بأس به، والأحسن ترك الألف.
(مرَّةً) واحدةً (وتَرَكَه) مرةً (أُخرى): أي ما لم يُواظبْ عليه مِمَّا أمَرَ بفعلٍ أو تركٍ، أو فَعَله مرَّة أو أكثر كما هو المتبادر.
وإنَّما أخَّره عن السُّنَّة إشارةً إلى أنَّه دونَ سُنَّة الزَّوائِد، كما تَقَرَّر، ولمَّا أطلق المُستحَبَّ على فعل غير النبي - صلى الله عليه وسلم - كالصَّحابة وغيرِهم، ولم يُشتهر اشتهارَ إطلاق السُّنَّة على سُنَّة غيرِه - صلى الله عليه وسلم - لغرض (¬2) لهذا القسم من المستحب.
فقال (وما): أي المُستحب فعلٌ أو تركٌ (أحبَّه السَّلف): أي اسْتحسنه كُلُّ واحدٍ من هؤلاءِ الفقهاءِ صحابيًّا كان أو غيرَه، والأولى كلمة «أو».
والسَّلف بفتحتين لغةً: المتقدم، ثُمَّ سُمِّي به الآباء المُتقدِّمون.
¬
(¬1) الخلاصة لطاهر بن أحمد بنِ عبدِ الرشيد بن الحسين البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النحر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: «النصاب»، وخزانة الواقعات»، «خلاصة الفتاوي»، قال الإمام اللكنوي: وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء. (482ـ 542هـ). الفوائد ص146. الجواهر ج2 ص276، التاج ص172.
(¬2) تعرض في: ب
الجزء 1 · صفحة 78
وشرعًا: كُلُّ مَن يُقلَّد ويُقتفى أثره في الدين، كأبي حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - فإنَّهم سلفُنا، والصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -[فإنَّهم سلفُهم، كما في المستصفى.
وفيه أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - من أجلَّاء التَّابعين] (¬1) كما أشرنا إليه.
وقد قال - رضي الله عنه -: ما آتانا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرَّأس والعين، وما آتانا من الصحابة - رضي الله عنهم - فأخذنا تارة ونترك أخرى، وما آتانا عن التابعين فهم رجالٌ ونحن رجال (¬2).
وأن السَّلف ضد الخلف من المتقدمين والمتأخرين، والمتقدمون في لساننا أبو حنيفة وتلامذته - رضي الله عنهم - بلا واسطة، والمتأخرون الذين بعدهم من المجتهدين في المذهب (¬3).
وقد يُطلق المتقدِّمون على المتأخرين.
وأصحابُنا يُطلق على مجموع الطائفتين، كما في «التبصرة» (¬4) وغيره.
وما نقل عن الواقعات من معاني هذه الألفاظ فافتراء عليه.
(وحكمُه الثَّواب بالفعل) الشامل للترك (وعدم العقاب بالترك) بكلٍّ مِنهما.
¬
(¬1) ناقص في: ج
(¬2) هذا الكلام مروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهذا تأكيد منه أنه يلتزم ويتحرى في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن له قواعده وأصوله في قبول الحديث، كما في مقدمة العمدة ج1 ص34.
(¬3) قال اللكنوي: المتقدمون من فقهائنا: المراد بهم الذين أدركوا الأئمة الثلاثة، ومن لم يدركهم فهو من المتأخرين، هذا هو الظاهر من إطلا قاتهم في كثير من المواضع، ينظر: مقدمة عمدة الرعاية ج1 ص15.
(¬4) لعله لميمون بن محمد بن محمد بن مكحول ابن أبي الفضل، أبو المعين، النسفي المكحولي، قال ابن قطلوبغا: الإمام الزاهد العالم البارع، من مؤلفاته: التمهيد لقواعد التوحيد، التبصرة في الكلام، (ت508هـ)، ينظر: تاج التراجم ص308،
الجزء 1 · صفحة 79
وفيه إشعار بأنَّ تاركَه معاتب وملام، ففعلُه أفضل وتركُه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، كما في «فتح القدير» (¬1).
إلا أنَّه يُشكل بما قالوا: أنَّ الزيادة على ثلاث آيات بعد الفاتحة نفلٌ ولا يُعاتَب بتركها وإنْ صارت فرضًا بعد القراءة ولو كل القرآن (¬2)، وكذا الشروع في النافلة.
(والمباحُ) لغة: من أبحتُك الشَّيءَ: أي أحللته، كما في «الديوان»، و «القاموس» (¬3)، وغيرهما، لا من أبحتُه: أيْ اظهرتُه.
والمباح خلافُ المَحظور، كما في «الصحاح» (¬4)، والإباحة ضد الحُرمة، كما في «الكشف» وغيره، لكن في أيمان «المضمرات»: أنَّ الحِلَّ يَتَضَمَّن الإباحة؛ لأنَّه فوقَها فيُضَمِّنُها ضرورة في خلع النِّهاية أنَّ الإباحة ضد الكراهة فافهم.
(ما): أي فعل أو ترك (يُخَيَّر العبد) بالضَّم من التَّخيير، يُعطي الله تعالى إيَّاه الخِيار (فيه بين الإتيان) والفعل (والتَّرك)، فلَه أن يَختار كُل واحد من الفِعلين، فهو ما استوى طرفاه في نظر الشَّارع، كما مرَّ، مثل الأكل، زيادة [على التَّمكين من الصَّلاة قائمًا، والكسب للتجمل واللُّبس للتَّزيُّن] (¬5).
(وحكمُه عدمُ الثَّواب) فعلًا وتركًا (و) عدمُ (العِقاب)، بل عدمُ العِتاب (فعلًا وتركًا).
(والمُحَرَّم) من التَّحْرِيم: وهو جعلُ الشَّيء مُحرَّمًا، كما في «القاموس» وغيره، فيَدُلُّ على المَنْعِ من جِهة العقل، فيُحرَّم عليهم الخبائث، والأشهر الحرام وهو كالمُحرَّم صفةٌ أو مصدرٌ، والأوَّل أرجح.
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير ج1 ص307
(¬2) ويجاب بهذا الإشكال: بأنَّ الزِّيادة قبل تحقُّقِها كانت نفلًا فانقلبت فرضًا بعد التَّحقُّق لِدخولها تحت قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} [المزمل: 20]، كالنَّافلة بعد الشُّروع تصير فرضًا حتى لو أفسدها يجب القضاء ويعاقب على تركها، كما في التلويح على التوضيح ج2 ص249.
(¬3) ينظر: الفروق اللغوية ج1 ص225.
(¬4) ينظر: مختار الصحاح ص41.
(¬5) ساقطة من: ب
الجزء 1 · صفحة 80
وشرعًا: (ما ثَبَت): أيْ شيءٌ من الفعل والترك تَقرَّر (¬1) (النَّهي) الشَّامل لِلقطعي والظنيِّ، كما هو مذهبُ الشَّيخين، وهو المختار، كما يأتي.
فيَخرج عنه ما كره عند محمد - رضي الله عنه - كراهةَ التَّحريم.
والنَّهي لغة: الزَّجر عن الشِّيء بالْفعل والقول كاجتنب.
وشرعًا: لا تَفْعلْ استعلاء (¬2)، وهو المرادُ لا غير، إذ العُرف مقدمٌ وجوبًا على اللغة.
(فيه): أي في حقِّ هذا الشَّيء، والأصوب أن يُقالَ المَنعُ عند مكانِ النَّهي فيه، فيَدْخُل (¬3) فيه المُحَرَّمات الإخْبارِيَّة، نحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، وما تقرَّر أنَّ الخبر آكد من النَّهي غير نافع؛ لأنَّه عنايةٌ لم يُعتبر مثلها في التَّعريفات.
(بلا) أمرٍ (مُعارضٍ له) (¬4)
¬
(¬1) في أ، ج، د: مقرر
(¬2) سبق تعريف النهي.
(¬3) في ب: ليدخل
(¬4) أي تعارض دليلان في إباحته وحرمته، فالمكروه التحريمي إلى الحرام أقرب لتعارض الأدلة، وتغليب جانب الحرمة، فيلزم تركه؛ لما روي: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال) وهو موقوف على ابن مسعود في والسنن الكبير للبيهقي ج7 ص275، وضعفه، وينظر: نصب الراية ج4 ص314، فمعناه دليل الحل ودليل الحرمة، فالحرام يجب تركه والحلال يباح فعله، ينظر: الاختيار ج4 ص153.
الاختيار لتعليل المختار، المؤلف: عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (المتوفى: 683هـ)، الناشر: مطبعة الحلبي - القاهرة (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت، وغيرها)، تاريخ النشر: 1356 هـ - 1937 م
عدد الأجزاء: 5.
وأما المكروه التنزيهي فهو إلى الحل أقرب اتفاقاً؛ إذ لا يعاقب فاعله أصلاً، لكن يثاب تاركه أدنى ثواب؛ لأنه ليس من الحلال، ولا يلزم من عدم الحل الحرمة ولا كراهة التحريم؛ لأنَّ المكروه تنزيهاً مرجعه إلى ترك الأولى، ينظر: رد المحتار ج6 ص337.
والأصل الفاصل بينهما أن ينظر إلى الأصل:
إنْ كان حكم الأصل فيه الحرمة، فإنْ سقطت الحرمة لعارض، فللعارض وجهان:
أن يكون ممَّا تَعُم به البلوى وكانت الضَّرورة قائمةً في حق العامة، فالكراهة تنزيهية: كسؤر الهرة.
أن يكون ممَّا لا تعم به البلوى، ولم تبلغ الضَّرورة المبلغ السابق، فالكراهة تحريمية: كلبن ولحم الحمار.
إن كان حكم الأصل فيه الإباحة وعرض ما أخرجه عنها، فللعارض وجهان:
أن يكون غلب على الظنّ وجود المحرم فالكراهة تحريمية كسؤر البقرة الجلالة.
ألا يكون غلب على الظنّ وجود المحرم فالكراهة تنزيهية: كسؤر سباع الطير. ينظر: الفتاوى الهندية ج5 ص308 عن خزانة الفتاوى، ورد المحتار ج6 ص337، وغيرها.
وقال بعضهم: إنّ الكراهةَ المذكورةَ في ((كتاب الصلاة)) وما يتعلّق بها تنزيهيّة، وما ذكر في ((كتاب الصيد)) و ((الحظر والإباحة)) تحريميّة. ينظر: ذخيرة العقبى ص576، والبيان ص175 - 176، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 81
مَن عارَضَ فلانٌ فلانًا بمِثْله: أي أتى إليه مثل ما أتي.
وشرعًا: اختلافُ الدَّليلين نفيًا وإثباتًا بشرط المُساوات و (¬1) غيرها من الشُّروط، نحو ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهم - (أنَّ لحم الحمار نجس) (¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - (أنَّ لحمَه طاهرٌ)، والمراد نفيُ صورةِ المُعارض، فإنَّ حقيقةَ المُعارض يَلْزَم منها جهل الشارع، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، نحو {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فإنَّ قتل الأولاد منه حرام منهيٌّ بلا معارضٍ له.
واعلم أنَّ حقَّ الأحْكامِ أن يُضاف إلى الأفْعال ويُنسب كثيرًا إلى الأعيان مؤوَّلة مجازًا في المسند إليه، نحو حرم الميتة ومال الغير: أي أكلهما.
(وحكمُه الثَّواب بالتَّرك): أي تركِ المُحرَّم (لله تعالى): أي لِأجل رضائِه أو لِخشيَتِه (عز): أي قهر، ولم يقهر (وجَلَّ): أيْ خلق الأشياء العَظيمة المستَدِلِّ بها عليه، أو تناهى في الجلالة وعِظم القَدر، كما في «المفردات» (¬3).
وإنَّما قيَّد به؛ لأنَّه لو أثاب بمجرد التَّرك كان لِكُلِّ أحدٍ في كل لحظةٍ مثوباتٌ كثيرةٌ بحسب كُلِّ حرامٍ لم يصدر عنه.
(والعِقاب بالفعل و) حكمه الكفر (بالاستحلال): أي باتخاذه حلالًا أو يتمنَّى حِلِّيَّته، كما في «القاموس» (¬4).
(في المُتَّفَقِ عليه) من المحرَّم، وهذا لا يُستدرك بضمير حكمه؛ لأنَّ المُحرَّم شاملٌ لظنِّيٍّ لا يُكفر به بخلاف الفرض.
¬
(¬1) في ب: أو
(¬2) ينظر: شرح المسلم ج3 ص1538.
(¬3) ينظر: المفردات في غريب القرآن ج1 ص198.
(¬4) ينظر: مختار الصحاح ص79.
الجزء 1 · صفحة 82
(والمكرُوه) من الكراهة أو (¬1) الكراهِيَّة في الأصل منسوب إلى الكُرْه بالضَّمِّ عوض الألف من إحدى اليائين: مصدر كَرِه الشيءُ بالكسر: أي لم يَردَّه فهو كارهٌ، وشيء كَرِه ونضِر (¬2) وخجِل، وكريه أي مكروه، كما في «القاموس» (¬3) وغيره.
وشرعًا: (ما ثَبت) من فعلٍ أو تركٍ، (النَّهي) المذكورُ المفيدُ للحكم الظني بقرينةِ المعارض فيه: أيْ في حقِّه، والأولى المنع عنه، فإن النَّهي مخيَّر عن تلك الصيغة الدالة على التحريم، ولم يدل على الكراهة إلَّا عند الشافعي - رضي الله عنه - (¬4)، كما بُيِّن في محله، ولو سُلِّم فيشكل بالمكروهات الإخبارية.
(مع الأمر المُعارِض) المُساوي له بلا ترجيحٍ، كصَلاةٍ مع صورةِ ذي روحٍ، وتركُ سنَّة الهُدى.
(وحُكمه الثَّواب بالتَّرك الموصوف): أي لله عز وجل، كما مر، (وخوفُ العقاب) بالنار، والأولى تركُ الخوف، فإن كراهةَ التَّحريم كالْواجِب في الحُكْم، كما تقرر.
(بِالْفِعل) المكروه، (وعدمُ الكُفْر بالاستحلال)، فإنَّه ثَبت منعُه بدليل ظنيٍّ، ولا يَخفى أنَّ هذا الحَدَّ والحُكم لِلمكروهِ كراهةَ التَّحريم عند محمد - رضي الله عنه -، مع أنَّ المختار مذهبُ الشَّيخين، كما في «الخلاصة» (¬5) و «المضمرات» (¬6) وغيرهما، فلا بد من تحقيق المذهبين فنقول:
التحقيق عند محمد - رضي الله عنه - أنَّ ما منع من الفعل بدليل قطعيٍّ فحرامٌ وبظنيٍّ فمكروهٌ تحريمًا، وما لم يمنعْ عنه وتركه أولى فتنزيهٌ.
¬
(¬1) في أ: إذ.
(¬2) في ب، ج: كنصر
(¬3) ينظر: القاموس المحيط ص1252.
(¬4) ينظر: البرهان في أصول الفقه ج1 ص101.
(¬5) ينظر: خلاصة الفتاوى ق37/أ.
(¬6) ينظر: المضمرات ج1 ص261.
الجزء 1 · صفحة 83
والأصل في الفعل بينهما أنَّه إن كان الأصل فيه حرمتُه لكنْ أسْقطت لِعموم البلوى فتنزيهٌ وإلَّا فتحريمٌ، كسُؤرِ الْهرَّة ولحمِ الحِمار، وإن كان إباحته لكنْ غَلب على الظَّن وُجود المُحرَّم فتحريمٌ وإلَّا فتنزيهٌ، كسُؤْرِ البَقَرَةِ الجلَّالة، وسؤر سباع الطير.
وعندهما: إن مُنع منه فحرام، وإن لم يُمنَع فإنْ كان إلى الحرامِ أقربُ: أي إن استحق فاعله محذورًا كحرمان الشفاعة دونَ العقوبة بالنَّار فتحريمٌ، كلحم الفرس على الصحيح، وإنْ كان إلى الحِلِّ أقربُ: أيْ لم يَستحقَّ فاعلُه محذورًا وأثيب تاركه أدنى ثواب فتنزيه.
فالمكروه تحريمًا وتنزيها عندهما تنزيهٌ عنده، والتحريم (¬1) قسمٌ من الحرام عندهما: وهو ما منع منه بدليل ظنيٍّ (¬2).
(والمفسد) من الإفساد: وهو الإخراج عن الاعْتدال قليلًا كان أو كثيرًا في البدن أو خارجه.
وعرفًا: (هو النَّاقض) من النَّقض: وهو إبْطال تأليفِ الجِسم أو غيرِه كالبناءِ والعقد (لِلعَمَل): أي لِكلِّ عملٍ هو أخصُّ من الفعل فإنَّه فعلٌ قصديٌّ لم يُنسب إلى الحيوان والجماد.
(المشروع فيه) من العِبادات والمُعاملات، كالتَّكلم في الصَّلاة وعدمِ القُدرةِ على تسليمِ المَبيعِ.
والأولى أن يجعل هذا أحدًا للمبطل؛ لئلَّا يُخالف عرفهم، فإنَّهم قالوا أنَّ العمل صحيحٌ إنْ وُجد الأركان والشُّروط والوصف المرغوب فيه، وغيرُ صحيحٍ إن وُجد فيه قُبحٌ، فإن كان باعتبارِ الأصْل فباطلٌ في العبادات كالصَّلاة بدون ركنٍ، أو شرطٍ في المعاملات كبيع الخمر، وإن كان باعتبار الوصْف ففاسدٌ، كتركِ الواجِب، وكالرِّبا، وإن كان باعتبار أمر مجاور فمكروهٌ، كالصَّلاة في الدَّار المغصوبة، والبيع وقت النداء.
واعلم أنَّ الفِقه ضربان:
1.حقُّ الله تعالى عز وجل خالصًا أو غالبًا.
2.وحقُّ العَبد خالصًا أو غالبًا.
¬
(¬1) سبق تفصيل ذلك قبل صفحتين.
(¬2) ينظر: فتح القدير ج1 ص307