الجزء 1 · صفحة 5
تعقيب عَلَى البَيضَاوِي في قوله تعالى وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمدُ لوَليّه، والصَّلاة على نبيه، وبعد: فقد جاءَني في حُسنِ سؤال، من ذي جمال وكمال في الفواضل والفضائل، وسائر السير والشمائل، وكان من حُسنِ الآداب في تلك الحالِ أنْ يُقال في جواب ذلك المقال: ما المسؤول عنه بأعلم من السائل؛ إذْ لدى جَنَابِه وسائل لكل طالب وسائل في جملة مسائل، لكن بحكم القول المشهور، من أنَّ المأمور معذور؛ بل وفي بعض الأمور مشكور، وجب عرضُ ما خطر في البال المكسور.
فأقول وبالله التوفيق، وبيدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق:
إنَّ قولَ العلامةِ البَيضَاوي رحمه الله: والأقربُ أنَّ المراد: تمثيلُ كَفِّهم عن الشُّرورِ بالإقرانِ في الصُّفُدِ». وهوبعيد عن المطلب؛ إذْ حيث أمكن حمل كلامِ اللهِ على الحقيقة، لا وجه للعدول إلى المجاز في الطريقة، كيف وقد ثبت في صحيح البخاري: عن أبي هريرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ عِفْرِيتَاً من الجِنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذتُه، فأردتُ أَنْ أَرْبِطَه على سارية من سواري المسجدِ حتّى تنظروا إليه كُلُّكم، فذكرت دعوة أخي سليمان:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ??]، فرددتُه خاسِنا.
هذا، وقوله: «بالإقرانِ»: عدول عن القَرْنِ والتَّقرينِ المناسب للوارد في قَرِينِ، على أنَّ الإقرانِ لُغَيَّةٌ ضعيفة.
الجزء 1 · صفحة 7
ثم قوله: وسمي به العطاء؛ لأنه يرتبط المنعم عليه»: أراد به وجهَ ربطِ المناسبة المعنوية بين الإطلاقين في المشاركةِ اللُّغويَّةِ.
وأما قوله: «وفرَّقوا - أي: أهلُ اللُّغةِ - بين فعليهما فقالوا: صفدهُ: قَيَّدَهُ، وأَصْفَدَه: أعطاه، عكس وعده وأوعده»، ففيه بحث؛ إذ في «القاموس»: صَفَدَه، يَصْفِدُه شَدَّه، وأوثقه، كأَصْفَدَه، وصَفَدَه، والصَّفَدُ، محرَّكة: العطاء، والوثاقُ. انتهى.
وظاهره: أنَّه لا فرق بين فعليهما، وعلى تسليم ثبوتِ الفرق في استعمالهما يترتب عليه قوله: «وفي ذلك؛ - أي: فيما ذكر من الفرق - نكتة»؛ أي: خَفِيَّةٌ، إِلَّا أنها جليّة عند أرباب العربية وأصحاب الأدبية، وهي: أنَّ الهمزة فيهما محمولةٌ على السلبيَّة، فإزالة القيدِ الدال على المحن والجفاء موجبة للعطاء المستلزم للمنن والوفاء، كما أنَّ إزالة الوعد المشيرة إلى السُّخط، والعقوبة مشعرة بحصول عكس الوعد المستوجب للمحبة والمثوبة.
وهذا خَطْرَةٌ وقعت في أوَّلِ نظرةٍ، فرأيتُ قد سبقني الخطيبُ الكازَرُونيُّ
بمثل هذا المقال حيث قال: وفي ذلك نُكْتَةٌ من أنَّ بابَ الأَفعالِ قد يجيءُ للإزالة؛:نحوأشْكَيْتُه بمعنى: أَزَلتُ شكايته، فلما كان الصَّفْدُ متضمناً للقيدِ الذي هوشَرٌّ، ناسب أن يكونَ أَصْفَدَ للإعطاء الذي هومستلزم لإزالة القَيدِ، ولمَّا كان وَعَدَ دالاً على الخير، ناسب أن يكونَ أَوعَدَ للإنذارِ الدَّالّ على إزالة الخير. فحمدت الله على ذلك، حيث توارَدْنا فيما هنالك.
ثم رأيتُ الشيخ زكريا أفاد أن النكتة هي: أن القيد ضيق فناسب تقليل حروف فعله، والعطاء واسع فناسب تكثير حروف فعله، والوعد خير وهوخفيف فناسبه تقليل حروفه، والإيعادُ شَرٌّ وهوثقيل فناسبه تكثير حروفه، انتهى. وبعده لا يخفى، ولذا تعقبه سعدي جلبي بقوله: وفيه أنَّ ما ذَكَرَ في الفعلينِ الأولين يُمكنُ اعتبارُه في الآخَرَينِ أيضاً، وبالعكس، فالتخصيص يقتضي مخصصاً.
الجزء 1 · صفحة 8
ثم قال: والذي سَنَحَ بالبَالِ، والله أعلم بحقيقة الحال، هو: أنَّ زيادةَ الحرفِ تدلُّ على زيادة المعنى، وقلتُه على قِلَّتِه، ففي تقليل حروفِ فعل (وَعَدَ) إشارة إلى ابتغاء تقليل زمنه؛ لأنَّ أَهْنا البر عاجله، بخلاف الإِيعَادِ؛ فإنَّ الذي نبغي فيه هوالتنفيسُ والتَّأخيرُ؛ بل قيل: الخُلفُ عن الوعيد كرم، ويمكن مثل ذلك الاعتبارِ في الصَّفَدِ والإِصْفَادِ؛ فإنَّ المناسب لجانبِ المَضَرَّةِ هو: التَّقليل، بخلاف جانب النفع، انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا أيضاً نوع من الاعتبارِ الذي ليس عليه المدار عند أهل الاسْتِبْصَارِ، وأما قوله: (بل قيل: الخُلْفُ عن الوعيدِ كَرَم)، فقد جعلتُ رسالةً مستقلة في تحقيق هذه المسألة، وسميتها بـ «القولِ السَّديد في خُلْفِ الوَعِيدِ. هذا، ولمَّا وَرَدَ على كلامه اعتراض على تمامِ مَرامِه، باعتبار اختلافِ الاعتبار في مَقَاله ومَقَالِهِ، دَفَعَه بقوله: فإن قيل: فلِمَ اعتُبر في الفعلينِ الأَوَّلِينِ زمانُ الحَدَثِ، وفي الأَخِيرينِ الحَدَثُ نفسه؟ قلنا: الوَعدُ والإيعادُ من الأقوال، ولا مُعتَبر بتكثيرِ القول، ولهذا قيلَ: خيرُ الكلام ما قل ودَلَّ، فاعتُبرَ فيهما الزَّمانُ، ولا كذلكَ الصَّفَدُ والإِصْفَادُ، والله تعالى وَليُّ الرَّشادِ.
أقول: قوله: ولا مُعتَبَرَ بتكثير القول بأنَّه إذا كان في الخير، فكثرتُه مطلوبة، بخلاف ما إذا كانَ في الشَّرِّ، على أنه يمكن اعتبارُ القِلَّةِ في نفسِ الوَعِدِ أَيضاً؛ فإِنَّه قليلٌ بالنسبة إلى الوعيد، ولذا قَلَّ أصحابُ الوعد حيث قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مَّاهُمْ} [ص: 24] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وكَثُرَ أصحاب الوعيد حيث قالَ عَزَّ وَجَلَّ: وما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوحَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].
الجزء 1 · صفحة 9
وقد وَرَدَ: أَنَّ المؤمنينَ في جَنْبِ الكافرين من حيث القِلَّةُ والكَثرَةُ كَشَعْرَةٍ بيضاءَ في بَقَرَةٍ سوداء، أوبالعكس.
وأيضاً يُمكنُ القِلَّةُ باعتبار الوفاء بالوعد، والكَثْرَةُ باعتبارِ الجَفَاءِ في الوعيد، فالوجه الأوَّلُ هوالمُعوَّلُ، فليتأمل.
فإنَّ المناقشات في العباراتِ، تضييعُ الأوقات، والله أعلم بحقيقة الحالات.
كتبه أفقر عبادِ اللهِ الغني الباري: عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ الهَرَوِيُّ القَارِي الحَنَفيُّ، عاملهما الله بلطفه الخَفيّ، وكَرَمِه الوفي.