تطييب النفوس في المقادم والرؤوس
للفقيه عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي
توفي في سنة (1143 هـ)
تحقيق:
رائدة اسماعيل جميل خاطر
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
تطييب النفوس في المقادم والرؤوس
للفقيه عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي
توفي في سنة (1143 هـ)
تحقيق:
رائدة اسماعيل جميل خاطر
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
تطييب النفوس في المقادم والرؤوس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على من بيّن لنا الحرام من الحلال سيدنا محمد وعلى جميع صحابته وكل الآل.
أمّا بعد:
فيقول الفقير الحقير عبد الغني ابن النابلسي الحنفي: عامله الله تعالى بلطفه الخفيّ.
هذه رسالة جمعتها في بيان حكم المقادم والرؤوس، التي تطبخ الآن وتباع في أسواق دمشق الشام، بين الخاص والعام، وقد كثرت الأقوال فيها، واقتضى الحال بيانا شافيا وتنبيها، حيث أنها مغصوبة من مالكها جورا وظلما، وقد فطّنّا الجميع بذلك علما، ومن المقرر عند السادة الأئمة أن الحرمة مع العلم كما سنذكر، تنتقل من ذمة الى ذمة.
ولم أجد أحدا من علماء الحنفية صرّح بذلك في كتابه، ولا كشف بيد تحقيقه عن وجه صوابه، وقد استنهضني لذلك بعض الاخوان من أهل الإنصاف الطالبين للحق من غير تكلّف ولا اعتساف فأجبته لمطلبه على حسب الإمكان، وإن لم اكن من فرسان هذا الميدان.
وكان السبب الحقيقي في ذلك، والحامل لي في نفس الأمر على التقييد بما هنالك، انما هو بيان حكم هذه المسالة المشكلة لنفسي حتى اتخلّص بها من طوارق ظني وحدسي. فإن الحلال بيّن والحرام بيّن، ويتعيّن على المؤمن أن يكون كل حكم من أحكام الله تعالى عنده متعيّن، فشرعت عند ذلك في تصفح عبارات الكتب التي وجدتها على مذهب الامام
الأعظم أبي حنيفة النعمان عليه الرحمة والرضوان، وحرّرت ما ينبغي أن يقال، و قررته للأفهام بأفصح مقال، وسميته تطييب النفوس، في حكم المقادم والرؤوس.
مستعينا على تحقيق ذلك، بالقدير المالك، وجعلته على مقدمة ومقصد وخاتمة.
ومن الله تعالى أسأل حسن الخاتمة
المقدمة
اعلم أولا أن الأصل في ذلك أن الظلمة في بلادنا هذه، و كذلك في بعض البلاد، يأخذون في كل يوم من كل مجزرة جميع مقادم الغنم ورؤوسها التي تذبح فيها على ملك أصحابها قهرا عنهم.
ومضى على ذلك سنون كثيرة، ثم إنهم يطرحونها على أصحاب الحوانيت المستعدة لطبخ ذلك في الأسواق، ويأخذون اثمانها منهم في الحال أو ثاني يوم بعد أن [يطبخوها ويبيعوها].
ويسمّون ذلك مال السلطان بحيث لا يستطيع أحد أن يذبح في المجزرة شيئا من الغنم ما لم يعطِ الظلمة ما عيّنوه لهم من المقادم والرؤوس، وهم يزعمون أن معهم بذلك [إذنا من جانب السلطنة] فيقدمون على ذلك بنفس المخالفة أمر الله تعالى معلنة. وحاشا السلطنة المتقيدة بأحكام الشريعه المحمديه أن يأمروا بأخذ مثل هذه الاشياء الساقطه الدنيئة،
بل لا احتياج لهم ولا لأتباعهم إلى مثل هذا الشيء من اموال العباد، بل لا علم لهم بامثال ذلك قطعا في بلد من البلاد.
ولو علموه لأزالوه حسما لمادة الفساد، ولكن الوسائط تركب البسائط وحيث التزمنا بيان ذلك على وجه التحقيق فنقول: وبالله التوفيق.
المقصد
اعلم بأن الغصب في اللغة أخذ الشيء ظلما وقهرا، يقال: غصبت على الرجل الشيء، وغصبته منه، وغصبته إياه غصبا، ويقال: للمغصوب غصبا سُمّي بالمصدر.
وفي الشريعه أخذ مال متقوم محترم بغير اذن المالك على وجه يزيل يده ان كان في يده ,وزاد في "الكافي" على هذا قوله و"يقصر يده ان لم يكن في يده" وفرع على القصر مسألة استخدام عبد الغير والحمل على دابة الغير.
ولا يتحقق في الميتة لأنه ليس بمال، ولا في خمر المسلم لأنه ليس بمتقوم، ولا في مال الحربي لانه ليس بمحترم، ولا فيما أذن المالك بأخذه كالوديعة، ولا في ما لا يزيل اليد عنه الغصب، كذا في" شرح الكنز " " لمسكين"، وفي "المنبع شرح المجمع ".
والغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلما. وفي الشرع: يختلف تفسيره باختلاف المذاهب.
عند الشافعي:" إثبات اليد على مال الغير بدون إذن مالكه ".
وعندنا:" أخذ مال متقوم محترم مملوك للغير قابل للنقل على وجه يتضمن تفويت يد المالك تعديا".
فالشافعي يقول: الشرع لم يطلق له إثبات يده على مال الغير إلا بإذن منه، فاذا لم يوجد منه الإذن عدم المطلق الشرعي، فكان الفعل منه تعديا موجبا للضمان.
ونحن نقول: إن الضمان شرع جبرا والجبر يعتمد الفوات، وبالفوات يتحقق معنى التعدي فان الأموال مخلوقة للإستيلاء عليها، والمنع عن الإستيلاء إنما يكون بعارض، وهو تعلق حق الغير بها.
و كل تصرف يتضمن تفويت الحق علي المالك كان تصرفا ممنوعا عنه في الشرع، فكان الركن في صفة التعدي، وإيجاب الضمان (التفويت) على المالك، فلو استخدم مملوك غيره بغير أمره أو ركب دابة أو حمل عليها أو ساقها، فهلكت، كان غاصبا، لأنه أثبت اليد المفوتة.
ولو جلس على بساط غيره أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في حجره، لا يكون غاصبا حتى ينقله أو يمسكه.
وقبول النقل والتحويل في المغصوب مذهب ابي حنيفه وابي يوسف الأخر، خلافا لمحمد والشافعي، انتهى.
وفي "كنز الدقائق" الغصب: إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة، وفي" شرحه لمسكين" وعند الشافعي: هو إثبات اليد المبطلة. ولا يشترط ازاله اليد المحقه. واعلم أنه لا بد أن يزاد لا (على) سبيل الخفيه، لتخرج السرقة، انتهى.
وفي" تنوير الابصار " الغصب ازالة يد محققة بإثبات يد مبطلة في مال متقوم محترم قابل للنقل بغير إذن مالكه لا بخفية، انتهى. وفي" شرح الدرر".
فالحاصل: أن المعتبر في الغصب عندنا ازالة اليد المحقة واثبات اليد المبطلة. وعند الشافعي: فهي المعتبر هو الثاني، فقط انتهى. إذا هذا فاعلم أن هذه المقادير والرؤوس مغصوبة قطعا، لأن تعريف الغصب منطبق عليها، وذلك لأنها مال لكونها غير ميتة ومتقوةه بقيمة معلومة ومحترمة، لان مالكها اما مسلم أو ذمي، وقد أخذت بغير إذن. إذ من المعلوم أن المالك لا يرضى بأخذ ملكه قهرا عنه، ورضاه عادة غير معتبر، لانه لضروره علمه أن الامتناع من إعطاء ذلك لا يفيد بل لا بد من الأخذ،
ولا شك إنها كانت في يد مالكها وقد زالت يده عنها زوالا محققا لا شك في حرمة هذا الغصب شرعا وعقلا،
قال: "الاقطع" (5) في شرحه على "مختصر القدوري" (6)،
والغصب محرم بالعقل لما فيه من ادخال الضرر على الغير، وقد ورد الشرع بتاكيد ما اقتضاه و العقل من التحريم،
وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} النساء الاية 10.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من غصب شبرا من ارض طوقه الله تعالى يوم القيامه من سبع ارضين" انتهى.
وفي "المنبع": الغصب تصرف منهي عنه حرام لكونه تصرفا في مال الغير بغير رضاه.
وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} سورة البقرة 188 ,وقال - صلى الله عليه وسلم -:"المسلم على المسلم حرام كله ماله ودمه وعرضه"
وعلى حرمته انعقد الاجماع. والغصب على ضربين:
- ضرب لا يتعلق به المأثم، وهو ما وقع عن جهل، كمن اتلف مال الغير وهو يظن انه ملكه او تملكه ممن هو في يده، وتصرف فيه واستهلكه، ثم ظهر انه لغيره، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" رفع عن امتي الخطا والنسيان " والمراد الاثم.
- وضرب يتعلق به الاثم، وهو الماخوذ على وجه التعدي، فانه ياثم باخذه وامساكه انتهى. وفي شرح الاقطع، وعلى الغاصب رد العين المغصوبه، اما وجوب رد العين اذا كانت قائمه، فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:" على اليد ما اخذت حتى ترد"
قال - صلى الله عليه وسلم -:" من وجد عين ماله فهو أحقّ به "،فان كانت هالكة وكان لها مثل فعلى الغاصب مثلها، واما اذا كان المغصوب المستهلك مما لا مثل له فالواجب فيه القيمه الى اخر عبارته. وفي المنبع ويجب على الغاصب رد عين المغصوب في مكان غصبه، فان هلك ضمن مثله ان كان مثليا، والا فقيمته يوم غصبه، فان نقص ضمن النقصان.
اما وجوب رد العين المغصوبه، فمعناه ما دامت العين قائمه، ويفهم ذلك من قوله بعده فان هلكت، فتعليق الضمان بالهلاك دليل على ان الرد مشروط بقيام العين، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" على اليد ما اخذت حتى ترد" وقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يحل لاحدان ياخذ مال اخيه لاعبا ولا جادا فان اخذه فليردهولانه لما فوت يد المالك عن العين المغصوبة تعديا وهي حقه وجب عليه اعادة حقه برد يده، وانما شرط مكان الغصب وهي من الزوائد في اختلاف القيمه باختلاف الاماكن، والموجب الاصلي هو رد العين وانما جعل رد القيمة خلفا عنها لان القيمة مثل معنوي نظرا الى المالية، فكان قاصرا، وقيل بل هو على العكس من ذلك. واذا هلك المغصوب وكان مما له مثل كالمكيل والموزون وجب عليه مثله، واطلق في المتن لهلاك، ليشمل ما اذا هلك بفعله او هلك بفعل غيره [فانه سواء في وجوب الضمان]،
فاذا عجز عن رد العين وجب البدل، مستندا الى زمان السبب لان ذلك هو الاعدل، والاشتمال على رعاية الجنس والمالية، فكان ادفع للضرر، وان لم يكن مما له مثل العدديات المتقاربة فعليه قيمته يوم غصبه، لانه لما تعذر رعاية الحق في الجنس وجب مراعاته في الماليه دفعا للضرر بالقدر الممكن.
وأما العدديات المتقاربة كالبيض والجوز فهو كالمكيل، يجب مثلها لقلة التفاوت وانما قيده بيوم الغصب لانه هو السبب وبه دخل في ضمان، واما ضمان النقصان فهو اعتبار البعض بالكل انتهى. وحيث تقرر وثبت انعقاد الاجماع على حرمة هذا الغصب فلا شبهة في كفر من استحله، كما نقل "ابن الرفعة" من الشافعيه في "شرح التنبيه" من كتاب الغصب،
وقال "الماوردي": وقد اجمعت الامه على ان من فعله مستحلا كان كافر، ومن فعله غيره مستحلا كان فاسقا، انتهى كلامه.
ونقل الشيخ "المناوي" في "شرحه الكبير على الجامع الصغير " للاسيوطي" ان الغصب كبيرة، بل يكفر مستحله، لكونه مجمعا عليه معلوما من الدين بالضروره انتهى.
ونقل ايضا في شرحه على حديث "من ظلم قيد شبرا من ارضا طوقه الله من سبع ارضين" قال: وفي الحديث تهديد عظيم للغاصب،
قال بعض شراح البخاري: سيما ما يفعله بعضهم من بناء الربط والمدارس ونحوهما مما يظنون به القرب والذكر الجميل، من غصب الارض لذلك،
وغصب الالات واستعمال العمال ظلما سيما وبتقوىن يعطي من المال الحرام المأخوذ ظلما، الذي لم يقل احد بحل اخذه، ولا الكفار على اختلاف مللهم. فيزداد الظالم بإرادته الخير على زعمه من الله بعد، انتهى.
فتأمل هذا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم غصب الحقوق ظلما يجب على كل من قدر على منعه ازالته ولو بقتل الظالم المباشر له حالة المباشرة.
قال: "في تنوير الابصار "من كتاب الحدود في باب التعزير ويكون بالقتل كصاحب المكس وجميع الظلمة، بأدنى شيء له قيمة، وبقيمة كل مسلم حال مباشرة المعصية، وبعدها ليس ذلك غير الحاكم، انتهى.
فإذا كان الحاكم هو الظالم بعينه فليتحرى من يقيم عليه هذا التعزير بالقتل، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
ثم اعلم ان الحرمة في هذا الغصب تنتقل من ذمة الى ذمة مع العلم بها، فمن غصب شيئا وباعه انتقلت الحرمة من ذمة البائع الى ذمة المشتري العالم بأنه مغصوب، فإن باعه المشتري ثانيا لآخر يعلم انه مغصوب انتقلت الحرمة من ذمته أيضا، وهلم جرا. وكذالك اذا وهبه الغاصب وعلم الموهوب له بأنه مغصوب او تصدق به ونحو ذلك من سائر التصرفات، فأن الحرمة تنتقل فيها من ذمة الى ذمة مع العلم بها.
قال: في " الاشباه والنظائر " في الفن الثاني في كتاب الحظر والاباحة الحرمة تتعدد في الأموال مع العلم بها الا في حق الوارث، فإن مال مورثه حلال له وان علم بحرمته، كذا في " الخانية " وقيده في الظهيرية بأن لا يعلم ارباب الأموال، انتهى. وعلى هذا يترتب ما نقله في جامع "الفصولين "في الفصل الثامن والثلاثين، قال: ولو تصدق على الفقير بشيء من المال الحرام يرجوا الثواب كفر، ولو علم به الفقير فدعى له وأمّن المعطي كفر، انتهى.
وذكر والدي رحمه الله تعالى في كتابه " الاحكام شرح درر الحكام " في اخر كتاب الكراهية والاستحسان في بحث المكفرات بعد ذكر هذه المسألة قال: لكن تعقب بأن من كان عنده مال حرام فهو مأمور بالتصدق به على الفقراء، فينبغي ان يكون مأجورا بفعله حيث قام بطاعة الله تعالى وأمره ,فلعل المسألة موضوعة في مال حرام بعرف صاحبه، ويعدل به الى غيره في عطائه لاجل سمعته ورياء، انتهى كلامه.
ولا يخفى أن المسألة مصورة في ان يرجوا الثواب، فكيف يستقيم قوله لأجل سمعته ورياء، بل لو كان كذلك ينبغي أن لا يكفر، لأنه لا يرجوا الثواب فتدبر اذا تقرر هذا، فلنرجع الى ما نحن بصدده، فنقول وبالله التوفيق وبيده ازمة التحقيق.
اعلم ان هذه المقادم والرؤوس المغصوبة كما ذكرنا من أناس شتى إذا خلط الغاصب بعضها ببعض حتى لا تتميز فقد ضمنها بهذا الخلط، وإذا ضمنها انقطع حق المالك عنها ودخلت في ملك الغاصب، ودليلي على ذلك صريح النقول من كتب المذهب، قال الامام الخبازيفي " مختصر محيط السرخسي " رحمهم الله تعالى من كتاب الغصب في باب الضمان بالخلط، خلط المغصوب او الوديعة بمال نفسه او مال غيره إن تعذر التمييز بينهما أصلا يضمن، وإن امكن التمييز بينهما بالقسمة كخلط الحنطة بالحنطة واللبن باللبن ضمنه عند أبي حنيفة، وعندهما المالك بالخيار إن شاء ضمنه مثل حقه وإن شاء شاركه في المخلوط. وخلط المجاورة كخلط الدراهم بالدنانير والشعير بالحنطة، ان أمكن التمييز بينهما لا يضمن وإن لم يمكن التمييز إلا بكلفة كخلط الشعير بالحنطة يضمن الخالط، وقيل له الخيار بالإجماع،
والصحيح هو الأول. خلط دراهم جياد بدراهم زيوف فهو ضامن اذا علم ان الجياد زيوفا، أو في الزيوف جيادا، وإذا لم يعلم لا يضمن. خلط حنطة رجل بشعير آخر، وغاب الخالط، فإن رضيا أن يأخذ المخلوط أحدهما و يضمن لصاحبه مثل كيله أو قيمته جاز، وإن أبيا باعاه وإقتسما ثمنه، فيصرف لصاحب الحنطة قيمة حنطة مخلوطة بالشعير، ولصاحب الشعير قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة انتهى.
وفي " تنوير الأبصار " من كتاب الزكاة في باب زكاة الغنم، ولو خلط السلطان المال المغصوب بمال ملكه فتجب الزكاة فيه ويورث عنه، انتهى.
وفي" شرح الدرر " في باب صدقة السوائم، غصب السلطان مالا وخلطه بمال صار ملكا له، حتى وجب فيه الزكاة.
وورث عنه كذا في الكافي انتهى.
وتعقب الوالد رحمه الله تعالى هذه المساله في كتابه الاحكام، بان هذا الغاصب مديون وهو بقدر ما في يده فقير، فكيف تجب عليه الزكاة فيه، ففي قولهم ذلك نظر فتدبره انتهى. وفي "الاشباه والنظائر" في الفن الثاني في كتاب الامانات،
الامين اذا خلط بعض اموال الناس ببعض او الامانه بماله فانه ضامن، فالمودع اذا خلطها بماله بحيث لا تتميز ضمنها، فلو انفق بعضها فرده وخلطه بها ضمنها لاربابها، والعامل اذا سال الفقراء له شيئا وخلط الاموال ثم دفعها ضمنها لاربابها، فلا تجزيهم عن الزكاه الا ان يامره الفقراء اولا بالاخذ،
والمتولي اذا خلط اموال اوقاف مختلفه يضمن الا اذا كان باذن القاضي، والسمسار اذا خلط اموال الناس واثمان ما باعه ضمن الا في موضع جرت العاده بالاذن بالخلط، والوصي اذا خلط مال اليتيم ضمن، الا في مسائل لا يضمن الامين بالخلط،
القاضي اذا خلط ماله بمال غيره او مال رجل بمال اخر، والمتولي اذا خلط مال الوقف بمال نفسه، وقيل يضمن انتهى.
ثم نقل في الفن الثالث في القول بالملك والغاصب اذا فعل بالمغصوب شيئا، ازال به اسمه واعظم منافعه ملكه، واذا خلط المثلى بمثلى بحيث لا يتميز ملكه انتهى،
وفي" تنوير الابصار" في كتاب الغصب فإن غصب وخير فزال اسمه واعظم منافعه او اختلط بملك الغاصب بحيث يمتنع امتيازه او يمكن بحرج ضمنه وملكه بلا حل انتفاع قبل اداء ضمانه انتهى.
وفي "المنبع شرح المجمع" لمصنف رحمه الله تعالى، واذا تغيرت العين بفعل الغاصب حتى زال اسمها واعظم منافعها تملكه اياها، ولا تنتفع بها حتى يؤدي البدل، والقياس الحل،
وهو روايه كما لو ذبح شاة فطبخها اوشواها، او طحن حنطة، او زرعها او خبز دقيقا، او جعل الصفرانيه والحديد سيفا، او بنى على ساحه، او عصر زيتونا او عنبا، او غزل قطنا او نسج غزلا،
ذكر اصلا ثم مثل بالفروع المبنيه عليه.
وخلاف الشافعي في الجميع، ومذهبه روايه عن ابي يوسف الا انه اذا اختار ان ياخذ الدقيق لا يضمن النقصان عنده لادائه الى الربا،
وعند الشافعي يضمنه النقصان. للشافعي ان الاوصاف تابعه للعين، والملك يبقى ببقاء العين وهي باقيه، فيبقى الملك،
كما اذا القت الريح حنطه في طاحونه فطحنت ولا اعتبار بفعل الغاصب لانه محظور فلا يصلح سببا للملك، وهو نعمه،
ان لما أحدث في المغصوب صنعة متقومة، صار حق المالك هالكا من وجه يدل عليه تبدل الاسم وفوات معظم المقاصد، وحق الغاصب في الصنعة قائم من كل وجه فيترجح على الاصل الفائت من وجه، والملك لا يضاف الى المحظور وانما هو مضاف الى احداث الصنعة،
قوله ولا ينتفع بها حتى يؤدي البدل هذا استحسان، والقياس ان يحل له الانتفاع بها قبل اداء البدل، وهو مذهب الحسن وزفر وروايه الفقيه ابي الليث عن ابي حنيفه،
ووجهه ان الحل مضاف الى السبب المطلق للتصرف وهو قائم، ولهذا لو وهبه او باعه جاز.
ووجه الاستحسان ما روي انه صلى الله عليه وسلم قال: في شاة ذبحت وصلبت بغير رضا صاحبها، اطعموها الاسارى، فانه يفيد الامر بالتصدق وزوال الملك وحرمة الانتفاع قبل الارضاء ولان في افاده اباحه التصرف قبل الارضاء فتح باب الغصب فيحرم حسما لماده الفساد، واما نفاذ البيع والهبه مع الحرمه فلقيام الملك كما في الملك الفاسد، ووجه الاباحه عند الاداء حصول المبادلة بينه وبين الغاصب بالتراضي، وكذا لو أبرأه لسقوط حقه بالإبراء.
ولنا وجه اخر في الساحة اذا بنى عليها، أن فيما قاله اضرارا بالغاصب، حيث ينقض بنائه من غير خلف، وفيما ذهبنا اليه رعايه الحقين، وضرر المالك يندفع بإيجاب القيمه، وصار كما لو خاط بخيط مغصوب بطن عبده، أو أدخل لوحا مغصوبا في سفينته، فانه يجب القيمة فيها اجماعا انتهى.
وفي شرح "الاقطع على مختصر القدوري"، واذا تغيرت العين المغصوبه بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها، زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها، ولم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وهذا كمان غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها، أو حنطة فطحنها، او حديدا فاتخذه سيفا، او صفرا فعمله انيه، أما زوال ملك صاحبها فهو مذهب اصحابنا. وقال الشافعي: لا ينقطع حق صاحب العين وله ان يأخذها ويضمنه النقصان.
دليلنا: ما روي ان قوما من الانصار ضافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا له شاة مصلية فاخذ منها لقمه فمضغها فلم يصغها،
فقال: أمّا أنّ هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير حق، فقال الرجل: هذه شاة أخي ولو كان أعز منها لم ينفس علي بها، وسأرضيه بخير منها، فلم ياكل منها، وامر ان يتصدق بها على الاسرى، فلولا ان ملك المغصوب منه زال عنها لم يامره بالصدقه بها، ولا امر ببيعها وحفظ ثمنها عليه، وعلى هذا بنى ابو حنيفه رضي الله عنه اكثر مسائل الغصب، فكان المعنى فيه ان الاسم زال، واكثر المنافع المقصوده المباحه من العين بفعل الغاصب، فزال ملك مالكها عنها، كما لو غصب دهنا طيبا فخلطه ببزر، فان قيل: روي في حديث سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على اليد ما اخذت حتى تؤدي) قيل له: هذا دليل عليك لان ظاهره يقتضي ان من غصب حنطه وطحنها لا يلزمه رد الدقيق، لانه اخذ حنطه ولم ياخذ دقيقا، فان قيل: فعل لو فعله في ملك نفسه لم يزل ملكه، فاذا فعله في ملك غيره لم يزل ملكه، اصله اذا ذبح الشاة ولم يشوها، واذا قطع الثوب ولم يخطه، قيل له يبطل به، اذا غصب ذهنا فخلطه بجنس اخر دونه،
فاما اذا ذبح الشاة فالاسم لم يزل، لانه يقال شاة مذبوحه، ولم تفت عامة المنافع، وانّما فات بعضها، لان سائر منافع الاكل باقية، فاما الحنطة اذا طحنت فقد زال الاسم وعامة المنافع، وكذلك الثوب اذا قطعه ولم يخطه فلم يزل الاسم ولا عامة المنافع، فلذلك اختلفا،
وهذا الذي ذكرناه كله قول ابي حنيفه ومحمد وعن ابي يوسف مثله، وقد روي عنه في الحنطة اذا طحنها الغاصب ان المغصوبة منه لا ياخذ الدقيق مكان الحنطة، ولكن ابيع الدقيق واشتري له حنطة مثل حنطته، وهو احق بذلك من جميع الغرماء ان مات الغاصب، لانه مشبهه فهو احق به، وعنه ايضا ان رب الحنطة بالخيار ان شاء ضمنه مثل الحنطه ودفع اليه الدقيق، وان شاء اخذ ذلك وابرأ الغاصب لانه متاعه بعينه، واستقبح ان يجي رجل مفلس الى الف كر حنطة لرجل فيطحنه ثم يهبه لابن له صغير، فلا يكون لرب المال على الدقيق سبيل.
خالف ابو حنيفه في ذلك، وهذا صحيح لان العين المغصوبه بحالها وانما حدث فيها تفريق، وذلك لا يمنع من اخذها، كما لو ذبح الشاة، واذا ثبت ان ملك المغصوب منه قد زال بما ذكره لزم الغاصب الضمان، لان ملك المغصوب منه زال عن العين بفعل الغاصب من غير اذن فلازمه الضمان، كما لو اتلفها، واذا لزمه الضمان ملك العين لان الضمان سبب التمليك، فاذا ضمن القيمه ثم ظهرت له العين كانت للغاصب،
وقال الشافعي: لا يملكها الغاصب بالضمان، واذا قدر عليها اخذها صاحبها ورد القيمه التي قبضها،
دليلنا: ان ملك العين التي يجوز نقل الملك فيها، فوجب ان يكون سببا للتمليك، اصله اذا خلط الدهن بالبزر، واذا وطئ الجارية المشتركة وضمن قيمتها، ولان عند المخالف ان القيمه بدلا عن الحيلوله بين المالك وملكه وليس بصحيح، بل هي بدل عن العين، لان الحيلوله سبب الضمان، والبدل في مقابله المضمون، لا في مقابلة السبب
اصله الثمن في البيع، ان في مقابلة البيع لا في مقابله العقد. وكذلك الدية في القتل، واذا ثبت هذا قلنا ملك البدل عن العين التي يصح تمليكها، فوجب ان يملك العين كالثمن في المبيع،
فان قيل: بدل عن الجناية لم يستقر فاذا تبين ان الجناية غير موجودة، وجب رد البدل،
كمن ضرب عين رجل فابيضت، فغرم الارش، ثم زال البياض انه يجب رد الارش،
قيل له يبطل اذا تعذر تسليم المبيع فقضي للمشتري بالثمن، ثم امكن التسليم، وعلى انّا لا نسلم ان الغاصب يغرم البدل عن الجنايه، وانما هو بدل عن العين على ما تقدم، والمعنى في الاصل ان الارش يجب لفوات المنفعة أو الجمال وإذا زال البياض فلم يفت واحد منها، وفي مسألتنا القيمة عوض عن العين، والعين قد سلمت للغاصب، فلم يفسخ التضمين فيها، وإذا ثبت أن الغاصب يملكها بالضمان لم يحل له الإنتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وذلك لأن النبي أمر أن يتصدق بالشاة،
ولو جاز الإنتفاع بها لم يمنع من أكلها، فاذا دفع البدل حل الإنتفاع بها، لان حق المالك قد سقط باستيفاء البدل، فصار كأنه باعها واخذ ثمنها فيجوز له الانتفاع بها والاكل منها، ويسع غيره ان ياكل منها، وكذلك ايضا اذا ضمنه المالك القيمه، لان البدل يثبت بتراضيهما، فصار كأن باع، وكذلك اذا ضمّنه الحاكم لان الحاكم لا يحكم الا بطلب المالك ودعواه، فكأن المالك ضمّنه فيحل له بذلك،
وقد قالوا: إن أبى المالك أن يأخذ القيمة وأراد ان ياخذ اللحم وهو مطبوخ او مشوي لم يكن له ذلك، لما بيننا ان ملكه زال، فلم يكن له المطالبه بما ليس على ملكه، وقالوا: إن باع الغاصب اللحم بعد ما طبخه صح، لانه ملكه من وجه محظور فهو ممنوع من الانتفاع، به فان باعه صح ونفذ بيعه فيه، اصله المقبوض على وجه بيع فاسد انتهى.
وفي شرح" الجامع الصغير "رجل غصب ساحة فادخلها في بناءه، ينقطع حق المالك الى القيمه، لان إدخالها في البناء استهلاك وعليه القيمة، خلافا للشافعي رحمه الله تعالى، فان عنده ينقض البناء ويرد الساحة، وكذلك اذا غصب آجرا وبنى به حائطا لان العين باقي فيبقى على ملكه ولا معتبر بفعله، اي بفعل الغاصب، لا محظور فلا يصلح سببا للملك، فلغا فعله فصار كما اذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها واربها، جعلهاربا اربا، اي عضو عضوا، ولنا ان الساحه صارت مستهلكه، لانها صارت تبعا للارض لان البناء تبعا للعرصة يدخل في بيع الارض من غير ذكره، ويؤخذ بالشفعة، وحق الغاصب في البناء قائم من كل وجه، فيترجح حق الغاصب، وان فيما ذهب اليه الشافعي إضرارا بالغاصب بنقض بنائه الحاصل من غير خلف، وضرر المالك فيما ذهبنا اليه مجبور بالقيمه، فصار كما اذا خاط بالخيط المغصوب بطن جاريته او عبده، او أدخل اللوح في سفينة والسفينة مع من عليها في لجة البحر ليس للمالك ان ينزع لوجه منها، وانما قيد بذلك لانها اذا كانت واقفة كان له ان ينزع عنده، فلا يصلح للاستشهاد،
ثم قال الكرخي والفقيه ابو جعفر رحمه الله تعالى: انما لا ينقض اذا بنى في حوالي الساحة بأن أدخل الساحة في وسط الجدار للاحكام لا للبناء عليها، لانه غير متعد في البناء، أما اذا بنى على نفس الساحة ينقض، لانه متعدا فيه، وجواب الكتاب يرد ذلك التفصيل، حيث قال: ينقطع حق المالك مطلقا، وهو الاصح، قيل لانه تغير عما كان عليه، لان الساحة قبل البناء عليها تصلح للاحراق تحت القدر ولأبواب الدور وغير ذلك، وبعده لا تصلح لشيء من ذلك الا بالنقض، والتغير يوجد انقطاع حق المالك انتهى.
وفي" شرح الكنز "لمسكين واذا غصب ملك بلا حل انتفاع قبل اداء الضمان بشئ، بان غصب شاه وذبحها وشواها وطبخ وطحن وزرع، بان غصب حنطة وطحنها او زرعها واتخاذ سيف او انآء، حال كون الاناء بغير الحجرين، اي الذهب والفضه هذا كله عندنا، وعند الشافعي لا ينقطع حق المالك، وهو رواية عن ابي يوسف، ثم القياس وهو قول زفر والحسن، وروايه ابي حنيفه للغاصب ان ياكل هذا الدقيق وينتفع به قبل ان يؤدي الضمان، وانما قيّد بقوله بغير الحجرين، لانه لو غصب ذهبا او فضه فضربهما دنانير أودراهم او آنيه، لم يزل ملكها عند ابي حنيفه ولا شيء للغاصب،
وقالا: يملكها وعليه مثلها وبنآء، اي ملك بلا حل انتفاع قبل اداء الضمان، ببناء على ساحه وزوال ملك مالكها، ولزوم الغاصب قيمتها،
وقال الشافعي: للمالك اخذها ونقض البناء انتهى.
وفي" مختصر المحيط" من كتاب الغصب في باب المغصون اذا تغير بفعل الغاصب اولا بفعله غصب حنطة فطحنها او زرعها او دقيقا فخبزه او غزلا فنسجه او قطنا فغزله او لحما فشواه او سمسما فعصره او بيضة فحضنها فأفرخت [أو تالة * فأنبتها] او ساحة فادخلها في بنائه او جعلها بابا أوآجرا او لبنا فبنا به أساس حائط ونحو ذلك، ينقطع حق المالك ويضمنه، خلافا للشافعي،
وقال ايضا في باب التصرف في المغصوب والانتفاع به إشترى بالدراهم المغصوبة طعاما حل له التناول،
إشترى بالدراهم المغصوبة دنانير لم يجز له أن يتصرف في الدنانير، اشترى بالثوب المغصوب جارية لم يسعه أن يطئها حتى يدفع قيمة الثوب، وكذا في البيع الفاسد لا يحل له وطئ المبيعة، بخلاف ما لو اشترى بالدراهم المغصوبة حل له وطئها،
ولو تزوج بثوب المغصوب إمرأة حل له وطئها، إلى أن قال غصب حنطة فطحنها او لحما فطبخه او شواه او غزلا فنسجه ونحو ذلك صار ملكا له بالضمان، وحل له اكله عند ابي حنيفه،
وعندهما لا يحل له حتى يؤدي الضمان، وعلى هذا لو غصب طعاما فمضغه حتى صار مستهلكا فلما ابتلعه ابتلعه حلالا عنده، خلافا لهما، ولو أدى قيمته او ضمنه المالك او الحاكم او ابرأه منه حل له الأكل بلا خلاف، عن ابي يوسف ومحمد زرع في ارض غصب فلا بأس بأكل ذلك الطعام أو يشتري منه، الا ان الزارع يتصدق بقيمته، ولا يحل له أكله، الإ بقدر بذره , غصب نخلة أو تالة فغرسها يكره الانتفاع بها حتى يؤدي قيمتها.
وكذا لوغصب قضبانا فغرسها وحملت، غصب نوى فصار نخلا، أو حنطة فزرعها، جاز الانتفاع به، وكذا لو غصب بيضا فحضنها فخرج منه فرخا فلا بأس بالانتفاع به قبل ان يؤدي ضمان البيض،
قال ابو يوسف: رجل دفع اليه سارق متاعا، أحب إلى أن يتصدق به اذ لم يعرف صاحبه، وإن عرف رده اليه، ولا يسعه ان يدفعه الى سارقه انتهى.
وانما اوردنا هذه الفروع بالمناسبة ليتحقق حكم المغصوب على مقتدى مذهبنا، فيسهل علينا الجزم بحكم ما نحن بصدده، أعني ببيان أن الاختلاط استهلاك كما هو المصرّح به، وقال في" المنبع شرح المجمع" في كتاب الوديعة الخلط على وجوهأ أربعة: إحداهما خلط الجنس بالجنس كالحنطة بالحنطة والشعير بالشعير و [الدراهم البيض بالدراهم البيض] والسود بالسود،
والثاني خلط الجنس بغيره كالحنطة بالشعير والخل بالزيت ونحو ذلك.
والثالث خلط المائع بجنسه والرابع خلط المائع بغير جنسه،
فعند أبو حنيفة الخلط استهلاك في الوجوه كلها فيضمنها، وينقطع حق المودع عنها،
وعندهما الحكم كذلك في الوجه الثاني لكونه استهلاكا صورة ومعنى،
وعندهما في الوجه الأول إن شاء شاركه فيه وإن شاء ضمنه لأنهامتنع وصوله إلى عين حقه صورة، فقدأمكنه ذلك معنى بواسطة القسمة فلم يكن استهلاكا من كل وجه، فيتخير وله أن استهلاكا من كل وجه لتعذر الوصول الى عين حقه، والقسمة تثبت بعد ثبوت الشركة فلا تصلح موجبة لها،
وأما الوجه الثالث فعند أبو يوسف يجعل الأقل تبعا للأكثر إعتبارا للغالب،
وعند محمد هو شركة بكل حال، ولو اذاب الدراهم والدنانير وخلطها فهو من الوجه الثالث، لأنه صار مائعا بالإذابة، ولو أبرأ المودع الخالط برئ عن الضمان مطلقا لان حقه بالدين سقط و عندهما يسقط اخيار الضمان بالإبراء، فتتعين الشركة في المخلوط،
وأما الوجه الرابع فيوجب انقطاع حق المالك الى الضمان بالإجماع، لكونه استهلاكا من كل وجه لتعذر القسمة باعتباراختلاف الجنس،
قال صاحب" الهداية":ومن هذا القبيل خلط الحنطة بالشعير في الصحيح، لأن احدهما لا يخلو من حبات الأخر فتعذر التمييز والقسمة إنتهى.
وفي شرح "الاقطع "في أواخر كتاب الغصب، وقد قالو لو أن رجلين أودع كل منهما رجلا ألف درهم فخلط المودع المالين،
قال أبو حنيفة: لا سبيل لهما على أخذ هذه الدراهم ولهما على المودع مثلها،
وقال أبو يوسف ومحمد: هما بالخيار إن شاء أخذاه بألفين سوى هذه الألفين، وإن شاء أخذ هذه الألفين،
وجه قول أبو حنيفة أن الخلط استهلاكا بدليل أن للمالك حق التضمين مع بقاء العين، والإستهلاك يسقط حق المالك.
ووجه قولهما أن العين باقية وإنما دخلها عيب بالخلط والشركة، فيكون المالك بالخيارإن شاء أخذها مع النقص وإن شاء ضمن الخالط، ولو لم تكن المسألة كذلك، و لكن أودعه رجل كُر شعير، وأودعه أخر كُر حنطة فخلطها، فهو ضامن مثل الحنطة لصاحبها، ومثل الشعير لصاحبه، وهو على هذا الخلاف الذي قدمناه،
فإن اختارا أخذ ذلك على قول أبي يوسف و محمد، وأخذاه وباعاه إقتسما الثمن على قيمة الحنطة مخلوطة بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة،
وذلك لأن الحنطة دخلها عيب بخلط الشعير، وصاحبها إنما يستحق بدلها في الحال وهي متعينة، فيضرب بقيمتها على تلك الصفة،
واختلاط الشعير بالحنطة يوجب زيادة قيمته، وتلك الزيادة من ملك الغير، فلا يكون لصاحب الشعير أن يضرب بها إنتهى. .
ونقل أيضا في كتاب الوديعة قال: و إن خلطها المودِع بماله حتى لا يتميز ضمنها، وذلك لأن الخلط استهلاك، ألا ترى أنه قد تعذر عليه تسليمها بعينها بفعل من جهته، فصار كما لو اتلفها إنتهى.
وفي شرح" الكنز" لمسكين في كتاب الوديعة، إعلم أن الخلط على أربعة أوجه:
- خلط بطريق المجاورة مع تيسير التمييز، كخلط الدراهم البيض بالسود والدراهم بالدنانير والجوز باللوز فإنه لا يقطع حق المالك بالإجماع،
- وخلط بطريق المجاورة مع تعسير التمييز، كخلط الحنطة بالشعير، فذلك يقطع حق المالك ويوجب الضمان، وقيل: لا يقطع حق المالك عن المخلوط بالإجماع هنا، و يكون له الخيار،
و قيل: القياس أن يصير المخلوط ملكا للخالط عند أبي حنيفة،
وفي الإستحسان لا يصير،
-و خلط الجنس بخلافه ممازجة، كخلط الحِل وهو دهن السمسم بالزيت، وكل مائع بغير جنسه فإنه يوجب انقطاع حق المالك الى الضمان بالإجماع،
-و خلط الجنس به ممازجة أو مجاورة، كخلط دهن اللوز بدهن اللوز، أو دهن الجوز بدهن الجوز، أو اللِّبن باللَّبن، أو الحنطة بالحنطة، أو الشعير بالشعير، أو الدراهم البيض بالدراهم البيض، أو السود بالسود، فعند أبي حنيفة رحمة الله تعالى هو استهلاك مطلقا، لا سبيل لصاحبه إلا تضمين المودع مثله أو قيمته، وصار المخلوط ملكا للخالط،
وعندهما لا ينقطع ملك المالك عن المخلوط، بل له الخيار إن شاء ضمّن الخالط مثله، وإن شاء شاركه في المخلوط بقدر دراهمه إنتهى.
وفي "جامع الفصولين "من الفصل الثالث والثلاثين في الضمانات، الراعي لو خلط الغنم بعضها ببعض يبرأ لو قدر على التمييز، ويصدّق في تعيين الدواب أنها لفلان، ولو لم يكن التمييز ضمن قيمتها يوم الخلط، ويصدّق في القيمه الراعي إنتهى.
و في" الفتاوى البزازيه "في أخر كتاب الصلاة، العالم الذي يسأل للفقراء، إذا خلط البعض بالأخر، يضمن الجميع، وإذا أدى صار مؤديا من مال نفسه، ويضمن لهم ولا يجزيهم عن زكاتهم، لعدم تحقق الدفع إلى الفقير للتملك بالخلط، إلا إذا أجازه الفقير بالقبض، فيصير خالطا مال الفقير بمال الفقير، وهذا كله واضح على قول الإمام الأعظم وكذلك ما يأخذه الأعونة من المال ظلما ويخلطه بماله وبمال مظلوم أخر، يصير ملكا له، وينقطع حق الأول، فلا يكون أخذه عندنا حرامًا محضًا، نعم لا يباح الإنتفاع به قبل أداء البدل في الصحيح من المذهب إنتهى ..
وفي" شرح الدرر" من كتاب الغصب، غصب أي رجل مالا وغيّره بفعله، أي المغصوب، احترازا عمّا إذا تغير بغير فعله، مثل أن صار العنب زبيبا بنفسه، والرطب تمرا، فأن المالك فيه بالخيار، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه وضمنه، فزال اسمه ففات أعظم منافعه، احترازا عما إذا غصب شاة فذبحها، فإنّ ملك مالكها لم يزل بالذبح المجرد، و إذ لم يزل اسمها، حيث يقال شاة مذبوحة، ولم يقل و أعظم منافعه، لأن من قاله قصد تنأوله، الحنطة إذا غصبها وطحنها فأن المقاصد المتعلقة بعين الحنطة، كجعلها هريسة ونحوها يزول بالطحن ولا حاجة اليه، لأن قوله زال اسمه مغن عنه لأنه يلزمه، أو اختلط أي المغصوب بملك الغاصب ولم يتميز اصلا، كاختلاط برة ببرة، أو شعيرة بشعيرة، أو لم يتميز الإ بحرج، كاختلاط برة بشعيرة أو بالعكس، ضمنه، أي الغاصب المغصوب ويملكه، أما الضمان في سورة التغيير وزوال الإسم، فلكونه متعديا، وأما الملك فلكونه أحدث صنعة متقومة لأن قيمه الشاة تزداد بطبخها وشيها.