تطهير الطوية بتحسين النية
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
تطهير الطوية بتحسين النية
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ زدني علماً يا كريم
الحمد الله العالم بالعمل والنِّيَّةِ والصَّلاة والسَّلامُ على خيرِ البَريَّة، وعلى آله وصحبه وتابعيه بحُسنِ الطُّويَّةِ.
أما بعد:
فقد ورَدَ: «نيَّةُ المؤمن خير من عمله».
قال الزَّركَشِيُّ: سنده ضعيف.
وقال العراقي: رواه الطبراني من حديثِ سهل بن سعد، ومن حديث النَّوَّاسِ بنِ سَمعان، وكلاهما ضعيف، انتهى. ورواه العسكري في «الأمثالِ»، والبيهقي في «شعب الإيمانِ» عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: «نِيَّةُ المؤمن أبلغ من عمله».
وفي رواية زيادة: «وإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعطي العبد على نيَّته ما لا يُعطيه على عمله».
والحاصل: أنَّ له طرقاً يتقوى بمجموعها ويَرْتَقي إلى درجةِ الحَسَنِ. ثم لا شك أنَّ العمل بدونِ النية لا خير فيه، فيُشكل الحديث بأنَّه يَلْزَمُ منه تفضيل الشَّيء على نفسه وغيره.
فأجابوا عنه بأجوبة:
1 - منها: أنَّ (خير) ليست بمعنى أفعل التفضيل، وأنَّ المعنى: نيَّةُ المُؤمِنِ خير من جملة الخيرات، كما أنَّ عمله من جُملةِ المُبَرَّاتِ، وأنه من قبيل: العسل أَحْلَى من الخل، والصَّيفُ أحرُّ من الشّتاءِ.
وهو ضعيف؛ إِذْ مِثْلُ هذا التَّأْوِيلِ إِنَّما يُقال فيما لا يُتصوَّرُ فيه أصل المشاركةِ بوجه، ولا ريب أنَّ النِّيَّةَ كما أنَّها من الخيراتِ فكذا العمل من الخيراتِ، فلا يُفيدُ الكلام زيادة إفادة، فلا ينبغي حمل الحديث عليه.
2 - ومنها: أنَّ ضَمير (عمله) يعود لكافرٍ معهود، وهو السَّابِقُ لبناء قنطَرة أو حفر بئرٍ عَزَمَ مسلمٌ على بنائها أو حَفْرِها. لكنَّه بعيدٌ لفظاً ومعنى:
أمَّا لفظاً: فلعدمِ الدَّلالة على المرجع في الكلامِ، فيصير من بابِ التَّعْمية والإلغاز، و مُخِلٌ في الإعجاز، وغير مناسب لكلامٍ مَن يُبَيِّنُ للناسِ، فيُنَزَّه عنه
وأما معنى: فلأنه لا خير في عمل الكافر؛ إِمَّا لَعَدَمِ شرط صحة العمل وهو الإيمان، وإمَّا لعدم اقترانِ حُسنِ النِّيَّةِ به.
مع أنَّ المعنى المذكور على تقدير يُرجِعُ الضَّمير إلى المؤمنِ يُفهَمُ بطريقِ البرهان؛ فإنَّ نِيَّةَ المؤمن إذا كان خيراً من عمل المؤمن، فبالأولى أن يكون خيراً من عمل الكافر.
نَعَمْ، مفهومه أنَّ عمل الكافِرِ خيرٌ من نيَّته، وهو كذلك، فإنَّ اللهَ لَيُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجر، وهذا الأمر في المنافق ظاهر. ـ ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمن خيرٌ من خيار عمله، على تقدير مضاف. وسبق أنه لا إفادة تحته.
4 ـ ومنها: أنَّ نيَّة المؤمن خير ناشي من عمله. وهو قريب مما تقدَّمَ.
5ـ ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمن خير من عمله بلا نيَّة. وفيه: أنَّه لا خير في عملٍ بلا نية فكيف تكون النيه خيراً منه؟ وظاهرُ التّرجيح للمشتركين في أصل الخير.
6 - ومنها: أنَّ أحدَ جُزْأَي العمل - وهو النِّيَّةُ - أفضل من الآخَرِ الذي وُجد مقروناً بها. وحاصله: أنَّ هذه الماهية خير من تلك الماهية. والمعني به: أنَّ كلَّ طاعةٍ تَنتظِمُ بنيَّةٍ، وعمل، كانتِ النية من جملة الخيراتِ، وكان العمل من جملة الخيراتِ، ولكنَّ النِّيَّةَ من جُملةِ الطَّاعَةِ خيرٌ من العمل؛ أي:
لكلّ واحدٍ منهما أثر في المقصودِ، وأثرُ النَّيَّةِ أكثر من أثر العمل.
فمعناه: نيَّة المؤمن من جُملة طاعتِه خيرٌ من العمل الذي من جملة طاعته.
والغرَضُ: أنَّ للعبدِ اختياراً في النِّيَّةِ وفي العمل، فهما عملان، والنية من الجملة خيرهما.
فهذا معناه، وأما كونُها خيراً ومترجحاً على العمل؛ فلما سيأتي.
7 - ومنها: أنَّ النِّيَّةَ خيرٌ من عمله؛ لكونها مُصحِّحَةً للعمل تارةً كما في العبادات المستقِلَّةِ؛ من الصَّلاةِ والصَّومِ ونحوهما، ومفيدة للثوابِ تارةً كما في شروط العبادات؛ من نحو: الوضوء وستر العورة، ومحسنةٌ أُخرى كما في المباحاتِ. وحاصله: أنَّ النِّيَّةَ هي أحد جُزأي العبادة، فهي تتوقَّفُ عليها توقفها على العمل، وهي خيرُهما، ويتوقَّفُ نفعُ العمل عليها، دون العكس.
8 - ومنها: أنَّ مكانها مكان المعرفة؛ أعني: قلب المؤمن. قال سهل بنُ عبد الله التُسْتَريُّ، قدَّسَ اللهُ سِرَّه العَليّ: ما خلق الله تعالى مكاناً أعزّ وأشرف عنده من قلب عبده المؤمن، كما أنه ما أعطى كرامة للخلق أعزّ عنده من معرفته،
فجعل الأعز للأعزّ، فما نشا من أعز الأمكنة يكون أعزّ مما نشأ من غيره. قال: فتَعِسَ عبد أشغل المكان الذي هو أعزُّ الأمكنة عنده تعالى بغيره سبحانه، وفي حديثِ: «أنا عند المُنْكَسِرةِ قلوبهم والمندَرِسة قبورهم، و: ما وَسِعَني أَرْضِي ولا سمائي، ولكنْ وَسِعَني قلب عبدي المؤمن، إشعار بذلك. انتهى.
وحاصله: أنَّ النِّيَّةَ من عمل الباطن، وهو أفضل من عملِ الظَّاهِرِ. ويؤيده ما ورد في الحديثِ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونيَّاتِكم.
ويُقويه حديثُ: «إِنَّ في الجسدِ لَمُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ لها سائر الجسدِ).
وقال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37].
وهي صفة القلب؛ وهو ميله إلى الخير، وانصرافه عن الهوى، وإعراضه عن الدنيا، وهي غاية الحسنات، فمن هذا الوجه يجب أن تكون أعمال القلبِ على الجملة أفضل من حركات الجوارح، ثم يجب أن يكون النية من جملتها أفضلُ؛ لأنَّها عبارةٌ عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له.
9 - ومنها: أنَّ النِّيَّةَ لا يشوبها الرِّيَاءُ، والعمل قد يُخالطه؛ وكذا وردَ: «الصَّومُ لي، وأنا أجزي به».
وقد ورد: أنَّ عمر رضي الله عنه رأى أعرابياً لم يُحسِنِ الصَّلاةَ، فحمل عليه الدّرّةَ، ثم علمه كيفية الصَّلاةِ، وأمره بأن يصلي ثانياً، فلما فرغ من صلاته، قال له: أهذه أحسن أو الأولى؟ فقال: بل الأولى؛ فإنَّها كانت خالصةً للهِ، وأَمَّا هذه فمِن خوف، فتبسَّمَ عمرُ رضي الله عنه.
10 ـ ومنها: أنَّ نِيَّةَ المؤمن لوجودِ الإخلاص والصدق فيها خير من عمله، بخلاف المنافق؛ فإنَّ عمله خير من نيته؛ أي: في الصورة.
11 - ومنها: أنَّ النية بانفرادها تصيرُ عبادةً يترتب عليها التَّوابُ؛ لخبر: «مَن هَمَّ بحَسَنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده ... ». بخلاف العملِ؛ فإِنَّه لا يترتَّبُ عليه التَّوابُ إلَّا بالنية؛ لخبر: «إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ».
ولا يُعارِضُه قوله: ومَن عملها كُتبَتْ له عَشَرَةَ المُوْهِمُ أَنَّ العمل خيرٌ منها؛ لأنَّ كتابة العشر ليست على العمل وحده، بل معها، بل بها؛ فإنَّها شرط لصحيه وهو ليس شرطاً لصحتها، فلولاها لما كان له وجود أصلاً.
ويُثاب على النية المجردة؛ رُويَ: أَنَّ رجلاً في بني إسرائيلَ مَرَّ بِكُذِّبَانِ رمل في مجاعة، فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لَقَسَمته بين الفقراء، فَأَوْحَى الله إلى نبيهم: قُل له: إنَّ الله قد صدَّقَك، وشكرَ حُسن صنيعك، وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.
وكذا ما وقع لبعض الملوكِ لما رأى عسكره عظيماً، وتمنّى أنه لو كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لجاهد في ركابه مع جُملة أصحابه، فرأى في النَّومِ أَنَّه قُبِلَ منه وأعطي ثوابه.
ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري: أنَّ زُبيدة رئيت في المنام، فقيل لها ما فعلَ اللهُ بكِ؟ فقالت: غَفَرَ لي، فقيل لها بكثرةِ عِمَارَتِكِ الآبار والبَرَكَ في طريق مكة، وإنفاقك عليها؟ فقالت: هَيْهَاتَ، ذهب ذلك كله إلى أربابِ الأموال! وإِنَّما نَفَعَنَا النَّيَّاتُ.
وقد جاء فيمن تمنَّى أن لو أصاب مالاً يُنفَقُ في المعصية، أنَّه شريك المنفق فيها في الوِزْرِ.
وورد في المقاتلين: أنَّ القاتل والمقتول في النَّارِ. وبيَّن علَّةَ المقتول:
أنَّه قصد قتل أخيه، أو أرادَ الرِّيَاءَ.
وقد وقع الإجماع على إثمِ المُجامِعِ امرأته على قصدِ أَنَّها غيرها، بخلافِ المُجامِعِ غيرها على قصدِ أنها هي، وعلى إثم المصلِّي المتوضّي على ظنَّ أَنَّه محدث، بخلاف المحدثِ على ظنِّ أَنَّه متوضّى.
?? - ومنها: أنَّ النِّيَّةَ تمتد إلى ما لا نهاية له، والعمل محصور.
وحاصله: أَنَّها تَبْقَى مستمرَّةً، بخلافِ العمل؛ فإنَّه ينقطع بالموتِ، ولذا قيل: إنَّ دخول الجنَّةِ بفضله تعالى، ودرجاتها بحسَبِ الأعمال، والخلود بالنية، ودخول النَّارِ بعدله سبحانَه، وَدَركاتُها بمقابلة الأعمال، وخلودها بالنية.
و به يندفعُ الإشكال المشهور، وهو أنَّ الكافر إذا عاش سبعين سنة في الكفر، فمقتضى ظاهرِ العدلِ أَنَّه لا يُعذِّبُ أكثر من ذلك.
فأجيب: بأنَّ خلودَه باعتبارِ نِيَّته الخبيثة؛ أنَّه لو عاش أبد الآبدين، لكان مستمراً على وصف الكافرين والمنافقينَ. نَعَمْ خلودُ المؤمن لا يُنافي الفضل، لكنْ قُوبل بحسن نية المؤمن؛ من أنَّه لو عاش أبد الآبادِ لاستمرَّ على توحيدِ رَبِّ العبادِ. هذا، وممَّا يُوضّحُ لك فضيلةَ النَّيَّةِ: ما ورد في فضلها من الكتاب والسُّنَّةِ: قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]؛ والمراد بتلك الإرادة هي الني وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]؛ أي: مخلصين الطَّاعَةَ بحُسنِ النِّيَّةِ.
وفي الحديث المتفق على صحته - وقد قال العلماء الأعلام: هو ثلث الإسلام -: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته»؛ أي: نيّته في هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله ورسوله»؛ أي: فهجرته مقبولةٌ ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»؛ أي: فهجرته مردودة عليه. ورَوَى أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «أكثر شهداء أُمَّتِي أَصحابُ الفُرُشٍ، ورُبَّ قتيل بين الصَّفِّينِ الله أعلمُ بنيته.
ورَوَى الدارقطني من حديث أنس بإسنادٍ حسن: «إنَّ العبد ليعمل أعمالاً حسنة، فيصعد بها الملائكةُ في صُحُفِ مختمة، فتلقى بين يدي الله، فيقولُ: أَلْقُوا هذه الصحيفة؛ فإنَّها لم يُرَدْ بما فيها وجهي، ثم يُنادي الملائكة! اكتبوا له كذا وكذا.
تقدم قريباً من حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين.
فيقولون: يا ربَّنا إِنَّه لم يعمل شيئاً من ذلك. فيقولُ اللهُ تعالى: إِنَّه نَوَاهُ، إِنَّه نَوَاهُ». وكذلك في حديث أنس، رواه البخاري وغيرُه: لما خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: «إنَّ بالمدينة أقواماً، ما قطعنا وادِياً، ولا وَطِئنا موطئاً يغيظُ الكفَّارَ، ولا أنفقنا نفقةً، ولا أصابَتْنا مَخْمَصةُ، إِلَّا شَرَكونا في ذلك وهم بالمدينة»، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا؟ قال: «حَبَسَهم العُذرُ، فشَرَكونا بحُسنِ النِّيَّةِ». ورَوَى أبو دواد - بإسنادٍ جيد - من حديثِ يَعْلَى بن أميَّةَ: أَنَّه استأجر أجيراً للغزو، وسمّى له ثلاثة دنانير، فقال النبي: «ما أَجِدُ له في غزوتِهِ هذه في الدُّنيا والآخرةِ إِلَّا دنانيره التي سمَّى».
وفي حديث مسلم عن أُمّ سلمة رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ جيشاً يُخْسَفُ بهم بالبَيدَاءِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! يكون فيهم المُكرَه والأجير؟ فقال: يُحشرون على نيَّاتِهم».
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه ابن ماجه: «من تزوج امرأةٌ على صَدَاقٍ وهو لا ينوي أداءه فهو زان».
وفي حديث مُرسَلٍ: مَن تَطَيَّبَ اللهِ جَاءَ يومَ القيامة وريحه أطيب من المسكِ، ومَن تطيَّبَ لغيرِ اللهِ جَاءَ يومَ القيامةِ وريحه أنتنُ من الجِيفَةِ».
ثم إِنْ عُلِمَ أنَّ المعاصي لا تتغيّر عن موضوعاتها بالنِّيَّةِ، فلا ينبغي أَنْ يَفهم الجاهل ذلك من عموم قوله: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، فيَظُنَّ أَنَّ المعصية تنقلبُ طاعةً بالنيّة؛ كالذي يغتابُ إنساناً مراعاة لقلب غيره، أو يُطعم فقيراً من مال غيره، أو يبني مدرسة أو مسجداً أو رباطاً بمال حرامٍ وقَصْدُه به الخير.
فهذا كله جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظُلماً وعدواناً ومعصية؛ بل قَصْدُه الخيرَ بالشَّرِّ على خلافِ مقتضَى الشَّرعِ شرٌّ آخَرُ؛ فَإِنْ عَرَفَه فهو مَعانِدٌ للشَّرِعِ، وإن جهله فهو عاص بجهله؛ إِذْ: «طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم.
والخيراتُ إنَّما يُعْرَفُ كونُها خيرات بالشَّرع، فكيف يمكن أن يكونَ الشَّرُّ خيراً؟ هَيهَاتَ! ولذلك قال بعضُ علمائنا من تصدَّقَ بِمَالٍ حرام ويرجو الثَّوابَ كفر، وإذا عَلِمَ الفقير بذلك، ودعا له، كفر أيضاً.
وإنَّما المروّجُ لذلك على القلب خفيُّ الشَّهوة وباطنُ الهوى؛ فإن القلب إذا كان مائلاً إلى طلب الجاءِ واستمالة قلوبِ النَّاسِ وسائرِ حظوظ النَّفْسِ، توسَّلَ الشَّيطانُ به إلى التلبيس على الجاهل، وكذلك قال سهل: ما عُصي الله بمعصية أعظم من الجهل! قيل: يا أبا محمد! هل تَعْرفُ شيئاً أشدَّ من الجهل؟ قال: نعم: الجهل بالجهل. قال حُجَّةُ الإسلام: وهو كما قال؛ لأنَّ الجهل بالجهلِ يَسُدُّ بالكلِّيَّةِ بِابَ التَّعَلُّمِ؛ فمَن يظنُّ نفسَه أَنَّه عالمٌ فكيف يتعلَّمُ؟!
وكذلك أفضلُ ما أُطيعَ الله به العلم، ورأسُ العلم: العلم بالعلم؛ كما أنَّ رأسَ
الجهل: الجهل بالجهل، وإِنَّ مَن لا يَعْلمُ العلمَ النَّافِعَ من العلمِ الضَّار، اشتغل بما أَكَبَّ عليه النَّاسُ من العلومِ المُزَخْرَفِةِ التي هي من وسائلهم إلى الدُّنيا، وذلك هو مادَّةُ الجهل، ومَنْبَعُ فسادِ العلمِ. والمقصودُ: أَنَّ مَن قَصَدَ الخير بمعصية عن جهل، فهو غير معذور، إلَّا إذا كان
قريب العهد بالإسلام، ولم يجد بَعْدُ مهلةً للتعلم.
قال تعالى: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]؛ فلا يَحِلُّ للجاهل أن يسكت على جهله، ولا للعالم أن يسكت على علمه. ويقرب من تقرُّبِ السَّلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام؛ تقرُّبُ العلماء السُّوءِ بتعليم العلم للسُّفهاء والأشرار، المشغولين بالفسق والفجور، والقاصرين همهم على مُمَاراةِ العلماء، ومُجادلة السُّفهاء، واستمالة وجوه النَّاسِ، وجمعِ حُطامِ الدُّنيا، وأخذ أموال السلاطين واليتامى والمساكين؛ فإنَّ هؤلاء إذا تعلموا كانوا قُطَّاعَ طريق الله، وانْتَهَضَ كل واحد في بلدته نائباً عن الدَّجَّالِ؛ يتكالب على الدُّنيا، ويَتَّبِعُ الهوى، ويتباعد عن التَّقوى، ويَسْتَجْرِى النَّاسَ بسبب مشاهدته على حُبِّ الدُّنيا.
ثم قد ينتشر العلم إلى مثله وأمثاله، ويتَّخذونَه أيضاً آلةً ووسيلةً إلى الشَّرِّ وأنواع المعاصي، ويتسلسل ذلك، ووبال جميعه يرجعُ إلى المعلم الذي علمه العلم مع علمه بفسادِ نيَّته وقصده، ومشاهدة أنواع المعصية من أقواله وأفعاله في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه ومُكتَسَبه، فيموتُ هذا العالِمُ ويبقى آثار شرِّهِ منتشرةً في العالم ألف سنة مثلاً، وطُوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه.
ثم العجب من جهله حيثُ يقول: إنَّما الأعمال بالنيات، وقد قصدتُ بذلك نشر الدِّينِ، فإن استعمله هو في الفساد، فالمعصية منه لا مني، وإنَّما قصدت به أن يستعين به على الخير.
وأَنَّما حُبُّ الرِّياسَةِ والاستتباع والتفاخر بعلو العلم، يُحسنُ ذلك في قلبه، والشَّيطانُ بواسطة حُبِّ الرِّياسةِ يُلبس عليه.
وليت شعري! ما جوابه عمَّن وهب سيفاً لقاطع الطريق، وأعد له خيلاً وأسباباً يستعين بها على مقصودِه، ويقولُ: إِنَّما أردتُ البَدْلَ والسَّخاءَ والتَّخلُّقَ بأخلاق الله تعالى، وقصدت به أن يغزو بهذا السَّيفِ والخيل في سبيل الله؛ فإنَّ إعداد الخيل والرّباطِ والقوَّةِ للغَزَاةِ في سبيل الله من أفضل القُرُباتِ؛ فإن هو صَرَفَه إلى قطع الطريق فهو العاصي.
وقد أجمع الفقهاء على أنَّ ذلك حرام، مع أَنَّ السَّخاءَ هو أحبُّ الأخلاقِ إلى الله تعالى.
فليتَ شِعري! لمَ حُرِّمَ هذا السَّخاءُ؟ ولِمَ وجبَ عليه أنْ يَنظُرَ إلى قرينة حاله من هذا الظَّالِمِ؛ فإذا لاحَ له من عادته أنَّه يستعين بالسلاح على الشَّر، فينبغي أن يسعى في سلب سلاحه، لا في أنْ يُمدَّه بغيره؟
والعِلمُ سلاح يُقاتَلُ به الشَّيطانُ وأعداءُ اللهِ، وقد يُعاوَنُ به أعداءُ اللهِ؛ وهو الهوى، فمَن لا يزالُ مُؤْثِراً لدنياه على دينه ولهواه على آخرته، وهو عاجز عنها لقِلَّةِ فَضْلِه، فكيف يجوزُ إمداده بنوعِ عِلمٍ يتمكَّنُ به من الوصول إلى شهواته؟
بل لَمْ يزل علماء السَّلفِ رحمهم الله يتفقدونَ أحوالَ مَن يتردَّدُ إِليهم؛ فإذا رأوا منه تقصيراً في نَفْل من النَّوافِلِ أنكروه وتركوا إكرامه، وإذا رأوا منه فجوراً واستحلال حرامٍ هَجَروه ونَفَوْه عن مجالستهم، وتركوا تكليمه فضلاً عن تعليمه.
وقد تعوَّذَ جميعُ السَّلفِ بالله من الفاجرِ العليم، وما تعوَّذوا من الفاجر الجاهل. وحُكي عن بعض أصحابِ أحمدَ بنِ حنبلٍ: أنَّه كان يتردَّدُ إِليه سنين، ثم اتَّفَقَ أن أعرضَ عنه أحمد وهجره، وصارَ لا يُكلّمُه، فلم يَزَلْ يسأله عن تغيره، وهو لا يذكره، حتى قالَ: بَلَغَني أنَّك طيَّنتَ حائط دارِك من جانبِ الشَّارع، فقد أخذتَ قَدْرَ سَمْكِ الطِّينِ من الطَّريقِ، وهو أَنْمُلةٌ من شارع المسلمين، فلا تصلح لتعلم العلم.
قال الإمامُ حُجَّةُ الإسلام: فهكذا كان مُراقبةُ السَّلفِ لأحوالِ طلبة العلم. فهذا وأمثاله ممَّا يلتبس على الأغبياء وأتباع الشَّيطانِ، وإن كانوا أربابَ الطَّيالسةِ والأكمام الواسعة، وأصحابَ الألسنةِ الطَّويلة، والفضل الكثير؛ أعني: الفضل من العلوم التي لا تشتمل على التَّحذير من الدُّنيا والزَّجر عنها، والترغيب في الآخرة والدُّعاء إليها؛ بل هي من العلوم التي تتعلق بالخَلْقِ، ويُتوصل بها إلى جمع الحُطام و استتباعِ النَّاسِ، والتَّقدُّم على الأقرانِ.
فإذاً، معنى قوله: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، يَختَصُّ من الأقسامِ الثَّلَاثَةِ بالطَّاعَاتِ والمباحات دون المعاصي؛ إذ الطَّاعةُ تنقلب معصية بالقصد، وتكون طاعة بالقصد، والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد.
وأما المعصية، فلا تنقلب طاعةً بالقصدِ أصلاً. نَعَمْ للنِّيَّةِ دخل فيها؛ وهو أَنَّه إذا انضاف إليها قصد ونيَّةٌ خبيثةٌ تضاعَفَ وِزْرُها، وعظُمَ وَبَالُها.
وأما الطاعاتُ، فهي مرتبطة بالنِّيَّاتِ في أصل صحتها، وفي تضاعف فضلها: أمَّا الأصل: فهو أنْ ينوي بها عبادةَ اللهِ لا غير، فإِنْ نَوَى الرِّياءَ صارت معصية. وأمَّا تضاعُفُ الفضل فبكثرة النِّيَّاتِ الحسنةِ؛ فإِنَّ الطَّاعةَ الواحدةَ يُمكنُ أن ينوى بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نيَّة ثواب؛ إذْ كل واحدة منها حسنةٌ، ثم تُضاعَفُ كُلُّ حسنةٍ عَشَرَ أَمْثَالِها.
قلتُ: وهذا أحد الوجوه التي تُرجُحُ النِّيَّةَ على العمل.
ومثاله: القُعود في المسجدِ؛ فإنَّه طاعةٌ، ويُمكنُ أن يُنَوَى به نيَّاتٌ كثيرة:
قوله: «قلت ... » إلى هنا كلام للمؤلف معترض ضمن كلام الغزالي.
أَوَّلُها: أنْ يعتقد أنَّه بيتُ اللهِ، وأنَّ داخله زائرُ اللهِ، فيقصد به زيارة مولاه، رجاءً لِمَا وعد به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيثُ قال: «مَن قَعَدَ في المسجدِ فقد زار الله تعالى، وحق على المَزُورِ إكرام زائِرِه. رواه البيهقي وغيرُه
وثانيها: أنْ ينتظر الصَّلاةَ بعد الصَّلاةِ، فيكونَ في جُملة انتظارِه في صلاة، وهو معنى قوله تعالى: {وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200].
وثالثها: التَّرهُبُ بكفِّ السَّمع والبصر والأعضاء عن الحركاتِ والتَّردُّدات؛ فإنَّ الاعتكاف كفّ، وهو في معنى الصوم، وهو نوع ترهب، ولذلك قال عليه السَّلامُ: «رهبانية أُمَّتِي: القُعود في المساجد». ذكره الإمام، لكنْ قالَ العِراقي: لم أجد له أصلاً.
ورابعها: عكوفُ الهم على الله، ولزومُ السِّرِّ والفكرِ في الآخرة، ودفعُ الشُّواغلِ الصَّارفةِ عنه بالاعتزال في المسجد.
وخامسها: التَّجرُّدُ لذِكرِ اللهِ، أو للاستماع لذكره، أو للتذكير به. وسادسها: أنْ يقصد به إفادة علم؛ بأمر بمعروف، ونهي عن منكر؛ إذ المسجد لا يخلو ممَّن يُسيء صلاته، أو يتعاطى ما لا يَحِلُّ له.
وسابعها: أنْ يستفيد أخاً في اللهِ؛ فإنَّها غَنيمةٌ وذَخيرةٌ للدَّارِ الآخرة، والمسجد مُعشَّشُ أهل الدِّينِ، والمحبّينَ الله تعالى، وفي الله. وثامنها: أنْ يَتركَ الذُّنوبَ حياءً من الله، وخشيةً من أنْ يتعاطى في بيتِ اللهِ كما يقتضي هَتْكَ الحُرمَةِ.
فهذا طريق تكثيرِ النَّيَّاتِ، فقس به سائر الطَّاعاتِ والمباحاتِ؛ إِذْ ما مِن طاعةٍ إِلَّا وتحتمل نيَّاتٍ كثيرةً، وإِنَّما يَحضر في قلب العبدِ بقدْرِ جده في طلب الخير وتشميره له، وتَفَكَّرِه فيه، فبهذا تَزْكُو الأعمال، وتتضاعَفُ الحسنات.
وأما المباحات، فما من شيء منها إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِنَيَّةٍ أَو نِيَاتٍ يَصِيرُ بها من محاسنِ القُرُباتِ، ويُنالُ بها معالي الدرجات، فما أعظمَ خُسرانَ مَن يَعْفُلُ عنها ويتعاطاها تَعَاطي البهائم المهملة عن شهوة وغفلةٍ! ولا يَنبغي أَنْ يَستحقِرَ العبدُ الخَطَراتِ والخُطُواتِ واللحظَاتِ؛ فكلُّ ذلك يُسأل عنها يوم القيامةِ: لِمَ فعلها؟ وما الذي قَصَدَ بها؟ هذا في مُباحٍ مَحْض لا يشوبه كراهة، ولذلك قال حلالها حساب، وحرامها عذابٌ».
فمَن تَطَيَّبَ مَثَلاً يومَ الجُمُعَةِ، وفي سائر الأوقاتِ، يُتصوَّرُ أنْ يقصد به التّنعم بلذَاتِ الدُّنيا، أو يقصد إظهارَ التَّفاخُرِ بكثرة المال ليحسده الأقران، أو يقصد به رياء الخلْقِ ليقوم له الجاه في قلوبهم ويُذكر بطيب الرائحة، أو ليتودَّدَ به قلوبَ النِّساءِ الأجنبيَّاتِ إذا كان مستحلًا للنَّظر إليهنَّ، ولأمورٍ أُخرَ لا تُحصى، وكل هذا يجعلُ التَّطيب معصية، فبذلك يكونُ أنتَنَ من الجيفة يومَ القيامةِ، إِلَّا المقصد الأوَّلَ - وهو التَّلذذ والتّنعم - فإنَّ ذلك ليس بمعصية، إلَّا أَنَّه يُسألُ عنه، ومَن نُوقِشَ الحسابَ عُذْبَ.
ومَن أتى شيئاً من مباحِ الدُّنيا، لم يُعذِّبْ عليه في الآخرة، ولكنَّه يُنقصُ له مِن نعيم الآخرة بقدرِه، ولذا وردَ: (مَن أحبَّ آخرتَه أضرَّ بدُنياهُ، ومَن أحبَّ دُنياه أضرَّ
بآخرته، فآثروا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى».
وفي الحديثِ: «أَجْوَعُكم في الدُّنيا أشبعكم في الآخرة»
و: «رُبَّ كاسية في الدُّنيا عاريَةٍ في العُقْبَى.
وناهيك خسراناً بأنْ يَستعجِلَ ما يَفْنَى، ويَحْسِرَ زيادة نعيمٍ لَا يَفْنَى.
وأما النيات الحسنة في الطيب:
فبأنْ ينوي به اتِّباعَ سُنَّةَ النَّبي الا الله يوم الجمعة، وأن ينوي تعظيم المسجدِ واحترام بيتِ اللهِ، فلا يرى أنْ يدخُلَه زائراً للَّهِ إِلَّا طَيِّبَ الرَّائحةِ.
وأن يقصد به ترويح جيرانه؛ ليستريحوا به في المسجد عند مُجاوَرَتِهِ بروائحه
وأن يقصد به دفعَ الرَّوائح الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء مخالطيه، ودفع غيبة المغتابينَ بالرَّوائح الكريهة؛ لِمَا وردَ: «اتَّقوا مواضع، فيعصون الله بسببه؛ فمَن تعرَّضَ للغيبة وهو قادر على الاحتراز منها، فهو شريك له في تلك المعصية، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ???]؛ أشار به إِلى أَنَّ التَّسبُّبَ إِلى الشَّرِّ شرٌّ.
و أنْ يقصد به معالجة دماغِه لتزيد به فطنته و ذكاؤه، ويَسْهُلَ عليه دَركُ دِينِه بالفكرِ؛ فقد قال الشافعي رحمه الله: مَن طَابَ رِيحُه زادَ عقله.
فهذا وأمثاله من النِّيَّاتِ لا يَعجَزُ الفقيه عنها إذا كانت تجارته الآخرة، وطلب الخير غالباً على قلبه، وإذا لم يَغْلِب على قلبه إلَّا نعيمُ الدُّنيا، لم تَحْضُرْه هذه النِّيَّات، وإنْ ذُكِرتْ له لم ينبعث لها قلبه، ولا يكون معه منها إلا حديث النَّفس، وليس ذلك من النية في شيء.
والمباحات كثيرة، ولا يمكن إحصاءُ النِّيَّاتِ فيها، فقس بهذا الواحد غيره؛ ولهذا قال بعضُ العارِفينَ مِن السَّلفِ إِنِّي لأستحِبُّ أن يكونَ لي في كلِّ شيءٍ نية، حتى في أكلي وشُربي ونومي ودخولي الخلاء، وكلُّ ذلك ممَّا يُمكنُ أن يُقصد به وجه الله؛ لأنَّ كلَّ ما هو سبب لبقاء البدن، وفراغ القلب عن مهمَّاتِ البدنِ، فهو مُعِينٌ على الدِّينِ.
فمَن كان قصده من الأكل التَّقوّي على العبادة، ومن الوِقاع تحصين دينه وتطييب قلب أهله، والتَّوصل به إلى ولد يعبد الله تعالى، وتكثير أمة محمد الا الله، كان مطيعاً بأكله ونكاحه، وأعظم حظوظ النَّفس الأكل والوِقاع، وقصد الخير بهما غير ممتنع لمن غلب على قلبه هم الآخرة، وقد ورد في حديث صحيح:
مَن أعطى الله، ومنع الله، وأحب الله، وأبغضَ الله، فقد استكمل إيمانه». قال الإمام واعْلَمْ أنَّ النِّيَّةَ غير داخلة تحت الاختيار، والجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها، مع قوله عليه السلام: «إنَّما الأعمال في الإحياء»: «مهمات دينه».
بالنيات، فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله: نويت أن أُدَرِّسَ اللهِ، أو: أَنجِرَ لله، أو أكُلَ اللهِ. ويظنُّ أنَّ ذلك نيَّةً، فهَيهَاتَ! فَإِنَّ ذلك حديث نفس، أو حديث لسان أو فكر، أو انتقال من خاطر إلى خاطرِ والنَّيَّةُ بمعزل عن جميعِ ذلك
وإنَّما النية: انبعاثُ النَّفْسِ وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أَنَّ فيه غرضَها: إِمَّا آجلاً، وإما عاجلاً.
والميل إذا لم يكن اختراعه واكتسابه، ويكونُ بمجرَّدِ الإرادة، فغير مفيد؛ بل ذلك كقولِ الشَّبعانِ: نويتُ أن أشتهي الطَّعامَ وأميل إليه، وقول الفارغ: نويتُ أن أعشق فلاناً وأحبه وأعظمه بقلبي، فذلك محالٌ.
ولذا امتنع جمع من السَّلفِ عن جُملةٍ من الطَّاعاتِ إِذا لم تَحْضُرُهم النيه فيها، فكانوا يقولون: ليس تحضرني فيه نيَّةٌ، حتى إِنَّ ابن سيرين لم يُصلِّ على جنازة الحسن البصري، وقال: لم تَحْضُرْني نيَّةٌ.
ومات حمَّادُ بنُ أبي سُليمان، وكان أحد علماء أهل الكوفة، فقيل للثّوري: ألا تشهد جنازته؟ فقال: لو كان لي نيَّةٌ لفعلتُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ أصلُها النِّوْيَةُ؛ فِعْلَةٌ من نَوَى ينوي: إذا قَصَدَ، فأبدلتِ الواو ياء لسكونها وانْكِسارِ ما قَبْلَها - وأُدغمت، فهي بالتشديد، وقد يُخفّفُ.
قال الراغب: النية تكون مصدراً أو اسماً مِن نَوَيْتُ، وهي توجه القلبِ نحو العمل.
وقال البيضَاوِيُّ: النَّيَّة عبارة عن انبعاث القلبِ نحو ما يراه موافقاً لغرض؛ من جلب نفع، أو دفع ضر؛ حالاً أو مالاً، وخصَّصَها الشرعُ بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله تعالى.
قلت:
وهي أصل للإخلاص، الذي عليه مدار الخلاص، ونتيجة قلوب الخواص؛ فالنية هي الإرادة الباعثة للأعمال المنبعثة عن المعرفة؛ كشهوة الطَّعامِ الحاصلة من المعرفة بتحققه ودفعه الجوع الباعث لامتدادِ اليد إليه، فإنَّ امتداد اليد إلى الطَّعام إنَّما هو بعد المعرفة بتحققِ الطَّعام ومعرفة أنَّه دافع للجوع، فلا تدخل النيَّةُ تحت الاختيار، فمَن وطئ لغلبة الشَّهوة، فأَنَّى ينفعه قوله الحِسي: نويتُ به إقامة السُّنَّةِ، أو تكثير الأُمَّةِ.
وقال الإمامُ: اعْلمُ أنَّ النِّيَّةَ هو انبعاث للقلبِ يجري مجرى الفتوح من الله تعالى، فقد يتيسر في بعض الأوقاتِ، وقد يَتعذَّرُ في بعضها، نَعَمْ مَن كان الغالب على قلبه أمرَ الدِّينِ، تيسَّرَ عليه في أكثر الأحوالِ إحضار النية للخيراتِ؛ فإنَّ قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير، فينبعثُ إلى الفضائل غالباً، ومَن مالَ بقلبه إلى الدُّنيا وغلبت عليه، لم يتيسر له ذلك؛ بل لا يتيسر له ذلك للفرائض إلا بجَهدِ جَهِيد. وغايتُه أن يتذكَّرَ النَّارَ ويُحذِّر نفسه عقابها، أو نعيم الجنَّةِ ويُرغْبَ نفسَه فيها، فربَّما ينبعثُ له داعية ضعيفة، فيكون ثوابه بقدرِ رغبته ونيَّته.
وأمَّا الطَّاعةُ على نيّةِ إجلالِ اللهِ تعالى واستحقاقه الطَّاعة والعبودية، فلا يتيسر على الراغب في الدُّنيا، وهذه أعز النية وأعلاها، ويَعِزُّ على بَسِيطِ الأَرضِ مَن يفهمها، فضلاً عمن يتعاطاها، ونيَّةُ النَّاسِ فِي الطَّاعاتِ أقسام:
إذْ منهم: مَن يكون عمله إجابةً لباعثِ الخوفِ؛ فَإِنَّهُ يَتَّقِي النَّارَ. ومنهم: مَن يعمل إجابةً لباعثِ الرَّجاءِ؛ وهو الرَّغبة في الجنَّةِ. وهذا وإن كان نازلاً بالإضافة إلى قصدِ طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلالِه لا لأمر سواه، فهو من جملة النِّيَّاتِ الصَّحيحةِ؛ لأنَّه مَيلٌ إلى الموعودِ في الآخرة وإن كان من جنس المألوفات في الدُّنيا، وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن، وموضعُ قضاءِ وَطَرِهما الجنَّةُ، فالعامل لأجلِ الجنَّةِ عامل لبطنه وفرجه؛ كالأجير السُّوء، ودرجته درجةُ البُلْهِ، وإنَّه لَينالُها بعمله؛ إذْ: «أكثر أهلِ الجنَّةِ البُلْهُ».
وأما عبادة أولي الألباب؛ فإنَّها لا تُجاوزُ ذِكرَ اللهِ والفكر فيه؛ حبّاً لجماله وجلاله، وسائر الأعمالِ تكونُ مؤكّداتٍ وروادفَ، فهؤلاء أرفع درجةً من أهل الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنَّةِ؛ فإنَّهم لم يقصدوها؛ بل هم الذين يَدْعُونَ رَبَّهم بالغَدَاةِ والعَشِيِّ يريدون وجهَهُ فقط، وثوابُ النَّاسِ بقدْرِ نيَّاتِهم، فلا جَرَمَ يَتنعمونَ بِالنَّظِرِ إلى وجهه الكريم، ويَسْخَرون ممَّن يلتفتُ إلى وجهِ الحُورِ العِينِ؛ كما يسخر المتنعم بالنَّظر إلى الحورِ العِينِ ممَّن يتنعَمُ بالنَّظرِ إلى وجهِ الصُّورِ المصنوعة من الطِّينِ؛ بل أشدُّ؛ فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بين جمالِ الحَضرةِ الرُّبوبيّةِ وجمالِ الحُورِ العِينِ أشدُّ وأعظمُ كثيراً من التَّفاوُتِ بين جمالِ الحُورِ العِينِ والصُّورِ المصنوعة من الطِّينِ؛ بل استعظام البهيميَّةِ الشَّهوانيَّةِ لقضاءِ الوَطَرِ من مُخالطةِ الحِسانِ، وإعراضُها عن جمال النفوس وجهِ اللهِ الكريمِ، يُضاهِي عَمَى الخُنْفُساءِ عن إدراكِ جمالِ النِّساءِ؛ فإِنَّها لا تشعرُ بها أصلاً، ولا تلتفتُ إليه، ولو كان لها عقل وذُكرَتْ لها، لاسْتَخفَّتْ عقلَ مَن يلتفتُ إليهنَّ، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ الله إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: ??? - ???]، {وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا - لدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: ???].
حُكيَ: أَنَّ أَحمدَ بنَ خَضْرويه) رأى ربَّهُ في المنامِ، فقال له: كلُّ النَّاسِ يطلبونَ منِّي، إلَّا أبا يزيد فإِنَّه يطلبني.
ورأى أبو يزيد ربَّه في المنام، فقال له: يا رب! كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك، انتهى.
نفسك وتعال. ولهذا لما قيل له: يا أبا يزيدَ ما تُريدُ؟ فقالَ أُريدُ أن لا أُريدَ. ورُؤي السبلي بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ فقال: لم يُطالبني على الدعاوى بالبرهان، إلا على قول واحدٍ؛ قلتُ يوماً: أي خسارة أعظمُ من خُسرانِ الجنَّةِ؟! فقال تعالى: أيُّ خسارةٍ أعظمُ من خُسرانِ لقائي واعْلَمْ أَنَّ عدم وصولِ المُريد إلى النّهاية؛ لعدم تصحيح النية في البداية، فعدمُ الوصول لفقد الأصولِ؛ ولهذا لما قدمَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ الكُبْرَى على شيخه وأرادَ أن يدخل الخلوة في خدمتِه، خطر بباله أنَّه عالم بالعلومِ الظَّاهرة، فإذا فتح له المعارفُ الباطنة يكون فريدَ الزَّمانِ ووحيد الأقران، فكشف للشَّيخِ نيّته وعدم صحةِ طَوِيَّتِه، فقال له: صحح النيَّة بالهِمَّةِ العليَّة. فخطر بباله: إنَّ هذه الخلوة قبرِي، فأعبد ربي فيها مدَّةَ عمري، فإنَّ الله ما خلقني إلا للعبادة، وهي وسيلة لكل سعادة، فقال له الشَّيخُ: ادخل الآنَ، باسمِ اللهِ، على بَركَةِ اللهِ. وعلى هذا تشاهد طلبة العلم؛ فإنَّهم متحيرون في طريق تحصيلهم؛ فتارةً يتعلمون العلوم الغيرَ النَّافعةَ في الدُّنيا والآخرة لأغراض فاسدة؛ كتقربِ الظَّلمةِ، والتَّقدُّم. على الرفقة، والغلبة في المجالس بالمجادلة، وتحصيل المأكلة.
وتارةً يترقُونَ إلى تعلم العلوم الدينيَّة؛ من التفسير والحديث والفروع الفقهية؛ لمقاصد فيها مكاسد؛ بأن يصير مدرّساً أو واعظاً أو مفتياً أو قاضياً.
وجُلُّ مقصودا الطَّائفتين هو المال والجاه، لا إرادة الآخرةِ وابتغاء وجه الله.
وكذا جماعة يُجاورون الحرمين الشريفين، ويُلازمون على العبادات في المكانين المنيفين؛ لأجلِ حُطَامِ الدُّنيا، لا لتحصيل ثوابِ العُقبى، والحالُ أنَّ مأكلهم ومشربهم وملبسهم من الحرام، فأنَّى يُباحُ لهم الإقامة في ذلك المقام؟! وقد قال الإمام الأعظم، في زمانه الأفخم المجاورة بمكة مكروهة، فلو أدركَ زماننا هذا لقال بحُرمتِها.
فإن قلت: طالب العلم والعبادة محتاج إلى قام البنية، فهل يجوز لهأخذ الوظيفة؟
قلتُ: نَعَمْ، لكن بشرطين:
أحدهما: أن يكونَ علمه وعمله الله، وإنّما يأخذ الوظيفة ليستعين بها على طاعة الله، ففَرْقٌ بين من يعمل ليأخذ، وبين من يأخذُ ليعمل؛ فإنَّ علامةَ الثَّاني:
أنه لو استغْنَى لم يترك العمل.
وثانيهما: أنه يأخذ من وجو يحل له أن يأخذه، أو يكون مضطراً فيأخذ مقدار الضرورة.
وقد قال بعضُ الأكابرِ: مَن وَجَدَ غَنَماً ميّتاً لا يأكل من حمارٍ مِّيِّتٍ، وَمَن وَجَدَ حماراً ميتاً لا يأكل من كلب ميِّتِ، ومَن وَجَدَ كلباً ميتاً لم يأكل من خنزير ميت. والذي نشاهد الآن من علماء الزَّمانِ ومشايخ الأَوانِ: التَّهَاوُشُ على جيفةِ الدُّنيا، والتّناوُس مع طلابها المشابهين بكلابِها في غاية القصوى، قائلين بلسانِ الحال، وإن أنكروا ببيانِ القَالِ: الحلالُ ما حَلَّ بنا، والحرام ما حُرِمنا، ولهذا نُقل عن العارفِ الرَّبَّاني مولانا إسماعيلَ الشَّرْواني: أَنَّه مِن يوم حصلت الوظائف المحرمة في مكة المعظَّمة، ارتفعت مرتبة الولاية عن سكانها، وغلبت الجهالة والبطالة على قُطَّائِها.
وهذا من المعلوم؛ لأنَّه تعالى قال: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَلِحًا} [المؤمنون: 51].
فمُجْمَلُ الكلام على وجهِ يُظْهِرُ المَرام: أنَّ الخَلَقَ كلَّهم هَلْكَى إِلَّا العَالِمُونَ، والعالِمونَ كلُّهم هَلَكَى إِلَّا العامِلونَ والعاملونَ كلُّهم هَلْكَى إِلَّا الْمُخْلِصونَ، والمُخْلِصونَ على خطر عظيم.
ثم اعلم: أنَّ هذا زمانُ السُّكوتِ وملازمة البيوت، والقناعة بالقُوتِ، إلى أن نموت، طيب الله أرزاقنا، وحسَّنَ أخلاقنا، ووفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل الصَّالحِ المقرونَيْنِ بالإخلاص، وحُسنِ الخاتمة التي هي مطلوبة العوام والخواص، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمينَ.