الجزء 1 · صفحة 5
تصحيح العقود عند الحنفية قواعده وتطبيقاته
د. محمد عبد المنان النجار
Dr Muhammad AbdulMannan Al-Najjar /Assistant Professor
قسم الفقه وأصوله، كلية الفقه الحنفي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
للمراسلة: البريد الإلكتروني: mohdnr 5@gmail.com
جامعة العلوم الإسلامية/ كلية الفقه الحنفي
عمان / الأردن
طبربور، ص. ب. 1101، الرمز البريدي
11947 عمان - الأردن
الجزء 1 · صفحة 6
تصحيح العقود عند الحنفية قواعده وتطبيقاته
ملخص
تناول بحث (تصحيح العقود عند الحنفية قواعده وتطبيقاته) قواعد تصحيح عقود العقلاء عند الحنفية، وحملها على الصحة ما أمكن؛ وذلك لأنّ الصحة هي القصودة من إبرام العقد عند العقلاء، فالأصل حمل تصرفاتهم على مرادهم وقصدهم - وهي الصحة - ما أمكن.
وقد قام الباحث باستقراء أهم كتب الحنفية؛ لمعرفة اجتهادات فقهاء الحنفية في كتب الفقه الحنفي لاستخراج الفروع الفقهية التي بنوها على جانب تصحيح التصرفات، وأيضاً لمعرفة القواعد الفقهية المتعلقة في جانب التصحيح، وبعدها تم ربط الفروع مع قواعدها المنسجمة معها.
وتم تقسيم الدراسة على حسب القواعد الفقهية المتعلقة بتصحيح تصرفات العقلاء، وقد قام الباحث بتطبيق الفروع المتعلقة بها من كتب الحنفية في أبواب المعاملات.
وقد تبين من خلال البحث مدى حرص الفقهاء على التقليل من حالات إبطال العقود من خلال المحافظة على رابطة العقد صحيحة ما أمكن، حرصاً منها على استقرار المعاملات وتحقيق العدالة.
الجزء 1 · صفحة 7
Abstract
The research (Correcting Contracts at the Tap, Its Rules and Applications) dealt with the rules for correcting the contracts of the rational ones at the tap, and bringing them to health as possible. This is because health is the intention behind the conclusion of the contract with the rational ones, so the basic principle is to carry their actions according to what they want and their intention - which is health - as much as possible.
The researcher extrapolated the most important Hanafi books: To learn the jurisprudence of the Hanafi jurists in the books of Hanafi jurisprudence to extract the jurisprudential branches that they built on the aspect of correcting behavior, and also to know the jurisprudential rules related to the aspect of correction, and after that the branches were linked with their corresponding rules.
The study was divided according to the jurisprudential rules related to correcting the behavior of the wise, and the researcher applied the related sections of the Hanafi books in the chapters of transactions.
It has been evident through the research the extent of the jurists ’keenness to reduce the cases of contract annulment by maintaining the validity of the contract as possible, in order to ensure the stability of transactions and achieve justice.
الجزء 1 · صفحة 8
تصحيح العقود عند الحنفية قواعده وتطبيقاته
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد؛ فإنّ من أهم مقاصد الشريعة الكلية التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن أهم ما يحقق التيسير أن نحمل تصرفات العقلاء على الصحة قدر الإمكان، والتقليل من حالات بطلان العقد من خلال المحافظة على الرابطة العقدية، واستقرار المعاملات وتحقيق العدالة؛ مراعاة لجانب التيسر ورفعاً للحرج المترتب على إلغاء تصرفاتهم والحكم عليها بالبطلان أو الفساد؛ لما فيه من العنت والمشقة.
لذلك تناولت هذه الدراسة جانب تصحيح تصرفات العقلاء على وفق القواعد الخاصة عند الحنفية.
مشكلة البحث:
تكمن مشكلة البحث في تحرير موضع الدراسة، وهي ذكر القواعد الفقهية المتعلقة بتصحيح العقود من كتب الحنفية، ثم استخراج الفروع من كتب الحنفية التي ظاهرها الفساد إلا أنهم حكموا عليها بالصحة، وربط الفرع المناسب بالقاعدة المناسبة له كتطبيق لهذه القاعدة.
أهمية البحث وأهدافه:
يرجو الباحث من خلال هذه الدراسة أن يحقق الأهداف التالية:
? استخراج الفروع الفقهية من كتب الفقه الحنفي، والتي يتحقق فيها موضوع البحث.
? استخلاص القواعد الفقهية في المذهب الحنفي المتعلقة بموضوع تصحيح العقود.
? ربط الفروع المستخرجة مع القاعدة الفقهية المناسبة لها.
حدود البحث:
يسعى الباحث لإيجاد تطبيقات على مشكلة البحث في إيجاد فروع فقهية تنطبق على قواعد تصحيح التصرفات، وسيكون حدود البحث في أبواب المعاملات بشكل خاص، وسيتخصص البحث في كتب المذهب الحنفي دون غيره من المذاهب، مراعاة لانضباط الفروع في جانب التطبيق مع قواعدها الفقهية.
منهجية البحث:
اتبع الباحث المنهج الاستقرائي؛ لمعرفة اجتهادات فقهاء الحنفية في كتب الفقه الحنفي لاستخراج الفروع الفقهية التي بنوها على جانب تصحيح التصرفات، وأيضاً لمعرفة القواعد الفقهية المتعلقة في جانب التصحيح.
والمنهج الاستدلالي الاستنباطي في بيان انسجام الفروع على القواعد وانطباقها عليها.
الدراسات السابقة:
الجزء 1 · صفحة 9
لم أعثر – فيما بين يدي من مصادر- على دراسة متخصصة في موضوع تصحيح التصرفات عند الحنفية، إلا أني وجدت دراسة كُتبت في موضوع تصحيح تصرفات العقلاء، إلا أنها عامة في الفقه الإسلامي، والدراسة التي بين أيدينا متخصصة في الفقه الحنفي وقواعده، وهي:
? قواعد تصحيح التصرفات في الفقه الإسلامي، د. محمد علي العمري ود أحمد ياسين القرالة، مكان النشر: مجلة المنارة -ج 15 - العدد 02 - 2009م. ومما هو واضح من العنوان دراسة عامة في الفقه، لا تختص بمذهب معين، أما موضوع بحثنا مقتصر على قواعد وفروع المذهب الحنفي فقط.
خطة البحث
التمهيد: تعريف العقد، ومعنى تصحيح العقود
المبحث الأول: تطبيقات على تصحيح العقود مرتبة حسب القواعد الفقهية
المطلب الأول: تصحيح العقد بناءً على اللفظ المحتمل
المطلب الثاني: قواعد تصحيح العقد العامة
الخاتمة
ولنشرع في التمهيد من هذه الدراسة.
الجزء 1 · صفحة 10
التمهيد:
سأتطرق في التمهيد لتعريف العقد وبيان المقصود من تصحيح العقود في هذا البحث.
تعريف العقود لغة: العقود أو أعقاد جمع عَقْد وهو مصدر عَقَد يعقِد عقداً، وهو نقيض الحَلِّ، جاء في معجم مقاييس اللغة: (العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شَدٍ وشدّة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها، من ذلك عقد البناء) (¬1).
ثم استعمل في أنواع العقود من البيوعات والعقود وغيرها، ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم (¬2).
أما تعريف العقد اصطلاحاً: فيُعرِّف الفقهاء العقد بأنه: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يُثبت أثره في محله، وهذا هو تعريف مجلة الأحكام (من المادة 101 الى 104) (¬3).
فيكون العقد التزام المتعاقدين وتعهدهما أمراً، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول، والمراد بالعقد هنا الانعقاد، فعقد البيع مثلًا يُقصد به التزام وتعهد كل من البائع والمشتري بالمبادلة المالية.
والانعقاد هو: تعلّق كلٍّ من الإيجاب والقبول بالآخر على وجه مشروع يُظهر أثره في متعلقهما.
فمتعلق الإيجاب والقبول هو البيع الذي يكون موجودًا ومقدور التسليم ومالا متقومًا مع الثمن.
والأثر: هو أن يصبح البائع مالكًا للثمن والمشتري مالكًا للمبيع.
لذلك فالانعقاد يختص بالبيع الصحيح مطلقا وبالبيع الفاسد، بعد حصول القبض، أما البيع الباطل فلا يوجد فيه انعقاد (¬4).
أما التصرفات فهي أعم من العقود، فلا تدخل جميع التصرفات تحت العقود، كالدعاوي (¬5)، وبحثنا سينصب على العقود خاصة لا على مطلق التصرفات.
¬
(¬1) أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (توفي 395هـ/ 1004م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979م، ج4، ص86.
(¬2) محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (توفي 1205هـ/ 1790م)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، ج8، ص394.
(¬3) علي حيدر خواجه أمين أفندي (توفي 1353هـ/ 1934م)، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، بيروت، دار الجيل، 1991م (ط1)، ج1، ص105.
(¬4) انظر: علي حيدر أفندي، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، ج1، ص105.
(¬5) انظر: أحمد بن الشيخ محمد الزرقا (توفي 1357هـ/ 1938م)، شرح القواعد الفقهية، تحقيق: مصطفى أحمد الزرقا، دمشق، دار القلم، 1989م (ط2)، ص55.
الجزء 1 · صفحة 11
أما المقصود من تصحيح العقود في هذا البحث (¬1) فهو التعامل مع العقود وحملها على وجه الصحة، وأن نصحِّح العقد ما أمكن لنا تصحيحه، فلو كان للعقد وجهان أو أكثر أحدهما يُحمل على الصحة وباقي الوجوه تحمل على البطلان، فالواجب على الفقيه حمل العقد على الوجه الصحيح لا على الفاسد أو الباطل؛ وذلك لأنّ الصحة هي مقصودهما من العقد أصلاً، فيُراعى قصدهما ولا يُهدر من الاعتبار.
لذا يُحمل مطلق كلام العاقدين على الجائز شرعًا، ولا يجوز حمله على الحرام والباطل، ويكونا كأنما صرّحا بالمقصود الشرعي.
وقد نص السرخسي على هذه العلة بقوله: (لأن الصحة مقصود المتعاقدين، ومتى أمكن تحصيل مقصودهما بطريق جائز شرعًا يُحمل مطلق كلامهما عليه، ويجعل كأنهما صرّحا بذلك) (¬2).
والذي يحملنا على ذلك هو حسن الظن بالمسلمين، فالأصل بالمسلم أن لا يفعل الحرام ولا يريده، وأيضاً لأنّ كلام العاقل لا بد أن يكون له معنى صحيح، فلو حملناه على المعنى الباطل صار كلامه ملغيًّا شرعًا، فقد اتفق الحنفية وغيرهم بأنّ: (كلام العاقل محمولٌ على الصحة، والعملُ به شرعًا، فلا يُلغى مع إمكان الإعمال) (¬3).
وقد أظهر الحنفية اهتمامًا كبيرًا بتصحيح العقود، مما يظهر من تعليلاتهم المتكررة في كتب المذهب، فقد أوردوا هذا المعنى بألفاظ متعددة في كتبهم، صار أكثرها قواعد فقهية مستقرة في المذهب، ومن هذه القواعد:
? (الأصل في العقود الشرعية الصحة أو اللزوم) (¬4)، أو (مطلق العقود الشرعية محمولة على الصحة) (¬5).
¬
(¬1) تم استخراج هذا المعنى لتصحيح العقود عند الحنفية من تعليلاتهم الكثيرة المنثورة في كتبهم، فتجدهم يعللون صحة كثير من العقود على اعتبار أن مراد العاقدين هو الصحة، لذلك يتم التعامل معهم على وفق مرادهما. انظر هذه التعليلات عند: عبد الله بن محمود بن مودود، الموصلي البلدحي، مجد الدين، أبو الفضل الحنفي (توفي 683هـ/ 1284م)، الاختيار لتعليل المختار، تحقيق: محمود أبو دقيقة، القاهرة، مطبعة الحلبي، 1937م، ج2، ص40، 41، و وابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (توفي 1252هـ/ 1836م)، رد المحتار على الدر المختار، بيروت، دار الفكر، 1992م (ط2)، ج4، ص 183، ومحمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين، أبو عبد الله، ابن الشيخ شمس الدين، ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (توفي 786هـ/ 1384م)، العناية شرح الهداية، دار الفكر، ج8، ص48، وأبو المعالي، برهان الدين، محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة البخاري الحنفي (توفي 616هـ/ 1219م)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، بيروت، دار الكتب العلمية، 2004م (ط1)، ج9، ص498.
(¬2) محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السرخسي (توفي 483هـ/ 1090م)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1993م، ج12، ص187.
(¬3) المرجع السابق، ج6، ص71، وج6، ص62، 86، 135، وج17، ص197، ج18، ص17.
(¬4) المرجع السابق، ج18، ص124، وبلفظ (الأصل في العقود هو اللزوم) عند الكاساني، البدائع، ج6، ص 128.
(¬5) المرجع السابق، ج20، ص72.
الجزء 1 · صفحة 12
? (كلام العاقل وتصرفه يحمل على وجه الصحة بقضية الأصل) (¬1).
? (مهما أمكن حمله على وجه صحيح يحل شرعًا لا يحمل على ما يحرم شرعًا) (¬2)، أو (محمول على الفائدة ما أمكن) (¬3)، أو (مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه) (¬4).
? (تصحيح العقود واجب ما أمكن) (¬5).
? (الفاسد من العقود في الضمان كصحيحها) (¬6).
? (لا يُحمل كلام العاقل على اللغو إلا إذا تعذّر حمله على الصحة) (¬7).
فلو باع أحدهم نصف دارٍ أو أرضٍ مشتركة بينه وبين غيره، يجوز البيع وينصرف تسمية النصف إلى نصيبه خاصة، ولا يجوز حمله على بيع نصيب شريكه.
فمفاد هذه القواعد: أن المسلم العاقل حينما يتكلم أو يتصرف فيجب حمل كلامه وتصرفه على أمرين: الأول: على الصحة والصواب ما أمكن ذلك؛ لأن عقله يمنعه أن يتكلم أو يتصرف باللغو والباطل أو غير المفيد.
والأمر الثاني: أنه إذا صح كلامه وتصرفه فيجب العمل به شرعا؛ لأنه يجب حمله على الحل والصحة، ويترتب على ذلك أن يعمل بما يقول، ولا يجوز إهمال كلامه أو إلغاؤه ما دام يمكن حمله على وجه يصح (¬8).
¬
(¬1) لجنة من العلماء بإشراف نظام الدين البلخي، الفتاوى الهندية، بولاق، المطبعة الأميرية الكبرى، 1892م (ط2)، ج6، ص221، وابن مازة، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ج9، ص498.
(¬2) السرخسي، المبسوط، ج6، ص228 – 229، وج7، ص11.
(¬3) المرجع السابق، ج11، ص42.
(¬4) المرجع السابق، ج9، ص26 – 27.
(¬5) ابن مازه، المحيط البرهاني، ج7، ص 426.
(¬6) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص306.
(¬7) السرخسي، المبسوط، ج18، ص17.
(¬8) محمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو، أبو الحارث الغزي، موسوعة القواعد الفقهية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 2003م (ط1)، ج8، ص309 – 310.
الجزء 1 · صفحة 13
المبحث الأول: تطبيقات على تصحيح العقود مرتبة حسب القواعد الفقهية
في هذا المبحث سنقوم بعمل استقراء من كتب المذهب في أبواب المعاملات للمسائل التي يمكن حملها على الصحة والبطلان أو الفساد، إلا أنّ الفقهاء حملوها على جانب الصحة حملاً لعقود العقلاء على الصحة.
ويعتبر تصحيح العقود من الموضوعات بالغة الأهمية في مجال المعاملات المالية؛ لما لها من حمل تصرفات العقلاء على الصحة، وستكون التطبيقات المستخرجة في هذا المبحث مقسّمة على حسب القواعد الفقهية.
وسأكتفي بذكر المسألة دون ذكر من قال بها إن كانت المسألة متفق عليها في المذهب بين أئمتنا الثلاثة (أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله جميها) من غير ذكر للتصحيح؛ لأن اتفافهم على مسألة تصحيحٌ ضمني لها في المذهب، أما إن كانت المسألة غير متفق عليهم بينهم أشير إلى الخلاف والتصحيح فيها باختصار.
المطلب الأول: تصحيح العقد بناءً على اللفظ المحتمل
من القواعد الفقهية المتعلقة بتصحيح العقود بناءً على اللفظ المحتمل عند الحنفية:
أولاً: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني (¬1)
المراد بالمقاصد والمعاني هي التي عينتها القرائن اللفظية لا التي بقيت حبيسة في النفس ولم تظهر إلى حيّز الوجود بفعل مادي يدل عليها، كما في انعقاد الكفالة بلفظ الحوالة، وانعقاد الحوالة بلفظ الكفالة إذا اشتُرِط فيها براءة المدين عن المطالبة أو عدم برائته (¬2)، وما يشمل المقاصد العُرفية المُرادة للناس في اصطلاح تخاطبهم فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود, فقد صرح الفقهاء بأنه يُحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه وإن خالفت لغة الشرع وعرفه كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والإعطاء (¬3).
واستعملت هذه القاعدة عند الحنفية بعدة صيغ منها ما جاء عند ابن نجيم: (الاعتبار للمعنى لا للألفاظ) (¬4)، وعند السرخسي قريباً منها: (العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ) (¬5)، وعند الكاساني: (العبرة في العقود لمعانيها لا لصورة الألفاظ) (¬6)، وكلها متقاربة في اللفظ متحدة في المعنى.
التطبيقات:
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط، ج4، ص134، والمادة (3) من لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية، مجلة الأحكام العدلية، تحقيق: نجيب هواويني، كراتشي، كارخانة تجارت كتب، والحموي، غمز عيون البصائر، ج2، ص268.
(¬2) أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، ص55.
(¬3) المرجع السابق، ص55، وإبرهيم الحريري، المدخل إلى القواعد الفقهية، ص77.
(¬4) زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (توفي 970هـ/ 1563م)، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1999م (ط1)، ص207.
(¬5) السرخسي، المبسوط، ج7، ص164.
(¬6) علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (توفي 587هـ/ 1191م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتب العلمية، 1986م (ط2)، ج11، ص4.
الجزء 1 · صفحة 14
1. الكفالة إذا اشترط فيها براءة المديون عن المطالبة تعتبر حوالة، فيُشترط حينئذ فيها ما يشترط في الحوالة، ولا يُطالِب الدائنُ إلا الكفيل فقط، ولا يرجع على المكفول عنه إلا إذا توي المال (أي هلك) (¬1).
2. والعكس وهو أن الحوالة إن شرط فيها عدم براءة المحيل عن المطالبة تعتبر كفالة، فيشترط فيها ما يشترط في الكفالة، ويطالب المحال كلاً من المحيل والمحتال عليه، وفي مجلة الأحكام: (الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة) (¬2).
3. الهبة بشرط العِوض تصح وتعتبر هبة ابتداءً وبيعاً انتهاءً، لذلك تأخذ حكم الهبة فلا تصح من الصغير ولو كان العِوض كثيراً، ولا تصح من وليه ولو بعوض، وتأخذ أيضاً حكم البيع فلا يجوز الرجوع فيها، ويجري فيها الرد بالعيب وخيار الرؤية، وتؤخذ بالشفعة، وفي مجلة الأحكام: (الهبة بشرط العوض في حكم البيع) (¬3).
4. ومن الصور المعاصرة: بطاقات الائتمان (¬4)، ويمكن تكييف التعامل معها باعتبارها عقداً مركباً – في حال وجود حساب للعميل يسحب البنك منه – من عدة وجوه:
? العلاقة بين حاملها ومُصدرها تتكون من ثلاثة عقود: الكفالة, والإقراض, والوكالة, فالمُصدر كفل حاملها للتاجر, وأقرضه قيمة المسحوبات, وحامل البطاقة وكَّل المُصدر بالوفاء للقيمة للتاجر.
? العلاقة بين المُصدر والتاجر تتكون من عقدين الضمان والوكالة, فقد ضمن المصدر للتاجر الوفاء بمستحقاته, ثم قام المُصدر بتحصيل هذه المستحقات.
¬
(¬1) وذلك بأن يجحد الكفيل (وهو المحال عليه) الكفالة ولا بينة، أو يموت الكفيل مفلسا وهذا عند أبي حنيفة، وزاد الصاحبان: أو يفلّسه الحاكم، فحينئذ يرجع الدائن على المديون المكفول، انظر: حسام الدين الرازي، خلاصة الدلائل، تحقيق: صلاح أبو الحاج، عمان، دار الفتح، 2016م (ط1)، ج2، ص330 – 331، والسرخسي، المبسوط، ج30، ص148، والكاساني، بدائع الصنائع، ج6، ص 10.
(¬2) أبو محمد، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى، بدر الدين العينى (توفي 855هـ/ 1451م)، البناية شرح الهداية، بيروت، دار الكتب العلمية، 2000م (ط1)، ج8، ص485، وإبراهيم الحلبي، ملتقى الأبحر، ص184، ومجلة الأحكام العدلية، المادة) 649 (، ج1، ص122، و محمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفى: 1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، بيروت، دار الكتب العلمية، 2002م (ط1)، ص 462.
(¬3) السرخسي، المبسوط، ج24، ص110، ومجلة الأحكام العدلية المادة (1022)، ومحمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر، علاء الدين السمرقندي (توفي نحو 540هـ/ 1145م)، تحفة الفقهاء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1994م (ط2)، ج3، ص50، وعبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده, يعرف بداماد أفندي (المتوفى: 1078هـ)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وبدون تاريخ، ج2، ص 365.
(¬4) هي البطاقة الصادرة من البنك أو غيره تخول حاملها الحصول على حاجياته من السلع أوالخدمات. عبد الحق حميش, قضايا فقهية معاصرة, مكتبة جامعة الشارقة, الإمارات العربية, (ط2)، 2007م, ص123, عن معجم اكسفورد ص277.
الجزء 1 · صفحة 15
? العلاقة بين حامل البطاقة والتاجر، إما بيع أو إجارة حسب طبيعة المعقود عليه (¬1).
ثانياً: إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز (¬2)
الأصل العمل بحقيقة اللفظ فإن تعذّرت حقيقته أو تعسّرت أو هُجرت فحينئذٍ يصار إلى المجاز، لتصحيح كلام المتكلم؛ لأن إعمال كلامه أولى من إهماله (¬3).
1. فمن صور تعذر الحقيقة: عدم إمكانها أصلا لعدم وجود فرد لها في الخارج، كما لو وقف على أولاده وليس له إلا أحفاد، فيصرف الوقف للأحفاد عملاً بالمجاز (¬4).
2. تعذر الحقيقة بسبب تعسرها كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة حنث إن أكل ما يخرج منها وبثمنها إن باعها، واشترى به مأكولا (¬5).
3. تعذرها بسبب عدم إمكانها شرعاً كما لو وكل بالخصومة فإنه ينصرف إلى المجاز فيتناول الإنكار والإقرار لا حقيقة المنازعة؛ لآنها منهي متعذرة شرعاً قال تعالى: ? ? ? ?] 46: الأنفال [.
4. إذا أقر من لا وارث له لمن ليس من نَسَبه وأكبر منه سنا بأنه ابنه ووارثه، ثم توفي المقِر، فبما أنه لا يمكن حمل كلامه هذا على معناه الحقيقي فيصار إلى المجاز وهو معنى الوصية ويأخذ المقَر له جميع التركة (¬6).
5. التعذر بسبب هجر الحقيقة، كما لو حلف: لا يضع قدمه في هذه الدار، فإن الحقيقة ممكنة ولكنها مهجورة، والمراد في العرف هو الدخول، فلو وضع قدمه في الدار بدون دخول لا يحنث، ولو دخلها راكباً دون أن يضع قدمه فيها حنث (¬7).
¬
(¬1) المرجع السابق، ص130
(¬2) المادة (61) من مجلة الأحكام العدلية، والبابرتي، العناية شرح الهداية، ج5، ص117.
(¬3) الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص398.
(¬4) أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 317، والمادة (60) من مجلة الأحكام العدلية تحت عنوان: (إعمال الكلام أولى من إهماله).
(¬5) الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص398، و سراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت 1005هـ)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق، تحقيق: أحمد عزو عناية، بيروت، دار الكتب العلمية، 2002م (ط1)، ج3، ص 75.
(¬6) المادة (61) من مجلة الأحكام العدلية، ج1، ص23.
(¬7) الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص39، وأبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (توفي 189هـ/ 804م)، الأصل أو المبسوط، تحقيق: محمد بوينوكالن، بيروت، دار ابن حزم، 2012م (ط1)، ج2، ص 310.
الجزء 1 · صفحة 16
ثالثاً: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله (¬1)
والمقصود منها أن ذكر بعض الشيء على وجه الشيوع كذكر نصفه أو ربعه، وهو لا يقبل التجزؤ بحكم طبيعته أو بحكم الشرع، فيكون ذكر البعض قائماً مقم ذكر الكل، ويعتبر الكل مذكوراً إذا ذكر البعض، ولكن يشترط أن يكون البعض مذكوراً على سبيل الشيوع، وذلك لتصحيح كلام العقلاء ومنعاً لإلغائه، فإعمال الكلام ما أمكن إعماله أولى من إهماله (¬2).
1. لو إذا عفا عن بعض القاتل كان عفوا عن كله، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط كله وانقلب نصيب الباقين مالًا (¬3).
2. إذا قال: تكفلت برقبة فلان أو بروحه أو برأسه أو بنصفه أو بثلثه، تنعقد الكفالة وتكون عن الكل (¬4).
3. إن طلب أحد الشفيع نصف الشفعة بناء على أنه يستحق النصف فقط بطلت شفعته (¬5)، وهذا على قول محمد رحمه الله تعالى (¬6).
رابعاً: السؤال معادٌ في الجواب (¬7)
¬
(¬1) وهي نص المادة (63) من المجلة، ج1، ص23، وذكرها: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (توفي 970هـ/ 1563م)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الإسلامي، (ط2)، ج3، ص90، والموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج3، ص126، والبابرتي، العناية، ج4، ص16.
(¬2) أنظر: أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص321، وابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (توفي 1252هـ/ 1836م)، رد المحتار على الدر المختار، بيروت، دار الفكر، 1992م (ط2)، ج3، ص259.
(¬3) الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص46، وأحمد بن محمد بن محمد، أبو الوليد، لسان الدين ابن الشِّحْنَة الثقفي الحلبي (المتوفى: 882هـ)، لسان الحكام في معرفة الأحكام، القاهرة، البابي الحلبي 1973م (ط2)، ص 218.
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار، ج5، ص286، وحسام الرازي، خلاصة الدلائل، ج2، ص310.
(¬5) عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، مؤلف الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ (المتوفى: 1021 هـ)، القاهرة، المطبعة الكبرى الأميرية، 1313ه (ط1)، ج5، ص242، ومحمد قدري باشا (توفي 1306هـ/ 1888م)، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، بولاق، المطبعة الأميرية الكبرى، 1891م (ط2)، ص23.
(¬6) خلافاً لأبي يوسف رحمه الله؛ فإنه لا يكون تسليماً عنده. انظر: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ)، عيون المَسائل، تحقيق: د. صلاح الدِّين الناهي، بغداد، مطبعة أسعد، 1386ه، ص 261. قال ابن عابدين: وفي المحيط: الأصح قول محمد اهـ. ومثله في غرر الأفكار وشرحه. ابن عابدين، رد المحتار، ج6، ص222.
(¬7) وهي نص المادة (66) من مجلة الأحكام، ج1، ص24.
الجزء 1 · صفحة 17
وتعني القاعدة أنّ المذكور في السؤال يكون مُضمَّنَاً ومعاداً في جواب المُصدِّق المُقر للسؤال، فإذا ورد كلامٌ جواباً على سؤالٍ فإذا كان الكلام بمقدار ما يَحتاجُ إليه الجواب فالكلام المذكور يكون مقصوراً على السؤال ويكون السؤالُ معاداً في الجواب ضِمناً (¬1).
التطبيقات
1. فلو قال: امرأةُ زيدٍ طالقٌ أو عبدُه حرٌ أو عليه المشي إلى بيت الله إن دخل هذه الدار، فقال زيدٌ: نعم، كان حالفاً بكلِّه؛ لأنّ الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال (¬2).
2. لو باع شخص بطريق الفضول مالا من آخر وبلغ البائع صاحب المال، وبينما هو يفتكر في ذلك سأله سائل قائلا: هل تأذنني بإجازة ذلك البيع؟ فأجابه بقوله: نعم، فقوله بمعنى أذنتك بالإجازة فينفذ البيع إذا أجازه ذلك الشخص المأذون بالإجازة (¬3)
3. يقول لآخر: تعال تغد معي، فقال: والله لا أتغدى، فلم يتغد معه ثم رجع إلى منزله فتغدى، لا يحنث استحساناً، والقياس أن يحنث وهو قول زفر؛ وجه القياس: أنه منع نفسه عن التغدي عاماً فصرفه إلى البعض دون البعض تخصيص للعموم، ووجه الاستحسان: أن كلامه خرج جوابا للسؤال فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه فينصرف الجواب إليه كأنه أعاد السؤال (¬4).
4. ومن كتاب الأيمان: قال فعلت كذا أمس؟ فقال: نعم. فقال السائل: والله قد فعلتها؟ فقال: نعم فهو حالف (¬5).
5. قال لآخر: لي عليك كذا فادفعها إلي، فقال استهزاء: نعم أحسنت، فهو إقرار عليه ويؤاخذ به (¬6).
¬
(¬1) انظر: علي حيدر، درر الحكام، ج1، ص65، وأما إذا كان الكلام زائدًا عما يحتاج إليه الجواب فيكون الكلام إنشاء في الظاهر، ولكن قد يكون جوابًا خلاف الظاهر، فإذا قال المجيب: إنما قصدت الجواب بكلامي يصدق ديانة لا قضاء. ويستثنى منها ما في (الخانية) من باب التعليق: امرأة قالت لزوجها: طلقني ثلاثًا فقال الزوج: أنت طالق، فهي واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا ولو قال: قد فعلت، طلقت ثلاثًا وكذا لو قال: قد فعلت ثلاثًا، وكذا لو قال: قد طلقتك، انظر: الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص435.
(¬2) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (المتوفى: 189 هـ)، الأصل، تحقيق ودراسَة: الدكتور محمَّد بوينوكالن، بيروت، دار ابن حزم،2012م (ط1)، ج2، ص 368، ومحمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَري البريقيني الخَوَارَزْميّ الحَنَفي، المعروف بابن البَزَّاز (توفي 827هـ/ 1424م)، الفتاوى البزازية، ج6، ص201.
(¬3) علي حيدر، درر الحكام، ج1، ص65.
(¬4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص13.
(¬5) الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص435، ومثله عند ابن مازه، المحيط البرهاني، ج4، ص 209.
(¬6) وفي المسألة خلاف، هل يُعد الاستهزاء في جوابه إقراراً؟ رجّح صاحب القنية والدرر والأشباه ولسان الحكام أنها إقرار يؤاخذ عليه، وذهب إلى عدم اعتباره إقراراً صاحب المحيط والفتاوى الهندية. انظر: علاء الدين، محمد بن محمد أمين، المعروف بابن عابدين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، الحسيني الدمشقي (توفي 1306هـ/ 1889م)، قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار، بيروت، دار الفكر، ج8، ص235، وابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 129، والحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص 436، وابن الشحنة، لسان الحكّام، ص 268، وابن مازه، المحيط البرهاني، ج4، ص 158، لجنة من العلماء، الفتاوى الهندية، ج4، ص 158.
الجزء 1 · صفحة 18
6. إذا قال قائل اضمن لي هذا الرجل فقال الآخر أنا ضامن فهو قرينة على كفالة النفس، وإن قال اضمن لي ما عليه من المال فقال أنا ضامن فهو قرينة على المال (¬1).
المطلب الثاني: قواعد تصحيح العقد العامة
وهذه مجموعة من القواعد الفقهية التي لا تتعلق بالألفاظ، بل بالعرف أو بالدلالة أو بالأصل وغيرها
أولاً: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص
ومعنى القاعدة: أنه إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل على شيء معين بدون اشتراط صريح فهو مرعيٌ ويُعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح، وإنما يعتبر العرف إذا لم يوجد التصريح بخلافه (¬2).
ومن القواعد التي تحمل نفس المعنى: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، ففي كل محل يعتبر ويراعى فيه شرعاً صريحُ الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادماً للنص بخصوصه، و (المعروف بين التجار كالمشروط بينهم) وهذه مثل التي قبلها إلا أنّ الأولى في مطلق العرف وهذه خاصة في عرف التجار (¬3).
ومن ألفاظ هذه القاعدة:) الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي) (¬4)،و:) الثابت عادة كالمتيقن به) (¬5)، و (المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص) (¬6)
? التطبيقات
1. لو باع التاجر شيئا وقد جرى العرف على أن يكون بعض معلوم القدر من الثمن حالا، أو على أن دفع كل الثمن يكون منجما على نجوم معلومة يكون ذلك العرف مرعيا بمنزلة الشرط الصريح (¬7).
2. من اشترى بدراهم مطلقة ينصرف إلى نقد البلد بدلالة العرف (¬8).
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج5، ص287، وابن نجيم، البحر الرائق، ج6، ص226.
(¬2) السرخسي، المبسوط، ج4، ص152.
(¬3) أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص237، 239، 241.
(¬4) السرخسي، المبسوط، ج12، ص11.
(¬5) المرجع السابق، ج1، ص78.
(¬6) المرجع السابق، ج23، ص209، وابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص99.
(¬7) أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص239.
(¬8) السرخسي، المبسوط، ج4، ص152.
الجزء 1 · صفحة 19
3. إذا اشترى شيئا ثقيلا كالحديد أو الإسمنت أو الحجارة فإن إيصاله إلى محل المشتري على البائع عند الإطلاق، ما لم ينص في العقد على خلافه (¬1).
4. لو أرسل الوكيل بالبيع الثمن إلى الموكل مع المكاري ونحوه مما جرت به العادة فإنه لا يضمن (¬2).
5. إن كبح الدابة بلجامها، أي جذبها إلى نفسه لتقف ولا تجري، أو ضربها فعطبت، لايضمن عند الصاحبين، إذا فعل فعلا تعارفا، لأن المتعارف مما يدخل تحت مطلق العقد فكان حاصلا بإذنه فلا يضمنه (¬3).
6. ومن تطبيقاتها المعاصرة: لو استأجر سيارة للركوب المعتاد فليس له أن يحمل عليها ما لا يحمل على مثلها، كأن يحمل فيها الحديد والبضائع الثقيلة أو المواشي.
ثانياً: الثابت دلالةً كالثابت نصاً (¬4)
المقصود بالدلالة: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم والظن بشيء آخر أو من الظن به الظن بشيء آخر (¬5).
وعُبّر عنها بصيغ أخرى منها: ما ثبت بدلالة اللفظ فهو كالملفوظ (¬6) وهي مشابهة للقاعدة السابقة، وما ثبت بدلالة النص عادة فهو كالمنصوص عليه (¬7)، و (الثابت بالاقتضاء كالثابت بالمنطوق) (¬8)، والإذن دلالة كالإذن صراحة (¬9).
ومعنى هذه القواعد: أن الحكم المفهوم من اللفظ لغة (أي دلالة اللفظ) أو بمقتضى دلالة الحال، يكون ثابتاً كالمنصوص عليه والمنطوق بعبارة النص في بناء الحكم عليه.
¬
(¬1) أبو الحارث الغزي، موسوعة القواعد الفقهية، ج10، ص750.
(¬2) علاء الدين ابن عابدين، قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار، ج8، ص515.
(¬3) العيني، البناية، ج10، ص259.
(¬4) المرجع السابق، ج12، ص62، والكاساني، البدائع، ج6، ص142.
(¬5) محمد بن حمزة بن محمد، شمس الدين الفناري، أو الفَنَري الرومي (توفي 834هـ/ 1431م)، فصول البدائع في أصول الشرائع، تحقيق: محمد حسن محمد حسين إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، 2006م (ط1)، ج1، ص26.
(¬6) السرخسي، المبسوط، ج17، ص185.
(¬7) المرجع السابق، ج30، ص67.
(¬8) مظفر الدين، أحمد بن علي بن الساعاتي (توفي 694هـ/ 1295هـ)، نهاية الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: سعد بن غرير بن مهدي السلمي، السعودية، جامعة أم القرى، 1985م، ج2، ص546، وعبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي (توفي 730هـ/ 1330م)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، ج1، ص76.
(¬9) مجلة الأحكام العدلية المادة (772)، ج1، ص146.
الجزء 1 · صفحة 20
ويشترط لثبوت الإذن دلالة عدم وجود تصريح بخلافها، إذ التصريح مقدم على الدلالة عند التعارض ولا اعتبار بالإذن دلالة حينئذ، كما قالوا: دلالة الإذن تنعدم بصريح النهي، كما إذا دخل رجل بيت آخر فهو مأذون دلالةً بشرب الماء بالإناء المخصوص له، فلا يضمن لو انكسر من يده، أما لو نهاه صاحب البيت عن استعماله فهو ضامن إذا تلف في يده (¬1)، فالإذن من المالك دلالة، كالإذن الصريح، ينفي الضمان.
? التطبيقات:
1. لو ذبح الراعي البعير في المرعى بعد أن مرض مرضا لا ترجى معه حياته فإنه لا يضمن؛ لأن الإذن من المالك بذبحه والحالة هذه حاصل عادة (¬2).
2. إذا التقط اللقطة للمالك لا لنفسه، كان الإذن للملتقط بوضع يده حاصلا من المالك دلالة، ولذا كان مندوباً إليه وواجباً شرعاً، فتكون يده يداً مأذونا فيها، وإذا كانت مأذونا فيها فهي يد نائبة عن يد المالك، فإذا تعدى ثم أزال التعدي لا يبقى غاصبا بل تعود يد النيابة عن المالك فإذا هلكت بعد ذلك لا يضمن (¬3).
3. إذ قبض الأب مهر ابنته البالغة من الزوج فعلمت وسكتت، كان سكوتها إذنا منها بالقبض دلالة ويبرأ الزوج؛ لأن ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من قبيل الدلالة. ولكن إذا صرحت البنت بالنهي فلا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزوج (¬4).
ثالثاً: التابع تابع (¬5)
التابع: الذي لا وجود له من أصله، وهو جزءٌ من غيره ويضره التبعيض كالجلد للحيوان، أو كالجزء في الاتصال الخلقي كالجنين والفص للخاتم، أو كان وصفاً فيه كالشجر والبناء القائمين في الأرض، أو كان من ضروراته كالطريق للدار والمفتاح للقفل (¬6).
¬
(¬1) المرجع السابق المادة (772)، ج1، ص146.
(¬2) أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص51.
(¬3) عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم، الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (توفي 1298هـ/ 1881م)، اللباب في شرح الكتاب، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العلمية، ج2، ص207.
(¬4) ابن مازة، المحيط البرهاني، ج3، ص56.
(¬5) المادة (47) من مجلة الأحكام العدلية، ج1، ص21.
(¬6) محمد مصطفى الزحيلي، القواعد الفقهية وتطبيقاتها على المذاهب الأربعة، دمشق، دار الفكر، 2006م (ط1)، ج1، ص434.
الجزء 1 · صفحة 21
ومن ألفاظ هذه القاعدة: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها (¬1)،و يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر قصداً، والإذن بالمتبوع إذن بالتبع، والتابع تابع لا يفرد بالحكم، والتابع لا يتقدم على المتبوع (¬2)، التابع لا يستقل.
ومعنى القاعدة: أنّ التابع لشيءٍ في الوجود، بأن كان جزءاً أو كالجزء أو وصفا فيه أو من ضروراته، فلو أقر بالأصل دخل الجزء والوصف وما كان من ضروراته بالتبع، كما لو أقرّ بخاتم دخل فصه بحكم التبع (¬3).
? التطبيقات:
1. زوائد الرهن، كالولد والثمرة واللبن والصوف تكون رهنا تبعا للأصل، هذا ما نصت عليه المجلة في المادة (715 (: الزيادة المتولدة من المرهون تكون مرهونة مع أصل الرهن (¬4)، وكذلك زوائد المبيع إذا حدثت قبل القبض تكون للمشتري (¬5)
2. إذا بيعت بقرة حلوب لأجل لبنها يدخل فلوها الرضيع في البيع تبعا (¬6).
3. باع فرسا دخل العذار تحت البيع والزمام في بيع البعير (¬7)
رابعاً: إذا زال المانع عاد الممنوع (¬8)
المانع: وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده حكمةً تستلزم عدم الحكم أو عدم السبب (¬9).
تبين هذه القاعدة حكم ما امتنع لسبب (وهو المانع)، ثم زال السبب المانع؛ فإن الشيء الممنوع يرجع ويظهر ويحصل، فإنه إذا زال المانع زال الممتنع لأجله.
ثم إنّ المانع إذا زال وجب الحكم به من حين الإيجاب، حتى يملكه المشتري بزوائده المتصلة والمنفصلة من وقت العقد، بخلاف التعليقات فإنه إذا زال المانع يثبت الحكم فيها وقت زوال المانع (¬10).
¬
(¬1) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص121.
(¬2) محمد عميم الإحسان المجددي البركتي، قواعد الفقه، كراتشي، الصدف ببلشرز، 1986م (ط1)، ص67.
(¬3) انظر: العيني، البناية، ج9، ص443، وكمال الدين، محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام (توفي 861هـ/ 1457م)، فتح القدير، دار الفكر، ج8، ص342، والموصلي، الاختيار، ج2، ص131، والبابرتي، العناية، ج8، ص342، والشيباني، الأصل، ج8، ص267.
(¬4) مجلة الأحكام العدلية، ج1، ص137.
(¬5) الكاساني، البدائع، ج6، ص158.
(¬6) محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، ص61.
(¬7) ابن الهمام، فتح القدير، ج6، ص281.
(¬8) المادة (24) من مجلة الأحكام العدلية.
(¬9) المحلاوي، ص258، لم يتعرض الحنفية قديما لتعريف المانع في كتبهم، ولعل السبب في ذلك وضوح معناه، قال الفناري: أما المانع فلظهور معنى المنع في اللغة والشرع لم يحتج إلى تعريفه، الفناري ج1، ص 259.
(¬10) الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (توفي 711هـ/ 1311م)، الكافي شرح البزدوي، تحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت، مكتبة الرشد، 2001م (ط1)، ج5، ص2065.
الجزء 1 · صفحة 22
? التطبيقات:
1. لو أوصى لوارث ثم امتنع إرثه بمانع صحت، كما لو أوصى لأخيه ثم ولد له ابن ثم مات الموصي، صحت الوصية (¬1).
2. لو أن الوكيل جن ثم أفاق أو لحق بدار الحرب ثم رجع أو ارتد ثم أسلم فهو على الوكالة (¬2).
3. إذا اشترى شخص شيئا وبعد حصول عيب حادث في ذلك الشيء اطلع على عيب قديم فيه، فحينئذ لا يجوز للمشتري رد المبيع، بل له الرجوع على البائع بنقصان الثمن أي فرق الثمن فقط. فإذا زال ذلك العيب الحادث المانع من رد المبيع فللمشتري بعد أن يعيد للبائع نقصان الثمن رد المبيع بالعيب القديم (¬3).
4. إذا غرس المشتري أشجارا في الأرض المشتراة أو أنشأ فيها بناء، فلا يحق للبائع طلب فسخ البيع بدعوى وجود فساد في العقد؛ لأن ذلك موجب لضرر المشتري، إذ إنه يقتضي أن يقلع أشجاره أو يهدم بناءه. أما إذا خُلعت الأشجار أو هُدم البناء بآفة أو من المشتري نفسه يحق للبائع أن يدعي بفساد البيع، ويطلب فسخ العقد لزوال المانع (¬4).
خامساً: يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (¬5):
ومعنى القاعدة: أنّ بعض الشروط التي يجب توافرها في ابتداء التصرف يمكن أن يُتساهل فيها في خلال التصرف وأثنائه، وإن كان فقدها في ابتداء التصرف يضره ويمنعه، لأن البقاء أسهل من الابتداء (¬6).
وهذه القاعد تساهم كثيراً في تصحيح تصرفات العقلاء التي أمضوها وعقدوها إذا ظهر فيها خلل لاحق.
? التطبيقات:
1. لو وهب شخص لآخر حصة شائعة في دار مثلا: فالهبة لا تصح، أما لو وهب له الدار جميعها، ثم ظهر مستحق لحصة في تلك الدار، فالهبة لا تبطل ويبقى للموهوب له الباقي من الدار بعد أخذ تلك الحصة المستحقة منها (¬7).
¬
(¬1) الكاساني، البدائع، ج7، ص337.
(¬2) أبو الحسن، علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي، حنفي (توفي 461هـ/ 1068م)، النتف في الفتاوى، تحقيق: صلاح الدين الناهي، عَمان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ودار الفرقان، 1984م (ط2)، ج2، ص603.
(¬3) علي حيدر، درر الحكام، ج1، ص39.
(¬4) المرجع السابق، ج1، ص39.
(¬5) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص121، المادة (55) من مجلة الأحكام العدلية.
(¬6) السرخسي، المبسوط، ج4، ص116، المادة (56) من مجلة الأحكام العدلية.
(¬7) علي حيدر، درر الحكام، ج1، ص56، وأبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي (المتوفى: 800هـ)، الجوهرة النيرة، مصر، المطبعة الخيرية، 1322هـ (ط1)، ج1، ص 326.
الجزء 1 · صفحة 23
والعلة في هذا أنّ من شروط صحة الهبة عند الحنفية القبض التام، والشيوع في الهبة يجعلها غير محوزة وغير مفرغة عن ملك الواهب وهذا يمنع من تمام القبض، وهذا إذا كان في بداية الهبة، أما إذا ظهر أن الدار مشاع بعد الهبة فاستحسنوا جوازها، لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (¬1).
2. لو رهن داراً مشاعاً لا يصح، أما لو رهن داراً ثم استحقت لآخر، فلا يبطل الرهن في رواية أبي يوسف؛ لأن حكم البقاء أسهل من حكم الابتداء (¬2)، وهي غير ظاهر الرواية.
¬
(¬1) المشاع على نوعين:
? ... يقبل القسمة: وهو ما يمكن قسمه ويبقى منتفعا به بعد القسمة من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة ولو من الشريك، كالمتماثلات مثل الحبوب والأرض: فلا يجوز هبتها ولا رهنها، كذلك لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله تأجيرها إلا بعد القسمة – خلافا للصاحبين رحمهما الله –، حتى تكون محوزة ومفرغة عن ملك الواهب؛ لأن القبض منصوص عليه في الهبة فيشترط وجوده على أكمل الوجوه، وتمامها لا يحصل إلا بالقسمة حتى يزول الشيوع، والرهن يوجب تسليط اليد على المرهون وهذا لا يتحقق في المشاع لأن الانتفاع به لا يكون إلا بالمهايأة، وكذلك الإجارة لا تصح لأنها تمليك منافع ووجود المستأجَر مشاعاً يمنع من الانتفاع به.
? ... لا يقبل القسمة: وهو الذي لا يبقى به بعد القسمة أصلا كعبد ودابة، أو لا يبقى منتفعا به من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة كالحمام الصغير والرحى، أو يضره التبعيض ويوجب نقصانا في ماليته، فتجوز هبته استحساناً ولا يجوز رهنه ولا تأجيره.
وسبب جواز هبته لأنه لا سبيل إلى إزالة المانع بالقسمة لعدم احتمال القسمة، فإن اشتراط عدم الشيوع يؤدي إلى إلغاء الهبة فيما لا يقسم، لذلك جازت هبة المشاع الذي لا يقسم للضرورة، وإقامة صورة التخلية مقام القبض الممكن من التصرف. ينظر: العيني، البناية شرح الهداية، ج10، ص 168، والكاساني، بدائع الصنائع، ج6، ص 119، وعبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: ق 12هـ)، دستور العلماء (جامع العلوم في اصطلاحات الفنون)، عرّب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص، بيروت، دار الكتب العلمية، 2000م (ط1)، ج3، ص 326، والميداني، اللباب في شرح الكتاب، ج2، ص 172.
(¬2) البابرتي، العناية، ج10، ص154. خلافاً لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فلا يصح رهن المشاع عندهما سواء كان مشاعاً يحتمل القسمة أو لا يحتملها وهو ظاهر الرواية، وحجتهما أن قبض النصف الشائع وحده لا يتصور والنصف الآخر ليس بمرهون فلا يصح قبضه، بخلاف الهبة فإن الشيوع فيها لا يمنع الجواز فيما لا يحتمل القسمة، فصحة بقاء الملك في الهبة غير مفتقرة إلى استصحاب اليد، وصحة بقاء الرهن مفتقرة إلى استصحاب اليد، إذ به تحصل وثيقة، وليس في الرهن معني غيرها، ففي ارتفاعها ارتفاع الرهن، فلذلك افترقا. ينظر: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370 هـ)، شرح مختصر الطحاوي، تحقيق: د. عصمت الله عنايت الله محمد - أ. د. سائد بكداش - د محمد عبيد الله خان - د زينب محمد، بيروت، دار البشائر الإسلامية ودار السراج، 2010م (ط1)، ج3، ص148، والكاساني، بدائع الصنائع، ج6، ص 138.
الجزء 1 · صفحة 24
3. لو آجر مشاعا فإنه لا يصح، سواء كان يقبل القسمة أو لا (¬1). ولكن لو طرأ الشيوع بعد العقد بأن آجر عقارا بتمامه ثم استحق جزء منه شائع، أو تفاسخ العاقدان الإجارة في بعض شائع منه، تبقى الإجارة في الباقي وإن كان شائعا (¬2)؛ لأن إجارة المشاع فيما يقسم وما لا يقسم فاسدة في قول أبي حنيفة وعليه الفتوى (¬3).
¬
(¬1) خلافاً للصاحبين، فإن إجارة المشاع جائزة عندهما. العيني، البناية، ج10، ص 283.
(¬2) علي حيدر، درر الحكام، ج1، ص56.
(¬3) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 125.
الجزء 1 · صفحة 25
الخاتمة:
توصل الباحث من خلال هذا البحث (تصحيح العقود عند الحنفية قواعده وتطبيقاته) إلى النتائج التالية:
1. استعمل الحنفية الكثير من القواعد الفقهية التي تصحح العقود
2. القواعد الفقهية في جانب تصحيح العقود تقسم إلى قواعد متعلقة باللفظ المحتمل، وقواعد عامة تتعلق بالمعاني.
3. حرص الفقهاء على التقليل من حالات إبطال العقود من خلال المحافظة على رابطة العقد صحيحة ما أمكن، حرصاً منها على استقرار المعاملات وتحقيق العدالة.
4. يعتبر تصحيح عقود العقلاء مطلباً مهماً في المعاملات، لذلك اعتنى به الفقهاء الحنفية، وبذلوا وسعهم لتصحيح عقود العقلاء، لما فيه من جلب التيسر، وحمل الناس على مرادهم ومقصودهم.
5. فرّع فقهاء الحنفية الكثير من الفروع الفقهية الملائمة لقواعد تصحيح العقود.
والحمد لله رب العالمين
الجزء 1 · صفحة 26
قائمة المراجع والمصادر
1. أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي (المتوفى: 800هـ)، الجوهرة النيرة، مصر، المطبعة الخيرية، 1322هـ (ط1). ... 2. أحمد بن الشيخ محمد الزرقا (توفي 1357هـ/ 1938م)، شرح القواعد الفقهية، تحقيق: مصطفى أحمد الزرقا، دمشق، دار القلم، 1989م (ط2).
3. أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370 هـ)، شرح مختصر الطحاوي، تحقيق: د. عصمت الله عنايت الله محمد - أ. د. سائد بكداش - د محمد عبيد الله خان - د زينب محمد، بيروت، دار البشائر الإسلامية ودار السراج، 2010م (ط1). ... 4. أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (توفي 395هـ/ 1004م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979م.
5. أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين، الحسيني الحموي الحنفي (توفي 1098هـ/ 1687م)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، بيروت، دار الكتب العلمية، 1985م (ط1). ... 6. أحمد بن محمد بن محمد، أبو الوليد، لسان الدين ابن الشِّحْنَة الثقفي الحلبي (المتوفى: 882هـ)، لسان الحكام في معرفة الأحكام، القاهرة، البابي الحلبي 1973م (ط2). ... 7. الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (توفي 711هـ/ 1311م)، الكافي شرح البزدوي، تحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت، مكتبة الرشد، 2001م (ط1).
8. حسام الدين الرازي، خلاصة الدلائل، ج2، ص330 – 331، تحقيق: صلاح أبو الحاج، عمان، دار الفتح، 2016م (ط1).
9. زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (توفي 970هـ/ 1563م)، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1999م (ط1).
10. زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (توفي 970هـ/ 1563م)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الإسلامي، (ط2).
11. سعد الدين، مسعود بن عمر التفتازاني (توفي 793هـ/ 1390م)، شرح التلويح على التوضيح، مصر، مكتبة صبيح.
12. عبد الحق حميش, قضايا فقهية معاصرة, مكتبة جامعة الشارقة, الإمارات العربية, (ط2)، 2007م.
الجزء 1 · صفحة 27
13. عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي (توفي 730هـ/ 1330م)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
14. عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم، الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (توفي 1298هـ/ 1881م)، اللباب في شرح الكتاب، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العلمية. ... 15. عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده, يعرف بداماد أفندي (المتوفى: 1078هـ)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وبدون تاريخ نشر.
16. عبد الله بن محمود بن مودود، الموصلي البلدحي، مجد الدين، أبو الفضل الحنفي (توفي 683هـ/ 1284م)، الاختيار لتعليل المختار، تحقيق: محمود أبو دقيقة، القاهرة، مطبعة الحلبي، 1937م. ... 17. عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: ق 12هـ)، دستور العلماء (جامع العلوم في اصطلاحات الفنون)، عرّب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص، بيروت، دار الكتب العلمية، 2000م (ط1). ... 18. عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، مؤلف الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ (المتوفى: 1021 هـ)، القاهرة، المطبعة الكبرى الأميرية، 1313ه (ط1).
19. علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (توفي 587هـ/ 1191م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتب العلمية، 1986م (ط2).
20. علاء الدين، محمد بن محمد أمين، المعروف بابن عابدين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، الحسيني الدمشقي (توفي 1306هـ/ 1889م)، قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار، بيروت، دار الفكر.
21. علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي، حنفي (توفي 461هـ/ 1068م)، النتف في الفتاوى، تحقيق: صلاح الدين الناهي، عَمان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ودار الفرقان، 1984م (ط2).
22. علي حيدر خواجه أمين أفندي (توفي 1353هـ/ 1934م)، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، بيروت، دار الجيل، 1991م (ط1). ... 23. عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت 1005هـ)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق، تحقيق: أحمد عزو عناية، بيروت، دار الكتب العلمية، 2002م (ط1).
24. لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية، مجلة الأحكام العدلية، تحقيق: نجيب هواويني، كراتشي، كارخانة تجارت كتب.
الجزء 1 · صفحة 28
25. لجنة من العلماء بإشراف نظام الدين البلخي، الفتاوى الهندية، بولاق، المطبعة الأميرية الكبرى، 1892م (ط2).
26. محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (توفي 1205هـ/ 1790م)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.
27. محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (توفي 1252هـ/ 1836م)، رد المحتار على الدر المختار، بيروت، دار الفكر، 1992م (ط2).
28. محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (توفي 189هـ/ 804م)، الأصل أو المبسوط، تحقيق: محمد بوينوكالن، بيروت، دار ابن حزم، 2012م (ط1).
29. محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر، علاء الدين السمرقندي (توفي نحو 540هـ/ 1145م)، تحفة الفقهاء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1994م (ط2).
30. محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السرخسي (توفي 483هـ/ 1090م)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1993م. ... 31. محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (المتوفى: 189 هـ)، الأصل، تحقيق ودراسَة: الدكتور محمَّد بوينوكالن، بيروت، دار ابن حزم، 2012م (ط1).
32. محمد بن حمزة بن محمد، شمس الدين الفناري، أو الفَنَري الرومي (توفي 834هـ/ 1431م)، فصول البدائع في أصول الشرائع، تحقيق: محمد حسن محمد حسين إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، 2006م (ط1).
33. محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (توفي 794هـ/ 1392م)، البحر المحيط، دار الكتبي، 1994م (ط1). ... 34. محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام (توفي 861هـ/ 1457م)، فتح القدير، دار الفكر.
35. محمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَري البريقيني الخَوَارَزْميّ الحَنَفي، المعروف بابن البَزَّاز (توفي 827هـ/ 1424م)، الفتاوى البزازية.
36. محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين، أبو عبد الله، ابن الشيخ شمس الدين، ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (توفي 786هـ/ 1384م)، العناية شرح الهداية، دار الفكر.
37. محمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو، أبو الحارث الغزي، موسوعة القواعد الفقهية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 2003م (ط1).
38. محمد عميم الإحسان المجددي البركتي، قواعد الفقه، كراتشي، الصدف ببلشرز، 1986م (ط1).
الجزء 1 · صفحة 29
39. محمد قدري باشا (توفي 1306هـ/ 1888م)، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، بولاق، المطبعة الأميرية الكبرى، 1891م (ط2). ... 40. محمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفى: 1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، بيروت، دار الكتب العلمية، 2002م (ط1).
41. محمد مصطفى الزحيلي، القواعد الفقهية وتطبيقاتها على المذاهب الأربعة، دمشق، دار الفكر، 2006م (ط1).
42. محمود بن أبي بكر الأرمَوي (توفي 682هـ/ 1283م)، التحصيل من المحصول، تحقيق: عبد الحميد علي أبو زنيد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1988م (ط1).
43. محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة البخاري الحنفي (توفي 616هـ/ 1219م)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، بيروت، دار الكتب العلمية، 2004م (ط1).
44. محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى، بدر الدين العينى (توفي 855هـ/ 1451م)، البناية شرح الهداية، بيروت، دار الكتب العلمية، 2000م (ط1).
45. مظفر الدين، أحمد بن علي بن الساعاتي (توفي 694هـ/ 1295هـ)، نهاية الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: سعد بن غرير بن مهدي السلمي، السعودية، جامعة أم القرى، 1985م. ... 46. نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ)، عيون المسائل، تحقيق: د. صلاح الدِّين الناهي، بغداد، مطبعة أسعد، 1386ه.